١٥٨ - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ …﴾ الآية.
_________________
(١) الحديد: ٢٧.
(٢) الحشر: ١٠.
[ ١ / ٢٣٧ ]
روى البخاري عن عاصم بن سليمان قال: "سألت أنس بن مالك، عن الصفا والمروة، فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما" فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وفي رواية الترمذي، عن أنس، أنهما: "كانا من شعائر الجاهلية".
ويشرح الشعبي أمرهما في الجاهلية، فيقول: "كان على الصفا في الجاهلية صنم يُسمى: إسافًا، وعلى المروة صنم، يُسمى: نائلة، فكانوا يمسحونهما، إذا طافوا، فامتنع المسلمون عن الطواف بهما من أجل ذلك، فنزلت الآية"، أي نزلت لرفع الحرج من السعي بينهما. بعد ما أُزيلت عنهما الأصنام.
والمعنى: إن الصفا والمروة من معالم دين الله، فهما من مناسك الحج والعمرة في الإسلام، بعد أن أُزيل الصنمان من فوقهما، وتمحض الذكر بينهما لله - تعالى -
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾: أي فمن كان حاجًا أو معتمرًا، أو جامعًا بين الحج والعمرة، فلا إثم عليه في أن يسعى بينهما.
وقد علمت مما تقدم: أن السعي بينهما كان نسكًا وعبادة في الجاهلية، ولكن العبادة فيه كانت للوَثَنَيْن القائمين فوقهما، فكان الساعون من أهل الجاهلية يمجدون وثنيتهما أثناء السعي. فلماء جاءَ الإسلامُ، أقر السعي بينهما، بعد أن أزال الأصنام، وجعل الذكر لله - تعالى - وحده، وهذا وأمثاله من السياسة الشرعية في الإسلام، فإنه إذا أقر أمرًا كان معروفًا في الجاهلية، لحكمة تقتضي إقراره، جرده من مظاهر الوثنية، ووجهه إلى الله - تعالى - قصدًا وذكرًا.
قال الآلوسي: وقد وقع الإجماع على مشروعية الطواف - أي السعي بينهما في الحج والعمرة - لدلالة نفي الجُناح على ذلك، لكنهم اختلفوا في الوجوب، فعن أحمد: أنه سُنَّة، وبه قال أنس، وابن عباس، والزبير، لأن نفي الجناح يدل على الجواز، والمتبادر منه
[ ١ / ٢٣٨ ]
عدم اللزوم، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا (^١)﴾ وليس مباحًا بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فيكون مندوبًا.
عن الشافعي ومالك: أنه ركن فيهما، وحجتهما في ذلك: ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا". وكتب بمعنى: فرض، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (^٢)﴾. وما رواه مسلم، عن عائشة، قالت: "ما أَتَمَّ الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة، ولا عمرته"، ولقوله ﷺ: "خذوا عني مناسككم". وقد صح أن النبي ﷺ سعى بينهما.
وعن أبي حنيفة: أنه واجب يجبر تركه بدم. اهـ. بتصرف.
ومن أراد مزيدًا في تعرف وجوه نظر الأئمة. فليرجع إلى كتب الفقه.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
التطوع: ما يأتي به الإنسان من الطاعة غير المفروضة عليه، أي وَمَن أتى بشيء من النوافل، فإن الله ﴿شَاكِرٌ﴾ له، أي يثيبه عليه ﴿عَليمٌ﴾ بكل شيءٍ، فلا يخفى عليه تطوعه، نيةً وكيفيةً ومقدارًا، فلا ينقص من أجره شيئًا.
واعلم أن السعي بين الصفا وا لمروة، شعيرة موروثة عن أُم إسماعيل ﵇ فقد جاء في حديث طويل، رواه البخاري عن ابن عباس، بعد ما ذكر: أن إبراهيم ﵇ جاء بهاجر وابنها إسماعيل، عند مكان البيت، وتركهما، فقالت له: "يا إبراهيم: أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيءٌ؟ "، ثم قالت له: "آلله أَمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا" ومضى ابن عباس في الحديث إلى أن قال: "حتى إذا نَفِد ما في السقاء، عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يَتلَوَّى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من
_________________
(١) البقرة: ٢٣٠.
(٢) سورة البقرة: ١٨٣.
[ ١ / ٢٣٩ ]
الصفا، حتى إذا بلغت الواديَ، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، ثم جاوزت الوادِيَ، حتى أتت المروة، فقامت عليه .. إلى أن قال: "ففعلت ذلك سبع مرات". قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: "فذلك سعي الناس بينهما" ومضى في الحديث، إلى أن قال: "فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماءُ: (أي ماء زمزم) إلى آخر الحديث.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾