١٩ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾:
هذا توضيح وتبيين لما سبق إِجماله في قوله (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) إِذ بالعرض تظهر أَحوال المؤمنين وغيرهم، فأَما الفريق المؤمن الذي يأخذ كتابه بيمينه فيعلم - آنئذ -
_________________
(١) جاء في القاموس المحيط: السلف - محركة السين -: اسم من الإِسلاف، ثم قال: وكل عمل صالح قدمته.
[ ١٠ / ١٥٥٨ ]
أَنه من الناجين الفائزين بالنعيم، لأَن اليمين عند العرب من دلائل الفرح، والمراد بالكتاب هنا: ما كتبته الملائكة وسطرته على العبد من الأَعمال خيرها وشرها، أَي فيقول كل واحد من هؤُلاءِ السعداءِ لغيره أَو لأَهل قرابته - سرورا بنجاته -: (هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) أَي: خذوا كتابي هذا فاقرءُوه حتى ينالكم ما نالني من السرور والفرح؛ ليكمل أُنسي ويزداد ابتهاجي وحبوري.
٢٠ - ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾:
أي: إِني كنت في دنيادي أَعمل الخير وأُحسن القصد وأُتقن العمل وأَرجو منه - سبحانه - أَن يجعل عملي خالصا لوجهه غير مدخول برياءٍ أو سمعة، وإِني ظننت في الدنيا أَن ربي - جل شأَنه - سيحاسبني يوم القيامة حسابا يسيرا، وقد حاسبني ﵎ كما ظننت؛ فالله جلت قدرته - عند ظن عبده به، وقيل: المراد بالظن هنا اليقين والعلم وذلك بناءً على أَن الظاهر من حال المؤْمن تيقن أمور الآخرة، ولكن لمّا كان فيها من التفاوت كسهولة الحساب وشدته - مثلا - عبر عن العلم بالظن للإِشعار والإِشارة إِلى ذلك.
٢١ - ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾:
أَي: إِن هذا الفريق صاحب اليمين في عيشة وحياة قد رضي بها تمام الرضا واطمأن إِليها كمال الاطمئنان؛ وذلك لدوامها وعظمها وخلوصها من الشوائب والأَكدار حتى كأَن تلك العيشة نفسها راضية، وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ: "أَنَّهمْ يعِيشون فَلَا يمُوتون أَبدا. ويصِحُّون فَلا يمْرضون أَبدًا، وينْعمون فلَا يرَوْن بؤْسًا أَبدًا، ويشِبُّون فَلَا يَهْرمُونَ أَبَدًا".
٢٢ - ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾:
أَي: يعيش هذا الفريق تلك العيشة الراضية ويحيا هذه الحياة الهانئة في جنة رفيعة القدر عظيمة المنزلة، وهي - كما جاءَ في تفسير ابن كثير - رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها. هذا والجنة في ذاتها عالية فهي فوق السموات غير أَن منازل بعضهم فيها فوق منازل الآخرين، وذلك لتفاوت درجات أَهلها.
[ ١٠ / ١٥٥٩ ]
٢٣ - ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾:
أَي: ثمارها قريبة التناول يدركها ويأُخذها القائم والجالس والمضطجع، أَو سهلة التناول أَخرج عبد بن حميد عن قتادة أَنه قال: دنت فلا يرد أَيديهم عنه بعدٌ ولا شوك:
٢٤ - ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾:
يقال لهم ذلك من قبل الله تعظيما لشأنهم وإِدخالا للسرور في قلوبهم، أَي: كلوا أَكلا سائغا لذيذا بلا عناءٍ ولا مشقة، واشربوا شربا رويًّا لا ظمأَ بعده، ولا يعقب هذا الأَكل والشرب شائبة من تنغيص أَو ضرر، وذلك بسبب ما قدمتم من الأَعمال الصالحة في أَيامكم التي خلت ومضت وهي أَيام الدنيا، وهذا الجزاءُ جاءَ منه - سبحانه - تفضلا عليهم وإِكراما لهم، وإِحسانا إِليهم، فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أَنه قال: "اعملوا وسدِّدوا وقارِبُوا واعلموا أَن أَحدًا منكم لن يدخلَ بعمله الجنة" قالوا: ولا أَنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أَنا إِلاَّ أَن يتغمدَني الله برحمةٍ منه وفضل"، وقيل المراد من الأَيام الخالية هي أَيام الصيام التي تقلصت فيها شفاههم وغارت أَعينهم وخمصت وجاعت بطونهم من ترك الطعام والشراب امتثالا لأَمر ربهم وابتغاءً لوجهه - سبحانه - فعوضهم عما فاتهم في صومهم.
ولما بين الله حال أَصحاب اليمين وما نالوه من سعادة أَبدية في الدار الآخرة أَردفه وأَعقبه ذكر أَصحاب الشمال وما يقاسونه من ضروب الخزي وأَلوان العذاب وصنوفه، فقال:
٢٥ - ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾:
أَي: أَن هذا الصنف الذي يعطى كتابه بشماله - وهو أَمارة النحس وشؤم الطالع - يقول - وقد ملأَته الحسرة وجلَّله الخزي والذل -: يا ليتني لم أُعط كتابي وصحيفة أَعمالي التي تذكرني بقبائح أَفعالي، إِنه من شدة خجله وفرط هوانه يتمنى لو عُذِّب بالنار دون أَن يعرض عليه كتابه حتى لا يناله ذلك العذاب الروحاني الذي هو أَشق وأَشد من العذاب الجسماني.
[ ١٠ / ١٥٦٠ ]
٢٦ - ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾:
أَي: ولم أَعرف شيئا عن حسابي؛ إِذ لا طائل ولا نفع من وراء ذلك؛ فكتابه لم يضم ما ينجيه وليس فيه ما يغنيه من عذاب الله، إِنه قد حوى وشمل كل قبيح يشينه، وسطر فيه ما يهلكه ويرديه.
٢٧ - ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾:
أَي: يقول - متمنيا ولا ينفع التمني - ليت الموتة التي متُّها وذقتها في الدنيا كانت هي القاطعة لأَمري ولم أُبعث بعدها ولم أَنل وأَلق ما أَلقاه من العذاب المهين، أَو ليت هذه الحالة - وهي حالة مطالعته لكتابه يوم القيامة - كانت الموتة التي قضت عليّ؛ لأَنه قد صار إِلى أَمر أَشد إِيلاما ومرارة من الموت فتمناه عنده، وقد قيل: أَشد من الموت ما يتمنى الموت عنده.
٢٨ - ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾:
أَي: لم ينفعني ولم يغن عني ما كان لي في الدنيا من المال الوفير فضة وذهبا وخيلا مسومة وأَنعاما وحرثا وخدما وحشما، فقد وفدت وجئت إِلى ربي فردا وحيدا لا نصير لي ولا معين.
٢٩ - ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾:
أَي: بطلت حجتي، وضاع دليلي، وضل برهاني الذي كنت أَحتج به في الدنيا على محمد ﷺ حيث كذبتني الجوارح وشهدت علي بالشرك والمعاصي!! أَو ذهب ملكي وتسلطي وبطشي وجبروتي وبقيت ذليلا مهينا.
[ ١٠ / ١٥٦١ ]
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾