١٧،١٦ - ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾:
أَي: وأَن لو سار الكفار من الجن والإِنس معتدلين دون ميل أَو جور على الطريقة المثلى والنهج القويم والصراط السوي وهو ما جاءَ به محمد ﷺ من عند ربه لأَسقاهم الله المطر الغدق الكثير، والغيث العميم الذي يحيي الله به نفوسهم، وينبت لهم به الزرع، ويدر الضرع، ويغمرهم في دنياهم بوافر النعم وجليل الخيرات، (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ): لنعاملهم معاملة المختبر لنعلم ما يكون من أَمرهم: أَيكفرون أَم يشكرون، أَي: لنعلم ذلك حاصلًا وواقعًا منهم بعد أَن علمناه قديمًا أَزلا، حتى لا يكون للناس على الله حجة، بعد أَن يظهر ذلك للخلائق، والقول بإِغداق الخير عليهم لاستقامتهم مصداقه قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (^١)، وقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (^٢).
_________________
(١) من الآية ٩٦ من سورة الأَعراف.
(٢) من الآية ٦٦ من سورة المائدة.
[ ١٠ / ١٦٢٢ ]
وقيل المعنى: وأَن لو استقام الجن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل سماع القرآن ولم ينتقلوا عنها إِلى الإِسلام واستمروا على كفرهم لوسعنا عليهم الرزق، وأَغدقنا عليهم من الخير استدراجًا لهم وإِمهالًا وإِملاءً حتى يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ (^١) وقال - سبحانه -: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ (^٢).
والرأَي الأَول أَولى وأَحق بالاعتبار لأَن كلمة (الطريقة) المعرَّفة بالأَلف واللام إِنما ترجع إِلى الطريقة المعروفة المعهودة وهي طريقة الهدى والرشاد. (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا).
أَي: ومن يتولَّ ويَنْأَ عن عبادة ربه ويتجافَ عنها فيجعلها في جانب وهو في جانب يدخله الله في عذاب يعلو طاقة ذلك الشقي المعذب ويشق عليه ويغلبه فلا يطيقه.
١٨ - ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾:
قال مجاهد: كان اليهود والنصاري إِذا دخلوا بِيَعَهُمْ وكنائسهم أَشركوا بالله فيها؛ وذلك أَن النصارى تقول: المسيح ابن الله، واليهود يقولون: عزير ابن الله، فأَمر الله ﷿ نبيَّه والمؤمنين أَن يخلصوا العبادة لله وحده، وأَلاَّ يدعوا مع الله أَحدًا إِذا دخلوا المساجد كلها، هذا وإِن الأَرض جميعًا مساجد للرسول ﷺ ولأَمته، فقد ورد في حديث جابر عن عبد الله الذي أَخرجه البخاري: "وجعلت لي الأَرض مسجدًا وطهورًا، فأَيما رجل من أَمتي أَدركته الصلاة فليصل" وعلى هذا قال: فالمساجد جمع مسجِد - بكسر الجيم - وقيل: المراد بها الأَعضاء السبعة التي يسجد عليها، واحدها مسجَد - بفتح الجيم -
_________________
(١) الآيات - ٣٣،٣٤، ٣٥ من سورة الزخرف.
(٢) الآية ١٧٨ من سورة آل عمران.
[ ١٠ / ١٦٢٣ ]
وهي القدمان والركبتان والكفان والوجه، وروي أَن المعتصم سأَل أَبا جعفر محمد بن علي ابن موسى الكاظم ﵃ عن ذلك فأَجاب بما ذكر، وقيل: المراد المساجد السجدات، على أَن المسجَد - بفتح الجيم - مصدر ميمي، قال الحسن؛ من السنة إِذا دخل الرجل المسجد أَن يقول: لا إِله إِلاَّ الله: لأَن قوله: (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) في ضمنه أَمر بذكر الله ودعائه.
وقيل المعنى: أَفردوا المساجد لذكر الله ولا تتخذوها هزوًا ومتجرًا ومجلسًا ولا طرقًا، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيبًا، وفي الصحيح: "من نشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردَّها الله عليك؛ فإِن المساجد لم تبن لذلك".
هذا، وقد روى الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﷺ كان، إِذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى وقال: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) اللهم أَنا عبدك وزائرك، وعلى كل مَزُور حق، وأَنت خير مَزوُر، فأَسأَلك برحمتك أَن تفك رقبتي من النار" وإِذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى وقال: "اللهم اصْبُبْ عليَّ الخير صبًّا، ولا تنزع عني صالح ما أَعطيتني أَبدًا، ولا تجعل معيشتي كدًّا، واجعل لي في الأَرض جَدًّا) أَي: عِنًى وقال ابن عباس: المساجد هنا مكة التي هي القبلة، وسميت مكة المساجد لأَن كل أَحد يسجد إِليها، أَي: يتخذها قبلة له.
١٩ - ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾:
أَي: وأَن الله أَوحى إِلى رسوله أَنه حين قام ﷺ عابدًا ربَّه ﷿ في صلاة الفجر في بطن نخلة، أَو في سوق عكاظ يؤم أَصحابه كاد الجن يلتصقون يركب بعضهم بعضًا تزاحمًا وتراكمًا عليه؛ متعجبين مما رأَوه من عبادته واقتداء الصحابة به قائمًا وراكعا وساجدًا، وإِعجابًا بما تلاه من القرآن العظيم، لأَنهم رأَوا ما لم يروا مثله وسمعوا ما لم يسمعوا مثله، وقيل المراد: أَن الرسول لما قام يعبد الله تلبدت وتجمعت الإِنس والجن، أَو المشركون، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءَ به ويطفئوا نور الله، فأَبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وينصره ويظهره على من عاداه.
[ ١٠ / ١٦٢٤ ]
٢٠ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾
سبب نزولها: أَن كفار قريش قالوا لرسول الله ﷺ: إِنك جئت بأَمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا فنحن بخيرك؛ فنزلت. فأَمر الله رسوله أَن يجيبهم على قولهم هذا: بأَن ما ترونه من عبادتي لله ورفضي الإِشراك به ليس مما يتعجب منه، وإِنما يتعجب ممن يدعو غير الله ويجعل له شريكًا، أَو أَن يقول لمن تظاهروا وتمالئوا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءَ به: (إِنَّمَا أَدْعُو) يريد ما جئتكم بأَمر مستنكر ولا مستهجن إِنما أَعبد ربي وحده (وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) وليس ذلك مما يوجب اجتماعكم على مقتي وعداوتي.
٢١ - ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾:
أَي: قل يا محمد في محاجة هؤُلاءِ وجدالهم: إِني لا أَقدر أَن أضركم ولا أن أَدفع عنكم ضرًّا، ولا أَستطيع أَن أَجلب لكم نفعًا، إِنما الضار والنافع والمرشد والمُغوي هو الله ﷿ وأَن أَحدًا من الخلق لا قدرة له على ذلك.
٢٣،٢٢ - ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾:
أَي: قل لهم يا محمد: إِنَّني لن يستطيع أَحدٌ أَن يأخذني في جواره ويعيذني ويمنعني من الله إِن أَراد بي أَمرًا وهذا لأَنَّهُمْ قالوا له: اترك ما تدعو إِليه ونحن بخيرك. وإِنني لن أَظفر بملجأ أَركن إِليه أَو معاذٍ أَحتمي وأَلوذ به من غير الله؛ إِذ ملجأَ ولا منجى منه إِلاَّ إِليه، وأَن المخْلصَ والنجاة لا تكون إِلا بأَن أَتبع ما أَمرني به ربي، فأُبلغكم ما أرسلت به إِليكم ولا أَكتم شيئًا كلفني به - سبحانه - وأَوجب عليَّ أَن أُسْمِعَه لكم من غير زيادة أَو نقصان أَمَّا عياذي بكم والتجائي إِليكم - كما تؤملون وترجون - أَو اعتمادي على نفسي في الفِرار من جزاءِ ربي وحسابه فإِنه لا جدوى منه ولا نفع فيه، وقيل المراد: قل لا أَملك لكم إِلاَّ أَن أُبلغكم رسالة ربي، أَما الكفر والإِيمان فلا أَملكهما. (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أَي: ومن يتمرد على الله ويَأبَ الإِيمان به ربًّا
[ ١٠ / ١٦٢٥ ]
وبمحمد رسولا فإن له لا لغيره - من الطائعين الأَتقياء - له عذاب جهنم يخلد ويبقى فيه لا ينفك عنه ولا يزول ولا يبيد.
﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾