١٥٥ - ١٥٦ - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ …﴾ الآية.
اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون هذه الدنيا دار ابتلاء وتمحيص، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (^٢)
_________________
(١) آل عمران: من آية: ١٦٩ وآية: ١٧٠.
(٢) الأنفال: ٤٢.
[ ١ / ٢٣٣ ]
والإيمان درجات: فمن الناس " ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (^١)، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (^٢)، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (^٣).
والله - سبحانه - ليس في حاجة إلى أن يختبر عباده، ولكنه اختبرهم ليقيم عليهم الحجة: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (^٤).
وسنة الله تجري على خلقه أجمعين، حتى الأنبياء.
روى البخاري والترمذي عنه ﷺ أنه قال: "أشد الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل". وخرَّج مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا من رسول الله ﷺ قوله: "ما يُصيب المؤمن مِنْ وَصَبٍ ولا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهَمّ يهمه، إلا كُفِّرَ به من سيئاته".
وقد أعدَّ الله المسلمين لحمل رسالتهم الكبرى إلى العالم، فأمرهم بالصبر والجهاد، حتى تعلو كلمة الله، وأنبأهم بأنهم سيتعرضون لشيءٍ من الخوف، وهو غير الجبن، إذ هو: غريزة توقظ في صاحبها التوقِّي من الأخطار.
وقد حدث الخوف للمسلمين في غزوة الخندق وحُنين، وأنبأَهم - سبحانه - أنهم سيتعرضون لشيءٍ من الجوع، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه، يربط على بطنه من الجوع.
وقالت عائشة - رضوان الله عليها -: "لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين" رواه مسلم.
وكان ﵊: يغزو مع أصحابه أحيانًا، وليس لهم طعام إلا ورق الشجر، أو ثمرات يتبلغ بها الواحد منهم.
_________________
(١) الحج: ٦١.
(٢) العنكبوت: ١٠.
(٣) البقرة: ٢٠٧.
(٤) العنكبوت: ٢.
[ ١ / ٢٣٤ ]
كما أنبأهم - جل شأنه - أنهم سيتعرضون لنقص من الأموال، كما حدث لهم في أُحُد وتَبُوك، ولفقد الأنفس، كما حصل لهم في أُحُد ومُؤتة، ولنقص الثمرات، كما حدث في عام الرَّمادة.
ومعنى الابتلاء من الله: أن يعاملهم معاملة المختبر - وهو العالم بحالهم - ليتميز الصابر المجاهد المحتمل، من الضعيف في دينه ونفسه، وفق ما علمه الله منه أزلا، فيجازى كل منهما على ما عمله، لا على ما علمه الله منه.
والخوف: يكون من إزعاج أعدائهم لهم وإرهابهم إياهم، أو من توقع المكاره في النفس أو المال أو الولد.
والجوع: يكون من قلة الموارد، ونحو ذلك.
ونقص الأموال: بقلة الكسب والخسارة في التجارة ونحوها.
ونقص الأنفس: بالقتل أو الموت.
ونقص الثمرات: بنحو الآفات.
وقد أردف الله تأكيد الابتلاء بذلك، بالحث على الصبر وبيان عاقبته، فقال:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
الخطاب في قوله ﴿بَشِّرِ﴾: للنبي ﷺ أو لكل من يستطيع التبشير.
والمصيبة: المكروه الذي يؤلم. وليس الصبر هو: الاسترجاع باللسان وحده، بل بالقلب معه، بأن يتذكر أن نعم الله عليه كثيرة، وأن ما أبقاه الله له، أضعاف ما استرده منه، فيهون المصاب بذلك على نفسه، ويستسلم، فذلك هو المقصود بقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، لا مجرد الاقتصار على النطق: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وإن كان ثواب هذا القول عظيمًا.
قال ﷺ: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم آجرني، إلا آجره الله - تعالى - في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها … " إلخ. أخرجه مسلم.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وإطلاق البشرى - بدون تقييد - يشير: إلى أن ثواب الصابرين الذين يقولون ذلك، لا يحيط به الوصف.
ويجوز أن يكون المُبَشّرُ به، هو ما دلت عليه الآية التالية من أن: عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأنهم مهتدون، فما أعظمها بشارة.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾