٣٧،٣٦ - ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾:
كان النبي ﷺ يصلي عند الكعبة ويقرأُ القرآن، فكان المشركون يجتمعون حوله حلقًا وفرقًا يستمعون ويستهزئون بكلامه ﵊ ويقولون: إِن دخل هؤُلاءِ الجنة كما يقول محمد ﷺ، فلندخلنها قبلهم، فنزلت الآيات.
[ ١٠ / ١٥٨٤ ]
والمعنى: أَي دافع دفع هؤُلاءِ الكافرين إِلى أَن يسيروا نحوك مسرعين مادي أَعناقهم إِليك مقبلين بأَبصارهم عليك؛ يحلقون عن يمينك وشمالك حلقًا متعددة، يكوِّنون فرقًا شتى كل فرقة تعتزي وتنتسب إِلى غير من تعتزي له الأَخرى. ينكر الله تعالى على المشركين الَّذين كانوا في عهد النبي ﷺ وهم مشاهدون له ولما أرسله الله به من الهدى، وأَيده به من المعجزات الباهرة، ثم هم مع هذا كله معرضون عنه مبالغون في تلمس ما يتخذونه هزءًا به، وسخرية منه حينما يرونه يصلي عنه الكعبة ويقرأُ القرآن قائلين: إِن دخل هؤُلاءِ الجنة - كما يقول محمد - فلندخلنها قبلهم، وقد رد عليهم سبحانه فأَبطل زعمهم حيث يقول ﷿.
٣٩،٣٨ - ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾:
إِنكار لقولهم وردع لهم عن طمعهم الكاذب في دخولها بلا إِيمان، لأَنا خلقناهم من أَجل ما يعلمون، وهو تكميل النفس بالإِيمان والطاعة، أَما من لم يستكملها بذلك، فهو بمعزل عن أَن يتبوأَ متبوأَ الكاملين، فمن أَين لهم أَن يطمعوا في دخول الجنة، وهم مكبون على الكفر والفسوق، وإِنكار البعث وهو معلوم لهم باعتبار سماعهم عنه من النبي ﷺ.
وقيل المعنى: إِنا خلقناهم من نطفة قذرة لا تناسب عالم القدس كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا أَلا يدخل أَحد الجنة إِلاَّ بالإِيمان فلِم يطمع أَن يدخلها من لا إِيمان له؟ وفيه من الإِنكار عليهم والردع لهم ما فيه.
وقيل: الأَقرب أَنه كلام مستأنف (^١) قد سيق تمهيدا لما بعده من بيان قدرته على أَن يهلكهم لكفرهم بالبعث والجزاء، واستهزائهم بالرسول والقرآن، وادعائهم دخول الجنة بطريق السخرية، وأَن ينشيءَ بدلهم قومًا آخرين خيرًا منهم، فإِن قدرته سبحانه على ما يعلمون من أَنه أَنشأَهم النشأَة الأُولى حجة واضحة على قدرته على ذلك. كما تفصح عنه فاء الفصيحة في قوله سبحانه:
_________________
(١) وهو قوله: (إنَّا خَلَقْنَاهُم).
[ ١٠ / ١٥٨٥ ]
٤١،٤٠ - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾:
المعنى: إِذا كان الأَمر كما ذكرنا من أَنه سبحانه أَنشأَهم إِنشاءً من النطقة المذرة كما يعلمون ولم يكونوا شيئًا مذكورًا: فلا أُقسم (^١) برب مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها على قدرتنا البالغة على أَن تهلكهم حسبما تقتضيه جناياتهم، ونعيدهم يوم القيامة بأَبدان أَطوع لله، وأَمثل منهم؛ وذلك لظهور الأَمر واستغنائه عن التحقيق والتأكيد بالقسم لأَن الإِعادة أَهون من البدءِ كقوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (^٢) أَي: بالبعث.
أَو أَنَّ "لَا" رد لكلام سبق للمشركين واجهوا به الرسول وأَصحابه سخرية منهم، واستهزاءً بهم، وطمعًا استحوذ عليهم في دخول الجنة قبلهم، ثم استؤنف فقيل: (أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ) الخ: أي: أَقسم بأَن قدرتنا العظيمة على البعث حقيقة لا شك فيها، وقد شاهدوا من بالغ قدرتنا ما هو أَكبر منه وهو خلق السموات والأَرض، تسخير ما فيها من المخلوقات كما قال تعالى (لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) (^٣) فحقيق بهم أَن يدعوا الجحد والعناد، ويؤمنوا إِيمانًا لا مرية فيه ولا ارتياب بأَننا قادرون على أَن نبدلهم خيرًا منهم، (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) بمغلوبين إِن أَردنا ذلك، لكن إِرادتنا المبنية على الحكم البالغة اقتضت تأَخير عقوبتهم.
٤٢ - ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾:
أَي: فدعهم يا محمد غير مكترث بهم وبما يصنعون من تكذيبهم وباطلهم الذي تعودوا اقترافه ولا تبعأُ بما يأتون به في دنياهم من أَعمال لا نفع فيها، ولا خير منها، وإِنما هي لهو ولعب، واشتغل بما أُمرت به، والأمر في الآية لتهديد المشركين ووعيدهم (حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ) وهو يوم البعث عند النفخة الثانية، وفي ذلك فسيلقون عاقبة ما علموا، ويذوقون وباله، ويتجرعون أَهواله التي لا تنفع معها توبة ولا يجدي عندها ندم
_________________
(١) على أن (لا) نافية للإِقسام.
(٢) الأعراف، من الآية: ٢٩.
(٣) غافر، من الآية: ٥٧.
[ ١٠ / ١٥٨٦ ]
٤٤،٤٣ - ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾:
أَي: إِن يومهم الذي وقع لهم فيه الوعد بما يلاقونه من أَهوال وشدائد لخوضهم ولعبهم، هو يوم قيامهم من القبور إِذا دعاهم الرب - جل وعلا - إِلى موقف الحساب، فإِنهم ينهضون مسرعين يسبق بعضهم بعضًا كما كانوا في الدنيا يهرولون إِلى النصب الَّذي تصبوه للعباده من دون الله، وقد كانوا إذا ما أَبصروه (يُوفِضُونَ) أَي: يسرعون إِليه أَيهم يستلمه أَول وهذا مرْويٌّ عن مجاهد، ويحيى بن كثير وقتادة والضحاك والربيع بن أَنس وابن أَبي زيد وغيرهم وكان الإِسراع إِلى المعبودات الباطلة وسائر الطواغيت من عادة المشركين، وفي تشبيههم عند خروجهم من قبورهم للحساب بما ذكر تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ).
أَي: خاضعة منكسرة لمهانتهم، ووصفت الأَبصار بالخشوع مع أَنه وصف الكل؛ لظهور آثاره فيها (تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) أَي: تغشاهم، وتعم ذواتهم ذلة شديدة وهوان في مقابل ما استكبروا عنه في الدنيا من الطاعة وتظاهروا به من المعصية، وتمادوا فيه من العناد بإِنكار البعث والمعاد.
(ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ): أَي: ذلك الذي ذكر ما سيقع فيه من الأَحوال الهائلة والشدائد المذهلة هو اليوم الذي كان يقع لهم الوعيد به في الدنيا (^١) فكانوا يقابلون هذا الوعيد بالاستهزاء والسخرية والتكذيب، واليوم يرون عذابهم واقعًا، وجزاءَهُمْ محققًا، وكل ما هددوا به ماثلا، وقد عز عليهم النصير، وامتنع المعين.
_________________
(١) بقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ).
[ ١٠ / ١٥٨٧ ]