روى الواحدي عن ابن عباس: أن طائفة من كبار اليهود قالوا للمسلمين - بعد وقعة أحد - ألم تروا إلى ما أصابكم؟ ولو كنتم على الحق لما هزمتم، فارجعوا إلي ديننا فهو خير لكم فنزلت: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ …﴾
المعنى: تمنى كثير من اليهود - أَهل الكتاب - أن يُرجعوكم - أيها المسلمون من بعد إيمانكم- كفارا: حسدًا لكم. نابعا من أَصل نفوسهم وأَعماق قلوبهم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: من بعد ما اتضح لهم الحق الذي أنتم عليه، بما جاء عنه -أي عن الحق- من النعوت في كتابهم، وبما ظهر لهم من الآيات التي أَيد الله بها رسوله، فلذلك ينتهزون الفرص لتنفيركم من دينكم - حتى ترتدوا عنه فلا تبالوا بهم.
﴿فَاعْفُوا﴾: عنهم ولا تعاقبوهم. (وَاصْفَحُوا): ولا تلوموهم. (حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِامْرِه). أي: بإذنه في قتالهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فينتقم منهم حين يجيء أو ان الانتقام. وحسبهم -الآن- أن يأْكل الحسد قلوبهم.
[ ١ / ١٧٠ ]
وقد أَنزل الله بعد ذلك الإذن بقتالهم، في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^١)، كما أَذن بإجلائهم.
وفي التعبير بقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ …﴾ الخ، للذان بأن منهم من لم يتمن ارتداد المؤمنين عن الإيمان، وهم الذين آمنوا من اليهود، كزيد بن سعنة وعبد الله ابن سلام.
١١٠ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ …﴾ الآية.
بعد أن أَمر الله المؤمنين بمداراة أهل الكتاب- بالصبر على حسدهم وعلى ثمنيهم ارتدادهم عن الإيمان، وبالعفو والصفح عنهم؛ حتى يأْذن الله بأن ينتقموا منهم- أمرهم باللجوءِ إليه تعالى بالعبادة، تكميلا لأنفسهم واشتغالا بها عنهم، وتوسلا بها لنصره لهم فقال:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أدوها كاملة الأركان والشروط، مستوفية لهيئات. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾
أي: أعطوها لمستحقيها من الأصناف الثمانية المجتمعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^٢).
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ مهما كان نوعه ﴿تَجِدُوهُ﴾ أي: تجدوا ثوابه يوم القيامة ﴿عِندَ اللهِ﴾ تعالى: فيما أعده في جنته للمحسنين. وقد أعد لهم ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، إِيذان بأن الخير الذي تعطيه لأخيك المسلم كأنما تقدمه لنفسك؛ لأن المجتمع الإسلاى كالجسد الواحد.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فلا يضيع عنده عمل العاملين.
_________________
(١) التوبة: ٢٩.
(٢) التوبة: ٦٠.
[ ١ / ١٧١ ]
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾