مكية وآياتها إحدى عشرة ومائة
٤٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو ابْنُ مَطَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيفٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا أَرِقَّاءَكُمْ سُورَةَ يُوسُفَ فَإِنَّهُ أَيُّمَا مُسْلِمٍ تَلاهَا وَعَلَّمَهَا أَهْلَهُ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَأَعْطَاهُ الْقُوَّةَ أَلَّا يَحْسُدَ مُسْلِمًا»
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿١﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢﴾ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٣﴾﴾ [يوسف: ١-٣] ﴿الر﴾ [يوسف: ١] قال ابن عباس: يريد: أنا الله الرحمن، تِلْكَ يعني: هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١] يعني: القرآن لأنه يبين الهدى والرشد، قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]
٤٦٧ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَآبَاذِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ مَحْمُودٍ الْمِهْرِجَانِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ، نا هِشَامُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَرَّانِيُّ، نا يَعْلَى بْنُ الأَشْرَفِ بْنِ جَرَادٍ وَكَانَ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ، قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى لُغَةِ أَعْرَبِ الْعَرَبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُّ الْعَرَبِ أَعْرَبُ؟» فَقِيلَ: هَوَازِنُ أَعْرَبُ النَّاسِ قَوْمٌ لا يَلْحَنُونَ، قَالَ: فَانْتُقِيَ عَرَبُ هَوَازِنَ، فَوُجِدَ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ أَعْرَبَ هَوَازِنَ، فَنَزَل الْقُرْآنُ عَلَى لُغَتِهِمْ وَهُمُ الَّذِينَ حَضَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُمُ الَّذِينَ آوَوْهُ
٤٦٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، نا الْعَلاءُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ بُرَيْدٍ الأَشْعَرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلاثٍ: لأَنِّي عَرَبِيٌّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَكَلامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ "
وقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ قال ابن عباس: كي تفهموا، لو لم يكن عربيا لما فهموه.
قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ
[ ٢ / ٥٩٩ ]
أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] قال الزجاج: نبين لك أحسن البيان.
﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣] أي: بوحينا إليك ﴿هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يوسف: ٣] القرآن لَمِنَ الْغَافِلِينَ أي: لمن الغافلين عما أوحينا إليك من أخبار الأنبياء، ثم ذكر قصة يوسف فقال: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴿٤﴾ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٥﴾ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٦﴾﴾ [يوسف: ٤-٦] ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ﴾ [يوسف: ٤] قال الفراء: التاء في يا أبت هاء، وأصل دخولها للسكت وهو قولهم: يا أباه.
ثم سقطت الألف لدلالة فتحة الباء عليها، وانصرفت الهاء إلى لفظ التاء لكثرة الاستعمال، تشبيها بتاء التأنيث، وكسرت تقديرا أن بعدها ياء الإضافة، ولم تستعمل في غير النداء، لأن هاء السكت مع الألف لا يدخلان إلا في النداء، والاختيار كسر التاء في هذه القراءة لأنها أجريت مجرى تاء التأنيث وكسرت على الإضافة إلى نفس المتكلم على معنى: يا أبتي، ثم حذفت الياء لأن ياء الإضافة تحذف في النداء، ومن فتح التاء أبدل الياء بالألف فقال: يا أبتا ثم حذف الألف وأبقى الفتحة دالة عليها كقول الأعشى:
ويا أبتا لا تزل عندنا فإنا نخاف بأن تخترم
وقال رؤبة:
يا أبتا علك أو عساكا
وقوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] قال المفسرون: رأى يوسف ﵇ وهو ابن اثنتي عشرة سنة أن أحد عشر كوكبا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ سجدن له، فكانت الكواكب في التأويل إخوته، والشمس أمه والقمر أباه، فلما قصها على يعقوب أشفق عليه من حسد إخوته له فقال له: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]، وذلك أن يوسف ﵇ كان نبيا في علم الله مذ كان، ورؤيا الأنبياء وحي، وعلم يعقوب أن إخوة يوسف يعرفون تأويلها ويخافون علو يوسف عليهم فيعملون عملا يكون فيه هلاكه، وهو قوله: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] أي: فيحتالوا في هلاكك ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥] ظاهر العداوة، يزين له الباطل.
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: ٦] قال الزجاج، وابن الأنباري: ومثل ما رأيت من الرفعة والحال الجليلة، يختارك ربك ويصطفيك من بين إخوتك.
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ
[ ٢ / ٦٠٠ ]
الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] قال ابن عباس، وقتادة، ومجاهد: يريد والتأويل تعبير الأحلام، والتأويل: ما يئول إليه المعنى في الرؤية، والأحاديث هي أحاديث الناس عما يرونه في منامهم.
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٦] بالنبوة ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦] يعني: المختصين بالنبوة منهم كَمَا أَتَمَّهَا بالنبوة عَلَى أَبَوَيْكَ قال قتادة: كل ذلك فعل الله به، اجتباه واصطفاه وعلمه من تأويل الأحاديث، فكان أعبر الناس للرؤيا وأتم النعمة عليه.
﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٦] حيث يضع النبوة حَكِيمٌ في خلقه، قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴿٧﴾ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٨﴾ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴿٩﴾ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴿١٠﴾﴾ [يوسف: ٧-١٠] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ [يوسف: ٧] أي: في خبر يوسف وقصة إخوته آيَاتٌ عبر وعجائب، وقرأ ابن كثير: آية كأنه جعل شأنهم كلهم آية لِلسَّائِلِينَ، سألت اليهود رسول الله ﷺ عن قصة يوسف فأخبرهم بها كما في التوراة، فعجبوا من ذلك، وكان في ذلك أعجب دلالة للسائلين على صدق محمد ﷺ لأنه شرح أخبار قوم لم يشاهدهم، ولم ينظر في الكتب لأنه كان أميا.
قوله: إِذْ قَالُوا يعني: إخوة يوسف، قالوا فيما بينهم لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ بنيامين وكان أخاه لأمه، والباقون كانوا إخوته لأبيه دون أمه، ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: ٨] أي: إنه أشد لهما حبا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ قال الفراء: العصبة: العشرة فما زاد، والمعنى: نحن جماعة رجال ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨] قال ابن الأنباري: ضل بإيثارهما علينا ضلال خطأ يلحقه ضرره في دنياه، إذ كنا أنفع له في القيام بمواشيه من يوسف وأخيه.
وقال أهل المعاني: إن أبانا في ذهاب عن طريق الثواب الذي فيه التعديل بيننا في المحبة.
ثم قالوا أيضا فيما بينهم ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [يوسف: ٩] في أرض يبعد فيها عن أبيه ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩] يقبل بكليته عليكم ويخلص لكم عن شغله بيوسف، يعنون: أن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه، فإذا فقده أقبل علينا بالمحبة، وأخطأوا في هذا التدبير لأنه لما فقد يوسف أعرض عنهم بالكلية، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، وقوله: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩] قال ابن عباس: تحدثوا توبة بعد ذلك يقبلها الله منكم.
وهذا قول عامة المفسرين، والمعنى: قوما صالحين بإحداث التوبة، عزموا على التوبة قبل إحداث الجناية، وكذا المؤمن لا ينسى التوبة وإن كان مرتكبا للذنوب، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ [يوسف: ١٠] يعني من إخوة يوسف، وهو يهوذا أكبر ولد يعقوب وأعقلهم ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٠] وقال قتادة: هو روبيل نهى عن قتله فقال: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠] الغيابة: كل ما غيب شيئا وستره، والغيابة: حفرة القبر لأنها
[ ٢ / ٦٠١ ]
تغيب المدفون، والجب: الركية التي لم تطو، قال الحسن: غيابة الجب قعر الجب.
وقال قتادة: أسفل الجب.
والمعنى: اطرحوه في موضع مظلم من البئر لا يلحقه نظر الناظرين، وقرأ أهل المدينة غيابات الجب بالجمع على معنى أن للجب أقطارا ونواحي ويكون فيه غيابات، فآثروا الجمع لذلك، واختلفوا في هذا الجب فقال قتادة: في بئر بيت المقدس.
وقال وهب: هو بأرض الأردن.
وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب.
قوله: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] يعني: مارة الطريق، وهم الجماعة الذين يسيرون في الطريق للسفر، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠] قال ابن عباس: يريد: إن أضمرتم ما تريدون ولما عزموا على الكيد بيوسف.
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ﴿١١﴾ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿١٢﴾ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴿١٣﴾ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴿١٤﴾﴾ [يوسف: ١١-١٤] قَالُوا لأبيهم ﴿مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] أنكروا عليه خوفه إياهم على يوسف، فقالوا: لم لا تأمننا عليه فترسله معنا؟ ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] قال ابن عباس: يريد الرحمة والبر.
والمعنى: وإنا طالبون ما يعود إلى مصلحة أمره، ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ [يوسف: ١٢] أي: إلى الصحراء نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ قال الكلبي: نذهب ونجيء وننشط ونلهو، ومن قرأ بكسر العين هو افتعال من الرعاية بمعنى الحفظ يعني بعضنا بعضا، ومن قرأ بجزم العين فهو من قولهم: رتع الماء.
إذا أرعى ما شاء، وأرتعتها أنا.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] قال ابن عباس: أي: من كل ما تخافه عليه.
﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٣] أي: يحزنني ذهابكم به لأنه يفارقني فلا أراه ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] قال المفسرون: إن يعقوب رأى في المنام ذئبا عدا على يوسف فكان حذرا عليه خائفا من تناول الذئب إياه لرؤياه التي رآها.
وقال آخرون: إنما خاف عليه الذئب لأن أرضهم كانت مذئبة.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣] أي: مشتغلون برعيتكم، ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١٤] أي: إن أكله الذئب ونحن جماعة نرى الذئب قد قصده فلا نرده عنه إنا إذا لعاجزون، فمعنى الخسران ههنا: العجز.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ﴿١٥﴾ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ﴿١٦﴾ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴿١٧﴾ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴿١٨﴾﴾ [يوسف: ١٥-١٨] قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ [يوسف: ١٥] في الكلام اختصار وإضمار، التقدير: فأرسله معهم فلما ذهبوا به وأجمعوا أي عزموا على ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥] قال السدي: خرجوا بيوسف وبه عليهم كرامة، فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة، وجعل أحدهم يضربه، فيستغيث بالآخر، فيضربه فلا يرى منهم رحيما، وضربوه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه، يا يعقوب، لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء، فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه، وجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه ردوا علي القميص، فأتوا به فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا يؤنسونك، ودلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة في البئر فقام عليها وجعل يبكي، فناداه إخوته فظن أنها رحمة أدركتهم، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه، وكان يهوذا يأتيه بالطعام.
قال الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن اثنتي عشرة سنة ولقى أباه بعد ثلاثين سنة.
وقال محمد بن مسلم الطائفي: لما ألقي يوسف في الجب قال: يا شاهدا غير غائب، ويا قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير مغلوبا، اجعل لي فرجا مما أنا فيه.
قال: فما بات فيه.
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ١٥] الآية، قال المفسرون: أوحى الله تعالى إلى يوسف تقوية لقلبه في البئر لتصدقن رؤياك، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا بعد اليوم.
﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] بأنك يوسف في وقت إخبارك إياهم بأمرهم، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، قال ابن عباس: ثم إنهم ذبحوا سخلة، وجعلوا دمها على قميص يوسف ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦] ليكون أجرا في الظلمة على الاعتذار لكذبهم ليدلسوا على أبيهم، فلما سمع صوتهم فزع، وقال: ما لكم يا بني؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا.
قال فما أصابكم؟ وأين يوسف؟ ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧] قال أكثر المفسرين: يسابق بعضنا بعضا في الرمي ليتبين أينا أسبق سهما.
وقال مقاتل: نشتد ونعدو ليتبين أينا أسرع عدوا.
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ [يوسف: ١٧] ثيابنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] بمصدق لنا ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] لاتهمتنا في يوسف لمحبتك إياه، وأروه قميصه ملطخا بدم، فذلك قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] أي: مكذوب فيه لأنه لم يكن دم يوسف فسمي
[ ٢ / ٦٠٣ ]
بالمصدر كما تقول: ضرب الأمير ونسج اليمن، فقال يعقوب: كذبتم ما عهدي بالذئب حليما، لو أكله لخرق قميصه ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ [يوسف: ١٨] زينت لكم أَمْرًا غير ما تصفون فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي: فشأني صبر جميل، وهو الذي لا جزع فيه ولا شكوى ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] أي: به أستعين على ما تقولون من الكذب، ثم إن يوسف مكث في الجب ثلاثة أيام ثم جاءت.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿١٩﴾ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴿٢٠﴾﴾ [يوسف: ١٩-٢٠] ﴿سَيَّارَةٌ﴾ [يوسف: ١٩] أي: رفقة تسير في السفر ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف: ١٩] وهو الذي يرد الماء ليستقي للقوم فَأَدْلَى دَلْوَهُ أرسلها في البئر فتشبث يوسف بالرشاء فأخرجه الوارد، فقال: يَا بُشْرَاي يا فرحتي، وقرأ أهل الكوفة: يا بشرى وهذه القراءة كالأولى إلا أنها غير مضافة، وقال السدي: نادى صاحبه وكان اسمه بشرى، فقال: يا بشرى هذا غلام، وذلك أن الوارد، واسمه مالك بن ذعر لما أرسل الدلو في البئر تعلق يوسف بالحبل فأخرجه مالك وهو يظن أنه يستقي الماء، فإذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان، ففرح بذلك فقال: يا بشراي أو: يا بشرى.
قال كعب: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العين، مستوي الخلق أبيض اللون غليظ الساقين والساعدين والعضدين، خميص البطن، صغير السرة، وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه لا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار، وكان يشبه آدم يوم خلقه الله ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية، ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت قد أعطيت سدس الحسن.
وقوله: وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً أسره الوارد ومن كان معه من التجار الذين كانوا معهم في الرفقة، وقالوا لهم: هو بضاعة دفعها إلينا بعض أهل الماء إلى مصر، وقالوا فيما بينهم: إن قلنا التقطناه شاركونا فيه، وإن قلنا اشتريناه سألونا الشركة، وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ١٩] قال ابن عباس: يريد بيوسف.
وقوله: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ [يوسف: ٢٠] قال وهب: كان يهوذا منتدبا ينظر ما يطرأ على يوسف، فلما أخرجوه من البئر أخبر إخوته، فأتوا مالك بن ذعر وقالوا: هذا عبدنا.
وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، فقال مالك بن ذعر: أنا اشتريته منكم.
فباعوه منه، وذلك قوله: وشروه يقال: شريت.
إذا بعت، وإذا اشتريت، وقوله: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قال ابن عباس، وأكثر المفسرين: حرام لأن ثمن الحر حرام، وسمي الحرام بخسا لأنه لا بركة فيه فهو منقوص البركة.
قال الكلبي: باعوه باثنين وعشرين درهما.
وهذا قول مجاهد، وقال الزجاج: أخذ كل واحد من إخوته درهمين.
قال عطاء، عن ابن عباس: بعشرين درهما فأخذ كل
[ ٢ / ٦٠٤ ]
واحد منهم إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئا.
فذلك قوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: قليلة، وذكر العدد عبارة عن القلة ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] والزهد والزهادة: قلة الرغبة في الشيء، يريد: أن إخوة يوسف كانوا من الزاهدين في يوسف لأنهم لم يعرفوا موضعه من الله ولا كرامته عليه، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم كانوا زاهدين في ذلك الثمن إما لرداءته، وإما لأن قصدهم كان تبعيد يوسف لا الثمن، ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف وتبعهم إخوته يقولون لهم: استوثقوا منه فإنه آبق سارق كاذب وقد برئنا إليكم من عيوبه، فحمله مالك على ناقة وصار به نحو مصر، وكان طريقهم على قبر أمه، فلما بلغ قبر أمه أسقط نفسه من الناقة على القبر وهو يبكي ويقول: يا أمي ارفعي رأسك من الثرى وانظري إلى ولدك يوسف وما لقي بعدك من البلاء، يا أماه لو رأيت ضعفي وذلي لرحمتيني، يا أماه لو رأيتيني وقد نزعوا قميصي وشدوني وفي الجب ألقوني، وعلى خد وجهي لطموني، وبالحجارة رجموني.
وفقده مالك فصاح في القافلة: ألا إن الغلام قد رجع إلى أهله.
فطلبه القوم فرأوه، فأقبل إليه رجل منهم وقال: يا غلام قد أخبرنا مواليك أنك آبق سارق فلم نصدق حتى رأيناك تفعل ذلك.
فقال: والله ما أبقت ولكنكم مررتم على قبر أمي فلم أتمالك أن رميت بنفسي على قبرها.
قال: فرفع يديه ولطم وجهه وجره حتى حمله على ناقته، وذهبوا به حتى قدموا مصر فأمره مالك بن ذعر حتى اغتسل، ولبس ثوبا حسنا، وعرضه على البيع فاشتراه قطفير بن روحيب وهو العزيز بمصر، وكان على خزائن الملك الأعظم وصاحب أمره.
قال مقاتل بن سليمان: اشتراه بعشرين دينارا وحلة ونعلين.
وقال وهب: ترافع الناس في ثمنه وتزايدوا حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا وورقا وحريرا، فابتاعه قطفير بهذا الثمن فلما اشتراه وأتى به منزله قال لامرأته واسمها راعيل: أكرمي مثواه.
فذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٢١﴾ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٢٢﴾﴾ [يوسف: ٢١-٢٢] ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١] قال ابن عباس: أكرميه ما كان عندك.
وقال الزجاج: أحسني إليه في طول مقامه عندنا.
يقال: ثوى يثوي ثوى ومثوى.
﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [يوسف: ٢١] أي: يكفينا إذا بلغ وفهم الأمور، يقضي بعض شئوننا.
٤٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَفْرَسُ النَّاسِ ثَلاثَةٌ: الْعَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ فِي يُوسُفَ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَتْ مُوسَى فَقَالَتْ لأَبِيهَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ
وقوله: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١] أي: نتبناه وكان العزيز عقيما أو حصورا لا يولد له، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي
[ ٢ / ٦٠٥ ]
الأَرْضِ﴾ [يوسف: ٢١] يعني: وكما أنجيناه من إخوته حين هموا بإهلاكه، وأخرجناه من ظلمة البئر، مكنا له في الأرض، ملكناه في أرض مصر حتى بلغ ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢١] تقدم تفسيره ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١] قال ابن عباس: على ما أراد من قضائه، أي: لا يغلبه على أمره غالب، ولا يبطل إرادته منازع فهو قادر على أمره من غير مانع ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] ذلك وهم المشركون والذين لا يعلمون أن قدر الله غالب، وأن مشيئته نافذة.
قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [يوسف: ٢٢] العرب تقول: بلغ فلان أشده.
إذا بلغ منتهاه في شبابه وقوته، قال أكثر المفسرين: ثلاثا وثلاثين سنة.
وقال عطاء: يريد الحلم.
وقال الضحاك: عشرين سنة.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] عقلا وفهما، وقال الكلبي: الحكم النبوة والعلم علم الدين.
وقال الزجاج: جعلناه حكيما عالما.
وليس كل عالم حكيما، والحكيم: العالم المستعمل علمه الممتنع من استعمال ما يجهل فيه وَكَذَلِكَ ومثل ما وصفنا من تعليم يوسف كذلك نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ قال الضحاك: يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴿٢٤﴾ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٥﴾ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٢٦﴾ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٧﴾ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴿٢٨﴾ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴿٢٩﴾﴾ [يوسف: ٢٣-٢٩] قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣] يعني امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها، طلبت منه أن يواقعها، والمراودة: المطالبة بأمر للعمل به، قال الزجاج: طالبته بما تريد النساء من الرجال.
وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ قال المفسرون: غلقت سبعة أبواب ثم دعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] معناه في
[ ٢ / ٦٠٦ ]
قول جميع أهل اللغة والتفسير: هلم.
قال الفراء، وابن الأنباري: لا مصدر له، ولا تصرف، ولا تثنية ولا جمع ولا تأنيث يقال للاثنين: هيت لكما.
وللجمع هيت لكم.
قال الأخفش: يجوز كسر التاء ورفعه، وكسر بعضهم الهاء، وفتح التاء كل ذلك بمعنى واحد، قال أبو زيد: هيت لك بالعبرانية: هنيا لخ، أي: تعال، أعربه القرآن، أما ما روى هشام، عن ابن عامر: هئت لك بكسر الهاء والهمزة وضم التاء فإنها فعلت من الهيئة، قال أبو زيد: هئت للأمر هيئة، وتهيأت له.
ويجوز تخفيف الهمزة كما يخفف من جيت وشيت، وأنكر أبو عمرو، والكسائي هذه القراءة وقالا: هيت بمعنى تهيأت، باطل ولم تحك عن العرب.
والله أعلم، قَالَ يوسف مَعَاذَ الله أعوذ بالله أن أفعل هذا، والمعنى: أعتصم بالله من هذا إِنَّهُ رَبِّي إن الذي اشتراني هو سيدي أَحْسَنَ مَثْوَايَ أي: أنعم علي بإكرامي فلا أخونه في حرمته، إني إن فعلت ذلك كنت ظالما، و﴿لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣] قال ابن عباس: لا يسعد الزناة العاصون.
قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] قال أهل التفسير: السدي، وابن إسحاق، والضحاك، ومقاتل فيما ذكروا، عن ابن عباس: إنها لما راودت يوسف جعلت تذكر محاسن يوسف فقالت: يا يوسف، ما أحسن شعرك.
قال: هو أول ما ينتشر من جسدي.
قالت: ما أحسن عينيك.
قال: هي أول ما يسيل على الأرض من جسدي.
قالت: ما أحسن وجهك.
قال: هو للتراب يأكله.
قالت: ما أحسن صورتك.
قال: ربي صورني في الرحم.
قالت: يا يوسف، صورة وجهك أنحلت جسمي.
قال: الشيطان يعينك على ذلك.
قالت: بساط الحرير قد بسطته، قم فاقض حاجتي.
قال: إذن يذهب نصيبي من الجنة.
قالت: ادخل الستر معي.
قال: ليس شيء يسترني من ربي.
فلم تزل تطمعه وتدعوه إلى اللذة ويوسف شاب يجد من شبق الشباب ما يجده حتى جرى الشيطان فيما بينهما، فضرب إحدى يديه إلى جيب يوسف وبيده الأخرى إلى جيب المرأة، فجمع بينهما حتى خلوا في بعض البيوت، فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] أي: أرادته وقصدته، وأما هم يوسف فذكر ابن عباس، وجلة أهل التفسير: أنه حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن.
وسئل ابن عباس: ما بلغ من هم يوسف؟ قال: استلقت المرأة وقعد بين رجليها ينزع ثيابه.
وهذا قول سعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، ومجاهد، وابن أبي بزة، والأعمش، والحسن، هذا قول المتقدمين، وذكر المتأخرون فرقا بين الهمين: فقال أبو العباس
[ ٢ / ٦٠٧ ]
أحمد بن يحيى: همت المرأة بالمعصية مصرة على ذلك وهم يوسف بالمعصية ولم يأتها ولم يصر عليها، فبين الهمين فرق، وشرحه ابن الأنباري، فقال: همت المرأة عازمة على الزنا، ويوسف عارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب وحديث النفس فلم يلزمه هذا الهم ذنبا، إذ الرجل الصالح يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد، فإذا لم يشرب كان غير مؤاخذ بما هجس في نفسه.
قال الزجاج: والذي عليه المفسرون أنه هم بها وأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته إلا أن الله تفضل بأن أراه البرهان، ألا ترى أنه قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣] الآية، وقال ابن الأنباري: والذي نذهب إليه في هذه الآية ما يروى عن الصحابة والتابعين من إثبات الهم ليوسف غير عائبين له، بل نقول: إن انصرافه بعد إثبات الهم ونهيه نفسه عن هواها تعظيما لله ومعرفة بحقه أدل على وفور الثواب وتكامل الأجر.
والذين أثبتوا الهم ليوسف من علي، وابن عباس، ووهب، وابن سيرين، وغيرهم كانوا أعرف بحقوق الأنبياء وارتفاع منازلهم عند الله من الذين نفوا الهم عنه، وقد قال الحسن: إن الله لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعييرا لهم، ولكنه قصها عليكم لئلا تقنطوا من رحمته.
وقال أبو عبيد: يذهب الحسن إلى أن الحجة من الله على أنبيائه أوكد، وهي لهم ألزم، فإذا كان يقبل التوبة منهم فهي إلى قبولها منكم أسرع.
وقوله: ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] قال ابن عباس، وعامة المفسرين: مثل له يعقوب فرأى صورته عاضا على إصبعيه يقول: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في الأنبياء؟ فاستحيا منه.
قال الحسن: مثل له جبريل في صورة يعقوب.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال: مثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله.
وقال السدي: رأى يعقوب قائما في البيت يقول: يا يوسف لا تواقعها فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق، ومثلك إن واقعتها مثله إذا مات فوقع بالأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك إذا لم تواقعها كمثل الثور الصعب الذي لم يعمل عليه، ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصل قرنيه فلا يستطيع أن يدفع عن نفسه.
٤٧٠ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ السُّكَّرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ، نا عَمْرُو بْنُ الْبَصْرِيِّ، نا أَبُو الْهَيْثَمِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَصْرِيُّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] قَالَ: قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ إِذَا بِكَفٍّ قَدْ بَدَتْ بَيْنَهُمَا لَيْسَ فِيهَا عَضُدٌ وَلا مِعْصَمٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿١٠﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿١١﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴿١٢﴾﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]، فَقَامَ هَارِبًا، وَقَامَتْ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُمَا الرُّعْبُ عَادَتْ وَعَادَ، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ إِذَا بِكَفٍّ قَدْ بَدَتْ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَيْسَ فِيهَا عَضُدٌ وَلا مِعْصَمٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢]، فَقَامَ هَارِبًا وَقَامَتْ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُمَا الرُّعْبُ عَادَتْ وَعَادَ، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ إِذَا بِكَفٍّ قَدْ بَدَتْ فِيمَا بَيْنَهُمَا، لَيْسَ فِيهَا عَضُدٌ وَلا مِعْصَمٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآيَةَ فَقَامَ هَارِبًا وَقَامَتْ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُمَا الرَّوْعُ عَادَ وَعَادَتْ،
[ ٢ / ٦٠٨ ]
فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِجِبْرِيلَ: أَدْرِكْ عَبْدِي قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ الْخَطِيئَةَ فَانْحَطَّ جِبْرِيلُ عَاضًّا عَلَى إِصْبَعَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا يُوسُفُ أَتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهَاءِ وَأَنْتَ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الأَنْبِيَاءِ
فذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] قال الزجاج: السوء: خيانة صاحبه، والفحشاء: ركوب الفاحشة.
والمخلصين: الذين اخلصوا دينهم لله، فمن فتح اللام أراد الذين أخلصهم الله من الأسواء، قوله: وَاسْتَبَقَا الْبَابَ أي: تبادرا إلى الباب يجتهد كل واحد أن يسبق صاحبه فإن سبق يوسف المرأة فتح الباب وخرج، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب لئلا يخرج فلم تصل إلا إلى دبر قميصه فقدته، وذلك قوله: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٥] أي: قطعته من خلف وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا وجدا وصادفا زوجها عند الباب، فحضرها في ذلك الوقت كيد، فقالت سابقة بالقول ومبرئة نفسها من الأمر وملزمة يوسف بالذنب: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] قال ابن عباس: يريد الزنا.
﴿إِلا أَنْ يُسْجَنَ﴾ [يوسف: ٢٥] يحبس في السجن ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] يعني: الضرب بالسياط فلما سبقت هي بطرح الجرم على يوسف غضب يوسف وقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] أي: أعلم معلم وأبين مبين وكان رجلا حكيما من أقارب المرأة، قال الكلبي: كان ابن عمها وكان رجلا حكيما وكان مع زوجها، فقال: قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب وشق القميص، فلا ندري أيكما كان قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدامه كانت المرأة صادقة، وإن كان من خلفه فهو صادق.
وقوله: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] إلى ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ﴾ [يوسف: ٢٨] من حكم الشاهد وبيانه عما يوجب الاستدلال به على تمييز الكاذب من الصادق، وقوله: فلما رأى أي: زوج المرأة قميص يوسف ﴿قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ [يوسف: ٢٨] أي: إن قولك: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا من كيدكن ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، ثم قال ليوسف يُوسُفُ أي: يا يوسف ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود: ٧٦] أي: اترك هذا الأمر ولا تذكره وَاسْتَغْفِرِي أنت لِذَنْبِكِ قال لامرأته: توبي أنت من ذنبك ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩] إنك قد أثمت بمراودتك شابا عن نفسه وإرادته على الزنا، ثم شاع ما جرى بينهما وانتشر في مدينة مصر حتى تحدثت بذلك النساء وخضن فيه، وهو قوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٣٠﴾ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴿٣١﴾ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴿٣٢﴾ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٣٣﴾ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٤﴾﴾ [يوسف: ٣٠-٣٤] ﴿
[ ٢ / ٦٠٩ ]
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠] قال ابن عباس: يريد نسوة من أشراف النساء، وأراد بالنسوة الجمع لذلك ذكر فعلهن حملا على المعنى، وإذا أنث حمل على اللفظ، وقوله: امْرَأَةُ الْعَزِيزِ يعني: زليخا، والعزيز بلغتهم: الملك تُرَاوِدُ فَتَاهَا غلامها ﴿عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠] قال ابن عباس: قد دخل حبه شغاف قلبها.
وهو موضع الدم الذي يكون داخل القلب، وقال الزجاج: الشغاف حبة القلب وسويداء القلب.
﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ﴾ [يوسف: ٣٠] عن طريق الرشد بحبها إياه مُبِينٍ ظاهر.
فَلَمَّا سَمِعَتْ زليخا بِمَكْرِهِنَّ قال ابن إسحاق: يعني: كيدهن وذلك أنهن إنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف، لما كان بلغهن من حسنه وجماله، اتخذت مأدبة فدعت أربعين امرأة منهن هؤلاء اللاتي عيرنها، فذلك قوله: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ﴾ [يوسف: ٣١] وهيأت لَهُنَّ مُتَّكَأً مجلسا للطعام وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، وقال ابن عباس في رواية عطاء، ومجاهد: هو الأترج.
وقال جماعة من المفسرين: يعني طعاما يحز بالسكين.
وقال الأزهري: وقيل للطعام متكأ لأن القوم إذا قعدوا على الطعام اتكأوا، ونهيت هذه الأمة عن ذلك.
وقوله: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ [يوسف: ٣١] قال السدي: أعطيت كل واحدة منهن أترجة وسكينا وأمرت يوسف بالبروز لهن، ليرينه فيعذرنها في حبها إياه، وهو قوله: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] أعظمنه، وهالهن أمره، وبهتن بالنظر إليه وذهب عقولهن، وجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين تعجبا من حسنه وجماله، وهو قوله: وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ قال قتادة: أبنَّ أيديهن.
وقال مجاهد: لم يحسسن إلا بالدم، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهن بيوسف.
﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٣١] حاش وحاشا يستعملان في الاستثناء والتبرئة، والأصل حاشا لأنه من فاعل المحاشاة، يقال: حاشى يحاشي.
والحشاء: الناحية، ومعنى حاش لله صار يوسف في حشا أي: في ناحية مما قذف به أي: لم يلابسه، كأن المعنى: بعد يوسف عن هذا الذي رمي به، أي: لخوفه ومراقبته أمره، وهذا قول أكثر المفسرين، قالوا: هذا تنزيه ليوسف عما رمته به امرأة العزيز.
وقال آخرون: هذا تنزيه له من تهمة البشر، لفرط جماله، يدل على هذا سياق الآية.
ومن قرأ حاش بغير ألف
[ ٢ / ٦١٠ ]
فهو على حذف آخر الفعل كقولهم: لم يك، ولا أدر، وقد قال رؤبة:
وصاني العجاج فيما وصني
وقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] أي: ليس هذا بآدمي ﴿إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] على ربه.
٤٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الْحُسْنِ»
٤٧٢ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ السَّعْدِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ بَحْرٍ، نا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ الْخَرَشِيِّ، قَالَ: قُسِمَ الْحُسْنُ نِصْفَيْنِ نِصْفٌ لِيُوسُفَ وَسَارَّةُ وَنِصْفٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَصِفُ يُوسُفَ حِينَ رَآهُ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ: " رَأَيْتُ رَجُلا صُورَتُهُ صُورَةُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَخُوكَ يُوسُفُ "
٤٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْحَرْبِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، أنا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " هَبَطَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ: حَبِيبِي إِنِّي كَسَوْتُ حُسْنَ يُوسُفَ مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ، وَكَسَوْتُ حُسْنَ وَجْهِكَ مِنْ نُورِ عَرْشِي، وَمَا خَلَقْتُ خَلْقًا أَحْسَنَ مِنْكَ يَا مُحَمَّدُ "
قَالَتْ المرأة عند ذلك للنسوة: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] قال ابن الأنباري: أشارت بذلك إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس، قال المفسرون: أرادت إظهار عذرها عند النسوة بما شهدن من جمال يوسف، بهتن بالنظر إليه، وذهبت عقولهن، وجعلن يقطعن أيديهن، قالت لهن هذا القول، ومعنى ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، أي: في حبه والشغف به، ثم أقرت عندهن فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] امتنع وأبى، ثم توعدته بإيقاع المكروه به إن لم يطعها فيما تدعوه إليه، فقالت: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] من الإذلال بالسجن والحبس، قَالَ يوسف ﴿
[ ٢ / ٦١١ ]
رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] مما يطالبنني به من معصيتك، وذلك أن النسوة قلن له: إنك الظالم وهي المظلومة، وأمرنه بمطاوعتها وقضاء حاجتها ﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] كيد جميع النسوة ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] أمل إليهن وأتابعهن، يقال: صبا إلى اللهو، يصبو صبوا.
إذا مال إليه ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] من يستحق صفة الذم بالجهل، قال ابن عباس: يريد المذنبين الآثمين.
فَاسْتَجَابَ الله ليوسف دعاءه ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٤] بأن عصمه منهن ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ [يوسف: ٣٤] لدعائه الْعَلِيمُ بما خاف من الإثم، وقال وهب، والسدي: إن امرأة العزيز قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس، يخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أقدر أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فظهر للعزيز وأصحابه من الرأي حبس يوسف، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴿٣٥﴾ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٦﴾ قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٣٧﴾ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴿٣٨﴾ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٣٩﴾ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٤٠﴾ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿٤١﴾ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿٤٢﴾ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴿٤٣﴾ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ ﴿٤٤﴾ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴿٤٥﴾﴾ [يوسف: ٣٥-٤٥] ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ﴾ [يوسف: ٣٥] يعني: آيات براءة يوسف لَيَسْجُنُنَّهُ ليحبسنه في السجن حَتَّى حِينٍ الحين من الزمان غير محدود يقع على القصير منه والطويل، قال عطاء: يريد إلى انقطاع المقالة.
وقال الكلبي: الحين ههنا
[ ٢ / ٦١٢ ]
خمس سنين.
وقال عكرمة: سبع سنين.
وقال مقاتل: حبس يوسف اثنتي عشرة سنة.
قال السدي: ثم إن الملك غضب على خباز بلغه أنه يريد أن يسمه، وأن صاحب شرابه مالأه على ذلك فحبسهما جميعا، وذلك قوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦] وكان يوسف لما دخل السجن قال لأهله: إني أعبر الأحلام.
فقال أحد الفتيين: هلم نجرب هذا العبد العبراني نتراءى له شيئا فسألا من غير أن يكونا رأيا شيئا، فذلك قوله: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] قال له الساقي: إني رأيت أصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وعصرتها، ومعنى أعصر خمرا: أعصر عنب خمر، أي: العنب الذي يكون عصيره خمرا، فحذف المضاف، وقال الزجاج، وابن الأنباري: العرب تسمي الشيء باسم ما يئول إليه الشيء إذا انكشف المعنى ولم يلتبس، يقولون: فلان يطبخ الأُجُرَّ ويطبخ الدبس وإنما يطبخ اللبِن والعصير.
وقوم يقولون: إن بعض العرب يسمون العنب خمرا، حكى الأصمعي، عن المعتمر أنه لقي أعرابيا معه عنب، قال: ما معك؟ فقال: خمر.
وقال صاحب الطعام: رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش منه، فذلك قوله: ﴿وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] أخبرنا بتفسيره ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] تؤثر الإحسان، وتأتي الأفعال الجميلة، قال سلمة بن نبيط: كنت بخراسان جالسا عند الضحاك فسأله رجل عن قوله: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] ما كان إحسان يوسف؟ قال: كان إذا ضاق على رجل مكانه وسع عليه، وإن احتاج جمع له، وإن مرض قام عليه.
وقال الفراء: من المحسنين العالمين.
ونحو هذا قال الزجاج: ممن يحسن التأويل.
ثم ذكر لهما يوسف ما يدل على أنه عالم بتفسير الرؤيا فقال: ﴿لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] في منامكما ﴿إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] في اليقظة ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧] التأويل ذَلِكُمَا التأويل ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧] أي: لست أقوله على جهة التكهن والتنجم، وإنما أخبركما بوحي من الله وعلم، ثم أخبر أنه تارك ملة الكفر فقال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] الآية ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يوسف: ٣٨] إلى قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] قال ابن عباس: يريد: أن الله عصمنا من أن نشرك به.
﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٣٨] أي: اتباعنا الإيمان بتوفيق الله لنا وبفضله علينا وَعَلَى النَّاسِ يعني المؤمنين ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨] الله على نعمته فيوحدونه، ثم دعاهما إلى الإسلام فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف: ٣٩] يعني: الأصنام من صغير وكبير خَيْرٌ أعظم في صفة المدح ﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] يعني: أنه أحق بالإلهية من الأصنام، ثم خاطبهم ومن على مثل حالهم في الكفر فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [يوسف: ٤٠] من دون الله ﴿إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَآؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠] يعني: الأرباب والآلهة ولا تصح معانيها للأصنام فكأنها أسماء فارغة، وكأنهم يعبدون الأسماء لأنها لا معاني تصح لها ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠] من حجة بعبادتها ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠] أي: الفضل بالأمر والنهي إلا لله ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: ٤٠] أي: الذي أمر به من ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] وهو الدين المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] قال ابن عباس: لا يعلمون ما للمطيعين من الثواب، وللعاصين من العقاب.
قوله: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ [يوسف: ٤١] الآية، قال الكلبي: لما قص الساقي رؤياه على يوسف قال له: ما
[ ٢ / ٦١٣ ]
أحسن ما رأيت: أما الأغصان الثلاثة، فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيردك إلى عملك فتعود كأحسن ما كنت فيه.
وقال للخباز لما قص عليه: بئس ما رأيت: السلال الثلاث ثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيقتلك ويصلبك وتأكل الطير من رأسك.
فقالا: ما رأينا شيئا.
قال: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] أي: فرغ منه، سيقع بكما ما عبرت لكما صدقتما أو كذبتما، وإنما حلم يوسف بوقوع الأمر بهما من قبل، وحي أتاه من الله تعالى.
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ [يوسف: ٤٢] أي: أيقن وعلم، وهو الساقي ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] أي: عند الملك صاحبك، وقل له: إن في السجن غلاما محبوسا ظلما ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] قال مجاهد: أنسى الشيطان يوسف الاستعانة بربه، وأوقع في قلبه الاستغاثة بالملك، فعوقب بأن لبث في السجن بضع سنين.
وهذا قول ابن عباس، واختيار الزجاج وذهب القوم إلى أن الكناية راجعة إلى الساقي على معنى: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] قال الأصمعي: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، وعامة المفسرين على أن المراد بالبضع ههنا سبع سنين، وقالوا: عاقب الله يوسف بأن حبس سبع سنين بعد الخمس التي حبسها إلى وقت قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، قال ابن عباس: لما تضرع يوسف إلى مخلوق وكان قد اقترب خروجه أنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين.
٤٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا زُهَيْرُ بْنُ سَلامٍ، نا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ، حَيْثُ يَبْتَغِي الْمَخْرَجَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ»
وروى الحسن، أن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث» .
قال: ثم يبكي الحسن ويقول: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس، ويروى أن جبريل دخل على يوسف السجن، فلما رآه يوسف عرفه، فقال له يوسف: يا أخا المنذرين، ما لي أراك بين الخاطئين، فقال له جبريل: يا طاهر الطاهرين، يقرأ عليك السلام ربُّ العالمين ويقول لك: أما استحييت مني إذ استشفعت بالآدميين؟ فبعزتي لألبثنك في السجن بضع سنين.
قال
[ ٢ / ٦١٤ ]
يوسف: وهو في ذلك عني راض؟ قال: نعم.
قال: إذن لا أبالي.
قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] الآية، قال المفسرون: لما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته، وذلك أنه رأى سبع بقرات سمان وسبعا عجاف، فابتلعت العجاف السمان فدخلت في بطونهن فلم ير منهن شيئا، ورأى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قد انعقد حبها وَسبعا أُخَرَ يَابِسَاتٍ قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبت عليها، فجمع الملك الكهنة وقصها عليهم.
فذلك قوله: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ٤٣] والعجاف ضد السمان، وأحدها أعجف وعجفاء، والعجف: ذهاب السمن، فمعنى العجاف: الهزلى التي لا لحم عليها، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] يقال: عبرت الرؤيا أعبرها عبرا وعبارة، وعبرتها تعبيرا.
إذا فسرتها، ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] أي: أحلام مختلطة لا تأويل لها، قال أبو عبيدة: ونراه مأخوذا من الحشيش الذي يجمع، ويقبض عليه بالكف فيقال له: ضغث.
وقال الكلبي: أباطيل أحلام.
وقال قتادة: أخلاط أحلام.
قال ابن الأنباري: إنهم قالوا هذه منامات كاذبة لا يصح تأويلها.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ﴾ [يوسف: ٤٤] التي هذا وصفها بِعَالِمِينَ إذ كنا نعلم تأويل ما يصح، وهذا معنى قول أكثر المفسرين، واختيار الزجاج قال: إنهم قالوا له: رؤياك هذه أخلاط وليس للرؤيا المختلطة عندنا تأويل.
قال الكلبي: لما سأل الملك عن رؤياه جثا الساقي بين يديه بعد انقضاء جواب الملأ، فقال للملك: إني قصصت أنا والخباز على رجل في السجن منامين فخبرنا بتأويلهما، فصدق في جميع ما وصف، ولم يسقط من تأويله شيء، فإن أذنت مضيت إليه واتيتك من قبله بتفسير هذه الرؤيا.
فذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ [يوسف: ٤٥] يعني الساقي ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: تذكر شأن يوسف وما وصاه به بعد حين من الدهر.
قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والأمة: زمان من الدهر طويل، قال عطاء، عن ابن عباس: بعد سنين.
وقوله: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: أن أخبركم به فَأَرْسِلُونِ فأرسل، فأتى يوسف فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٤٦﴾ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ
[ ٢ / ٦١٥ ]
إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ ﴿٤٧﴾ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ ﴿٤٨﴾ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿٤٩﴾﴾ [يوسف: ٤٦-٤٩] يُوسُفُ يعني يا يوسف ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦] الكثير الصدق فيما يخبر به، وما بعد ذلك ظاهر إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٤٦] يعني: الملك، وأصحابه، والعلماء الذين جمعهم لتعبير رؤياه لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ كي يعرفوا ذلك، وقيل: لعلهم يعلمون فضلك وعلمك.
قال له يوسف: أما السبع بقرات السمان فإنهم سبع سنين مخصبات وذوات نعمة، وأنتم تزرعون فيها، وهو قوله قَالَ تَزْرَعُونَ أي: فازرعوا ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: ٤٧] قال ابن عباس: متوالية.
والدأب: استمرار الشيء على عادة، وهو دائب يفعل كذا، أي: استمر في فعله، وقد دأب يدأب دأبا ودأبا، والمعنى: زراعة متوالية في هذه السنين على عادتكم فَمَا حَصَدْتُمْ مما زرعتم ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧] يعني: ما أردتم أكله فدوسوه، ودعوا الباقي في السنبل، لأنه أبقى له وأبعد عن الفساد ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] يعني: سبع سنين مجدبات، والشداد: الصعاب التي تشتد على الناس يَأْكُلْنَ يذهبن ويفنين ﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨] في السنين المخصبة ﴿إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] تحرزون وتدخرون، والإحصان: إحراز الشيء، قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ [يوسف: ٤٩] الآية، قال قتادة: زاده الله علم عام لم يسألوه عنه.
وقوله: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩] يقال: غاث الله البلاد يغيثها غيثا.
إذا أنزل بها الغيث، ومعنى يغاث الناس: يمطرون ويسقون الغيث وَفِيهِ يَعْصِرُونَ من السمسم دهنا، ومن العنب عصيرا، ومن الزيتون زيتا للخصب الذي آتاهم كما كانوا يعصرون أيام الخصب، فلما رجع الرسول إلى الملك وأخبره بما أفتاه به يوسف عرف الملك أن ذلك التأويل صحيح، فقال: ائتوني الذي عبر رؤياي، فهو قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠] فجاء الرسول يوسف قال له: أجب الملك، فأبى أن يخرج مع الرسول حتى تبين براءته مما قذف به، فقال للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] يعني: الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ [يوسف: ٥٠] ما حالهن وشأنهن؟ والمعنى: فاسأل الملك أن يتعرف ويسأل ما شأن تلك النسوة وحالهن ليعلم صحة براءتي، قال المفسرون: أشفق يوسف من أن يراه الملك بعين مشكوك في أمره، متهم بفاحشة، فأحب أن يراه بعد أن يزول عن قلبه ما كان فيه.
وقد استحسن رسول الله ﷺ حزم يوسف وصبره حين دعاه الملك فلم يبادر، وهو ما روي أن رسول الله ﷺ قال: " لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له، حين أتاه الرسول فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] الآية، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن طول ما لبثت لأسرعت الإجابة، وبادرتهم الباب، وما ابتغيت العذر، إن كان لحليما ذا أناة ".
٤٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْمُزَكِّي، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، نا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أنا
[ ٢ / ٦١٦ ]
خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ جَاءَنِي الدَّاعِي لأَجَبْتُ»
قال الزجاج: ولم يفرد يوسف امرأة العزيز لحسن عشرة منه وأدب، فخلطها بالنسوة، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] أي: أنه عالم بذلك وقادر على إظهار براءتي، قال المفسرون: فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك النسوة وفيهن امرأة العزيز، فقال: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٥١﴾ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴿٥٢﴾ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٥٣﴾﴾ [يوسف: ٥١-٥٣] مَا خَطْبُكُنَّ ما شأنكن وقصتكن ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] قال ابن الأنباري: جمعهن في السؤال ليعلم عين المراودة.
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] من زنا، أعلمنه براءة يوسف من الزنا، فقالت ﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] أي: ظهر وتبين ووضح وانكشف، قال الفراء: لما دعا النسوة فبرأنه، قالت: لم يبق إلا أن يقبل علي بالتقرير.
فأقرت.
فذلك قولها: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] في قوله ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] فقال يوسف ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] يقول: ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك إليه في شأن النسوة ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته بالغيب ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] لا يرشد كيد من خان أمانته، يعني: أنه يتضح في العاقبة بحرمان الهداية، ولما قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] قال له جبريل ﵇: ولا حين هممت بها يا يوسف؟ فقال يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣] قال ابن عباس: وما أزكي نفسي، خاف على نفسه التزكية، وتزكية النفس مما يذم وينهى عنه.
﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] بالقبيح وما لا يحب الله، وذلك لكثرة ما تشتهيه وتنازع إليه ﴿إِلا مَا رَحِمَ﴾ [يوسف: ٥٣] أي: من رحم رَبِّيَ فعصمه مما تدعوه إليه نفسه من القبيح، وما: يقع بمعنى مَن، قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، ولما تبين للملك عذر يوسف، وعرف أمانته وكفايته وعلمه وعقله قال: ﴿
[ ٢ / ٦١٧ ]
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴿٥٤﴾ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴿٥٥﴾ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٦﴾ وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿٥٧﴾﴾ [يوسف: ٥٤-٥٧] ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٤] أجعله خالصا لي لا يشركني فيه أحد فَلَمَّا كَلَّمَهُ قال الكلبي: لما صار يوسف إلى الملك، وكان في ذلك الوقت ابن ثلاثين سنة، فلما رآه الملك حدثا شابا قال للساقي: أهذا يعلم من تأويل رؤياي ما لم يعلمه السحرة ولا الكهنة؟ قال: نعم.
فأقبل على يوسف، وقال: إني أحب أن أسمع تأويل رؤياي منك شفاها، فأجابه يوسف بما شفاه وشهد قلبه بصحته، فعند ذلك قَالَ له الملك ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] قال ابن عباس: يريد مكنتك في ملكي، وجعلت سلطانك فيه كسلطاني، وائتمنتك فيه.
وقال الزجاج: أي: قد عرفنا أمانتك وبراءتك مما قذفت به.
ولما عبر يوسف رؤيا الملك بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟ قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا، وتبني الأهرام وتجمع فيها الطعام ليأتيك الخلق من النواحي فيمتارون منك لحكمك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا؟ ومن يجمعه، ويكفي الشغل فيه؟ فقال يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] يعني: أرض مصر إِنِّي حَفِيظٌ لما وليت عَلِيمٌ بأمره.
قاله قتادة، وقال السدي: حفيظ للحساب عالم بالألسن.
وذلك أن الناس كانوا يفدون على الملك من كل ناحية، ويتكلمون بلغات مختلفة، فقال له الملك: ومن أحق به منك؟ فولاه ذلك كله.
٤٧٦ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلُّوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " رَحِمَ اللَّهُ أَخِي يُوسُفَ، لَوْ لَمْ يَقُلِ: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ لَوَلَّاهُ مِنْ سَاعِتِه، وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ عَنْهُ سَنَةً "
[ ٢ / ٦١٨ ]
قال أصحاب الأخبار: فأقام في بيت الملك سنة، فلما انصرفت السنة من يوم أن سأل الإمارة دعاه الملك، وتوجه، ورداه بسيفه، وأمر له بسرير من ذهب، وضرب عليه كلة من إستبرق مكللة بالدر والياقوت، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوجا لونه كالثلج، ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه في صفاء لونه، فانطلق حتى جلس على السرير، ودانت له الملوك، ولزم الملك بيته، وفوض أمره إليه، وعزل قطفير عما كان عليه، وجعل يوسف مكانه، ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي، فزوج الملك يوسف براعيل امرأة قطفير، فلما دخل عليها قال لها: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ فقالت: أيها الصديق، لا تلمني فإني كنت امرأة حسناء ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في صورتك فغلبتني نفسي، فلما بنى بها يوسف وجدها عذراء، فأصابها، فولدت له ابنين: أفرايم، وميشا ابني يوسف، واستوثق ليوسف ملك مصر.
فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٥٦] أي: ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه أقدرنا يوسف على ما يريد في الأرض أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦] هذا تفسير التمكين، وقرأ ابن كثير: نشاء بالنون وذلك أن مشيئة يوسف لما كانت بمشيئة الله وإقداره عليها جاز أن ينسب إلى الله تعالى، وإن كان في المعنى ليوسف ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦] قال ابن عباس: أتفضل على من أشاء برحمتي.
﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] ثواب الموحدين.
﴿وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يوسف: ٥٧] أي: ما يعطي الله تعالى من ثواب الآخرة خير للذين آمنوا، أي: خير مما يعطي الله المؤمنين في الدنيا، والمعنى: أن ما يعطي الله يوسف في الآخرة خير مما أعطاه في الدنيا، وكذلك غيره ممن يسلك طريقه في الصبر على المكاره، وقال أصحاب الأخبار: لما اطمأن يوسف في ملكه، وخلت السنون المخصبة ودخلت سِنُو الجدب، جاءت بهول لم يعهد الناس مثله، وأصاب الناس الجوع، ولما كان بدو القحط بينما الملك نائم أصابه الجوع في نصف الليل، فهتف الملك: يا يوسف الجوع الجوع.
فقال يوسف: هذا أوان القحط.
وكان يوسف لا يمتلئ شبعا من الطعام في تلك الأيام، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف إن شبعت أنسى الجائع.
وقصد الناس مصر يمتارون، وأصاب أرض كنعان، وبلاد الشام من القحط والشدة ما أصاب سائر البلاد، ونزل بيعقوب من ذلك ما نزل بالناس، فأرسل بنيه إلى مصر للميرة، وأمسك بنيامين عنده فلما دخلوا عليه عرفهم يوسف وأنكروه فذلك قوله: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴿٥٨﴾ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴿٥٩﴾ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ﴿٦٠﴾ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ﴿٦١﴾ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٦٢﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ
[ ٢ / ٦١٩ ]
مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿٦٣﴾ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿٦٤﴾﴾ [يوسف: ٥٨-٦٤] ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨] قال ابن عباس: كان بين أن قذفوه في الجب وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة فلذلك أنكروه.
وقال الكلبي: إنه كان متزينا بزي فرعون مصر، عليه ثياب حرير، جالسا على حرير في، عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج فلذلك لم يعرفوه.
وقال عطاء: لم يثبتوه وعليه تاج الملك وحجاب الملك، وعلى هذا إنما لم يعرفوه لأنهم رأوه من وراء ستر.
وقال السدي: لما نظر إليهم يوسف قال لهم: أخبروني ما أمركم؟ قالوا: نحن قوم من أرض الشام جئنا نمتار طعاما.
قال: كم أنتم؟ قالوا: عشرة.
قال: أخبروني خبركم.
قالوا: إنا إخوة بنو رجل صديق وإنا كنا اثنى عشر، فذهب أخ لنا معنا إلى البرية فهلك فيها، وكان أحبنا إلى أبينا.
قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه.
فذلك قوله: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٥٩] يقال: جهزت القوم تجهيزا.
إذا هيأت لهم جهازهم للسفر وما يحتاجون إليه، قال المفسرون: حمل لكل رجل منهم بعيرا.
﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٥٩] أتمه ولا أبخسه ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] خير المضيفين، قال الزجاج: لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم، ثم أوعدهم على ترك الإتيان بالأخ بمنع الطعام، وهو قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] لا تقربوا بابي ولا بلادي.
﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ [يوسف: ٦١] نطلب منه ونسأله أن يرسله معنا وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ لضامنون لك المجيء به.
وَقَالَ يوسف لفتيته، قال ابن عباس: لغلمانه.
وقرئ لفتيانه، قال الزجاج: الفتيان والفتية في هذا الموضع المماليك ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢] وقال عطاء: يريد: الدراهم والدنانير التي جاءوا بها.
في رحالهم في أوعيتهم، والرحل: كل شيء معد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن، وقال الضحاك، عن ابن عباس: كانت بضاعتهم النعال والأدم، وإنما أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم لأنهم متى فتحوا أوعيتهم فوجدوا بضاعتهم علموا كرم يوسف وسخاءه فيبعثهم على العود إليه، وقال الكلبي: لخوف ألا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى.
وقيل: رأى لو ما أخذه ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إلى الطعام.
وقال الفراء: لأنهم إذا رأوا بضاعتهم في رحالهم ردوها على يوسف ولم يستحلوا إمساكها ويرجعون.
وذلك قوله: لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا لكي يعرفوا بضاعتهم إِذَا انْقَلَبُوا انصرفوا ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] لكي يرجعوا إلينا ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا﴾ [يوسف: ٦٣] إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته.
وقالوا: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ [يوسف: ٦٣] أي: فيما يستقبل إن لم نأته بأخينا لقوله: ﴿
[ ٢ / ٦٢٠ ]
فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ [يوسف: ٦٠]، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٣] بنيامين نَكْتَلْ نأخذ الطعام بالكيل، وقال الزجاج: أي: إن أرسلته اكتلنا وإلا منعنا الكيل.
وقرئ بالياء على معنى: يأخذ أخونا بنيامين وقر بعير يكال له ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] من أن يصيبه سوء أو مكروه.
قَالَ يعقوب ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] يقول: لا آمنكم على بنيامين إلا كأمني على يوسف، يريد: أنه لم ينفعه ذلك الأمن، وأنهم خانوه، فهو وإن أمنهم في هذا خاف خيانتهم أيضا، ثم قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [يوسف: ٦٤] أي: من حفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم، والمعنى: حفظ الله خير من حفظكم ومن قرأ ﴿حَافِظًا﴾ [يوسف: ٦٤] فالمعنى: حافظ الله خير من حافظكم لأن الله سبحانه له حفظه فحافظه خير من حافظكم، كما أن حفظه خير من حفظكم، قال كعب: لما قال يعقوب: فالله خير حافظا.
قال الله ﷿: وعزتي لأردن عليك كليهما بعد ما توكلت علي.
قوله: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴿٦٥﴾ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴿٦٦﴾﴾ [يوسف: ٦٥-٦٦] ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٥] يعني: أوعية الطعام وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ التي حملوها لثمن الطعام ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ [يوسف: ٦٥]، ما استفهام، والمعنى: أي شيء نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا؟ ويجوز أن يكون نفيا كأنهم قالوا: ما نبغي شيئا ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف: ٦٥] أي: لسنا نطلب منك دراهم نرجع بها إليه، بل تكفينا في الرجوع إليه بضاعتنا هذه، وأرادوا بهذا الكلام أن يطيبوا نفس أبيهم على الإذن لهم بالمعاودة، وقوله: وَنَمِيرُ أَهْلَنَا أي: نجلب إليهم الطعام، يقال: مار أهله يميرهم ميرا.
إذا أتاهم بطعام وَنَحْفَظُ أَخَانَا بنيامين ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] لأنه كان يكال لكل رجل وقر بعير ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥] على هذا الرجل الذي نأتيه لسخائه وحرصه على البذل، قَالَ يعقوب لهم: لن أرسل بنيامين معكم ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٦٦] حتى تعطوني عهدا موثوقا به من جهة إشهاد الله والقسم به، والمعنى: حتى تحلفوا بالله لَتَأْتُنَّنِي بِهِ لتردنه إلي ﴿إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم.
قال ابن إسحاق: إلا أن يصيبكم أمر يذهب بكم جميعا فيكون ذلك عذرا لكم عندي.
والعرب تقول: أحيط بفلان.
إذا دنا هلاكه، ومنه قوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] أي: أصابه ما أهلكه ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] فلما أعطوه اليمين والعهد قَالَ يعقوب: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦] قال ابن عباس: شهيد.
وذلك أن الشهيد وكيل بمعنى: أنه موكول إليه القيام بما أشهد عليه، ولما تجهز بنوه للمسير، قال يعقوب: ﴿
[ ٢ / ٦٢١ ]
وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿٦٧﴾ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٦٨﴾ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٦٩﴾﴾ [يوسف: ٦٧-٦٩] ﴿يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا﴾ [يوسف: ٦٧] يعني مصر ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧] وإنما قال ذلك حذرا من العين عليهم إذ كانت العين حقا، وكانوا أولي جمال وكمال وأبناء رجل واحد يجتمعون في الحسن والظاهرة والقامات الممتدة، ثم قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] يعني: أن الله إن شاء أهلكهم متفرقين، والمعنى: لن أدفع عنكم شيئا قضاه الله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٦٧] ما الحكم فيما يقضي ويريد إلا لله، ثم ذكر أنه متوكل عليه بباقي الآية.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ [يوسف: ٦٨] كان لمصر أربعة أبواب، فدخلوا من أبوابها كلها كما أمرهم أبوهم ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٨] قال ابن عباس: ما كان ذلك ليرد قضاء قضاه الله تعالى.
يعني: أن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم مجتمعين، وهذا تصديق ليعقوب في قوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧]، قوله: ﴿إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨] يعني: أن ذلك الدخول من الأبواب المتفرقة قضى حاجة في نفس يعقوب وهي إرادته أن يكون دخولهم كذلك شفقة عليهم وخوفا من العين ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ [يوسف: ٦٨] وإن يعقوب لذو يقين ومعرفة بالله لِمَا عَلَّمْنَاهُ من أجل تعليمنا إياه، مدحه الله بالعلم لقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] علم أن الحذر لا ينفع من القدر، وأن المقدور كائن ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٨] قال ابن عباس: لا يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه، ولما أقدموا أخاهم عليه، قالوا له: قد امتثلنا أمرك، وأقدمنا عليك أخانا الذي أحببت حضوره، فأمر صاحب ضيافته أن ينزل كل اثنين منهم في منزل، فبقى أخوه منفردا، فأنزله معه فذلك قوله ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] قال الحسن، وقتادة: ضمه إليه وأنزله معه.
ولما خلا به قال له: ما اسمك؟ قال: بنيامين، قال: ما اسم أمك؟ قال: راحيل، قال: هل لك أخ من أمك؟ قال: كان لي أخ من أمي هلك قال: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ فقال بنيامين: أيها الملك ومن يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩] يوسف ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ٦٩] لا تحزن ولا تغتم بما عملوا من حسدنا، والحرص على صرف وجه أبينا عنا، وعلى ما أدخلوا عليك من الحزن بما فعلوا بي، فقد جمع الله بيني وبينك وأرجو أن يجمع الله بيننا وبين يعقوب، ثم أوفى يوسف لإخوته الكيل، وحمل لهم بعيرا بعيرا وحمل لبنيامين بعيرا باسمه، كما حمل لهم وأمر بسقاية الملك فجعل في رحل بنيامين فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴿٧٠﴾ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ ﴿٧١﴾ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ
[ ٢ / ٦٢٢ ]
زَعِيمٌ ﴿٧٢﴾ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴿٧٣﴾ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ ﴿٧٤﴾ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴿٧٥﴾ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴿٧٦﴾ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴿٧٧﴾ قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٧٨﴾ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ ﴿٧٩﴾﴾ [يوسف: ٧٠-٧٩] ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] والسقاية: الصواع الذي كان يشرب فيه الملك، قال ابن عباس: كان قدحا من زبرجد.
وقال ابن زيد: كان كأسا من ذهب.
وقال عكرمة: كان مشربة من فضة مرصعة بالجواهر.
قال أصحاب الأخبار: لما قال يوسف لبنيامين: إني أنا أخوك، قال: فأنا لا أفارقك بعد هذا.
قال يوسف: قد علمت اغتمام الوالد بي وأنا إن حبستك عنه ازداد غمه ولا يمكنني حبسك إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع.
قال: لا أبالي، فافعل ما بدا لك.
قال: فإني أدس صاعي هذا في رحلك، ثم أنادي عليك بالسرقة ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك.
فذلك قوله: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] وكان مشربة يشرب منها الملك جعلها يوسف مكيالا لئلا يكال بغيرها، ثم ارتحلوا، وأمهلهم يوسف حتى أمعنوا في الطلب، ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ [يوسف: ٧٠] نادى مناد وأعلم معلم: أَيَّتُهَا الْعِيرُ قال الزجاج: معناه: يا أصحاب العير وكل ما أشير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير.
إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ناداهم المنادي وعنده: أنهم قد سرقوا السقايا، ولم يعلم أن يوسف أمر بوضعها في رحل أخيه.
قَالُوا يعني: أصحاب العير وهم إخوة يوسف وَأَقْبَلُوا على أصحاب يوسف: مَاذَا تَفْقِدُونَ ما الذي فقدتموه من متاعكم ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٢] قال الزجاج: الصواع: هو الصاع بعينه وهو يذكر ويؤنث وهو السقاية.
وقال الحسن: الصواع والسقاية شيء واحد.
﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ [يوسف: ٧٢]
[ ٢ / ٦٢٣ ]
الصواع حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] كفيل، يقول المؤذن وقد ضمن حمل بعير لمن رد إليه الصواع، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف: ٧٣] حلفوا على علم قوم يوسف لأنهم غير قاصدين لفساد لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يظلمون أحدا، وذلك أنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم لم يستحلوا أخذها، وبادروا بردها وذلك قوله: ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣] ومن رد ما وجد كيف يكون سارقا.
﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤] أي: ما جزاء الَّسِرِق ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٧٤] في قولكم: وما كنا سارقين؟ ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ [يوسف: ٧٥] قال المفسرون: كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان ذلك لهم كالقطع في شرعنا.
لذلك ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ [يوسف: ٧٥] أي: جزاء السَّرِقِ السارق، وهو الإنسان الذي وجد المسروق في رحله، وقوله: فَهُوَ جَزَاؤُهُ زيادة في الإبانة كَذَلِكَ مثل ما ذكرنا من الجزاء نَجْزِي الظَّالِمِينَ يعني: إذا سرق استرقّ، فقال لهم المؤذن: لا بد من تفتيش أمتعتكم.
وانصرف بهم إلى يوسف، فَبَدَأَ يوسف في التفتيش ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] لإزالة التهمة ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا يعني السقاية ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] قال المفسرون: ولما فتش أوعيتهم ولم يبق إلا رحل بنيامين، قال يوسف: ما أظن هذا أخذ شيئا.
فقال إخوته: والله لا نبرح حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك.
فلما فتحوا متاعه استخرجوا الصاع منه، فأقبلوا على بنيامين، وقالوا: إيش الذي صنعت؟ فضحتنا وسودت وجوهنا متى أخذت هذا الصاع؟ فقال: وضع هذا الصاع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] أي: دبرنا له بأن ألهمناه أن يجعل السقاية في رحل أخيه ليتوصل به إلى حبسه مَا كَانَ يوسف ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] قال ابن عباس وقتادة: في حكم الملك وقضائه، وذلك أن حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق، فلم يكن يتمكن يوسف من حبس أخيه عنده في حكم الملك لولا ما كاد الله له تلطفا، حتى وجد السبيل إلى ذلك وهو ما أجرى على السنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فأقروا به وكان ذلك مراده وهو معنى قوله: ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] فكان ذلك بمشيئة الله، وقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] أي: بضروب الإعطاء والكرامات وأبواب العلوم كما رفعنا درجة يوسف ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ [يوسف: ٧٦] ممن رفعه الله عَلِيمٌ قد رفعه الله بالعلم فهو أعلم منه، قال ابن عباس: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى.
قَالُوا أي: الإخوة ليوسف إِنْ يَسْرِقْ بنيامين الصواع ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] قال ابن عباس: يريدون يوسف، وكان يوسف يأخذ الطعام من مائدة أبيه سرا فيتصدق به.
وقال سعيد بن جبير، وقتادة: سرق صنما لجده أبي أمه فكسره وألقاه، وقال محمد بن إسحاق، ومجاهد: إن جدته خبأت في ثيابه منطقة كانت لإسحاق يتوارثونها بالكبر لتملكه بالسرق محبة لمقامه عندها.
وقوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [يوسف: ٧٧] أي: أسر إجابة
[ ٢ / ٦٢٤ ]
هذا الكلام وأضمرها في نفسه ولم يظهرها، وقَالَ لهم ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧] شر صنيعا بما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم، فأنتم شر مكانا عند الله منه ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] قال الزجاج: أعلم أسرق أخ له أم لا.
﴿قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: ٧٨] في السن ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف: ٧٨] واحدا منا تستعبده بدله ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] أي: إذا فعلت ذلك فقد أحسنت إلينا.
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٧٩] اعتصاما بالله ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] أي: استعيذ بالله من أن آخذ بريئا بسقيم ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] إن استعبدت غير الذي سرقَنا.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿٨٠﴾ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴿٨١﴾ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴿٨٢﴾﴾ [يوسف: ٨٠-٨٢] ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ [يوسف: ٨٠] يئس واستيئس واحد مثل عجب واستعجب، وسخر واستسخر، وقال ابن عباس: يئسوا أن يخلى سبيله معهم.
خَلَصُوا نَجِيًّا انفردوا من غير أن يكون معهم من ليس منهم، والنجي فعيل بمعنى المناجي، يقع على الواحد كقوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وعلى الجمع كقوله: خلصوا نجيا قال الزجاج: انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يفعلون في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم قَالَ كَبِيرُهُمْ وهو يهوذا في قول عطاء، والكلبي، وقال مقاتل: لم يكن أكبرهم سنا ولكن كان أكبرهم في صحة الرأي.
وقال مجاهد: هو شمعون، وكان أكبرهم في العقل والعلم.
وقال قتادة، والسدي: هو روبيل، وكان أكبرهم سنا، قال ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٠] في حفظ الأخ ورده إليه ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٠]: ما لغو معناه: ومن قبل هذا ضيعتم يوسف ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] يقال: برح الرجل براحا.
إذا تنحى عن موضعه، ويريد بالأرض أرض مصر، يقول: لن أخرج من أرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠] قال ابن عباس: حتى يبعث لي أبي أن آتيه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠] يقضي في أمري شيئا ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] أعدلهم
[ ٢ / ٦٢٥ ]
وأفضلهم.
ارْجِعُوا أنتم ﴿إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ﴾ [يوسف: ٨١] بنيامين سَرَقَ صواع الملك وَمَا شَهِدْنَا بأنه سرق ﴿إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] لأنه وجد المسروق في رحله ونحن ننظر ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] قال ابن عباس: لم نعلم ما كان يصنع في ليله ونهاره.
والمعنى: ما كنا لغيب ابنك حافظين، أي: إنا كنا نحفظه في محضره فإذا غاب عنا ذهب عن حفظنا، وقال مجاهد، وقتادة، والحسن: ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق ويصير الأمر إلى هذا، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به، وقال ابن إسحاق: معناه: قد أخذت السرقة من رحله ونحن ننظر، ولا علم لنا بالغيب فلعلهم سرقوه.
قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] أي: قولوا لأبيكم سل أهل القرية ليتبين لك صدقنا ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] يعني: أهل الرفقة التي كنا فيها، وهم الذين امتاروا معهم، وكان قد صحبهم قوم من الكنعانيين وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فيما قلنا ثم رجعوا إلى يعقوب، وقالوا ما لقنهم كبيرهم فقال يعقوب: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٨٣﴾ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴿٨٤﴾ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ﴿٨٥﴾ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴿٨٦﴾ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٧﴾﴾ [يوسف: ٨٣-٨٧] ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ٨٣] قال ابن الأنباري: يعني خروجهم بأخيهم بنيامين إلى مصر رجاء منفعة فعاد من ذلك شر وضرر.
وقال غيره: معنى قوله ههنا: ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ٨٣] خيلت لكم أنفسكم أنه سرق، وما سرق.
أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد العدل، أنا محمد بن عبد الله الضبي، أنا أبو بكر بن أبي نصر الداربردي، نا محمد بن إبراهيم بن سعيد، نا سليمان بن منصور بن عمار، حدثني أبي، نا يوسف بن صباح الفزاري، عن عبد الله بن يونس بن أبي فروة، قال: لما كان من الإخوة ما كان كتب يعقوب إلى يوسف وهو لا يعلم أنه يوسف بن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، أما بعد: فإنا أهل بيت موكل بالبلاء، أما جدي فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار فجعلها الله بردا وسلاما، وأما أبي فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه ليذبح ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية، ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا: قد أكله الذئب فذهبت
[ ٢ / ٦٢٦ ]
عيناي، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن رددته إلي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك، فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء وعيل صبره.
وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] يعني: يوسف، وبنيامين، والذي قال: فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠] بشدة حزني الْحَكِيمُ فيما حكم علي بهذا الحزن وعظم المصيبة بابن بعد ابن، قوله: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ قال ابن عباس: أعرض عنهم.
وذلك أنه لما بلغه خبر حبس بنيامين تنامى حزنه، وبلغ الجهد، وهاج ذلك وجده بيوسف لأنه كان يتسلى به، فعند ذلك أعرض عنهم ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] قال ابن عباس: يا طول حزني على يوسف.
أخبرني أبو عمرو محمد بن عبد العزيز المروزي في كتابه، أنا أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي، أنا أبو يزيد محمد بن يحيى، أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا محمد بن عبيد، عن سفيان بن زياد العصفري، قال: سمعت سعيد بن جبير، يقول: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء قبلهم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ يقول: يا أسفي على يوسف.
وقوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾ [يوسف: ٨٤] أي: انقلبت إلى حال البياض، قال مقاتل: لم يبصر بها ست سنين حتى كشفه الله بقميص يوسف.
وقوله: ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] قال ابن عباس: من البكاء، يريد أن عينيه ابيضتا لكثرة بكائه والحزن لما كان سببا للبكاء سمي البكاء حزنا.
أخبرنا أبو منصور بن أبي نصر المذكر، أنا أبو سعيد بن نصير الصوفي، أنا محمد بن أيوب، أنا أبو غسان، نا جرير، عن ليث، عن ثابت البناني قال: دخل جبريل على يوسف فقال: أيها الملك الطيب ريحه الطاهر ثيابه الكريم على ربه، هل لك علم بيعقوب؟ قال: نعم.
قال: ما فعل؟ قال: ابيضت عيناه.
قال: ما بلغ حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى.
قال: فهل له على ذلك من أجر؟ قال: أجر مائة شهيد عند الله.
أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا أبو يحيى الرازي، نا سهل بن عثمان، نا ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن قال: ما فارق يعقوب الحزن ثمانين سنة وما جفت عينه، وما أحد يومئذ أكرم على الله منه حين ذهب بصره.
وقوله: فَهُوَ كَظِيمٌ الكظيم ههنا بمعنى: الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره ولا يشكوه، قال قتادة: فلا يقول بأسا.
وقال ابن عباس: مغموم مكروب.
وقال الزجاج: محزون.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] يقال:
[ ٢ / ٦٢٧ ]
ما زلت أفعل كذا وما فتئت أفعله أفتؤ فتأ.
وحرف النفي ههنا مضمر على معنى: ما تفتؤ ولا تفتؤ، قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة: لا تزال تذكر يوسف حتى تكون حرضا، وقال الفراء: يقال رجل حرض وحارض.
وهو الفاسد في جسمه وعقله.
وقال الأصمعي: الحرض الهالك.
قال ابن عباس: حتى تكون كالشيخ الفاني.
وقال الضحاك: كالشن البالي.
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] قال قتادة: من الميتين.
والمعنى أنهم قالوا لأبيهم: لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت بالغم، فلما رأى غلظتهم وعنفهم به ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] لا إليكم.
٤٧٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأَصْفَهَانِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ، نا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عُمَرَ الأَحْمَسِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَانَ لِيَعْقُوبَ أَخٌ مُؤَاخٍ فَقَالَ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا يَعْقُوبُ مَا الَّذِي أَذْهَبَ بَصَرَكَ؟ وَمَا الَّذِي قَوَّسَ ظَهْرَكَ؟ قَالَ: أَمَّا الَّذِي أَذْهَبَ بَصَرِي فَالْبُكَاءُ عَلَى يُوسُفَ، وَأَمَّا الَّذِي قَوَّسَ ظَهْرِي فَالْحُزْنُ عَلَى بِنْيَامِينَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ: أَمَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَشْكُوَ إِلَى غَيْرِي؟ فَقَالَ يَعْقُوبُ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَشْكُو يَا يَعْقُوبُ، ثُمَّ قَالَ يَعْقُوبُ: أَيْ رَبِّ أَمَا تَرْحَمُ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ؟ أَذْهَبْتَ بَصَرِي وَقَوَّسْتَ ظَهْرِي فَارْدُدْ عَلَيَّ رَيْحَانَتِي أَشُمُّهُ شَمَّةً قَبْلَ الْمَوْتِ ثُمَّ اصْنَعْ بِي يَا رَبِّ مَا شِئْتَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ إِنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقُولُ: أَبْشِرْ وَلْيَفْرَحْ قَلْبُكَ فَوَعِزَّتِي لَوْ كَانَ مَيِّتَيْنِ لَنَشَرْتُهُمَا لَكَ، اصْنَعْ طَعَامًا لِلْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ أَحَبَّ عِبَادِي إِلَيَّ الْمَسَاكِينُ، وَتَدْرِي لِمَ أَذْهَبْتُ بَصَرَكَ وَقَوَّسْتُ ظَهْرَكَ وَصَنَعَ إِخْوَةُ يُوسُفَ بِيُوسُفَ مَا صَنَعُوا؟ لأَنَّكُمْ ذَبَحْتُمْ شَاةً فَأَتَاكُمْ فُلانٌ الْمِسْكِينُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمْ تُطْعِمُوهُ مِنْهَا، فَكَانَ يَعْقُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ الْغَدَاءَ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: أَلَا مَنْ أَرَادَ الْغَدَاءَ مِنَ الْمَسَاكِينِ فَلْيَتَغَدَّ مَعَ يَعْقُوبَ، وَإِذَا كَانَ صَائِمًا أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ مَعَ يَعْقُوبَ ".
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وقال حبيب بن أبي ثابت: إن يعقوب كبر وضعف حتى سقط حاجباه على عينيه، فكان يرفعهما بخرقة، فقال له بعض جيرانه: قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك فما بلغ بك ما أرى؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان.
فأوحى الله إليه: يا يعقوب، تشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي.
قال: غفرت لك.
فكان بعد ذلك إذا سئل قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] .
وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى يعقوب أتدري لما عاقبت وحبست يوسف ثمانين سنة؟ قال: لا.
قال: لأنك شويت وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه.
ويقال: إن سبب ابتلاء يعقوب أنه كانت له بقرة ولها عجل فذبح عجلها بين يديها وهي تخور، فلم يرحمها يعقوب فأخذه الله به وابتلاه بأعز ولده، والبث أشد الحزن وهو ما يبديه الإنسان ويظهره لأنه إذا اشتد لم يصبر على كتمانه حتى يبثه، من قولهم: بث الحديث.
إذا نشره.
وقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] أنتم، قال الكلبي: وذلك أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف فيما قبضت من الأرواح؟ قال: لا يا نبي الله.
وقال ابن عباس: وأعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني وأنتم سنسجد له.
وقال عطاء: وأعلم من رحمة الله وقدرته ما لا تعلمون.
قال السدي: لما أخبر يعقوب بنوه بسيرة ملك مصر طمع أن يكون يوسف فلذلك قال لبنيه ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧] .
قال أبو عبيد: تحسست الخبر: بحثته وطلبته لأجده.
وقال ابن عباس: ابحثوا عن يوسف.
﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] قال الأصمعي: الروح الاستراحة من غم القلب.
وقال أبو عمرو: الروح الفرح.
قال ابن عباس: يريد من رحمة الله.
وهو قول قتادة، والضحاك، وقال أبو زيد: فرج الله.
والمعنى: لا تيئسوا من الروح الذي يأتي به الله ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] قال ابن عباس: يريد: أن المؤمن من الله على خير يرجوه في الشدائد، ويشكره ويحمده في الرخاء، وأن الكافر ليس كذلك، قال المفسرون: لما قال أبوهم اذهبوا فتحسسوا من يوسف فخرجوا إلى مصر، ﴿
[ ٢ / ٦٢٩ ]
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴿٨٨﴾ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴿٨٩﴾ قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٩٠﴾ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴿٩١﴾ قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿٩٢﴾ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩٣﴾﴾ [يوسف: ٨٨-٩٣] ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٨٨] أي: على يوسف ﴿قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف: ٨٨] أي: أصابنا ومن يختص بنا الجوع والحاجة ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] الإزجاء في اللغة: السوق والدفع قليلا قليلا، ومنه قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور: ٤٣] قال ابن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفا لا تنفق في ثمن الطعام.
وقال الحسن، والكلبي، ومجاهد: كانت خلق الغيار والحبل والأقط، وقال مقاتل: وكانت حبة الخضراء.
والمعنى: جئنا ببضاعة تتدافع بها الأيام وتتقوت ليست مما يتسع به، وقال أبو عبيد: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها.
ثم سألوه مساهلتهم في النقد وإعطائهم بدراهمهم مثل ما يعطى بالجياد، وهو قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨] أتمه ولا تنقصه بسبب رداءة دراهمنا وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا سامحنا بما بين النقدين وسعر لنا بالرديء كما تسعر بالجيد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] بالثواب فلما قالوا ليوسف: مسنا وأهلنا الضر رحمهم، وأدركته الرقة فدمعت عينه وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩] قال ابن الأنباري: هذا الاستفهام يعني به تعظيم القصة وتوبيخهم عليها، ومعناه: ما أعظم ما ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أتيتم من قطيعة رحمه وتضييع حقه كما تقول: هل تدري من عصيت؟ وهذه الآية تصديق قوله: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ [يوسف: ١٥]، وقوله: وَأَخِيهِ يعني: ما فعلوه به بإدخال الهم والجزع بإفراده عن أخيه، ولم يذكر أباه يعقوب مع عظم ما دخل عليه من الغم بفراقه تعظيما ورفعا من قدره، وعلما أن ذلك كان له بلاء من الله ليزيد في درجته عنده، وقوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] أي: بعقوق أبيكم وقطع رحم أخيكم، يعني فعلتم ذلك جهلا منكم، وروي عن ابن عباس: إذ أنتم صبيان.
وعن الحسن: شبان.
وعلى هذا يراد جهالة الصبي فالشاب، قال الضحاك: لما قال لهم يوسف: هل علمتم الآية، تبسم فلما أبصروا ثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف، فقالوا له: ﴿أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ
[ ٢ / ٦٣٠ ]
أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠] قال ابن الأنباري: أظهر الاسم ولم يقل: أنا هو تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته، كأنه قال: أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله، فكفى ظهور الاسم من هذه المعاني.
ولهذا قال: وَهَذَا أَخِي وهم يعرفونه لأن قصده: وهذا المظلوم كظلمي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩٠] قال ابن عباس: بكل خير في الدنيا والآخرة.
قال آخرون: بالجمع بيننا بعد التفرقة ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيِصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] قال ابن عباس: من يتق الله ويصبر على المصائب وعن المعاصي.
وقال مقاتل: من يتق الزنا ويصبر على الأذى.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] أجر من كان هذا حاله.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١] بالعلم والحلم والعقل والحسن والملك ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] قال ابن عباس: لمذنبين آثمين في أمرك.
﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] لا تعيير ولا توبيخ، يقال: ثربه.
إذا عيره، وروى ابن الأنباري، عن ثعلب: ثرب فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه.
قال ابن عباس: يريد لا لوم عليكم.
وقال الكلبي: لا أعيركم بعد اليوم بهذا أبدا.
وقال ابن الأنباري: أي: قد انقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب.
ويجوز الوقف عند الأخفش على قوله: عليكم ثم يقول: ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] فيعلق اليوم بالغفران، وذكره ابن الأنباري أيضا، قال ابن عباس: جعلهم في حل وسأل الله لهم المغفرة، وأخبرنا أن الله أرحم بأوليائه من الوالدين بولدهما.
وهو قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه فقال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: ذهبت عيناه.
فأعطاهم قميصه، فهو قوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ [يوسف: ٩٣] الآية.
وكان من شأن ذلك القميص ما
٤٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو لُبَابَةَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، نا عَمَّارُ بْنُ الْحَسَنِ، نا شُجَاعُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَمَّا قَوْلُهُ: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَإِنَّ نُمْرُوذَ الْجَبَّارَ لَمَّا أَلْقَى إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارَ نَزَلَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ ﵇ بِقَمِيصٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَطِنْفِسَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَلْبَسَهُ الْقَمِيصَ وَأَقْعَدَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ وَقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ فَكُسِيَ إِبْرَاهِيمُ ذَلِكَ الْقَمِيصَ إِسْحَاقَ، وَكَسَاهُ إِسْحَاقُ يَعْقُوبَ، وَكَسَاهُ يَعْقُوبُ يُوسُفَ فَجَعَلَهُ فِي قَصَبَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَعَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ، فَأُلْقِيَ فِي الْجُبِّ وَالْقَمِيصُ فِي عُنُقِهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣] الآية
ونحو هذا قال عامة المفسرين، قال ابن عباس: أخرج لهم قصبة من فضة كانت في عنقه لم يعلم بها إخوته
[ ٢ / ٦٣١ ]
فيها قميص، وهو الذي نزل به جبريل على إبراهيم.
وذكر القصة، وقال مجاهد: أمره جبريل أن أرسل إليه قميصك فإن فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا صح وعوفي، وقال الحسن: لولا أن الله أعلمه لم يدر أنه يرجع إليه بصره.
فذلك قوله: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٣] .
قال ابن عباس: يرتد بصيرا ويذهب البياض الذي على عينيه.
وقال السدي: يعد بصيرا.
وقال الفراء: يرجع بصيرا.
وقوله: ﴿وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] قال الكلبي: وكان أهله نحوا من سبعين إنسانا، وقال مسروق: دخل أهل يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من رجل وامرأة.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴿٩٤﴾ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ﴿٩٥﴾ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴿٩٦﴾ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴿٩٧﴾ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٩٨﴾﴾ [يوسف: ٩٤-٩٨] قوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] يقال: فصل فلان من عند فلان فصولا.
إذا خرج من عنده، قال المفسرون: لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى كنعان قَالَ أَبُوهُمْ لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده وأولاده كانوا غائبين عنه ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤] قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت قميص يوسف إلى يعقوب وبينهما مسيرة ثماني ليال، وقال مجاهد: هبت ريح فضربت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا، واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص فمن ثم قال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤] وذكر في القصة: أن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير بالقميص فأذن لها، فأتته بها ولذلك يستروح كل محزون بريح الصبا، ويتنسمها المكربون فيجدون لها روحا، وقد أكثر الشعراء ذكرها في أشعارهم، وهي تأتي من ناحية الشرق، وفيها لين إذا هبت على الأبدان نعمتها ولينتها، وهيجت الأشواق إلى الأحباب، والحنين إلى الأوطان، قال أبو صخر الهذلي:
[ ٢ / ٦٣٢ ]
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر
وقال آخر:
أيا جبلي نعمان بالله خليا نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
فإن الصبا ريح إذا ما تنفست على نفس مهموم تجلت همومها
وقال آخر:
ولقد تهب لي الصبا من أرضها فيلذ مس هبوبها ويطيب لي
يندي على كبدي وينقح غلتي ويبل حر فؤادي المشتعل
٤٧٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ، نا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، أنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي الْهُذَيْلِ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤]، قَالَ: وَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ مَا بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ
وقوله: ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] الفند: ذهاب العقل من الهرم، يقال: أفند الرجل.
إذا خرف وتغير عقله، وفنده إذا نسبه إلى الجهل والخرق، قال أبو عبيدة: لولا أن تسفهوني.
وقال الزجاج: لولا أن تجهلوني.
وقال مجاهد: لولا أن تقولوا ذهب عقلك.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] قال مقاتل، وغيره: معنى الضلال ههنا الشقاء.
يعنون: شقاء الدنيا وهو ما يكابد من الأحزان على يوسف، وقال قتادة: في حبك ليوسف ما تنساه ولا تسلاه.
وهذا كقوله: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨] وقد مر، وقال الحسن: إنما قالوا هذا لأنه كان عندهم أن يوسف قد مات، وأن يعقوب بولوعه بذكره ذاهب عن الصواب.
قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦] الآية، قال المفسرون: البشير كان يهوذا بن
[ ٢ / ٦٣٣ ]
يعقوب، قال: إني جئته بالقميص ملطخا بالدم فأعطني اليوم قميصك لأخبره أنك حي فأفرحه كما أحزنته، فحمل القميص وخرج حاسرا حافيا يعدو، وكان معه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها حتى بلغ كنعان، وكانت المسافة ثمانين فرسخا، فلما أتى أباه ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦] قال الضحاك: رجع إليه بصره بعد العمى، وقوته بعد الضعف، وشبابه بعد الهرم، وسروره بعد الحزن.
وقال ابن عباس: في قوله فارتد بصيرا انجلى البياض وذهبت الظلمة.
ومعنى الارتداد: انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها، والمعنى: عاد ورجع إلى حال البصر.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الأصبهاني، أنا عبد الله بن محمد بن حيان، نا عبد الرحمن بن محمد الرازي، نا سهل العسكري، نا يحيى بن يمان، عن سفيان، قال: لما جاء البشير يعقوب قال: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام، قال: الآن تمت النعمة.
وقوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] تقدم تفسيره، ثم سألوا أباهم أن يستغفر الله لهم ما آتوا إليه من إدخال الحزن عليه، وهو قوله: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [يوسف: ٩٧] الآية، قَالَ يعقوب ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ﴾ [يوسف: ٩٨] قال ابن عباس: أخر دعاءه إلى السحر، وهو قول ابن مسعود، وقتادة، والسدي، وقال في رواية الكلبي، وعكرمة: يقول حتى تأتي يوم الجمعة.
قال الزجاج: أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وجه السحر في الوقت الذي هو أخلق لإجابة الدعاء، لا لأنه ضن عليهم بالاستغفار.
٤٨٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: لِمَ أَخَّرَ يَعْقُوبُ عَنْ بَنِيهِ الاسْتِغْفَارَ؟ قَالَ: «أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ لأَنَّ دُعَاءَ السَّحَرِ مُسْتَجَابٌ»
قالوا: وكان يوسف بعث مع البشير إلى يعقوب جهازا ومائتي راحلة، وسأله أن يأتيه بأهله وولده أجمعين، فتهيأ يعقوب للخروج إلى مصر، فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الأكبر الذي فوقه، فخرج يوسف في أربعة من الجند، وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب، فلما نظر يعقوب إلى الخيل قال لابنه يهوذا: هذا فرعون مصر؟ قال: لا هذا ابنك.
فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه قصد يوسف أن يبدأه بالسلام، فمنع من ذلك، وكان يعقوب أفضل وأحق بذلك منه، فابتدأ يعقوب بالسلام، فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان.
٤٨١ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّوفِيُّ الْكُوفِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ
[ ٢ / ٦٣٤ ]
بْنِ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُسْتَمْلِي، نا بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ يُوسُفَ وَيَعْقُوبَ ﵉ أَقْبَلَ يُوسُفُ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ حَزِنْتَ عَلَيَّ حَتَّى انْحَنَيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقِيَامَةَ تَجْمَعُنِي وَإِيَّاكَ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُسْلَبَ دِينُكَ فَلا نَجْتَمِعُ
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴿٩٩﴾ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿١٠٠﴾﴾ [يوسف: ٩٩-١٠٠] وذلك قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ [يوسف: ٩٩] ضمهما إليه وأنزلهما عنده؟ قال عامة المفسرين: يعني أباه وخالته، وذلك أن أمه كانت قد ماتت في نفاسها ببنيامين، فقال لهم قبل دخولهم مصر ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] والاستثناء يعود إلى الأمن، وإنما قال: آمنين لأنهم كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر ولا يدخلونها إلا بجوارهم.
قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] أي: أجلسهما معه على سرير الملك ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] كان تحية الناس يومئذ بعضهم لبعض السجود والانحناء والتواضع، وكأنهم لم يكونوا نهوا عن السجود لغير الله تعالى في شريعتهم، فلما رأى ذلك يوسف قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠] أي: إلي، يقال: أحسن بي وإلي.
قال كثير:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت
﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠] ولم يذكر إخراجه من البئر كرما لئلا يذكر إخوته صنيعهم به بعد قوله: ﴿لا تَثْرِيبَ
[ ٢ / ٦٣٥ ]
عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف: ٩٢]، ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠] والبدو البسيط من الأرض يقال: بدو وحضر، قال قتادة: كان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش وبرية ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠] أفسد بيننا وحمل بعضنا على بعض، وقال ابن عباس: دخل بيننا بالحسد.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠] قال الأزهري: اللطيف من أسماء الله معناه: الرفيق بعباده، يقال: لطف فلان بفلان، يلطف.
إذا رفق به لطفا.
وقال عمرو بن أبي عمرو: اللطيف الذي يوصل إليك إربك في رفق.
قال أهل التفسير: إن ربي عالم بدقائق الأمور.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠] بخلقه الْحَكِيمُ فيهم بما يشاء، ثم إن يعقوب أقام بمصر بعد موافاته بأهله وولده أربعا وعشرين سنة بأغبط حال، وأهنأ عيش إلى أن حضرته الوفاة، فأوصى إلى يوسف أن يحمل جسده إلى الأرض المقدسة حتى يدفنه عند أبيه وجده، ففعل ذلك يوسف، وكان عمر يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، ولما جمع الله ليوسف شمله، وأقر له عينه، وأتم تأويل رؤياه دعا ربه وشكره وحمده، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١] قال الباقر: آتى الله يوسف ملك الأرض المقدسة فملك اثنتين وسبعين سنة ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١] يعني: تفسير الأحلام ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠١] قال ابن عباس: يريد: خالق السموات والأرض، ومن هذا قوله: ﴿وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] أي: خلقني ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠١] أنت الذي تلي أمري تَوَفَّنِي مُسْلِمًا قال ابن عباس: يريد: لا تسلبني الإسلام حتى تتوفاني عليه.
وقال قتادة: سأل ربه اللحوق به.
قال: ولم يتمن نبي قبله الموت.
وقوله وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يعني: بالنبيين من آبائه، والمعنى: ألحقني بهم في ثوابهم ودرجاتهم، ثم مات يوسف وأوصى إلى أخيه يهوذا، ودفن في نيل مصر في صندوق من رخام، وذلك أنه لما مات تشاح الناس عليه كل يحب أن يدفن في محلته لما يرجون من بركته، فرأوا أن يدفنوه في النيل فيمر الماء عليه ثم يصل إلى جميع مصر، فيكون كلهم فيه شركاء، فكان قبره في النيل إلى أن حمله موسى حين خرج من مصر ودفنه بأرض كنعان، قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴿١٠٢﴾ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٣﴾ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٤﴾ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ
[ ٢ / ٦٣٦ ]
مُشْرِكُونَ ﴿١٠٦﴾ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ﴿١٠٧﴾﴾ [يوسف: ١٠٢-١٠٧] ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] أي: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنك فأنزلته عليك دلالة على إثبات نبوتك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] عند إخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] عزموا على أمرهم وَهُمْ يَمْكُرُونَ بيوسف.
قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [يوسف: ١٠٣] الآية، قال ابن الأنباري: وإن قريشا واليهود سألت رسول الله ﷺ عن قصة يوسف وإخوته فشرحها شرحا وافيا وهو يؤمل أن يكون ذلك سببا لإسلامهم، فخالفوا ظنه، وحزن رسول الله ﷺ بذلك فعزاه الله بقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] قال الزجاج: معناه: وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن تهديهم لأنك ﴿لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .
﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [يوسف: ١٠٤] على القرآن وتلاوته عليهم وهدايتك إياهم من مال يعطونك إِنْ هُوَ ما هو ﴿إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤] تذكرة لهم بما هو صلاحهم ونجاتهم من النار.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٥] وكم من آية ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] تدلهم على توحيد الله من: أمر السماء وأنها بغير عمد، فيها أعظم البرهان على أن لها خالقا، وكذلك فيما يشاهد في الأرض من جبالها ونباتها وبحارها يَمُرُّونَ عَلَيْهَا يتجاوزونها غير مفكرين ولا معتبرين بها، ولما سمع المشركون هذا قالوا: إنا نؤمن بالله الذي خلق هذه الأشياء، فأنزل الله ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٦] أي: إقرار بأن الله خلقه وخلق السموات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن، والمعنى: أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم ورازقهم، ويجعلون له شركاء من الأصنام، وهو قوله: ﴿إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] ليس يراد بقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٦] حقيقة الإيمان ولكن المعنى: أن أكثرهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم مشركون، ثم خوفهم فقال: أَفَأَمِنُوا يعني المشركين ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧] عقوبة تغشاهم وتتسلط عليهم ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ [يوسف: ١٠٧] القيامة بَغْتَةً فجأة، يقال: بغتهم الأمر بغتا وبغتة.
إذا فاجأهم ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٧] بإتيانها.
قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٨﴾ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿١٠٩﴾ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴿١١٠﴾﴾ [يوسف: ١٠٨-١١٠] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] قل يا محمد للمشركين: هذه الدعوة التي أدعوا إليها والطريقة التي أنا عليها سبيلي، سنتي ومنهاجي وديني ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا﴾ [يوسف: ١٠٨] على دين ويقين، والبصيرة المعرفة التي يميز بها الحق من الباطل وَمَنِ اتَّبَعَنِي قال الفراء: ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو.
وهذا قول الكلبي قال: حق على من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة، وينهى عن معاصي الله.
قال ابن الأنباري: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: الله ثم ابتدأ فقال: على بصيرة أنا ومن اتبعني، وهذا معنى قول ابن عباس، قال: يعني أصحاب محمد ﷺ كانوا على أحسن طريقة، وقوله: وَسُبْحَانَ الله أي: قل هذه سبيلي، وقل سبحان الله تنزيها لله عما أشركوا ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] الذين اتخذوا مع الله ندا وكفؤا وولدا، قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا﴾ [يوسف: ١٠٩] هذا رد لإنكارهم نبوته، يقول: لم نبعث قبلك إلا
[ ٢ / ٦٣٧ ]
رجالا فكيف تعجبوا من إرسالنا إياك ومن قبلك من الرسل كانوا على مثل حالك؟ وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] قال ابن عباس: يريد أهل المدائن لأن الله تعالى لم يبعث نبيا من بادية.
قال الحسن: لم يبعث الله نبيا من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء.
وذلك أن أهل البادية يغلب عليهم القسوة والجفاء، وأهل الأمصار أهل فطنة، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٩] يعني المشركين المنكرين نبوة محمد ﷺ، يقول: أفلم يسيروا فينظروا إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بها وَلَدَارُ الآخِرَةِ يعني الجنة ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [يوسف: ١٠٩] من الدنيا أَفَلا تَعْقِلُونَ هذا فتؤمنوا وتتقوا الشرك؟
٤٨٢ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نا حَجَّاجٌ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَشِبْرٌ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] قال ابن عباس: يريد من قومهم أن يؤمنوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا أيقنوا أن قومهم قد كذبوهم.
وهذا قول عطاء، وقتادة، والحسن، وقرأ أهل الكوفة: كذِبوا مخففة ومعناه: ظن الأمم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم وإهلاك أعدائهم، وهذا معنى قول ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد، والضمير في قوله: وظنوا على هذه القراءة للمرسل إليهم، التقدير: ظن المرسل إليهم أن الرسل أخبروهم بالكذب من أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب، وإنما ظنوا ذلك لما رأوا من إمهال الله إياهم، وقوله: جَاءَهُمْ نَصْرُنَا قال ابن عباس: يريد: نصر النبيين، والمعنى: أن نصر الرسل على قومهم تأخر عنهم حتى ظن قومهم الظنون، ثم نصروا فأهلك المكذب وأنجي المصدق، وهو قوله: فَنُنْجيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ وقرأ عاصم، وابن عامر: فنجِّي من شاء بنون واحدة، وتشديد الجيم وفتح الياء جعلاه ماضيا على ما لم يسم فاعله كقوله: ولا يرد لأنهما طلبا موافقة المصحف فإن فيه نونا واحدة، وذلك لاجتماع النونين وأعان على ذلك خفاء النون عند الجيم ولا يرد ولا يمنع عذابنا عن المشركين إذا بلغوا الأجل، قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ [يوسف: ١١١] يعني إخوة يوسف عِبْرَةٌ فكرة وبصيرة من الجهل والحيرة ﴿لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] لذوي
[ ٢ / ٦٣٨ ]
العقول السليمة الذين يستعملون العقل فيعتبرون، وذلك أن من اعتبر وتذكر علم أن محمدا ﷺ مع كونه أميا لم يأت بهذه القصة على موافقة ما في التوراة من قبل نفسه، وعلم أيضا أن من قدر على إعزاز يوسف وتمليكه مصر بعد إلقائه في الجب، وكونه في حكم العبيد، قادر على أن يعز محمدا ﷺ ويعلي كلمته، وينصره على من عاداه، قوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١] أي: ما كان هذا القرآن حديثا يتقوله بشر، وَلَكِنْ كان ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف: ١١١] من الكتب، أي: يصدق ما قبله من التوراة والإنجيل بموافقة الأخبار، ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] يحتاج إليه من أمور الدين وَهُدًى بيانا ﴿وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] يصدقون بما جاء به محمد ﷺ.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم