٩٢ - ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
أي ولقد أرسلنا إليهم موسى بالَايات الواضحة، الدلة على صدقه ﵇ في دعوته، وهي: العصا واليد، والسنون، ونقص الأموال والأَنفس والثمرات، الطوفان، والجراد والقمل، والضفادع والدم، وفلق البحر، وغير ذلك: (راجع الأعراف ١٣٠، ١٣١ والآية ٥٠ من سورة البقرة) وليس منها التوراة. فإن الآية ناطقة بأنهم عبدوا العجل بعد مجيء الآيات. والتوراة جاءَتهم بعد أن عبدوا العجل، وموسى غائب عنهم لتلقيها من ربه، وقد غلط من عد التوراة منها.
والمعنى لقد أرسلنا إليكم موسى بهذه الآيات البينات، ولكنكم كفرتم بالله وأَشركتم به، فعبدتم تمثالا للعجل صنعه السامري من حليكم، بعد مجئ موسى بهذه الآيات من ربه، وانتهزتم لذلك فرصة غيابه عنكم لتلقى ألواح التورة، وقد فعلتم ذلك وأنتم ظالمون بالإشراك
[ ١ / ١٤٢ ]
بدل التوحيد الذي تقتضيه البينات التي جاءكم بها. وأى ظلم أعظم من هذا ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).
والتعبير بالجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ فيه دلالة على ثبات الظلم واستقرار. فيهم، وأنه شأْن من شئونهم.
ولقد سبق التبكيت باتخاذهم العجل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ وأعيد هنا بعبارة أُخرى في سياق آخر، وهو أن الآيات البينات الدالة على النبوة والوحدانية. لم تزدهم إلا إيغالا في الشرك وانهماكما في الوثنية ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء موسى بالبينات على رسالته. وصحة ما دعاكم إليه من: توحيد الله بالعبادة.
والتعبير بقوله ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ يفيد أنه لم يكن لهم عذر في ذلك الاتخاذ. فإنه بعد بلوغ الدعوة، قامت الحجة عليهم. وخاطب الحاضرين لأنهم يسيرون على نهج أسلافهم ويعتزون بانتمائهم إليهم فيهم في الكفر جميعًا سواء.
٩٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا …﴾ الآية.
واذكروا يا بني إسرائيل إذ أَخذ الله العهد المؤكد عليكم بأن تعبدوه -سبحانه وحده- ولا تشركوا به شيئًا، وإن تعملوا بشرعه. وكان أخذه الميثاق: عليكم، في موقف كله رهبة وخشوع: بيان لقدرة الله تعالى. على عقاب من لم يمتثل، إذ رفع فوقكم جبل الطور كأَنه ظلة، تظلكم، وظننتم أنه سيقع عليكم، وطلب منكم حينئذ، أن تَأْخذوا ما آتاكم الله من الشرع بقوة: بأن تسمعوه سماع تدبر وفهم وقبول. وتعملوا بما جاءَكم فيه من التكاليف بحزم وعزم. ولكنكم لم تلبثوا أن نقضتم العهد. بمجرد أن زال عنكم هذا الموقف
_________________
(١) لقمان:١٣.
[ ١ / ١٤٣ ]
﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْتَا﴾: أي كانت حالهم في المخالفة مثل حال من قالوا: سمعنا قولك، وعصينا أمرك.
﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ … واختلط حب عبادة العجل بقلوبهم، تقليدا لساداتهم من الفراعنة: الذين كانوا يعبدونه ويقدسونه، ولم ينتفعوا بتحرير الله لهم من ذل العبودية والقتل، بشق البحر لهم وإنجائهم.
لهذا انتهزوا فرصة ذهاب موسى ﵇ -ألواح التوراة، فأرضوا حبهم لمعبودهم القديم، وعبدوا صنما على شكل العجل: صنعه لهم موسى السامري من حليهم، (انظر آية ١٤٨ من سورة الأعراف، وآية ١٨ وما بعدها من سورة ط).
والكلام على تقدير مضافين، أَي: وأشربوا حب عبادة العجل، وجاءَ النظم بدون المضافين للمبالغة، كأن الذكرًاشربوه هو ذات العجلي، والإشراب إفعال من الشراب.
ومن عادة العرب أنهم إِذا عبروا عن مخامرة حب أو بعض، استعاروا لهما اسم الشراب، وآثروه. على الطعام، لأنه يتغلغل في جميع الاعضاه أسرع وأَقوى منه.
﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قل لهم يا محمَّد: بئس الذي
يأْمركم به إيمان المزعوم بالتوراة: من الأعمال التي تقترفونها، كعبادة العجل، وقتل الأنبياء،
ونقض الميثاق. وقولكم ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، وإضافة الإيمان إليهم في قوله: ﴿إِيْمَانُكم﴾.
للإيذان بأنه ليس بإيمان حقيقة، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿إنْ كنْتُم مؤْمِنِينَ﴾ فإنه قدح في دعوأحم لإيمان بما أنزلى عليهم عن التوراة. وإبطال لهذه الدعوى. وتقرير الإبطال: إِن كنتمّ -فيما اقترفتموه عن الشرك والمعاصي- مؤمنين بها، عاملين بما فيها كما ادعيتم، بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ إيمانكم المزعوم بها، إذ أن الإيمان الصادق بهلالا يأمركم بما اقترفتموه من الشرك والمعاصى، فليس فيها إباحة شئ من ذلك. وهذا برهان على عدم إِيمانكم بها.
[ ١ / ١٤٤ ]
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾