١٦،١٥ - ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾:
بيان الآيات كونية للاستدلال بها على ما يوجب توقير الله وتعظيمه - جل شأَنه - والمعنى: أَلم تشاهدوا أَيها القوم عظمة الله، وكمال قدرته فيما أَبدع من آيات كونية، وتنظروا إِليها نظر تفكر واعتبار، كيف خلق الله العظيم سبع سموات متطابقة من غير مماسَّة، بعضها فوق بعض، وهي في غاية الإِحكام والإِتقان وإِبداع الصنع، كما قال - سبحانه - في سورة الملك (مَا تَرىَ فيِ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُت) الآية
(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) ليزيل ظلمة اللَّيل تمكينًا للنَّاس من أَداءِ مهامهم وفق ما تدعوا إِليه شئون حياتهم. "قال الفخر: القمر في السماءِ الدنيا وليس في السموات بأَسرها" وإِنما قال: فيهن لأَنها محاطة بالسموات كلها، فما فيها يكون كأنه في جميعها (^١)، وقدَّر - سبحانه القمر - منازل وبروجًا وفاوت نوره، فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يتناقص حتى يستتر؛ ليدل على مضي الشهور والأَعوام كما قال تعالى: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (^٢).
_________________
(١) أو، لأن كل واحدة منها شفافة، فترى كلها كأنها سماء واحدة. فساغ أن يقال: فيهن.
(٢) يونس، من الآية رقم: ٥.
[ ١٠ / ١٥٩٩ ]
(وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) أَي: كأَنها مصباح مضيء لوجه الأَرض وسائر الآفاق كما يستضيئون بالسرج في بيوتهم ليبصروا في ضوئها ما يحتاجون إِليه. ولما كان نور الشمس أَشد وأَتم وأَكمل في الانتفاع به من نور القمر عبَّر عنها بالسراج لأَنه يضيءُ بنفسه، وعبر عن القمر بالنور لأَنه يستمد نوره من غير، ويؤيد هذا - كما قيل - ما تقرر في علم الفلك من أَن نور الشمس ذاتي فيها، ونور القمر عرض مستمد من نورها، وتلك ولا شك آيات ناطقة بالقدرة البالغة، والعظمة الكاملة التي تدعو إِلى توقير الله وتعظيمه.
١٨،١٧ - ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾:
بعد أن ذكر ﷿ الأَدلة الكونية أَتبعها بذكر ما في الأَنفس من براهين وآيات، وفي ذكر هذه الأُمور دلالة بينة على عظمة الله، وكمال قدرته، والمعنى: أَن الله ﷾ أَنشأَكم من الأَرض، وأَخرجكم منها، فاستعير الإِنبات للإِنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكوّن من حيث إِنه محسوس مشاهد، وقد أَكد (أَنبَتَ) بقوله: (نَبَاتًا) أَي: أَنشأَكم منها إِنشاء لا شك فيه، وأَخرجكم من ترابها كما يخرج النبات من خلاله، وهم وإِن لم ينكروا الإِنشاءَ والحدوث، فقط جعلوا بإِنكار البعث كمن أَنكر الإِنشاء والحدوث، وفي ذلك إِشارة إِلى خلق آدم ﵇ حيث خلق من ترابها ثم جاءَت من آدم ذريته.
قال المفسرون: لمَّا كان إِخراجهم وإِنشاؤهم إِنما يتم بتناولهم عناصر المواد الغذائية النباتية والحيوانية المستمدة من الأَرض، كانوا مشابهين للنبات الذي ينمو بامتصاص غذائه من الأَرض فلذا سمى سبحانه خلقهم وإِنشاءَهم إِنباتًا
(ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) أَي: في الأَرض بالمواراة فيها إذا متم (وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) محققًا لا ريب فيه عند البعث وكان العطف بثم في قوله سبحانه: (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) لما بين الإِنشاء والإعادة من الزمن المتراخي الواقع فيه التكليف الذي استحقوا به الجزاءَ بعد الإِعادة، وكان العطف بالواو دون ثم في قوله: (وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) مع ما بينهما من الزمان المتراخي، لأَن أَحوال البرزخ والآخرة في حكم شيء واحد، فهي لاتصالها وتحقق وقوعها لا محالة، لم يعتبر فيها التراخي في الزمن لأَنها تشبه أَن تكون قضية واحدة.
[ ١٠ / ١٦٠٠ ]
٢٠،١٩ - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾:
أَي: إِنه سبحانه جعل الأَرض فسيحة ممتدة كالبساط تتقلبون عليها كما تتقلبون على بطنكم في بيوتكم، وليس في الآية ما يدل على أَن الأَرض ليست كروية كما في البحر وغيره لأَن الكرة العظيمة يري كلُّ من عليها ما يليه مبسوطًا
(لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) أَي: خلقها الله لكم لتسقروا عليها، وتسلكوا فيها أَين شئتم من نواحيها وأَرجائها، وأَقطارها طرقًا واسعات في أَسفاركم وتنقلكم، وقيل: هي المسالك بين جبلين: وكل هذا ممَّا ينبههم به نوح ﵇ على قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأَرض، ونعمة عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأَرضية، وفي إِنشائهم من الأَرض، ثم إِعادتهم إِليها، وإِخراجهم منها بالبعث؛ لذلك فهو وحده الذي يجب أَن يعبد، ويوجد ولا يشرك به أَحد حيث إِنه لا نظير له، ولا كفء، ولا ند، ولا صاحبه، ولا ولد، ولا وزير، ولا مشير، بل هو العلي الكبير.
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾