١٥٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى …﴾ الآية.
[ ١ / ٢٤٠ ]
قال الآلوسي: أخرج جماعة عن ابن عباس، قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد، نفرًا من أحبار يهود، عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأَبَوا أن يخبروهم، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية.
وعن قتادة: أنها أنزلت في الكاتمين من اليهود والنصارى.
المعنى في هذه الآية الكريمة - وإن كان سبب نزولها خاصًا - وعيدٌ لكل من كتم علمًا يحسنه: سواءٌ أكان من اليهود، أم النصارى، أم غيرهم. فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فكل من آتاه الله علمًا، وَجَبَ عليه أن يبذله للمحتاجين إليه، ولا يكتمه، وإلا كان آثمًا. ولكونها عامة، قال أبو هريرة، فيما رواه البخاري عنه: "لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدًا بشي أبدًا" ولعله قال ذلك، حين قيل له: أكثرت في الرواية.
وكما جاء الوعيد عن الكتمان في القرآن، جاء في السنة.
أخرج أبو يعلي والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: " من سُئل عن علمٍ فكتمه، جاء يوم القيامة مُلجَمًا بلجام من نار".
ومع أن العلم يجب تبليغه، فليس على العالم أن يبلغ منه إلا ما يناسب السامع، لكيلا يضل بسبب ضعف استعداده الفكري، أو العلمي أو وهن دينه.
ولهذا كان ابن مسعود يقول: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة".
وفي هذا المعنى، يقول ﷺ: "حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله" (^١)؟!.
وقد دلت الآية على هذا المعنى. فإن الوعيد فيها، إنما هو على كتمان ما كان من البينات الواضحات، والهدى الذي لا يضل به الناس.
أما سواه، فيُكتم - إلا عن أهله - مخافة الفتنة. وقد فعل ذلك أبو هريرة.
_________________
(١) أورده الفردوسي وذكره القرطبي.
[ ١ / ٢٤١ ]
روى البخاري عنه: أنه قال: "حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءَين أما أحدهما: فبثثته، وأما الآخر: فلو بثثته، قطع هذا البلعوم".
قال القرطبي: قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة، وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل، إنما هو يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو هذا، مما لا يتعلق بالبينات والهدى.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾.
المراد بالكتاب: جنس الكتاب الشامل للتوراة والإنجيل والقرآن.
فاليهود من أهل هذا الوعيد، لأنهم كتموا ما في كتابهم، من نعت محمد ﷺ الذي ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (^١)، وكتموا عقوبة الرجم، وغير ذلك من الحق الذي أخفوه وهم يعلمون.
والنصارى كذلك لكتمانهم ما في كتابهم الإنجيل من البشارة برسول يأتي من بعد عيسى اسمه أحمد، وأنه أُمِّيُّ، وغير ذلك من نعوته، ونعوت أتباعه التي منها أنهم ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ (^٢).
وكل من حبس علمًا عن الناس بينه الله في القرآن أو السنة، فهو كاتم لما بيَّنَهُ الله في الكتاب.
وينطبق هذا على كل علم نافع ضروري.
﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾:
أي أولئك الكاتمون للعلم الذي بَيَّنَهُ الله في الكتاب، يطردهم الله من رحمته، ويسخط عليهم الخلق، فيزدرونهم وينبذونهم، ففي العلم حياة النفوس، وهو حق للناس يجب بذله.
١٦٠ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا …﴾ الآية.
_________________
(١) سورة البقرة: ١٤٦.
(٢) سورة الفتح: ٢٩.
[ ١ / ٢٤٢ ]
استثنى الله من أولئك الكاتمين المعاقبين بالطرد من رحمته وبسخط الخلائق: من تابوا ورجعوا عن كتمانهم العلم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ بإظهار ما كتموه، وتصحيح ما حرَّفوه أو أساءوا فيه الفتوى، وردهم ما أخذوه بسبب التحريف أو الكتمان ﴿وَبَيَّنُوا﴾ الحق دائمًا، ليكون ذلك أمارة على صدق توبتهم من الكتمان. فهؤلاء: لا يعاقبهم الله بما توعد به الكاتمين لأن الله - تعالى - يفرح بتوبة عباده، وقد أكد الله - سبحانه - العفو عنهم، المأخوذ من الاستثناء بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أقبل توبتهم المقرونة بالإصلاح، وتبيين الحقن ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ومن كان شأنه المبالغة في قبول التوبة وسعة الرحمة، فهو الجدير بأن يتوب على عباده ويرحمهم، إذا بادروا بالتوبة والإصلاح والتبيين.
وقد اشتملت الآية على أركان التوبة:
١ - الرجوع عن الذنب ويشير إليه قوله: (تابُوا).
٢ - الندم على ما فات لأنه من تمام التوبة.
٣ - رد المظالم إن وجدت، ويشير إليهما قوله: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾.
٤ - العزم على عدم العود، ويشير إليه قوله: ﴿وَبَيَّنُوا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾