٤٢ - ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾:
لَمَّا ذكر - جلَّ شانه - أَنَّ للمتقين عند ربهم جنات نعيم بيَّن متى يكون ويقع ذلك فقال: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ … الخ) أَي: يوم يكشف عن ساقٍ كان كذا وكذا فأُضمر للتهويل البليغ وأَنَّ ثمَّ من الحوادث والأَخطار ما لا يوصف لعظمه، والمراد بذلك اليوم عند الجمهور: يوم القيامة، والساق: ما فوق القدم، وكشفها: مَثَل في شدة الأَمر وصعوبة الخطب.
[ ١٠ / ١٥٤٠ ]
وقيل: ساقُ الشيء: أَصْلُه الذي به قوامه كساق الشجرة، والمراد: يوم يُكْشف عن أَصل الأَمر فتظهر حقائق الأَشياءِ وأُصولها بحيث تصير عيانًا، وإِلى هذا يشير ما أَخرجه البيهقي عن ابن عباس قال: حين يكشف الأَمر وتبدو الأَعمال.
وذهب بعضهم إِلى أَن المراد بالسَّاق ساقه ﷾ وأَن الآية من المتشابه، واستدل على ذلك مما أَخرجه البخاري ومسلم غيرهما عن أَبي سعيد قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يَكِشفُ ربُّنا عن ساقِه فَيسجُدُ له كلُّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى مَنْ كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا).
وأَنكر ذلك سعيد بن جبير فقد سئل عن الآية فغضب غضبًا شديدًا وقال: إِن أَقوامًا يزعمون أَن لله سبحانه يكشف عن ساقه وإِنما يكشف عن الأَمر الشديد، وعليه يحمل ما في الحديث (الآلوسي).
(وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) أَي: ويدعون إِلى السجود لا تعبدًا وتكليفًا ولكن توبيخًا وتعنيفًا على تركهم إِياه في الدُّنيا وتَحِسيرا لهم على تفريطهم في ذلك، أَو امتحانًا لإِيمانهم.
(فَلا يَسْتَطِيعُونَ): لزوال القدرة عليه، وفيه دلالة على أَنهم يقصدونه فلا يستطيعون ولا يتأَتى منهم، والظاهر أَن الداعي هو الله تعالى أَو الملائكة وقيل: هو ما يرونه من سجود المؤمنين.
٤٣ - ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾:
بين الله - سبحانه - حال من يُدْعَوْن إِلى السجود يوم القيامة فلا يستطيعون بأَنهم خاشعة أَبصارهم، أَي منكسرة ذليلة تلحقهم وتغشاهم مهانة وندامة وحسرة، وقد كانوا يُدْعوْن إِلى السجود في الدنيا وهم سالمون مُعَافُون متمكِّنون منه أَقوى تمكُّن فلا يُجِيبون إِليه ويَأبَوْنه ويَنْفِرون منه تكبرا أَو إِعراضا، لذلك عُوقِبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، روي أَنه كلما أراد أحدهم أَن يسجد خَرّ لقفاه على عكس السجود بخلاف ما عليه المؤمن.
[ ١٠ / ١٥٤١ ]
ذكر القرطبي أَن سعيد بن جبير قال في تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ): كانوا يسمعون (حي على الفلاح) فلا يجيبون، وقال كعب الأَحبار: والله ما نزلت هذه الآية إِلا في الذين يتخلفون عن الجماعات، وكان الربيع بن خيثم قد فُلِج وكان يُهَادَى بين الرجلين إِلى المسجد فقيل: يا أَبا يزيد لو صليت في بيتك لكانت لك رخصة فقال: من سمع حَيّ على الفلاح فليُجب ولو حَبْوًا - ومعنى يُهَادَى - أَي: يمشي بينهما معتمدًا عليهما لضعفه.
٤٤ - ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾:
(فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) أَي: إِذا كان حالهم ما سمعت فَكِل من يُكَذِّب بالقرآن إِليَّ فأَنا أَكْفِيكَه، قال الزمخشري: فكأَنه يقول: حسبك إِيقاعًا به وعقابا له أَنْ تكل أَمره إِليَّ وتُخَلِّي بيني وبينه فأَنا عالم بما يجب أَن يْفْعَل به مُطِيق له وقادر عليه.
وذلك تسلية للرسول وتهديد للمكذبين (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ): استئناف مسوق لبيان كيفية العقاب والتعذيب، أَي: سنستنزلهم إِلى العذاب درجة فدرجة بالإِمهال وإِدامة الصحة وازدياد النعمة. (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) أَي: من الجهة التي لا يشعرون أَنَّ ذلك الإِنعام عليهم استدراج بل يزعمون أَن ذلك إِيثار لهم وتفضيل على المؤمنين مع أَنه سبب هلاكهم.
٤٥ - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾:
(وَأُمْلِي لَهُمْ): وأُمْهلهم بتأخير العذاب وأَمنحهم كثيرًا من النعم ليزدادوا إِثما وهم يحسبون أَن ذلك لإِرادة الخير بهم. (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) إِن تدبيري وعذابي لقويٌّ شديد لا يُدْفع بشيءٍ فلا يفوتني أَحد ولا يعجزني، وسمّى إِحسانه وتمكينه وإِمهاله لهم كيدا كما سمَّاه استدراجًا فيما سبق لكونه في صورة الكيد والاستدراج؛ حيث كان ذلك سببًا لتورطهم في الهلاك والوقوع فيه، والله سبحانه يفعل بهم ما هو نفع لهم ظاهرًا وهو ضرر لهم في الحقيقة لِمَا عَلِم من خُبْث نِيَّتهم وفساد طبيعتهم وتَمَاديِهِم في الكفر والعصيان، ووصف كيده بالمتانة لقوة أَثره في التَّسبُّب للهلاك.
[ ١٠ / ١٥٤٢ ]
٤٦ - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦)﴾:
عاد الكلام إِلى ما تقدم من قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ …) الآية، أَي: أَم تلتمس وتطلب منهم على هدايتك لهم ودعوتهم إِلى الله وإِرشادهم إِلى الإِيمان أَجرًا دنيويًّا وثوابًا ماديًّا فهم من غرامة ذلك مثقلون لِمَا يشق عليهم من بذل المال، فيثبَّطهم ذلك عن الإِيمان بالله والاستجابة لما تدعوهم إِليه فيعرضون عنك سبب ذلك، والأَمر ليس كذلك فليس عليهم كلفة ولا غرامة مالية، بل سيتولون بمتابعتك على خزائن الأَرض في الدنيا ويصلون إِلى جنات النعيم في الآخرة.
٤٧ - ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾:
أَي: بل أَعندهم علم الغيب فهم يكتبون عنه ما يحكمون به لأَنفسهم مِنْ أَنّهم أَفضل منك وأَنهم لا يعاقبون وغير ذلك مِمَّا يدعون، واستغنوا بذلك عن علمك؟! وقيل المعنى: أَينزل عليهم الوحي بهذا الذي يحكمون؟! ليس عندهم شيء من ذلك.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾
[ ١٠ / ١٥٤٣ ]