الكلام في قولنا قبل قراءة القرآن العظيم:
أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم
قال أهل المعرفة: هذه الكلمةُ وسيلةُ المتقرِّبين (^١)، واعتصامُ الخائفين، وعُتْبَى (^٢) المجرمين، ورُجعَى الهاربين، ومباسطةُ المحبِّين، وهو امتثالٌ لقول (^٣) ربِّ العالمين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
ونزولُها كان عند إلقاءِ الشيطان في تلاوةِ النبيِّ -ﷺ- ما (^٤) قصَّ اللَّه تعالى في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] وسيأتيكم بيانه إن شاء اللَّه تعالى في موضعه، وباللَّه العصمة والتوفيق.
ومعنى أعوذ: أَلْتَجِئ، وقيل: أستَعْصِم، وقيل: أستَجِير، وقيل: أستعينُ، وقيل: أستغيثُ.
وفارسيتُه: (مي اندخشم ويناه مي خواهم، ونكاه داشت مي خواهم، وامان مي خواهم، وقاري مي خواهم، وفرياد مي خواهم) (^٥).
والعَوذُ والعيَاذُ مصدرانِ: كاللَّوذِ واللِّياذِ، والصَّوم والصيام.
وقيل: هو الاستجارةُ بذي مَنَعةٍ.
_________________
(١) في (أ): "المقربين".
(٢) في (ر): "وعقبى".
(٣) في (أ) و(ف): "قول".
(٤) في (ف): "كما".
(٥) في هامش (ف): "تعريب الفارسية: قوله إلى: فرياد مي خواهم، تفسير لما قبله من الأقوال في تفسير أعوذ على الترتيب".
[ ١ / ١٩ ]
وقيل: هو الاستعانة (^١) عن خضوعٍ.
وقيل: هو مأخوذٌ من العُوَّذ -بضمِّ العين وتشديدِ الواو-: وهو كلُّ نبتٍ في أصلِ شجرة يَتستَّر بها، قال الشَّاعر:
خَليليَّ خُلْصانَيَّ لم يُبْقِ حبُّها من القلبِ إلا عُوَّذًا سينالُها (^٢)
فعلى هذا: العَوْذُ: هو التستُّرُ بسِتر اللَّه الجميل، والتبوُّءُ في ظلِّ حمايته الظَّليل.
وقيل: هو من العوَّذ بهذه الصيغة، وهو اللحمُ الذي لَصِقَ بالعظم، يقال: أطيبُ اللَّحم عوَّذُه، فعلى هذا: العَوْذُ: هو الانقطاعُ عن غيرِ اللَّه تعالى، والاتِّصالُ باللَّه تعالى.
وقولُ القائل: أعوذ، إخبارٌ عن فِعله، وهو في التقدير: سؤالُ اللَّه تعالى من فضله؟ أي: أعِذْني يا ربّ، كما يقول القائل: أستغفرُ اللَّه؛ أي: اغفرْ لي يا ربّ، وهو احترامٌ واستعظام، لا انبساطٌ واجترام (^٣)، ولولا سَبْقُ الأمر به لم يتيسَّر الإقدام (^٤).
ثم هذا الأمرُ عند بعض الناس يقتضي وجوبَ الاستعاذة بعد الفراغِ من القراءة، فإنَّ الفاء للتعقيب، وعند عامَّة الناس (^٥) هو قبلَ القراءة، ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾: فإذا أردتَ قراءةَ القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]،
_________________
(١) في (ف): "الاستغاثة".
(٢) البيت للكميت كما في "التاج" (مادة: عوذ)، ودون نسبة في "الصحاح" (مادة: عوذ)، و"مجمل اللغة" (ص: ٦٣٦)، و"المخصص" لابن سيده (٣/ ١٢٦).
(٣) في (ف): "لا انبساط اجترام"، وفي (ر): "وانبساط واجترام".
(٤) في (ر): "لم تتسير الأقدام".
(٥) في هامش (أ) و(ر): "المسلمين".
[ ١ / ٢٠ ]
وهذا إضمارٌ (^١) ثابت بالبديهة، فإنَّ الاستعاذة للتحرُّز عن وسوسةِ الشيطان عند قراءةِ القرآن، وذلك بالتقديم لا بالتأخير، وهذا شائعٌ (^٢) في اللغة، قال الشاعر:
إذا طحَنْتِ فابْدَئِي بالمَيْمَنةْ (^٣)
وذلك مقدَّمٌ لا مؤخَّر.
وقال بعض أهل الإلحاد: إنكم رَوَيتُم عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "إنَّ الشيطان ليَهربُ من البيت الذي يُقرأ فيه القرآن" (^٤) فأيُّ حاجةٍ إلى الاستعاذة منه (^٥)؟
قلنا: عنه أجوبةٌ:
أحدها: أنَّا تُعُبِّدْنا به فلا عُدولَ عنه بمثلِ هذا.
والثاني: أن هذا الوعدَ في حقِّ مَن قرأه وعَمِلَ به، فقد قال -ﷺ-: "إذا لم يَنْهَكَ القرآنُ فلستَ بقارئ" (^٦)، وفي العمل به خللٌ، فلم يَثِقْ بنيله (^٧)، فلا يُستغنى عن سؤاله.
_________________
(١) في (ر): "إخبار".
(٢) في (ر): "وهذا سائغ"، وفي (ف): "وهو سائغ".
(٣) لم أقف عليه.
(٤) رواه مسلم (٧٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "إنَّ الشيطانَ يَنْفِرُ من البيتِ الذي تُقرأُ فيه سورةُ البقرةِ".
(٥) "منه" من (أ).
(٦) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (١٣٤٥) من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ وسنده ضعيف كما قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٢٢٣). ورواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ١٣٣) من طريق نافع أبي سهيل عن النبي -ﷺ-، وهو مرسل، ونافع هذا هو ابن مالك بن أبي عامر الأصبحي. ورواه أبو عبيد أيضًا في "فضائل القرآن" (ص: ١٣٤) عن الحسن بن علي قوله.
(٧) في (أ): "فلا يبق"، وفي (ر): "فلا تثق بنيله".
[ ١ / ٢١ ]
والثالث: أن الشيطان يجتهد (^١) في أن يَصرفه عن هذه العزيمة، فيدفعُه (^٢) بالاستعاذة، وأسعى ما يكون الشيطانُ في إفسادِ حالِ الإنسان عند قَصْدِه مكالمةَ الرحمن، فيَجتهِد (^٣) في دفعِ شرِّه بالاستعاذة الآن.
والرابع: أن الغرض به ما قال جعفرٌ الصادقُ ﵁: التعوُّذ تطهيرُ الفم عن الكذبِ والغيبة والبهتان؛ تعظيمًا لقراءة القرآن، إذ (^٤) هو الاستئذانُ لمكالمة اللَّه تعالى بالقرآن.
وقالوا أيضًا: إذا عُذْتُم باللَّه من الشيطان الرجيم عند قراءةِ القرآن، فلِمَ وقوعُ الخطأ والنسيان (^٥)، والابتلاءِ بالعصيان؟
وقلنا: حفظُ اللَّهِ عند العياذِ باللَّهِ موعودٌ على التقوى والتذكُّرِ والإبصار، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فمَن أخَلَّ بهذه الشروط لم يَنَلْ هذا (^٦) الموعود.
ومثالُ مَن استعاذ باللَّه من الشيطان، ثم اتَّبعه إذا دعاه إلى العصيان: مثالُ التاجر يَخرج إلى السفر بمالٍ خطيرٍ كثيرٍ، ويلتجئُ في حفظه بخفيرٍ حقير (^٧)، ثم يَستجيشُ (^٨) دهاةَ السُّرَّاق من أقاصي الآفاق.
_________________
(١) في (ر): "يجهد".
(٢) في (ر): "فندفعه".
(٣) في (ر): "فنجتهد".
(٤) في (أ): "و".
(٥) في (ف): "بالنسيان".
(٦) في (ر): "لم ينل ما هو".
(٧) في (أ): "بحقير"، بدل: "بخفير حقير".
(٨) في (ر): "يتجيش".
[ ١ / ٢٢ ]
ألا ترى أن الذين وفَوا بالشروط نالُوا ما نالُوا (^١) بما قالوا:
قال نوحٌ ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧].
وقال موسى ﵇: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠].
وقال يوسفُ ﵇: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ (^٢) [يوسف: ٢٣].
وقالت امرأةُ عمرانَ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
وقالت مريم: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ [مريم: ١٨].
وقال إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار على ما ورد في الأخبار: أعوذ باللَّه الذي (^٣) خلَقني فهداني، مِن شرِّ مَن عصاه فآذاني.
وقال نبيُّنا محمدٌ -ﷺ-: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].
وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ السورةَ، وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ السورةَ.
وقال ليلة المعراج: "أعوذُ بعَفْوِكَ مِن عُقوبَتِكَ، وأعوذُ برضاكَ مِن سَخَطِكَ، وأعوذُ بكَ منكَ" (^٤).
فنال نوحٌ ﵇ السلامةَ، وموسى الكرامةَ، ويوسفُ العِصمةَ، وامرأةُ عمرانَ الإعاذةَ، ومريمُ البشارةَ، وإبراهيمُ الخُلّةَ، والمصطفى الشفاعةَ.
_________________
(١) "ما نالوا" من (ف).
(٢) "أحسن مثواي" من (ر).
(٣) في (ف): "أعوذ بالذي".
(٤) رواه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة ﵂.
[ ١ / ٢٣ ]
وقالوا أيضًا: في الاستعاذة من الشيطان إظهارُ الخوف من غيرِ اللَّه تعالى، وهو يُخِلُّ بالعبودية!
وقلنا: اتخاذُ العدوِّ عدوًّا تحقيقٌ للمحبَّة، والفِرارُ من غيرِ اللَّه إلى اللَّهِ تتميمٌ للعبودية، والامتثالُ لأمر اللَّه تقديمٌ للطاعة، والخوفُ ممن لا يخافُ اللَّهَ إظهارٌ للمسكَنة، والالتجاءُ باللَّه تأكيدٌ للمباسَطة.
وقيل: التعوُّذ للتبعُّد والتوحُّش، وهي كلمةُ استيحاشٍ عند بعضهم، والتبعُّدُ من المبعَّد لا يكون لخوفه، بل يكونُ وفاقًا لمن بعَّده؛ ألا تَرى أن الإنسان يتباعَدُ عمَّن (^١) بعَّده السلطان، لا خوفًا من ذلك الإنسان، بل وفاقًا للسلطان على ما كان.
كأنه يقول: أي إبليسُ الذي بَعُدْتَ من القُربة والرضا فابعُدْ عنا بعيدًا (^٢).
ألا تَرى أن السامريَّ لمَّا بعَّده (^٣) اللَّه تعالى من رحمته، أمَره موسى أن يدوم على قوله: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧] في جميع مدته، يُبعد الناسَ بذلك عن صحبته.
وقيل: هي للتبرِّي من (^٤) الحول والقوة؛ كأنه يقول: هلك الشيطانُ بالنظرِ إلى أصله وفِعله، وأنا أتبرأُ إلى اللَّه تعالى مِن مِثله.
وقيل: هو الاستعاذة باللَّه من حالِ إبليس ومآلهِ، لا عن كيدِه وإزلاله وإضلاله.
_________________
(١) في (ر): "ممن".
(٢) في (أ) و(ف): "أردحمت وقريب دور مارا ان تودو دورا دورا"، مع بعض اختلاف في الرسم بينهما. وجاء في هامش (ف): "تعريبه: يا إبليس الذي بعدت من القربة والرحمة فابعد عنا بعدًا بعيدًا".
(٣) في (ر): "أبعده".
(٤) في (ف): "عن".
[ ١ / ٢٤ ]
وقيل: هو تملُّقٌ، واللَّهُ تعالى يحبُّ المتملِّقين، وكما أن الأب يحبُّ من ولده أن يتملَّق به، فاللَّهُ تعالى يحبُّ من عبده أن يتملَّق به.
وقيل: مَثَلُ العبد إذا خطر بباله حالُ إبليس فعاذ منه باللَّه كمثَلِ صَيدٍ قصدَه سبُعٌ ففرَّ إلى الحرم فدخله فأمِن (^١)، فرجع السَّبُع خاسرًا.
وكمَثَل عبدٍ هارب من مولاه، فتلقَّاه (^٢) لصٌّ فاتكٌ (^٣)، فهرب منه إلى مولاه فآواه، فبقي اللصُّ قاصرًا، فالعبدُ (^٤) إذا عاذ باللَّه من الشيطان الرجيم خَسَأ الشيطانُ خاسرًا.
وقولنا: (باللَّه) الباءُ صلة؛ وهي لمعانٍ، وهاهنا للإلصاق: وهو: وصلُ الفعل اللازم بالاسم الذي يقع الفعلُ عليه.
و(اللَّه) اسم اللَّه الأعظم، وتفسيره: القادرُ على الاختراع.
وقيل: هو المستحِقُّ لأوصاف العُلُوِّ.
وقيل: هو مَن له الخلقُ والأمر.
وقيل: هو المعبود.
وقيل: هو المستحِقُّ للعبادة.
واختُلف في أنه مشتقٌّ أو غيرُ مشتقٍّ؛ قال الخليل بن أحمد من أهل اللُّغة، والزجَّاجُ من أهل النَّحو، والحسينُ بن الفضل البَجَليُّ من أهل التفسير، ومحمد بن
_________________
(١) في (ف): "كمثل رجل رأى سبعًا فأخذ السلاح واحترز به عنه".
(٢) في (أ): "تلقاه".
(٣) في (ر): "قاتل".
(٤) في (ر): "خاسرًا والعبد"، وفي (ف): "قاصرًا والعبد".
[ ١ / ٢٥ ]
الحسن من أئمةِ الفقه، والشافعيُّ من أهل الحديث، وجماعةٌ: هو غيرُ مشتقٍّ، وهو اسمٌ تفرَّد اللَّهُ تعالى به، فهو اسمٌ (^١) له خاصٌّ، قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] (^٢).
جاء في التفسير أن معناه: هل تعرفُ أحدًا تسمَّى (^٣) اللَّه؟!
وقال آخرون: هو مشتقٌّ، ثم منهم (^٤) مَن قال: اشتقاقُه من وَلِهَ يَوْلَهُ وَلَهًا: إذا فَزِع ولَجَأ، قال الشاعر:
بَرَزْنا لنَرْدَى والقواضِبُ ركَّعٌ وقد صيِّرت رأسُ الأسنَّةِ سُجَّدا (^٥)
وَلهْتُ إليكم في بلايا تَنوبُني فألفَيْتكم فيها كريمًا ممجَّدا (^٦)
فمعناه: أن الخَلْق يلجَؤون به ويَفزعون إليه في حوائجهم.
_________________
(١) بعدها في (ر): "اللَّه".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٩٦)، وعزا هذا القولَ للخليل وجماعة لم يسمهم، وخالفه غيره فنسب إلى الخليل القول بالاشتقاق، منهم الزجاجي في "اشتقاق أسماء اللَّه" (ص: ٢٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ٦٣)، والقرطبي في "تفسيره" (١/ ١٥٧)، وأبو حيان في "البحر المحيط" (١/ ٣٩)، والسمين الحلبي في "عمدة الحفاظ" (١/ ١٠٧). ونقل الزجاج في "معاني القرآن" (٥/ ١٥٢) عن سيبويه أنه قال: سألت الخليل عن هذا الاسم فقال: الأصل فيه إله، فأدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة، وقال مرة أخرى: الأصل لَاه، وأدْخِلَتِ الألف واللام لازِمة.
(٣) في (أ): "سمي".
(٤) في (ر) و(ف): "ومنهم".
(٥) هذا البيت ليس في (أ) و(ف). والقواضب جمع القَضِيب: وهو السيف اللطيف الدقيق.
(٦) في (ر) و(ف): "كرامًا ممجدا"، وذكر هذا البيت الخازن في "تفسيره" (١/ ١٧)، وفيه: "كرائم محتد".
[ ١ / ٢٦ ]
ومنهم مَن جعلَه من الوَلَه الذي هو التَّحيُّر، والوالهُ: الحيرانُ لفَقْدِ الولد ونحوِه.
والولهُ: شدَّة الشوقِ أيضًا، قال الشاعر:
ولهَتْ نفسيَ الطَّروبُ إليكمْ ولهًا حالَ دون (^١) طعمِ الطَّعامِ (^٢)
ومعنى الاسم: أن الخلق متحيِّرون في عظمته، وَالِهُونَ من شوقٍ (^٣) لرؤيته؛ فعلى هذا (^٤) أصلُ الاسم: وِلاه، أُبدلت الواوُ همزةً كما قالوا: وِشاح وإشاح، فقيل: إله، ثم دخلتْه الألفُ واللام فقيل: الإله، ثم حذفت الهمزة تخفيفًا فقيل: اللَّه.
ومنهم مَن جعل الاسم من أَلِهَ يَأْلَهُ؛ أي: دام وثبَت، يقال: أَلِهَ بالمكان؛ أي: دام وأقام، قال الشاعر:
أَلِهْنا بدارٍ ما (^٥) تَبِينُ رسومُها كأنَّ بقاياها وشامٌ على اليدِ (^٦)
ومعنى الاسم: أنه القديمُ الأزليُّ الدائم الأبديُّ.
ومنهم مَن جعله مِن أَلهَ يَأْلَهُ (^٧) إلاهةً؛ أي: عَبَد، وفي قراءة بعضهم:
_________________
(١) في (ر): "ذوق".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٩٨).
(٣) في (ر): "الشوق".
(٤) في (أ): "هذين".
(٥) في (ر): "لا".
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٩٨).
(٧) بفتح اللام في الماضي والمضارع. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: أله). وباقي الاشتقاقات بكسر =
[ ١ / ٢٧ ]
(ويَذَركَ وإلَاهَتَكَ) (^١)؛ أي: وعبادتَك، قال (^٢) الشاعر:
وأْلَهْ إلهكَ واحدًا متفرِّدا (^٣)
وتألَّه يتألَّه؛ أي: تعبَّد، قال الشاعر:
للَّهِ درُّ الغانياتِ المُدَّهِ (^٤) سبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهي (^٥)
ومعنى الاسم: أنه يحقُّ له العبادة.
ومنهم مَن جعَله مِن قولهم: أَلِهَ إلى فلانٍ (^٦)؛ أي: رَجَع إليه واعتمَد عليه، قال الشاعر:
أَلِهْتُ إليها والرَّكائبُ وُقَّفُ (^٧)
_________________
(١) = اللام في الماضي وفتحها في المضارع. انظر: "البحر المحيط" (١/ ٣٩) بتحقيقنا.
(٢) رواها أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٣٠٠)، والطبري في "تفسيره" (١/ ١٢٢)، عن ابن عباس ﵄. وهي في "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٤٥).
(٣) في (أ): "وقال".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١٠/ ٦٤٦)، وعجز البيت فيه: ساد الملوك بعزةٍ وتَمجَّدا
(٥) في (ر): "المدهي"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر.
(٦) في (أ) و(ف). (تأله). والمثبت من (ر) والمصادر. والرجز لرؤبة، كما في "العين" للخليل (٤/ ٣٢)، و"تفسير الطبري" (١/ ١٢١)، و"تفسير أسماء اللَّه الحسنى" للزجاجي (ص: ٢٦)، و"الحجة" لأبي علي الفارسي (٥/ ٢٦)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٢٥٦)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ٩٦)، و"النكت والعيون" للماوردي (١/ ٥١)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (١/ ٦٣).
(٧) في (ر): "أله فلان إليه".
(٨) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٩٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٠)، و"اللسان" و"التاج" (مادة: أله). ولم أقف على قائله ولا تمامه.
[ ١ / ٢٨ ]
ومعنى الاسم: أنَّ رجوع الخلق إليه وتوكُّلَهم عليه.
ومنهم مَن جعله مِن الألَهِ الذي هو التحيُّرُ، قال الشاعر:
وبيداءِ تيهٍ تألَهُ العينُ وَسْطَها مخفَّقةٍ (^١) غَبْراءَ صَرْماءَ سَمَلَقِ (^٢)
ومعناه: ما قُلنا في الوَلَه.
ومنهم مَن جعَله مِن قولهم: أَلِهْتُ إليه؛ أي: سكَنْتُ إليه، قال الشاعر:
ألِهْتُ إليها والحوادثُ جمَّةٌ (^٣)
ومعنى الاسمِ: أنَّ قلوب الخلقِ تسكنُ بذِكره، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
ومنهم مَن جعَله من أَلِهَ؛ إذا (^٤): ارتَفَع (^٥)، والعربُ تسمِّي الشمسَ: إلاهة؛ لرفعتها، قال الشاعر:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "مخلقة"، وفي (ر): "بحلقة"، والصواب المثبت.
(٢) البيت لزهير بن أبي سلمى. انظر: "النكت في القرآن" لأبي الحسن علي بن فضال القيرواني (ص: ١٨٩)، و"إعراب القرآن" لأبي القاسم الأصبهاني (ص: ٨).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٩٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٠)، و"اللسان" و"التاج" (مادة: أله). ولم أقف على قائله ولا تمامه كشبيهه المتقدم.
(٤) في (ر) و(ف): "أي".
(٥) كذا جعل المؤلف هذا المعنى من باب (أله) في الاشتقاق، وذكره غيره من باب: (لاهَ يَلِيهُ). انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ٢٦)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (١/ ٣٩)، و"المجيد في إعراب القرآن المجيد" للسفاقسي (١/ ٣٠)، و"الدر المصون" للسمين الحلبي (١/ ٢٤)، و"اللباب في علوم الكتاب" لابن عادل (١/ ١٣٨)، و"القاموس" (مادة: لاه)، و"روح المعاني" (١/ ٢٢٢).
[ ١ / ٢٩ ]
تَرَوَّحْنا من الدَّهْناءِ أرضًا وأَعْجَلْنا الإلَاهةَ أنْ تَؤُوبا (^١)
ومعنى الاسمِ: أنه العَلِيُّ العظيم.
فعلى هذه الوجوهَ: (إلهٌ) فِعالٌ على أصلِ الكلمةِ من غيرِ إبدال همزةٍ عن واوٍ، ثم حُذفت الهمزةُ مع الألف واللام لِمَا مرّ.
ومنهم مَن جعَله من لاهَ يَلُوه؛ أي: عَلَا، ومعناه (^٢): العَلِيُّ العالي المتعالي.
ومنهم مَن جعَله من لاهَ يَلُوهُ ولاهَ يَلِيهُ؛ أي: احتجَبَ، قال الشَّاعر:
لاحَتْ تُوافق عين الناسِ رؤيتها ونحنُ نِلْنا المُنَى لمَّا أتَيْناها
لاهَتْ فما عُرِفَتْ يومًا بخارجةٍ ياليتَها خَرَجتْ حتَّى رَأَيْناها (^٣)
ومعناه: أنَّه حَجَب أبصارَ أهل الدنيا عن رؤيته (^٤)، ووَعَد المؤمنين لقاءَه وهُم في جَنَّته.
فعلى (^٥) هذين الوجهين: قولُنا: اللَّه، هو على الأصلِ من غير حذفٍ، وقد وَرد أيضًا بهذه الصيغة فيما ليس في أوَّله ألفٌ ولام، قال الشاعر:
_________________
(١) البيت لبنت عتيبة بن الحارث اليربوعي. انظر: "الجيم" لأبي عمرو الشيباني (٣/ ٢٢٥)، و"تفسير الطبري" (١٠/ ٣٦٩)، ودون نسبة في "البارع في اللغة" لأبي علي القالي (ص: ١١٠)، و"المحتسب" لابن جني (٢/ ١٢٣)، و"الصحاح" (مادة: أله)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ٩٨). وصدر البيت من (ر) وليس في (أ) و(ف)، ووقع في ألفاظه اختلاف في المصادر.
(٢) بعدها في (أ) و(ر): "أنه".
(٣) في (ف): "عرفناها". والمثبت من (أ) و(ر) والمصادر، وقد ورد البيت دون نسبة في "تفسير الثعلبي" (١/ ٩٨)، و"تفسير القرطبي" (٢٠/ ٣٥)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (١/ ٥٦). أما البيت الأول فلم أجده، ولم يرد في (أ) و(ف).
(٤) في (ف): "ومعناه أنه محتجب حجب عن أبصار أهل الدنيا"، وصحح في الهامش إلى المثبت.
(٥) في (ف): "وعلى".
[ ١ / ٣٠ ]
يَسمعُها لاهُه الكُبَارُ (^١)
وقال آخَرُ في النداء:
لاهمَّ إنَّ جُرهمًا عبادُكَ الناسُ طَرْفٌ وهُمُ تِلادُكَ (^٢)
فهذه عشرةُ أوجُهٍ في الاشتقاق.
وبقي وجهٌ لطيف غريب:
قيل: كان أصلُه هاءَ الكناية، وذلك أنهم أشاروا إليه بما وُضع له (^٣) في نفوسِهم من دلالة الفطرة، إذ لم يَعلموا له اسمًا مسموعًا، ثم أدخلوا عليه لامَ المُلك فصار: له، يَعْنون: له الخَلْقُ والأمرُ، ثم مدُّوا بها أصواتهم تعظيمًا فقالوا: لاه، ثم وصلُوه بالألف واللَّام للتَّفخيم فصار: اللَّه.
ومن النَّحْويين مَن قال: أُدخلت الألفُ واللام فيه بدلًا من الهمزة المحذوفة
_________________
(١) البيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في "ديوانه" (ص: ٢٣٣)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ٩٦)، و"خزانة الأدب" للبغدادي (٢/ ٢٣٤)، وصدره: كحلفة من أبي رياح الحلفة: المرة من الحَلِف، و(الكبار) بضم الكاف صيغة مبالغة الكبير بمعنى العظيم، هو صفة (لاهه). وأبو رياح اسمه: حصن بن عمرو بن بدر، رجل من ضبيعة، وروي بدل (يسمعها): يشهدها. قاله البغدادي.
(٢) البيت لعمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي، كما في "شرح القصائد السبع الطوال" لابن الأنباري (ص: ٢٥٥)، و"تاريخ الطبري" (١/ ٥٢٤) وفيه: عامر، بدل: عمرو. والطُّرف: المستحدث من المال، وهو عكس التلاد.
(٣) "له" من (أ).
[ ١ / ٣١ ]
منه (^١)، فلَزِمتَا الكلمةَ لزومَ تلك الهمزة، ولهذا لم تسقطَا عند النداء: يا أللَّه (^٢)، كما سقطتَا من (^٣) غيرِه من الأسماء: يا رحمنُ يا رحيمُ، ونحوِه.
وعن كعبِ الأحبار قال: كان داودُ ﵇ أَلِهًا أَلُوهًا. أي: مُوْلَعًا (^٤) بمقالهِ في كلِّ أحواله: إلهي إلهي.
وقال جعفرٌ الصادقُ في هذا الاسم: أَبرزَه اللَّهُ تعالى من غَيبه إلى قولهِ، ومِن قولهِ إلى قلمه، ومِن قلمه إلى لَوحه، ومن لَوحه إلى وحيه، ومن وحيه إلى أنبيائه، سكينةً ووقارًا لقلوب أوليائه.
وقولُنا: (من الشيطان) كلمةُ (مِن) في اللُّغة لأشياء، وهاهنا تكونُ لأحدِ معانٍ ثلاثةٍ:
إمَّا للابتداء: كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
وإمَّا للانتقال: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧].
وإمَّا للتعديَة: فإن وقوعَ هذا الفعل على الاسم المذكور بعده مختصٌّ بهذه الكلمة لغةً.
وتحقيقُ المعنى الأولِ والثاني: أن العَوْذ يبدأ (^٥) بالانفصال من الشيطان ويَتمُّ بالاتصال باللَّه، وهو انتقالٌ من غيرِ اللَّه إلى اللَّه.
_________________
(١) أي: بدلًا من الهمزة المحذوفة في (إله)، انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٩٦)، وقد ذكره عقب قوله: "يسمعها لاهه الكبار".
(٢) في (أ): "عند النداء به".
(٣) في (ف): "عند".
(٤) في (ر): "مولهًا".
(٥) في (ف): "يبتدأ".
[ ١ / ٣٢ ]
والشيطان هو إبليسُ، وفي أشتقاقهِ عشرةُ أقاويلَ:
أحدها: أنه من الشُّطونِ وهو البُعْدُ، قال الشاعرُ:
فأَضْحتْ بعدَما وَصَلتْ (^١) بدارٍ شطُونٍ لا تُعادُ ولا تَعودُ (^٢)
ومعناهُ: المُبْعَدُ مِن الرحمة.
والثاني: أنه من قولهم: شاط يَشِيطُ؛ أي: هلك، قال الأعشى:
قد نَطْعَنُ العَيرَ في مَكْنونِ فائلهِ وقد يَشِيطُ على أرماحِنا البَطَلُ (^٣)
ومعناه: الهالِكُ في الدَّارينِ.
والثالثُ: أنه من قولهم: شيَّط الشيءَ، أي (^٤): أَحْرقهُ، واسْتشَاطَ غضبًا؛ أي: احْتَرقَ، ومعناه: المحرَق (^٥) في الدنيا بنارِ الفُرقة، وغدًا بنارِ الحرقةِ والعقوبة.
والرابعُ: أنه من قولهم: فرسٌ شَطونٌ؛ أي: جَمُوح رَمُوح، ومعناه: العَصِيُّ الأَبِيُّ.
والخامس: أنه من الشَّطَن: وهو الحبلُ الطويل المديد، ومعناه: المتمادي في الطُّغيان، الممتدُّ إلى العصيان.
_________________
(١) في (ف): "اتصلت".
(٢) البيت للنابغة الذبياني، وهو في "ديوانه" (ص: ٣٤).
(٣) انظر: "ديوان الأعشى" ميمون بن قيس (ص: ١١٣)، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة (٢/ ١٠٢٠)، و"الفاخر" للمفضل بن سلمة (ص: ٢١)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٥٦). قال ابن قتيبة: الفائلان عرقان عن يمين الذنب وشماله. . . والفارس الحاذق يتعمد بالطعن في الخُربة وهي نقرة في الورك فيها لحم ولا عظم فيها تنفذ إلى الجوف، يقول: إنا بصراء بموضع الطعن.
(٤) في (ر): "إذا".
(٥) في (أ): "المحرقة"، وفي (ف): "المحترق".
[ ١ / ٣٣ ]
والسادس: أنه من قولهم: فرسٌ شيطانٌ؛ أي: مَرِحٌ (^١) نشيط، ومعناه (^٢): المتكبِّر المترفِّع.
والسابع: أن الشيطان هو العاتي المتمرِّدُ من كلِّ جنس، ولذلك تسمَّى الحية شيطانًا، قال تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]؛ أي: الحيات، وقال جرير:
أيامَ يَدْعونَني الشيطانَ مِن غَزَلي وهنَّ يَهْوَيْنَني إذ كُنْتُ شيطانًا (^٣)
والثامن: أنه من قولهم: شيَّطَ اللحمَ؛ أي: دخَّنه -من الدخان (^٤) - ولم يُنْضجه، ومعناه: أنه مفسدُ كلِّ شيء، وما به صلاحُ شيء.
والتاسع: أنه من قولهم: فرسٌ مِشْياطٌ؛ أي: ممتلئٌ سِمَنًا، ومعناه: أنه ممتلئٌ خُبثًا ونُكرًا، وشرًّا ومَكرًا.
والعاشر: أنه من قولهم: شاط؛ أي: بَطَل، ومعناه: أنه الباطلُ عملُه الخائبُ أملُه.
وإذا جُعل اشتقاقُه من الشُّطونِ والشَّطَنِ فهو فَيْعالٌ، وإذا جعلْتَه من الشَّيط والتَّشيِيط والمشياط (^٥) فهو فَعْلانٌ.
والأصحُّ الأولُ، لأن الشاعر أخرجَه على لفظِ الفاعل بالنون، فقال:
_________________
(١) في (ر): "مرج".
(٢) في (أ): "فمعناه"، في هامش (ف): "فمعنى".
(٣) انظر: "ديوان جرير" بشرح محمد بن حبيب (١/ ١٦٥).
(٤) "من الدخان" من (ر).
(٥) في (أ): "والشياطة".
[ ١ / ٣٤ ]
أيُّما شاطنٍ عصاهُ عكَاه ورَمَاه (^١) في القيدِ والأغلال (^٢)
وقولنا: (الرجيم) قال الكسائيُّ: هو المشتوم (^٣)، من قولهِ تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١]؛ أي: شتَمْناك (^٤).
وقيل: هو المُهلَكُ بأقبحِ وجهٍ، مأخوذٌ من الرَّجم بالحجارة لأنه أقبحُ القِتْلات.
وقيل: هو من الرَّجم وهو الرميُ، قال اللَّه تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ أي: رميًا.
ثم هو فعيلٌ بمعنى الفاعلِ عند بعضهم، ومعناه: أنه رامي بني آدمَ بالدَّوَاهي والبلايا، وبمعنى المفعول عند آخَرين، ومعناه: أنه مَرْميٌّ من السماوات بإلقاءِ الملائكة حين لُعن.
وقيل: إنه المرميُّ بشُهُبِ السماء إذا قصَدها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].
ثم هذه صفةٌ مذمومةٌ للشيطان، وله في القرآن أسماءٌ مشؤومةٌ وصفاتٌ مذمومة، وهي: إبليسُ، والشيطانُ، والغَرورُ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]، والوسواسُ، والخنَّاسُ.
والكافرُ: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
_________________
(١) في (أ) و(ر) و(ف): "ورمى"، والمثبت من هوامش النسخ الثلاث.
(٢) البيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في "ديوانه" (ص: ٤٤٥)، و"اللسان" (مادة: شطن). وهو في وصف نبي اللَّه سليمان ﵇. عكاه: شده في الحديد.
(٣) في (أ): "المشؤوم". والمثبت من (ر) و(ف)، وهو الصواب. انظر: "تفسير الطبري" (١/ ١١٠)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٥٧).
(٤) "أي شتمناك" سقط من (أ) و(ف).
[ ١ / ٣٥ ]
والصاغر: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣].
والمارد: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧].
والمَرِيد: ﴿إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧].
والطائف: ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
والفاتن: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٧].
والملعون: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ [ص: ٧٨].
والمذمومُ والمذؤوم والمدحور: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨].
والمقذوف: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ [الصافات: ٨ - ٩].
والكَفُور: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧].
والخَذُول: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩].
والعَصِيُّ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤].
والعدوُّ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].
والمُضِلُّ: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥].
ومن صفاته وأفعاله: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]، ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ [الحجر: ٣٣]، ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦] ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ [يوسف: ٤٢]، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾
[ ١ / ٣٦ ]
[الحج: ٥٢]، ﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]، ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]، ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥]، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الأنعام: ٧١]، ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]، ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ الآية [النساء: ١١٨]، ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢].
ثم أَجْمَعُ الأسماءِ لمَخازيهِ (^١) ومساوئه هو الرَّجيم؛ فإنه (^٢) لو جُعل بمعنى الراجِمِ كان جامعًا لجميع ما يقعُ منه من الجنايات، ولو جُعل بمعنى المرجومِ كان شاملًا لجميعِ ما يقعُ عليه من العقوبات، فلذلك ذُكر في الاستعاذةِ منه هذا الاسمُ دون غيرِه من الأسماءِ والصفات.
ثم هذه الاستعاذةُ أوجَهُ الاستعاذات، وللناس فيها اختياراتٌ ورَدَتْ (^٣) بها رواياتٌ:
_________________
(١) في (ف): "بمخازيه".
(٢) في (ف): "لأنه" وفي هامشها: "فإنه".
(٣) في (أ) و(ف): "ووردت".
[ ١ / ٣٧ ]
رُوي عن النبيِّ -ﷺ- أنه كان يقولُ: "أعوذُ بعفوِ اللَّه العظيمِ من عذابهِ الأليمِ، ومن هَمَزاتِ الشياطينِ، إن اللَّه (^١) هو السميع العليم" (^٢).
ورُوي عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي اللَّه تعالى عنه أنه كان يقولُ: أعوذُ باللَّهِ الواجدِ (^٣) الماجدِ من كلِّ عدوٍّ حاسدٍ، ومن كلِّ شيطانٍ ماردٍ، إن اللَّه هو السميعُ العليم.
وعن عمرَ الفاروقِ (^٤) رضي اللَّه تعالى عنه أنه كان يقولُ: أعوذ باللَّه المُعين من الشيطان اللَّعين إلى يومِ الدِّين (^٥).
وعن عثمانَ ذي النُّورَينِ (^٦) رضي اللَّه تعالى عنه أنه كان يقولُ: أعوذ باللَّه من الشيطان والكفرِ والطغيان، وهو المنعِم المستَعان.
وعن عليٍّ المرتضَى (^٧) رضي اللَّه تعالى عنه أنه كان يقول: أعوذ باللَّهِ العظيم ووجهِه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم (^٨).
وكان الحسنُ والحسينُ -﵄- وأبو ذرٍّ وأسامةُ وعمارٌ رضي اللَّه تعالى عنهم يقولون: أعوذُ باللَّهِ العظيم من الشيطان الرجيم (^٩).
_________________
(١) في (أ): "إنه".
(٢) لم أجده مسندًا.
(٣) في (أ): "الواحد".
(٤) في (أ): "وعن عمر بن الخطاب"، و"الفاروق" ليست في (ر).
(٥) في (أ): "القيامة".
(٦) "ذي النورين" ليس في (أ) و(ر).
(٧) "المرتضى" ليس في (أ) و(ر).
(٨) رواه أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعًا، وحسنه النووي في "الأذكار" (٩٤).
(٩) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٥٣٨٣) من حديث عمار ﵁ مرفوعًا.
[ ١ / ٣٨ ]
وكان محمد ابن الحنَفيَّة رضي اللَّه تعالى عنه يقولُ: أعوذُ باللَّه القويِّ من الشيطان الغَوِيّ.
وكان ابنُ مسعودٍ رضي اللَّه تعالى عنه يقولُ: أعوذُ باللَّه الجبَّار المتكبِّر من الشيطان المستَكْبرِ، إن اللَّه هو السميعُ العليم (^١).
ومن القرَّاءِ السبعة مَن يقول: أعوذُ باللَّهِ السَّميعِ العليم من الشيطان الرجيم (^٢).
ومنهم مَن يقول: أعوذُ باللَّه من الشيطان الرجيم إن اللَّه هو السميعُ العليم.
ومنهم مَن يقول: أعوذُ باللَّه العظيم من الشيطان الرجيم.
ومنهم مَن يَجمع بين العظيم والسميع والعليم.
ومنهم مَن يقول: أستعيذُ باللَّه.
ومنهم مَن يقول: نَستعيذُ باللَّه.
والمختارُ هو قولُ الجمهور: أعوذُ باللَّه من الشيطان الرجيم.
قال نجمُ الدِّين (^٣): ولي فيه حديثٌ مسلسلٌ ينتهي إلى عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن ابنِ مسعودٍ رضي اللَّه تعالى عنه، عن النبيِّ -ﷺ-، عن جبريل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، أنه أخذه من اللوح المحفوظ هكذا (^٤).
_________________
(١) لم أجده، وكذا ما ورد هنا من الأخبار مما لم نذكر له تخريجًا.
(٢) وروى هذه الصيغة في الاستعاذة أبو داود (٧٧٥) و(٧٨٥) من حديثي أبي سعيد وعائشة، والترمذي (٢٩٢٢) من حديث معقل بن يسار.
(٣) في (ر) و(ف): "قال يعني المصنف".
(٤) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٤١) مسلسلًا، وعنه تلميذه الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٨٣ - ٨٤)، وفي آخره: فلقد قرأت على عاصم فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على زر بن حبيش فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ باللَّه من =
[ ١ / ٣٩ ]