١٣٩ - ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ …﴾
الخطاب بقل للنبي ﷺ والمراد من المحاجة في الله: المجادلة في دينه.
ذلك أن اليهود والنصارى: يدَّعون أن الدين الحق هو دينهم، وأن الجنة لن يدخلها سواهم، كما تقدم قريبًا، والاستفهام هنا للإنكار.
﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ الرب: الخالق المربي لعباده بنعمه. والمعنى: لا وجه لتفضيلكم أنفسكم علينا، فنحن - وأنتم في العبودية لله - سواءٌ، فكيف تحرموننا من فضله؟
[ ١ / ٢٠٧ ]
﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: ولنا أعمالنا الحسنة، ولكم أعمالكم السيئة، كما يُستفاد ذلك من التعقيب بقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ والإخلاص: هو أن يقصد بالعمل وجه الله وحده. وهؤلاء لم يخلصوا أعمالهم لله. فقد عبدوا عُزيرًا وعيسى ﵉ فأَنَّى لهم دخول الجنة بأعمال أشركوا فيها:
ولم تصف أعمال المسلمين بالحسن، وأعمال سواهم بالسوء، تجنبًا لنفور المخاطبين، واكتفاء بالتعريض اللطيف: الذي توحي به جملة ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
١٤٠ - ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى …﴾ الآية.
أم: منقطعة، بمعنى بل وهمزة الإنكار، والآية مسوقة لإنكار قول اليهود: إن الأنبياء السابقين كانوا على دينهم وقول النصارى: إنهم كانوا نصارى مثلهم، أي: لا يقل أحد منكم هذا القول الباطل، وقد أمر الله فيها نبيه أن ينكر عليهم ويُبَكِّتَهم فيقول:
﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾: فالهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، وأعلم: أفعل تفضيل، والتفضيل على سبيل الاستهزاء، إذ المقصود أنهم لا علم عندهم، والمعنى: أن ما زعمتوه هو على خلاف ما يعلمه الله: فأنتم تقولون: إنهم كانوا على يهوديتكم أو نصرانيتكم، والله يقول:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ (^١)﴾ فكيف يكون على دينكم وأنتم بعده؟ والحق أنه كان حنيفًا مسلمًا، أي: على المباديء التي أقرها الإسلام، وأهمها: التوحيد، وعدم اتخاذ الولد.
ولذا صح أن يقول الله في شأنه ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (^٢)﴾.
_________________
(١) آل عمران: ٦٥
(٢) آل عمران: ٦٧
[ ١ / ٢٠٨ ]
أي إن إبراهيم، لم يكن على طريقة اليهود والنصارى، في زعمهم: أن لله ولدًا، وغير ذلك من أكاذيبهم. ولمي كن على طريقة من أشرك بالله، بل كان حنيفًا مائلًا عن الباطل إلى سنة الإسلام من التوحيد ونظافة العقيدة، وأَبناؤُه الذين ذكرتموهم كانوا على دين أبيهم، فهل أنتم أعلم بديانتهم من الله؟
الله هو الذي يعلم. أما أنتم فتجادلون بالباطل.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
الشهادة: هي شهادة الله: أن إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، بل كان حنيفًا مسلمًا.
وقد شهد الله بذلك في كتابي اليهود والنصارى - التوراة والإنجيل - وهم يعلمون ذلك وقد كتموا الشهادة بذلك في جدلهم مع النبي ﷺ وادعى كل من الطائفتين: أنه كان على دينه، فأنكر الله عليهم كتمان الحق الذي شهد به الله، فقال ما معناه: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة ثابتة عنده في كتابه، منزلة من الله، حين زعم أن إبراهيم كان على دينه. مع ما فيه من شرك بالله. واتخاذ ولد له سبحانه، والحق أنه لم يكن كذلك بل كان حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين.
وكما أنه لا أظلم ممن ادعى ذلك، فكذلك لا يساويه أحد في الظلم.
ويجوز أن تكون هذه الشهادة هي ما جاء عنه في القرآن: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا …﴾ الآية.
والمعنى: أن محمدًا أدى شهادة عنده - في القرآن من الله - عن إبراهيم بأنه لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، بل كان حنيفًا مسلمًا، ولم يكن يسعه كتمانها فإنه لا أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، فلماذا كتمتموها ولم تؤَدوها كما أداها محمد ﷺ؟ وعلى كل، ففي عموم الآية تعريض بكتمانهم شهادته تعالى بنبوة محمد ﷺ في كتابهم، وسائر شهاداته.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: الغافل: هو الذي لا يفطن للأمور. مأخوذ من قولهم: أرض غفل، أي: لا عَلَمَ بها، ولا أثر عمارة. والغفلة: السهو والإهمال.
[ ١ / ٢٠٩ ]
والحكمة في اختيار طريق نفي الغفلة لإثبات عدم الترك: أن نفي نقيص الصفة أبلغ في إثباتها من الإثبات نفسه، لأنه يستلزم إثبات الصفة إلى جانب نفي النقيض، لأن في المقام للتهديد والوعيد.
والمعنى: أن الله مُحصٍ أعمالكم، محيط بها، لا تخفى عليه خافية. ولن يترك أُموركم دون عقوبة، وبخاصة إذا كانت بالغة السوء، ككتمان ما أنزل الله.
١٤١ - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
الأمة المشار إليها في الآية: إبراهيم وأبناؤه الرسل وقد وردت هذه الآية آنفًا: في ختام دحض مزاعم ومفتريات أهل الكتاب، وتكررت هنا، للمبالغة في تحذيرهم من تركهم لدين الإسلام الذي كُلفوا به، وادعائهم أنهم على دين آبائهم الأنبياء.
وكأن الآية تقول لهم: إن أمامكم دينًا دُعيتم إلى اتباعه، واقترنت دعوته بالحجة الواضحة. فانظروا في دلائل صحته وسمو حكمته، ولا تردوه بمجرد دعوى: أن آباءكم الأنبياء السابقين، كانوا على ما أنتم عليه الآن، فإن دعواكم هذه لا تفيد، ولو فرضنا تَسْلِيمَهَا لكم، فإن الشرائع تختلف باختلاف الأمم، فتلك أُمة مضت. لها عملها وفق شريعتها، وهذه أُمة أخرى: لها عملها حسب شريعتها، ولا تُسأَلون عن أعمال آبائكم وشريعتهم، بل عن أعمالكم أنتم، وفق شريعتكم التي شرعها الله لكم. وهي الإسلام، فلا تتمسكوا بشريعة كانت لمن قبلكم، بل تمسكوا بشريعة الإسلام التي نسخها، وقام الدليل على صحتها، وقد تعبدكم الله بها.
[ ١ / ٢١٠ ]
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾