٩٠ - ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ …﴾ الآية.
اليهود كانوا ينتظرون بعثة النبي ﷺ كما تقدم بيانه، فلما جاءَهم حسدوه، واستبدلوا بالإيمان الذي هيأ الله لهم أسبابه ليسعدوا .. استبدلوا به الكفر الذي يؤدى بهم إلى الشفاءِ الدائم، وآثروه عليه، فكان اختيار الكفر على الإيمان، بمنزلة بيع أنفسهم بالكفرإلى النار.
[ ١ / ١٣٩ ]
ولما كانت الخسارة في ذلك الاستبدال عظمة. قال سبحانه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي بئسما باعوها به ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾. فالكفر هو الثمن الذي باعوا به أنفسهم، والمشترى الشيطان، أوجهنم، وكل ذلك من باب التصوير والتمثيل، لتهويل سوءِ ما اختاروه وتقبيح أمره.
﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: بسبب بغيهم وحسدهم أن ينزل الله الوحي على من يختار هـ من عباده، وهو محمَّد ﷺ فقد حسدوه على النبوة، لما لم يكن من بني إسرائيل، بل كان من ولد إسماعيل أخى جدهم إسحاق. وكان ذلك منهم حبا في الرياسة، وتعصبا لنبى جدهم إسرئيل، دون نظرإلى الحق، يريدون أن يقصروا فضل الله عليهم، ولا يرضون عما أعطى الله غيرهم من فضله.
﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: فرجعوا -بسبب حسدهم- بغضب من الله فوق غضب منه، أي استحقوا غضبا عظيما من الله، بكفرهم بمحمد ﷺ وحسدهم له على فضل الله عليه.
وقيل الغضب الأول اكفرهم بمحمد. الثاني لكفرهم بعيسى من قبله، فكان غضبا على غضب، بسبب كفر منهم بعد كفر، وقيل غير ذلك.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: ولهؤلاءِ الذين عرفوا نبوة محمَّد ﷺ وكفروا بها، عذاب مهين مذل. جزاء كفرهم واستكبارهم. وهذا العذاب مطلق يشمل عذاب الدنيا وعذب الآخرة، وقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل لهم: تعليلا للوعيد بوصف الكفر.
٩١ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ … الآية.
أي وإذا دعوا الإيمان والتصديق بما أَنزل الله على نبيه محمَّد أَنكروا وعارضوا، وقالو مستكبرين: إنهم ى يؤْمنون إ لابما أُنزل على أَنبيائهِم، زاعمين أنه لا حق إلا عندهم.
[ ١ / ١٤٠ ]
يريدون بذلك أن يتحكموا في وحي الله وفضله، ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ﴾ (^١)
وصيغة الدعوة في قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ تحتوى على حكمة في التعبير، إذ لم يقل بما أنزل الله على محمَّد. فإنها تؤذن بوجوب الإيمان بما أنزل الله تعالى، من حيث إنه هوالذي أنزله، فليس لهم، أن يقترحوا الرسول المنزل عليه، ويختاروه بأنفسهم، فالأمر ليس لهم، ولكنهم -للجاجتهم في التعصب- يكفرون بغير ما عندهم، ولا يؤمنون إلابما يجيءُ عن طريقهم.
﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، أي: ويكفرون بما عداه، مع أن ما دُعوا إليه هو احق الثابت المويد بالآيات والبراهين، حال كونه مصدقا لما عندهم، ومن كفر بما صدق كتاب فقد كفر بكتابه الذي يدعى الإيمان به.
وقد أفحمهم الله بالحجة التي تدحض قولهما بقوله لرسوله محمَّد- ﷺ: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي قل لهم مبكتا مفحما: إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم كما تزعمون، فَلمَ قتلتم أَنبياءَ الله الذين جاءُوا بما أُنزل عليكم؟. وإنما قال ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ بدلا من "فلم قتلتم". استحضارا لصورة هذا الجرم الفظيع مبالغة في التقريع والتشنيع.
والخطاب للموجودين في زمن النبي ﷺ بما فعل آباؤُهم، لرضاهم به، فإن من رضي بالمعصية، فكأَنه فاعل لها. وان كان غائبا عنها.
وقد يقال إن هذا من باب قولك كل جازا لأهل قبيلة: أَنتم قتلتم فلانا إذا كان القاتل آباءهم. والمراد: أن الأمر فيكم من قديم على الكفر بكتابكم، لا على الإيمان به، فدعواكم التمسك بكتابكم، منقوضة: خلفا عن سلف.
_________________
(١) الأنعام (١٢٤)
[ ١ / ١٤١ ]
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾.