١١٨ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ …﴾ الآية.
بعد أن حكى الله - سبحانه - عن الكافرين اعتقادهم أن لله ولدًا، حكى هنا تعنتهم، وطعنهم في نبوة سيدنا محمد ﷺ.
اختلف المفسرون في المراد من: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فقال ابن عباس: هم اليهود. وقال مجاهد: هم النصارى. وأكثر أهل التفسير على أنهم مشركوا العرب. لقوله حكاية عنهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ (^١). وعبر عنهم بالذين لا يعلمون، استهجانًا لذكرهم، لقبح ما صدر عنهم، ولأن ما يحكي عنهم لا يصدر إلا عن الجهلاء. وفي التعبير بالفعل: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ تيئيس من علمهم، فهم لن يتجدد لهم علم - مع تجدد الآيات والعبر والعظات - لغباوتهم.
﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أي: هلَّا يكلمنا الله بغير واسطة: آمرًا وناهيًا، أو مصدقًا على نبوتك.
﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾: المراد من الآية: ما اقترحوه من جعل "الصفا" ذهبًا. ورُقِيِّه في السماء وغيرهما مما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ (^٢).
وهذا منهم غاية في الجحود والإنكار، لاستهانتهم بما أنزله الله عليهم من آيات، وبما أيده به من معجزات.
_________________
(١) الأنبياء:٥
(٢) الإسراء: ٩٠
[ ١ / ١٨٢ ]
ثم سرَّى الله عن نبيه، فقال: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ - أي - مثل ذلك القول السقيم، قال الذين كانوا قبلهم من الأمم السابقة، أو من اليهود والنصارى، إذ قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً (^١)﴾ وقالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ (^٢)﴾ وقالوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ (^٣)﴾ وقالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ (^٤)﴾.
﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تشابهت قلوب السابقين مع قلوب اللاحقين في الكفر، والإعراض عن الحق، والعناد، والمكابرة. والمعنى: أن تشابه أقوالهم نابع من تشابه قلوبهم.
﴿قدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: يطلبون اليقين، وهو العلم الذي لا يخالطه شك، وذلك بالنظر والاستدلال.
ولم يتعرض للرد على طلبهم تكليم الله، لظهور بطلانه.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾