٤٨ - ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾:
المعنى: فاصبر يا محمد لحكم ربك: وهو إِمهالهم وتأخير نصرتك عليهم مع ما تعانيه منهم من أَذى وكرب وبلاء، فإِن الله سبحانه سيحكم لك عليهم، ويجعل العاقبة لك ولأَتباعك في الدنيا والآخرة، روي أَنه ﷺ أَراد أَن يدعو على ثقيف لَمَّا آذوه حين عرض نفسه على القبائل فنزلت.
(وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ): وهو يونس ﵇ أَي: لا تكن مثله في العجلة والضجر والغضب على قومه، فكان من أَمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له وشروده به في البحار وظلمات اليم (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) حين دعا ربه في بطن الحوت فقال: (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، (وَهُوَ مَكْظُومٌ) أَي: وقلبه مملوء بالغيظ والغضب على قومه) أَي: وقلبه مملوء بالغيظ والغضب على قومه إِذ لم يؤمنوا حين دعاهم إلي الإِيمان فطلب من ربه تعجيل عذابهم، والمراد: ولا يكن حالك كحاله وقت ندائه، ولا يُوجد منك ما وُجِد منه من المغاضبة والدُّعاء على قومه بالعذاب؛ فتُبتلى بنحو بلائه ﵇.
[ ١٠ / ١٥٤٤ ]
٤٩ - ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾:
المعنى: لولا أَن تداركته نعمة من ربه - وهي توفيقه للتوبة وقبولها - لطرح من بطن الحوت بالأَرض الفضاءِ الخالية من الأَشجار وغيرها مذمومًا مُعاقبًا على ما صدر منه، ولكن أدركته رحمة ربه وعنايته به فَطُرِح سقيمًا غير مذموم: أي، غير مبعد عن كل خير، وقيل المعنى: لولا فضلُ الله عليه بقبول توبته وتسبيحه لبقي في بطن الحوت إِلى يوم القيامة ثم نُبِذ بعراءِ القيامة مذمومًا، يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (^١) ذكره القرطبي.
٥٠ - ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾:
(فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ) أَي فتداركه نعمة من ربه فاجتباه، أَي: اصطفاه بأَن رد ﷿ إليه الوحي وأَرسله إِلى مائة أَلف أَو يزيدون، وقيل: استنبأَه إِنْ صَحّ أَنَّه لم يكن نبيًّا قبل هذه الواقعة، وإِنَّما كان رسولًا لبعض المرسلين (فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ) أَي: من الكاملين في الصَّلاح بأَن عصمه - سبحانه - من أَن يفعل فعلًا يكون تركه أَولى.
٥١ - ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾:
المعنى
١ - إِنهم لِشدَّة عداوتهم وبغضهم لك ينظرون إِليك شزرًا وحقدًا بحيث يكادون يزلُّون قدمك ويُزِيلُونك من مكانك، من قولهم: نظر إِلي نظرًا يكاد يصرعني أَو يكاد يأكلني، أَي: لو أَمكنه بنظره الصرع أَو الأكل لفعله.
٢ - وقيل المعنى: إِنهم يكادون يصيبونك بالعين، ولقد كان ذلك معروفًا في بني أَسد، ذكر الآلوسي وغيره أَن الكفار سأَلوا رجلًا منهم أَن يصيب رسول الله بالعين فأَجابهم، فلما مر النبي ﷺ الله عليه وسلم أَنشد الرجل:
قد كان قومُك يحسبونَك سيدًا … وإِخالُ أَنَّك سَيِّدٌ معيون
_________________
(١) سورة الصافات، الآيتان: ١٤٣ - ١٤٤.
[ ١٠ / ١٥٤٥ ]
فعصم الله نبيه ﷺ فنزلت هذه الآية، وذكر نحوه الماوردي والقرطبي وكذلك الكشاف مع اختلاف في بعض العبارات، وعبارة الكشاف: فقال الرجل لرسول الله: لم أَرَ كاليوم رجلًا - يريد بذلك أَنه لم يَرَ رجُلًا مثلَ الرسولِ - فعصمه الله.
ولقد صَحَّ من عدة طرق أَن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر، فالعين حق.
وذلك من خصائص بعض النفوس، ولله تعالى أَن يخص ما شاءَ منها بما شاء.
قال العلامة الآلوسي في تعقيبه على ذلك: وأَنا لا أَزيد على القول بأَنه من تأثيرات النفوس (ولا أُكيِّف ذلك) فالنفس الإِنسانية من أَعجب مخلوقات الله ﷿ وكم طوى فيها أَسرارًا وعجائب تتحيَّر فيها العقول ولا ينكرها إِلاَّ مجنون أَو جهول.
ولا يسعني أَن أُنكر العين لكثرة الأَحاديث الواردة فيها ومشاهدة آثارها على اختلاف الأَعضاء.
ولابن كثير كلام كثير في هذا المقام فليرجع إِليه من أراد.
(لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) أَي: يزلقونك بأَبصارهم وقت سماعهم القرآن؛ وذلك لشدة بغضهم وحسدهم لرسول الله حين سماعه (وَيَقُولُونَ) لغاية حيرتهم في أَمره ﵊ ونهاية جهلهم بما في القرآن من عجائب الحكم وبدائع العلوم ولتنفير الناس منه: (إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ): أَي: ينسبونه إِلى الجنون): أَي: ينسبونه إِلى الجنون إِذا سمعوه يقرأ القرآن، أَي: حكموا بجنونه لسماعهم القرآن منه وهم يعلمون أَنه أَعقل الناس وأَحكمهم، وحيث كان مدار حكمهم الباطل ما سمعوا منه ﷺ من القرآن رَدَّ - سبحانه - ذلك ببيان علو شأن القرآن وسطوع برهانه فقال: (وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ).
٥٢ - ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾:
الأُسلوب يفيد بطلان قولهم وتعجيب السامعين من جرأَتهم على التفوه بتلك الفرية العظيمة
[ ١٠ / ١٥٤٦ ]
أَي: يقولون ذلك والحال أَنَّ القرآن ذِكْرٌ للعالمين، أَي: تذكير لهم وبيان لجميع ما يحتاجون إِليه من أُمور دينهم، فكيف يحكم على من أُنْزِل عليه ذلك بالجنون وهو مطلع على أَسراره طُرًّا، ومحيط بجميع حقائقه خبرًا، وقيل: معنى الذكر: الشرف والفضل لقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) (^١) لِما فيه من الاعتناءِ بما ينفعهم.
وقيل: الضمير (هُوَ) لرسول الله ﷺ وكونه - صلوات الله وسلامه عليه - مذكرًا وشرفًا لجميع العالمين لا ريب فيه.
(والله أَعلم)
_________________
(١) سورة الزخرف من الآية ٤٤.
[ ١٠ / ١٥٤٧ ]