١٠٨ - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ …﴾ الآية.
سبب نزول الآية:
اختلف المفسرون في سبب نزولها. والراجح: أنها نزلت في شأْن اليهود حين قالوا: يا محمَّد، اتتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة جملة، وخاطبهم بذلك - بعد رد طعنهم في النسخ- تهديدا لهم. واخنار هذا الإمام الرازى. وقال: إنه الأصح، لأن الحديث - من أول قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ (^١) إلى هذه الآية - حكاية عن اليهود ومحاجة معهم؛ ولأنه جرى ذكرهم قبل ذلك دون غيرهم.
وعبر بالمضارع عل هذا في قوله: ﴿أنْ تَسْألوا﴾ مع أنهم سألوا قيل ذلك إحضارا للصورة لغرابتها، فقد جهلوا أن تنزيل القرآن، كان على حسب الوقائع، وذلك يقتضى إنزاله عل دفعات، فلا وجه لطلب إنزاله جملة.
وقيل: إنها نزلت في المؤمنين: توصية لهم بالثقة بالرسول ﷺ وترك الاقتراح عليه، بعد أن رد طعن اليهود في النسخ.
_________________
(١) الآية -٤٠ - من هذه السورة،
[ ١ / ١٦٨ ]
على حد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^١).
ولذا، نزل بعدها قوله سبحانه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ …﴾. والخطاب - على السبب الأول- لليهود. وإضافق الرسول إليهم باعتبار الواقع، وإن خالف اعتقادهم. وعلى السبب الثاني، يكون الخطاب للمؤمنين، وعلى هذا يكون المعنى:- لا نكونوا أيها المؤمنون- فيما أنزل عليكم من القرآن- مثل اليهود في ترك الثقة بالآيات البينات، واقتراح غيرها، فتضلوا وتكفروا. يعني: أن شأْنكم- وأنتم مؤمنون- ألا تتجهوا لإرادة ذلك. وإضافقالرسول إليهم- على هذا- باعتبار الواقع والاعتقاد.
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾:
المعنى: ومن يَخْتَرِ الكفرَ لنفسه، في مقابل الإيمان وبدلا عنه. فقد عدل عن الطريق السوى الموصل إلى أسمى الغايات.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾