تمهيد: نهى الله الناس في الآيتين السابقتين عن اتباع خطوات الشيطان، لعداوته وأَمرِه بالسوءٍ والفحشاءِ، وذلك يستلزم أنهم مأمورون باتباع ما أنزل الله. فجاءت هذه الآية لتوضح حالهم عند الأمر باتباع ما أنزل الله، فقال تعالى:
١٧٠ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا …﴾ الآية.
المعنى: وإذا قيل لهم: اتبعوا في دينكم ما أنزل الله على نبيه محمد ﷺ قالوا معرضين: لا نتبعه، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. وسواء قالوا ذلك بلسان المقال، أم قالوه بلسان الحال، فالمراد: أنهم أصروا على سلوك سبيل آبائهم البعيدة عن الهدى. وتركوا سبيل مولاهم الحق، وقالوا ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (^١) والآية عامة: تشمل كل أهل الباطل المقلدين لغيرهم فيه، ويدخل فيهم المشركون.
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
الهمزة في "أَوَ لَوْ": للإنكار. والمعنى: أيتبعوهم، ولو كان حال آبائهم أنهم لا يعقلون شيئًا، ولا يهتدون إلى رشاد، لتعطيلهم قوى الإدراك والهدى، إن هذا الاتباع الأعمى أمر تنكره العقول السليمة.
ما يُستنبط من الأحكام
التقليد: هو قبول قول الآخرين دون معرفة الحجة.
والتقليد في الباطل مذموم، لأن هذا هو الذي عابه الله على الكفار.
أما التقليد لأهل العلم لأهل العلم الأمناء في الحق فهو - كمال قاله القرطبي - فرض على العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أُصولها فيما يحتاج إليه، مما لا يعلمه من أمر دينه، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
_________________
(١) الزخرف: ٢٣.
(٢) النحل: ٤٣.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وحكى ابن عطية: أنَّ التقليد في العقائد مجمع على منعه. وحكى - فيه خلافًا - القاضي أبو بكر الباقلاني، وعثما بن عيسى، والشافعي وغيرهم.
هذا: والآيات السابقة تنهض بالعقول، وتحميها من إسار التبعية والتقليد للآخرين، وفقًا للقواعد المقررة في الإسلام: "أما ما زعمه الجهال كطائفة الحشوية من وجوب التقليد وحرمة النظر والاستدلال فباطل، لقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١) وغير ذلك من الأدلة.
وتعتبر هذه الآيات مصدرًا لتكوين الشخصية المستقلة الجديرة بالمسلم، بحيث لا يكون إمعة، أو تابعًا لسواه دون رويّةٍ أو تفكيرٍ.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾