١٠٦ - ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الربط:
جاءَ في الآية السابقة ما يفيد: أَن أهل الكتاب والمشركين، لا يودون أن ينزل الله على المسلمين- فى شخص الرسول- خيرا. أي: وحيا منه.
وكمان ذلك حسدًا منهم.
فاليهود كانوا يريدون الرسالة فيهم دون العرب؛ لانهم نشأوا في مهابط الوحي، والعرب أميون.
والمشركون كانوا يريدونها لرجل من القريتين عظيم، وقد أفحمهم الله بأَن هذا ليس من شأنهم، فالله يختص برحمته- أَي بنبوته- من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
لهذا ناسب أَن يذكر الله عقب ذلك حكمًا من أَحكام الوحى الذي اختص به رسوله ﵇، وهو النسخ: تقريرا له، وردا على الطاعنين في النسخ، الكارهين لنزول الوحي عليه ﷺ وذلك قوله سبحانه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا …﴾
وسبب النزول: أن اليهود قالوا - بعد تحويل القبلة من ببت المقدس إلى الكعبة - إن محمدا يأْمر أصحابه بشئ ثم يناهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا من عند محمَّد. ولهذا ينافض بعضه بعضا.
قالوا ذلك: إنكارا للنسخ وكراهة للتحويل، إذ كانوا يأنسون بموافقته لهم في القبلة.
[ ١ / ١٦٣ ]
فلهذا نزلت الآية للرد عليهم - كما نزل لذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (^١)
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾
والمعنى: أيُّ شيءٍ من الآيات والاحكام: ننهى التعبد به، أو تجعلكم تتركونه؛ نأتي بأفضل منه: مثوبة أو نفعًا أَو خفة على المكلفين. أَو نأتى بمثله في ذلك. فإن تنزيل الآيات المشتملة على الأحكام الشرعية، يكون وففًا للحِكَم والمصالح؛ وذلك يختلف باختلاف الأحوال. قرب حُكْم تقتضيه الحكمة في حال؛ تقتضى نقيضه في حال أخرى، فلو لم يجز النسخ، لا ختل ما بين الحكمة والأَحكام عن النظام.
وهذا الحكم غير مختص بالآية الواحدة كاملة. بل هو جارٍ فيما فوقها وما دونها.
وتخصيصها بالذكر، باعتبار الغالب.
ثم ختم الله الآية بهذا التقرير:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾:
الخطاب فيه لكل من لدبه علم وعقل. الاستفهام للتقرير.
والمراد بهذا التقرير: الاستشهاد بعلم المخاطب، بأنه تعالى؛ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾:
على قدرته على النسخ؛ والإتيان بما هو خير من المنسوخ أو مثله، أي أنك تعلم أَن الله على كل شئ قدير، فتدرك - بمقتضي علمك هذا قدرته تعالى على نسخ الآيات، والإتيان بخير منها، أو مثلها لمصلحة عباده.
وتعريف النسخ شرعا: إزالة حكم شرعى سبق، بخطاب ورد متأخرا، كما قال القاضيان: عبد الوهاب وأبو بكر. وزاد الأَخير: لولاه لكان السابق ثابتا.
ومن أراد معرفة الفرق بينه وبين التقييد والتخصيص، وأحوال النسخ وأمثلته، وهل يجوز نسخ القرآن بالسنة أولًا؟ فعليه أَن يرجع إِلى المطولات: ق التفسير وكتب الأصول. ونسخ الأحكام للمصلحة، موجود في جميع الديانات.
ففي صحيح مسلم: "لم تكن نبُوَّة قط إلا تناسخت" أي تحولت من حال إلى حال بالنسبة إلى المكلفين- ذكره القرطبي في المسأَلة الثالثة من مباحث الآية.
_________________
(١) النحل: ١٠١
[ ١ / ١٦٤ ]
وأنكرته طوائف من اليهود، زاعمين أَن ذلك من البداء، وهو مستحيل على الله، وقد كذبوا؛ فإن النسخ: النقل من حكم إلى حكم، لضرب من المصلحة.
ولا خلاف بين العقلاء، في أن شرائع الرسل قصد بها مصالح الخلق: الدنيوية والأخووية.
وأَما البداء، فهو: ترك ما عزم عليه أولا والعدول عنه، كقولك لشخص: امض إِلى فلان، ثم يبدو لك نقض الرأي الأول فتقول: لا تمض. أو تقول: له: إزرع كذا. ثم يبدو لك خلافه فتقول له: لا تزرعه، بل ازرع كذا لشئ آخر، على سببل التناقض والتقلب في الرأي
وهذا محال على الله - تعالى - لكمال علمه وحكمته، جائز الخلق لنقصانهم.
فكل حكم له تعالى صالح، وله حكمة فى وقته: منسوخًا كان أو ناسخًا، وليس في أَحكامه تعالى بداء.
رأى آخر فى النسخ
ذكرنا- فيما تقدم- رأى جمهور العلماء سلفا وخلفا في معنى النسخ فى الآية الكريمة، وحكمته. وخلاصته أنه: إزالة حكم شرعى سابق، بخطاب ورد متأخرا عنه، وأن كلا من المنسوخ والناسخ لمصلحة العباد في حينه.
ومن العلماء طائفة لا يقولون بنسخ الأَحكام، فرارا من البداء المستحيل على الله، فإِن تغيير الأحكام في الشريعة الواحدة، شأن من لا يعلم المصلحة كما ينبغى العلم، حينما شرع. فلما علمها، عدل عما شرعه أَولا، وذلك لا يليق بالله - تعالى - العليم الحكيم.
ويقولون: إن الآية الكريمة، ليست دليلًا على ما يقوله الجمهور في معناها، بل إن السياق يدل على خلافه، فإِن الآية قبلها تدل على أَن أَهل الكتاب يكرهون نزول الخير:
أي الوحي من الله على المسلمين. وإنما كرهوا ذلك لأنهم كانوا يريدون بقاءَ النبوة في
بني إسرائيل، وأَن تظل التوراة شريعة الناس: لا تنسخ، فهم يحسدون الناس على ما آتاهم
الله من فضله.
فأخبرهم الله- تعالى- بأنه يختص برحمته- أَي نبونه وشريعته- من يشاء، لأن أمرها ليس لهم، بل لله وحده ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. فلا يحق لهم أَن يحتكروا فضله عليهم.
[ ١ / ١٦٥ ]
وعقَّب. ذلك، بما يدل على أن نسخ شريعتهم بالشريعة الإسلامية ليس بدعًا، بالنسبة إلى شأنه وإلى مع سائر الشرائع، فقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أَي: ما نغير من شريعة من الشرائع العلومة للناس: كالتوراة والإِنجيل والزبور، أو نجعلها منسية دارسة لا علم للناس بها - كالشرائع المجهولة لنا، النازلة على بعض من قصهم الله علينا من الأَنبياء ومن لم يقصصهم علينا، نأْت بشريعَة هَة خير منها أَو مثلها، حسبما ينبغى لحال الأْمة التي شرعت لها.
وقد اقتضت الحكمة نسخ شريعتكم أيها اليهود، بشريعة الإِسلام، التي هي خير للأُمة التي كلفت بها، من شريعتكم، فلماذا تكرهون نزول الوحي على سواكم ناسخا لشريعتكم، وتلك سنة الله فى جميع الشرائع؟
ويؤول أصحاب هذا الرأي الآيات التي ظاهرها التعارض والنسخ، بحيث يبعدونها عن دائرة النسخ بمعنى تغيير الحكم.
وقد اتضح مما سبق بيانه، أن المراد بالأية عند أَصحاب هذا الرأي: الشريعة، وقد أطلقت عليها، لأَنها علامه يهتدى بها الناس في معاشهم ومعادهم.
وذلك يتفق مع المعنى اللغوى لكلمة الآية فإنها بمعنى العلامة.
رأى ثالث النسخ
ومن الباحثين من قال المراد: بالآية، المعجزة، وبنسخها، تغييرها. وعنده أَنها نزلت للرد على من اقترح أن يأتى محمَّد بمعجزة، كمجزة موسى، كما يؤذن به قوله تعالى ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
والمقصود من الَاية الكريمة على هذا الرأي: بيان أن معجزة النبي- ﷺ جاءَت من نوع آخر غير معجزات من سبقه وهى محققة لنبوته، ولذا ختم الآية بقوله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي وإِذا كان الله كل كل شئ قدير، فلا يفترح عليه تعالى آيات بعينها، فلكل نبي آياته. ولكل عصر ما يلائمه، وقد أيد محمدا ﷺ بما هو كاف من المعجزأت أعظم الكفاية.
[ ١ / ١٦٦ ]
ومن أرد مزيدا من البيان فليرجع إِلى المطولات للموازنة بين تلك الآراء.
والله الموفق.
١٠٧ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ …﴾ الآية.
لما قرر في الآية الله السابقة: أَنه تعالى على كل شئ قدير، ذكر هنا ما هوكالدليل على ذلك، وهو أَنه تعالى: له ملك السمؤات والأَرض، واستشهد على ذلك بعلم كل ذي علم فقال ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كما فعل هناك. فالخطاب فيه لكل من يعلم.
والعلم بذلك قدر مشترك بين المسلمين وأَهل الكتاب والمشركين.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (^١)﴾. وفي شمول الخطاب للمعاندين، أَبلغ ود عليهم. فهو إلزام لهم بما يعلمونه.
ولكون التعميم مرادًا، ختمت الآية بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ والهمزة في: ﴿أَلَم تعْلَمْ﴾ للإِنكار والنفي، دخلت النفي. ونفى النفي إثبات. والمعنى: أنك أَيها المخاطب، تعلم علمًا يقينيا: أنه تعالى، له ملك السنوات والأرض ومن كان كذلك، فهو على كل شئِ قدير.
وإِذا ثبتت قدرتة على كل له شيءٍ بما ثبت له من ملك السموات والأرض- فهو صاحب الأمر في خلقه. فله نسخ الآية بخير منها أَو مثلها: تدرجا في الحكم، وتطويرًا له، حسب تطور حاجة البشر ومصلحتهم؛ فإِن رب الخليقة ومالك الكون، من شأْنه أن يرعى مصاحة عباده.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: معطوف على الخبر، دأخل معه في حيز المعلوم للمخاطب.
و﴿دُونِ﴾ بمعنى: غير. والولى: من يلي الاَّ مر أَو يملكه، والنصر: المعين، وجمع بينهما؛ لأَن المالك أَو ولى الأمر، قد لا يستطيع النصر، والنصر قد يكون أَجنبيا غير مالك، فأفادت الآية أَنه تعالى، اتصف با لوصفين جميعا: الملك والنصر.
والمراد: وما لكم من غير الله مالك ولا معين. فلذا يرعى مصالحكم في التشريع وغيره.
وأَتى بصيغة: فعيل في: ﴿ولى﴾ و﴿نصير﴾ لأَنها أبلغ من فاعل، ولأن وليا أكثر استعمالا من
من والٍ.
_________________
(١) لقمان: ٢٥.
[ ١ / ١٦٧ ]
وجيءَ بهذه الفقرة، إشارة إلى أن الراجب على العاقل أن يتجه بكليته إلى من له ملك السموات والأرض، لا إلى غيره، ممن لا يستطيع دفع ضر أو جلب نفع لنفسه.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾