٦ - ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾:
قيل: إن الرجل من العرب في الجاهلية كان إِذا أَمسى في قفر من الأَرض قال: أَعوذ بسيد هذا الوادي أَو بعزيز هذا المكان من شر سفهاءِ قومه، يريد الجن وكبيرهم، فيبيت في جواره حتى يصبح.
قال مقاتل: كان أَول من تعوذ من الجن قوم من أَهل اليمن ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاءَ الإِسلام عاذوا بالله وتركوهم.
أَي: وأَنه كان رجال من الإِنس يلجأُون ويستجيرون بالجن رجاء رعايتهم وأَملًا في حفظهم من شرور سفهاءِ الجن ومردتهم فزاد الإِنسُ الجنَّ بسبب استعاذتهم بهم تكبرًا وصلفًا وعتوًّا حيث قالت الجن: سُدْنا الإِنس والجن، أَو أَن الجن زادوا الإِنس بسبب هذا الالتجاءِ من الإِنس زادوهم فرقًا وخوفًا، بل زادوهم كفرًا بالله، إِذ الاستعاذة بغير الله كفر.
٧ - ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾:
أَي: وقال الجن بعضهم لبعض: إِن كفار الإِنس حسبوا وظنوا كما حسبتم - يا معشر الجن أَن الله - سبحانه - لن يبعث أَحدًا بعد الموت، وأَنهم كانوا يقولون: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (^١) فقد أَنكروا البعث كما أَنكرتموه أَنتم، أَو أَن الإِنس ظنوا كظنكم أَن الله لن يرسل رسولًا إِلى أَحد من العباد، وقد أَخطأَ الإِنس وأَخطأتم معشر الجن، فالله قد أَرسل محمدًا ﷺ وأَنزل عليه هذا القرآن الكريم.
_________________
(١) من الآية ٢٩ من سورة الأنعام.
[ ١٠ / ١٦١٦ ]
٨ - ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)﴾
أَي: وأَننا طلبنا بلوغ السماءِ واستماع كلام أَهلها فأَصبناها وصادفناها ملئت بالحفظة من الملائكة الشداد الذين يحرسونها وبالشهب والنجوم المحرقة التي كانت تنقض على الجن عند استراق السمع، قال بعضهم: إِن رمي الجن بالشهب كان بعد مبعث الرسول ﷺ وهو إِحدي آياته، والصحيح أَن ذلك كان قبل مبعث الرسول ﵊ فلما بعث زاد ذلك إِنذارًا بحاله وتنبيهًا إِلى إِرساله، أَي: زيد في حرس السماءِ حتى امتلأَت من الملائكة والنجوم كما يشعر بذلك قوله تعالى: (مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا):
قال ابن عباس: بينما النبي ﷺ جالس في نفر من أَصحابه إِذْ رُمِيَ بنجم فاستنار، فقال: "ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية"؟ قالوا: كنا نقول: يموت عظيم، أَو يولد عظيم، فقال النبي ﷺ: "إِنها لا ترمي لموت أَحد ولا لحياته
، ولكن ربنا ﷾ إِذا قضى أَمرًا في السماءِ سبَّح حملة العرش ثم سبَّح أَهل كل سماءٍ حتى ينتهي التسبيح إِلى هذه السماءِ، ويستخبر أَهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أَهل كل سماءٍ حتى ينتهي الخير إِلى هذه فيتخطف الجن فيرمون؛ فما جاءُوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه، وقال ابن قتيبة: كان (الرمي) ولكن اشتدت الحراسة بعد المبعث، وكانوا من قبل يسترقون ويرمون في بعض الأَحوال فلما بعث محمد ﷺ منعت (الجن) من ذلك أَصلًا.
٩ - ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾:
أي: وأَنا كنا قبل ذلك نتخذ من السماءِ مواضع للسمع نجدها خالية من الحرس والشهب، أَو صالحة للترصد والاستماع، فالآن ملئت المقاعد والمواضع كلها بالملائكة والشهب فمن يحاول أَن يقترب للاستماع يجد له شهابًا قد أُرصد له ليرجم به وقال مقاتل: رميًا بالشهب ورصدًا من الملائكة.
[ ١٠ / ١٦١٧ ]
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ المفردات:
(دُونَ ذَلِكَ) أَقل منهم صلاحًا، أَو غيرهم في الصلاح.
(طَرَائِقَ قِدَدًا): طرائق: مذاهب، قددًا: جمع قِدَّة، من قَدَّ، كالقطعة من قَطَع أَي: كنا ذوي مذاهب مختلفة.
(نُعجِزَ اللَّهَ): نفوته ونتفلت منه.
(بَخْسًا) البخس: نقض الشيءِ على سبيل الظلم.
(رَهَقًا): ظلمًا ومشقة عليه بالزيادة في آثامه وسيئاته.
(الْقَاسِطُونَ): الجائرون والمائلون عن طريق الحق.
(تَحَرَّوْا): قصدوا وتوخَّوْا طريق الحق والصواب.
[ ١٠ / ١٦١٨ ]
١٠ - ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾:
أي وأَننا - معشر الجن - لا نعلم ما الله صانع بأَهل الأَرض بسبب امتلاءِ السماء بالحرس والشهب وانقضاضها وتهافتها، وتغير الحال عما أَلفناه، أَحَدَثَ ذلك لعذاب وشر يريد - سبحانه - أن ينزله بأَهل الأَرض؟ أَم لخير يريده الله لهم؟ أَو أَننا لا ندري أَن إِرسال محمد الذي من أجله منع استراقنا للسمع وقعودنا في مواضع في السماءِ، أَيكون ذلك نذير عذاب لهم، فإِنهم قد يكذبونه فيهلكونه بتكذيبه كما هلك من كذَّبوا رسلهم من الأُمم السابقة أَم يكون ذلك بشير خير لهم فإِنهم قد يؤمنون به ويهتدون، ولا يخفى ما في قول الجن: (أَشَرٌّ أُرِيدَ) من الأَدب حيث لم يصرحوا بنسبة الشر إِلى الله ﷿ كما صرحوا به في الخير والرشد وإِن كان فاعل الكل هو الله - تعالى - فقد جمعوا بين جم الأَدب وحسن الاعتقاد.
١١ - ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾:
أَي: وأَنا منا الأَبرار المتقون، ومنا قوم دون ذلك في الصلاح وهم المقتصدون غير الكاملين فيه، أَو: ومنا سوى ذلك وهم الطالحون الفاسدون الذين ليس لهم صلاح وهم الكافرون.
(كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) أَي: كنا في اختلاف أَحوالنا مثل الطرائق المختلفة، أو كنا ذوي مذاهب متفرقة؛ فالطرائق - وقد وصفت بالقِدَد - تدل على معنى التقطع والتفرق والاختلاف كأَن كل طريق لامتيازها مقطوعة عن غيرها.
١٢ - ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾:
أَي: وأَننا علمنا وتيقَّنَّا بالاستدلال والتفكر في آيات الله وبما شاهدنا من قدرته أَننا في قبضته وقهره، ولن نعجزه في الأَرض مع بسطها وسعتها وكثرة فجاجها وتشعب طرقها، فلا نفوته إِذا أَراد بنا أَمرًا أَينما كنا فيها، ولن نستطيع أَن نفلت منه ﷿ هربًا إلى السماء، وإِن هربنا فلن نخلص منه؛ وذلك لشدة قدرته وعظيم سلطانه.
[ ١٠ / ١٦١٩ ]
١٣ - ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾:
هذا عود ورجوع من الجن إِلى تذكر نعمة الله عليهم بالإِيمان به واهتدائهم بسماع آيات القرآن وافتخارهم بذلك، وفي الحق إنه لمفخرة وشرف رفيع لهم.
أَي: وأَننا حين سمعنا القرآن العظيم اهتدينا به وآمنا بالله الذي أَنزله، وصدقنا محمدًا ﷺ في رسالته من غير تردد ولا تريث (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا) أَي: فمن يصدق بالله فإِنه لا يخشى نقصانًا من حسناته، وإِنما يجازي عليها كلها الجزاءَ الأَوفى، ولا يخاف - كذلك - أَن يرهق ويشق عليه بالزيادة في آثامه وسيئاته أَو تغشاه ذلة، فَعَدْلُ الله يأتي ذلك قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (^١).
١٥،١٤ - ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ (^٢) فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾:
أَي: وأننا - معشر الجن بعد سماعنا القرآن - مختلفون ومتفرقون؛ منا من انقاد وأَسلم وصدق برسالة محمد ﷺ ومنا من جار وعدل عن الحق، وحاد عن الطريق القويم.
وقد رُوي عن سعيد بن جبير ﵀ أَن الحجاج بن يوسف الثقفي - قال لسعيد حين أَراد قتله: ما تقول فيَّ؟ قال سعيد: قاسط عادل، فقال القوم: ما أَحسن ما قال؛ حسبوا أَنه يصفه بالقِسط والعدل، فقال الحجاج: يا جهلة؛ إِنه سماني ظالمًا مشركًا، وتلا لهم قوله تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)، وقوله - عز شأنه -: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبَّهِمْ يَعْدِلُونَ).
(فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) أَي: فمن انقاد واختار الإِسلام واتبع الرسول ﵊ فأولئك الذين قصدوا الصواب والحق، وتوخَّوْا سبيل النجاة حتى اهتدوا إِلى رشد عظيم لا يبلغ كنهه ومداه إِلا الله.
_________________
(١) الآية ٤٠ من سورة النساء.
(٢) من قسط قسطًا بالفتح، وقسوطًا: إِذا جار وعدل عن الحق، والقسط بالكسر، والإِقساط: العدل.
[ ١٠ / ١٦٢٠ ]
(وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) أَي: وأَما الكافرون الجائرون البعيدون عن الحق والإِيمان فكانوا في سابق علم الله الأَزلي، كانوا حطبًا للنار وقودها الناس، والحجارة؛ تسعر بهم كما تسعر بكفرة الإِنس.
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾