٩٩ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ …﴾ الآية.
ولقد أنزلنا إليك آياَت القرآن حُجَجَاعلى نبوتك، بما اشتملت عليه من وجوه الإعجاز للبشر، واضحات الدلالة على معانيها وكونها من عند الله؛ ولذلك كانت أحق وأولى بالقبول والاذعان.
[ ١ / ١٥٠ ]
واسهلال العبارة بقوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ لمزيد تحقيق ما اشتملت عليه الاية الكريمة ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾: لا يكفر بهذه الآيات البينات إلا الفاسقون، أَي المتمردون في الكفر، الخارجون عن حدوده، فإن من ليس على تلك الصفة من الكفر، لا يجترئُ على الكفر بمثل هذه الآيات الواضحات.
قال الحسن: إذا استعمل الفاسقين نوع من المعاصي؛ وقع على أَعظم أفراده من كفر أوغيره. من أشد هؤُلاءَ الفاسقين فسقا: اليهود، إذ أنهم كفروا بالآيات البينات، مع تأكدهم من صدق من جاء بها، عنادًا لمن ظهر الحق على يديه، وحَسَدًا له، فإنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءَهم.
١٠٠ - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ … الآية.
من عادة اليهود: أن ينقضوا العهود والمواثيق؛ ولا يفون بها.
ومن ذلك: أَنهم كانوا على نية الإيمان بالنبي ﷺ إذا بعث. ولهذا كانوا يستفتحون ويستنصرون به إِذا حاربوا المشركين قبل أَن يبعث، فيسألون رَبهم النصر، ببركة النبي المنعوت بصفاته في التوراة، ويقولون لهم: قد أَطل زمان ني سنقتلكم نحن معه قتل عاد وإرم، كما سبق بيانه.
والاستفهام في ﴿أَوَ كلُمَا﴾: للإِنكار والتوبيخ والتعجيب من شأنهم، و﴿كُلَّمَا﴾ لإفادة تكرارهم لنبذ العهود، والواو قبلها للعطف على مقدر يستدعيه المقام. والتقدير: أكفروا بهذه الآيات، وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم، ومن جملة ذلك: عهدهم ووعدهم بالإيمان بك يا محمَّد إذا بعثت!
وعبر عن نقضهم للعهد، بالنبذ، ليشير إلى أَنهم تركوه مستهينين به، لأن النبذ يكون للشيء الذي لا يعتد به. وإِسناد النبذ إلى فريق منهم، يؤذن بأن منهم من لم ينبذه.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أَي: بل أَكثر اليهود لا يؤمنون بالتوراة، إِلى جانب أن أَكثرهم ينقضون العهد فايمانهم بالتوراة، لا يجاوز حناجرهم، ولوآمنوا بها حقا، لسارعوا إلى الإيمان بك يا محمد، فأنت منعوت بأوصافكِ فيها.
[ ١ / ١٥١ ]
١٠١ - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ …﴾ الآية.
الرسول: هو محمَّد ﷺ ووصفه بأنه جاءهم من عند الله فيه تعظيم له. فإن عظمة المرسِل تقتضى عظمة رسوله. وفيه إلى- جانب ذلك- مبالغة في استنكار كفرهم به، أي: ولا جاءَهم رسول عظيم من عند الله: مصدق لما معهم من التوراة، من حيث إنه جاءَ على الوصف الذي وصف به فيها، كما أن كتابه الذي جاءَ به موافق لما فيها، من قواعد التوحيد وأصول الدين والأخلاق، وأخبار إلأُمم.
﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
أي ولما جاءَهم محمَّد- صلى الله عليه وسم - مصدقا لما معهم فما تقدم، نبذ فريق من اليهود الذين أوتوا التوراة، كتاب الله وهو القرآن، إذ كفروا بالرسول الذي جاءَ به، وأعرضوا عما جاء في التوراة مبشرابه- صلى الله عليه وسم- كأَنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، أو أن محمدا رسول الله، والواقع أنهم يعلمونه علمًا يقينيا، ولكنهم نبذوه مكابرة وعنادا وجريا على سنتهم في نبذ العهود. فإنه قد أخذ عليهم العهد في التوراة أنه: إذا جاءهم هذا الرسول المنعوت، يؤمنون به وينصرونه، فنقضوا هذا العهد بكفرهم به.
وإنما شبههم بمن لا يعلمون، لأَن رفض الحق من شيمة الجهلاء، وهم بنبذهم الحق، مع علمهم به- يشبهون الجهلاء الذين لا علم عندهم.
وفي الآية تصوير بيانى حكيم، حيث شبه حال التاركين للعمل بالكتاب المهملين له، بحال من يرى شيئا وراءَ ظهره، نابذًا له وكارها.
وإضافة كتاب إلى (الله)، فيها إظهارلبشاعة جرمهم، حيث طرحوا أعز كتاب وراء ظهورهم.
وقصرُ نَبد الكتاب - وهو القرآن - على بعضهم، يؤذن بأن بعضا آخر لم ينبذه، كعبد الله بن سلام، وزيد بن سعنة من أحبار اليهود، وغيرهما ممن أكرمهم الله بالإِيمان الصادق برسول الله والقرآن المجيد.
ويرى بعض المفسرين: أن المراد بكتاب الله الذي نبذوه: التوراة.
قال السدي: لما جاءَهم محمَّد- ﷺ عارضوه بالتوراة، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخلوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن.
[ ١ / ١٥٢ ]
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾