١٧ - ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)﴾:
أَي: إِنا اختبرنا أَهل مكة وأَصبْناهم ببليّة وهي القحط بدعوة رسول الله ﷺ حيث قال: (اللهم اشدد وطأَتك على مُضَر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف).
[ ١٠ / ١٥٣٢ ]
(كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ): أَي: مثل ما بلونا أَصحاب الجنة المعروف خبرها عندهم، قيل: كانت بأَرض اليمين قريبا من صنعاء لرجل كان يؤدي حق الله منها فمات فصارت إِلى ولده فمنعوا النَّاس خيرها وبخِلوا بحق الله منها، فكان ما ذكره الله تعالى.
(إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) أَي: إِذ حلفوا ليقطعن ثمارها بعد نضجها واستوائها وقت الصباح قبل أَن يخرج المساكين كي لا يشعر بهم المساكين، فلا يعطونهم منها ما كان أَبوهم يتصدق به عليهم منها.
١٨ - ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾:
قيل: أَي ولا يقولون إِن شاءَ الله، وقيل: المعنى ولا يستثنون منها حصة المساكين كما كان يفعل أَبوهم (وعليه هو معطوف على قوله تعالى: "لَيَصْرِمُنَّهَا" ومقسم عليه مثله).
١٩ - ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾:
المعنى: نزل على الجنة وأَحاط بها من كل جانب بلاءٌ محيط وعذاب.
وعن الفرّاءِ: تخصيص الطائف بالأَمر الذي يأتي بالليل وكان ذلك - على ما قال ابن جريج - عُنُقا من نار خرج من وادي جنتهم (وَهُمْ نَائِمُونَ) في موضع الحال، والمراد: أَتاها ليلا كما روي عن قتادة، وقيل: المراد أَنهم غافلون غفلة تامة عما جرت به المقادير.
٢٠ - ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾:
أَي فأَصبحت جنتهم كالبستان الذي صُرِمت ثماره وقطعت بحيث لم يبق فيها شيءٌ وقال منذر والفرّاء وجماعة: الصّريم: الليل، والمراد: أَصبحت محترقة تشبه الليل في السواد؛ ذكر ابن كثير عن ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ: (إِياكُمْ والمعاصي، وإِن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هُيِّيءَ له) ثم تلا رسول الله ﷺ: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ).
[ ١٠ / ١٥٣٣ ]
٢٢،٢١ - ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾:
أَي فنادى بعضهم بعضا وقت الصباح وذلك للقسم السابق: أَن اخرجوا مبكرين مقلبين على بستانكم إِن كنتم مصرين على الصرم وقطع الثمار، ويحتمل إِن كنتم أَهل عزم وإِقدام على رأَيكم من قولهم: سيف صارم.
٢٤،٢٣ - ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾:
أَي فاندفعوا مسرعين وهم يتشاورون فيما بينهم بطريق المخافتة والمسارّة متواصين قائلا بعضهم لبعض: لا يمكن أَحد منكم اليوم مسكينا من دخول الجنة عليكم، فالنهي عن الدخول للمسكين نهي عن تمكينه من حتى لا يناله من الثمار شيء.
٢٥ - ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾:
أَي وساروا في أَول النهار إلى جنتهم قادرين على (حرد) فيه عدة أَقوال:
(١) هو المنع كما قال أبو عبيدة وغيره، من حَردت السنة: منعت خيرها، وحاردت الإِبل: منعت درها.
والمعنى: وغدوا إِلى جنتهم قادرين على منع لا غير عاجزين عن النفع.
(٢) وقيل المراد: الغيظ، أَي: لم يقدروا إِلاَّ على إِغضاب بعضهم لبعض كقوله تعالى: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ) (^١) وروي هذا عن السّديّ.
(٣) وقيل الحرد: القصد والسرعة، وللحرد معان أُخرى ذكرها القرطبي والآلوسي والزمخشري.
٢٦،٢٧ - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾:
فأَول ما وقع نظرهم عليها ورأَوها سوداءَ محترقة لا شيءَ فيها قد صارت كالليل الأَسود ينظرون إِليها كالرماد، أَنكروها وشكّوا فيها وقالوا مضطربين متحيرين: إِنَّا لضالُّون طريق
_________________
(١) سورة القلم، الآية ٣٠.
[ ١٠ / ١٥٣٤ ]
جنتا، وما هي بها (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) قالوا ذلك بعد ما تأَملوا ووقفوا على حقيقة الأَمر وتيقنوا ما فُعِل بجنتهم مُضربين عن قولهم الأَول، أَي: لَسْنَا ضَالِّين بل نحن محرومون حُرمنا خيرها بجنايتنا على أَنفسنا وسوء نيتنا وقصدنا حرمان الفقراء.
٢٨ - ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾:
قال أَعدلهم وخيرهم: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) أَي: لم أَقل لكم؟! وفي التسبيح قولان:
(١) قيل: المراد الذكر، أَي: هلا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، كان أَوسطهم قال لهم حينما عزموا على حرمان الفقراء: اذكروا الله وانتقامه من المجرمين وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعوا إِلى حسم شرها قبل حلول النقمة، فعصوه فوبّخهم، والدليل على ذلك قولهم بعد هذا: (سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) فتكلموا بما كان يدعوهم إِلى التكلم به على إِثر مقارفة الخطيئة وارتكاب الإِثم.
(٢) وقيل: المراد بالتسبيح - الاستثناءُ: وهو أَن يقولوا إِن شاءَ الله، ويلتقي هذا مع الأَول في معنى التَّعظيم، لأَن الاستثناء تفويض إِلى الله، والتَّسبيح تنزيه له، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم.
٢٩ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾:
قالوا بعد أَن ثابوا إِلى رشدهم ورجعوا إِلى عقولهم: نُسبّح الله ونُنَزّهه عن الظلم وعن كل قبيح، ثم اعترفوا بظلمهم ومنع المعروف عن مستحقيه والبخل بما كان يعطيه والدهم للفقراء والمساكين، وفي تركهم الاستثناء قال ابن كثير: وهكذا أَتوا بالطاعة حيث لا تنفع أَو اعترفوا حيث لا ينجع.
٣٠ - ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠)﴾:
أَي: فأَقبل بعضهم على بعض يلوم كل منهم الآخر في القسم والحلف على منع المساكين أَي يقول: بل أَنت أَشرت علينا بهذا، فإِن منهم - على ما قيل - مَن أَشار بذلك، ومنهم من استحسنه ومنهم من سكت راضيا ومنهم من أَنكره.
[ ١٠ / ١٥٣٥ ]
٣١ - ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)﴾:
أَي قالوا: يا عذابنا وهلاكنا إِنا كنا طاغين - اعتدينا وبغينا وتجاوزنا الحد عاصين بمنع الفقراء: وقال ابن كيسان: طغينا نِعَم الله فلم نشكرها كما شكرها أَبونا من قبل حتى أَصابنا ما أَصابنا.
٣٢ - ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢)﴾:
نرجو الله أَن يعوضنا خيرا من جنتنا ويعطينا بدلا منها ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة إِنَّا إِلى ربنا - لا إلى غيره - راغبون: راجون العفو طالبون الخير.
وعن مجاهد أَنهم تابوا فأُبدلوا خيرا منها.
٣٣ - ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾:
أَي: مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أَهل مكة من الجدب الشديد ومثل ما قصه الله علينا مما أَصاب أَهل هذه الجنة - عذاب الدنيا، والكلام وارد لتحذير أَهل مكة - وتخويفهم كأَنه لما نهى ﷾ نبيه عن طاعة الكفار ورؤَسائهم، ذكر ﷿ أَن تمردهم هو بسبب ما أوتوه من المال والبنين، وعقّب - جل وعلا - - بأَنهم إِذا لم يشكروا المنعم عليهم يؤول حالهم إِلى حال أَصحاب الجنة مشيرا إِلى أَن خُبث النّية وإِنكار حق الفقير إِذا أَفضى بهم إلى ما ذكر من العذاب فإِن إِنكار الحق بمعاندة الرسول ذي الخلق الكريم وقطع رحمه أَولى بأَن يُفْضِي بأَهل مكة إلي البوار والخسران والعقاب.
ثم ذكر ﷾ عذابهم في الآخرة فقال: (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ) أَي: أَعظم وأَشد وأَشقّ وهو تحذير عن العناد، وقوله تعالى: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) نَعْيٌ عليهم بالغفلة وتقريع لهم، أَي: لو كانوا من أَهل العلم لعلموا أَنه أَكبر، ولأَخذوا منه حِذْرهم ولما وقعوا فيما وقعوا فيه.
[ ١٠ / ١٥٣٦ ]
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾