ثم التعوُّذُ به افتتاحُ قراءةِ القرآن، وبالمعوِّذتَينِ خَتْمُ سُورِ القرآن، فيُرجَى بذلك حفظُ ما بينَهما.
وفي أخذِ الميثاقِ خاطَبَ اللَّهُ تعالى العبدَ بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وعند النَّزْع يخاطبُه بقوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ الآية [الفجر: ٢٧]، فيُرجَى بذلك عفوُ ما بينَهما.
والنبيُّ -ﷺ- يقول في حقِّ هذه الأمَّةِ: "أنا قائدُها، وعيسى سائقُها" (^١)، فيُرجَى بذلك نجاةُ ما بينَهما.
ويلي (^٢) التعوُّذَ التَّسميةُ، وهي: (بسم اللَّه الرحمن الرحيم).
وانتظامُ هذه بذلك: أنَّ التعوُّذ باللَّه هو التحفُّظ بذِكْر اللَّهِ، ولذلك ورد الخبرُ باستحباب هذا التعوُّذ: "أَعوذُ بكلماتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ (^٣) " (^٤)، ومنها هذه الأسماءُ الثلاثةُ العظيمة.
_________________
(١) = الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عبد اللَّه بن مسعود فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على رسول اللَّه -ﷺ- فقلت: أعوذ باللَّه السميع العليم، فقال لي: "يا ابن أم عبد قل: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبرائيل عن القلم عن اللوح المحفوظ". قلت: وقد ورد جواز الاستعاذة بلفظ: (أعوذ باللَّه السميع العليم) في حديث كل من أبي سعيد وعائشة ومعقل بن يسار ﵃، وقد تقدم تخريجها قريبًا.
(٢) لم أجده.
(٣) في (ف): "وتلو".
(٤) في (ف): "التامة".
(٥) قطعة من حديث رواه مسلم (٢٧٠٨) عن خولة بنت حكيم السلمية ﵂، و(٢٧٠٩) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٤٠ ]
وقيل: الجامع بينهما كأنَّه (^١) يقول في التقدير: أعوذُ باللَّهِ وأنا موسومٌ بسِمَةِ اللَّهِ، وهي فِطْرةُ اللَّهِ، وصِبغةُ اللَّهِ، وهما: التكوينُ والكونُ، والتلوينُ واللون (^٢)، قائمان بالمخلوق، واللَّهُ تعالى مُنزَّةٌ عنهما. أفريدن مي حكونه ومي جكونه، وأفرينش مرده باحكونه وبرحكونه.
وجامعٌ آخَرُ بينهما: ما (^٣) قال ابنُ عباس ﵄: إجلالُ القرآن: أعوذُ باللَّه مِن الشيطانِ الرجيمِ، ومفتاحُ القرآن: بسم اللَّه الرحمنِ الرحيمِ (^٤).
وقال النبيُّ -ﷺ-: "مفتاح القرآن التسمية" (^٥).
ورُوي أنَّ أوَّل ما جَرى به القلمُ في اللوح المحفوظ: بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، وأنَّه أوَّل ما نزل (^٦) على آدم، وأنَّه أمانُ أهلِ السماواتِ والأرضينَ، وأنَّه كلمةُ جوازٍ مِن اللَّهِ تعالى، وأنَّه خاتمُ اللَّهِ لعبادِه الموحِّدين.
وروي عن ابنِ عبَّاس ﵄ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "إنَّ المُعلِّم إذا قال للصبيِّ: قل: بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، فقال الصبيُّ: بسم اللَّهِ الرحمنِ
_________________
(١) في (أ): "أنه".
(٢) في (ف) و(أ): "وهما التكوين والتلوين والكون واللون".
(٣) "ما" من (أ).
(٤) لم أجده.
(٥) لم أجده بهذا اللفظ، لكن روى الطبراني في "الأوسط" (٦٢٥) عن بريدة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال له: "بأي شيء تستفتح صلاتك وقراءتك" قلت: ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، قال: "هي هي". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ١٠٩): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف لسوء حفظه وفيه من لم أعرفهم.
(٦) في (أ): "أنزل".
[ ١ / ٤١ ]
الرحيم، كَتب اللَّهُ تعالى براءةً للصبيِّ، وبراءةً لأبويه، وبراءةً للمُعلِّم مِن النار" (^١).
وعن جابرٍ ﵁ قال: لمَّا نزلت: بسمِ اللَّه الرَّحمنِ الرَّحيم، هَربَ الغيمُ إلى المشرِق، وسكنت الرياحُ، وهاجَ البحرُ، وأَصْغت البهائمُ آذانها، ورُجمت الشياطينُ مِن السماء، وحَلف اللَّهُ عزَّ وعلا بعزَّته لا يُسمَّى اسمُه على شيءٍ إلَّا شَفاه، ولا يُسمَّى اسمُه على شيءٍ إلَّا باركَ عليه، ومَن قرأ: بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، دخل الجنَّة (^٢).
وقال ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه (^٣): مَن أراد أن ينجيَه اللَّهُ مِن الزَّبانية التسعةَ عَشَر فليقرأ: بسم اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فإنَّها تسعةَ عَشَر حرفًا، ليجعلَ (^٤) اللَّهُ تعالى بكلِّ حرفٍ منها جُنَّةً (^٥) له مِن كلِّ واحدٍ منهم (^٦).
وقال بعضُ أهلِ المعرفة: التسميةُ كلمةٌ قدسيَّةٌ مِن كنزِ الهداية، وخلعةٌ ربوبيَّةٌ مِن خِلَع الولاية، ووصلةٌ قريبةٌ لأهلِ العناية، ورحمةٌ خاصةٌ (^٧) لأصحابِ الجناية.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٩١)، وابن الجوزي في "التحقيق في أحاديث الخلاف" (١٥٧٨)، قال ابن الجوزي: وهذا الحديث لا يجوز الاحتجاج بِهِ؛ لأنَّهُ من عمل أَحمد بن عبد اللَّه الهَرَوِيّ، وهو الجويباري، وكان كذابًا يضعُ الحديث. وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (٢٥٣٠): هذا الحديث موضوعٌ.
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٩١).
(٣) في (أ): "وعن ابن مسعود".
(٤) في (ر): "يجعل"، وفي (ف): "فيجعل"، والمثبت من (أ) والمصادر.
(٥) في هامش (ف): "الجُنَّة: الوقاية كالحصن المنيع".
(٦) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٩١)، وابن مردويه في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (١/ ٢٦)، وذكره القرطبي في "تفسيره" (١/ ١٤٣).
(٧) في (أ) و(ر): "خاصية".
[ ١ / ٤٢ ]
وقوله: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: الباءُ حرفُ تضمينٍ وإلصاقٍ، ولها وجوهٌ خمسة:
أحدها: أنَّه متَّصلٌ بما تقدَّم: أعوذ باللَّه؛ أي: أعوذُ بسمِ اللَّهِ.
والثاني: أنَّه يتَّصل (^١) بأمرٍ مُضمَرٍ أو إخبارٍ مُضمَرٍ؛ الأمر: ابْدَأ، للواحد، و: ابدؤوا، للجمع، والإخبار: أَبْدَأُ أنا، أَوْ: نَبْدَأُ نحن، والإخبارُ أَولى، ليُوافق ما قبله: أعوذُ وأبدأُ.
والثالث: أنَّ معناه: أَتيمَّن وأتبرَّك وأستعينُ وأستثبتُ وأستغيثُ بسمِ اللَّه.
والرابع: بسم اللَّه كان ما كان ويكون ما يكون.
ويحكى (^٢) عن جعفرٍ الصادقِ أنَّه قال: أودعَ اللَّهُ تعالى علومَ كلِّ الكتبِ القرآنَ، وأودعَ علومَ القرآنِ الفاتحةَ، وأودعَ علومَ الفاتحة التسميةَ، وأودعَ علومَ التسميةِ الباءَ؛ أي: بي كان ما كان ويكون ما يكون.
وقيل: كَشْفُه: بإلهيَّتِه عرفه العارفون، وبعطفِه ارتزقَ العالِمون، وبرحمتِه نَجا المذنبون.
وقيل: كَشْفُه: باللَّه سَلِمت قلوبُ أولياءِ اللَّهِ عمَّا ليس فيه رضَى اللَّه، وبالرَّحمن سَحَت نفوسُ عبادِ اللَّه في خدمةِ اللَّه، وبالرَّحيم تخلَّصت أرواحُ أصفياءِ اللَّهِ عمَّا يُوجِب سخطَ اللَّهِ.
والخامس: أنَّه خبرُ مبتدأ مُضمَرٍ؛ أي: هذا بسمِ اللَّهِ، كقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]؛ أي: هذه سورة، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [ص: ٢٩]؛ أي: هذا كتاب.
_________________
(١) في (ف): "متصل".
(٢) في (أ): "وحكي".
[ ١ / ٤٣ ]
ثم اللَّطيفةُ في أنَّ هذه الوجوهَ التي بيَّنَّا إضمارَها لم تُظهَر، وبذِكْر تلك الكلمات لم تبدأ (^١): أن تكون البدايةُ بسم اللَّه، فلا يكون افتتاحُ كلام (^٢) القارئ بذِكْر فِعلِ نفسِه، بل بذِكْر اسمِ ربِّه كما بدأ رسولُ اللَّه -ﷺ- حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] لا كما قال موسى صلوات اللَّه عليه: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، فلا يُستفتحُ بأَحسنَ مِن اسم اللَّه (^٣) كلامٌ، ولا يُستنجَح بأعظمَ مِن فضله مرامٌ، تبارك اللَّهُ ذو الجلال والإكرام.
وقيل: معناه: بقوَّة اسمِ اللَّهِ قدرتُ أنْ بَدَأتُ، وهو معنى (^٤) قولِنا: لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ العليِّ العظيم.
وقال أبو بكرٍ الورَّاق: بَدَأَ اللَّهُ تعالى كتابَه بذِكْرين ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كأنَّه قال: الأشياء به وجودُها وله ملكُها.
ثم إنَّما طُوِّلت هذه الباءُ دون سائرِ الباءات؛ لوجوه ثلاثة:
أحدها: أنَّه ﵊ أَمَرَ بذلك فيما رُوي لنا بإسنادٍ عن مكحولٍ الشاميِّ قال: قال معاوية: كنتُ أكتبُ بين يدَي رسولِ اللَّهِ -ﷺ- فقال: "يا معاويةُ، أَلِق الدواةَ، وحرِّف القلمَ، وانْصِبِ الباء، وفرِّقِ السينَ، ولا تُعوِّر الميمَ، وحسِّن اللَّهَ، ومدَّ الرَّحمنَ، وجوِّد الرحيمَ" (^٥).
_________________
(١) في (ر): "نبدأ".
(٢) في (أ): "بكلام"، وليست في (ف).
(٣) في (أ): "من اسمه".
(٤) في (ف): "بمعنى".
(٥) رواه السمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" (ص: ١٧٠)، والديلمي في "مسند الفردوس" (٥/ ٣٩٤)، ومكحول لم يسمع من معاوية، كما في "مراسيل ابن أبي حاتم" (ص: ١٦٦). قوله: (ألِق الدَّواةَ) بفتح الهمزة وكسر اللام أمر من ألاقَ الدواة: إذا جعل لها لِيقةً وأصلح لها =
[ ١ / ٤٤ ]
والثاني: ما قاله القُتَبي (^١): أنَّهم لم يَرَوا (^٢) أنْ يَفتتحوا كتابَ اللَّهِ إلَّا بحرفٍ مفخَّم معظَّم (^٣).
والثالث: أنَّهم لمَّا (^٤) أَسقطوا الألفَ مِن الاسمِ، فردُّوا طولَ الألفِ على الباءِ، ليكون دلالةً على سقوطِ الألفِ منه؛ وإنَّما أَسقطوها هاهنا؛ لكثرة دَورها على الألسنة، وفي الكتابة طلبًا للخفَّة، وفي قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، لم يوجد هذا، فلم يحذف الألف ولم تطوَّل الباء.
ثم إنَّما كُسرت الباءُ مع أنَّها حرفٌ واحد، والحروف المفردةُ مفتوحةٌ -كالتاء والفاءِ والكاف واللام والواو- لثلاثةِ أوجُهٍ:
_________________
(١) = مدادها؛ أي: استمرَّ على تعميرِها في وقتٍ قليلًا قليلًا، ومنه قولُ على بن هلالٍ المعروفِ بابنِ البوَّابِ في قصيدته في صناعة الكتاب: وألِقْ دواتَكَ بالمِدادِ مُعمِّرًا بالخلِّ أو بالحِصْرِمِ المعصودِ (وحرّف القلم) بتشديد الراء المكسورة: أمرٌ من التحريف؛ أي: اجعل طرف شقه الأيمن أزيَدَ من الطرف الآخر قليلًا لأنه أسرع في الكتابة وأبدع في اللطافة. (وفرّق السّين)؛ أي: أسنانها (ولا تعوِّر الميم)؛ أي: لا تطمسها بل بيِّنْ وسطها، وهو بتشديد الواو بعد العين المهملة. انظر: "شرح الشفا" للملا علي القاري (١/ ٧٢٧)، وفيه: (وأقم الباء)؛ أي: طولها.
(٢) في (ر): "القتيبي".
(٣) في (ف) و(أ): "يريدوا".
(٤) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٩٢)، وعزاه للقيسي.
(٥) "لما" من (ف).
[ ١ / ٤٥ ]
أحدها: أنَّ الباءَ حرفٌ ممالٌ في الاسمِ، فإنَّك تَقرأ (^١) الباءَ على الإمالة، وهي دليلُ (^٢) الكسرةِ، وليس كذلك الكافُ واللامُ والواوُ؛ لأنَّها لا تُمال، ولا يَلزم عليها التاءُ أنَّها (^٣) تُمال ومع ذلك تُفتَح في قولك: تَاللَّهِ؛ لأنَّها بدلُ واوِ القَسَم، والواو مفتوحةٌ فأُلحقَ البدلُ بها، وبخلافِ (^٤) الفاءِ فإنَّها (^٥) ممالةٌ، وهي مفتوحةٌ في قولك: فَاللَّهِ؛ لأنَّها (^٦) لو كُسرت فقيل: فِاللَّهِ، اشتَبهت بـ: في اللَّهِ، ففُتحت؛ ليزولَ الاشتباهُ.
والثاني: قولُ سيبويه: أنَّها لا عَمَلَ لها إلَّا الكسرُ، فكُسرت لذلك، بخلافِ الكافِ؛ لأنَّها إذا كانت للخطابِ لم تكن كاسرةً، وكذلك التاء، وأمَّا اللامُ فكثيرٌ مِن اللاماتِ ليست بكاسرةٍ، وكذا الواوُ والفاءُ.
والثالث: قول المبرِّد: أنَّ أصلها الياء، فإنَّك (^٧) تقول: بَيَيْتُ؛ أي: كتبت الياء (^٨)، ولا كذلك سائرُ الحروف، فإذا ردَدْتَها إلى الياءِ كسرْتَها؛ لأنَّ الياءَ أختُ الكسرة.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "تقول".
(٢) في (ر): "دلالة".
(٣) في (ف): "ولا يلزم عليه التاء لأنها".
(٤) في (ف): "بخلاف".
(٥) في (أ) و(ر): "أنها".
(٦) في (ف): "فإنها".
(٧) في (ر): "لأنك".
(٨) في (ر): "الباء". والصواب المثبت. انظر: "تفسير الثعلبي" (١/ ٩٢)، ولفظه: (. . ألا ترى أنك إذا أخبرت عن نفسك فإنك قلت: بيبيت، فرددتها إلى الياء والياء أخت الكسرة. . .).
[ ١ / ٤٦ ]
وبعد الباء ﴿اسم﴾ هو وفيه أربع لغات: (اِسمٌ) بكسر الألف، و(اُسمٌ) بضمِّها، و(سِمٌ) بكسر السين، و(سُمٌ) بضمِّها، قال الشاعر:
واللَّهُ سمَّاك سُمًا مباركًا آثركَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا (^١)
وقال آخَر:
سُبحانَ مَن في كلِّ سورةٍ سِمُهْ قد أُنزِلت على طريقٍ نعلمُهْ (^٢)
وقال آخَر:
وعامُنا أَعْجَبنا مُقدَّمُهْ يُدعَى أبا السَّمْحِ وقِرضابٌ سُمُهْ (^٣)
واشتقاقُه مِن: سَمَا يَسْمُو سُمُوًّا، وسَمَى يَسْمِي سُمِيًّا؛ أي: عَلَا، فقولهم: (اُسْمٌ) بالضَّمِّ؛ بُنيَ على صيغةِ الأمرِ مِن الواويِّ منه، وقولهم: (اِسْمٌ) بالكسر؛ بُنيَ على صيغهِ الأمرِ مِن اليائيِّ (^٤) منه، كقولهم: (أَمْسِ) على صيغةِ الأمر، مِن: أمسَى يُمْسي (^٥).
_________________
(١) الرجز في "إصلاح المنطق" (ص: ١٣٤)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٥٣). قال ابن السكيت: أنشدني القناني. فنسبه العيني في "المقاصد النحوية" (١/ ٢٠٤) إلى أبي خالد القناني.
(٢) الرجز أورده أبو البركات الأنباري في "الإنصاف" (١/ ١٥ - ١٦)، وابن منظور في "لسان العرب" (مادة: سما).
(٣) انظر: "إصلاح المنطق" (ص: ١٣٤)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٥٤)، و"تهذيب اللغة" (٩/ ٢٨٧). قرضبَ الرجلُ: إذا أكل شيئًا يابسًا.
(٤) في (أ): "الثاني".
(٥) قوله: (أَمْسِ على صيغةِ الأمر، مِن: أمسَى يُمْسي) كذا في النسخ، وفيه نظر لأنه قياس للثلاثي على الرباعي، ولا وجه له هنا، ولعل الصواب: (اِمس من مَسَى يَمْسي)؛ أي: من الثلاثي، يقال: مَسَى يَمْسِي مَسْيًا: إذا ساءَ خُلُقُه بعد حُسْن. ومَسَى يَمْسي مسيًا وأَمْسى ومَسَّى كلُّه: إذا وعَدَك بأمرٍ ثم أَبْطَأَ عنك. انظر: "تهذيب اللغة" (١٣/ ٨٢).
[ ١ / ٤٧ ]
والأسماء المبنيَّة على صيغةِ الفعلِ كثيرةٌ، كقولهم: يَشكر ويَزيد وتَغلب ويَعمل، ومعنى الاسمِ مِن هذا المأخذِ: أنَّ المسمَّى يَعلُو بتسميتِه، وذاكرُ اللَّهِ تَعلُو درجتُه بذِكْرِ اللَّهِ ومِدْحتِه.
ومَن قال: إنَّ اشتقاقَه مِن وَسَمَ يَسِمُ، فقد أَخطأ؛ لأنَّ الفعلَ منه: سَمَّى يُسمِّي، وتَسَمَّى يَتَسمَّى، وجمعُ الاسمِ: الأَسماءُ والأَسامي، وتصغيره: السُّمَيُّ، وحرفُ العلَّةِ في آخِره، ولو كان مِن الوَسمِ لم يكن كذلك. والألف في أوله مُدرَجةٌ تذوبُ عند الوَصْل؛ لأنَّها أُدخِلت في أوَّله زائدةً بعد حذفِ آخرِه تخفيفًا، والزوائدُ الضروريةُ كذلك، كما في الابْنِ والابْنَةِ والاثْنَين (^١)، وأَلفاتِ الأمرِ مِن الأفعالِ الثُّلاثيَّة والأفعالِ المُتشعِّبة.
ثم تكلَّموا في إدخال كلمة (اسم) هاهنا:
قال أبو عبيدةَ: هو صلةٌ وزيادةٌ، ومعناه: باللَّه، كما في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]؛ أي: يُذكَر هو، وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]؛ أي: تباركَ ربُّك، كما قال: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقال لبيد (^٢):
إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عَليكُما ومَن يَبْكِ حَولًا كامِلًا فقد اعْتَذَرْ (^٣)
_________________
(١) في (أ): "والابنين".
(٢) انظر: "ديوان لبيد" (ص: ٥١).
(٣) في هامش (ف): أوله: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وما أنا إلا من ربيعة أو مضر
[ ١ / ٤٨ ]
وقالوا: في القرآن أربعُ كلماتٍ هي (^١) صلاتٌ؛ وهي: الاسمُ، والوجهُ، وكادَ، وطَفِقَ:
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢].
وتكلَّموا في معنى الزيادة: قال الأخفشُ: هو للتبرُّك، ولو قيل: باللَّه، لظنُّوه قَسَمًا، فأُزيلَ الاشتباهُ بذِكْر هذه الزيادة.
وقال قطربٌ: إنَّه لإجلالِ ذكرِ (^٢) اللَّهِ؛ ليقعَ به الفرقُ بين ذِكْره وبين ذِكْر خَلْقه في مثلِ قولهم: تبرَّكتُ بفلانٍ (^٣).
وأكثرُهم على أنَّ الكلمةَ مقصودةٌ غيرُ زائدة، ومعناه البدايةُ بذِكْر أسامِيْه التي سمَّى نفسَه بها والتبرُّكِ بها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وفيه شيئان: الثناءُ على اللَّهِ بها، واستنجاحُ الحوائجِ بذِكْرها.
فأمَّا (^٤) الأوَّل: فقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهي تسعةٌ وتسعونَ اسمًا متفرِّقةً في القرآن، وسمَّى المؤمنينَ بأساميَ حسنةٍ في القرآن، كما في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيات [المؤمنون: ١]، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ الآية [التوبة: ١١٢]، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]، ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ﴾ الآيات [المعارج: ٢٢ - ٢٣]، وقد قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
_________________
(١) في (ف) و(أ): "هن".
(٢) في (ر): "اسم". والمثبت من (أ) و(ف)، وهو الموافق لما في "النكت والعيون" (١/ ٤٧).
(٣) في (ر): "اسم". والمثبت من (أ) و(ف)، وهو الموافق لما في "النكت والعيون" (١/ ٤٧).
(٤) في (ف): "أما".
[ ١ / ٤٩ ]
وقال ﵇: "مَن أحبَّ شيئًا أَكثَرَ مِن (^١) ذِكْره" (^٢)، واللَّهُ تعالى أحبَّك فأَكثَرَ ذِكْرَك وعدَّ أسماءَك الحَسَنة، وأنتَ تحبُّه فادْعُهُ بأسمائه الحسنى.
وقد أَمَرَ اللَّهُ تعالى بذِكْر اسمِه على الإطلاق: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، ثم خصَّ الزمانَ بقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥]، والمكانَ فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآيةَ [النور: ٣٦]، والمحلَّ فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، وأَثبت به الحِلَّ فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وحرَّم ما لا (^٣) يُذكَر اسمُ اللَّهِ عليه فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
ومَن خُتم له باسمِ اللَّهِ ماتَ سعيدًا، ومَن وُضعَ في قبرِه فقيل: باسمِ اللَّه وعلى ملَّةِ رسولِ اللَّه، لُقِّنَ الجوابَ ولقيَ الثوابَ، ومَن أُعطيَ كتابَه في القيامة وأُريد به الخيرُ، أُلهمَ أنْ يقول: بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ.
وفي الخبر: أنَّ عبدًا يُؤتَى كتابَه فيقول: بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فيَنْشرُه فإذا هو أبيضُ لا شيءَ فيه، فيُقالُ له: كان مملوءًا سيئاتٍ فمُحيَ ببركةِ التسمية، وإذا مرَّ على الصراطِ وأُريدَ به الخيرُ أُلهمَ أنْ يقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم (^٤).
وفي الخبر: أنَّ المؤمنينَ إذا وَضعوا أقدامَهم على الصِّراط يقولون: بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فيمرُّون عليها وثيابُهم نَديَّةٌ مِن العَرَق.
_________________
(١) "من" ليست في (ف).
(٢) رواه أبو نعيم والديلمي كما في "المقاصد الحسنة" (ص: ٦١٩) من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا، وانظر: "ضعيف الجامع".
(٣) في (ف): "لم".
(٤) في (أ) و(ف): "أن يقول هذا".
[ ١ / ٥٠ ]
وأمَّا استنجاحُ الحوائجِ فقد قال عليٌّ ﵁: كلمةُ بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ (^١) مُسهِّلةٌ للوعور، مُجنِّبةٌ للشرور، شفاءٌ (^٢) لِمَا في الصدور، أمانٌ يومَ النُّشور.
وأمَّا اسمُه (^٣) (اللَّه) مرَّ الكلامُ فيه (^٤) في التعوُّذ.
وقولُه (^٥): ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هما اسمانِ مشتقَّانِ مِن الرَّحمة، ورحمةُ اللَّهِ هي إرادتُه الخيرَ بأهلِه.
وقيل: هي إعطاءُ اللَّهِ العبدَ ما لا يَستحقُّه مِن المثوبةِ، ودفعُ ما يَستوجبه مِن العقوبة.
وقيل: هي تركُ عقوبةِ مَن يستحقُّ العقوبةَ.
وقيل: هي المِنَّة على المحتاجِ.
وقيل: هي العطفُ.
وكثُرت أقاويلُ السلفِ والخَلَف في تفسيرهما:
روى أبو سعيد الخُدريُّ رضي اللَّه تعالى عنه أنَّ عيسى ﵇ قال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ رحمنُ الدنيا، و﴿الرَّحِيمِ﴾ رحيمُ الآخرة (^٦).
_________________
(١) "الرحمن الرحيم" ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (ف): "وشفاء".
(٣) في (أ): "وقوله"، بدل: "وأما اسمه".
(٤) في (ف): "عليه".
(٥) في (ف): "وأما اسماه".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٢٦)، وفيه: "الرحمن: رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم: رحيم الآخرة". ورواه أيضًا ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٠٤)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ١٤٥)، وقال ابن عدي: حديث باطل. وقال ابن الجوزي: موضوع. وفيه: إسماعيل بن يحيى =
[ ١ / ٥١ ]
ويرجع إلى ذلك قولُ مجاهد: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بأهلِ الدنيا، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بأهلِ الآخرة (^١).
وقولُ يحيى بنِ مُعاذٍ الرازيِّ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بمصالحِ معاشهم، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بمصالحِ معادهم (^٢).
وقول بكرِ بنِ عبد اللَّه المزنيِّ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بنِعَم (^٣) الدنيا، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بنعيم الآخرة (^٤).
وقول الحارث بنِ أَسَد: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ برحمةِ النفوس، و﴿الرَّحِيمِ﴾ برحمةِ القلوب (^٥).
وقال أبو بكر الورَّاق: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بالنَّعماءِ، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بالآلاءِ؛ فالنَّعماءُ ما أَعطى وحَبَا، والآلاءُ ما صَرَف وزَوَى (^٦).
_________________
(١) = التيمي، قال عنه الأزدي كما في "ميزان الاعتدال" (١/ ٢٤٥): ركن من أركان الكذب.
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٩٩).
(٣) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٠١). ويحيى بن معاذ الرازي من كبار المشايخ، له كلام جيد ومواعظ مشهورة، توفي بنيسابور سنة (٢٥٨ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ١٥).
(٤) في (ر) و(ف): "بنعيم".
(٥) في (ف) و(أ): "بنعم الدين". وبكر بن عبد اللَّه هو أبو عبد اللَّه المزني البصري أحد الأعلام، يذكر مع الحسن وابن سيرين، حدث عن المغيرة بن شعبة وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وعدة. انظر: "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٥٣٢).
(٦) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٠٠). والحارث بن أسد هو أبو عبد اللَّه البغدادي المحاسبي صاحب التصانيف الزهدية، كبير القدر، وقد دخل في شيء يسير من الكلام فنقم عليه، توفي سنة (٢٤٣ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ١١٠).
(٧) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٠٠).
[ ١ / ٥٢ ]
وقال محمد بنُ عليٍّ الترمذيُّ (^١): ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بالإنقاذِ مِن النيران، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بالإدخالِ إلى (^٢) الجِنان.
وقال السَّريُّ بنُ مُغَلِّس (^٣): ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بكشفِ الكروب، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بغفرانِ الذنوب.
وقال عبد اللَّه بنُ الجرَّاح (^٤): ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بتبيينِ الطريق، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بالعصمةِ والتوفيق.
وقال ابنُ عباس: ﴿الرَّحْمَنِ﴾: العاطف على البَرِّ والفاجرِ بالرِّزق، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بالمؤمنينَ خاصَّة (^٥).
وقال مقاتل بنُ سليمان: ﴿الرَّحْمَنِ﴾: العطوف على كلِّ عباده بفضله، و﴿الرَّحِيمِ﴾: الرفيق بأهلِ طاعته؛ إذ لم يكلفهم ما لا يُطيقون، وأَوجبَ لهم مِن الرحمةِ ما لا يستحقُّون.
وقال خارجةُ بنُ مصعبٍ (^٦): ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بكلِّ خَلْقه، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بأوليائه.
_________________
(١) هو محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد اللَّه، الحكيم الترمذي صاحب "نوادر الأصول"، المتوفى نحو (٣٢٠ هـ). ووقع في مطبوع "تفسير الثعلبي" (١/ ١٠٠): المزيدي.
(٢) في (ف): "في".
(٣) الزاهد المعروف، أبو الحسن البغدادي السقطي خال الجنيد وتلميذ معروف الكرخي، توفي سنة (٢٥٧) وكلامه أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٠١).
(٤) لعله عبد اللَّه بن الجراح بن سعيد التميمي، أبو محمد القُهُسْتاني نزيل نيسابور، من رجال "التهذيب"، وكلامه أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٠١).
(٥) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٢) بنحوه.
(٦) خارجةُ بنُ مُصْعب بن خارجة أبو الحَجَّاج الضُّبَعيُّ السَّرخسيُّ، عالِمُ أهل خُراسانَ على لِينٍ فيه، توفي سنة (١٦٨). انظر: "تاريخ الإسلام" (٤/ ٢٤٨).
[ ١ / ٥٣ ]
وقال السَّريُّ بنُ مُغَلِّس أيضًا: ﴿الرَّحْمَنِ﴾: العاطفُ على عباده، يَرزقهم مِن حيث لا يَحتسبون، ويَدفع عنهم مِن حيث لا يَعلمون، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بالمؤمنينَ يَغفرُ لهم ما يُذنبون.
وقال الضحاك: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بأهلِ السماوات حين أَسكنهم السماواتِ، وطوَّقهم الطاعاتِ، وأكرمهم بقُربه، وائتَمنهم على وَحْيه، وجنَّبهم الآفاتِ، وقَطَع (^١) عنهم الشهواتِ، وأَنطق ألسنتهم بأنواعِ التَّسبيح، وأبعدهم عن الشبهات (^٢)، وكَساهُم ملابسَ النُّور، ﴿الرَّحِيمِ﴾ بأهلِ الأرض حينَ أَرسل إليهم الرُّسلَ، وأَنزل عليهم الكتبَ، وأَعذر إليهم، فإنَّه بيَّن لهم ما يَنفعهم وما يَضرُّهم وصَرَف البلايا عنهم (^٣).
وقال ابنُ المبارك: ﴿الرَّحْمَنِ﴾: الذي إذا سُئلَ أَعطى، ﴿الرَّحِيمِ﴾: الذي إذا لم يُسأل غَضِبَ (^٤).
وقال بسَّام بنُ عبد اللَّه العراقيُّ (^٥): ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بأهلِ طاعته؛ حين قَبِلَ منهم الطاعاتِ وإن كنَّ غيرَ صافيات، ﴿الرَّحِيمِ﴾ بأهلِ معصيته، إذا تابوا مَحا عنهم السيئاتِ وأَبدلها حسناتٍ.
_________________
(١) في (ف): "ووضع".
(٢) قوله: "وأبعدهم عن الشبهات" من (ر).
(٣) أورده بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٩٩ - ١٠٠).
(٤) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٠٠).
(٥) بسام بن عبد اللَّه الصيرفي أبو الحسن الكوفي، روى عن زيد بن علي بن الحسين وأخيه أبي جعفر الباقر وجعفر الصادق وعطاء وعكرمة، وغيرهم، وعنه ابن المبارك ووكيع وأبو نعيم وغيرهم، من رجال "التهذيب".
[ ١ / ٥٤ ]
وقال مطرٌ الورَّاقُ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بغفرانِ السيئات، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بقَبولِ الطاعات (^١).
وقال أبو بكر الورَّاق: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بمَن جَحَده، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بمَن وحَّده (^٢).
وقيل: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بمَن كَفَره، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بمَن شَكَره.
وقيل: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بالفِطْرة، و﴿الرَّحِيمِ﴾ بالدَّعوة.
وروى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابنِ عباس ﵄ أنَّه قال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ و﴿الرَّحِيمِ﴾ اسمانِ رقيقانِ (^٣)؛ أحدهما أرقُّ مِن الآخر (^٤).
قال الحسين بنُ الفَضْل البَجَليُّ: هذا وَهَمٌ مِن الرَّاوي؛ لأنَّ الرِّقَّة ليست مِن صفات اللَّهِ تعالى -وتفسيرها: الشفقةُ الناشئةُ مِن رقَّة القلب- وإنَّما هما رفيقانِ، والرِّفق مِن صفاتِ اللَّهِ تعالى، قال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ اللَّهَ رفيقٌ، ويحبُّ الرِّفق، ويُعطي على الرِّفق ما لا يُعطي على العنف" (^٥).
وكثير مِن العلماء صحَّحوا روايةَ القاف، وفسَّروا الرِّقَّة باللطف وكمالِ العطف، مجازًا مأخوذًا مِن رقَّة قلوب العباد على أحبَّتهم، وهو كمالُ عطفِهم ورحمتِهم.
_________________
(١) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٠١).
(٢) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٠١)، وزاد: والرَّحْمن بمن كفر والرَّحيم بمن شكر، والرَّحْمن بمن قال ندًّا والرَّحيم بمن قال فردًا.
(٣) في (ف): "رفيقان"، والصواب المثبت كما سيأتي بيانه.
(٤) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٢) من طريق محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس موقوفًا. ومحمد بن مروان هو السدي الصغير، وهو كذاب، والكلبي متروك. وقال ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ٣٥٩): لا يثبت هذا الحديث؛ لأنه من رواية الكلبي، وهو متروك.
(٥) رواه مسلم (٢٥٩٣) من حديث عائشة ﵂. وانظر كلام الحسين بن الفضل في "الأسماء والصفات" عقب الخبر رقم (٨٣).
[ ١ / ٥٥ ]
واختلفوا بعد ذلك في المراد بهذا الحديثِ على أربعة أقاويلَ:
فقال بعضهم: معناه: أنَّ أحدَ الاسمَيْن أدلُّ على زيادةِ لطفٍ، لا يُفهَم ذلك مِن الاسمِ الآخَر.
وقالوا: لا يُعرَف (^١) ذلك الاسمُ على التعيين؛ لوجودِ الإبهامِ وعدمِ التبيين.
وقال سعيد بنُ جبير: هو الرَّحمن؛ لأنَّه يعمُّ الكافرَ والمؤمنَ جميعًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦].
وقال وكيع بنُ الجراح: هو الرَّحيم؛ لأَنَّه يَشمل المؤمنَ في الدنيا والآخرةِ؛ أمَّا (^٢) في الدنيا فظاهرٌ، وأمَّا في الآخرة فغفرانُ ذنوبهم وإدخالُهم (^٣) الجنَّة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧].
وقال قائلون: معناه: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما أرقُّ مِن الآخَر؛ على معنى: أنَّ في كلِّ واحدٍ مِن الاسمين معنًى يُفهَم منه ما لا يُفهَم ذلك مِن الآخَر، بحيث لا يمكن تفضيلُ أحدِهما على الآخَر، وذلك فيما حكينا مِن الأقاويل.
وقال ثعلب: الرَّحمنُ أمدحُ مِن الرحيم، والرَّحيم أرقُّ مِن الرحمن.
وقال جعفر بنُ محمد الصادق: الرَّحمنُ خاصٌّ في التسمية عام في الفعل، والرَّحيم عامٌّ في التسمية خاصٌّ في الفعل (^٤).
_________________
(١) في (ف): "نعرف".
(٢) في (ف): "فأما".
(٣) في (ف) و(أ): "فغفران ذنوبه وإدخاله".
(٤) أورده البيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٥) عن عبد الرحمن بن يحيى.
[ ١ / ٥٦ ]
وخصوصُ الرَّحمنِ في التسمية أَنَّه لا يَتسمَّى به أحدٌ غيرُه، وعمومُه في الفعل أَنَّه يَرحمُ البَرَّ والفاجرَ، وعمومُ الرحيم في التسمية أَنَّه يجوز أن يَتسمَّى به غيرُه، قال اللَّه تعالى في حقِّ نبيِّه ﵊: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال في حقِّ أصحابه (^١): ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وخصوصُه في الفعل أَنَّه يَرحمُ المؤمنَ دون الكافرِ.
وقال أبو عبيدة: الرحمنُ ذو الرحمة، كالعَطْشان هو ذو (^٢) العَطَش، والرَّيَّان هو ذو الرّيِّ، والرَّحيمُ هو الراحم، كالقَديرِ هو القادر، والعَليمِ هو العالِم، فالأوَّل إثباتُ صفةٍ، والثاني إثباتُ فعلٍ (^٣).
وقيل: الرحمنُ على وزن فَعْلان (^٤)، وهو مبالغةٌ في الصفة، فإنَّ الغضبانَ هو الممتلئُ غضبًا، والسكرانُ هو الممتلئُ سُكْرًا، والرَّحيمُ هو الدائمُ الرحمة، والرَّاحمُ هو الذي وُجدت منه الرحمةُ.
وقيل: الرَّحمنُ: مَن له الرحمةُ، كالغَضبان: مَن له الغضبُ، والرَّحيمُ: مَن يَرحمُ، كالسَّميع: مَن يَسمع.
ثم معنى الجمعِ بين الاسمينِ مع أنَّهما مِن صفةٍ واحدةٍ وجوهٌ أربعةٌ:
_________________
(١) في (ف): "الصحابة".
(٢) في (أ): "هو ذا" وفي (ر): "ذو" دون "هو".
(٣) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٢١)، ولفظه: "الرّحمن" مجازه ذو الرحمة، و"الرّحيم" مجازه الراحم، وقد يقدِّرون اللفظين من لفظ واحد والمعنى واحد، وذلك لاتّساع الكلام عندهم، وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا: ندمان ونديم.
(٤) في (أ): "الفعلان".
[ ١ / ٥٧ ]
أحدها: الإشباع، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف: ٨٠]، والرَّحمنُ والرَّحيمُ كالنَّدمان والنَّديم، واللَّهفان واللَّهيف، والجمعُ بينهما كالجمع بين قولهم: جادٌّ مُجِدٌّ.
والثاني: قولُ ثعلب: أنَّ الرَّحمن عبرانيُّ الأصل، فقُرنَ به الرَّحيمُ الذي هو مفهومُ العرب (^١).
والثالث: أنَّ معنى الاسمين مختلفٌ كما مرَّ مِن الأقوال (^٢)، فلم يَكن تكرارًا.
والرابع: أنَّه بَدَأَ باسم اللَّه وهو دلالةُ الهَيبة، فذَكَر بعده اسمين مشتقَّين مِن الرحمة، يبشِّرهم أنَّه يُوصِل إلى عباده آثارَ رحمتِه أَكثر ممَّا يُوصِل إليهم آثارَ رهبته (^٣).
ثم معنى تقديمِ اسمِ الرَّحمن على الرَّحيمِ: أنَّه اسمٌ خاصٌّ للَّه تعالى، فقدِّم على الرَّحيم الذي قد يُسمَّى به غيرُه، ولأنَّ الرَّحمن أبلغُ في المدح، فكان أَولى بالسَّبق، ولأنَّ معناه: الرازقُ، ومعنى الرَّحيم: الغافرُ، وأَثَر ذلك أسبق (^٤) وصولًا إلى العبد (^٥)، فسَبَق في الذِّكْر.
ومعنى البداية في التسمية (^٦) باسمِ اللَّه، ثم بالرَّحمن، ثم بالرَّحيمِ: أنَّ الناسَ عند مبعثِ رسولِ اللَّه -ﷺ- كانوا فِرَقًا ثلاثة:
مشركي العرب: وكانوا يَعرفون اسمَ اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للنحاس (١/ ٥٥ - ٥٦).
(٢) في (أ) و(ف): "الأقاويل".
(٣) في (أ) و(ف): "هيبته".
(٤) في (أ): "أشق".
(٥) في (أ): "العباد".
(٦) بعدها في (ف): "بسم اللَّه الرحمن الرحيم".
[ ١ / ٥٨ ]
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وما كانوا يَعرفون الرَّحمن، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠].
واليهودَ: كانوا يَعرفون اسمَ الرَّحمن، قال عبد اللَّه بنُ سلَام لمَّا أَسلَمَ: يا رسولَ اللَّه، لا أَرى في كتابكم ذِكْرَ الرَّحمن، فنَزَل قولُه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] (^١).
والنصارى: كانوا يَعرفون اسمَ الرَّحيم.
فوقعت البدايةُ في خطابِ القومِ بذِكْر هذه الأسماءِ الثلاثة، لمعرفة المخاطَبين بها.
ولأنَّ كلَّ عبدٍ له ثلاثةُ أشياءَ: قلبٌ، ونفسٌ، وروحٌ، فعلى القلبِ بهذه التسمية سِمَةُ المعرفةِ والإيمان، وعلى النَّفْسِ سِمَةُ الرزقِ والإحسان، وعلى الروح سِمَةُ العفوِ والغفران.
ولأنَّ (اللَّهَ) اسمٌ ممتنعُ اللفظِ والمعنى، والرَّحمن ممتنعُ اللفظِ مُطلَقُ المعنى، والرَّحيم مُطلَق اللفظ والمعنى، فكان البدايةُ باسمِ اللَّه أَولى ثم بالرَّحمن ثم بالرَّحيم.
ولأنَّ أحوالَ العبدِ ثلاثة: سابقتُه وحالتُه وخاتمتُه، فرُتَبُ هذه الأسماءِ الثلاثةِ يُعلِمك أنَّه (^٢) اللَّهُ الذي أَصلح سابقتَك، والرَّحمنُ الذي هيَّأ حالتَك، والرَّحيمُ الذي يُحْسِن عاقبتَك، اللَّهُ الذي خَلَقك، والرَّحمن الذي رَزَقك، والرَّحيمُ الذي يَغفرُ لك.
وقالوا: للَّهِ تعالى ثلاثةُ آلافِ اسمٍ؛ ألفٌ عرَفها الملائكةُ لا غير، وألفٌ عرفها
_________________
(١) انظر: "تفسير أبي الليث" (٢/ ٣٣٣) عن الكلبي بنحوه.
(٢) في (ف): "أن".
[ ١ / ٥٩ ]
الأنبياء لا غير، وثلاثُ مئةٍ في التوراة، وثلاثُ مئةٍ في الإنجيل، وثلاثُ مئةٍ في الزَّبور، وتسعةٌ وتسعونَ في القرآن، وواحدٌ استأثرَ اللَّهُ به.
ثم معنى هذه الثلاثةِ آلافِ أسمٍ (^١) في هذه الأسماءِ الثلاثةِ، فمَن عَلِمها وقالَها فكأنَّما ذَكَر اللَّهَ بكلِّ أسمائه.
وفي القرآن تسعةٌ وتسعونَ اسمًا، فإذا جُعلت أثلاثًا (^٢) فكلُّ ثلثٍ ثلاثةٌ وثلاثونَ، والأمَّة ثلاثةُ أصنافٍ: سابقون، ومقتصدون، وظالمون، فثلاثةٌ وثلاثونَ على (^٣) نصيبِ السابقين، ومثلُها على نصيبِ المقتصدين، ومثلُها على نصيبِ الظالمين. وهذه الأسماءُ الثلاثةُ تتضمَّن معانيَ الجميع؛ (اللَّهُ) يتضمَّن معانيَ ثلاثةٍ وثلاثين اسمًا، و(الرَّحمن) كذلك، و(الرَّحيم) كذلك.
وجُمعت هذه الأسامي (^٤) في التسمية وضُمِّنت معانيَ الجملة: (أي سابقان اللَّه بنم بيدار باشيد، أي مقتصدان رحمن منم هشيار ياشيد، أي ظالمان رحيم منم بنوه بركار باشيد، ظا لم سيار والمقتصد دوار والسابق طيار (^٥)، وكلهم أنت الظالمُ نفسَك، والمقتصِدُ قلبُك، والسابقُ سرُّك، نفس لمحراب دونده آست دل در ملكوت كرديده أست هفردر رير عرس مريده آست اللَّه رحمن رحيم هر سه وأنوار ريده أست).
قال الشيخ نجم الدين ﵁: وكان شيخُنا الإمامُ الأستاذُ الخطيبُ أبو
_________________
(١) "اسم": من (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "على الأثلاث".
(٣) "على" ليست في (أ).
(٤) في (ف): "الأسماء".
(٥) في (ف): "طبد".
[ ١ / ٦٠ ]
محمد إسماعيلُ بنُ محمد النوحيُّ النسفيُّ (^١) -﵀ ورضيَ عنه- روَى لنا عن بعضِ أولادِ عليٍّ ﵁: أنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا خلقَ القلمَ قال له: اكتُب بسمِ اللَّهِ الرَّحمن الرَّحيم، فلمَّا سمع اسمَ (^٢) (اللَّهِ) وَليَ القلمُ وانشقَّ نصفين، فوضعَ رأسَه على اللوحِ كذلك مشقوقًا ألفَ عامٍ حتى رَحِمه الرَّبُّ تعالى، فأَسمعه الاسمينِ: الرَّحمنِ والرَّحيم (^٣)، فالْتَأَمَ أحدُ الشِّقَّين بسماعِ أحدِ الاسمين، والْتَأَمَ الشِّقُّ الآخَرُ بسماعِ الاسمِ الآخَرِ.
وقالوا في حذفِ الألفِ مِن (بسم): هي سقطةُ حَيْرة، وفيها نقطةُ فِكْرة؛ أي: حارَ القلمُ فحذفَ الألفَ في الكتابة، فصارت هذه السَّقطةُ نُقطةَ فِكرة لأهل الكتابة.
وقالوا: أَوجدَ اللَّهُ الأشياءَ بإلهيَّته، وأَمسكها برحمتِه، فما مِن نعمةٍ على الأوَّلين ولا على الآخِرِين، ولا في الدنيا ولا في الآخرة، إلَّا برحمتِه، كان (^٤) غفرانُ آدمَ وحوَّاء برحمتِه، قال تعالى خبرًا (^٥) عنهما: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وكذا في حقِّ نوحٍ ﵇ فإنَّه قال: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وكذا في حقِّ موسى وهارون
_________________
(١) هو إسماعيل بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن نوح، كتب الحديث بسمرقند، وجلس فيها للعامة كثيرًا، وخطب على منبر سمرقند، سمع أبا العباس جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري الحافظ، توفي سنة (٤٨١ هـ) بسمرقند، وعاش تسعًا وخمسين سنة. انظر: "الأنساب" للسمعاني (٥/ ٥٣١)، و"تاريخ الإسلام" للذهبي (٣٣/ ٥١).
(٢) في (أ): "فبسماع اسم"، وفي (ف): "فبسماع اسمه".
(٣) في (ف): "الرحمن الرحيم".
(٤) في (ر): "وكان".
(٥) في (ر): "مخبرًا".
[ ١ / ٦١ ]
﵉ إخبارًا (^١) عنهما: ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ [الأعراف: ١٥١].
وكانت نجاة الأنبياء والمؤمنين برحمته.
وقال في حقِّ نوحٍ ﵇: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣].
وقال في حقِّ هودٍ ﵇: ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٥٨].
وقال في حقِّ صالحٍ ﵇: ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٦٦].
وقال في حقِّ شعيبٍ ﵇: ﴿نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٩٤].
وكان الوحيُ إلى نبيِّنا محمَّد -ﷺ- برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦].
وكان بَعثُه كذلك رحمةً (^٢)، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وكان لِيْنُهُ مع أمَّته برحمتِه، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وكان حِفظُه عن إضلالِ المنافقين برحمِته، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣].
_________________
(١) في (أ): "خبرًا" وفي (ف): "فإنه قال خبرًا".
(٢) "رحمة": من (ر).
[ ١ / ٦٢ ]
وإِمطارُ السَّحاب علينا وإنباتُ الأرزاق بها برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧].
وتزيينُ العالَم في الرَّبيع لنا برحمتِه، قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠].
ومنافعُ الليلِ والنهارِ لنا برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص: ٧٣].
وسَدُّ يأجوجَ ومأجوجَ ودَفْعُ ضررِهم عنَّا برحمتِه: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨].
وتوسيعُ الرِّزقِ علينا برحمتِه، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ﴾ [الإسراء: ١٠٠].
وإعطاءُ الخِصْب لنا (^١) برحمتِه، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢].
ودوامُ العافيةِ لنا برحمتِه، قال تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ [الزمر: ٣٨].
والأُلفةُ بين الزوجينِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
وإرسالُ الرسلِ إلينا برحمتِه، قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
وإنزالُ القرآنِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].
_________________
(١) "لنا": من (ف).
[ ١ / ٦٣ ]
وإعطاءُ الإيمانِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨].
والعصمةُ مِن الهوى والبِدْعةِ والتَّثبُّتُ على السُّنَّة والجماعة برحمته، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
وصلاحُ العبدِ وورعُه برحمته، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١].
ومخالفةُ الهوى والنفسِ (^١) برحمته، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣].
ومخالفةُ الشيطانِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].
والتوبةُ بعد الوقوعِ في المخالفةِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠].
وكلُّ شيءِ نَناله بسعة رحمتِه (^٢)، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
والخصوصُ مِن هذا العمومِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤].
ومِن أهلِ الخصوصِ المحسنون، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
_________________
(١) في (أ): "هوى النفس".
(٢) في (ر): "نناله برحمته".
[ ١ / ٦٤ ]
والمطيعون أطاعوا اللَّه برحمته، قال تعالى (^١): ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١].
والمتَّقون اتَّقَوا اللَّهَ برحمتِه (^٢)، قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].
والمجاهدون مفضَّلون على القاعدينَ رحمته (^٣) قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
وجوازُ العفوِ عن القاتلِ وأَخذِ الدِّيَةِ بالصلحِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
وإمهالُ مَن يُؤذي (^٤) المسلمينَ بلسانِه عن المؤاخَذةِ في الحالِ (^٥) برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤].
وإمهالُ الكفَّار برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ الآية [الكهف: ٥٨].
فلا ينبغي للعبدِ أنْ يقنطَ مِن رحمة اللَّه (^٦)، قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] فالكافرُ هو الذي يَيأسُ مِن رحمته، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ
_________________
(١) قوله: "والمطيعون أطاعوا اللَّه برحمته قال تعالى" ليس في (أ)، وفي (ف): "والمطيعون قال".
(٢) قوله: "اتقوا اللَّه برحمته" ليس في (أ) و(ف).
(٣) قوله: "مفضَّلون على القاعدينَ برحمتِه" ليس في (أ) و(ف).
(٤) في (ر) و(أ): "وأمان مؤذي".
(٥) في (ف): "المؤاخذة للحال".
(٦) في (أ): "من رحمته".
[ ١ / ٦٥ ]
رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] والمؤمنُ راجي رحمتِه، قال تعالى: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وقد ضلَّ مَن قنطَ مِن رحمتِه (^١)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦].
ويختصُّ المؤمنَ يومَ القيامةِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
والجمعُ يومَ القيامة برحمتِه، قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٤].
ومغفرةُ الذنوبِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨].
وشفاعةُ النبيِّ -ﷺ- للأمَّة برحمته، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وصرفُ العقوبةِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦].
ودخولُ الجنَّة برحمتِه، قال تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧].
وإعطاءُ الشهواتِ فيها برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣١ - ٣٢].
والبِشارةُ برحمتِه، قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ [التوبة: ٢١].
والسلامُ والرؤيةُ برحمتِه، قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].
_________________
(١) في (أ): "رحمة ربه".
[ ١ / ٦٦ ]
ثم التسميةُ عند مالكٍ آية مِن رأسِ كلِّ سورةٍ، وعند الشافعيِّ آيةٌ مِن رأسِ (^١) الفاتحة، وعن محمد بنِ الحسن: أنَّها آيةٌ أُنزلت للفَصْل بين السُّورِ.
وظاهرُ مذهبِ أصحابِنا أنَّها ذِكْرٌ تُبدأ به القراءةُ تيمُّنًا وليست بآيةٍ، وفي سورة النمل هي ما دونَ آيةٍ.
وقالوا: اللطف في أنها ليست (^٢) بآيةٍ تامَّهٍ في القرآن، أن لا يكون (^٣) الجُنُبُ والحائضُ والنُّفساءُ ممنوعِين عنها (^٤) عند كلِّ أمرٍ ذي بالٍ، كالشهادتَيْن لم يُجمعا في القرآنِ في موضعٍ واحدٍ لئلَّا تتمَّ آية، وربَّما يُحتَضَر الجُنُبُ ونحوُه، فلا يُمكنه التكلُّمُ بهما عند ختمِ عمرِه.
وباللَّهِ التوفيقُ وعليه توكُّلي، وهو حسبي ونعْمَ الوكيلُ، وصلى اللَّه على سيِّدنا محمدٍ وصحبهِ أجمعين، والحمدُ للَّه ربِّ العالمين، تمَّ القولُ على البسملة.
* * *
_________________
(١) "رأس": من (أ) و(ف).
(٢) في (ف): "وقالوا ليست"، وفي (ر): "بل هي دون آية، وليست"، بدل: "وقالوا اللطف في أنها ليست".
(٣) في (ر): "إذ لو كانت آيةً لكان"، بدل: "أن لا يكون".
(٤) في (أ) وهامش (ف): "عنه" وفي (ف): "منها".
[ ١ / ٦٧ ]
سورة الفاتحة
[ ١ / ٦٩ ]