٢٢،٢١ - ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾:
يقول تعالى مخبرًا عن نوح ﵇: إِن نوحًا أَنهى إِلى ربه - وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء - أَن قومه عصوه مع أَنه سلك معهم في دعوته إِلى الله الأساليب المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أُخرى، ومع كل ذلك لم يتبعوه، بل خالفوه، وأَسلموا قيادهم لأَبناءِ الدنيا ممن غفل عن أَمر الله، ومُتع بأَموال وأَولاد، وهي في نفس الأمر استدراج وإِمهال وليست لتفضيل وإِكرام. لهذا قال مناجيًا ربه وشاكيًا: (رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي) أي: داوموا على عصياني.
(وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا) أَي: استمروا في إِقبال ورغبة على اتباع رؤسائهم الذين أَبطرتهم أَموالهم وغرتهم أَولادهم وصار ذلك سببًا لزيادة خسارهم في الآخرة زيادة جعلتهم أَهلًا لأَن يكونوا أُسوة وقدوة لأتباعهم في الخسار، وفي أَنهم استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الحياة الفانية على الدار الباقية، وفي وصفهم بما ذكر إِشعار بأَن الأتباع إِنما اتبعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأَموال والأولاد، لا لما شاهدوا فيهم من نهج قويم يدعو إِلى اتباعهم.
(وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا): باتباعهم. قال ابن زيد: أَي كبيرًا في الغاية، ويراد به احتيالهم في الدين، وصدهم للناس عنه وإِغراؤهم وتحريضهم على أَذِيَّة نوح ﵇ ولهذا كان (كُبَّارًا) أَبلغ من (كبير) وإِذا اعتُبر التنوين في (مَكْرًا) للتفخيم زاد أَمر المبالغة في مكرهم وفي عطف هذه الجملة على جملة الصلة وهي قوله تعالى: (لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ …) إِشارة إِلى أَنهم ضموا إلي ضلالهم إِضلال الأتباع في تسويلهم لهم بأَنهم على الحق والهدىة، وأَنهم على شيء نافع. روي أَن بعض الأعراب الجفاة سمع رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية فقال: ما أَفصح ربك يا محمد.
[ ١٠ / ١٦٠٢ ]
٢٤،٢٣ - ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾:
أَي: وقالوا: لا تتركوا عبادة آلهتكم مطلقًا إِلى عبادة رب نوح ﵇ ولا تتركوا عبادة هؤلاءِ الأصنام المذكورة، وخصوها بالذكر مع اندراجها فيما سبق من النهي عن ترك عبادة الآلهة جميعًا لأَنها كانت أَكبر معبوداتهم الباطلة وأَعظمها، وإِن كانت متفاوتة في العظم حسب زعمهم كما يوحي إِليه إِعادة (لا) مع بعضها وتركها مع بعضها.
أَخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: صارت الأَوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أَما وَدّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأَما سواع فكانت لهذيل، أما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأَما يعوق فكانت لهمذان، وأَما نسر فكانت لحمير لآل ذي كَلاع، وهي أَسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇ فلما هلكوا أَوحى الشيطان إِلى قومهم أَن انْصبُّوا إِلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها انصبابا، وسموها بأَسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إِذا هلك أُولئك ونسخ العلم عبدت. أهـ: ابن كثير.
وقيل: هي أَسماءُ رجال صالحين كانت بين آدم ونوح ﵉، وقيل: هم من أَولاد آدم، فلما ماتوا قال إِبليس لمن بعدهم: لو صورتهم صورهم فكنتم تنظرون إِليهم وتتبركون بهم ففعلوا. فلما مات أَولئك قال لمن بعدهم: إِنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم.
وذكر المفسرون في ذلك روايات وقِصصا كثيرة، فمن أَرادها فليرجع إِليها في كتب التفسير.
[ ١٠ / ١٦٠٣ ]
(وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا) أَي: أَضل هؤلاءِ الرؤساءُ خلقًا كثيرًا قبل الذين أَوصوْهم بأَن يتمسكوا بعبادة الأَصنام، فهم ليسوا بأَول من أَضلوهم، ويشعر بذلك المعنى في قوله تعالى: (وَقَدْ أَضَلُّوا) والاقتران بعد حيث أَشار ذلك إِلى أَن الإِضلال استمر منهم إلي زمن الإِخبار بإضلال الطائفة الأَخيرة. وقال الحسن:: وقد أَضلوا، أَي: الأَصنام التي اتخذوها آلهة خلقًا كثيرًا من الناس. فهو كقول الخليل ﵇: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ) (^١) وعود ضمير العقلاءِ عليها وهو واو الجماعة في قول الحسن لتنزيل الأَصنام منزلتهم عندهم وفي زعمهم.
(وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالًا) أَي: قال: رب إنهم عصوني .. الخ، وقال: (وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالًا) والغرض الشكاية وإِبداءُ العجز واليأس منهم وطلب النصرة عليهم، والمراد بالضلال الذي دعا عليهم بزيادته: إِما الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم، فيكون دعاء عليهم بعدم الاهتداء إِلى تيسير أُمور أُخراهم، وإما الضلال بمعنى الضياع والهلاك كما في قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) (^٢)، وهو مأَخوذ من الضلال في الطريق لأَن من ضل فيها هلك. ووضع الظاهر وهو قوله: (وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ) موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، ولتعليل الدعاء عليهم به.
_________________
(١) سورة إبراهيم، من الآية: ٣٦.
(٢) سورة القمر، الآية: ٤٧.
[ ١٠ / ١٦٠٤ ]
﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ المفردات:
(رَبِّ لا تَذَرْ): أَي: لا تترك من الكافرين.
(دَيَّارًا): من يسكن دارا، أَو من يدور ويتحرك في الأَرض ذهابًا وإِيابًا من الدار، أَو الدوران، والمراد: لا تترك منهم أَحدا، والديار من الأَسماءِ التي لا تستعمل إِلاَّ في النفي العام يقال: ما بالدار ديار، أَي: ما بها أَحد.
(إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا): أَي: من سيفجر ويكفر، فوصفهم بما يصيرون إِليه لوثوقه بذلك نتيجة لتجربته الطويلة.
(وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا): أَي: هلاكًا، يقال: تبر يتْبَر من بابي: قتل وتعب: إِذا هلك، ويعدى بالتضعيف فيقال: تبّره الله: إِذا أَهلكه.
[ ١٠ / ١٦٠٥ ]