وقد نقل عنه جمعٌ من كبارِ العلماء، مصرِّحينَ في كثيرٍ من المواضع بعنوانِ الكتابِ واسمِ مؤلِّفه، ومُكتَفين في أخرى باسم الكتاب، وربما وقع ذلك دونَ تصريح، لكنْ بالمقارنةِ مع كلام المؤلِّف تبيَّن أن هذا التفسيرَ هو مصدرُ ذلك، ففي كلِّ ذلك زيادةُ تأكيدٍ في نسبة الكتاب للمؤلِّف:
١ - فمِن أوائلِ مَن وجدتُ أنه نقَل عنه علاءُ الدِّين البخاريُّ في "كشف الأسرار": حيث قال: قال الإمامُ نجمُ الدِّين ﵀ في "التيسير": ويدخل في البيانِ الكتابةُ والإشارةُ وما يقع به الدلالةُ، وهو امتنانٌ منه على العباد بتعليمِ اللُّغاتِ المختلفةِ ووجوهِ الكلام المتفرِّقة (^١).
ونقل عنه في موضع آخر تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] فقال: قال الإمامُ نجمُ الدِّين ﵀ في "التيسير": قيل: هما واحدٌ، ومعناهما: مجاوزةُ قَدْرِ الحاجة، والتكرارُ للتأكيد كقوله تعالى: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] (^٢).
٢ - وممن نقل عنه العلَّامة الطيبي في حاشيته على "الكشاف": نَقل عنه في كثير من المواضع:
منها: عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨]، قال: ونقل صاحبُ "الفَرائد" عن صاحبِ "التيسير": الأغلالُ مع الأيدي مجموعةً إلى الأذقان عبارةٌ عن منعِ التوفيق حين [كذا، والصواب: حتى] كانوا متكبِّرين مستثقلينَ للحق، لأن المتكبِّر يُوصَف بانتصابِ العنق، والمتواضِعَ
_________________
(١) انظر: "كشف الأسرار شرح أصول البزدوي" (٣/ ١٥٩).
(٢) انظر: "كشف الأسرار شرح أصول البزدوي" (٤/ ٥٣٢).
[ المقدمة / ٤٠ ]
يُوصف بضده، قال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] (^١).
قلت: والكلام بحرفه منقول من هذا التفسير وسيأتي في مكانه.
ومنها: قوله: وقد أجاد صاحب "التيسير" حيث قال: قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١] دلَّ على الأطعمة، وقوله: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ على الأشربة، وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] على أنَّ في الجنةِ وراءهما من أصنافِ النِّعَم شيئًا آخَرَ (^٢).
وقد نقل الطيبي عن "التيسير" في مواضع كثيرة من حاشيته المذكورة.
٣ - وممَّن نقَل عنه أبو بكرٍ البقاعيُّ: في "مَصاعِد النَّظر" في سورةِ الفاتحة فقال: وقال الإِمامُ نجمُ الدِّين أبو حفصٍ عمرُ النسفيُّ في تفسيره "التيسير": هي ثماني آياتٍ في قول الحسن البَصْريِّ، وستٌّ في قولِ الحسين الجُعْفيِّ، وسبعٌ في قول الجمهور (^٣).
٤ - وممن نقل عنه العلامة ابن كمال باشا: في "تفسيره" وغيره من مؤلفاته:
منها: ما نقله في "أربعينياته" فقال: قال الإمامُ النَّسفيُّ صاحبُ "التَّيسير" في تفسيرِ سورةِ النِّساء: رَوى جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "اتَّخذ اللَّهُ إبراهيمَ خليلًا لإطعامِه الطَّعامَ" (^٤).
ومنها: تعقُّبه في رسالته المسماة "رِسالةٌ في تَحقِيقِ الغَيبِ" على المؤلف فيما
_________________
(١) انظر: حاشية الطيبي على "الكشاف" المسماة "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب" (١٣/ ١١).
(٢) انظر: "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب" (١٤/ ١٧٤).
(٣) انظر: "مصاعد النظر في الإشراف على مقاصد السور" (١/ ٢٠٨).
(٤) انظر: "أربعينيات ابن كمال باشا" (ص: ١٣٧).
[ المقدمة / ٤١ ]
ذهبَ إليه مِن أنَّ المُرادَ بقَولهِ تَعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] حِفظُه مِن الجَوانبِ كيلا يَقْربَه الشَّيطانُ عند إنزالِ الوحي فيُلقِيَ في وَحيه غيرَ الوحي، أو يَسمعَه فيُلقِيَه إلى الكَهنة فيُخبِرون به قَبلَ إخبار الرسول (^١).
ومنها: ما نقَله عنه في رسالته المسمَّاةِ: "رسالةٌ في شرحِ حديثِ سأُخْبِرُكم بأوَّلِ أَمْرِي" فقال: وفي روايةِ النَّسفيِّ في "التَّيسير": "أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبِشارةُ أخي عيسى، ورُؤيا رأتها أمِّي آمِنةُ؛ خَرج منها نورٌ أضاءتْ له قصورُ بُصرى" (^٢).
وغير ذلك كثير، كما نقل عنه أيضًا في "تفسيره" أمورًا لا تحصَى مصرِّحًا بالنقل عنه أحيانًا ودونَ تصريحٍ في أحيانٍ أخرى:
فممَّا صرَّح فيه: ما نقله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] قال بعدَ أن اختار تأويلًا للآية: وبما قرَّرناه تبيَّن الخلَل فيما قيل: إنه ﵇ كان يطعن في آلهتهم، فقالوا: لتنتهينَّ عن سَبِّ آلهتنا أو نهجونَّ إلهك، فنزلت. فإنَّ عبارة: (نهجونَّ) تأبى عن التَّأويل المذكور، وقد ذكر في "التيسير" سببَ النزول على وفق ذلك التأويل.
ومنه: قوله في تفسير سورة الكهف: وفي "التَّيسير": كان البحرُ الذي يعمَلون فيه أصحابُ السَّفينة ما بين بحر فارسَ إلى بحر الرُّوم.
وكلٌّ وَرَدَ في هذا التفسيرِ كما سيأتي في موضعِه، وقد نقَل عنه في مواضعَ أخرى دون تعيينٍ، لكنْ بالمقابلةِ مع ما جاء في هذا التفسيرِ وجدْنا الكلامَ متطابقًا تمامًا:
_________________
(١) انظر: "مجموع رسائل ابن كمال باشا" (١/ ٢٧٩).
(٢) انظر: "مجموع رسائل ابن كمال باشا" (٢/ ٢٦٩).
[ المقدمة / ٤٢ ]
فمن ذلك: نكتةٌ ذكَرها ابنُ كمال باشا في تفسير قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وكنَّا قد أوردناها في مقدِّمة تحقيقنا لـ "تفسير ابن كمال باشا" على أنَّها من إبداعاته وبناتِ أفكاره، ثم تبيَّن عند تحقيقِنا لهذا التفسيرِ أنها للمؤلِّف ﵀، وهي قوله: قال في صفةِ الحور: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] وفي صفةِ الولدان: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣]، وأشار بذلك إلى أن الحورَ للصُّحبة دون الولدان؛ لأنَّ اللؤلؤَ للنَّظر لا للذَّوق، والبيضَ لهما.
وهذا الكلامُ متطابقٌ بين التفسيرين.
ومما نقله عنه دون تصريحٍ أيضًا: قولُه في تفسير سورةِ يوسفَ: فأمَّا قوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] فهي على القلَّة؛ لأنهم كانوا يعدُّون القليل وَيزِنون الكثير.
٥ - كما نقل عنه الشهابُ الخَفَاجيُّ في حاشيته على تفسير البيضاويِّ المسمَّاةِ: "عِنَايةُ القَاضِي وكِفَايةُ الرَّاضِي" في عشرات المواضع:
منها: قوله في تفسير الفاتحة: الغضبُ والضلالُ وردا جميعًا في القرآن لجميع الكفار على العموم حيث قال: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] ولليهود والنصارى جميعًا على الخصوص حيث قال في حق اليهود: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] إلخ، وفي حق النصارى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾ [المائدة: ٧٧] كما في "التيسير" (^١).
_________________
(١) انظر: "عِنَايةُ القَاضِي وكِفَايةُ الرَّاضِي" (١/ ١٤٦).
[ المقدمة / ٤٣ ]
ومنها: في سورة البقرة قال وهو يتكلَّم عن التعجيبِ والتعجُّب في معنى (كيف): والأُولى أَولى؛ لِمَا في "التيسير": أن (كيف) تكون للتعجُّب نحو: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٥٠]؛ أي: تعجَّب يا محمد، وللتعجيب؛ أي: الحملِ على التعجُّب (^١).
ومنها: قوله: وهذا مأخوذ من قوله في "التيسير": ويجوز أن يكون الخطابُ للمسلمين، والمعنى: كيف تكفرون نِعَمَ اللَّه عليكم وقد كنتُم أمواتًا بالكفرِ أو الجهلِ فأَحْياكم بالإيمان أو العلم (^٢).
٦ - ونقل عنه إسماعيل حقي في "روح البيان" في عشرات المواضع بالتصريح (^٣)، وفي مواضعَ بغيرِ تصريح:
فممَّا نقله دون تصريح: حديثُ أبي هريرةَ ﵁: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من أن أزنيَ أو أسرقَ، فقيل له: قد كبرتْ سنُّك، وأنت صاحبُ رسول اللَّه -ﷺ-، أتخافُ على نفسك من الزنا والسرقة؟! فقال: كيف آمَنُ وإبليسُ حيٌّ (^٤).
٧ - ونقل عنه ابن عابدين في "الحاشية" في الكلامِ عن محظوراتِ الإحرام فقال: قال صاحبُ "الملتقَط" في كتاب الأيمان: إنَّ الكفارة تَرفعُ الإثمَ وإنْ لم توجد منه التوبةُ من تلك الجناية اهـ، ويؤيِّده ما ذكره الشيخُ نجمُ الدِّين النسفيُّ في
_________________
(١) انظر: "عِنَايةُ القَاضِي وكِفَايةُ الرَّاضِي" (٢/ ١٠٩).
(٢) انظر: "عِنَايةُ القَاضِي وكِفَايةُ الرَّاضِي" (٢/ ١١١).
(٣) منها ما جاء في تفسير قوله تعالى في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وفي سورة البقرة في قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وغيره كثير.
(٤) انظر: "روح البيان" (٢/ ١٩٣).
[ المقدمة / ٤٤ ]
تفسيره "التيسير" عند قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]؛ أي: اصطاد بعد هذا الابتداء (^١).
٨ - ونقل عنه الآلوسي في "روح المعاني" في مواضعَ كثيرةٍ مع التصريح بالنقل من "التيسير" (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: "حاشية ابن عابدين" (٢/ ٥٤٤).
(٢) منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، وغيره كثير.
[ المقدمة / ٤٥ ]