١٠٢ - ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ …﴾ الآية.
أخبر الله ﷾ فى الآية السابقة: أَن اليهود الذين أوتوا التوراة: لما جاءهم رسول من عند الله؛ نبذوا كتاب الله وهو لقرآن، وكفروا به- صلى الله عليه وسم- مع أنه مصدق للكتاب الذي معهم. لكونه مطابقا للأوصاف الموجودة فيه.
ثم عطف على هذه الجريمة -وهي نبذهم لكتاب الله- جريمة أُخرى، هي: اتباعهم الشياطين بمزاولة السحر بدل العمل بكتاب الله.
والمعنى: أن اليهود - لما جاءهم الرسول بالقرآن- نبذوه، واشتغلوا بالسحر الذي كان عليه آباؤهم من قبل.
فالمراد مما تتلوه الشاطبن: كتب السحر، التي كانت تقرؤها الشياطين: أي المتمردون من الإنس والجن.
وتتلوا: حكاية للحال الماضية، أَي ما كانت تتلوه الشياطين على عهد ملك سليمان، والمراد باتباعهم إياها: استمرار اتباعهم لها واشتغالهم بها، فقد كانوا متبعين لها قبل مجي الرسول ﷺ.
وقد كانت الشياطين في عهد سليمان تلقن كهان اليهود، وتتلوا عليهم قواعد السحر، وتخبرهم كذبا: أن ملك سليمان وسلطانه على الإِنس، والجن، والطير والريح، لم يقم إِلا على تلك القواعد، فكافوا يدونونها من الجن في كتب لديهم: توارثها الخلف عن السلف، حتى وصلت إلى اليهود بالمدينة، فكانوا يشتغلون بما فيها قبل مبعث النبي- صلى الله عليه وسم - ولما بعث، رفضوا كتاب الله الذي جاء به، وفضلوا عليه الاستمرار في مزاولة السحر الذي
[ ١ / ١٥٤ ]
يحرمه، مع أَن الديانة اليهودية قامت على إبطال السحر، الذي جاء به سحرة فرعون وحملتهم على الإيمان بالله، وقررت أن الساحر لا يفلح حيث أَتى.
ولما كان السحر يؤدي إلى الكفر. كما سيأتى، وكان اتهام الشياطين واليهود لسليمان بمزاولته يشينه، نفاه الله عنه بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: فأكذبهم الله ﷾ بهذا، ونزه سليمان ﵇ عن عمل السحر الذي نسبه إليه أُولئك الشياطين، وتبعهم في ذلك اليهود الذين من شيمتهم تلويث الأنبياء، كما نلمسه في أسفار العهد القديم.
وفي الآية دليل على أَن من يستخدم السحر ويؤمن به؛ يكون من الكافرين؛ لأَن قوله تعال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾: حجة على أن السحر: ضرب من ضروب الكفر.
وقد أطلق القول بكفر من يزاوله: العلامة التفتازانى.
ولكن الشيخ أَبا منصور ذهب إِلى أن إطلاق القول بأن السحر كفر خطأ، وأَنه يجب التفصيل فيه، فإن كان فيه رد ما لزم من شروط الإيمان فهو كفر، وإلا فلا.
وعلى هذا، فالمراد من السحر الذي هوكفر: ما كان بالتقرب إلى الشيطان بالسجود له أَو لصنم أو غيره، أَو بالرُّقَى بعبارات فيها شرك بالله -تعالى- أَو نحو ذلك مما ينافى أصول العقيدة الإِسلامية؛ كاعتقاد الساحر أن ما يستعين به في سحره- مثل الجن والنجوم- لها قدرة ذاتية على النفع والضر.
وعقاب السحر الذي هو كفر: قتل الذكور وحبس الإناث وضربهن ما لم تقع منهم توبة وأما ما ليس بكفر - وفيه إِهلاك النفس- ففيه- حكم قطاع الطريق، ويستوى فيه الذكور والإِناث، وتقبل توبة صاحبه إِذا تاب. هذا رأى بعض الفقهاء.
والمشهور عن أبي حنيفة ﵁: أن الساحر يقتل مطلقا إذا علم أنه ساحر، سواء أَكان ذكرا أَم أنثى. وتقبل توبته إِذا تاب.
ومذهب مالك ﵁ كما نقله القرطبي: أَن المسلم إِذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا، فإنه يقتل، ولا يستتاب، ولا تقبل توبته.
[ ١ / ١٥٥ ]
ومن أَراد معرفة مذاهب العلماء وآرائهم في السحر وأحكامه، فليرجع إلى المطولات.
وأما الشعوذة وما يجرى مجراها، مما فيه إظهار أمور عجيبة باستعمال آلات هندسية أو خفة يد، أو الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، فإنها ليست من السحر، وإطلاق السحر عليهامن قبيل التجوز، أو لما فيها من الدقة كما ذكره الآلوسي.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ﴾ أي: أَتبع اليهود ما كانت تقرؤُه الشياطين على الكهنة من أبواب السحر من عهد ملك سليمان، زاعمين أن سلطانه قام عليه، واتبعوا أيضًا، ما أنزل على الملكين: هاروت وماروت ببابل، وذلك أَن بابل كانت مدينة بالعراق يسكنها الصابئون الذين يعبدون الكواكب، وكان منهم أُناس يزاولون السحر، ويدعون الناس إِلى الكفر؛ وتقديس الكواكب والشياطين، ويسيطرون عليهم بالسحر؛ ليحملوهم عل عبادتها.
ومن رحمة الله - تعالى - أنه جعل من نواميسه ألا يذر الشر وحده يسيطرعلى عباده، فلذا سخر رجلين صالحين - اسمهما هاروت وماروت- لنحذير الناس، فكانا لصلاحهما- يشبهان الملائكة، فلذا أطلق الله عليهما الملكين.
ولما كان لكل شيءٍ آفة من جنسه، فلذا ألقى الله في قلبيهما علم السحر، فكانا يعلمان الناس السحر لكي يتخلصوا بتعلمه من سيطرة السحرة من الصابئة، ويتقوا شرورهم، وكانا يمزجان التعليم بالتحذير، فيقولان لمن يعلمانه: إنما نحن فتنة، أي امتحان من الله -تعالى- لعباده لينظر: أينتفعون بسحرنا في اتقاءِ الشر وجلب الخير، أم يسيئون استخدامه في الإضرار بالناس، وإفساد العقائد؟، فهو سلاح ذو حدين، فكما ينفع، يضر ويفسد العقيدة.
وفي ذلك يقول الله - تعالى -:
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
والمقصود من إنزال السحر على هذين الرجلين المشبهين للملائكة: إلقاؤه في قلبيهما وتَعْليمهماَ إياه.
وكل العلوم والمعارف تنزل على القلوب من عند الله - تعالى-:
[ ١ / ١٥٦ ]
وقيل: انهما ملكان، وإن السحرة قد كثروا في ذلك العهد، واخترعرا فنونا غريبة من السحر: يموهون على الناس بها، وربما زعموا أَنهم أنبياءَ، فبعث الله - تعالى - هذين الملكين ليعلما الناس وجوه السحر حتى يمكنوهم من التمييز بينه وبين المعجزة، فيحذروا الكذابين، ولا ينخدعوا بسحرهم.
وما قلنا من أن الملكين: رجلان صالحان شبها بالملائكة لصلاحهما، هو الرأى الحق، وتؤيده قراءَة (الملكين) بكسر اللام.
أما من أخذ اللفظ على ظاهره، وقال: إنهما من الملائكة بعثهما الله لتحذير الناس من السحر، فقد جانبه الصواب؛ لأن سنة اقه أن يجعل رسله من البشر لا من الملائكة.
ولهذا لما طلبت قريش أن ينزل الله لهم ملكا، رد عليهم بقوله ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (^١).
وقد دلت الآية على: أن تعلم السحر كله غير حظور، وإنما المحظور منه ما يؤَدى بصاحبه إلى الكفر، باعتقاد فاعلية الشيطان، والكواكب، وألوهيتها، أَو السجود لها أو لصنم أو غير ذلك مما ينافى الإيمان. فالمقصود من قوله ﴿فَلَا تكْفُرْ﴾: أي لا تكفر بما يخالف شروط الإيمان من قول أو عمل أَو اعتقاد.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾
ذكر الله في هذا الجزء من الآية، لونا من ألوان السحر، الذي كان يعلمه الملكان لأهل بابل، وهو السحر الذي يكون من أثره إزالة الألفة بين الزوجين، واحداث العداوة أو البغضاء بينهما، إلى أن يتفرقا. واختصه بالذكر؛ لأنه من الصور التي تظهر فيها مفسدة السحر بأشد ما يكون. فلهذا آثر إِبرازها ليعلم الناس منها مدى ما يصل إليه السحر من الإضرار بالمجتمع؛ فإن إفساد الأسرة افساد للمجتمع؛ لما فيه من تشريد الأولاد الذين هم أَساسه.
ويتسع الشر إذا أريد بالمرءِ وزوجه: الإنسان ومن يزاوجة وبقارنه، فينضم إلى الإنسان
وزوجته كل قرينين بينهما إلفة كالأخوين والشريكين والصالحين، ومن هذا المعنى.
قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ (^٢).
_________________
(١) الأنعام: ٨ و٩.
(٢) الصافات: ٢٢.
[ ١ / ١٥٧ ]
﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أَي وما يضر السحرة بهذا السحر أَحدا كائنا من كان، إلا بعلم الله وإِرادته؛ فهم إِذن لا يستطيعون أَن يحدثوا بسحرهم ضررا دون ارادة الله، ودفع بهذا توهم أن يكون ضارًّا بذاته، بل بِإذن الله - تعالى - ربطا للمسببات بالأسباب.
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: ويتعلمون من السحر ما يضرهم ولا ينفعهم لأَنهم يقصدون بتعلمه الشر والإضرار بالناس. وقصدُ المعصية يعتبر معصية يعاقب الله- تعالى- عليها يوم القيامة.
أو لأن العلم يدعو إلى العمل ويجر إليه، ولا سيما الشر الذي هو هوى النفس ومطلبها.
والتصريح بقوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ بعد إثبات ضرره؛ للإيذان بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضر، بل هو ضرر محض.
وظاهر هذه الفقرة من الآية يُقَوِّى رأى القائلين بحرمة تعلمه مطلقا.
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: ولقد علم هؤلاءِ اليهود الذين نبذوا: كتاب الله، واتبعوا السحر: أَن من استبدل السحر بكتاب الله وآثره على شرعه -سبحانه- ليس له أىُّ حظ من الجنة، ولا أي نصيب من الخير يوم القيامة؛ لأنه لم يكن له إيمان ولا عمل صالح يكافأ عليه.
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿شَرَوْا﴾ أي باعوا، وهي من الأضداد، ومما جاءت به بمعنى البيع أيضًا قوله تعالى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (^١) أي باعوه بثمن قليل. والعلم هنا منزل منزلة اللازم، غير منظور فيه إلى مفعول، أيَ لوكان عندهم علم وعقل.
والمعنى: ولبئس هذ الذي باعوا به حظ أَنفسهم من الخير، وهو تعلم السحر والعمل به. ولو كان عندهم علم وعقل، لأدركوا أَن هذا السحر ضار، مفسد للنفس والعقل والناس، ولامتنعوا عن تعلمه والعمل به.
وإنما نفي عنهم العلم، لأن العالم إِذا لم يجر على موجب علمه، ينزل منزلة الجاهل وينفي عنه العلم كما ينفي عن الجاهل.
١٠٣ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أَي: ولو أن هؤلاء الذين يتعلمون السِّحْرَ ويؤثرونه على ما أنزل الله، أو أنهم آمنوا بالنبي - صلى
_________________
(١) يوسف: ٢٠.
[ ١ / ١٥٨ ]
الله عليه وسم- وبما أنزل عليه من القرآن الذي فيه هدايتهم، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لأُثيبوا على ذلك، وثواب الله خير لهم من السحر. ولو كانوا من أولي العلم الذين ينتفعون بما يعلمون، لم يفعلوا ذلك، ولكنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، فكفروا وعصوا، فكانوا من الخاسرين.
وفي النظم الكريم: تنكير مثوبة ليبين فضلها باى قدر، فقليل من ثواب الله - تعالى - في الآخرة خير من نعيم الدنيا الفانية. مهما كثروعظم، فكيف وثواب الله - تعالى - كثير دائم:
وفي ذلك: ترغيب في طاعة الله، وترهيب من المخالفة التي تجر إِلى عقابه تعالى.
واستنبط بعض العلمان من الآية: أَن مَنْ تعلم السحر لا ليعمل به، ولكن ليتقى ضرر، أو علمه غيره لهذا الغرض، ة لا حرمة عليه، فإن القرآن الكريم ذكر عن الملكين انهما كانا يعلمان- الناس السحر، ولم يعقب حكاية ما فعلاه بالنهى عنه. وهذا يقتضى إباحة تعلمه، للتمييز بين السحر وببن المعجزة والكرامة. ولاتقاء ضرره.
ولا ننسى ما بيناه من الخلاف في حكم تعلمه وتعليمه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.