[ ٢١٢ ]
ابن عطية، كان القرآن في مدّة رسول الله ﷺ متفرقًا
[ ٢١٣ ]
في صدور الرجال.
قلت: في صحيح مسلم: " جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت ورجل من الأنصار يكنى أبا زيد ".
قال المازَرى: هذا الحديث مما ذهب بعض الملحدة في طعنها وحاول بذلك القدح في الثقة بنقل القرآن، ولا مستروح لها في ذلك لأنّا لو
[ ٢١٤ ]
سلمنا الأمر كما ظنوا وأنه لم يُكَمِّل القرآن سوى أربعة فقط، فقد حفظ جميع أحزابه خلائق لا يحصرون، ولا من شرط كونه متواترًا أن يحفظ الكل، بل الشيء الكثير إذا روي جزءًا منه خلق كثير عُلِم ضرورة، وحصل متواترًا، ولو أن قصيدة رَوى كلَّ بيتٍ منها مائةُ رجل مثلًا، ولم يحفظوا غيره من أبياتها لجعلت كُلها متواترة. فهذا الجواب عن قدحهم. وأما الجواب عن سؤال من سأل من الإِسلامين عن وجه الحديث، فهو أن يقال له: قد عُلِمَ ضرورة من تدين الصحابة ومبادرتهم إلى الطاعات، والقَرَب التي هي أدنى منزلة من حفظ القرآن. ما يعلم منه مع كثرتهم استحالة أن لا يحفظه منهم إلا أربعة، كيف ونحن نرى أهل عصرنا يحفظه منهم ألوف لا تحصى مع نقص رغبتهم في الخير عن رغبة الصحابة، فكيف بهم على جلالة قدرهم؟! وهذا معلوم بالعادة.
ووجه ثانٍ وهو أنَّا نعلم أن القرآن كان عندهم من البلاغة حيث هو.
وكان كفار الجاهلية يعجبون من بلاغته ويحارون فيها، فتارة ينسبونه إلى السحر، وتارة ينسبونه إلى أساطير الأولين، ونحن نعلم من عادة العرب شدّة حرصها على الكلام البليغ، وتحب كما له، ولم يكن لها شغل سوى ذلك فلو لم يكن للصحابة باعث على حفظ القرآن سوى ما ذكرناه لكان من أدل الدلائل على أن هذا الحديث ليس على ظاهره وأنه متأول.
وطريق آخر وهو ما ثبت في الأخبار بنقل الثقات من كثرة من حفظ القرآن جزم أن النبي - ﷺ - بلَّغه أصحابه. وقد عددنا من حفظ ذلك منهم، وسمينا نحو خمسة عشر صاحبًا ممن نُقِلَ عنه حفظ جميع القرآن في كتابنا المترجم بـ " الواضح في قطع لسان النابح " وهو كتاب تقصينا فيه كلام رجل وصف نفسه بأنه كان من علماء المسلمين ثم ارتد، وأخذ يلفق
[ ٢١٥ ]
قوادح في الإِسلام فتقصينا أقواله في هذا الكتاب وأشبعنا القول في هذه المسألة، وبسطناه في أوراق، وقد أشرنا فيه إلى تأويلات الحديث المذكور، وذكرنا اضطراب الرواة في هذا المعنى فمنهم من زاد في هذا العدد، ومنهم من نقص منه، ومنهم من أنكر أن يجمعه أحد، وأنه قد يتأول على أن المراد به لم يجمعه بجميع قراءاته السبع، وفقهه، وأحكامه، ومنسوخه سوى أربعة، ويحتمل أيضا أن يراد به أنه لم يذكر أحد عن نفسه أنه أكمله في حياة النبيّ - ﷺ - سوى هؤلاء الأربعة؛ لأن من أكمله إذ ذاك غيرهم كان يتأول نزول القرآن ما دام ﷺ حيًّا فقد لا يستجيز النطق بأنه أكمله وهؤلاء استجازوا ذلك، ومرادهم أنهم أكملوا الحاصل منهم. ويحتمل أيضا أن يكون من سواهم لم ينطق بإكماله خوف الرياء، واحتياطًا على حسن النية كفعل الصالحين في كثير من العبادات.
وأظهر هؤلاء ذلك؛ لأمنهم على أنفسهم، وكيف تعرف النقلة أنه لم يكمله سوى أربعة، والصحابة متفرقون في البلاد هذا أيضا لا يتصور حتى يَلْقَى الناقل كل رجل منهم فيخبره عن نفسه أنه لم يكمل القرآن، وهذا بعيد عادة. وكيف وقد نقل الرواة إكمال بعض النساء لقراءته وقد اشتهر حديث عائشة - ﵂ - وقولها: " كنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن "، وأيضا لم يُذْكَر في هؤلاء الأربعة أبو بكر، وعمر - ﵄ - كيف يحفظ القرآن من سواهما دونهما؟!. وأيضا يحتمل أن يكون أخبر عن علمه أو أراد من أكمله من الأنصار - ﵃ - وإن كان قد
[ ٢١٦ ]
أكمله من المهاجرين - ﵃ - خلق كثير.
قلت: وهذا تأويل أبي عمر في " الاستيعاب " في حرف القاف عند ذكره قيس بن السَّكن.
عياض: لو لم يكن تأويل الفرض من هذا الحديث ورفع إشكاله إلا ما تواتر به الخبر أنه قُتِلَ يوم اليمامة في خلافة أبي بكر سبعون ممّن جمع القرآن، وهي سنةُ وفاةِ النبيّ ﷺ، وأول سنة خلافة أبي بكر - ﵁ - فانظر من بقي ممّن جمعه ولم يُقتل فيها، وممّن لم يحضرها، وبقي بالمدينة، ومكة وغيرهما من أرض الإسلام حينئذ.
[ ٢١٧ ]
ابن عطية: ترتيب الآي في السور، ووضع البسملة في الأوائل هو من النبيّ ﷺ.
قلت: ويحتمل ذلك باجتهاد منه ﷺ، وبوحي.
[ ٢١٨ ]