مكية وآياتها ثمان وتسعون.
٥٨٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الْكُوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: مَنْ قَرَأَ سُورَةَ مَرْيَمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ بِزَكَرِيَّا وَكَذَّبَ بِهِ وَيَحْيَى وَعِيسَى وَمِوسَى وَهَارُونَ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَإِسْمَاعِيلَ؛ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَبِعَدِدِ مَنْ دَعَا لِلَّهِ وَلَدًا، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَدْعُ لَهُ وَلَدًا
﴿كهيعص ﴿١﴾ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴿٢﴾ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴿٣﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴿٤﴾ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي
[ ٣ / ١٧٤ ]
وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴿٥﴾ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴿٦﴾ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ﴿٧﴾﴾ [مريم: ١-٧] بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص
٥٨٦ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، مِنْ أَصْلِهِ الْعَتِيقِ سَنَةَ سِتِّينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ يَحْيَى، أنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا زُهَيْرٌ، قَالَ: سُئِلَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ كهعيص فَحَدَّثَنَا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ: كَافٌ مِنْ كَرِيمٍ، وَهَاءٌ مِنْ هَادٍ، وَيَاءٌ مِنْ حَكِيمٍ، وَعَيْنٌ مِنْ عَلِيمٍ، وَصَادٌ مِنْ صَادِقٍ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَالْكَلْبِيِّ: مَعْنَاهُ: كَافٌّ لِخَلْقِهِ، هَادٍ لِعِبَادِهِ، يَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عَالِمٌ بِبَرِيَّتِهِ، صَادِقٌ فِي وَعْدِهِ، وَعَلَى هَذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ مِن صِفَاتِ اللَّهِ
وقرئ هايا بالتفخيم والإمالة، وإمالة هذه الحروف لا تمتنع، لأنها ليست بحروف معنى وإنما هي أسماء ما يتهجى به، فلما كانت أسماء غير حروف جاز فِيهِ الإمالة، ويدلك على أنها أسماء أنك إذا أخبرت عنها أعربتها، كما أن أسماء العدد إذا أخبرت عنها أعربتها، فكما أن أسماء العدد قبل أن تعربها أسماء كذلك هذه الحروف.
قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] قال الزجاج: ذكر مرتفع بمضمر.
المعنى: هذا الذي نتلوه عليك ذكر رحمت ربك، ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ٢] يعني: إجابته إياه حين دعاه وسأله الولد.
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] خافيا يخفي ذلك في نفسه لا يريد رياء، وهذا يدل على أن المستحب فِي الدعاء الإخفاء.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] وهن يهن وهنا ووهنا إذا ضعف، أراد أن عظامه فترت وذهبت قوته لكبره، وقال قتادة: شكا ذهاب أضراسه.
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] انتشر فِيهِ الشيب كما ينتشر شعاع النار فِي الحطب، وهذا من أحسن الاستعارة، إذ شبه بياض الشيب وانتشاره فِي الرأس بشعاع النار فِي الحطب وانتشارها.
قال الزجاج: يقال للشيب إذا كثر جدا: قد اشتعل رأسه فلان، وأنشد لبيد:
إن ترى رأس أمس واضحا سلط الشيب عليه فاشتعل
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ﴾ [مريم: ٤] أي: بدعائي إياك، ﴿رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] قال ابن عباس: لم تكن تخيب دعائي، يقال: شقي فلان بكذا إذا تعب بسببه، ولم يحصل مطلوبه، يقول: لم أكن أتعب بالدعاء ثم أخيب.
قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] يعني: الذين يلونه فِي النسب، وهم العصبة وبنو العم وورثته،
[ ٣ / ١٧٥ ]
والمعنى أنه خاف تضييع بني عمه الدين، ونبذهم إياه، فسأل ربه وليا يرث نبوته وعلمه، لئلا يضيع الدين، وحمله على هذه المسألة ما شاهد من بني إسرائيل من تبديل الدين، وقتل الأنبياء، وهذا معنى قول عطاء، عن ابن عباس: يريد بالموالي بني إسرائيل، وكانوا يبدلون الدين، ويقتلون الأنبياء.
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥] عقيما لا تلد، وهذا إخبار عن خوفه فيما مضى من الزمان حين كانت امرأته لا تلد، وكان هو آيسا من الولد، ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] ابنا صالحا تتولاه.
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ [مريم: ٦] بالرفع من صفة الولي كأنه سأل وليا وارثا علمه ونبوته، والجزم على جواب الأمر، فصح الشرط بأن يقول: إن وهبت ورث.
قال ابن عباس: يريد النبوة، فيكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء.
وقال الكلبي: يريد مكاني وحبورتي.
وقال قتادة: يرث نبوتي وعلمي.
وقال ابن قتيبة: لم يرد يرثني مالي.
وأيّ مال كان لزكريا حتى يسأل الله أن يهب له ولدا يرثه، لقد جل هذا المال إذا وعظم قدره، ونافس عليه منافسة أبناء الدنيا، وإنما كان زكريا نجارا، وكان حبرا، وكلا هذين الأمرين يدل على أنه لا مال له.
٥٨٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا عُمَرُ بْنُ مُوسَى بْنِ مُجَاشِعٍ، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: «كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هُدْبَةَ
﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] النبوة، فقال مجاهد: كان زكريا من ذرية يعقوب.
﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦] قال ابن عباس: يكون عندي مرضيا فِي الصلاح والعقاب والنبوة.
فاستجاب الله دعاءه، فقال: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧] تقدم تفسيره فِي ﴿[آل عمران.
] لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [سورة مريم: ٧] أكثر المفسرين على أن معناه لم يسم أحدا قبله يحيى، ويثبت فِي هذا له فضيلتان: أحدهما أن الله تولى تسميته، ولم يكلها إلى الأبوين، والثانية أنه سماه باسم لم يسبق إليه، يدل ذلك الاسم على فضله.
قال الزجاج: سمي يحيى لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها.
وقال ابن عباس فِي رواية عطاء: يريد لم يكن له فِي سابق علمي نظير ولا شبيه.
وقال فِي رواية الوالبي: يقول: لم تلد العواقر مثله ولدا.
وهو قول مجاهد، قال: يعني لم يجعل له مثلا فِي الفضل.
[ ٣ / ١٧٦ ]
والمراد بالسمي: المثل والنظير، كقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي: مثلا وعدلا، ولم يكن ليحيى مثل من البشر من حيث إنه لم يعص، ولم يهم بمعصية قط.
٥٨٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْجُذَامِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدُوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ سِنَانٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ ذَنَبٌ إِلا مَا كَانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، قَالَ: ثُمَّ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَدَهُ فَأَخَذَ عُودًا صَغِيرًا، ثُمَّ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ إِلا مِثْلُ هَذَا الْعُودِ؛ لِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّهُ سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴿٨﴾ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴿٩﴾﴾ [مريم: ٨-٩] قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٨] مفسر فِي ﴿[آل عمران إلى قوله:] وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [سورة مريم: ٨] يقال: عتا الشيخ يعتو عتيا إذا انتهى سنه وكبر، وشيخ عات وعاث إذا صار إلى حال اليبس والجفاف.
قال قتادة، ومجاهد: هو نحول العظم.
وسأل نافع بن الأزرق بن عباس عن قوله: عتيا فقال: المعنى اليبوس من الكبر.
وقرئ عتيا بالكسر، وكذلك صليا وبكيا وجثيا يجوز فِيها الكسر أيضا، وذكرنا هذا فِي قوله: من حليهم، وحليهم.
قال الله، كَذَلِكَ أي: الأمر كما قيل لك، هبة الولد على الكبر، ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] قال ابن عباس: يريد أن أرد عليك قوتك حتى تقوى على الجماع، وأفتق رحم امرأتك بالولد.
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [مريم: ٩] من قبل يحيى، وقرئ خلقناك لكثرة ما جاء من لفظ الخلق مضافا إلى لفظ الجمع، كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ﴾ [الحجر: ٢٦] فِي
[ ٣ / ١٧٧ ]
مواضع، ولقد خلقناكم، وقوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] يريد أنه كان عدما فأوجده بقدرته، قال الزجاج: أي يخلق الولد لك كخلقك.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ﴿١٠﴾ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴿١١﴾﴾ [مريم: ١٠-١١] ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [مريم: ١٠] قال قتادة: سأل نبي الله آية على حمل امرأته بعد ما شافهته الملائكة بالبشارة.
قال ابن الأنباري: ووجه ذلك أن نفسه تاقت إلى سرعة الأمر.
فسأل الله آية يستدل على قرب ما مَنَّ به عليه، قال الله، ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ﴾ [مريم: ١٠] أي: تمنع الكلام، فلا تقدر عليه ثلاث ليال، سويا صحيحا من غير بأس ولا خرس، قال مجاهد: أي لا يمنعك من الكلام مرض.
وسويا: منصوب على الحال، وقد مضى مثل هذا فِي ﴿[آل عمران.
] فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ [سورة مريم: ١١] قال ابن زيد: من مصلاه.
فأوحى إليهم قال ابن عبا وقتادة: أومأ إليهم وأشار.
وقال مجاهد: كتب لهم فِي الأرض، أن سبحوا صلوا لله، ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] والمعنى أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا، فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت حمل امرأته، ومنع الكلام خرج عليهم، فأمرهم بالصلاة إشارة.
﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴿١٢﴾ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ﴿١٣﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴿١٤﴾ وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴿١٥﴾﴾ [مريم: ١٢-١٥] قوله: يا يحيى قال الزجاج: المعنى فوهبنا له، وقلنا له يا يحيى.
﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] يريد التوراة، بقوة قال مجاهد: بجد ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] قال ابن عباس: آتيناه النبوة فِي صباه، وهو ابن ثلاث سنين.
وقال مجاهد: الحكم الفهم.
وهو أنه أعطي فهم الكتاب حتى حصل له عظيم الفائدة.
﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] الحنان: العطف والرحمة.
قال الوالبي، عن ابن عباس: يقول: رحمة من عندنا، وهو قول جماعة المفسرين.
وزكاة قال ابن عباس: يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص.
وقال قتادة: هي العمل الصالح.
وهو قول الضحاك، وابن جريج.
معنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا، وتحننا على العباد ليدعوهم إلى طاعة ربهم، وعملا صالحا فِي الإخلاص، ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٣] قال ابن عباس: جعلته يتقيني ولا يعدل بي غيري.
قال المفسرون: وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها.
٥٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَالٍ، نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، نا أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ
[ ٣ / ١٧٨ ]
عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " لا يَنْبَغِي لِخَلْقٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْ أَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ سَيِّئَةً وَلَمْ يَهُمَّ بِهَا "
قوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم: ١٤] البر يعني البار، كالصب والطب، فعل بمعنى فاعل، والمعنى لطيفا بهما محسنا إليهما، ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ [مريم: ١٤] قال ابن عباس: هو الذي يقتل ويضرب على الغضب، والعصي العاصي.
قال: يريد لا يرتكب لي معصية.
﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥] الآية، قال عطاء: يريد سلام عليه مني فِي الأيام.
وقال الكلبي: سلام له منا.
وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الخلق فِي ثلاث مواطن: يوم ولد فيرى نفسه خارجا عما كان فِيهِ، ويوم يموت فيرى أحكاما ليس له بها عهد، ويوم يبعث فيرى نفسه فِي محشر لم يره.
فخص الله يحيى بن زكريا بالكرامة والسلام فِي المواطن الثلاثة.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿١٦﴾ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴿١٧﴾ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنْ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴿١٨﴾ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ﴿١٩﴾ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي
[ ٣ / ١٧٩ ]
غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴿٢٠﴾ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴿٢١﴾﴾ [مريم: ١٦-٢١] قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦] قال: واذكر من أمر مريم لأهل مكة.
﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ [مريم: ١٦] قال: الكلبي: تنحت من أهلها، ممن كانوا معها فِي الدار.
يقال: انتبذ فحل ناحية، أي تنحى ناحية.
وقال قتادة: انفردت.
قال ابن قتيبة: اعتزلت مكانا شرقيا.
أي: إلى مكان فِي جانب الشرق.
قال عطاء: إن مريم تمنت أن تجد خلوة، فتفلي رأسها، فخرجت فِي يوم شديد البرد، فجلست فِي مشرقة للشمس.
وقال عكرمة: أرادت الغسل من الحيض، فتحولت إلى مشرقة دارهم للغسل.
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ﴾ [مريم: ١٧] من دون أهلها، لئلا يروها، حجابا سترا وحاجزا، ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] بينما هي تغتسل من الحيض، إذ عرض لها جبريل فِي صورة شاب أجرد مضيء الوجه، وهو قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾ [مريم: ١٧] أي: تصور لها، ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] معتدلا تاما.
قال ابن عباس: فلما رأت جبريل يقصد نحوها نادته من بعيد ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنْ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] أي: مخلصا مطيعا، فستنتهي بتعوذي بالله منك إن كنت تقيا.
قال جبريل: إنما أنا رسول ربك ليهب لك أي: أرسلني ليهب لك، ومن قرأ لأهب أسند الفعل إلى جبريل، والهبة من الله، ولكن أسند إلى الرسول، وقوله: غلاما زكيا قال ابن عباس: يريد نبيا.
وقال الضحاك: صالحا طاهرا من الذنوب.
قالت مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠] ولم يقربني زوج، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] فاجرة زانية، وإنما لم تقل بغية لأنه مصروف عن وجهه، وهو فعيل بمعنى فاعل، يقال: المرأة تبغي بغاء إذا فجرت.
قال ابن عباس: قالت مريم: ليس لي زوج، ولست بزانية، ولا يكون الولد إلا من الزوج أو من الزنا.
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٢١] مفسر فِي هذه ال ﴿[، قال ابن عباس: يريد يسير، أن أهب لك غلاما من غير محل.
] وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة مريم: ٢١] دلالة على قدرتنا، كون غلام ليس له أب، ورحمة منا لمن تبعه وصدقه، ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] وكان خلقه أمرا محكوما به، مفروغا عنه، سابقا فِي علم الله أن يقع.
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ﴿٢٢﴾ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ﴿٢٣﴾﴾ [مريم: ٢٢-٢٣] قوله: فحملته قال ابن عباس: دنا منها جبريل، فأخذ ردئي قميصها بأصبعيه، فنفخ فِيهِ، فحملت مريم من ساعتها بعيسى ﵇، ووجدت حس الحمل.
فذلك قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] أي: تنحت بالحمل إلى مكان بعيد، قال ابن عباس: أقصى الوادي، وهو بيت لحم، فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج.
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٣] قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي: ألجأها.
يقال: جاءها وأجاءها بمعنى واحد، والمخاض وجع الولادة، واختلفوا فِي مدة حملها، فقال بعضهم: تسعة أشهر على ما جرت العادة به.
وقيل: ثمانية أشهر، ليكون أيضا آية، لأنه إذا جاء لثمانية أشهر لا يعيش.
وقيل: ثلاث ساعات.
وقيل: ساعة واحدة.
وقوله: ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣] قال ابن عباس: نظرت مريم إلى أكمة، فصعدت مسرعة، وإذا عليها جذع نخلة نخرة ليس لها سعف، والجذع ساق النخلة، ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣] اليوم، وهذا الأمر، استحياء من الناس، وخوف الفضيحة، وكنت نِسْيًا منسيا النسي ما أغفل من شيء حقير ونسي، قال ابن عباس، وقتادة: شيئا متروكا لا يذكر.
وقال عكرمة، ومجاهد: حيضة ملقاة، والمنسي المتروك الذي لا يذكر.
تقول: يا ليتني كنت ذلك النسي الذي لا يذكر ولا يطلب.
وقرئ نسيا بالفتح، قال الفراء: هما لغتان، مثل الجسر والجسر، والوتر والوتر.
والنسي: ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها.
قال ابن عباس: فسمع جبريل كلامها، وعرف جزعها: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴿٢٤﴾ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا
[ ٣ / ١٨٠ ]
جَنِيًّا ﴿٢٥﴾ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴿٢٦﴾﴾ [مريم: ٢٤-٢٦] ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم: ٢٤] وكان أسفل منها تحت الأكمة، ألا تحزني وهذا قول السدي، وقتادة، والضحاك: أن المنادي جبريل، ناداها من سفح الوادي.
ومن قرأ فناداها مَنْ تَحْتَهَا قال: هو عيسى، وهو قول مجاهد، والحسن بَيَّنَ اللهُ لها الآية فِي عيسى، فكلمها ليزول ما عندها من الوحشة والجزع، ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ﴾ [مريم: ٢٤] أي: تحت قدميك، سريا وهو النهر، وكان نهرا قد انقطع الماء عنه، فأرسل الله الماء فِيهِ لمريم.
وأحيا ذلك الجذع حتى أورق، وهو قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] الهز التحريك، يقال: هزه فاهتز.
والمعنى: اجذبي إليك، ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] والباء فِيهِ زائدة، قال الفراء: العرب تقول: هزه وهز به.
ومنه قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥] معناه: فليمدد سببا، وقوله: تساقط عليك أي: تتساقط، فأدغمت التاء فِي السين، ومعناه: تسقط عليك النخلة، ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، وقرا حمزة تساقط مخففا، حذف التاء التي أدغمها غيره، وروى حفص، عن عاصم ﴿تُسَاقِطْ﴾ [مريم: ٢٥] على وزن تفاعل، وساقط بمعنى أسقط، والمساقطة والتساقط على ما ذكرنا بمعنى الإسقاط، والرطب: النضيج من البسر، والجني: بمعنى المجني، يقال: جنيت الثمرة واجتنيتها.
قوله: ﴿فَكُلِي﴾ [مريم: ٢٦] أي: من الرطب، ﴿وَاشْرَبِي﴾ [مريم: ٢٦] من السري، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] بولدك عيسى، يقال: قررت به عينا أقر قرة، بعضهم يقول: قررت أقر، وجاء فِي التفسير: طيبي نفسا.
﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦] أصله إما ترى، ثم دخله نون التوكيد، فكسر الياء لالتقاء الساكنين، كما تقول للمرأة: أخشين زيدا.
والمعنى: فإما ترين، ﴿مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] فسألك عن ولدك، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] قال ابن عباس: صمتا.
والمعنى: أوجبت على نفسي لله أن لا أتكلم.
قال قتادة: صامت من الكلام والطعام.
وقال السدي، وابن زيد: كان فِي بني إسرائيل من أراد أن يجتهد، صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم الصائم حتى يمسي.
[ ٣ / ١٨١ ]
يدل على هذا قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] أي: إني صائمة فلا أكلم اليوم أحدا، وكان قد أذن لها أن تتكلم بهذا القدر، ثم تسكت ولا تتكلم بشيء آخر.
قال ابن مسعود: ووهب أمرت بالصمت لأنها لم تكن لها حجة عند الناس فِي شأن ولدها، فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ ساحتها.
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴿٢٧﴾ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿٢٨﴾ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿٢٩﴾ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿٣٢﴾ وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴿٣٣﴾﴾ [مريم: ٢٧-٣٣] قوله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ﴾ [مريم: ٢٧] يعني بعيسى، ﴿قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] قال الكلبي: إنها ولدت حيث لم يشعر بها قومها، ومكثت أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها، ثم حملت عيسى إلى قومها، فلما دخلت عليهم بكوا وخافوا، وكانوا أهل بيت صالحين، فقالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] عظيما منكرا، لا يعرف منك ولا من أهل بيتك، والفري الأمر العظيم.
﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] قال ابن عباس، وقتادة: هارون رجل صالح من بني إسرائيل، ينسب إليه من عرف بالصلاح، والمعنى: يا شبيهته فِي العفة، وعلى هذا يدل حديث المغيرة بن شعبة، وهو ما:
٥٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحَمْنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، أنا أَبِي، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، فَقَالُوا: أَلَسْتُمْ تَقْرَءُونَ: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا كَانَ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى، فَلَمْ أَدْرِ مَا أُجِيبُهُمْ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَلا أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الأَشَجِّ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ هَارُونُ أَخَا مَرْيَمَ مِنْ أَبِيهَا، لَيْسَ مِنْ أُمِّهَا، وَكَانَ أَمْثَلَ رَجُلٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: عَنَوْا هَارُونَ أَخَا مُوسَى، وَنُسِبَتْ مَرْيَمُ إِلَى أَنَّهَا أُخْتُهُ؛ لأَنَّهَا مِنْ وَلَدِهِ كَمَا يُقَالُ لِلتَّمِيمِيِّ: يَا أَخَا تَمِيمٍ
وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] قال ابن عباس: يريد زانيا.
﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] زانية، أي: لم يكونا زانيين، فمن أين لك هذا الولد.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] أي: إلى عيسى وهو يرضع بأن كلموه، فتعجبوا من ذلك، ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] فِي الحجر رضيعا، قال أبو عبيدة: كان ههنا حشو زائد.
والمعنى: كيف نكلم صبيا فِي المهد.
وبهذا قال كثير من أهل التفسير، وقال الزجاج: الأجوز أن
[ ٣ / ١٨٢ ]
يكون من فِي معنى الشرط والجزاء.
المعنى: من يكن فِي المهد صبيا، فكيف نكلمه.
واختاره ابن الأنباري، وقال: هذا كما تقول: كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي؟ معناه: من يكن لا يقبل، والماضي يكون بمعنى المستقبل فِي باب الجزاء.
قال السدي: فلما سمع عيسى كلامهم، لم يزد على أن ترك الرضاع، وأقبل عليهم بوجهه، و﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] قال ابن عباس: أقر بالعبودية على نفسه، وبربوبية الله أول ما تكلم.
﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] أي: حكم لي بإيتاء الكتب، والنبوة فيما قضى، وهذا إخبار عما سبق له مما هو كائن.
قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ فِي قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] قال: «نفاعا حيث ما توجهت» .
وقال مجاهد: معلما للخير.
وقال عطاء: لأني أدعو إلى الله، وإلى توحيده وعبادته.
﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ﴾ [مريم: ٣١] أمرني بإقامتها، والزكاة يعني: زكاة الأموال.
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم: ٣٢] قال ابن عباس: لما قال: بوالدتي، ولم يقل: بوالدي، علموا أنه نبي من الله.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا﴾ [مريم: ٣٢] متعظما يقتل ويضرب على الغضب، شقيا عاصيا لربه.
﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣] قال المفسرون: السلامة عليَّ من الله، ﴿يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ [مريم: ٣٣] حتى لم يضرني شيطان، والآية مفسرة فِي هذه ال ﴿[، قالوا لما كلمهم عيسى بهذا، علموا براءة مريم، ثم سكت عيسى فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة التي يتكلم فِيها الصبيان.
] ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿٣٤﴾ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٣٥﴾ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٣٦﴾ فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٣٧﴾﴾ [سورة مريم: ٣٤-٣٧] قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ٣٤] قال الزجاج: ذلك الذي قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] عيسى ابن مريم، لا ما يقوله النصارى من أنه ابن الله، وأنه إله.
﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] أي: القول الحق، فأضيف القول إلى الحق، كما قيل حق اليقين، ووعد الصدق، والمعنى: هذا الكلام قول الحق، يعني: ما ذكر من صنعته وأنه ابن مريم قول الحق، من نصب قول الحق فهو نصب على المصدر، أي: قال قول الحق.
﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] الذي من نقب عيسى، ويمترون يشكون ويختلفون، فيقول قائل: هو ابن الله.
ويقول آخر: هو الله.
ثم نفى عن نفسه اتخاذ الولد، فقال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] قال ابن الأنباري: ما كان ينبغي لله أن يتخذ من ولد.
أي: ما يصلح له ولا يستقيم، فنابت اللام عن الفعل، وذلك أن الولد مجانس للوالد، وكذلك من اتخذ ولدا بما يتخذه من جنسه، والله تعالى ليس كمثله شيء فلا يكون له ولد، ولا يتخذ ولدا، قال الزجاج: من فِي قوله: من ولد مؤكدة تدل على نفس الواحد والجماعة، فلا يجوز أن يتخذ ولدا واحدا، ولا أكثر.
ثم نزه نفسه عن مقالتهم بقوله: سبحانه ثم بين السبب فِي كون عيسى من غير أب، فقال: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [مريم: ٣٥] إذا أراد أن يحدث شيئا ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] لا يتعذر عليه إيجاده على الوجه الذي أراده.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ [مريم: ٣٦] هذا إخبار عن عيسى أنه قال ذلك المعنى: ولأن الله ربي وربكم، ويجوز أن يرجع إلى قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]
[ ٣ / ١٨٣ ]
وبان الله ربي وربكم، ومن كسر جعله معطوفا على قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، ويجوز أن يكون استنئافا من غير عطف، وقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] أي: الذي أخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة.
قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧] يعني بينهم، ومن زائد.
قال المفسرون: كانوا أحزابا متفرقين بينهم فِي أمر عيسى، فقال بعضهم: هو الله.
وقال بعضهم: ابن الله.
وقال بعضهم: بالثلاثة.
فويل فشدة عذاب، ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [مريم: ٣٧] بالله، بقولهم فِي المسيح ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] من حضورهم ذلك اليوم للجزاء والحساب.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٣٨﴾ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٣٩﴾ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴿٤٠﴾﴾ [مريم: ٣٨-٤٠] ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] قال قتادة: ذلك والله يوم القيامة، سمعوا حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
وقال الحسن: لئن كانوا فِي الدنيا صما عميا عن الحق، فما أبصرهم وأسمعهم يوم القيامة.
﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] يعني: الكافرين والمشركين، ضلوا فِي الدنيا وعموا عن الحق، وآثروا الهوى على الهدى.
قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] خوف يا محمد كفار مكة يوم يتحسر المسيء، فلا أحسن العمل، والمحسن هلا ازداد من الإحسان، وقال أكثر المفسرين: يعني الحسرة حين يذبح الموت بين الفريقين.
فلو مات أحد فرحا لمات أهل الجنة، ولو مات أحد حزنا لمات أهل النار.
٥٩١ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَشَّابُ شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِبرِيُّ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ الْبَلْخِيُّ، نا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ؛ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، وَقِيلَ: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيُجَاءُ بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: تَعْرِفُونَ الْمَوْتَ، فَيَقُولُونَ: هَذَا هَذَا، وَكُلُّهُمْ قَدْ عَرَفَهُ، قَالَ: فَيَقْدَمُ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، يَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ، ﷿: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُثْمَانَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ
وقوله: ﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] قال مقاتل بن سليمان: قضي لهم العذاب فِي الآخرة.
وهم فِي الدنيا، ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩] وقال ابن جريج، والسدي: إذ قضي الأمر إذ ذبح الموت، وهو
[ ٣ / ١٨٤ ]
فِي غفلة فِي الدنيا عما يصنع بالموت ذلك اليوم، ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] بما يصنع بالموت فِي ذلك اليوم.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ﴾ [مريم: ٤٠] نميت سكانها فنرثها، ومن عليها لأنا نميتهم ونهلكم، وهذا كقوله: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] يردون بعد الموت.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿٤١﴾ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴿٤٢﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴿٤٣﴾ يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿٤٤﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿٤٥﴾﴾ [مريم: ٤١-٤٥] قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم: ٤١] اذكر لقومك قصته، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ [مريم: ٤١] كثير الصدق.
﴿نَبِيًّا ﴿٤١﴾ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤١-٤٢] وبخه على عبادته شيئا لا سمع له ولا بصر، ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] لا يدفع عنك ضرا.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ [مريم: ٤٣] بالله والمعرفة، ﴿مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] على ما جاءني من ربي لأرشدك إلى دين مستقيم.
﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤] لا تطعه فيما يزن لك من الكفر والمعاصي، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] عاصيا.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥] أخشى أن يصيبك عذاب الله بطاعتك للشيطان، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٥] قرينا فِي النار.
فقال أبوه مجبها له: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴿٤٦﴾ قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴿٤٧﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴿٤٨﴾﴾ [مريم: ٤٦-٤٨] ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦] أتاركها أنت، وتارك عبادتها، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ [مريم: ٤٦] عن شتمها وعيبها، لأرجمنك لارمينك بالقول القبيح، وأشتمنك، ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] تباعد عني مليا حينا وزمانا طويلا، والملي من الدهر حين طويل، يقال: أقام بموضع كذا مليا، أي: حينا وزمانا طويلا.
قال إبراهيم لأبيه: سلام عليك أي: سلمت مني لا أصيبك بمكروه، وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره، ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وذلك أنه لما أعياه، أمره وعده أن يراجع الله فِي أبيه، فيسأله أن يرزقه التوحيد، ويغفر له، والمعنى: سأسأل لك التوبة تنال بها مغفرته، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] بارا لطيفا، يقال: حفى به حفوة إذا بره وألطفه.
وأعتزلكم أتنحى عنكم وأفارقكم، ﴿وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] وأعتزل ما تعبدون من دون
[ ٣ / ١٨٥ ]
الله يعني الأصنام، ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [مريم: ٤٨] أعبده، ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] أرجو لا أشقى بعبادته، يعني: كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم.
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ﴿٤٩﴾ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴿٥٠﴾﴾ [مريم: ٤٩-٥٠] ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٩] هجرهم فخرج إلى ناحية الشام، ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٤٩] آنسنا وحشته من فراقهم بأولاد كرام على الله، وكلا من هذين، ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩] .
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ [مريم: ٥٠] المال والولد، وهذا قول الأكثرين، قالوا: يعني ما بسط لهم فِي الدنيا من سعة الرزق.
وقال آخرون: يعني الكتاب والنبوة، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠] ثناء حسنا فِي الناس، عليا مرتفعا سايرا فِي الناس، فكل أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته، ويثنون عليهم.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا ﴿٥١﴾ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴿٥٢﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ﴿٥٣﴾﴾ [مريم: ٥١-٥٣] قوله: واذكر فِي الكتاب موسى إنه كان مُخْلِصًا أخلص العبادة والتوحيد لله، ومن قرأ ﴿مُخْلَصًا﴾ [مريم: ٥١] فهو الذي أخلصه الله من الدنس.
﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ [مريم: ٥٢] قال ابن عباس: يريد حين أقبل من مدين، ورأى النار فِي الشجرة، وهو قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] .
﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ [مريم: ٥٢] من ناحية الجبل، وهو جبل بين مصر ومدين، واسمه زبير، ﴿الأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] يعني: الذي يلي يمين موسى، ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] مناجيا، والنجي بمعنى المناجي، كالجليس والنديم، قال ابن عباس: قربه الله وكلمه.
ومعنى هذا التقريب أن أسمعه كلامه، قال الزجاج: قربه منه فِي المنزلة حتى سمع مناجاة الله.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ [مريم: ٥٣] من نعمتنا، ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] قال ابن عباس: يريد حين سألني، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] .
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا ﴿٥٤﴾ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴿٥٥﴾﴾ [مريم: ٥٤-٥٥] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] قال مجاهد: لم يعد شيئا إلا وَفَّىَ بِهِ.
وقال مقاتل:
[ ٣ / ١٨٦ ]
أقام ينتظر إنسانا لميعاد ثلاثة أيام.
وقال الكلبي: أقام حتى حال عليه الحول.
﴿وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤] إلى جرهم.
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ [مريم: ٥٥] قال ابن عباس: يريد قومه.
قال الزجاج: أهله جميع أمته.
قال مقاتل: نظيره ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] أي: قومك.
وقوله: بالصلاة والزكاة قال ابن عباس: يريد التي افترضها الله عليهم، وهي الحنيفية التي فرضت علينا.
﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] قال: يريد قام لله بطاعته.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿٥٦﴾ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴿٥٧﴾﴾ [مريم: ٥٦-٥٧] وقوله: فِي ذكر إدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] قال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى.
قال المفسرون: رفع إلى السماء الرابعة.
٥٩٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، نا سُفْيَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِي رَأَيْتُ إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [مريم: ٥٨] يعني الذين ذكرهم من الأنبياء فِي هذه ال ﴿[، ثم بين مراتبهم فِي شرف النسب، فقال:] مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [سورة مريم: ٥٨] يعني: إدريس ونوحا، ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [مريم: ٥٨] يعني: فِي السفينة، ويريد إبراهيم، لأنه من ولد سام بن نوح، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم: ٥٨] يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وقوله: وإسرائيل يعني: ومن ذريته، وهم: موسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم، ولإبراهيم شرف القرب من نوح وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ولما تباعدوا من آدم حصل لهم الشرف بإبراهيم، ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ [مريم: ٥٨] أي: هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا، ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] قال ابن عباس: سجدا لله متضرعين إليه.
قال الزجاج: قد بَيَّنَ اللهُ أن الأنبياء كانوا إذا أسمعوا آيات الله سجدوا وبكوا.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾ إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴿٦٠﴾﴾ [مريم: ٥٩-٦٠] قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩] قال السدي: هم اليهود والنصارى.
وقال مجاهد، وقتادة: هم من هذه الأمة، عند
[ ٣ / ١٨٧ ]
قيام الساعة، وذهاب صالحي هذه الأمة، قوم يتنابزون بالزنا، ينزو بعضهم على بعض فِي الأزقة، زناة.
﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: ٥٩] قال الأكثرون: أخروها عن وقتها.
قال إبراهيم: أضاعوا الوقت.
وقال عمر بن عبد العزيز: شربوا الخمر فأضاعوها.
وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس.
﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] المعاصي وشرب الخمر، والمعنى: آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] قال ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، عن ابن عباس: وهو واد فِي جهنم.
٥٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، قَالَ: نَهْرٌ فِي جَهَنَّمَ، بَعِيدُ الْقَعْرِ، خَبِيثُ الطَّعْمِ، وَلَيْسَ مَعْنَى يَلْقَوْنَ يَرِدُونَ فَقَطْ؛ لأَنَّ اللِّقَاءَ مَعْنَاهُ الاجْتِمَاعُ وَالْمُلابَسَةُ مَعَ الرُّؤْيَةِ
﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: ٦٠] من التقصير فِي الصلاة، ﴿وَآمَنَ﴾ [مريم: ٦٠] من اليهود والنصارى، وعمل صالحا بطاعة الله، ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠] قال ابن عباس: لا ينقصون ثوابا.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴿٦١﴾ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴿٦٢﴾ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴿٦٣﴾﴾ [مريم: ٦١-٦٣] ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] قال ابن عباس: يريد أنهم عابوا عما فِيها مما لا عين رأت.
والمعنى: أنهم لم يروها، فهي غيب لهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] قال الفراء: لم يقل آتيا، لأن كل ما أتاك فقد أتيته.
ونحو هذا قال الزجاج.
وقال ابن جريج: وعده فِي هذه الآية موعود وهو الجنة، و﴿مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] يأتيه أولياؤه وأهل طاعته.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [مريم: ٦٢] وهو الهذر وما يلغى من الكلام، إلا سلاما لكن يسمعون سلاما، وهو أن بعضهم يحيي بعضا بالسلام، ويرسل إليهم الرب الملائكة بالسلام، قال الزجاج: السلام اسم جامع للخير، لأنه متضمن السلام.
والمعنى أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤذيهم، وإنما يسمعون ما يسلمهم، ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] قال المفسرون: ليس فِي الجنة بكرة ولا عشية، ولكنهم يؤتون برزقهم على مقدار ما يعرفون من الغداء والعشاء.
قال قتادة: كانت العرب إذا أصاب أحدهم
[ ٣ / ١٨٨ ]
الغداء والعشاء أعجب به، فأخبر الله أن لهم فِي الجنة رزقهم بكرة وعشيا على قدر ذلك الوقت، وليس ثم دليل ولا نهار، إنما هو ضوء ونور.
وقال الحسن: كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من الغداء والعشاء، فذكر الله جنته، فقال: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] .
قوله: تلك الجنة يعني الجنة التي ذكرها في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [مريم: ٦٠]، ﴿الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [مريم: ٦٣] .
وذلك أن الله تعالى يورث عباده المؤمنين من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا، وجوز أن يكون معنى يورث تعظيم ذلك، وننزلهم إياها، وتكون كالميراث لهم من جهة أنها تمليك مستأنف، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] أي: من اتقى معصية الله وعقابه بالطاعة والإيمان.
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴿٦٤﴾ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴿٦٥﴾﴾ [مريم: ٦٤-٦٥] قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]
٥٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَفَّالُ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الرَّسْعَنِيُّ، نا جَدِّي، نا الْمُغِيرَةُ، نا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: يَا جِبْرِيلُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورَنَا، فَنَزَلَ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ كُلَّهَا، قَالَ: وَكَانَ هَذَا جَوَابًا لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: اسْتَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، جِبْرِيلَ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا جِبْرِيلُ، إِنِّي كُنْتُ لَمُشْتَاقًا إِلَيْكَ، قَالَ: وَأَنَا، وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتُ إِلَيْكَ مُشْتَاقًا، وَلَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، إِذَا بُعِثْتُ نَزَلْتُ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ
وقوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: ٦٤] أي: من أمر الآخرة والثواب والعقاب، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] ما مضى من الدنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: ٦٤] ما يكون هذا الوقت إلى يوم القيامة، وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل، واختيار الزجاج.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] قال ابن عباس: تاركا لك منذ أبطأ عنك الوحي.
والنسي بمعنى الناسي، وهو التارك.
﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [مريم: ٦٥] مالكها، وما بينهما ومالك ما بينها، فاعبده وحده، لأن عبادته بالشرك كلا عبادة، ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥] أصبر على أمره ونهيه، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] قال ابن عباس فِي رواية الوالبي: هل تعلم للرب مثلا أو شبها؟ وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وقال فِي رواية عكرمة: هل تعلم أحدا اسمه الرحمن غيره؟ وقال فِي رواية عطاء: هل تعلم أحدا يسمى الله غيره؟ وقال الزجاج: تأويله، والله أعلم، هل تعلم له سميا يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون؟ وعلى هذا لا سَمِيّ لله فِي جميع أسمائه، لأن غيره، وإن سُمِّيَ بشيء من أسمائه، فلله حقيقة ذلك الوصف.
[ ٣ / ١٨٩ ]
﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴿٦٦﴾ أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴿٦٧﴾ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ﴿٦٨﴾ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ﴿٦٩﴾ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ﴿٧٠﴾﴾ [مريم: ٦٦-٧٠] وقوله: ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ﴾ [مريم: ٦٦] معناه: الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، ﴿أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] يقولُ ذلكَ استهزاء وتكذيبا منه بالبعث، قال ابن عباس فِي رواية عطاء: يعني الوليد بن المغيرة.
وقال فِي رواية الكلبي: نزلت فِي أبي بن خلف حين أخذ عظاما بالية يفتها بيده، ويقول: زعم محمد أن الله يبعثنا بعد ما نموت.
فقال الله مجيبا لذلك الكافر: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ﴾ [مريم: ٦٧] أولا يتذكر هذا الجاحد أول خلقه، فيستدل بالابتداء على الإعادة، وهو قوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] .
ثم أقسم أنه يحشرهم، فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨] أي: لنجمعنهم فِي المعاد، والشياطين وذلك أن كل كافر يحشر مع شيطانه فِي سلسلة، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨] يعني: فِي جهنم، وذلك أن حول الشيء يجوز أن يكون داخله، يقال: جلس القوم حول البيت إذا جلسوا داخله مطيفين به، وقوله: جثيا قال مجاهد: مستوقرين على الركب، جمع جاث، من قولهم: جثا على ركبته يجثوا جثوا.
وقال ابن عباس: جثيا جماعات.
وهو قول مقاتل، وهو جمع جثوة وجثوة، وهي المجموع من التراث والحجارة.
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ [مريم: ٦٩] لنأخذن ولنخرجن، ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩] من كل فرقة وجماعة، ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] أي: الأعتى فالأعتى منهم، قال الأحوص: بدئ بالأكابر جرما.
وقال قتادة: لننزعن من كل أهل دين قادتهم ورؤسائهم فِي الشر.
والعتي ههنا مصدر كالعتو، وهو التمرد فِي العصيان، وأما رفع أيهم، فقال الزجاج: فِيهِ ثلاثة أقوال: أحدها أنه على الاستئناف ولننزعن يعمل فِي موضع ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩] .
هذا قول يونس، وقال الخليل: أنه على معنى الذين يقال لهم: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] .
وقال سيبويه: أيهم ههنا مبني على الضم، تقول: اضرب أيهم أفضل، تريد أيهم هو أفضل.
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠] يقال: صلى النار يصلاها صليا، أي: دخلها وقاسى حرها، يعني أن الأولى بها صليا الذين هم أشد على الرحمن عتيا على معنى الابتداء بهم دون أتباعهم، لأنهم كانوا رؤساء فِي الضلالة.
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴿٧١﴾ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴿٧٢﴾﴾ [مريم: ٧١-٧٢] قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وما منكم أحد إلا وارد جهنم، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ [مريم: ٧١] كان ورودكم جهنم، ﴿حَتْمًا﴾ [مريم: ٧١] الحتم: إيجاب القضاء والقطع بالأمر، يقال: كان ذلك حتما، أي موجبا، ﴿مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] قضاه الله عليكم، وأكثر
[ ٣ / ١٩٠ ]
الناس على الحكم بظاهر الآية، وهو أن الخلق كلهم يردون النار، ثم ينجي الله المؤمنين.
٥٩٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حَمْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أنا إِسْرَائِيلُ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ، عَنْ قَوْلِهِ، تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ فَحَدَّثَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُمْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: «يَرِدُ النَّاسَ النَّارَ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَحَضْرِ الْفَرَسِ، ثُمَّ كَالرَّاكِبِ، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الآيَةِ: الْوُرُودُ الدُّخُولُ، وَأَخَذَ بِيَدِ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ: أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَسَنَدْخُلُهَا، وَخَاصَّةً نَافِعُ بْنُ الأَزْرَقِ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْءَ رُبَّمَا وَرَدَ الشَّيْءَ، وَلَكِنْ لا يَدْخُلُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَابْنَ الأَزْرَقِ، أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَسَنَدْخُلُهَا، فَانْظُرْ هَلْ يُنْجِينَا اللَّهُ مِنْهَا أَمْ لا؟ وَكَانَ أَبُو مَيْسَرَةَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ؛ قَالَ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، ثُمَّ يَبْكِي، قَالَ: أُخْبِرْنَا أَنَّا وَارِدُوهَا، وَلَمْ نُخْبَر أَنَّا صَادِرُونَ عَنْهَا، وَبَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَقَالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ يُنَبِّئُنِي فِيهَا رَبِّي أَنِّي وَارِدٌ النَّارَ وَلَمْ يُنَبِّئْنِي أَنِّي صَادِرٌ عَنْهَا، فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَيْفَ لا يَحْزَنُ الْمُؤْمِنُ؟ وَقَدْ حَدَّثَ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ وَارِدٌ جَهَنَّمَ، وَلَمْ يَأْتِهِ أَنَّهُ صَادِرٌ مِنْهَا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ، تَعَالَى، قَادِرٌ بِلُطْفِهِ أَنْ يُسَلِّمَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا إِذَا وَرَدُوهَا حَتَّى يَعْبُرُوا بِهَا وَيَخْرُجُوا مِنْهَا سَالِمِينَ
٥٩٦ - فَقَدْ أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نا صَالِحُ بْنُ غَالِبِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي سُمَيَّةَ قَالَ: اخْتَلَفْنَا فِي الْوُرُودِ؛ فَقَالَ قَوْمٌ: لا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا، ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلْتُهُ، فَأَهْوَى بِأُصْبُعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: صُمَّتَا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ، ﷺ، يَقُولُ: الْوُرُودُ: الدُّخُولُ لا يَبْقَى بَرٌّ وَلا فَاجِرٌ إِلا دَخَلَهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ، أَوْ قَالَ: لِجَهَنَّمَ، ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهَا، ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَيَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا عبد الرحمن بن محمد الرازي، نا سهل بن عثمان، عن ثور، عن خالد بن معدان، قال: إذا
[ ٣ / ١٩١ ]
دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يعدنا ربنا أن نرد النار.
فيقال لهم: بلى، ولكن مررتهم بها وهي خامدة.
٥٩٧ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَحَامِلِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، نا سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الدُّرَيْكِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: " تَقُولُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ، فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي "
وروى عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار.
ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وعلى هذا من حم من المسلمين فقد وردها، لأن الحمى من فيح جهنم، وقد قال ﷺ: «الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار» .
ويدل على صحة هذا التأويل ما:
٥٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو سَعِيدٍ الْخَلالِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا عُبَيْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، نا أَبُو أُسَامَةَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، نا عَبْدُ الرَّحَمْنِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: " أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا مِنْ وَعَكٍ كَانَ بِهِ، فَقَالَ: أَبْشِرْ، إِنَّ اللَّهَ، ﷿، يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وُرُودُ الْمُسْلِمِينَ النَّارَ: الْعُبُورُ عَلَى الْجِسْرِ، وَوَرُودُ الْكَافِرِينَ: أَنْ يَدْخُلُوهَا
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] قال ابن عباس: اتقوا الشرك وصدقوا.
﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾ [مريم: ٧٢] قال: المشركين والكفار.
﴿فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] قالوا: على الركب.
وقالوا: جميعا كما فسرنا فيما قبل.
قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ﴿٧٣﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ﴿٧٤﴾﴾ [مريم: ٧٣-٧٤] ﴿
[ ٣ / ١٩٢ ]
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٧٣] يعني: على المشركين، آياتنا بينات يريد القرآن، قال الذين كفروا مشركو قريش للذين آمنوا لفقراء المؤمنين، ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [مريم: ٧٣] أنحن أم أنتم، ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] وقرئ مقاما بضم الميم، وهما المنزل والمسكن، ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] الندي والنادي: مجلس القوم ومجتمعهم، ومنه قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] والمعنى: إن المشركين قالوا للفقراء المؤمنين: أنحن أم أنتم أعظم شأنا وأعز مجلسا؟ افتخروا عليهم بمساكنهم ومجالسهم.
فقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] الأثاث المال، أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع، قال ابن عباس، والسدي: الأثاث المال.
وقال قتادة: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾ [مريم: ٧٤] أكثر أموالا.
الحسن: الأثاث اللباس.
والرئي: المنظر، فعل من رأيت، والمصدر الرأي والرؤية، كالطحن والرعي، والمفسرون يقولون: الرأي: المنظر.
وقال الحسن: الصور.
وقرئ ريا بغير همز.
قال الزجاج: وله تفسيران: أحدهما أن الأول بطرح الهمز، الثاني أنه من الري الذي هو ضد العطن.
والمراد به أن منظرهم مرتو من النعمة، كأن النعيم بين فيهم، لأن الري يتبعه الطراوة كما أن العطش يتبعه الذبول، والمعنى: إن الله قد أهلك قبلهم أقواما كانوا أكثر متاعا وأحسن منظرا فأهلك أموالهم، وأفسد عليهم جوهم، فليخافوا نقمة الله بالإهلاك كسنة من قبلهم من الكفار.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ﴿٧٥﴾ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴿٧٦﴾﴾ [مريم: ٧٥-٧٦] قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ﴾ [مريم: ٧٥] قال ابن عباس: قل لهم يا محمد: من كان فِي العماية عن التوحيد ودين الله، ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] هذا لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: مده الرحمن مدا، وكذا فسره ابن عباس، فقال: يريد فإن الله يمد له فِيها حتى يستدرجه.
وقال الزجاج: تأويله أن الله جعل جزاء ضلالته أن يتركه ويمده فِيها، لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كأن المتكلم يقول: أفعل ذلك وآمر به نفسي، ومعنى مده الله فِي ضلالته: أمهله وطول عمره فِيها، ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ [مريم: ٧٥] يعني: الذين مدهم الله فِي الضلالة، وأخبر عن الجماعة لأن لفظ مَنْ يصلح للجماعة، ثم ذكر ما يوعدون فقال: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥] يعني القتل والأسر، أو القيامة والخلود فِي النار، فسيعلمون حينئذ، ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [مريم: ٧٥] أهم أم المؤمنون، لأن مكانهم جهنم، ومكان المؤمنين الجنة، وأضعف جندا وهذا رد عليهم فِي قولهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] .
قوله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ [مريم: ٧٦] قال الربيع بن أنس: يريد أنه يزيد الذين اهتدوا بكتابه.
هدى بما ينزل عليهم من الآيات فيصدقون بها، وقال الزجاج: المعنى أن الله يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقينا كما جعل جزاء الكافر أن يمده فِي ضلالته.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم: ٧٦] الأذكار والأعمال الحسنة من الطاعات التي تبقى لصاحبها ولا تحبط، ﴿خَيْرٌ
[ ٣ / ١٩٣ ]
عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [مريم: ٧٦] جزاء فِي الآخرة مما يفتخر به الكفار من مالهم وحسن معاشهم، ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] المرد ههنا مصدر، مثل الرد، والمعنى: وخير رد للثواب على عامليها ليس كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت، ويقال: هذا الأمر رد عليك، أي: أنفع لك، والمعنى: أنه يرد عليك ما تريد.
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا ﴿٧٧﴾ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴿٧٨﴾ كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ﴿٧٩﴾ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ﴿٨٠﴾﴾ [مريم: ٧٧-٨٠] وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ [مريم: ٧٧] قال جماعة أهل التفسير: نزلت فِي العاص بن وائل، وذلك أن خباب بن الأرت كان له عليه دين، فأتاه يتقاضاه، فقال: لا أقضيك حتى تكفر بإله محمد.
فقال خباب: والله لا أكفر بإله محمد حيا ولا ميتا ولا حين أبعث.
قال: فدع مالك قبلي، فإذا بعثت، أعطيت مالا وولدا، وقضيتك مما أعطى.
يقول ذلك مستهزءا، فأنزل الله ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ [مريم: ٧٧] يعني العاص، كفر بالقرآن، ﴿وَقَالَ لأُوتَيَنَّ﴾ [مريم: ٧٧] لأعطين، ﴿مَالا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] يعني فِي الجنة بعد البعث، وقرئ وولدا بضم الواو، وهما واحد، مثل العرب والعرب، والعجم والعجم.
٥٩٩ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحَمْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَطَّةَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو خَيْثَمَةَ، نا وَكِيعٌ، نا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلا قَيْنًا وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ لِي: لا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لَنْ أَكْفُرَ بِهِ حَتَّى تَمُوتَ وَتُبْعَثَ، فَقَالَ: فَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَسَوْفَ أَفِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالِي وَوَلَدِي، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الأَشَجِّ، عَنْ وَكِيعٍ وَكِلاهُمَا، عَنِ الأَعْمَشِ
قال الله تعالى تكذيبا له ومنكرا عليه: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] قال ابن عباس، ومجاهد: أعلم ما غاب عنه حتى يعلم أفي الجنة أم لا؟ وقال الكلبي: أنظر فِي اللوح المحفوظ؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قال ابن عباس: أم قال لا إله إلا الله، فأرحمه بها؟ وقال قتادة: يعني أقدم عملا صالحا يرجوه؟ كلا ليس الأمر على ما قال من أنه يؤتى المال والولد، ويجوز أن معنى كلا أي أنه لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عند الله عهدا، ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩] سنأمر الحفظة بإثباته عليه لنجازيه به
[ ٣ / ١٩٤ ]
فِي الآخرة، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩] نزيده عذابا فوق العذاب.
﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أي: ما عنده من المال والولد، بإهلاكنا إياه، وإبطال ملكه، وهذا قول ابن عباس وقتادة، ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] يأتي الآخرة بلا مال ولا ولد.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ﴿٨١﴾ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴿٨٢﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ﴿٨٣﴾ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ﴿٨٤﴾﴾ [مريم: ٨١-٨٤] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١] يعني: أهل مكة، عبدوا الأصنام من دون الله، ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] قال الفراء: ليكونوا لهم شفعاء فِي الآخرة.
وهذا معنى قول ابن عباس: ليمنعوهم مني.
وذلك أنهم رجوا منها الشفاعة والنصرة والمنع من عذاب الله.
قال الله تعالى: كلا قال ابن عباس: يريد لا يمنعهم مني شيء.
﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم: ٨٢] تجحد الآلهة عبادة المشركين لها، كما قال: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] وذلك أنها كانت جمادا لا تعلم العبادة، ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] يصيرون أعوانا عليهم، يكذبونهم، ويلعنونهم، ويتبرءون منهم، وقال ابن قتيبة: أي أعداء يوم القيامة، وكانوا فِي الدنيا أولياءهم.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣] ذكر الزجاج فِي هذا وجهين: أحدهما أنَّا خلينا بين الشياطين وبين الكافرين فلم نعصمهم منهم ونعذهم، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، الوجه الثاني، وهو المختار، أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم، كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف: ٣٦] فمعنى الإرسال ههنا التسليط.
وقوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] الأز التحريك والتهييج، قال ابن عباس فِي رواية الوالبي: تغريهم إغراء.
وقال فِي رواية عطاء: نزعجهم إلى المعاصي إزعاجا.
وهو قول قتادة، وقال السدي: نستعجلهم استعجالا.
﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٨٤] أي: يطلب العذاب لهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤] قال ابن عباس: يعني أنفاسهم التي يتنفسون فِي الدنيا، فهي معدودة إلى الأجل الذي أجلت لعذابهم.
وهذا من أبلغ الوعيد، والمعنى: أنا أجلناهم إلى أجل يبلغونه تعد أنفسهم إلى تمام ذلك الأجل.
قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴿٨٥﴾ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴿٨٦﴾ لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴿٨٧﴾﴾ [مريم: ٨٥-٨٧] ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ [مريم: ٨٥] أي: اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجمع فِيهِ من اتقى الله فِي الدنيا بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٨٥] إلى جنته ومحل كرامته، ﴿وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] جمع وافد، كما يقال: راكب وركب، وصاحب وصحب.
فقال: وفد الوافد يفد وفدا ووفادة إذا خرج إلى ملك فِي فتح أو أمر، قاله ابن عباس.
٦٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْبَصْرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ
[ ٣ / ١٩٥ ]
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، نا النُّعْمَانُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَلِيٍّ، ﵁، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قَالَ: لا، وَاللَّهِ مَا عَلَى أَرْجُلِهِمْ يُحْشَرُونَ، وَلَكِنْ يُؤْتَوْنَ بِنُوقٍ لَمْ تَرَ الْخَلائِقُ مِثْلَهَا، عَلَيْهَا رِحَالٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَابَ الْجَنَّةِ
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [مريم: ٨٦] الكافرين، ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] عطاشا مشاة، قال قتادة: سيقوا إليها وهم ظماء.
والورد الجماعة التي ترد الماء، ولا يرد أحد الماء إلا بعد العطش.
﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ [مريم: ٨٧] لا يشفعون ولا يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض، وهو قوله: ﴿إِلا مَنِ اتَّخَذَ﴾ [مريم: ٨٧] على معنى لكن من اتخذ، ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] فإنه يملك الشفاعة، قال ابن عباس: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إليه من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿٨٨﴾ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴿٨٩﴾ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴿٩١﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿٩٣﴾ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴿٩٤﴾ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴿٩٥﴾﴾ [مريم: ٨٨-٩٥] قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨] يعني: اليهود والنصارى ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله.
قال الله مخاطبا لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] عظيما فِي قول الجميع، ومعنى الآية: قلتم قولا عظيما، كما قال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠] .
﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ﴾ [مريم: ٩٠] أي: تدنو من الانشقاق، وقرئ ينفطرن منه وكلاهما واحد، يقال: انفطر الشيء وتفطر إذ تشقق.
﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ﴾ [مريم: ٩٠] تسقط، هدا الهد: الكسر الشديد، يقال: هدني هذا الأمر وهد ركني.
والمعنى: تسقط الجبال وتكسر كسرا، قال المفسرون: لما قالوا اتخذ الله ولدا، اقشعرت الأرض، وشاك الشجر، وغضبت الملائكة، واستعرت جهنم، وفزعت السموات والأرض والجبال.
أن دعوا قال الفراء: من أن دعوا، ولأن دعوا.
﴿لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴿٩١﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾﴾ [مريم: ٩١-٩٢] ولا يليق به اتخاذ الولد، لأن اتخاذ الولد يقتضي
[ ٣ / ١٩٦ ]
مجانسة، وكل من اتخذ ولدا اتخذه من جنسه، والله تعالى منزه من أن يجانس شيئا، أو يجانسه شيء، فمحال فِي وصفه اتخاذ الولد.
إن كل ما كل، ﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [مريم: ٩٣] من الملائكة والمخلوقين، ﴿إِلا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٩٣] إلا يأتيه يوم القيامة، عبدا ذليلا خاضعا، يعني أن الخلق عبيده، وأن عيسى وعزيرا من جملة العبيد.
لقد أحصاهم عرف عددهم، وعدهم عدا ولا يخفى عليه مبلغ جميعهم، ولا واحد منهم، مع كثرتهم.
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] بلا مال ولا نصير يمنعه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴿٩٦﴾ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ﴿٩٧﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴿٩٨﴾﴾ [مريم: ٩٦-٩٨] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] قال ابن عباس، ومجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] ما هو؟ قال: «المحبة فِي صدور المؤمنين، إن الله أعطى المؤمنين المقة والألفة والمحبة فِي صدور الصالحين» .
وقال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله، إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.
٦٠١ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نا أَبُو الأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ، تَعَالَى، إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبَّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ "
قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] أي: هوناه وأنزلناه بلغتك ليسهل عليك الإبلاغ، لتبشر به المتقين بالقرآن من
[ ٣ / ١٩٧ ]
أطاعك، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] جمع ألد، وهو الخصم، قال قتادة: جدلا بالباطل، يعني قريشا.
ثم أنذرهم وخوفهم بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ [مريم: ٩٨] قبل هؤلاء، من قرن بتكذيب الرسل، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ﴾ [مريم: ٩٨] هل ترى من الذين أهلكناهم، ﴿مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] أي: صوتا، والركز الصوت الخفي، قال الحسن: ذهب القوم فلا تسمع لهم صوت.
وقال قتادة: هل ترى من عين، أو هل تسمع من صوت.
[ ٣ / ١٩٨ ]