لقد اجتمع في هذا التفسيرِ أمورٌ لم تجتمِعْ في أيِّ تفسيرٍ آخر؛ من متانةِ الأسلوب، ووضوحِ المعاني، وكثرةِ النِّكات، وقوةِ الحُجج، وغيرِ ذلك مما سنبيِّنه فيما يأتي.
١ - وأولُ ما تميَّز به هذا التفسيرُ: هو أسلوبه في تفسير القرآن بالقرآن، واعتمادُه على ذلك في الاحتجاج والبيان، ووصولُه فيه إلى درجةٍ لم يصلْ إليها أيُّ تفسير، وقد أعددْتُ لهذا دراسةً شاملةً ستأتي إن شاء اللَّه عند بيان منهج المؤلف في تفسيره هذا.
٢ - وإنَّ من أهم ما يُميِّز هذا التفسير: هو ذاك النَّفَسُ الإيمانيُّ والنَّفْحُ الرَّبَّانيُّ المتخالِطُ مع التفسيرِ اللفظي، والمتشابِكُ معه، بعباراتٍ لطيفةٍ رائقة، وألفاظٍ منتَقاةٍ لائقة، صادرةٍ عن قلبٍ خاشعٍ ولسانٍ ذاكر، فيَشعر الإنسانُ أنها تتغلغلُ في أعماقه، وتحرِّك منه المشاعر:
- كقوله في تفسير: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بعد نقله كلامَ بعض العلماء في الصراط: وأنا أقول:
هو ما ليس عليه ظلامُ النُّكرةِ ولا غبارُ البِدعة.
هو ما لا يَضلُّ سالكُه ولا يهتدِي تاركُه.
هو ما لا يُخاف فيه قطعُ الطريق، ويُمدُّ سالكُه ببَدْرقةِ (^١) العصمة والتوفيق.
_________________
(١) البدرقة قال في "التاج" (مادة: بذرق): بالذالِ المُعْجَمة والمُهمَلة، وقال ابْن بَرِّي: هِيَ الخفارة، وقالَ الهَروي في (فصل عصم) من كتابِه "الغريبين": إن البَذْرقَة يُقال لها: عصمةٌ؛ أَي: يعتصم بها. . . =
[ المقدمة / ٤٦ ]
هو ما يُسهِّل إلى المقصد، والمقصودُ وصولُ قُصَّاده، واللَّهُ تعالى بمِرْصاده.
- وقوله في تفسير الصراط أيضًا: إنما سمِّي الدِّين صراطًا لأن مَن كان له مقصودٌ أو مطلَبٌ فإنما يصل إليه بعد قطعِ الطريق، وسلوكِ سواءِ السبيل، واللَّهُ تعالى متعالٍ عن الأمكنةِ، لكنَّ العبد الطالب صاحبُ المكان، فلا بد له من قطعِ المسافات، ومسِّ الآفَات، وتحمُّلِ المَخافات، ليُكرَم بالوصولِ والموافاة.
- وقال في شرح التي بعدها: وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في البدايةِ بالعناية، وفي الحالِ بالهداية، وفي النهايةِ بالحماية، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، وهذا في البداية، وقال تعالى: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وهذا في الحال، وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وهذا في النهاية.
- وقال في تفسير الآياتِ التي في مطلعِ سورةِ البقرة: ثم مجموعُ الآية أنه قال: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهو مدحٌ بترك كلِّ المخالفات، ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ وهو ثناءٌ برأس الطاعات، ثم قال: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ وهو مدحٌ بجامعةِ العبادات، ثم قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وهو مدحٌ بما هو أساسُ السَّخاوات، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهو التصديقُ بكلِّ الرسالات، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وهو الإقرارُ والاعتقادُ بالبعث والجزاء على كلِّ المعاملات، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو شهادةٌ لهؤلاء الموصوفين بالهداية في كلِّ الحالات، وحُقَّ لمن جمَع هذه الصفاتِ أنْ يؤهَّل لهذه الصِّلات.
_________________
(١) = يُقال: بَعَث السُّلطانُ بَذْرَقَة مع القافِلَةِ، بالذَّالِ معجَمَةً. . . والمبذرِق: الخفير. قلت: وينتج أن المراد بها هنا: العون والمدد، وما في معناهما.
[ المقدمة / ٤٧ ]
- وقال: وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] دلالةٌ على شمول القدرة والصَّنعة، وتنبيهٌ عن سِنَة الغفلة، أنهم كانوا فمضَوا، وجاؤوا وانقضَوا، فلا تنسَوا مصيركم، ولا تَستجيزوا تقصيرَكم.
- وفي أولِ يوسف قال: وانتظامُ أوَّل هذه السُّورةِ بآخرِ السُّورة الَّتي قبلَها: أنَّه افتتحَ هذه السُّورة بقوله: ﴿الر﴾ معناه: أنا اللَّهُ أرى من العرشِ إلى الثَّرى، فلي غيبُ السَّماوات العُلى والأراضي السُّفلى، ولسْتُ بغافلٍ عمَّا يعمل الورى.
وقيل: أنا اللَّه أرى ما نزل بيوسفَ مِن البلوى، من الجبِّ والسِّجن والشَّكوى، ثمَّ جعلتُه مَلِك الدُّنيا، وجمعتُه مع شيخِه المبتلَى.
٣ - كما يتميز بتلك النقول الرائعة والأقوال الجامعة المانعة، والتي كثير منها لا تجده في الكتب، وفيها جوامعُ الكلِم، والمواعظُ والحكم:
- ففي تفسير الفاتحةِ في سببِ تسميتها بأمِّ الكتاب أسهَبَ في شرح ذلك وما قيل فيه، ومنه قوله: وقيل: الأمُّ: الإمامُ؛ فالسورةُ إمامُ أهلِ الإسلام، وأمُّ القرى مقصدُ الأَنام، وجهنَّم قيل لها: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩]؛ لأنَّ الكافرَ له إليها المرجعُ والمقام، والدِّماغُ أمُّ الرأس وللرأسِ به القيام؛ فأمُّ القرآنِ تقوم بهذه المعاني العظام.
- وفي الفاتحة أيضًا قال: وقالوا: خيارُ المسلمين سبعةُ أصنافٍ: الحامدونَ، والراجون، والخائفونَ، والمخلِصون، والمتوكِّلونَ، والمستقيمون، والعارفونَ، وفي هذه السورة نصيبٌ لكلِّهم؛ فقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على نصيبِ الحامدين، وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على نصيبِ الراجين، وقولُه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على نصيبِ الخائفين، وقولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على نصيبِ المُخلِصين، وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ
[ المقدمة / ٤٨ ]
نَسْتَعِينُ﴾ على نصيبِ المتوكِّلين، وقولُه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ على نصيبِ المستقيمين. وبقيَّةُ السورة على نصيبِ العارفين.
- وفيها أيضًا في بيان الحمد والشكر: وقيل: الحمدُ مقلوبُ المدح، والشكرُ مقلوبُ الكَشْر، وهو انفتاحُ الشَّفتَيْن بالضَّحك حتى تبدوَ الأسنانُ، فالشكرُ انكشافُ الغطاءِ عن القلب حتى يعرفَ المنَّة مِن المنَّان.
- وكقوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: قال الواسطيُّ: أولُ قَدَمٍ في الإيمانِ: أن لا يجريَ عليك التلوين فيما يَرِدُ عليك من نعمةٍ أو بليَّة؛ إذ لا فرق بينهما في الحقيقة.
وقال داودُ الطائيُّ: الإيمان: ما يُوْرِثُك النورَ بعد الظُّلمة، ثم اللِّينَ بعد القَسوة، ثم السُّنَّةَ بعد البِدْعة، ثم التلذُّذَ بالعبادة بعد المجاهدة.
وقال سهلُ بن عبد اللَّه التُّسْتَريُّ ﵀: الإيمانُ أربعةُ أركان: التوكُّلُ على اللَّه، والاستسلامُ لأمر اللَّه، والرِّضا بقضاءِ اللَّه، والشكرُ لنعماء اللَّه عزَّ وعلا، والتقوى بابُ الإيمان، واليقينُ قلبُ الإيمان، والصبرُ عمادُ الإيمان، والإخلاصُ كمال الإيمان.
- وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ الآية [آل عمران: ٢٠٠] كان مما نقله فيها:
وقال بعض أهل المعرفة: ﴿اصْبِرُوا﴾ على بلائي ﴿وَصَابِرُوا﴾ نَعمائي ﴿وَرَابِطُوا﴾ أعدائي ﴿وَاتَّقُوا﴾ محبة مَن سوائي ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا بلقائي.
وقال آخر: ﴿اصْبِرُوا﴾ عند قيام النفير على احتمال الكُرَب ﴿وَصَابِرُوا﴾ على
[ المقدمة / ٤٩ ]
مقاساة العناء والتعب ﴿وَرَابِطُوا﴾ أعدائي بلا هرَب ﴿وَاتَّقُوا﴾ بهممكم عن الالتفات إلى السبب ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدا بلقائي على بساط الطَّرب.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يقال ﴿اصْبِرُوا﴾ على الطاعات وعن المخالفات ﴿وَصَابِرُوا﴾ في ترك الهوى والشهوات، وقطع المنى والعلاقات ﴿وَرَابِطُوا﴾ بالاستقامة في الصحبة في عموم الحالات.
قال: ويقال: ﴿اصْبِرُوا﴾ بنفوسكم ﴿وَصَابِرُوا﴾ بقلوبكم ﴿وَرَابِطُوا﴾ بأسراركم.
قال: والصبرُ مرٌّ مذاقتُه إذا كان العبدُ يتحسَّاه على الغَيبة، وهو لذيدٌ طعمُه إذا شربه على الشهود والرؤية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بمخالفةِ أهوائكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الفلاحُ: الظَّفَر بالبُغية، وهمةُ القومِ اليومَ الظَّفَرُ بنفوسهم، فإذا ظَفِروا بها ذبحوها بسيوفِ المجاهَدة، وصلَبوها على عيدان المكابَدة، وبعد فنائهم عنها يَحصلُ بقاؤهم بالمشاهَدة.
- وذكر أيضًا في الموضع نفسه: وقال عطاء: ﴿اصْبِرُوا﴾ على دينكم ﴿وَصَابِرُوا﴾ الوعد الذي وعَد ربُّكم ﴿وَرَابِطُوا﴾ عدوِّي وعدوَّكم، حتى يرجعَ عن دينه إلى دينِكم ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوني فيما نهيتُكم وأطيعوني فيما أمرتُكم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ تُسْعَدون وتَبقَون في الجنة ناعمين مخلَّدين كما بشَّرتكم.
٤ - وإن من أهم ما تميز به أيضًا كثرة ما ينقله من آثار أو أقوال في التفسير أو النحو أو اللغة أو غيرها مما لا يوجد في الكتب التي بين أيدينا:
وهذا مما يبوِّئ هذا التفسير المكانة العالية السامقة على غيره من التفاسير المطبوعة.
ففي الآثارِ عن السَّلفِ مثلًا كثيرٌ مما ساقهُ لم نقف عليه، والغالبُ أنه نقلَه من
[ المقدمة / ٥٠ ]
الكتب التي زَخرتْ بها مكتباتُ بلده وغيرِه من بلدانِ العالَم الإسلاميِّ، لكنها لم تَصِلْ إلينا لسببٍ من الأسباب:
- فمِن ذلك قولُ عليٍّ ﵁: لا تُنزِلوا الموحِّدين العارفين المخبِتين الجنةَ حتى يكونَ اللَّهُ هو يحكُم فيهم؟ لأن اللَّه تعالى يقولُ: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، ولا تُنزلوا الموحِّدين العارفين المذنبين النار حتى يكون اللَّه هو يحكم فيهم؟ لأن اللَّه يقول: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] نقَل هنا أقوالًا:
قال ابن عباس ﵄: أهلكنا. وقال الضحاك: دمَّرنا. وقال أبو العالية: خرَّبنا. وقال ابن كيسان: هزَمْنا وقتلنا، وأنشد قولَ تبَّعٍ اليمانيِّ:
ولقد قَصَمْتُ يهودَخيبرَ كلَّهم فتركتُ خيبرَ غيرَ ذاتِ يهودِ
ولم أقِفْ على هذه الأقوال عدا الأول، فقد رواه الطبري في "تفسيره" لكنْ عن ابن جُريجٍ ومجاهدٍ وابن زيد.
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: ذكر قول عمر ﵁: نِعْمَ السلاحُ القوسُ.
- وعند قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] قال:
وقال محمَّد بن عليٍّ الباقر: كلامُ أهلِ الجنَّة ثلاثة: التَّسبيح والتَّحميد وتسليمُ بعضهم على بعضٍ، ورزَقَ اللَّهُ تعالى هذه الثَّلاثةَ للمؤمنين في الدُّنيا في الصَّلاة؛ يَفتتِحون الصَّلاة بالتَّسبيح، ويفتتحون القراءة بالحمد، ويختمون بالسَّلام.
[ المقدمة / ٥١ ]
وقال الحسين بن علي: إذا أرادوا الطَّعام والشَّراب سبَّحوا، وإذا فرغوا حمدوا، وإذا اشتاقوا هلَّلوا، وإذا تلاقوا سلَّموا، وإذا تفرَّقوا بعدَ التَّزاور فآخر دعواهم -أي: آخر كلامهم عند التَّفرُّق- الحمد للَّه ربِّ العالمين.
- وعند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل: ٤٠] ذكَر ما فيه من أقوالٍ للسلف فقال:
قال مجاهد: دعا اللَّه فأُخرج له من نفقٍ في الأرض حتى وُضع بين يديه.
وقال ابن عباس ﵄: قال: يا حيُّ يا قيوم.
وقال عبد اللَّه بن سلَامٍ: قال: اللهمَّ إني أسألُكَ بأنك أنت اللَّهُ الذي لا إلهَ إلا أنت، الحيُّ القيوم، الطاهرُ المطهّر، نورُ السماوات والأرض، عالمُ الغيب والشهادة الكبيرُ المتعال.
ورُوي عن جابرٍ أنه قال في الدعاء: يا اللَّهُ يا اللَّهُ يا اللَّهُ.
وقال عمرو بن عديٍّ: دعا فقال: ياذا الجلالِ والإكرام، والفضلِ العظيم، والعزِّ الذي لا يُرام.
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور﴾ [العاديات: ١٠] ذكَر قولَ الحسن: حصِّل ما في صدور الصُّحف، وهو كتحصيلِ الحساب: يَذهب ممَّا كان في صور الطاعات ما لم يكن لوجهِ اللَّه ويبقَى ما هو لوجهه.
- وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: وقال الحسن: لجهنَّم سُرادقٌ كما قال: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] وللسُّرادق عَمَدٌ، فإذا مُدَّت تلك العَمَد أُطْبقت جهنمُ على أهلها.
- وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ قال: وقال يَعْلَى بن عطاء: ﴿وَثِيَابَكَ
[ المقدمة / ٥٢ ]
فَطَهِّرْ﴾ ممَّا كنْتَ تفكِّر فيه، ولا يَكثُرَنَّ (^١) عليك ما أوذِيْتَ به، فإنَّه قليلٌ في جنبِ ما يريد اللَّه أن يثيبَكَ.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: ٣٩] عدَّد ما جاء فيه من أقوالِ السلف، وآخرُها: وقيل: الفقيهُ العاملُ بعلمه. ثم عقَّبه بقوله: وعندي هو الأصوبُ، فإنَّ عمر بنَ عبد العزيزِ قال للحسن البصريِّ: شَرُفْتَ في الدُّنيا بعلمك، فاعمل به تَشرُفْ بالآخرة.
وغيرُه كثيرٌ جدًّا من أقوالِ السلف، التي لم نجد في ذكرها للمؤلِّف سَلَف.
هذا فضلًا عن كثيرٍ من أقوالِ أئمةِ التفسير واللغة والنحو التي لم نقفْ عليها أيضًا، وممَّن أكثَرَ من النقلِ عنهم ولم نجدْ في الغالبِ أقوالهم: الكسائيُّ وقطربٌ ونِفْطويه والأخفشُ والقَفَّال وأبو سعيدٍ الضَّريرُ وأبو معاذٍ وغيرهم.
- فمِن ذلك ما نقَله عن الكسائيِّ في قوله تعالى: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] من قوله: فيه وجوهٌ:
إن شئت على العطف بغير واوٍ، كأنه قال: فيه آياتٌ بيناتٌ وفيه مقام إبراهيم وغيرُه.
وإن شئْتَ: على الإضمار، كأنَّه قال: فيه آياتٌ بيناتٌ منها مقام إبراهيم.
وقيل: المقام مع أنه واحدٌ هو آياتٌ بيِّناتٌ؛ لأن المقامَ دلَّ على وحدانيةِ اللَّه تعالى وكمالِ قدرتِه وعلمِه وسائرِ صفاته وأسمائه، وعلى نبوَّة إبراهيمَ وصِدْقِ دعوته وصدقِ شرائعه، فكانَ المقامُ الواحدُ آياتٍ بيِّناتٍ على هذا الوجه، وعلى هذا الوجه تقديرُه: فيه آياتٌ بيناتٌ هي مقامُ إبراهيم. . . .
_________________
(١) في نسخة: "يكبرن".
[ المقدمة / ٥٣ ]
- وعند تفسير قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] قال: قال الكسائيُّ: الباء بمعنى (عن)، كما في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، ومعناه: سأل هذا الكافر عن العذاب بمن يقع؟ فقال اللَّه تعالى: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾.
- ونقل كلامًا حسنًا للقفَّال في تفسير: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ. .﴾ [التوبة: ٢٤]، فقال: وقال القفَّال: قطَع وجوهَ العُذر بهذا التعديد والبسطِ من الكلام، فلم يُجِزْ تركَ الهجرة والجهاد في سبيل اللَّه للميل إلى الشيء من الأسباب المميلة، ولم يجعل ما يَثقُل على الإنسان فراقُه من أبٍ بَرٍّ، وابنٍ يَتزيَّن به، وأخٍ يَعتضِد بمعونته، وزوجةٍ يَسكن إلى صحبتها وإلْفِها وخدمتها، وعشيرةٍ يَتعزَّز بهم، ويَستعين على دفع المُلِمَّات بنُصرتهم، وأموالٍ مكتسَبة قد استَنفذَ في تحصيلها الوُسع، وأنفق على جمعها العُمر، وتجشَّم على حملها الأسفار، وخاف عليها الضَّيَاع بالغيبة عنها، وتجارةٍ قائمةٍ يرجو حصولَ أرباحها، ومنازلَ قائمةٍ عامرةٍ نزهةٍ مألوفةٍ يتحصَّن فيها من أذى البرد والحر، وأَعدَّ فيها مواضعَ للشتاء والصيف = حجةً في مخالفةِ ما أمر اللَّه تعالى من الهجرة وجهادِ الكفار، وأَخبر أنَّ مَن آثرَ طاعة الشيطان على طاعة الرحمن فليستعدَّ لنزول أمر اللَّه، فإنه ينزل به ما لا مَدفَعَ له ولا اعتصامَ منه بنصرةِ قرابةٍ أو عشيرة، ولا يتحصَّن بمساكنَ حَريزة، ولْيَعلمْ أن اللَّه لا يُرشد الفاسقين المستخفِّين بدِينه إلى صوابٍ في تدبيره، ولا يهديهم إلى طريقِ رضوانه ورحمته ما داموا على اختيارِ مخالفته.
- وعن نفطويه نقل في معنى الغي في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] قوله: هو الجهل.
وفي معنى ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦] قوله: أي: ذو رأيٍ مُحْكَمٍ.
[ المقدمة / ٥٤ ]
وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] قولَه: أردتُ أمرًا فضلَلْتُ عنه.
وفي معنى: ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٤٨] قولَه: أي: يلقي الحقَّ في قلبِ مَن يشاءُ وعلى لسانه.
- وعن قطرب في قوله: ﴿نَفَشَتْ﴾ [الأنبياء: ٧٨] قال: إذا تفرَّقت بلا راعٍ، ومنه: (العهن المنفوش)، أي: المتفرِّق.
وفي قوله: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾: قال قطربٌ: زلزلةً وكسرًا.
- ونقل أيضًا الكثيرَ من كلام الكلبي الذي لم نجده في المطبوعات؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] قال: قال الكلبي: أي: انتظِروا هلاكنا فإنَّا ننتظر هلاككم.
- ونقل عن النَّضْر بن شُميلٍ في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] قولَه: أي: لا يَنقصُ كما ينقص ظلُّ الدُّنيا.
- وعن أبي سعيد الضَّريرِ في قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قوله: ﴿وَحِيدًا﴾؛ أي: لا أبَ له، وهو في معنى قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾؛ أي: دَعِي.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ عدَّد المؤلِّف ما فيه من الأقوال فقال:
وقال محمد بن كعب: يقول: هذا لي وهذا لي.
وقيل: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾؛ أي: كثَّره؛ يقال: هذا مال له عددٌ؛ أي: كثرةٌ، و: في بني فلان عددٌ؛ أي: كثرة.
وقال أبو معاذ: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾؛ أي: هيَّأه للوجود، هذا لكذا وهذا لكذا، من العُدَّة بمعنى: أعدَّه وأَرصده.
[ المقدمة / ٥٥ ]
وقال الأخفش: وعدَّده للدهور، وأعدَّ وعدَّد واحد، كقولهم: أَجَدَّ وجَدَّدَ، وأَحَدَّ وحدَّد.
ثم ختم ذلك بقوله: وهذا كلُّه دلالةُ الإمساك، كقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨].
- ومن روائع نقله ما ذكره في تفسير ﴿الصَّمَدُ﴾ عن أبي زيد البلخيِّ (^١) من قوله: الصمد: هو الذي يُصمد إليه تعظيمًا له ورغبةً فيه، ووقوعُ هذا الاسم على مَن تعظَّم من البشر إنما هو على الاستعارة؛ لأنه ليس أحدٌ من المخلوقين وإنْ عظُم شأنُه وعلتْ رتبتُه إلا وهو موصوفٌ بالنقص، عاجزٌ عن إبلاع مَن يَصمد إليه غايةَ أمله، فالصمدُ في الحقيقة مَن هو ملجأُ كلِّ مستغيثٍ به في نوازله، ومَن بيده ناصيةُ كلٍّ من خليقته، ومِن أجلِ جلالة هذا الاسم جعله اللَّه تعالى مقرونًا بلفظةِ ﴿أَحَدٌ﴾ الدالةِ على حقيقة الوحدانية؛ ليدلَّ بأحد الاسمين على أن الموصوف به هو مَن لا نظيرَ له ولا شبيه إذله الوحدةُ المحضَة، ويدلَّ بالاسم الآخر على أن مِن الواجب إذ كانت الوحدانيةُ بالحقيقة له، وكان مبدعَ الكلِّ وحافظَه ومدبِّره، أن لا يُصمد بالعبادة والتعظيم والرغبة والرهبة غيرُه، فاجتمعَ في لفظي الأحدِ والصَّمدِ وما يتبعهما من نفي صفاتِ الحدوث ووجودِ مثيلٍ له وشبيهٍ له -وهو قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ - ما يستحقُّه من صفات الألوهية والربوبية، ومن أجلِ عظيمِ شأنِ هذه الكلمات الموجودةِ في هذه السورة صارت من أشرفِ سور القرآن في توحيد اللَّه وتمجيده، ولذلك سُميت سورةَ الإخلاص، كلُّ هذا كلام أبي زيد.
ثم نقل عن بعض أهل العلم قوله في تفسير سورة الصمد: إن هذه السورةَ يفسِّر بعضُها بعضًا، إذا قيل: مَن هو؟ فجوابه: ﴿اللَّهُ﴾، مَن اللَّهُ؟ ﴿أَحَدٌ﴾ مَن الأحد؟
_________________
(١) هو أحمد بن سهل، أحد الكبار الأفذاذ من علماء الإسلام، وستأتي ترجمته في الكتاب.
[ المقدمة / ٥٦ ]
﴿الصَّمَدُ﴾ مَن الصمد؟ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ مَن الذي لم يلد ولم يولد؟ ﴿الذي لم يكن له كفوًا أحد﴾.
وقد يذكر أحيانًا أقوالًا تخالفُ ما ذهب إليه جميعُ المفسِّرين لكنها جديرةٌ بالتأمُل:
- فمِن ذلك ما ذكَره في تفسير قولهِ تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ قال: وقيل: هم عبادُ الخِلقة، وهم الكفار ﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: كلمة التوحيد ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يحملُهم على الشرك ويُغري بينهم وبين المؤمنين بالعداوة ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ فإنْ علم منكم توبةً باستماعكم مواعظَ اللَّه وعملِكم بها رَحِمَكم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ مسلَّطًا مكرِهًا على الإيمان، إنما عليك الإنذار.
ففسَّر العبادَ بالكفار، وبنَى عليه تفسيرَ باقي الآية، بينما كلُّ الأقوالِ الأخرى تجعلُها في المؤمنين.
وهذا كلُّه لم نجدْ منه شيئًا فيما توفَّر من مصادرَ، وهو ليس سوى غيضٍ من فيضٍ؛ كما سنرَى في هذا الكتاب إن شاء اللَّه.
٥ - كثرة ما فيه من أقوال تفسيرية وفوائدَ ونكاتٍ خاصةٍ بالمؤلف:
فقد كان للمؤلِّف كثيرٌ من النَّظرات والنَّكاتِ التي تفوَّق فيها على غيره من المفسِّرين: - فانظُرْ مثلًا لروعةِ تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] حيث قال: أي: وسُهِّلَ لهم اجتناء ثمرها كيف شاؤوا؛ متَّكئين وقاعدين وقائمين، وهذا من عجيبِ الاختصار؛ لأنَّ فيه نزولَ العنقودِ إلى الفمِ والإنسانُ قاعدٌ، وارتفاعَه إليه وهو قائمٌ، وزوالَ امتناعهِ عيه في كلِّ حالٍ من أحواله ببُعدٍ أو مانعٍ مِن شوكٍ أو غيره.
[ المقدمة / ٥٧ ]
لم أجدْ مَن شرَحها هذا الشرحَ ووضَّحها هذا التوضيحَ البليغ، ومَن يراجِعْ قولَ الزمخشريِّ مثلًا -وهو صاحبُ الباع في مثلِ هذا- في تفسيرها ويقارِنْ بينهما يَظهرْ له الفرقُ في التعبير، وفي حسنِ البيانِ والتصوير، فقد قال الزمخشري: وتذليلُ القطوف: أن تُجعلَ ذللًا لا تمتنعُ على قطَّافها كيف شاءوا، أو تجعلَ ذليلةً لهم خاضعةً متقاصرة، من قولهم: حائط ذليلٌ؛ إذا كان قصيرًا.
- ومثلُ هذا قولُه في تفسير: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]: أي: لم يثبِّطوا غيرَهم من الموسِرين والأصحَّاءِ عن الخروج، ولم يوهِموهم أن قعودهم كان لجواز التخلُّف لكلِّ مَن أراده، بل بيَّنوا سببَ تخلُّفهم، وحرَّضوا القادرين عليه، وقاموا بأسبابهم عند خروجِهم وأسبابِ مَن خلَّفوهم بالمعونة.
فهذا المعنى الذي ذكره لم أجدْ أحدًا من أهل التفسير والمعاني ذكَره ولا ما يقاربُه في الحُسن وإصابةِ المَحَزِّ، اللهمَّ إلا ابنَ كمالِ باشا الذي في الحقيقةِ نقَلَه عن المؤلِّف.
- وانظرْ ما أروعَ شرحَه لقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧] فقد قال في التفريق بين التجارة والبيع: لا تَشغلُهم تجارة؛ أي: بالأسفار في الأمصار ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾؛ أي: في الأسواق في الحوانيت، وحملناهما على هذين لتكون لزيادة إفادةٍ لا لمجرَّد إعادة.
قلت: وهذا التفريق بينهما لم أجد أحدًا من المفسرين قد انتبه إليه أو نبَّه عليه.
- ثم قال في تفسير باقي الآية: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي: خارج الصلاة ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: وعن إقامةِ الصلاة في وقتِ الصلاة ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾: أي: وعن إيتاءِ الزكاة. بيَّن أنهم ليسوا بزَمْنَى لا أبدانَ لهم، ولا فقراءَ لا أموالَ لهم؛ ليكون لهجُهم
[ المقدمة / ٥٨ ]
بالذكر لعجزهم وفقرهم، بل قال: لهم أبدانٌ يقيمون الصلاة بها، وأموالٌ يؤدُّون الزكاة عنها، ثم لا يَشغلُهم ذلك عن خدمة اللَّه تعالى وذكرِه.
وهذه الحكمةُ التي ذكرها مِن قَرْن إقامةِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة بذكرِ اللَّه لم أجدْها عند أحدٍ من المفسِّرين.
- ومِن ذلك كلامه في الحكمة من ختم قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ [البروج: ٨ - ٩] حيث وَرَد في الآية كونُه عزيزًا حميدًا ملكًا دون غيرها من صفاته تعالى، فقال المؤلِّف في تعليل تخصيص هذه الصفات: ﴿الْعَزِيزُ﴾ صفة لـ ﴿اللَّهِ﴾ تعالى، وهو المنيعُ الذي لا يُغْلَب، ﴿الْحَمِيدِ﴾ بحمدِ المؤمنين، وفي عقول جميع المكلَّفين، والمستحِقُّ للحمد على الحقيقة ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ثم قال: وأشار بهذا كلِّه إلى أنَّه لو شاءَ لمنعَهم عن ذلك، لكن لم يمنع محنةً لأوليائه.
فهذه الحكمةُ من تخصيصرِ تلك الصفاتِ التي ختَم بها لم أجد مَن تنبَّه لها ممَّن تكلَّم في تفسير الآيةِ، ومنهم الزمخشريُّ الذي قال فيها: وذكَرَ الأوصافَ التي يَستحقُّ بها أن يُؤْمَنَ به ويُعْبَدَ، وهو كونُه عزيزًا غالبًا قادرًا يُخشَى عقابُه، حميدًا منعِمًا يجب له الحمدُ على نعمته ويُرجى ثوابه، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فكلُّ مَن فيهما تحقُّ عليه عبادتُه والخشوعُ له.
وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ كلامٌ حسنٌ لكنه غيرُ كافٍ في تعليلِ التخصيص بتلك الصفات، فإنه ينطبِقُ على كلِّ صفات اللَّه وأسمائه.
- ومن شروحِه الحسنةِ ما جاء في تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
[ المقدمة / ٥٩ ]
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] مِن شرحهِ لقول ابن عباس: إلا لِيُقِرُّوا لي بالعُبوديَّةِ طَوْعًا أو كَرْهًا.
ثم عقَّبه بقوله شارحًا له: يعني: أنَّ المؤمنين يُقِرُّون له طَوْعًا، والكافرون يُقِرُّون له بما جبَلَهم عليه مِن الخِلْقَة الدَّالَّة على وحدانيَّةِ اللَّه تعالى، وانفرادِه بالخَلْقِ، واستحقاقِ العبادةِ دون غيرِه، فالخَلْقُ كلُّهم بهذا له عابِدون، وعلى هذا قولُه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقولُه تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقولُه: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ على معنى: ما يُوجَدُ منهم مِن دلائلِ الحُدوثِ المُوجِبَةِ لكونها مَرْبُوبةً مَخْلُوقةً مُسَخَّرةً.
وكلُّ هذا الذي ذكَرْناه ليس على سبيلِ الحصر، بل للتدليلِ والبيان، فكلُّ الكتابِ على هذا النَّحو.
٦ - ومما تميَّز به هذا التفسير أيضًا: الإيجازُ في البيان، مع متانةِ العبارة، وجمالِ الإشارة، والوصول إلى توضيحِ المعنى بأسهلِ الطرق وأقربها لنفس المتلقِّي:
- فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] قال المؤلِّف على لسان السحرة: وهذا ممَّا لا يُعاب، بل ثَبَت له الإيجاب، ولا يجوزُ لنا عنه الانقلاب، فلا سبيلَ إلى إرضائكَ فقد استَسْلَمنا.
- ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] قال: أي: أَمِتْني على الإسلام.
قيل: لَمَّا انتظمَتْ أسبابُه واطَّردَتْ أحوالُه اشتاقَ إلى ربِّه.
وقيل: لَمَّا رأى أمرَه على الكمال، علمَ أنَّه أشرفَ على الزَّوال، سألَ سعادةَ الانتقالِ، قال قائلُهم:
[ المقدمة / ٦٠ ]
إذا تمَّ أمرٌ دنا نقصُهُ توقَّعْ زوالًا إذا قِيْلَ تَمّ
- ومثله قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠] قال في معناه: ﴿لَعِبٌ﴾ كلعبِ الصِّبيان، ﴿وَلَهْوٌ﴾ كلهو الفتيان، ﴿وَزِينَةٌ﴾ كزينة النِّسوان، ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ كتفاخر الأقران، ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ كتكاثر الدِّهْقان.
٧ - ومما تميز به هذا التفسير أيضًا: أنه لا ينقل الأقوال نقلًا حرفيًّا بل يَطبعُ ما ينقله بأسلوبه ويلوِّنه بفكره.
وأكثر ما رأيتُ هذا في نقله عن "تأويلات أهل السنة" للماتُرِيديِّ و"لطائف الإشارات" للقشيريِّ، وهما أكثرُ مصدرين نقَل عنهما المؤلف ورافَقاه من أولِ التفسير حتى آخِرِه:
- ففي قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠] قال المؤلف: وقال القشيريُّ: إنهم طاحُوا في أوديةِ التفرقة، واستَطابوا صحبةَ الأغيار، فشَقَّ عليهم حين طُولبوا بهجرانِ العادةِ والقرارِ في ساحاتِ التوحيد حتى قالوا ما قالوا.
ولفظ القشيري: (طاحوا في أودية التفرقة فلم يجدوا قرارًا في ساحات التوحيد، فشقَّ عليهم الإعراض عن الأغيار) (^١).
- وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] قال: وقال القشيري ﵀: استكثَرَ القليلَ من عباده فعدَّد أفعالهم في آيات، واستقلَّ الكثيرَ من نفسه فعدَّ الجنة بما فيها على كثرتها غرفةً.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٤٥).
[ المقدمة / ٦١ ]
وعبارة القشيري: (يُعطي سبحانه الكثيرَ من عطائه ويَعدُّه قليلًا، ويَقبل اليسيرَ من طاعةِ العبد ويَعُدُّه كثيرًا عظيمًا، يعطيهم الجنةَ قصورًا وحورًا ثم يقولُ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾، ويقبلُ اليسيرَ من العبد فيقولُ: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] (^١).
- وفي قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] نقل عن القشيري قوله: وقيل: مَن حاسبَه بكتابه وجد كلَّ زلَّةٍ ومَهلكةٍ، ومَن حاسبَه بكتابِ نفسِه ففي كتابه سبحانه: ﴿الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، فالواجبُ على العبد أن يبتهِلَ في دعائه فيقولَ: اللهمَّ حاسِبْني بكتابك على ما قلتَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] لا بكتابي فإنه مشتمِل على القبائح والفضائح.
وعبارة القشيري: (ويقال: مَن حاسبَه بكتابه فكتابُه ملازمه في حسابه، فيقول: ربّ، لا تحاسبني بكتابي، ولكن حاسبني بما قلتَ: إنَّك ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] لا تعاملني بمقتضَى كتابي ففيه بواري وهلاكي) (^٢).
- وفي أواخر تفسير الفاتحة قال المؤلِّف: وقولُه ﵇ في حديث القِسمة: "هذا بيني وبينَ عَبْدي نصفَين" (^٣)، أشار الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ إلى معنيَين فيه:
أحدُهما: أن يكون كلُّ واحدٍ منهما بينَ اللَّهِ وعبدِه، العبادةُ من العبدِ وهي للَّهِ تعالى، والاستعانةُ فعلُ العبد وهي طلبُه من اللَّه تعالى.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٥٢).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٤٠).
(٣) قطعة من حديث رواه مسلم (٣٩٥) عن أبي هريرة ﵁.
[ المقدمة / ٦٢ ]
والثاني: أن العبادةَ من العبدِ للَّهِ تعالى، والمعونةَ من اللَّهِ تعالى للعبد، وهذا أظهرُ؛ لأنه قال في بقية السورة: "هذا لعَبْدي ولعَبْدي ما سَأل" (^١) لمَّا كان نفعُ الهدايةِ للعبد جعَله للعبد، فكذلك نَفْعُ المعونة (^٢).
فهذا ما ذكره المؤلف، أما قول الماتريدي في "تأويلات أهل السنة": (وقد رُويَ عن النبي -ﷺ- أنه قال في خبر القسمة: "اللَّهُ يقول: هذا بَيني وبينَ عبدي نِصْفين"، وذلك يحتملُ: أن يكون كلُّ حرفٍ من ذلك، بما فيها جميعًا الفزعُ إلى اللَّه بالعبادة والاستعانةِ ورفعِ الحاجة إليه، وإظهارِ غناه -جلَّ وعلا- عنه؛ فيتضمَّنُ ذلك الثناءَ عليه، وطلبَ الحاجةِ إليه.
ويحتمل: أن يكون الحرفُ الأَولُ للَّهِ بما فيه عبادتُه وتوحيدهُ، والثاني للعبدِ بما فيه طلبُ معونته وقضاءُ حاجته، ويؤيِّدُ ذلك بقيةُ السورة أنه أُخرج على الدعاء فقال اللَّهُ ﷿: "هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل".).
وعلى هذا يقاسُ أغلبُ ما نقله المؤلف في تفسيره عمَّن تقدَّمه من العلماء.
٨ - وأخيرًا فإن مِن أهم ما يميِّز هذا التفسيرَ هو أن مؤلِّفَه ليس مجردَ ناقلٍ لِمَا سطَّره مَن قبلَه أو روَوْه، ولا حاطبِ ليلٍ همُّه التجميعُ دون التحقيق، بل هو من العلماء المحقِّقين المدقِّقين الذين لهم رأيٌ وحضورٌ فيما ينقلونه أو يَروونه:
- ففي قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] نقل قولَ بعضهم في معناه: احبِسْه. ثم قولَ عطاءٍ الخراسانيِّ: أخِّره.
ثم قال عن الثاني: وهو الأصحُّ، لأنه لم يَثبت أنه حبَسهما، ويدلُّ عليه قولُه: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ﴾ [طه: ٥٨].
_________________
(١) قطعة من الحديث السابق.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١/ ٣٦٥)، وفي نقل المؤلف شيء من التصرف.
[ المقدمة / ٦٣ ]
فهو لم يَكتفِ بالترجيح، بل علَّل سبَبه وبيَّن مأخذَه.
- ويظهرُ ذلك جليًّا في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] حيث نقل عن مقاتلٍ: كان من مدينةِ بلقاءَ، وسُميت بلقاءَ لأن رجلًا ملَكها يقال له: بالقٌ، وكان من قصته: أنَّ موسى ﵇ أراد أن يغزوَ ملكًا، فقال الملِك لبلعم: إن موسى رجلٌ حديدٌ، ومعه جندٌ كثير، فإنْ ظَهَر علينا أهلَكَنا، فادْعُ اللَّهَ -تعالى- أن يردَّه عنَّا، فقال: إنْ فعلتُ ذلك ذهبتْ دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، قالوا: فوقَعَ موسى وبنو إسرائيلَ في التِّيه بدعائه، فلمَّا انقضتِ المحنةُ قال موسى: يا ربّ! بأيِّ ذنب وقعتْ لنا هذه المحنة؟ قال: بدعاء بلعم، قال: فكما سمعتَ دعاءه عليَّ فاسمعْ دعائي عليه، فدعا موسى عليه فسلَخه اللَّه مما كان عليه، ونزعَ منه معرفته فخرجتْ من صدره كحمامةٍ بيضاءَ، وذلك قولُه ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾.
ثم تعقَّبه بقوله: وهذا كلامٌ مختلٌّ، واحتباسُهم في التِّيه كان بقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] لا بدعاء بلعم، وكيف يُستجاب دعاءُ بلعم وقد انسلخ من الآيات؟! ولأنه قد دعا على موسى وقومَه بالباطل، وكيف دعا موسى على بلعم بزوال الإيمان وكان مبعوثًا إلى الناس ليدعوَهم إلى الإيمان؟!
- وفي قوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] ذكر قول القُرظيُّ: تركوها.
ثم ذكر ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: أخَّروها عن وقتها.
ثم أعقب القولين بقوله مرجِّحًا: الصحيحُ الأول، فإنه في حقِّ الكفار، بدليلِ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [مريم: ٦٠] فاستثنى المؤمنين منهم، فدلَّ أن المستثنَى منهم هم الكفار.
[ المقدمة / ٦٤ ]
- وفي قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ﴾ [مريم: ٦١] قال: أي: موعودُه ﴿مَأْتِيًّا﴾؛ أي: يأتيه الموعودُ له ويبلغه.
ثم قال: ومَن جعله بمعنى الآتي فهو خلافُ الوضع، وما قُلناه أحسنُ؛ لأنه مراعاةُ الوضع، وما أتاكَ فقد أَتيتَه.
- ومن أعظم مظاهر تحقيقه وتمحيصِه ردُّه لقصة الغرانيق التي يذكرها المفسِّرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، حيث أبطلَها بردودٍ غايةٍ في الإفحام والصحَّة وقوَّةِ الحجة.
- وكذا عرضُه لقصة طلاقِ زينبَ بنتِ جحشٍ ﵂ وزواجِ النبيِّ -ﷺ- منها في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٧ - ٣٩] فساق القصة بأحسنِ سياقٍ وأنزهِ معنًى، خاتمًا إياه بقوله: وقد تكلَّم الناس في الآية بوجوهٍ وهذا أقومُها وأسلمُها.
قلتُ: وهو كما قال، فإنَّ ما ذكَره -﵀- هو السياقُ الذي عليه المحقِّقون من العلماء، وهو الذي مدَحه القرطبيُّ ونقَل عن علمائه قولَهم: وهذا القولُ أحسنُ ما قيلَ في تأويلِ هذه الآية، وهو الذي عليه أهلُ التَّحقيقِ من المفسِّرين
[ المقدمة / ٦٥ ]
والعلماءِ الراسخين كالزُّهريِّ، والقاضي بكرِ بن العلاءِ القشيريِّ، والقاضي أبي بكرِ بنِ العربيِّ وغيرِهم (^١).
- ولعل من أجملِ تحقيقاته: استدلالُه على أن الذبيح إسماعيلَ بما يظهر منه قوةُ عقلِه وحُسنُ استنباطه وفهمِه، وذلك في قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] فقال: ودلَّت الآيةُ أنَّ الذَّبيح هو إسماعيل، فإنَّ اللَّه تعالى بشَّر إبراهيم ﵇ بأن يكون لإسحاق ولدٌ، وكان يعلمُ أنَّه لا يموت حتَّى يُولَد له ذلك، فلا يكون على هذا في الأمرِ بذبح هذا الولد امتحانٌ، إذ يَعلمُ أنَّه لا يتحقَّق فيه الذَّبح للحال، فتعيَّن للابتلاء الولد الآخر، وهو إسماعيل.
- وكذا استدلاله أن زوجاته -ﷺ- من أهل بيته من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، حيث قال: وفيه ردٌّ على مَن أنكرَ مِن الرَّافضة أنْ يكونَ أزواجُ النبيِّ -ﷺ- مِن أهلِ البيت في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
- وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] قال: أي: مِن مُتَّبِعيه -يعني: نوحًا- إبراهيمُ الخليلُ ﵇.
ثم ذكر عن الفرَّاء قوله: وإنَّ مِن شيعةِ محمَّدٍ لَإبراهيمَ.
وتعقَّبه بقوله: وفيه بُعْدٌ.
- ومن ذلك ما نقلَه عند تفسيرِ: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠] عن الكلبيِّ من أنَّ قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ هذا خطابٌ منه لجبريل ﵇، ومعناه: يا سيِّدي.
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٧/ ١٥٧)، وانظر: "المفهم" (١/ ٤٠٦) لأبي العباس القرطبي شيخ المفسر، وهو المراد بقوله: قال علماؤنا.
[ المقدمة / ٦٦ ]
ثم تعقَّبه فقال: وقال عامةُ المفسِّرين وهو الصحيحُ: هذا خطابٌ منه للَّه تعالى ومناجاةٌ معه، لأن جبريل ﵊ بشَّره من اللَّه تعالى، فخاطَب به اللَّهَ تعالى، ودعا اللَّهَ الولدَ فاستجابَ له.
- ونحوه في قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] قال: وما قال مقاتلٌ وقتادةُ والرَّبيعُ بن أنس: إنَّ ذلك كان عقوبةً له حيث سألَ الآيةَ بعد البشارةِ، فذلك باطلٌ، ولا يليق بحال الأنبياء، ولم يكن سؤالُه جنايةً، ولا منعُه عن الكلام عقوبةً، لِمَا قلنا: إنَّ سؤالَه لماذا كان، ومنعُه عن كلام النَّاس مع شَغلِه بذكرِ اللَّهِ تعالى أعظمُ الكرامات وأرفعُ الدَّرجات.
وقريبٌ من هذا عنايتُه بحلِّ الإشكالات، والإجابةِ عمَّا يُتوهَّم فيه التناقُض:
- ففي قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦] قال: ثم في الآيتين نفيُ العلم عنهم بقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وإثباتُ العلم لهم بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ولا تناقُضَ فيه، فإن الأول نفيُ العلم بأمور الدِّين، والثاني ثبوتُ العلم بأمور الدنيا، ولأن الأول نفيُ الانتفاع بالعلم بما ينبغي، والثاني صرفُ العلم إلى ما لا ينبغي، ومن العلم القاصر أن يهيِّئ الإنسان أمورَ شتائه في صيفه وأمورَ صيفه في شتائه وهو لا يَتيقَّن بوصوله إلى ذلك الوقت، ويقصِّرَ في الدنيا في إصلاح أمور معاده ولا بد له منها.
- وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧] قال: ثم الجمعُ بين الأمرين وأحدُهما مكروهٌ والآخرُ محبوب -والمذكور في صدر الكلام هو العصمة- يُشْكِل بظاهره، لكنْ تقديرُه في الثاني: ومَن يمنعِ اللَّهَ مِن أن يرحمَكم إن أراد بكم رحمة.
[ المقدمة / ٦٧ ]
فانظر إلى هذه الدقيقة كيف لاحظها، ثم كيف حلَّها بأسلوبه الواضح البسيط.
- ومما يدلُّ على دقَّته وبُعدِ نظره أيضًا ما جاء عند قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٤ - ٣٥] فقال: وقيل: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ﴾؛ فهو ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالتها ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّتها.
فالمؤلِّف عَلِم أن سائلًا سيسأل: اللَّهُ سميعٌ عليمٌ دومًا، فكيف قيَّدْتَ سمعَه وعلمَه بوقتِ قولها؟ فأجاب بما يعلِّل كلامه ويردُّ السؤال.
- وفي قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] ذكَر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ثم قال: ولا تُعارض هذه الآيةُ تلك الآيةَ؛ لأن عزَّ الرسول والمؤمنين بإعزازِ اللَّه، فله العزةُ جميعًا على الحقيقة.
- وانظرْ لهذه الدَّقيقةِ وحُسنِ حلِّها في قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ١٩ - ٢٠] قال: وإنَّما قال: ﴿فَأَصْبَحَتْ﴾، وقد طاف الطَّائف ليلًا؛ لأنَّ معناه: فنظروا إليها صباحًا، فصارَت لهم كجنَّةٍ قد صُرِمَتْ ثمارُها، وكأرضٍ قد حُصِدَ زرعُها.
- ومثل ذلك في قوله تعالى: ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ [القلم: ٤٩] قال: أي: لأُلقيَ بالأرض العارية عن النَّبات والبناء ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ بزلَّته.
قال: وقد مرَّ في آية أخرى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥]؛ أي: ألقاه الحوت.
قال: ولا تختلف الآيتان لوجهين:
أحدهما: أنَّ الأوَّلى ليس بمطلَقِ النبذ، بل لنبذِه مذمومًا ولم يكن كذلك، وفي الثَّاني نبذَه بالعراء وقد كان محمودًا، وأرسلَه إلى مئة ألفٍ أو يزيدون.
[ المقدمة / ٦٨ ]
والثَّاني: ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾؛ أي: لبقيَ في بطن حوته إلى يوم القيامة، ثم أُلقي في عراءِ عرصةِ القيامة حين يُحشر النَّاس، ولكنْ منَّ اللَّه تعالى عليه فنبذَه بعراء الدُّنيا، وهو كقوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤].
- وفي قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] قال: قيل له: ﴿فَاعْلَمْ﴾، ولم يقل: (عَلِمْتُ)، وإبراهيم قيل له: ﴿أَسْلَمَ﴾، ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ [البقرة: ١٣١]، وجوابُه مِن وجوه:
منها: أنَّ إبراهيم قال: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، فابتُلِيَ، ومحمد -ﷺ- لم يقل: (عَلِمْتُ)، فعُوفِيَ.
وقيل: إنَّ إبراهيم سبَقَ، فذُكِرَ جوابُه في الكتاب المُنَزَّل بعده، ولم يَنْزِلْ بعد القرآن كتابٌ آخرُ يُذكَرُ فيه جوابُ محمد.
وقيل: التَّسليمُ مُتَناهٍ، فيُمكِنُ الإخبارُ عنه، والعِلْمُ لا يتناهى، فلا يُمكنُ الإخبارُ عنه.
وقيل: إنَّ إبراهيم هو قال بنفْسِه: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، واللَّهُ تعالى أخبَرَ عن محمد -ﷺ-: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وهو إخبارٌ عن عِلْمه وزيادةٌ، وإخبارُ اللَّهِ تعالى عنه أعلى مِن جوابه بنفْسِه.
- ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] قال: وهذا قسَمٌ، ورُؤْيا الأنبياءِ وحيٌ (^١) لا خَطَأَ فيه، وخبَرٌ لا كَذِبَ فيه، والقسَمُ تأكيدٌ لا وَهْنَ فيه، ثم قال: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وهو في كلامِنا يُذْكَرُ فيما يكون ولا يكون، فما معناه مع ما سبق؟ وجوابُه من وجوه:
_________________
(١) في نسخة: "حق".
[ المقدمة / ٦٩ ]
أحدُها: أنَّ مَلَكَ الرُّؤْيا خاطبَه في الرُّؤْيا بذلك إِطْماعًا، فنزَلَ الكتابُ بذلك إسماعًا.
والثَّاني: أنه تحقيقٌ لا تعليق، وتقديرُه: لَتَدْخُلُنَّه بإدخال اللَّه، وهو بمشيئتِه وإرادتِه، لا مُعْتَرِضَ عليه، ولا مُنازعَ له، ولا مانِعَ دونه.
والثَّالثُ: أنَّ اللَّهَ علِمَ أنَّ بعضَهم يموتُ قَبْلَ ذلك.
والرَّابعُ: أنَّه على قوله: ﴿آمِنِينَ﴾، لا على قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، فكان الدُّخولُ مَوْعودًا مُتَحَقِّقًا، وكان الأمانُ عند ذلك مَوْعودًا مُعَلَّقًا.
والخامسُ: أنَّ معناه: إذ شاء اللَّهُ؛ كما قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]؛ أي: إذ كنتم.
فهذا ما هدانا اللَّه سبحانه إليه من بيانِ بعضِ ما تميَّز به هذا السِّفرُ الكريم، ومَن يبحِرْ فيه بفكره ويتأمَّلْ بعقله يجدْ أكثرَ منه بكثير، كما سيأتي لاحقًا من بيان منهج المؤلف في هذا التفسير.
* * *
[ المقدمة / ٧٠ ]