١٠ - ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾:
روي أَن رجالا أَتوا إلي الحسن، فشكوا إِليه ما نزل بهم، فقال لكل منهم: استغفر الله، وفقيل له أَتاك رجال يشكون أَلوانًا، ويسأَلون أَنواعًا، فأَمرتهم كلهم بالاستغفار، فقال: ما قلت من نفسي شيئًا إنما اعتبرت قول الله ﷿ حكاية عن نبيه نوح ﵇ أَنه قال: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) الآية. أَي: استغفروه بالتوبة عن الشرك والمعاصي، لتنعموا بخيري الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: (رَبَّكُمْ) تحريكًا لداعي الاستغفار (إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) بمعنى أنه غفار للتائبين دائم المغفرة وكثيرها، كأَنهم تعالوا قالوا: إِن كنا على الحق فكيف نتركه؟ وإِن كنا على الباطل فكيف يقبلنا ويتلطف بنا بعد ما عكفنا على الباطل دهرًا طويلا؟ كأَنه استبعاد منهم، فأَمرهم بما يمحق ما سلف منهم من المعاصي، ويجلب إِليهم النافع، وذلك هو الاستغفار الذي وعدهم عليه تحقيق أُمور هي أَحب إِلى نفوسهم، وأَوقع في قلوبهم من الأمور الأُخروية لديهم، وهي الرغبات الدنيوية التي جبلوا على حبها، والتعلق بها لما فيها من الفوائد العاجلة التي يشير إِليها قوله تعالى:
١١ - ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾:
قال قتادة: كانوا أَهل حب للدنيا، فاستدعاهم إِلى الآخرة من الطريق التي يحبونها، وقيل: لما كذبوا بعد تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأَعقم أَرحام نسائهم أَربعين سنة وقيل: سبعين سنة، فوعدهم إِن آمنوا أَن يرزقهم الله تعالى الخصب، ويرفع عنهم ما كانوا فيه - ولا شك أَن نزول المطر - ولا سيما إِذا كان عزيزًا - من أَعظم النعم التي تتعلق بها نفوسهم
[ ١٠ / ١٥٩٦ ]
وتهفوا إِليها قلوبهم في مواطنهم التي يشيع فيها الجفاف، وينتشر بها القحط، وقد استدعاهم بذلك إِلى الآخرة، ويراد من السماء: السحاب أَو المطر.
١٢ - ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾:
أَي: ويزدكم الله مالا وبنين، وكانوا يحبوهما، ويعلمون على الاستكثار منهما، فحركوا بما يُفيئه الله عليهم منها إِلى الإيمان، كما حركوا كذلك بأن يجعل سبحانه لهم في ديارهم بساتين وحدائق فيها أَنواع الثمار التي تحقق لهم كل مناعم الحياة ويجعل لهم أَنهارًا جارية أَو مطلقة لتحيا بها مزارعهم، وبساتينهم، وليجدوا فيها كل منافعهم، وأَعيد الفعل (يَجْعَلْ) مع الأَنهار للاعتناء بها، لما أَن لها مدخلا عاديًّا أَو أَكثريا في وجود الجنات ورعاية في بقائها الذي هو أَهم من أَصل وجودها، وترك إِعادة (وَيُمْدِدْكُمْ) مع البنين لأَنه لا تكمل المنفعة والسعادة إلا باجتماع كل من الأَموال والبنين معًا؛ لذلك ترك إِعادة العامل (يُمْدِدْكُمْ) بينهما لأَنهما كالشيءِ الواحد. قال البقاعي: المراد بالجنات والأَنهار في الآخرة، والجمهور على أَن ذلك في الدنيا تحريكًا لهم على الإِيمان. وبعد أَن دعاهم بالترغيب، عدل بهم إِلى الدعوة بالترهيب فقال:
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾