٨ - ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾:
الفاءُ في الآية لترتيب النهي على ما ينبيء عنه ما قبله من اهتدائه ﷺ وضلالهم، وفي هذا حث له على التَّصميم والعزم على عصيانهم ومخالفتهم.
والمعنى: فَدُمْ على ما أَنت عليه من مخالفة المكذبين وعدم طاعتهم، وتَشَدَّد في ذلك، ويجوز أن يكون نهيًا عن مُداهنتهم ومُداراتهم بإِظهار خلاف ما في ضميره ﷺ استجلابًا لقلوبهم، لا نهيًا عن طاعتهم حقيقة، وعُبّر عن المداهنة بالطاعة للمبالغة في التفسير.
٩ - ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾:
المعنى: تمنّوا وأَحبوا لو تُلاينهم وتُصانعهم وتنزل على رغبتهم أَحيانًا (فَيُدْهِنُونَ) أَي فهم يدهنون ويلاينونك ويصانعوك حينئذ، فالفاءُ للسببية داخلة على جملة اسمية مسببة عمَّا قبلها.
وقيل المعنى: أَنهم يدهنون الآن طمعًا في ادهانك واستجابتك لهم ومشاركتهم في بعض عبادتهم.
_________________
(١) سورة الدخان، الآية: ٤٧.
(٢) أصله من الزنمة (بفتحات) وهي ما يتدلى من الجلد في العنق، أو الفلقة من أذنه تشق فتترك معلقة، شبه بها الدعي لأنه زيادة معلقة في غير أهله. أهـ. آلوسي.
[ ١٠ / ١٥٢٨ ]
١٠ - ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾:
المعنى: وتمسك بما أَنت عليه من عدم طاعة كل كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى بهذا النهي زجرًا لمن اعتاد الحلف لأَنه جُعِل فاتحة العيوب وأَساس الباقي من الذنوب، وكثرة الحلف تدل على عدم استشعار عظمة الله ﷿ وذلك أَصل كل شر. (مَهِينٍ) أَي: حقير وقال الرماني: المهين: الوضيع، لإِكثاره من القبيح. وعن ابن عباس: الكذاب.
١١ - ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾:
(هَمَّازٍ) أَي: عيَّاب طعَّان أَو مغتاب (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ): نقَّال للحديث من قوم إلي قوم على وجه الإِفساد بينهم، فهو يحرض بعضهم على بعض لفساد ذات البين وهي الحالقة.
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: [إِنَّهُمَا يُعذَّبان وما يعذبان في كبير، أَما أَحدهما فكان لا يستتر من البول، وأَما الآخر فكان يمشي بالنميمة]، وروى الإِمام أَحمد عن رسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة قَتَّات):
أَي: نَمَّام. والأَحاديث في ذلك كثيرة.
١٢ - ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾:
(مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ): أَي: بخيل ممسك بالمال، من منع معروفه عنه: إِذا أَمسكه، أَو منَّاع أَهله الخير وهو الإِسلام، قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي كان مُوسِرًا وكان له عشرة من البنين وكان يقول لهم ولأَقربائه: من أَسلم منكم منعته رِفْدِي وعطائي.
روي ذلك عن ابن عباس، وعنه أيضًا أَنه أَبو جهل، وقيل غيرهما.
(مُعْتَدٍ): مجاوز في الظلم حَدَّه. (أَثِيمٍ) أَي: كثير الآثام، والمراد بها المعاصي والذنوب.
١٣ - ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾:
(عُتُلٍّ): أَي: غليظ جاف، وإِنَّمَا نهى - سبحانه - عن طاعة العُتُلّ وجعل غلظته أَشد معايبه لأَنه لقسوة قلبه وغلظ طبعه يجتريء على كل معصية.
[ ١٠ / ١٥٢٩ ]
(بَعْدَ ذَلِكَ) أَي: بعد ما عدّ له من المثالب والنقائص. (زَنِيمٍ) دَعِيّ مُلْحق بقوم ليس منهم، والمراد به ولد الزِّنا كما جاءَ بهذا اللفظ عن ابن عباس، وكذا جاءَ عن عكرمة وأَنشد:
زنيم ليس يعرف من أَبوه … بغيّ الأُم ذو حسب لئيم
وإِنما نهي عن طاعة الدّعيّ لأَن الغالب أن النطفة إِذا خبثت خبث خبث الناشيء منها، وعن سعيد بن جبير: الزَّنيم الذي يُعْرَف بالشر كما تُعْرف الشاة بزنمتها وهي ما يتدلى من رقبتها كما سبق بيانه في المفردات: والزنيم، الملصق.
قال ابن كثير: والأَقوال في الزنيم كثيرة، وغالبها يرجع إِلى ما ذهب إِليه سعيد بن جبير، وكثيرًا ما يكون دعيا ولد زِنا فإِنه في الغالب يتسلَّط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره. أ. هـ بتصرف.
١٤ - ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾:
هذا الكلام متصل بقوله - سبحانه -: (وَلا تُطِعْ …) الخ أَي: لا تطع مَن هذه عيوبه ونقائصه بسبب كونه موُسرًا معتدًّا بماله مُنْجِبًا مُعْتَزًّا ومتقويًّا بأَبنائه.
١٥ - ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾:
استئناف جري مجرى التعليل للنّهي عن اتباعه، والمعنى: إِذا يُقْرأُ عليه القرآن كَذَّب ولم يؤمن بما جاءَ به وقال: هذا قصص الأَولين وخرافاتهم وأَكاذيبهم الواردة في كتبهم، ويجوز أَن يكون قوله - تعالى -: (أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) متصلًا بما بعده.
والمعنى: لأَن كان صاحب مال ومستظهرا بالنبين كذب بآياتنا، وأَعرض عنها إِذا يتلى عليه القرآن قال: أساطير الأَولين وأَباطيلهم، فجعل الكفر مكان الشكر والتكذيب موضع التصديق والإِيمان.
١٦ - ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾:
أَي: سنجعل على أَنفه سمة دائمة وعلامة لازمة لا تفارقه، يُعيّر ويفتضح بها أَمام الناس فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإِذلال والمهانة، لأَنَّ السِّمة على الوجه شين حتى إِنه ﷺ نهى (^١) عنه في الحيوانات، فكيف بها في الإِنسان وعلى أَكرم موضع منه وهو الأَنف
_________________
(١) ذكر الزمخشري أن العباس عم النبي وسم أبا عرة في وجوهها فقال رسول الله ﷺ: "أكرموا الوجوه" فوسمها في جواعرها (جمع جاعورة وهي ما حول الدبر كما جاء في الصحاح).
[ ١٠ / ١٥٣٠ ]
لتقدمه، لذا جعلوه مكان العز والحميّة واشتقوا منه الأَنفة، وقالوا: فلان شامخ الأَنف، وفي لفظ (الخرطوم) استخفاف به واستهانة؛ لأَنه لا يستعمل إِلا في الفيل والخنزير، ففي التعبير على الأَنف بهذا الاسم تقوية لما دل عليه الوسم على العضو المخصوص من الإِذلال، والمراد: سنهينه في الدنيا ونذله غاية الإِذلال.
وكون الوعيد المذكور في الدنيا هو المروي عن قتادة وذهب إِليه جمع، وقيل: هو في الآخرة، يُوسم يوم القيامة على أَنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره.
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾
[ ١٠ / ١٥٣١ ]