١٢٥ - ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا …﴾ الآية.
أي واذكر يا محمد وقت أن أمرنا بأَن تصير الكعبة المعظمة مرجعًا للحجاج: يرجعون إليه بعد أن يتفرقوا عنه، أو موضع ثواب يُثاب الناس بالحج إليه، والاعتمار فيه.
(وَأَمنًا) أي موضع أمن، والمقصود من جعل البيت مكان أمن: أن الحج إليه، يجعل الحاج مطمئنًا إلى رحمة الله، فإنه مكفر لكثير من الذنوب، وأن من لاذ به، كان آمنًا من ظالميه، لغلظ عقوبة الاعتداء فيه وفي الحرم الذي حوله، تشريفًا وتكريمًا له.
ولقد سرى هذا الأمن إلى حيوانه غير المستأنس، فيحرم صيده فيه، ولذا أُطلق الأمن في الآية ولم يُقيد.
وتكريمًا لإبراهيم ﵇ أمر الله تعالى أن يتخذ الناس - عند الحجر الذي قام عليه لبناء البيت - موضع صلاة لركعتي الطواف وسواهما. والأمر استحباب.
ثم أمر سبحانه إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ أن يطهرا هذا البيت - وما حوله - من كل ما لا يليق بعبادة الله وحده فيه، وفي مقدمته الأوثان، حتى تكون العبادة خالصة لله، وقد حفّ بالعابد: الطهر والنظافة من الأوساخ الحسية والمعنوية: كالضوضاء، وأدران القلوب، وهكذا يجب أن يكون الأمر في دور العبادة في شريعتنا، فالحكم ممتد إلينا من عهد إبراهيم ﵇. وقد تقرر بالسُّنة إلى جانب ما ورد هنا، وإنما خص البيت بالحكم، لمناسبة الحديث عن شئونه. وقد أمر بتطهيره - على هذا النحو - من أجل الطائفين به للنسك من أهل الحرم، أو الوافدين عليه من بقاع الأرض، ومثلهم الزائرون.
[ ١ / ١٩٠ ]
فالتطهير عام من أجل الجميع.
وكما أمره بتطهيره مما ذكر للطائفين، أشرك معهم في هذا الحكم: المعتكفين فيه عن الناس لعبادة ربهم، والمصلين الذين عناهم سبحانه بقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
وإنما عبر عن المصلين بالركع السجود، لأن أبرز معاني الطاعة والخضوع لله في الصلاة، يتجسم في الركوع والسجود.
ولم يستجب أهل الكتاب والمشركون لهذا الأمر ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ لكفرهم فإن أهل الكتاب لا يصلون إلى البيت الحرام، الذي بناه جدهم إبراهيم، وصرف وجوه الناس إليه، وحملهم على أداء النسك حوله، والمشركون لوثوه بالأوثان والذبائح حولها، وهذا ما يَدَّعون الانتساب إليه، فأين دعواهم هذه مما يعملون؟
أما محمد ﷺ فهو الذي أحيا شريعة جده وحافظ عليها كما أمر.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾