١ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾:
نوح ﵇ اسم أَعجمي معرب: معناه بالسريانية، الساكن، والمشهور أَنه ﵇ ابن لَمْك - بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف - بن مَتُّوشَلَخَ - بفتح الميم
[ ١٠ / ١٥٨٩ ]
وتشديد التاءِ مضمونة وفتح الشين واللام والخاء - بن أَخنوخ، وفيه عن ابن عباس: كان بين آدم ونوح ﵍ عشرة قرون. بعثه الله لأَربعين سنة، ومكث يدعو قومه أَلف سنة إِلاَّ خمسين عامًا، ومع ذلك لم يؤْمنْ به إِلا قليل، وهو من أُولي العزم، وكان في زمن شاع فيه الكفر وذاع، وقد اشتهر قومه بعباده الأَوثان، وأَكثروا من البغي والظلم والعصيان، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا حتى كثر الناس وانتشروا، وفي التهذيب للنووي - رحمة الله تعالى - أَنه أَطوال الأَنبياء عمرًا، وقيل: إِنه أَطول الناس جميعًا عمرًا مطلقًا، وهو - على ما قيل - أَول من شرعت له الشرائع، وسنت له السنن، وأَول رسول أَنذر على الشرك، وأَهلكت أُمته، ويقول ابن كثير: الحق أَن آدم ﵇ كان رسولًا أرسل إِلى زوجته ثم إِلى بنيه، وكان في شريعته الإِنذار على الشرك، ويقال لنوح: شيخ المرسلين، لأَنه أَطولهم عمرًا، وآدم الثاني.
أَرسله الله إِلى قومه وهم - كما قيل -: سكان جزيرة العرب ومن قرب منهم، لا أَهل الأَرض كافة؛ لاختصاص نبينا ﵊ بعموم البعثة من بين الرسل جميعًا، والذي كان لنوح ﵇ بعد قصة الغرق حدث بمحض الاتفاق لعدم وجود أَحد على الأَرض سوى قومه الناجين مع في السفينة، وفي إِسناد الفعل في قوله سبحانه: (إِنا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ) إِلى ضمير العظمة مع تأكيد الجملة، ما لا يخفى من الاهتمام والاعتناء بإِرساله ﵇ (أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ) أَي: بأَن أنذرهم وخوفهم عاقبة كفرهم من الإِنذار، وهو إِخبار فيه تخويف وترويع، وتكون (أَن) مصدرية فإِن كانت مفسرة كان المعنى: إِنا أَرسلنا نوحًا إِلى قومِهِ، أَي: قلنا له أَمرًا، أَي: أَنذر قومك لما في الإِرسال من معنى القول دون حروفه، فلا محل للجملة من الإِعراب (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) موجع شديد عاجل وهو ما حل بهم بالطوفان كما قال الكلبي أَو آجل وهو عذاب النار كما قال ابن عباس أَو المراد خوف قومك، وحذرهم مما ينزل بهم إِن لم يؤْمنوا حتى لا يكون لهم عذر أَصلا يعتذرون به يوم يؤخذون أَخذ عزيز مقتدر.
[ ١٠ / ١٥٩٠ ]
٤،٣،٢ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾
قول نوح ﵇ استئناف مبني على سؤال نشأَ عن حكاية إِرساله ﵇ بالوجه المذكور وهو الإِنذار، فكأَنه قيل: ماذا فعل ﵇؟ فقيل: قال لهم (يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) بين النذارة ظاهر الأَمر واضحه، لم أَدخر وسعًا في سبيل نصحكم، وهدايتكم إِلى طريق الرشاد؛ من أَجل نفعكم من غير أَن أَسألكم على ذلك أَجرًا
وقوله: (أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) متعلق بنذير في قوله سبحانه: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) على مصدرية (أَن) أَو تفسيريتها، فعلى المصدرية يكون المعنى: إِنِّي نذير لكم بعباده الله وتقواه وإِطاعتي إِلى ما أدعوكم إِليه من الصلاح والفلاح، وعلى تفسيريتها يكون المعنى: إِن نذارتي هي: أَن اعبدوا الله واتقوه وأَطيعون، أَي: قولي، أَي: اعبدوا الله وحده واجتنبوا مآثمه، وأَطيعوني فيما دعوتكم إِليه، وأَمرتكم به وما نهيتكم عنه من عبادة الأَوثان والأَصنام.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أَي: يمح الله عنكم بعض ذنوبكم وهي التي حصلت قبل الإِيمان لأَن الإِيمان يجُبُّ ما قبله كما يرى بعض العلماءِ، كما في قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (^١) وقيل: إِن المراد بالبعض المغفور قبل الإِيمان، هو ما يتعلق بحقوق الله فقط دون ما يتعلق بحقوق العباد كالقصاص ونحوه، أَو هي الذنوب العظام التي وعدكم الله عليها الانتقام - كما قال ابن كثير - وقيل المعنى: يصفح الله لكم عن ذنوبكم، واختاره ابن جرير على أَنَّ (مِنْ) بمعنى (عَنْ) وقد تابت عنها، أَو (من) بيانية بمعنى: يغفر لكم أَفعالكم التي هي الذنوب، كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) (^٢) فهي لبيان مبهم وهو أَفعالهم.
وللتوفيق بين هذه الآية (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) وقوله تعالى: (إِنَّ الله يِغَفْرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) ونحوها لا يبعد أَن الله يغفر الذنوب جميعها لقوم، وبعضها لآخرين، وقيل: جيءَ بمن مع الكفرة مطلقًا في خطابهم دون المؤمنين في جميع القرآن تفرقة بين الخطابين.
_________________
(١) الأَنفال، من الآية: ٣٨.
(٢) الحج، من الآية: ٣٠.
[ ١٠ / ١٥٩١ ]
(وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) المراد به الأَمد الأَقصى الذي قدره الله بشرط الإِيمان والطاعة (^١) وراءَ ما قدره الله لهم على تقدير بقائهم على الكفر والعصيان، وكونهم لا يؤخرون إِلى الأَمد المسمى إِلا بشرط الإِيمان والطاعة صريح في أَن لهم أَجلا آخر لا يجاوزونه وهو ما قدر لهم إِن لم يؤمنوا، وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إِن الطاعة، والبر، وصلة الرحم تزيد العمر. ذكره ابن كثير، لما ورد به الحديث: (صِلَة الرَّحِم تزيدُ في العُمر).
(إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) تعليل لما فهم من تعليقه سبحانه التأخير إلي الأَجل المسمى على الإِيمان، أَي: لأَن أَجل الله الذي قدره سبحانه لكم على تقدير بقائكم على الكفر إِذا جاءَ وأَنتم على حالكم لا يؤَخر عن وقته المقدر له، فبادروا إِلى الإِيمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحقق شرطه وهو بقاؤكم على الكفر، وقيل: المراد بتأخيرهم إِلى الأَجل المسمى تأَخير وقت عذابهم، وذلك بإِمالهم والتجاوز عنهم في الدنيا، فلا يوقع العذاب بهم مدة بقائهم إِلى أَن يأَتيهم العذاب المذكور في قوله تعالى: (مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَهُمْ عَذَابٌ أَليِمٌ) فإِنه أَجل مؤقت حتمًا، وأَما الأَجل بمضي العمر، فهو محدود لا يتقدم ولا يتأَخر كما قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (^٢).
ولو كنتم من أَهل العلم لسارعتم لما أَمركم به نبيكم من الإِيمان والطاعة ليتحقق لكم البقاء إِلى أَجل مسمى، ولكنكم لستم من أَهله في شيء، فلذا لم تسارعوا لما أُمرتم به وآثرتم الكفر والضلال، أَو لو كنتم من أَهله لعلمتم بأَن الأَجل لا يؤَخر لو جاءَ وقته المقدر له، ولكنكم جهلتم ذلك فظللتم في غيكم سائرين.
_________________
(١) حثا لهم على الإيمان بنوح ﵇ وبترك الإِمعان في الكفر والعناد، قيل: إِن الله قضى لهم: إِن آمنوا عمرهم، وإِن كفروا أَهلكهم.
(٢) الأعراف، الآية: ٣٤.
[ ١٠ / ١٥٩٢ ]
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾