١٤٣ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا …﴾ الآية.
هذا خطاب من الله للمؤمنين، لتشريفهم بوصفهم بالعدالة، ليكونوا شهداء على الناس، بعدما وصف الكفار والمنافقين بالسفه والاستهزاء على تحويل القبلة. وبضدها تتميز الأشياء.
أي وكما هديناكم أيها المؤمنون إلى صراط مستقيم، بتوليتكم القبلة التي ترضونها، جعلناكم عدولًا أخيارًا، تضُمّون إلى الإيمان والعلم والعمل، فكنتم - بذلك - خير أُمة أُخرجت للناس.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بأن الرسل بلغوهم عن الله، ونصحوهم، ولم تَعُدْ لهم حجة على الله بعد مجيء الرسل، وإنما يشهدون بذلك وهم لم يروا شيئًا، لأنهم يشهدون اعتمادًا على شهادة القرآن، والقرآن كلام الله، فهم يشهدون بشهادة الله تعالى.
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾: بأن ما قلتموه هو الحق، لأن المصدر واحد للجميع، وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وفي هذا المعنى يروي البخاري، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: "يُدعَى نوح ﵇ يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك
_________________
(١) القلم:٢٨.
[ ١ / ٢١٤ ]
يارب، فيقول: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأُمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلَّغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا، فذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا …﴾ الآية.
وقد جاءَ في رواية أحمد وغيره: أنه - تعالى - يستشهد أمة محمد على تبليغ سائر الأنبياء لأُممهم، ولا تقتصر شهادتهم على نوح: الذي ورد إفراده بالشهادة في رواية البخاري المذكورة.
(وعلَى) في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ بمعنى اللام، كما قاله القرطبي، أي ويكون الرسول لكم شهيدًا، أو للمشاكلة بين قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
ثم تحول الخطاب للأمة - من قوله - تعالى - لهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا …﴾ الآية - إلى خطاب الرسول، بقوله - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. للإيذان بأن خطابه خطاب لهم، وأنه كان معهم فيما كانوا فيه من استقبال بيت المقدس: لم ينفرد عنهم.
والمعنى: وما جعلنا قبلتك الأولى - بيت المقدس - ثم حولناك عنها، إلى البيت الحرام، إلا لنميز من يتبعك - في كلتيهما - ممن ينصرف عن اتباعك، فإن اتباع الرسول - ولو كان فيما تكرهه النفس - من آثار الإيمان والتسليم لمن هو أعلم بالحكمة، وهو الله - تعالى - فالحكمة في تحويل القبلة: تمييز الصادق في الإيمان عن غيره.
وقد ظهر أثر ذلك بارتداء بعض أهل الكتاب الذين أسلموا عن الإيمان، بعد تحويل القبلة إلى الكعبة، وجعلوا يرجفون مع بعضهم قائلين: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. والله - سبحانه - يعلم ما كان وما يكون.
فالمراد بالعلم هنا: التمييز بالاتباع الفعلي.
[ ١ / ٢١٥ ]
والارتداد على العقبين، هو: الرجوع إلى الخلف، وهو تمثيل للارتداد عن الإسلام ومخالفة أمر الرسول ﷺ لما في كليهما من أسوءِ حالات العود والارتداد.
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ …﴾ الآية.
أي وإن كانت التولية إلى الكعبة لكبيرة، أي ثقيلة الوقع على النفوس، لما في مخالفة المألوف من مشقة. ولكن الأمر يسيرٌ على من هداهم لله، لأن القضية عندهم، قضية طاعة الله ورسوله، وليست الاستمساك بعادة مألوفة، أو تفضيل جهة على غيرها من الجهات. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^١).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾:
جاء في حديث رواه البخاري عن البراء بن عازب، قوله: وكان الذي مات على القبلة - قبل أن تحول إلى البيت - رجالا قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم! فأنزل الله - عزل وجل - قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
وأَخرج الترمذي عن ابن عباس قال: لما وجه النبي ﷺ إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله: كيف بإخواننا الذين ماتوا، وهم يضلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والمعنى: وما كان الله ليُضيع صلاتكم إلى بيت المقدس قبل نسخ التوجه إليه، بل سيثيبكم عليها، لأَنها كانت - حينئذ - إلى قبلة مشروعة.
وإذا لم ننظر إلى سبب النزول، كان المعنى: وما صح ولا استقام: أن الله - سبحانه - يُضيع إيمانكم وثباتكم على طاعة الله ورسوله، في الاتجاه - أولا - إلى بيت المقدس، ثم في الاتجاه - ثانيا - إلى البيت الحرام.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: تعليل للجملة السابقة، مؤكد بإن واللام، يعني: أن الله - سبحانه - يشمل الناس برأفته ورحمته، وبخاصة عباده المؤمنين الطائعين، فلهذا لا يضيع إيمانهم.
_________________
(١) الأحزاب: ٣٦.
[ ١ / ٢١٦ ]
والرأفة: نوع من الرحمة، تختص بدفع المكروه، وتخفيف النكبات والعقوبات. أما الرحمة: فتشمل هذا وغيره من أنواع التفضل والإنعام، وتعمُّ كلتاهما الإنسان والحيوان.
ولما كان دفع الضرر مقدمًا على جلب النفع، فلهذا سبق هنا ذكر الرأفة، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ (^١).
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾