٢١،٢٠،١٩ - ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾:
هذا إِخبار من الله - تعالى - عن الإِنسان، وعما هو مجبول عليه من أَخلاق ذميمة، إِلا من عصمه الله - سبحانه - ويراد بالإِنسان الجنس، أَو الكافر، أَي: شأَنه وطبيعته أَن يكون سريع الجزع إِذا مسه شر وضر أو لحق ضيق وعنت، شديد الحرص والمنع إِذا صادفه رخاء ويسر (^١).
سئل ابن عباس عن الهلوع، فقال: هو كما قال الله تعالى: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا)، وسأل محمد بن عبد الله بن طاهر ثعلبًا عنه، فقال: قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أَبين من تفسيره سبحانه، يعني قوله تعالى: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا) الآية أَي: إِذا مسه الفقر أَو المرض ونحوهما كان مبالغا في الجزع مكثرا منه، لا صبر له على ما نزل به يتجرعه حزينًا كئيبًا تكاد تتقطع نفسه، وينخلع قلبه. قال الراغب: الجزع أَبلغ من الحزن؛ فإِن الحزن عام، والجزع حزن يصرف الإِنسان عما هو بصدده، ويقطعه منه لقوة أَثره فيه حتى صرفه عمَّا عداه.
(وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) أَي: كان مبالغًا في البخل والإِمساك، لا ينفعه في طاعة، ولا يعرف فيه حق الله، أَخرج الإِمام أَحمد بسنده عن عبد العزيز بن الحكم قال: سمعت أَبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ "شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ".
_________________
(١) لإيثاره الجزع والمنع وتمكنهما منه جعلا كأَنهما أَمر خلقي وضروري غير اختياري.
[ ١٠ / ١٥٧٨ ]
٢٢ - ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾:
لَمَّا وصف سبحانه فيما سبق كل من أَدبر عن الحق وتولى عن الطاعة بما يستحقونه من النعوت القبيحة معللا ذلك بهلعهم وجزعهم. استثنى المتصفين بالأَوصاف الجليلة الآتية التي تنبيء عن كمال تنزههم عن الهلع: من الاستغراق في طاعة الحق، والإِشفاق على الخلق، والإِيمان بالجزاء، والخوف من العقوبة، وكسر الشهوة، وإِيثار الآجل على العاجل فقال عز من قائل مُعَدِّدًا تلك الصفات التي اتصف بها المصلون:
٢٣ - ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾:
أَي: مواظبون مستمرون على أَدائها في وقتها، لا يغفلون عنها ولا يشتغلون بغيرها، وقد أَخرج ابن حبان عن أَبي سلمة قال: حدثتني عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُون، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا". قالت: فكان أَحب الأَعمال إِلى رسول الله ﷺ ما دام عليه وإِن قل، وكان إِذا صلى صلاة دام عليها، وقرأَ أَبو سلمة: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ)، قيل: دائمون، أَي: لا يلتفتون فيها، وروي ذلك عن عمران بن حصين وكذا عن عقبة بن عامر.
أَخرج ابن المنذر عن أَبي الخير أَن عقبة قال لهم: من الذين هم على صلاتهم دائمون؟ قال: قلنا: الذين لا يزالون يصلون. قال: لا ولكن الذين إِذا صلوا لم يلتفتوا عن يمين ولا شمال. وإِليه ذهب الزجاج.
وقيل: المراد بالدوام السكون والخشوع كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (^١)، والمراد بالصلاة - على ما أخرج عبد بن حميد عن إِبراهيم التَّيْمي -: الصلاة المكتوبة، وقيل: النافلة، وقيل: ما أُمروا به مطلقًا منها، على سبيل الوجوب أَو الندب وهو الظاهر.
_________________
(١) المؤمنون (أَول السورة).
[ ١٠ / ١٥٧٩ ]
٢٥،٢٤ - ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾:
أي: والذين يجعلون في أَموالهم نصيبًا معينا يستوجبونه على أَنفسهم تقربا إِلى الله، وإِشفاقا على العباد، وهو ما يوظفه الرجل على نفسه يؤديه في كل جمعة أَو كل شهر مثلًا كما روي عن الإِمام أَبي عبد الله - رضي الله تعالى عنه - وقيل: هو الزكاة لأَنها مقدرة معلومة، ورد هذا بأَن السورة مكية، والزكاة إِنما فرضت وبُيِّنَ مقدارها في المدينة، وقيل ذلك كانت مفروضة من غير تعيين، وهذا القدر المعين الذي اختاره المتصدقون، وجعلوا إِخراجه لزاما عليهم يعطي (لِلسَّائِلِ) وهو حق له. قال رسول الله ﷺ في مسند أَحمد: "للسائِل حقٌّ وإِن جاءَ عَلَى فَرَس" (وَالْمَحْرُومِ) يعطي أَيضا، وهو الذي يتعفف فلا يسأل الناس شيئًا، وبذلك يخفى أَمره فلا يُفطن له، ويُحسب أَنه غني، فيحرم، ولا يتصدق عليه بما هو حق له، ويشير إِلى ذلك قوله تعالى: (يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ) (^١)، واستعمال المحروم في المتعفف على سبيل الكناية.
٢٦ - ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾:
وهو يوم الجزاء والحساب، والمراد من التصديق به: أَن يشغلوا أَنفسهم بأَداءِ الأَعمال الصالحة طمعًا في المثوبة الأخروية بحيث يستدل بذلك على تصديقهم الأَكيد بيوم الجزاءِ وحبهم الصادق له، لأَن التصديق القلبي عام لجميع المسلمين، لا امتياز فيه لأَحد منهم على غيره.
٢٧ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾:
أَي: خائفون على أَنفسهم أَن يمسهم عذاب ربهم مع ما لهم من الأَعمال الفاضلة استقصارًا لها واستعظاما لجنابه ﷿ كقوله تعالى - (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (^٢) فهم بذلك قد بلغوا الغاية في بلوغ أَعلى مراتب الخشية، وأَسمى آيات الطاعة؛ فكان جزاؤهم أَن يكونوا من الآمنين يوم الفزع الأَكبر.
_________________
(١) البقرة، من الآية: ٢٧٣.
(٢) المؤمنون، آية رقم: ٦٠.
[ ١٠ / ١٥٨٠ ]
٢٨ - ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾:
اعتراض بين الكلام المتصل في وصف المصلين مؤذن بأَنه لا ينبغي لأَحد أَن يأمن مكر الله وعذابه، وإِن كان له في الطاعة قدم ثابتة، وفي الإِخلاص جهد لا يُبَاَرى كهؤلاء، ولذا كان السلف الصالح - وهم هم - خائفين وجلين حتى قال بعضهم: يا ليتني كنت شجرة تعضد، وقال آخر: يا لَيْتَ أُمي لم تلدني.
٣٠،٢٩ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾:
أَي: أَنهم ممسكون لفروجهم غير مرسلين لها على أَحد إِلاَّ على أَزواجهم أَو ما ملكت أَيمانهم وفيه إِيذان بأَن شهوتهم قوية دافعة تدعوهم إِلى بذل الجهد في صدها لمنعها من استيفاءِ مقتضياتها، وبذلك يتحقق لهم كمال العفة.
والمراد بقوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ): الإِماءُ المملوكات.
(فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ): تعليل لما يفيده الاستثناءُ القاضي بعدم حفظ فروجهم عن الزوجات والمملوكات، أَي: فإِنهم ليسوا أَهلًا للوم والتأنيب على عدم حفظ فروجهم بإِرسالها على أَزواجهم أَو ما ملكت أَيمانهم وفق نص الشارع الحكيم.
٣١ - ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾:
أَي فمن تجاوز الذي ذكر من القدر المعلوم وهو نكاح أَربع من الحرائر، وما شاءَ من الإِماء، فقد تعدى حدود ما أَحل الله له إِلى ما حرمه عليه قال الطبري: من التمس لفرجه منكحًا سوى زوجته أَو ملك يمينه ففاعلو ذلك هم العادون الذين تعدوا ما أَحل الله لهم إلى ما حرمه عليهم، وهم الملومون، أَما الذين لم يقربوا سوى أَزواجهم التي أَحلها الله لهم، وما ملكت أَيمانهم من السراري، فهم غير ملومين كما أَشارت إِلى ذلك الآية السابقة.
[ ١٠ / ١٥٨١ ]
٣٢ - (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ):
أَي: أَنهم إِذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإِذا عاهدوا لم يغدروا، بل كانوا مثالا كاملًا في حفظ الأَمانة، ورعاية حقوقها، والوفاء بالوعد، والإِخلاص فيه، وبذلك تنزهوا عما اتصف به المنافقون في الحديث الصحيح " آية المنافق ثلاثٌ: إِذا حَدَّت كذبَ، وإِذا وعَد أَخْلفَ، وإِذا اؤْتمِنَ خان " وكأَنه لكثرة الأَمانة جمعت، ولم يجمع العهد لأَنه ليس كالأَمانة كثرة، ويدل علي كثرتها ما روي عن الكلبي: كل أَحد مؤتمن علي ما افترض عليه من العقائد، والأَقوال، والأحوال، والأَفعال، ومن الحقوق في الأَموال وحقوق الأَهل والعيال، وسائر الأَقارب، والمملوكين، والجار، وسائر المسلمين. قال السدي: إِن حقوق الشرع كلها أَمانات قد قبلها المؤتمن، وضمن أَداءَها بقبول الإِيمان، ونص غير واحد أَن الخيانة في الأَمانة، وكذا الغدر بالعهد من الكبائر، وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أَنس قال: ما خَطَبَنا رسول الله- صلي الله تعالي عليه وسلم - إِلا قال:" لا إِيمانَ لمن لا أَمانَةَ له، ولا دين لمن لا عَهْدَ له ".
٣٣ - (وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ):
أَي: أَنهم محافظون عليها، لا يزيدون فيها، ولا ينقصون عنها، غير منكرين لها أَو لشيءِ منها، وإِنما يقيمونها علي وجهها، بدون ميل إِلي قريب أَو شريف، أَو ترجيح لقوي علي ضعيف: إِظهارًا للصلابة في الدين ورغبة في إِحياءِ حقوق المسلمين، وتعظيما لله ﷿ فيما يتعلق بحقوقة - سبحانه - من أَنه واحد لا شريك له وأَن محمدًا عبده ورسوله،، وخص بعضهم الشهادة بما يتعلق بحقوق العباد، وذكر أَنها مندرجة في الأَمانات إِلاَّ أَنها خصت بالذكر لإِبانة فضلها، وعلو قدرها، وجمعت لاختلاف الأَنواع.
٣٤ - (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ):
أَي: يراعون شرائطها، ويكملون في فرائضها، وسننها، ومستحباتها، وذلك باستعارة الحفظ من الضياع للإِتمام والتكميل، والحفظ غير الدوام في قوله - سبحانه - فيما سبق (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) فلا تكرار.
[ ١٠ / ١٥٨٢ ]
وفي افتتاح الأَوصاف بما يتعلق بالصلاة أولًا وآخرا دلالة على الاعتناءِ بها، والتنويه بشأنها وفضلها على سائر الطاعات لأَنها معراج المؤمنين، ومناجاة رب العالمين، ولذا جعلت قرة عين سيد المرسلين.
٣٥ - ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾:
إِشارة إِلى أَن الموصوفين بالأَوصاف الكريمة التي تنبيء عن علو أَقدارهم عند ربهم، واستحقاقهم لإِكرامه وفضله مكرمون في جنات النعيم، وما في الإِشارة من معنى البعد في قوله تعالى: (فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) أَنهم مستقرون في جنات لا يقادر قدرها، ولا يدرك شأَنها. مكرمون فيها بكل أَنواع التكريم.
﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾
[ ١٠ / ١٥٨٣ ]