بعد أَن بين - سبحانه - أَن الساعة واقعة لا محالة، وأَن الناس جميعا محاسبون على أَعمالهم، وذكر - جلت قدرته - أَحوال السعداءِ والأَشقياءِ في هذا اليوم - بعد أَن بين ذلك - ختم الكلام في هذه السورة الكريمة بتعظيم القرآن فقال:
[ ١٠ / ١٥٦٤ ]
٣٩،٣٨ - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾:
أَي: فأُقسم وأَحلف بما تبصرونه وتشاهدونه مما خلق الله وأَبدعه وجعله دليلا على كمال قدرته وعظيم إِتقانه وإِبداعه، وأُقسم بما لا تبصرونه مما خفى واستتر عنكم من مثل: ذاته سبحانه وأَسرار قدرته وبعض مخلوقاته التي لم يأذن لكم في الاطلاع عليها، وما خفي ودق من نعمة الباطنة وكلمة (لَا) على هذا في قوله: (فَلا أُقْسِمُ) لتأكيد القسم وليست للنفي، وقيل: إِنها نافية للقسم، كأَنه قال: لا أُقسم على أَن القرآن قول رسول كريم لأَن الأَمر لوضوحه يستغني عن القسم والحلف عليه وقيل: (لَا) لكلام سبق، أَي: ليس الأَمر كما يقوله المشركون، ثم ابتديء بعد ذلك بالقسم.
٤٠ - ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾:
أَي: إن القرآن الكريم يقوله ويتكلم به رسول من عند الله، أَي: يبلغه عن الله وليس لهذا الرسول بعد ذلك ولا قبله شأن فيه، والظاهر أَن المراد من الرسول في الآية الكريمة هو سيدنا محمد ﷺ لأَنه هو الذي كان يصفه قومه بالشعر والكهانة وقيل هو جبريل ﵇.
٤١ - ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾:
أَي وليس القرآن بقول شاعر لأَنه يباين ويختلف عن ضروب الشعر وأَغراضه، إذ إِنه التشريع المحكم، والقول الفصل، والجد الذي ليس بالهزل، أَما الشعر فإِنه يخوض في الأُمور كلها جدها وهزلها، فالشعراء في كل واد يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) أَي: أَنهم لا يؤْمنون أصلا؛ فالعرب تقول:: قلَّما يأتينا وهم يريدون أَنه لا يأتينا، أَو أَنهم يؤْمنون ولكنهم سرعان ما يرجعون عن إِيمانهم، وذلك كما حدث من الوليد بن المغيرة فإِنه بعد أَن وصف القرآن الكريم ونعته بأَنه ليس من كلام الإِنس ولا من كلام الجن، وأَنه ليعلو ولا يُعلى عليه … إِلى آخر ما قال، رجع واستكبر فقال: إِن هذا إِلاَّ سحر يؤْثر.
[ ١٠ / ١٥٦٥ ]
وقال الفخر الرازي في قوله تعالى: (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ): إِلاَّ أَنكم لا تقصدون الإِيمان فلذلك تعرضون عن التدبر، ولو قصدتم الإِيمان لعلمتم كذب قولكم: إِنه شاعر لمفارقة هذا التركيب ضروب الشعر.
٤٢ - ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾:
أَي: ليس القرآن - أَيضا - بقول كاهن؛ لأَن الكهان تلهمهم وتمدهم الشياطين بالغي والضلال وقد نزل القرآن بسب الشياطين وشتمهم؛ فلا يعقل أَن يكون من مدهم وإِلهامهم غير أنكم أَيها المكذبون لا تتذكرون كيفية نظم القرآن واشتماله على شتم الشياطين ولعنهم والتحذير منهم، ولو تذكرتم ذلك لأَدركتم أَنكم تتخبطون في أَقوالكم وتكذبون أَنفسكم.
٤٣ - ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾:
أَي: أن القرآن العظيم كلام رب العالمين؛ لأَنه تنزيله، أَما أَنه ينسب قوله إِلى جبريل ﵇ فلأَنه نزل به من عند الله، أَو أَنه قول سيدنا محمد ﷺ فلأَنه أَنذر وبشر الخلق به، فكل من جبريل ﵇ ومحمد ﷺ لا دخل في القرآن الكريم إِلا بالنزول به من عند الله بالنسبة لأمين الوحي جبريل ﵇ وبتبليغ ما أَنزل عليه للناس كافة بالنسبة لرسولنا محمد ﷺ.
٤٧،٤٦،٤٥،٤٤ - ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾:
أَي: لو ادعى ونسب إِلينا محمد من قبل نفسه لم نقله لمنعناه بالأَخذ بيمينه، وهذا تصوير للانتقام منه على أَبشع صورة كما يفعل الجبابرة بمن يريدون التنكيل بهم، من ذلك: بأَن نسلبه قوته، أَو ننتقم منه بالحق بأَن نقيض ونهيء له من يعارضه فيه ويبطل قوله حتى يظهر كذبه لئلا يشتبه الصادق بالكاذب، ثم كانت عاقبته أَننا نقطع العرق المتصل بقلبه حتى يقضى عليه ويموت
(فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) أَي: فلا يقدر أَحد من الناس أَن يحجزنا ويمنعنا ويحول بيننا وبينه في أَخذ بيمينه، أَو في قطعنا وتينه؛ إِذ ليس ذلك في قدرة أحد أَو في إِمكانه.
[ ١٠ / ١٥٦٦ ]
ولما لم يحدث من ذلك شيء كان محمد ﷺ رسولا من عند الله يبلغ عنه - سبحانه - إِنذار وتبشيرا، وسميت الأَقوال المفتراة المتقولة أَقاويل تحقيرا لها وتصغيرا لشأنها، كقولهم الأعاجيب والأَضاحيك (^١).
﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾