١٤٩ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ …﴾ الآية.
ناقشت الآية السابقة السفهاء من الناس، الذين أشاعوا الأَراجيف عند تحويل القبلة، وأفحمتهم بالدليل القاطع، وأَثبتت أن أهل الكتاب - وهم أصحاب الثقافة الدينية في ذلك العصر - يعرفون أن الحق في استقبال الكعبة، كما يعرفون أبناءَهم، ولكنهم ينكرونه مع أنه قبلة جدهم إبراهيم الذي يُشَرِّفون أنفسهم بالانتساب إليه.
_________________
(١) العنكبوت: ٢٢.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وقد عقب الله ذلك بأمر الرسول بالاتجاه في صلاته إلى البيت الحرام، سواءٌ أكان بالمدينة، أم كان خارجها، تعميمًا لاستقبالها في أي مكان.
وأَمرُ الرسول أمر لأُمّتِه. فهو إمامهم ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وإن الاتجاه إلى المسجد الحرام في أي مكان، لهو الأَمر الثابت الموافق للحكمة، المنزل عليك من ربك: الذي وَالَاكَ بفضْلهِ وإحسانه. فلا تعْدِل عن استقبال القبلة التي شرعها لك، فإنه مُطَّلع على عملك، وعلى أعمال عباده جميعًا، فيجازيهم حسبما عملوا.
وفي نسبة إلى (ربك): إيذان بصدقه ﷺ فيما جاءَ به وأنه - تعالى - يحفظه من مؤَامرات أعدائه، ويعاقبهم عليها.
وختم الآية بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. لوعد المطيع، ووعيد العاصي.
١٥٠ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ …﴾ الآية.
أمر الله رسوله بالتوجه إلى المسجد الحرام، ثلاث مرات:
الأولى في قوله:
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
والثانية في قوله:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
والثالثة في قوله:
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
وحكمة هذا التكرير: أن القبلة لها شأن خطيرٌ. والنسخ من مظان الشبهة والفتنة فلذا أكد أمرها مرة بعد أُخرى. مع أنه قد ذكر في كل مرة حكمة جديدة.
ذكره أبو السعود.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وقال القرطبي - نقلا عن غيره في تعليل التكرار -: إن موقع التحويل كان معنتًا في نفوسهم جدًا، فأَكد الأَمر، ليرى الناس الاهتمام به، فيخف عليهم، وتسكن نفوسهم إليه.
ويمكن حمل التكرار على أن الآية الأُولى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، لتشريع تحويل القِبْلَة من بيت المقدس إلى الكعبة، وقوله بعد ذلك:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لتشريع الاتجاه إليها في الأسفار، وقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ لتشريع الاتجاه إليها من المقيمين في بقاع الأرض المختلفة.
وعلل الأمر باتجاههم إلى الكعبة في كل مكان يصلون فيه، بقوله:
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
فَأَهل الكتاب يعلمون من كتابهم: أن اتجاهكم إلى الكعبة حق. فإذا اتجهتم إليها لم يكن عليكم أي دليل ينقص من عملكم، فهي قِبْلَةُ أبيهم إبراهيم، وإن لم يعجبهم انصرافكم عن قبلتهم.
والمشركون سيعلمون - بهذا الاتجاه - أنكم ورثة ملَّة أبيكم إبراهيم وقبلته، وكانوا يعترضون عليكم، بمخالفة قبلته، والآن: سقط هذا الاعتراض.
أما الظالمون المعاندون: فلا حيلة لكم معهم. فهؤلاء يقولون: ما تحوَّلَ إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه، وحبًا لبلده. أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه. ويوشك أن يرجع إلى دينهم، وتسمية هذه الكلمة الشنعاء (حُجَّة) - مع أنها أفحش الأباطيل - من قبيل قوله تعالى: " ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ (^١) حيث كانوا يسوقونها مساق الحُجَّةِ.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾: فإن مطاعنهم ل تضركم.
﴿وَاخْشَوْنِي﴾: فلا تخالفوا أمري.
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
_________________
(١) الشورى: ١٦.
[ ١ / ٢٢٧ ]
أي: وأمرتكم بذلك، لأُتِمَّ نعمتي عليكم، ولعلكم تهتدون بامتثال ما أمرتكم به إلى سعادة الدارين.
ومن تمام نعمة الله على المسلمين: تطهير البيت الحرام من الأصنام، وتطهير الجزيرة العربية كلها منها، وقد تم هذا في آخر حياة الرسول ﵇ فحقق الله وعده ونصر جنده، وهزم الأحزاب وحده.
وقد تحققت للمسلمين البُشْرَيَاتُ الثلاث، التي أشارت إليها الآية الكريمة: قطع ألسنة السفهاء، وإتمام النعمة بإكمال الأمن، وتعميم الهداية ونشرها بين الأُمم والشعوب.
قال تعالى: " ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا …﴾ (^١) الآية.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾