هذا كتابٌ فريدٌ مفيد، دقيقٌ أنيق، زاخرٌ بالفوائدِ والنِّكات، حسَنُ الترتيب، متقَنُ التأليف، قد جمع فنونَ التفسير، وسلَك فيه مؤلِّفُه طريقةً واحدةً من أولِ سورةٍ وحتى الأخيرةِ، فهو يبدأُ في كلِّ سورةٍ بمقدِّمة تتنالسَبُ مع ما سيردُ فيها من مواضيع:
- فسورةُ البقرة بدأ تفسيرَها بقوله: بسم اللَّه الذي أنزلَ الكتابَ بلا ريب، الرحمنِ الذي لَطَف بالمؤمنين المتَّقين بالغيب، الرحيمِ الذي مَنَّ على المقصِّرين بسَتر العيب.
- ومقدِّمةُ سورة الأنفال كانت: بسم اللَّه الذي مِن عنده النصرُ وهو العزيز الحكيم، الرحمنِ الذي لم يعاجلْ بالعقوبة للقائلين: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، الرحيمِ الذي وعد الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل اللَّه والذين آووا ونصروا بالمغفرةِ والرزقِ الكريم.
- ومقدِّمة الرحمن: بسمِ اللَّهِ الذي خلَقَ الإنسان، الرَّحمنِ الذي علَّمَ القرآن، الرَّحيمِ الذي جعلَ جزاءَ الإحسانِ الإحسانَ.
- ومقدِّمة الحاقة: بسم اللَّه الذي أخذ الطَّاغين أخذةً رابِيَة، الرحمنِ الذي لا يخفَى عليه خافِيَة، الرحيمِ الذي وعد المؤمنين بجنَّةٍ عالية.
وهكذا جميعُ السور، ثم يَذكر نوعَ السورة من حيث المكيُّ والمدنيُّ، ثم عددَ آياتها فكلماتِها فحروفِها، ثم يذكر انتظامَ أولها بخاتمةِ التي قبلها، ثم انتظامَها كلِّها بمحتوَى سابقتِها.
وقد أطال بذلك في سورة البقرة وأبدعَ، فقد ذكر أنَّ انتظامها بالفاتحة حاصلٌ من سبعةِ أوجهٍ: بواحدٍ واثنينِ وثلاثةٍ وأربعةٍ وخمسةٍ وستةٍ وسبعةٍ.
[ المقدمة / ٧١ ]
فعدَّد هذه الأوجهَ مفصَّلةً، ونكتفي بما جاء في الوجه السابع، حيث قال:
وأمَّا السبعة: فالفاتحةُ سبعُ آياتٍ، وكلماتُ آياتها مذكورةٌ في سورة البقرة:
فـ ﴿الْحَمْدُ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
و(اللَّهُ) في آياتٍ.
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].
و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه ذكرُ يوم القيامة، وفي سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] وهي آخرُ آيةٍ نزلت، وهي أبلغُ آية نزلت في ذكر يومِ القيامة.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ في قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ونحوِه.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
وقولُه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقولُه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقد أُريد به الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، وذُكر من الأنبياءِ في سورة البقرة: آدمُ، وإبراهيمُ، وإسماعيلُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ، والأسباطُ، وموسى، وهارونُ، وداودُ، وسليمانُ، وعيسى، وحِزقيلُ (^١)، وأشموئيل (^٢)، وعزيزٌ، صلوات اللَّه
_________________
(١) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] رواه الطبري عن وهب بن منبه وسيأتي.
(٢) في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ [البقرة: ٢٤٦] قال ابن كمال باشا في "تفسيره": اختلفوا فيه، والأشهر الأظهر أنه أشمويل من نسل هارون ﵇.
[ المقدمة / ٧٢ ]
عليهم. وعلى العموم في قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وفي قولهِ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقولُه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ذُكر الغضب في قوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلالُ في قولهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقولهِ تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ثم هم اليهودُ والنصارى، وأكثر صدر السورة في ذكرهم، إلى أن قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٢٠].
وسنتناول في بيان منهج المؤلف ما يلي: