١٦٥ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ …﴾ الآية.
لما عرض في آخر الآية السابقة، بعدم تعقل من يعبدون الأوثان العاجزة المصنوعة، ويجعلونها أندَادًا ونظراءَ لمن له تلك الأدلة الواردة فيها، الشاهدة بتفرده بالألوهية، أتبع هذا التعريض ببيان سائر أحوالهم مع هَؤُلاء الأنداد في الدنيا والآخرة.
والأنداد هنا: الأوثان، على ما رآه مجاهد وأكثر المفسرين. وإطلاقها عليها هو الشائع في القرآن الكريم.
وقيل: هم الرؤساء الذين يطيعونهم طاعة الأرباب. ومن الممكن أن يراد هنا بالأنداد: الأوثان والرؤساء الذين يصرفون الناس عن عبادة الله - تعالى - وحده، دون شريك. فلا مانع من إرادتهما معًا.
[ ١ / ٢٥٢ ]
والمعنى: ومن الناس من يتخذ من غير الله الواحد - الذي وردت آياته الكونية العظمى في الآية السابقة - نظراء له وأمثالًا، فلا يقصرون الطاعة عليه - سبحانه - بل يطيعون معه أُولئك النظراءَ، ويحبونهم كحبهم لله الذي يؤمنون به، ويخلطون هذا الإيمان والحب بطاعتهم لرؤسائهم في الشرك والمعاصي وحبهم لهم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾
والذين صدقوا بوحدانية الله، أَشَدُّ حبًّا له من حُبِّ أُولئك المشركين لأوثانهم ورؤسائهم، أو أشد حبًا لله - تعالى - من حب المشركين له، لأن المؤمنين لا يعبدون سواه. ويلجأون إليه في الرخاء والشدة ولا اتجاه لهم إلى غيره، أما هؤلاء: فقد وزعوا حُبَّهم بين أوثانهم وشركائهم، وبين الله - تعالى - والله لا يرضى عن هذا الشرك ولا يغفره ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١).
وهذه شهادة من الله للمؤمنين يعتزون بها، ويجب أن يكونوا أهلًا لها، بطاعته والإخلاص له فيها، وأن يحذروا الشرك الخفي، حتى لا يبغضهم الله ويتخلى عنهم.
ففي الحديث القدسي "أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّرك، فمن عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُهُ وشريكَهُ".
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾
المراد: بالذين ظلموا: هم هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، فهم ظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب، وظالمون للحق بجعلهم لله أندادًا وهو غني عن العالمين. و"يَرَى" الأولى علمية، والثانية بصرية.
والمعنى - كما قال الزمخشري - ولو يعلم هؤُلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة لله على كل شيء، من العقاب والثواب، دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين، لكان منهم مالايدخل تحت الوصف، من الندم والحسرة على ظلمهم وضلالهم.
ثم قال: فحذف الجواب هنا، كما في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ (^٢) وكما في قولهم: لو رأيت فلانًا حين تأخذه السياط اهـ. أي: لرأيت أمرًا عظيمًا!
_________________
(١) النساء: ٤٨.
(٢) الأنعام: ٢٧.
[ ١ / ٢٥٣ ]
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾