٤ - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾:
لما ذكر الله - سبحانه - الحاقة وبين خطرها وعظم شأنها أَتبع ذلك بذكر من كذب بها من الأُمم السابقة، مع بيان ما حل بهم من النكال والعذاب بسبب تكذيبهم وذلك تذكيرا لأَهل مكة وتخويفًا لهم من عاقبة ما هم عليه من العناد والتكذيب.
والقارعة: هي التي تقرع الناس وتخيفهم وتفزعهم، وتقرع السماء بالانشقاق، والجبال والأَرض بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والسقوط، وجاءَت (القارعة) موضع الحاقة أَو ضميرها زيادة في وصف شدتها وتهويل أَمرها، كذبت ثمود قوم صالح ﵇ وكذبت عاد قوم هود ﵇ بهذا اليوم.
٥ - ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾:
هذا بيان لما سبق وتفصيل لما أَجمل، وذلك ذكر ما حاق ونزل بهؤُلاءِ وأُولئك من العذاب فأَخبر - سبحانه - أَن ثمود قد أَهلكهم الله بالطاغية، وهي الواقعة المجاوزة للحد في الشدة والقوة، وهي الصيحة التي زادت وتجاوزت كل الصيحات، وقال بعضهم: إِنها الرجفة والزلزال المسبب عن الصيحة، وقيل: إِن المراد من الطاغية هو ذلك الرجل الذي أَقدم على عقر الناقة واسمه قُدار بن سالف، وقد أَهلكهم الله جميعا لأَنهم رضوا بفعله ومالأوه.
[ ١٠ / ١٥٥٢ ]
٦ - ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾:
وهذا نوع آخر من العذاب أَنزله الله على عاد قوم هود ﵇ لما كذبوا رسولهم واستهانوا به وقالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ (^١) فأَهلكهم الله بريحٍ شديدة الصوت، أَو بريح باردةٍ (^٢) كأَنها التي كرر فيها البرد وكثر حتى تحرق بشدة بردها، وهذه الريح هي الدَّبُور، ففي الحديث الذي أَخرجه البخاري ومسلم يقول ﷺ: "نُصِرْتُ بِالْصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ" والمراد من وصفها بالعتو أَنها قد بلغت منتهاها ووصلت غايتها في القوة والشدة، أَو عتت على عاد فلم يقدروا على ردّها بحيلة من استتار ببناءٍ أَو استناد إِلى جبل أَو اختفاءٍ في حفرة؛ فإِنها كانت تنزعهم من مكانهم وتهلكهم.
٧ - ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾:
هذا بيان لكيفية إِهلاكهم بالريح، أَي: سلط الله تلك الريح وأَرسلها عليهم سبع ليال وثمانية أَيام متتابعات دون فتور أَو انقطاع حتى قطعت دابرهم واستأصلت شأْفَتهم، أَو أَن تلك الليالي والأَيام كانت نحسات مشئومات عليهم، وقيل إِنها هي أَيام العجوز وإِنما سميت بذلك لأَن عجوزا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأَهلكتها، وقيل: هي أَيام العجز وهي آخر الشتاءِ فترى وتبصر يا من تتأَتى منك الرؤْية - إِن كنت حاضرًا حينئذ - ترى هؤُلاءِ القوم في تلك الليالي والأيام، أو في مهاب الريح موتى وهلكى، يشبهون ويماثلون أُصول نخل خالية الأَجواف لا شيء فيها؛ لأَن الريح تسلطت عليهم فكانت تدخل أَجوافهم فتصرعها وتخرج أَحشاءَهم، أَو خاوية بمعنى بالية؛ لأَنها إِذا بليت خلت أَجوافها، فشبهوا بعد أَن هلكوا بالنخل الخاوية، وتشبيههم بأَعجاز النخل يشعر بأَنهم كانوا عظامًا في خلْقِهِمْ وأَجسامهم.
_________________
(١) من الآية ٥٤ من سورة هود.
(٢) الصر - بالفتح -: مصدر (صرصرته) إِذا شددته، والصر - بالكسر -: البرد.
[ ١٠ / ١٥٥٣ ]
٨ - ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾:
أَي فهل ترى وتبصر لَهم من بقية؟ أَو من نفس باقية؟ أَو من بقاء؟!
وذهب قوم إِلى أَن هؤُلاءِ القوم لم يبق من نسلهم أَحد واستدل بهذه الآية على قوله.
٩ - ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩)﴾:
أَي وجاءَ فرعون - ذلك الجبار الطاغي - ومن سبقه من الأُمم التي كفرت كثمود وعاد ومن تبعهما من الأَعوان والجنود، وجاءَ أَيضًا أَهل تلك القرى الذين كذَّبوا نبي الله لوطا ﵇ فكفأَ وقلب جبريل ﵇ تلك القرى ومن فيها، وجاء هؤُلاء وأُولئك جميعًا بالفعلة ذات الخطأ الجسيم والإِثم العظيم.
١٠ - ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾:
بيّن الله في تلك الآية ذلك الخطأَ الشديد والفعلة الشائنة المنكرة وأَبان عقوبتها، بينها - سبحانه - بأَنها كانت عصيان كل أَمة لرسولها حيث لم ينتهوا عما نهاهم عنه مما كانوا يفعلونه من أَلوان القبائح وضروب الفواحش، فأَنزل الله بهم من العذاب الشديد ما يتوافق ويتناسب مع قبح أَفعالهم وشناعة عصيانهم؛ فأَخذهم أَخذة زائدة شديدة.
١١ - ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾:
هذا بيان لفضل من الله ومنة على المؤمنين، وزجر وتهديد للكافرين، أَي: إِننا وقت أَن طغى الماءُ وتجاوز حده المعتاد حتى علا وارتفع فوق كل شيءٍ، وذلك بسبب إِصرار قوم نوح ﵇ على ضروب المعاصي والكفر ومبالغتهم في الاستهزاءِ به، وفي تكذيب ما جاءَ به من الأَحكام والشرائع التي من جملتها أخبار وأَحوال يوم القيامة، إِننا بقدرتنا - وتفضلا منا - جعلناكم ذرية من نجا من الغرق بسبب إِيمانهم بالله وطاعتهم لنبيه نوح ﵇ ورفعنا آباءَكم وأَنتم في أَصلابهم فوق الماءِ إِلى انقضاءِ أَيام الطوفان، ورفعنا آباءَكم في السفينة الجارية بأَمرنا وحفظنا، وأَغرقنا الكافرين ببغيهم وعصيانهم.
[ ١٠ / ١٥٥٤ ]
١٢ - ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾:
أَي: لنجعل تلك الفعلة - وهي إِنجاءُ المؤمنين وإِغراقُ الكفرة - عظة وعبرة لكم، ولكي تحفظها في نفسها وتسمعها وتعمل بها أُذن من شأنها أَن تحفظ وتعي ما ينبغي حفظه، وذلك بأَن تتفكر فيه وتتذكره وتشيعه ولا تضيعه بترك العمل به، وعن قتادة: الواعية: هي التي عقلت عن الله - تعالى - وانتفعت بما سمعت من كتاب الله ﷿.
وجاءَ قوله تعالى: (أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) على الإِفراد والتنكير للإِشعار بأَن الذين يعون ويعقلون ما يسمعون ويعلمون به هم قلة في هؤلاء القوم، ولتوبيخ النَّاس ولومهم بقلة من يعي منهم، وللدلالة - أَيضًا - على أَن الأُذن الواحدة إذا وعت وعقلت من الله فهي المكرمة عند الله، وأَنَّ ما سواها لا يلتفت إِليهم وإِن امتلأَ العالم بهم.
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾