مكية وآياتها تسع ومائة
٤٣٧ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ الزَّاهِدُ الْعَدْلُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا الْمَدِينِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ يُونُسَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ بِيُونُسَ وَكَذَّبَ بِهِ وَبِعَدَدِ مَنْ غَرِقَ مَعَ فِرْعَوْنَ»
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴿٢﴾ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴿٣﴾ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴿٤﴾ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٥﴾ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴿٦﴾﴾ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر﴾ [يونس: ١] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد أنا الله الرحمن.
وعنه أيضا: أنا الله أرى.
﴿تِلْكَ
[ ٢ / ٥٣٧ ]
آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ [يونس: ١] قال: يريد: هذه الآيات التي أنزلت على محمد ﷺ آيات الكتاب الْحَكِيمِ يعني: القرآن المحكم من الباطل، أي: الممنوع من الفساد لا كذب فيه ولا اختلاف، قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ [يونس: ٢] الآية: قال المفسرون: عجبت قريش من إرسال الله محمدا ﷺ إلى العباد، وقالوا: أما وجد الله من يرسله إلينا إلا يتيم أبي طالب؟ فأنزل الله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢] والألف في أكان للتوبيخ والإنكار، ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢] يعني: محمدا ﷺ يعرفون أباه وأمه، ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] يعني: أهل مكة، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] قال مجاهد، والحسن: يعني: الأعمال الصالحة يقدمون عليها.
وقال الوالبي، عن ابن عباس: يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول.
أخبرنا نصر بن أبي نصر الواعظ، أنا عبد الله بن محمد بن نصير، أنا محمد بن أيوب، أنا عبد الله بن عمران، نا يحيى بن الضريس، عن خالد بن صبيح البلخي، عن مقاتل بن حيان، في قوله: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] قال: شفيع صدق، محمد ﷺ.
وتم الكلام ثم ابتدأ فقال: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] قال ابن عباس: أخرجوا محمدا من علمهم فيه بالأمانة والصدق، إلى غير علمهم فكفروا وأرادوا بالساحر محمدا ﷺ، ومن قرأ: لسحر أراد: الذي أوحي إليه سحر، قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣] مفسر فيما سبق إلى قوله: يُدَبِّرُ الأَمْرَ قال ابن عباس: يخلق ما يكون.
وقال مجاهد: يقضي الأمر.
﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] قال الكلبي: ما من شفيع من الملائكة والنبيين إلا من بعد أمره في الشفاعة.
ذَلِكُمُ الله الذي فعل هذه الأشياء، ﴿رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣] أفلا تتعظون يا أهل مكة بالقرآن ومواعظه.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] إلى الله مصيركم يوم القيامة، وَعْدَ الله وعدكم الله ذلكم وعدا حقا، ﴿
[ ٢ / ٥٣٨ ]
إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤] رد على المشركين الذين أنكروا البعث ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٤] قال ابن عباس: بالعدل.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [يونس: ٤] وهو الماء الحار.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ [يونس: ٥] أي: ذات ضياء، وَالْقَمَرَ نُورًا أي: ذا نور، وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ أي: قدر له، فحذف الجار، والمعنى: هيأ ويسر له منازل، ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] يعني: حساب الشهور والسنين والأيام والساعات، ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ [يونس: ٥] يعني ما تقدم من الشمس والقمر ومنازله، إِلا بِالْحَقِّ إلا للحق من إظهار صنعه، وقدرته والدلالة على وحدانيته، يُفَصِّلُ الآيَاتِ يبينها، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يستدلون بالأمارات على قدرة الله.
﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [يونس: ٦] في تعاقبهما ومجيئهما وذهابهما، ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [يونس: ٦] من الشمس والقمر والنجوم والبروج والأفلاك وَفي الأَرْضِ من الجبال والبحار، ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] الشركَ، فيستدلون بهذه الآيات على وحدانية الله وقدرته.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
[ ٢ / ٥٣٩ ]
الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٧-١٠] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧] قال ابن عباس، ومقاتل: لا يخافون البعث لأنهم لا يؤمنون به.
والرجاء ههنا بمعنى الخوف كقوله: ﴿لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٧] بدلا من الآخرة، وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ركنوا إليها لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] يعني: آيات القرآن وما فيها من الفرائض والأحكام.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] قال المفسرون: يهديهم ربهم إلى الجنة ثوابا لهم بإيمانهم.
وقال مجاهد: يكون لهم نور يمشون به.
وقال مقاتل: يهديهم بالنور على الصراط إلى الجنة.
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [يونس: ٩] أي: بين أيديهم وهم يرونها من أسرتهم وقصورهم، وقوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] الدعوى مصدر كالدعاء، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥]، قال ابن عباس: كلما اشتهى أهل الجنة شيئا قالوا: سبحانك اللهم.
فجاء ما يشتهون فإذا طعموا مما يشتهون قالوا: الحمد لله رب العالمين.
فذلك قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .
وقوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] يحيي بعضهم بعضا بالسلام وتحية الملائكة إياهم، وتحية الله سلام، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] قال الزجاج: أعلم الله أنهم يبتدئون بتعظيم الله وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه.
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١١-١٤] قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: ١١] التعجيل: تقديم الشيء قبل وقته، والاستعجال: طلب العجلة، قال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وولده وأهله وماله بما يكره أن يستجاب له.
وقال ابن قتيبة: إن الناس عند الغضب والضجر يدعون على أنفسهم وأهليهم وأولادهم بالموت وتعجيل البلاء، كما يدعون بالرزق والرحمة وإعطاء السؤال، يقول: فلو أجابهم الله إذا دعوا بالشر الذي يستعجلون به استعجالهم بالخير ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] .
قال عامة المفسرين: لماتوا وهلكوا جميعا وفرغ من هلاكهم.
وتحقيق التأويل: لو أجيبوا إلى ما يدعون به من الشر والعذاب لفرغ إليهم من أجلهم بأن ينقضي الأجل فيموتوا ويحصلوا في العذاب والبلاء، وقرأ ابن عامر لقَضى إليهم أجلهم بفتح القاف على إسناد الفعل إلى الله لأن ذكره قد تقدم، وذكر أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، يدل على صحة هذا قوله: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١] يعني: الكفار الذين لا يخافون البعث، قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: ١٢] أي: مضطجعا على جنبه، قال ابن عباس: إذا أصاب الكافر ما يكره من فقر أو مرض أو بلاء أو شدة أخلص في الدعاء مضطجعا كان أو قائما أو قاعدا.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ [يونس: ١٢] طاغيا على ترك الشكر ولم يتعظ بما ناله، ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] قال الحسن: نسي ما دعا الله فيه وما صنع الله به فيما كشف عنه من البلاء، ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢] أي: كما زين لهذا الكافر الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء زين للمسرفين عملهم، يريد المشركين، قال ابن كيسان: أسرفوا على أنفسهم إذ عبدوا الوثن.
قال عطاء: نزلت الآية في عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [يونس: ١٣] يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية، ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [يونس: ١٣] بالمعجزات الظاهرة، ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ١٣] قال ابن الأنباري: ألزمهم الله ترك الإيمان لمعاندتهم الحق وإيثارهم الباطل.
وقال الزجاج: أعلم الله أنهم لا يؤمنون ولو بقاهم أبدا، لأنه جعل جزاءهم بكفرهم الطبع على قلوبهم.
كما
[ ٢ / ٥٤٠ ]
قال: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] الآية، وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ١٣] أي: نعاقب ونهلك المكذبين بمحمد ﷺ كما فعلنا بمن قبلهم، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [يونس: ١٤] قال ابن عباس: يريد أهل مكة، والمعنى: استخلفكم في الأرض من بعد القرون الماضية، ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] قال ابن عباس: لنختبركم ونختبر أعمالكم.
وقال قتادة: ما جعلنا الله خلائف إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرا بالليل والنهار.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٥﴾ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿١٦﴾ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴿١٧﴾﴾ [يونس: ١٥-١٧] قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ١٥] أي: على مشركي مكة، آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ يعني: القرآن، ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ١٥] لا يخافون البعث، ﴿ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: ١٥] أي: بقرآن ليس فيه عيب آلهتنا، وذكر البعث والنشور، أَوْ بَدِّلْهُ أي: تكلم به من ذات نفسك، فبدِّل منه ما نكره، ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] ما ينبغي لي أن أبدله غيره من قبل نفسي، قال الزجاج: أي: الذي أتيت به من عند الله لا من عند نفسي فأبدله.
وهو قوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] قال ابن عباس: يريد: ما أخبركم إلا ما أخبرني الله به، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [يونس: ١٦] قال ابن عباس: يقول: لو شاء الله ما قرأت عليكم القرآن.
﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٦] ولا أعلمكم الله بالقرآن وأدراني الله به، والمعنى: لو شاء الله ألا ينزل القرآن ما أعلمكم به ولا أمرني بتلاوته عليكم، ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦] قال ابن عباس: أقمت فيكم أربعين سنة لا أحدثكم بشيء من القرآن ولا آتيكم به، أَفَلا تَعْقِلُونَ أنه ليس من قِبَلِي.
قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأعراف: ٣٧] أي: لا أحد أظلم ممن يظلم ظلم الكفر فيزعم أن لله ولدا وشريكا، قال ابن عباس: يريد: أني لم أفتر على الله ولم أكذب عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكا وعبدتم الأوثان وكذبتم نبيه ﷺ وما جاء به من عند الله تعالى.
﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧] لا يسعد من كذب أنبياء الله.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١٨﴾ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ
[ ٢ / ٥٤١ ]
يَخْتَلِفُونَ ﴿١٩﴾ وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴿٢٠﴾﴾ [يونس: ١٨-٢٠] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ﴾ [يونس: ١٨] إن لم يعبدوه، وَلا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوه، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] قال الحسن: شفعاء في إصلاح معاشهم في الدنيا، لأنهم لا يقرون بالبعث.
﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨] قال الضحاك: أتخبرون الله أن له شريكا ولا يعلم الله لنفسه شريكا في السموات ولا في الأرض.
والمعنى: أتخبرون الله بالكذب فيما يعلم أنه ليس بموجود؟ ثم نزه نفسه عما افتروه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] .
قوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [يونس: ١٩] أي: مجمعة على دين واحد يعني: من لدن إبراهيم ﵇ إلى أن غير الدين عمرو بن لحي، فَاخْتَلَفُوا.
قاله ابن عباس في رواية عطاء، وقال في رواية الكلبي: يعني: أمة كافرة على عهد إبراهيم، فاختلفوا فآمن بعضهم وكفر بعضهم.
وقال مجاهد، والسدي: كانوا على ملة الإسلام إلى أن قتل أحد ابني آدم أخاه، وقوله: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ١٩] بتأخير هذه الأمة، وأنه لا يهلكهم بالعذاب كما أهلك الذين من قبلهم، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بنزول العذاب، وتعجيل العقوبة للمكذبين، فكان ذلك فصلا بينهم فيما فيه يختلفون، قوله: وَيَقُولُونَ يعني: أهل مكة: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] مثل العصا واليد، ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠] يعني أن قولكم: هلا أنزل عليه آية غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، فَانْتَظِرُوا نزول الآية، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠] لنزولها، قوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴿٢١﴾ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٢٢﴾ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٣﴾﴾ [يونس: ٢١-٢٣] ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ [يونس: ٢١] يعني مطرا وخصبا وغنى، ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ [يونس: ٢١] من بعد قحط وبؤس وفقر، ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: ٢١] سعي في دفع القرآن والتكذيب به، أي: إذا أخصبوا بطروا فكذبوا بالقرآن، ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ [يونس: ٢١] أي: أن ما يأتيهم من العذاب أسرع في إهلاكهم مما أتوه من المكر في إبطال القرآن، قال مقاتل: فقتلهم الله يوم بدر وجازى
[ ٢ / ٥٤٢ ]
مكرهم في آياته بعقاب ذلك اليوم، فكان أسرع في إهلاكهم من كيدهم في إهلاك محمد ﷺ وإبطال آياته، ثم أوعدهم بالجزاء في الآخرة بقوله: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١] يعني: بالرسل الحفظة.
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ﴾ [يونس: ٢٢] على الدواب، وَفي الْبَحْرِ على السفن، يقال: سيرته من مكان إلى مكان.
أي: شخصته وقرأ ابن عامر: ينشركم من النشر بعد الطي، وحجته قوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢] يعني السفن، وَجَرَيْنَ بِهِمْ عاد بعد المخاطبة إلى الإخبار عنهم، وقوله: بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ أي: رخاء لينة، وَفَرِحُوا بِهَا بتلك الريح للينها واستوائها، جَاءَتْهَا جاءت الفلك، رِيحٌ عَاصِفٌ، شديد الهبوب وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ وهو ما ارتفع من الماء، ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [يونس: ٢٢] من البحر، وَظَنُّوا أيقنوا ﴿أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] دنوا من الهلاك ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢] قال ابن عباس: تركوا الشرك وأخلصوا لله الربوبية، وقالوا: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ [يونس: ٢٢] الريح العاصف، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] الموحدين الطائعين.
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] يعملون فيها بالفساد والمعاصي والجرأة على الله، يَأَيُّهَا النَّاسُ يعني: أهل مكة، ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٣] أي: بغي بعضكم على بعض، وما تنالونه، إنما تتمتعون به في الحياة الدنيا، فهو متاع في الدنيا، ومن نصب فعلى المصدر، والمعنى: تتمتعون متاع الحياة الدنيا، ويدل انتصاب المصدر على المحذوف، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] في الآخرة، ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣] نخبركم في الآخرة بأعمالكم لأنا أثبتناها عليكم.
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢٥﴾﴾ [يونس: ٢٤-٢٥] قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤] ضرب الله تعالى مثلا للحياة في هذه الدار الفانية، فشبهها بمطر، وهو قوله: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤] يعني: التف وكثر وتداخل بذلك الماء من كل نوع من المرعى والكلأ والبقول والحبوب والثمار، وهو قوله: ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤] قال ابن عباس: زينتها وحسنها وخصبها.
يعني: حسن ألوان الزهر الذي يروق البصر، قال الزجاج: الزخرف كمال حسن الشيء.
وهو قوله: وَازَّيَّنَتْ أي: تزينت، وَظَنَّ أَهْلُهَا أي: أهل تلك الأرض، ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ٢٤] أي: على نباتها الذي أنبتته، قال ابن عباس: على حصادها وجذاذها وقطعها.
﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤] قال ابن عباس: عذابنا.
والمعنى: أمرنا بهلاكها، فَجَعَلْنَاهَا
[ ٢ / ٥٤٣ ]
حَصِيدًا محصودا لا شيء فيها، والحصيد: المقطوع المستأصل، ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] خلت كأن لم تكن أمس، ولم تقم على الصفة التي كانت فيما قبل، من قولهم: غني القوم بالمكان.
إذا أقاموا به، والمراد: الغلة التي أخرجتها الأرض، وما سبق من الكلام يدل على الغلة، وقال الزجاج: كأن لم تعمر بالأمس.
قال: والمغاني: المنازل التي يعمرها أهلها بالنزول بها.
ونحو هذا قال ابن قتيبة: كأن لم تكن عامرة بالأمس.
وعلى هذا المراد به الأرض وتأويل الآية: أن الحياة في الدنيا سبب لاجتماع المال وزهرة الدنيا مما يروق ويعجب حتى إذا استتم ذلك وكثر عند صاحبه وظن أنه ممتع به، سلب ذلك بموته أو بحادثة تهلكه كما أن الماء سبب لالتفاف النبات، وكثرته حتى تتزين به الأرض وتظهر بهجتها، وظن الناس أنهم مستمتعون بذلك أهلكها الله وردها إلى الفناء حتى كأن لم تكن، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أي: يبعث الرسول، ونصب الأدلة يدعو إلى الجنة، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] عم بالدعوة وخص بالهداية من شاء، لأن الحكم له في خلقه يفعل ما يشاء.
٤٣٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنِي طَاهِرُ بْنُ يَحْيَى الْبَيْهَقِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: " إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي وَمِيكَائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلا، فَقَالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ وَاعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دَارًا، ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مَأْدُبَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولا يَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ الرَّسُولَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ فَاللَّهُ هُوَ الْمَلِكُ، وَالدَّارُ الإِسْلَامُ، وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ الإِسْلامَ، وَمَنْ دَخَلَ الإِسْلامَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَكَلَ مِنْهَا "
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٦﴾ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٧﴾﴾ [يونس: ٢٦-٢٧] قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] قال ابن عباس: للذين قالوا لا إله إلا الله الجنة.
وَزِيَادَةٌ وهي النظر إلى
[ ٢ / ٥٤٤ ]
وجه الله في قول أبي بكر الصديق، وأبي موسى الأشعري، وحذيفة، وابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي، ونحو ذلك فسرها النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي
٤٣٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَعْلَى، وَعَبْدَانُ الْجَوَالِيقِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، قَالَ أَبُو يَعْلَى: وحَدَّثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ أَشْرَسَ قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَ مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ تُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا؟ وَتُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّينَا مِنَ النَّارِ، فَيُكْشَفُ لَهُمُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَمَا مِنْ شَيْءٍ أُعْطَوْهُ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ ".
هَذَا حَدِيثُ هُدْبَةَ، وَفِي حَدِيثِ حَوْثَرَةَ، قَالَ: الْحُسْنَى: الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ
﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] بعد نظرهم إليه ﷿.
قال حوثرة في أثر هذا الحديث: كنا نسمع حمادا يحدث بهذه الأحاديث على رءوس الناس فلا ينكرونها حتى جاء قوم يزعمون أن الله ﷿ لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة وكذبوا.
رواه مسلم، عن هدبة بن خالد.
وقوله: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ [يونس: ٢٦] أي: لا يغشاها، يقال: رهقه ما يكره.
أي: غشيه ومصدره الرهق، قال ابن عباس: ولا يصيب وجوههم قتر يعني: سواد الوجوه من الكآبة.
قال عطاء: يريد دخان جهنم.
وَلا ذِلَّةٌ كما تصيب أهل جهنم.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [يونس: ٢٧] قال ابن عباس: عملوا الشرك.
﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: ٢٧] قال الفراء: فلهم جزاء السيئة بمثلها.
والمعنى: أنهم يجزون بمثل ما عملوا، وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يصيبهم الذل والخزي والهوان، ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [يونس: ٢٧] ما لهم من عذاب الله من مانع يمنعهم، كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ ألبست، ﴿وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [يونس: ٢٧] طائفة من الليل وبعضا منه، مُظْلِمًا قال الفراء، والزجاج: هو نعت لقوله قطعا، والمعنى: وصف وجوههم بالسواد حتى كأنها ألبست سوادا من الليل، ومن قرأ: قطَعا مفتوحة الطاء فهي جمع قطعة، ومظلما على هذه القراءة حال من الليل، المعنى: أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿٢٨﴾ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ﴿٢٩﴾ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿٣٠﴾﴾ [يونس: ٢٨-٣٠] قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٢٨] قال ابن عباس، ومقاتل: ويوم نجمع المشركين وشركاءهم، والكفار وآلهتهم، ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾ [يونس: ٢٨]، قال الزجاج: مكانكم منصوب على الأمر، كأنهم قيل لهم: الزموا أنتم وشركاؤكم مكانكم حتى نفصل بينكم.
ومعنى وشركاؤكم أي: الذين جعلتموهم شركاء في العبادة، فَزَيَّلْنَا فرقنا وميزنا بينهم، قال المفسرون: فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة والأصنام، وذلك حين تبرأ كل معبود من دون الله ممن عبده.
وهو قوله: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] قال ابن عباس: أنكروا عبادتهم.
وذلك أن الله تعالى ينطق الأوثان فتقول: ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون.
فَكَفَى بِالله الآية، هذا كلام معبوديهم لما تبرأوا منهم قالوا: يشهد الله على علمه فينا، ما كنا عن عبادتهم إلا غافلين، لأنه لم تكن فينا روح وما كنا نسمع ولا نبصر.
هُنَالِكَ أي: في ذلك الوقت، تَبْلُو تختبر، ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] قدمت من خير أو شر، وذلك أن من قدم خيرا أو شرا جوزي عليه، فيختبر الخير ويجد ثوابه، ويختبر الشر ويجد عقابه، وقرئ: تتلو بتاءين، ومعناه: تقرأ كتابها، وما كتب من أعمالها التي قدمتها، ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٠] إلى حكمه، فينفرد فيهم بالحكم، مَوْلاهُمُ الْحَقِّ الذي يتولى ويملك أمرهم، وَضَلَّ أي: وزال وبطل، ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠] في الدنيا من التكذيب.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ﴿٣١﴾ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴿٣٢﴾ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٣٣﴾ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿٣٤﴾ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿٣٥﴾ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾﴾ [يونس: ٣١-٣٦] قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١] يريد: من ينزل القطر من السماء ويخرج النبات من الأرض؟ ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] أي: من يملك خلق السمع والأبصار، ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] أي: المؤمن من الكافر، والنبات من الأرض، والإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والسنبلة من الحب، والنخلة من النواة،
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وعلى الضد من ذلك، ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس: ٣١] أمر الدنيا والآخرة، فَسَيَقُولُونَ الله أي: الله الذي يفعل هذه الأشياء، وذلك أنهم علموا أن الرزاق والمدبر هو الله، فإذا أقروا بعد الاحتجاج ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] قال ابن عباس: أفلا تخافون الله فلا تشركوا به شيئا.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ [يونس: ٣٢] قال ابن عباس: يريد هذا الذي كله فعله هو الحق، ليس هؤلاء الذين جعلتم معه شركاء لا يملكون شيئا من هذا.
وقوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] قال مقاتل: يعني: بعد عبادة الله إلا الضلال يعني عبادة الشيطان.
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ قال ابن عباس: كيف تصرف عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق، ولا يحيي ولا يميت.
وقوله: كَذَلِكَ أي: مثل ذلك الصرف، ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ [يونس: ٣٣] يعني: خرجوا في الكفر إلى أفحشه، ﴿أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] وهو قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ [السجدة: ٢٠] الآية، وغيرها من آي الوعيد للكفا، ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ [يونس: ٣٤] الذين تعبدونهم مع الله، ﴿مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤] يخلق أولا ثم يعيده ثانيا، ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] فكيف تصرفون عن الحق؟ ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ [يونس: ٣٥] يعني: آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، ﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] يرشد إلى دين الإسلام؟ ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] أي: إلى الحق، ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ [يونس: ٣٥] أي: إن الله الذي يهدي ويرشد إلى الحق أهل الحق أحق أن يتبع أمره، أم الصنم الذي لا يهدي أحدا، ولا يهتدي إلى الخير، وقرئ يهدي، ويهدي، ويهدي، ويهدي، وكلها يفتعل وإن اختلفت ألفاظها، وأصلها يهتدي، فأدغمت التاء في الدال، فمن فتح الهاء ألقى عليه حركة التاء المدغم، ومن كسر الهاء فلأنها كانت ساكنة واجتمعت مع الحرف المدغم الساكن، فحرك الهاء بالكسر لالتقاء ساكنين، ومن سكن الهاء جمع بين الساكنين، ومن كسر الياء والهاء أتبع الياء ما بعدها من الكسر، قال الزجاج: وهو رديء لثقل الكسر في الياء.
فأما معنى: لا يهتدي إلا أن يهدي، فالأصنام وإن هديت لا تهتدي لأنهم موات من حجارة، ولكن الكلام يدل على أنها إن هديت اهتدت لأنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويعقل، ووصفت صفة من يعقل، وإن لم تكن في الحقيقة كذلك، قوله: فَمَا لَكُمْ قال الزجاج: ما لكم كلام تام، كأنهم قيل لهم: أي: شيء لكم في عبادة الأصنام.
ثم قيل لهم: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] قال مقاتل: كيف تقضون حين زعمتم أن مع الله شريكا؟ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا﴾ [يونس: ٣٦] ما يستيقنون أنها آلهة، بل يظنون شيئا، فيتبعون ظنا لأنهم لم يأتهم بذلك كتاب ولا رسول، ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] لا يدفع من عذاب الله شيئا، أي: ظنهم أن الأصنام آلهة، وأنها تشفع لهم لا يغني عنهم شيئا، قال عطاء: يريد: ليس الظن كاليقين، يعني: يقوم مقام العلم.
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٣٧﴾ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ
[ ٢ / ٥٤٧ ]
صَادِقِينَ ﴿٣٨﴾ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿٣٩﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ﴿٤٠﴾ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٤١﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴿٤٢﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ ﴿٤٣﴾ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٤٤﴾ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿٤٥﴾﴾ [يونس: ٣٧-٤٥] قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٧] هذا جواب لقولهم: ﴿ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: ١٥] وأن مع يفترى بمنزلة المصدر يعني: وما كان هذا القرآن افتراء من دون الله، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يونس: ٣٧] ولكن كان تصديق ما قبله من الكتب، وأخبار الأمم والأنبياء الماضين، وهذا احتجاج عليهم بأن القرآن من عند الله بتصديقه الذي بين يديه، وقوله: وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ وتبيين ما في الكتاب من الحلال والحرام والفرائض والأحكام، ثم احتج عليهم بأن يأتوا بمثله إن كان مفترى، فقال: أَمْ يَقُولُونَ بل: أيقولون يعني المشركين: ﴿افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٨] ادعوا إلى معاونتكم من المعارضة كل من تقدرون عليه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] في أنه افتراء، وهذا كقوله في ﴿[البقرة:] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٣] .
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] أي: بما في القرآن من الجنة والنار والبعث والقيامة والثواب والعقاب، ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] لم يأتهم بعد حقيقة ما وعدوا في الكتاب مما يئول إليه أمرهم من العقوبة، ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ٣٩] أي: بالبعث والقيامة، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] يعني: كان عاقبتهم العذاب والهلاك بتكذيبهم.
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] وهذا إخبار عما سبق في علم الله تعالى، قال الكلبي: نزلت في أهل مكة.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٤٠] قال عطاء: يريد المكذبين وهذا تهديد لهم.
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ [يونس: ٤١] الآية: قال مقاتل، والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية الجهاد.
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين كانوا يستمعون إلى النبي ﷺ للاستهزاء والتكذيب، فلم ينتفعوا باستماعهم.
قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [يونس: ٤٢] قال الزجاج: أي: ظاهرهم ظاهر من يستمع، وهم لشدة عداوتهم بمنزلة الصم.
﴿وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] يريد: أنهم أشد من الصم لأن الصم لهم عقول وقلوب، وهؤلاء قد أصم الله قلوبهم.
أخبر الله تعالى أن هؤلاء بمنزلة الصم الجهال، إذ لم ينتفعوا بما سمعوا.
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] قال ابن عباس: يريد: متعجبين منك، ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٣] يريد: أن الله تعالى قد أعمى قلوبهم، فلا يبصرون شيئا من الهدى، كما قال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] الآية، قال الزجاج: ومنهم من يقبل عليك بالنظر وهو
[ ٢ / ٥٤٨ ]
كالأعمى من بغضه لك، وكراهية ما يراه من آياتك.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤] لما ذكر الله تعالى في الآيتين السابقتين فريقين ووصفهما بالشقوة، ينظرون، ولا يسمعون ولا يعقلون ولا يؤمنون، وذلك للقضاء السابق عليهم، أخبر في هذه الآية أن تقدير الشقوة عليهم ما كان ظلما منه لأنه يتصرف في ملكة كيف يشاء وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم، وهو قوله: ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] وذلك أن الفعل منسوب إليهم، وإن كان القضاء من الله سبحانه، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ [يونس: ٤٥] قال ابن عباس: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار.
وقال الضحاك: قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم وبعثهم فصار كالساعة من النهار، لهول ما استقبلوا من أمر البعث والقيامة.
يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ بتوبيخ بعضهم بعضا، يقول كل فريق للآخر: أنت أضللتني يوم كذا، وأنت كسبتني دخل النار بما علمتني وزينته لي.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤٥] خسر ثواب الجنة الذين كذبوا بالبعث.
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ﴿٤٦﴾ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿٤٧﴾ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤٨﴾ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿٤٩﴾ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ﴿٥٠﴾ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴿٥١﴾ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿٥٢﴾﴾ قوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦] قال المفسرون: كانت وقعة بدر ما أراه الله حال حياته مما وعد المشركين من العذاب.
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريك، فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ بعد الموت فنجزيهم بأعمالهم، قال الزجاج: أعلم الله أنه إن لم ينتقم منهم في العاجل ينتقم منهم في الآجل.
وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] أي: من محاربتك وتكذيبك.
قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧] قال ابن الأنباري: رسول يرسله الله إليهم سفيرا بينه وبينهم مبشرا ومنذرا.
فإذا جاءهم الرسول في الدنيا، ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٤٧] حكم عليهم عند اتباع المؤمنين وعناد الكافرين بالمعصية والطاعة، والضلالة والهدى، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] قال عطاء: لا ينقص الذين صدقوا من ثوابهم، ولا يزاد الذين كذبوا من مساوئ أعمالهم.
ولما أخبرهم النبي ﷺ بقوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦] قالوا: متى هذا العذاب الذي تعدنا؟ وهو قوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] أنت واتباعك؟ ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ [يونس: ٤٩] هذه الآية إلى آخرها مفسرة في آيتين من ﴿[الأعراف.
قوله:] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ [سورة يونس: ٥٠] قال الزجاج: البيات كل ما كان بليل.
يقول: أعلمتم
[ ٢ / ٥٤٩ ]
أيها المستعجلون للعذاب إن أتاكم العذاب ليلا أو نهارا، ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] أي: ماذا يستعجلون منه؟ وهو استفهام معناه: التفظيع والتهويل، كما يقول لمن هو في أمر يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك؟ وهو جواب لقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]؟ وقوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] كان المشركون يقولون: نكذب العذاب ونستعجله، ثم إذا ما وقع آمنا به، فقال الله تعالى موبخا لهم: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١] العذاب وحل بكم آمنتم به؟ فلا يقبل منكم الإيمان، ويقال لكم: الآنَ تؤمنون، ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] مستهزئين معاندين للحق، وهو قوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ [يونس: ٥٢] الآية: وذلك: أن العذاب إذا لحق الكافرين أفضوا منه إلى عذاب الآخرة.
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴿٥٣﴾ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿٥٤﴾ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٥٥﴾ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٥٦﴾﴾ [يونس: ٥٣-٥٦] قوله ﷿: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس: ٥٣] أي: البعث والعذاب، أي: يستخبرونك عن ذلك، ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس: ٥٣] قال الزجاج: نعم وربي، إِنَّهُ لَحَقٌّ إن العذاب نازل بكم، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] بعد الموت، قال ابن عباس: يريد أن الله لا يعجزه شيء ولا يفوته.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ [يونس: ٥٤] أشركت، ﴿مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ [يونس: ٥٤] لبذلته لدفع العذاب عنها، ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [يونس: ٥٤] أي: أخفى الرؤساء في الكفر الندامة من الذين أضلوهم، وستروها عنهم.
هذا قول عامة المفسرين وأهل التأويل، وقال أبو عبيدة: الإسرار من الأضداد، يقال: أسررت الشيء.
أخفيته، وأسررته.
أعلنته، قال: ومن الإعلان قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [يونس: ٥٤] أي: أظهروها.
واختار المفضل هذا القول، وقال: ليس ذلك اليوم يوم تصبر ولا تصنع.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٥٤] أي: بين الرؤساء، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤] لأنهم يجازون بشركهم.
قوله: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس: ٥٥] قال ابن عباس: يريد: ما وعد لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٥] يريد المشركين.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٥٧﴾ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥٨﴾﴾ [يونس: ٥٧-٥٨] يَأَيُّهَا النَّاسُ قال ابن عباس: يعني قريشا.
﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] يعني القرآن، وما فيه من المواعظ التي تدعو إلى الصلاح، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] أي: دواء لداء الجهل، والقرآن مزيل للجهل وكاشف لعمى القلب، وَهُدًى وبيان للضلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] ونعمة من الله تعالى لأصحاب محمد ﷺ.
قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
[ ٢ / ٥٥٠ ]
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن.
وهذا قول عامة المفسرين.
٤٤٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] قَالَ: فَضْلُ اللَّهِ الْقُرْآنُ، وَرَحْمَتُهُ أَنْ جَعَلَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ
وهو خير مما يجمع الكفار من الدنيا، ثم أمره أن يخاطب كفار مكة بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴿٥٩﴾ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ﴿٦٠﴾ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٦١﴾ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٢﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٦٤﴾ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٦٥﴾ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ﴿٦٦﴾ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿٦٧﴾﴾ [يونس: ٥٩-٦٧] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [يونس: ٥٩] يعني: ما خلق وأنشأ، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا﴾ [يونس: ٥٩] يعني: ما حرموا من الحرث والأنعام لآلهتهم، ﴿قُلْءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] في هذا التحريم والتحليل، ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] بل تقولون على الله الكذب وذلك أنهم كانوا يقولون: الله أمرنا بها.
قوله: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [يونس: ٦٠] قال مقاتل: وما ظن الذين يتقولون على الله الكذب، بأن الله أمرهم بتحريم ما حرموا يوم القيامة إذا لقوه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [يونس: ٦٠] حين لم يعجل بعقوبة افترائهم، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠] تأخير العذاب عنهم.
قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١] قال الحسن:
[ ٢ / ٥٥١ ]
في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها.
﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ﴾ [يونس: ٦١] أي: من الله تعالى، أي: نازل منه مِنْ قُرْآنٍ والخطاب للنبي ﷺ، وأمته داخلون في هذا الخطاب لأن خطاب الرئيس خطاب له ولأتباعه يدل على هذا قوله: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ [يونس: ٦١] قال ابن الأنباري: جمع في هذا ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأولين.
﴿إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [يونس: ٦١] قال الفراء: يقول: الله شاهد على كل شيء.
والمعنى: إلا نعلمه فنجازيكم به، ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] الإفاضة: الدخول في العمل، قال ابن الأنباري: إذ تندفعون فيه.
وقال ابن عباس: إذ تأخذون فيه.
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٦١] والعزوب: البعد والذهاب، يقال: عزب عنه الشيء.
إذا غاب وذهب، ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] أي: وزن ذرة، ومثقال الشيء ما وازنه، والذر صغار النمل، الواحدة ذرة، ﴿فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ﴾ [يونس: ٦١] قال الفراء: من نصبها فإنما يريد الخفض، يتبعها المثقال والذرة، ومن رفعها أتبعها معنى المثقال لأنك لو ألقيت من المثقال من كان رفعا، وهو كقولك: ما أتاني أحد عاقل، وكذلك قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وغيره، ﴿إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] قال ابن عباس: يريد: اللوح المحفوظ.
قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]:
٤٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللَّهُ لِرُؤْيَتِهِمْ»
٤٤٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ هَيْثَمٍ الأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ الصَّائِغُ، نا أَبُو غَسَّانَ، وَعَاصِمٌ، قَالا: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، نا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، عَنِ ابْنِ زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ:
[ ٢ / ٥٥٢ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ وَمَا أَعْمَالُهُمْ؟ لَعَلَّنَا نُحِبُّهُمْ، قَالَ: " قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ بِغَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا بَيْنَهُمْ، وَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]
قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] قال ابن عباس: يريد: الذين صدقوا النبي ﷺ وخافوا مقامهم بين يدي الله تعالى.
قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]:
٤٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: نا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٣-٦٤] مَا هَذِهِ الدُّنْيَا؟ قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي قَبْلَكَ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ أَوْ تُرَى لَهُ»
٤٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، نا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يُبَشَّرُ بِهَا الْمُؤْمِنُ، جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَنْ رَأَى ذَلِكَ فَلْيُخْبِرْ بِهَا، وَمَنْ رَأَى سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيُحْزِنَهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا وَلْيَسْكُتْ، وَلا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا "
وقال عطاء، عن ابن عباس: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] يريد: عند الموت تأتيهم ملائكة الرحمة بالبشرى من الله، وفي الآخرة عند خروج نفْس المؤمن يبشر برضوان الله.
وهذا قول قتادة، والضحاك، والزهري، قالوا: البشارة عند الموت.
وقال الحسن: ما بشر الله ﷿ في كتابه من جنته وكريم ثوابه في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ
[ ٢ / ٥٥٣ ]
آمَنُوا﴾ [يونس: ٢]، وبشر المؤمنين، وأبشروا بالجنة.
وهذا اختيار الفراء، والزجاج قالا: ويدل على صحة هذا قوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤] .
قال ابن عباس: لا خلف لمواعيده، وذلك أن مواعيده بكلماته، فإذا لم تبدل كلماته لم تبدل مواعيده.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] ولا يحزنك إنكارهم وتكذيبهم وتظاهرهم عليك في العداوة، وتم الكلام ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥] أي: الغلبة له، وهو ناصرك وناصر دينك، والمعنى: أنه الذي يعزك حتى تصير أعز ممن ناوأك، ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٥] يسمع قولهم، ويعلم ضميرهم فيجازيهم بما يقتضيه حالهم، ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٦] أي: إنه يفعل بهم وفيهم ما يشاء، ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [يونس: ٦٦] أي: ما يتبعون شركاء على الحقيقة لأنهم يعدونها شركاء لله، شفعاء لهم، وليست على ما يظنون، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦] يعني: ظنهم أنها تشفع لهم يوم القيامة، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] ما هم إلا كاذبون فيما يزعمون.
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] أي: ليزول التعب والكلال بالسكون فيه، وَجعل النَّهَارَ مُبْصِرًا، مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [يونس: ٦٧] الذي فعل، ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧] سماع اعتبار أنه مما لا يقدر عليه إلا عالم قادر.
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴿٦٨﴾ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴿٦٩﴾ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴿٧٠﴾﴾ [يونس: ٦٨-٧٠] ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [يونس: ٦٨] يعني: زعم المشركون أن الملائكة بنات الله، سُبْحَانَهُ تنزيها له عما قالوا، هُوَ الْغَنِيُّ أن تكون له زوجة وولد، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] عبيدا أو ملكا، ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨] ما عندكم من حجة بما تقولون، ثم أنكر عليهم ذلك، فقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴿٦٨﴾ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٨-٦٩] لا يسعدون في العاقبة وإن اغتروا بطول السلامة، ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٧٠] أي: لهم متاع في الدنيا يتمتعون به أياما يسيرة، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠] في الآخرة، ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ [يونس: ٧٠] الغليظ الذي لا ينقطع، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠] .
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ﴿٧١﴾ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٧٢﴾ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ﴿٧٣﴾
[ ٢ / ٥٥٤ ]
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴿٧٤﴾ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴿٧٥﴾ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴿٧٦﴾ قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ﴿٧٧﴾﴾ [يونس: ٧١-٧٧] قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١] أي: اقرأ واقصص على قومك خبر نوح وقصته مع قومه، وذلك لما فيه من الدليل للنبي ﷺ على نبوته، ولقومه من الاعتبار بقوم نوح وما حل بهم من العقوبة والتكذيب، وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [يونس: ٧١] يعني: نوح، ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ [يونس: ٧١] عظم وثقل وشق عليكم إقامتي بين أظهركم ولبثي فيكم ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٧١] قال ابن عباس: وعظي وتخويفي إياكم عقوبة الله، ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١] في نصرتي ودفع شركم عني فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ: معنى الإجماع: العزم على أمر محكم لا يخالف، وقوله: وَشُرَكَاءَكُمْ قال الفراء: وادعوا شركاءكم دعاء استغاثة بهم.
وكذلك في قراءة عبد الله، وقال الزجاج: الواو بمعنى مع، والمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم.
﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١] أي: مبهما، ليكن أمركم ظاهرا منكشفا لا تسترون معاداتي، ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١] ثم امضوا إلي بمكروهكم، وما توعدونني به، ومعنى قضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، وهذا إخبار عن نوح أنه كان ينصر الله واثقا من كيد قومه غير خائف، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الإيمان، ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ [يونس: ٧٢] أي: لم يكن دعائي إياكم طمعا في مالكم، إِنْ أَجْرِيَ ما ثوابي ﴿إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: ٧٢] .
قوله: وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ جعل الله الذين نجوا مع نوح من الغرق خلفا ممن هلك، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] وذلك أن الناس كانوا من ذريته بعد الغرق، وهلك أهل الأرض جميعا بتكذيبهم لنوح ﵇ سوى ذريته الذين نجوا معه، وذلك قوله: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [يونس: ٧٣] الآية، قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [يونس: ٧٤] أي: من بعد نوح ﴿رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [يونس: ٧٤] قال ابن عباس: يريد: إبراهيم، وهودا، وصالحا، ولوطا، وشعيبا، فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ بأنهم رسل الله فَمَا كَانُوا: أولئك الأقوام الذين بعث إليهم الرسل ﴿لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] يعني: قوم نوح، أي: لم يصدقوا بما كذب به قوم نوح، وكانوا مثلهم في الكفر والعتو ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ [يونس: ٧٤] قال ابن عباس: يريد: أن الله طبع على قلوبهم فأعماها، فلا يبصرون سبيل الهدى، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس: ٧٨] اللفت: الصرف عن الشيء، يقال: لفته عن رأيه.
أي: لواه وصرفه عنه، والمعنى: لتصرفنا عن دين آبائنا، ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] قال المفسرون: أي: الملك والعز في أرض مصر، والخطاب لموسى، وهارون، أي: إنما تطلبان التملك علينا، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] ثم طلب فرعون السحرة ليعارضوا بسحرهم موسى، وهو قوله: ﴿
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴿٧٩﴾ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ﴿٨٠﴾ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٨١﴾ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴿٨٢﴾﴾ [يونس: ٧٩-٨٢] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴿٧٩﴾ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ [يونس: ٧٩-٨٠] إلى قوله: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ [يونس: ٨١] أي: الذي جئتم به من الحبال والعصي سحر ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] فيهلكه وتظهر فضيحتكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] لا يجعل عملهم ينفعهم، وَيُحِقُّ الله الْحَقَّ ويظهره ويمكنه بِكَلِمَاتِهِ بما سبق من وعده بذلك.
﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴿٨٣﴾ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴿٨٤﴾ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٨٥﴾ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٨٦﴾ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨٧﴾﴾ [يونس: ٨٣-٨٧] قوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ [يونس: ٨٣] أي: ما صدقه ﴿إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] يعني: ذرية يعقوب وهم بنو إسرائيل الذين كانوا بمصر ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ٨٣] قال ابن عباس: متطاول في أرض مصر، ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] حين كان عبدا فادعى الربوبية، ثم أمر موسى: من آمن من قومه بالتوكل على الله في دفع شر فرعون، وهو قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [يونس: ٨٤] الآية، ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥] أي: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانا، قال مجاهد: لا تهلكنا بعذاب على أيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا تسلطنا عليهم فيفتنوا.
﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٦] وذلك أنهم كانوا يستعبدونهم ويأمرونهم بالأعمال الشاقة فسأل الله النجاة منهم.
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾ [يونس: ٨٧] الآية، قال المفسرون: لما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومنعوا من الصلاة، فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفا من فرعون.
وذلك قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧] قال الزجاج: صلوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: واجعلوا بيوتكم مساجد.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴿٨٨﴾ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴿٨٩﴾﴾ [يونس: ٨٨-٨٩] قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٨٨] قال ابن عباس: كان لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت.
﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨] أي: إنك جعلت هذه الأموال سببا لضلالهم لأنهم بطروا بها فاستكبروا عن الإيمان، وطغوا في الأرض، ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] قال الزجاج: تأويل طمس الشيء إذهابه عن صورته، والانتفاع به على الحالة الأولى التي كانت عليها.
قال المفسرون: صارت أموالهم حجارة، الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة صحاحا وأثلاثا وأنصافا.
قال القرظي: جعل سكرهم حجارة.
وقال قتادة: بلغنا أن حروثا لهم صارت حجارة.
وقال عطاء: لم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد.
وقوله: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] قال ابن عباس: امنعهم عن الإيمان بك، والمعنى: اطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان، وهذا دليل على أن الله يفعل ذلك بمن يشاء، ولولا ذلك ما حسن من موسى هذا السؤال، وقوله: فَلا يُؤْمِنُوا قال الفراء، والزجاج: فلا يؤمنوا دعاء عليهم أيضا.
والتأويل: فلا آمنوا ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] يعني: الغرق.
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] قال المفسرون: كان موسى يدعو وهارون يؤمن ولذلك قال دعوتكما.
فَاسْتَقِيمَا على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم العذاب، ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩] لا تسلكان طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلان قضائي، وخفف ابن عامر نون تتبعان للتضعيف.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٩٠﴾ ءَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٩١﴾ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴿٩٢﴾﴾ [يونس: ٩٠-٩٢] قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [يونس: ٩٠] أي: عبرنا بهم ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ [يونس: ٩٠] أي: لحقوه، كما قال
[ ٢ / ٥٥٧ ]
فأتبعه الشيطان، بَغْيًا وَعَدْوًا ظلما وعدوانا ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] قال ابن عباس: لم يقبل الله إيمانه عند نزول العذاب فلم ينفعه ذلك وقيل له ﴿ءَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١] أي: الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها؟ قال المفسرون: خاطبه جبريل بهذا.
٤٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: " قَالَ جِبْرِيلُ ﵇: يَا مُحَمَّدُ لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنَ حَالِ الْبَحْرِ أَحْشُو فِي فِيهِ يَعْنِي فِرْعَوْنَ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ "
وقال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم عند الشدة، وإن يونس كان عبدا صالحا، وإنه كان يذكر الله، فلما وقع في بطن الحوت سأل الله تعالى، فقال الله: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴿١٤٣﴾ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤٤﴾﴾ [الصافات: ١٤٣-١٤٤]، وإن فرعون كان عبدا طاغيا، ناسيا لذكر الله فلما ﴿أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]، فقال الله تعالى ﴿ءَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] .
وقال السدي: بلغنا أن جبريل قال لرسول الله ﷺ: ما أبغضت عبدا من عباد الله، ما أبغضت عبدين أحدهما من الجن والآخر من الإنس، أما الذي من الجن فإبليس حين أبى أن يسجد لآدم، وأما الذي من الإنس ففرعون حين قال: «أنا ربكم العلى» .
ولو رأيتني يا محمد وأنا آخذ من البحر فأدسه في فيه مخافة أن يقول كلمة ينجو بها.
وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] قال ابن عباس والمفسرون: لما أغرق الله فرعون وقومه أنكر بعض بني إسرائيل غرق فرعون، وقال: هو أعظم شيئا من أن يغرق، فأخرجه الله حتى رأوه، فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] أن نلقيك على نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع ومعنى ببدنك بجسدك بغير روح، وذلك أنه طفى عريانا، وذهب قوم إلى أن معنى البدن هنا الدرع، قال ابن عباس: كانت عليه درع من ذهب يعرف بها وهو البدن.
والمعنى: أنا نرفع فرعون فوق الماء بدرعه المشهور ليعرفوه بها، وذلك قوله: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] قال
[ ٢ / ٥٥٨ ]
الكلبي: لتكون نكالا لمن خلفك، فلا يقولوا مثل مقالتك.
وقال الزجاج: معنى الآية: أنه كان يدعي أنه رب، وكان يعبده قومه فبين الله تعالى أمره وأنه عبد.
وفيه من الآية أنه غرق مع قومه وأخرج هو من بينهم فكان ذلك آية.
﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ٩٣] قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٣] قال ابن عباس: يريد: قريظة، والنضير.
يريد أنزلناهم مُبَوَّأَ صِدْقٍ ما بين المدينة والشام في أرض يثرب ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [يونس: ٩٣] من النخل وما فيها من الرطب والتمر فَمَا اخْتَلَفُوا في تصديق النبي ﷺ وأنه نبي ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [يونس: ٩٣] قال ابن عباس: يريد: القرآن الذي جاء به محمد ﷺ.
وقال الفراء: العلم: محمد ﷺ لأنه كان معلوما بنعته، وذلك أنه لما جاءهم اختلفوا فيه وفي تصديقه، فكفر به أكثرهم.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ٩٣] من أمرك يعني: أنه يدخل المصدقين به الجنة، والمكذبين به النار.
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿٩٤﴾ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٩٥﴾﴾ [يونس: ٩٤-٩٥] قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] قال أكثر أهل العلم: هذا الخطاب لرسول الله ﷺ والمراد به غيره من الشكاك، والقرآن نزل بلغة العرب، وهم قد يخاطبون الرجل بالشي يريدون غيره مثل هذا قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] الآية، الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، يدل على ذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] ولم يقل: بما تعمل.
وقال الزجاج: إن الله يخاطب النبي ﷺ وذلك الخطاب شامل للخلق، والمعنى: فإن كنتم في شك فاسألوا، والدليل على ذلك، قوله في آخر ال ﴿[:] قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ﴾ [سورة يونس: ١٠٤] الآية.
وهذا مذهب ابن عباس، والحسن، وأكثر أهل التأويل، قال ابن عباس: لم يرد النبي ﷺ لأنه لم يشك في الله ولا في ما أوحي إليه، ولكن يريد من آمن به وصدقه، أمرهم أن يسألوا لئلا ينافقوا كما شك المنافقون.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
قوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] قال ابن عباس، والضحاك، ومجاهد: يعني: من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه، فسيشهدون على صدق محمد ﷺ، ويخبرونك بنبوته، وبما قدم الله من ذكره في الكتب، وباقي الآية والتي تليها حكمه على ما ذكرنا من أنه خطاب للنبي ﷺ، والمراد به غيره من الشاكين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦﴾ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴿٩٧﴾ فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴿٩٨﴾ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٩٩﴾ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴿١٠٠﴾﴾ [يونس: ٩٦-١٠٠] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٦] قال ابن عباس: قول ربك بالسخط عليهم.
وقال قتادة: سخط ربك بما عصوه.
وقال مقاتل: وجبت عليهم كلمة العذاب.
﴿لا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠١﴾ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧-١٠١] كانوا يسألون رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالآيات حتى يؤمنوا، قال الله تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠١﴾ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٧-١٠١]، فلا ينفعهم حينئذ إيمانهم كما لم ينفع إيمان فرعون حيث أدركه الغرق.
قوله: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] الآية: لولا معناها ههنا النفي، قال ابن عباس في رواية عطاء: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس.
فقال: يريد: لم أفعل هذا بأمة قط، إلا قوم يونس لما آمنوا عند نزول العذاب كشفنا عنهم.
وقال قتادة: لم يكن هذا معروفا لأمة من الأمم كفرت، ثم آمنت عند نزول العذاب، فكشف عنهم إلا قوم يونس كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم.
وهو قوله: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٩٨] قال ابن عباس: يريد: سخط الله عليهم في الحياة الدنيا، ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] يريد: حين آجالهم.
قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ [يونس: ٩٩] الآية، قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ حريصا على أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة من الله، وأنه لو شاء لآمن الناس كلهم.
ثم أنكر عليه إكراه الناس على الإيمان فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ [يونس: ٩٩] الآية، وهذا منسوخ بآية القتال، قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠] قال ابن عباس: إلا بما سبق لها في قضاء الله وقدره.
وقال عطاء: بمشيئة الله.
وقال الزجاج: وما كان لنفس الوصلة إلى الإيمان إلا بتوفيق الله، وهو إذنه.
وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ قال ابن عباس: السخط.
وقال
[ ٢ / ٥٦٠ ]
الحسن: العذاب.
﴿عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] قال ابن عباس: لا يؤمنون.
والمعنى: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه.
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠١﴾ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴿١٠٢﴾ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٣﴾﴾ [يونس: ١٠١-١٠٣] قوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] قال المفسرون: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات على توحيد الله: انظروا بالتفكير والاعتبار ماذا في خلق السموات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانية الله، ونفاذ قدرته كالشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر، وكل هذا يقتضي مدبرا لا يشبه الأشياء ولا تشبهه.
ثم قال: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] أي: ما تنفع الآيات، ولا تدفع عمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن.
قوله: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ يعني: المشركين والمكذبين ﴿إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] إلا أياما مثل أيام الأمم الماضية المكذبة في وقوع العذاب؟ أي: يجب ألا ينتظروا بعد تكذيبك إلا العذاب، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ١٠٣] هذا إخبار عما كان الله يفعل في الأمم الماضية من إنجاء الرسل والمصدقين لهم عما يعذب به من كفر، كَذَلِكَ مثل ذلك الإنجاء حَقًّا عَلَيْنَا واجبا علينا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ بمحمد ﷺ من عذابي.
﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٤﴾ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٥﴾ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠٦﴾ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٠٧﴾﴾ [يونس: ١٠٤-١٠٧]
[ ٢ / ٥٦١ ]
قوله: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [يونس: ١٠٤] يريد: أهل مكة ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] أي: من توحيد الله الذي جئت به، والحنيفية التي بعثت بها فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله بشككم في ديني، ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤] أي: يقدر على إماتتكم، وهذا يتضمن تهديدا لهم لأن وفاة المشركين ميعاد عذابهم، قوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [يونس: ١٠٥] أي: استقم بإقبالك على ما أمرت به بوجهك، ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ﴾ [يونس: ١٠٦] إن دعوته، وَلا يَضُرُّكَ إن تركت عبادته، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [يونس: ١٠٧] قال ابن عباس: يريد بمرض وفقر.
﴿فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ﴾ [يونس: ١٠٧] لا مزيل لما أصابك من ضر إلا هو ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ [يونس: ١٠٧] أي: وإن يرد بك خيرا ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] لا مانع لما تفضل به عليك من رخاء ونعمة يُصِيبُ بِهِ بكل واحد مما ذكر ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] .
﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿١٠٨﴾ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿١٠٩﴾﴾ [يونس: ١٠٨-١٠٩] ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [يونس: ١٠٨] يعني: أهل مكة ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] يعني: القرآن ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: ١٠٨] قال ابن عباس: من صدق محمدا ﷺ فإنما يحتاط لنفسه.
﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨] أي: إنما يكون وبال ضلاله على نفسه، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨] في منعكم من اعتقاد الباطل، والمعنى: بحفظكم من الهلاك، كما يحفظ الوكيل المناع من الهلاك، قال ابن عباس: نسختها آية القتال والتي بعدها.
وهي قوله: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩] لأن الله تعالى حكم بقتل المشركين والجزية على أهل الكتاب.
[ ٢ / ٥٦٢ ]