١٤٦ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ …﴾ الآية.
الذي عليه جمهور المفسرين: أن الهاء في ﴿يَعْرِفُونَ﴾ مراد به النبي ﷺ وكنى به عنه ﵇ تفخيمًا لشأنه وإشعارًا بأَنه في غير حاجة إلى تعريف، لأنه عُرف في كتبهم بالنبيّ الأُمي، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ (^٢)﴾.
كما عُرف فيها بصفات أُخرى تحققت فيه.
وذَكَرَ الأبناء لأنهم ألص بآبائهم، فهم وآباؤُهم أكثر خبرة ودراية بهم، واستيثاقًا من نسبهم بحكم الفطرة.
_________________
(١) الجاثية: ٢٣.
(٢) الأعراف: ١٥٧.
[ ١ / ٢٢١ ]
فالآية تقرر: أن أَهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - يعرفون أَن محمدًا رسول الله، معرفة حقيقية، كمعرفة الآباء بالأبناء.
قال عمر لعبد الله بن سلام، وكان من أحبار اليهود قبل إسلامه: "أتعرف محمدًا ﷺ كما تعرف ابنك؟. قال: نعم، وأكثر. لقد بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته، فعرفته. أما ابني فلا أدري ما كان من أمر أُمه. فقبَّل عمر رأسه".
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: فالبشارة به ﷺ كانت موجودة بوضوح في التوراة والإنجيل. وعلماء اليهود والنصارى يعرفونها حقًا، ولكنهم ينكرونها لمرض نفوسهم، إلا من عصمه الله منهم فآمن.
ونحن نعلم أنهم حرفوا الكتابين، وقاموا بطمس ما يتعلق بالنبي ﷺ لتبقى فيهم السلطة الدينية.
ولكن إنجيل "برنابا" سلم من أيديهم، وظل قرونًا مدفونًا في خزائنهم، حتى عثر عليه أخيرًا في مكتبة الفاتيكان بروما، وتسرب إلى العالم، فارتاعوا، لأنه يفضح أكاذيبهم، فأعلنت الكنيسة أنها لا تعترف به إنجيلًا، مع أنه من أقدم أناجيلهم وأقربها إلى الصحة، لأنه كُتب في القرن الأول الميلادي، ونصوصه ناطقة صريحة بأوصاف النبي ﷺ وأهداف رسالته.
وقد جاء في الإصحاح الثاني والسبعين منه على لسان المسيح ﵇: "إنني قد أَتيت لأُهيئَ الطريق لرسول الله الذي سيأتي بقوة عظيمة على الفُجَّار، ويبيد عبادة الأصنام من العالم". ثم قال: "وسينتقم من الذين يقولون: إني أكبر من إنسان .. وسيجيءُ بحقٍّ أَجلْى من سائر الأنبياء .. وسيمتدُّ دينه، ويعمّ العالم".
وجاء في الإصحاح السابع والستين منه: "تعزيتي هي في مجيء الرسول الذي سيبيد كل رأي كاذب فيّ، وسيمتد دينه، ويعم العالم بأسره .. ولا نهاية لدينه، لأن الله سيحفظه صحيحًا".
وفي الإصحاح العشرين بعد المائتين: "يظن كل شخص أني صُلبْتُ، لكن هذه الإهانة والاستهزاء تبقيان إلى أن يجيء محمد رسول الله، فإذا جاءَ في الدنيا، ينبه كل مؤْمن إلى هذا الغلط، وترتفع هذه الشبهة من قلوب الناس".
[ ١ / ٢٢٢ ]
والأناجيل التي يعترفون بها، والتوراة التي بين أيدينا الآن، بقيت فيها إشارات عدة (^١) ترمز إلى النبي ﷺ وقد عني بها كثير من الباحثين، وفي طليعتهم العلامة: رحمة الله الهندي، في كتابه: "إظهار الحق". فارجع إليه إن شئت.
وذكرت الآية الذين يكتمون الحق وهم يعلمونه، ويستلزم هذا أن هناك فريقًا آخر، يعلم الحق ويعلنه ويؤْمن به ويؤَيده. ومن هذا الفريق: الصحابي الجليل عبد الله بن سلام، الذي كان من أحبار اليهود وأسلم، ونزل فيه قول الله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (^٢).
ومن أحبار اليهود والنصارى الذين عرفوا الصفات النبوية فآمنوا: زيد بن سعنة وتميم الداري، والجارود بن عبد الله، وإدريس بن سمعان. ولإسلام كل من هؤُلاء قصة لا يتسع المقام لذكرها، وإسلامهم جميعًا يستند إلى صفات الرسول في التوراة والإنجيل.
١٤٧ - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
الامتراءُ: إما بمعنى الجدل أو بمعنى الشك، فإن كان بمعنى الجدل، فالغرض من الآية وصفُ أهل الكتاب بأنهم قوم عادتهم الجدل، دون أن يهدفوا إلى الحق، وأمر الرسول بمجانبتهم وألاَّ يجاريهم في جدلهم.
والمعنى في هذا: الحق نزل عليك يا محمد من ربك، وهؤلاء قوم عادتهم الجدل بدون طائل، فاتركهم ولا تكونن من المجادلين مع قوم هذا خلقهم، فلا فائدة تُرجى ممن عميت قلوبهم.
وإن كان الامتراءُ بمعنى الشك: فالخطاب فيه لكل مكلفٍ، لأن النبي ﷺ لا يتصور منه الشك ولا يليق به، فإنه لم يقم بدعوته إلا على بينة من ربه ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ﴾ " ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (^٣).
_________________
(١) من أمثلة هذه الإشارات: سفر التثنية: ١٨/ ١٨، ٢٣/ ٢. والمزامير إصحاح: ٤٥ حيث أورد في صفحة ١٧ مطابقة للرسول ﷺ وإنجيل متى ٤/ ١٧، ٦/ ١٠، ١٣/ ٢٤، وإنجيل يوحنا (راجع تفسير المنار جـ ٩ ص ٢٤٠ - ٢٨٣).
(٢) الأحقاف: ١٠
(٣) أوائل سورة النجم.
[ ١ / ٢٢٣ ]
والشاك لا يستطيع أن يمضي فيما يشك فيه، فضلًا عن أنه يلاقي الصعاب في سبيله، ولا يستطيع أن يقول ما قاله الرسول ﷺ: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن هذا الأمرَ، ما تركته حتى يُظهرَه الله، أو أَهْلِكَ دونه".
والمعنى على هذا: الحق نزل عليك يا محمد من ربك، فلا تكونن أيها المكلف، من الشاكين في ذلك، ودع ما يقوله الأَفَّاكون من أهل الكتاب، واكتسب المعارف التي تعصمك منه.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾