٦،٥ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾:
يخبر الله ﷿ عن عبده ورسوله نوح ﵇ أَنه توجه إِليه - سبحانه - مناجيًا وحاكيًا له بقصد الشكوى - وهو أَعلم بحاله - ما لقي من قومه، وصبره عليهم، وما جرى بينه وبينهم من القليل والقال في تلك المدد الطوال، بعد ما بذل في الدعوة غاية المجهود، وجاوز في الإِنذار كل حد معهود، وسلك معهم مختلف الحيل بعزم وتصميم فلم يُجْدِ
[ ١٠ / ١٥٩٣ ]
معهم كل ذلك نفعًا، ولم يؤث ثمرا، حكى كل هذا لربه مناجيًا وشاكيًا فقَال: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) أَي: دعوتهم إلي الإِيمان والطاعة دعاءً متواصلا. شغل ليلي ونهاري من غير فتور ولا توان امتثالا لأَمرك
(فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا) أَي: هَرَبًا مني وبعدا عني، وعما نصحتهم به، ودعوتهم إِليه، وإِسناد الزيادة إِلى الدعاء لسببيته لها على سبيل المجز، كما في قوله تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (^١).
٩،٨،٧ - ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾:
تتابع الآيات ذكر تمادي هؤُلاءِ الكفرة في الضلال واندفاعهم في الإِعراض والتكذيب مما جعله ﵇ يستمر في حكاية شكواه لربه فيقول: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ …) الخ أَي: كلما دعوت قومي إِلى الإِيمان وللاستجابة إِلى ما أَدعوهم إِليه من ترك الشرك والعصيان لتغفر لهم ذنوبهم، وتتجاوز عن سيئاتهم، وتدخلهم يوم الجزاءِ مدخلا كريمًا (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) أَي: سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة إلي الحق. فجعلهم الأَصابع في الآذان كناية عن انصرافهم عن الحق، وقد أَخبر الله من كفار قريش أَنهم كانوا يصنعون مثيل هذا عند استماعهم للقرآن الكريم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (^٢).
ولا مانع من حمل قوله سبحانه: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) على إِرادة الحقيقة بسدها بالأَصابع. (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) بالغوا في التغطي. بها كأَنهم طلبوا منها أن تغشاهم كراهة النظر إِليه من فرط نفورهم من الدعوة، ومقتهم لها، وقال ابن جريج عن ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم، وقال سعيد بن جبير والسّدي: غطوا رءُوسهم لئلا يسمعوا ما يقول.
_________________
(١) الأنفال، من الآية رقم: ٢.
(٢) فصلت، آية رقم: ٢٦.
[ ١٠ / ١٥٩٤ ]
(وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) أَي: أَكبوا على ما هم عليه من الكفر بإِصرار والتزام، وقد صار الإِصرار حقيقة عرفية في الملازمة، والانهماك في الأَمر. قال الراغب: الإِصرار: التعمد في الذنب، والتشديد فيه، والامتناع من الإِقلاع عنه، وقد استكبروا عن اتباع نبيهم ﵇ استكبارًا عظيمًا، وقيل: استكبروا نوعًا من الاستكبار غير معهود قبلهم، والاستكبار: طلب الاتصاف بالكبر من غير استحقاق له.
وحاصل المعنى: أَن نوحًا ﵇ كان كلما دعاهم إِلى دين الحق ليظفروا بمغفرة ربهم عطَّلوا مسامعهم عن سماع الدعوة فجعلوا فيها أصابعهم على الكناية أَو على الحقيقة.
وبالغوا في التغطي بثيابهم كراهة النظر إِليه، ولئلا يعرفهم فيدعوهم إِلى ترك الكفر الذي أَقاموا عليه، وتمسكوا به، واستكبروا عن اتباعه ﵇ والانقياد لدعوته استكبارًا عظيمًا ليسوا أَهلا له.
﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾ أَي: إِني دعوتهم تارة بعد أُخرى ومرة عقب غيرها. يعني أَنها دعوات متتابعة، على وجوه متخالفة، وأَساليب متغايرة، بعد أَن دعاهم في أَوقات متنوعة، وفي ذلك تعميم لوجوه الدعوة بعد تعميم أَوقاتها، و(ثُمَّ) لتفاوت وجوه الدعوة وأَساليبها لا للتراخي الزمني وقوله سبحانه: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا) يشعر بأَن الجهر وقع مسبوقًا بالسر وهو الأليق بمن همُّه الاستجابة؛ لأَنه أَقرب إِليها لما فيه من اللطف بالمدعو عند دعوته به: أَي: أَنه ﵇ افتتح الدعوة بالمناصحة في السر فلما لم يقبلوا ثنَّى بالمجاهرة، فلما لم تؤَثر ثلَّث بالجمع بين الإِسرار والإِعلان.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾
[ ١٠ / ١٥٩٥ ]