بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي نزَّل (^١) الكتاب، الرحمنِ الذي يرزقُ مَن يشاء بغير حساب، الرحيمِ الذي عنده حُسنُ الثواب.
روى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ في ليلةٍ سورة آلِ عمران صلَّت عليه الملائكةُ من تلك الساعة إلى الغد إلى أن تغيب الشمس" (^٢).
وعن النبي -ﷺ- أنه قال: "من قرأ سورة آل عمران أعطي لكل آيةٍ منها أمانًا على جسر جهنم" (^٣).
_________________
(١) في (ف): "أنزل".
(٢) لم أجده من حديث أبي هريرة، وروى نحوه الطبراني في "الأوسط" (٦١٥٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٥)، من حديث ابن عباس ﵄، وفيهما: "يوم الجمعة" بدل: "في ليلة". وفي إسناده طلحة بن زيد الرقي وهو ضعيف جدًّا. انظر: "مجمع الزوائد" (٢/ ١٦٨)، و"فيض القدير" (٦/ ١٩٨).
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٥)، والواحدي في "الوسيط" (١/ ٤١١)، من حديث أبي ﵁. وقال السيوطي في "نواهد الأبكار" (٣/ ١١٢): هذا من الحديث الموضوع الذي روي عن أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، وقد نته أئمة الحديث وحفاظه ونقاده قديمًا وحديثًا على أنه موضوع مختلق على رسول اللَّه -ﷺ-، وعابوا على من أورده من المفسرين في تفاسيرهم.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
ثم سورةُ آل عمران مكيةٌ في قول عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، مدنيةٌ في قول عامة أهل التفسير (^١).
وهي مئتا آيةٍ لا اختلاف فيها، وثلاثةَ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وثمانون كلمةً، وأربعةَ عشَر ألفًا وخمس مئة وعشرون حرفًا (^٢).
وانتظامُ هذه السورة بالسورة التي قبلها: أن الأولى افتُتحت بذكر الكتاب ومدحِ المؤمنين به وذمِّ الكافرين به، ثم وعدِ المؤمنين ووعيدِ الكافرين، وفي آخر هذه السورة (^٣) مدَح اللَّه تعالى نفسَه (^٤)، ثم مدَح رسوله، ثم مدَح المؤمنين، ثم ذكر دعواتهم.
وهذه السورة افتُتحت بذكر الكتاب أيضًا، ثم بذكر المؤمنين، ثم بذكر الكافرين به (^٥)، وآخرها بمدح اللَّه ﷻ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ثم بذكر المؤمنين، ثم بذكر دعواتهم.
وانتظام افتتاح هذه السورة بآخر تلك السورةِ: أن (^٦) خَتْمها بقوله عز وعلا: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، وذكر في أول هذه السورة وحدانية اللَّه تعالى،
_________________
(١) وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ٣٩٦): مدنية بإجماع فيما علمت. وقال القرطبي في "تفسيره" (٥/ ٥): مدنية بإجماع.
(٢) في (ر): "وست مئة وستة وثلاثون حرفا"، وفي "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٤٣): وحروفها أربعة عشر ألفًا وخمس مئة وخمسة وعشرون حرفًا.
(٣) يعني: السورة التي قبلها، ولو قال: (تلك السورة) لكان أصوب.
(٤) في (ف): "الكتاب".
(٥) "به": من (ف).
(٦) في (ف): "لأن".
[ ٣ / ٤٥٠ ]
ثم ذكر المؤمنين والكافرين ونَصْرَ اللَّه المؤمنين على الكافرين بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٣].
ونزول أولها في شأن وفد (^١) نجران: ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدِم على رسول اللَّه -ﷺ- وفدُ نجرانَ سبعون راكبًا فيهم أربعةَ عشرَ رجلًا من أشرافهم، وفي الأربعة عشرَ ثلاثةُ نفر إليهم يَؤول أمرُهم (^٢): العاقبُ أميرُ القوم وذو رأيهم وصاحبُ مشورتهم، لا يَصْدُرون إلا عن رأيه، واسمُه: عبد المسيح، والسيدُ ثِمالُهم (^٣) وصاحب رَحْلهم ومجتمَعهم، واسمه: الأَيْهَم، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ أُسْقُفُّهم وحَبرُهم وصاحب مدارسهم (^٤) من علمه واجتهاده (^٥)، وكانت ملوك الروم قد شرَّفته ونوَّلته وأكرمته (^٦) لِمَا يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دِينهم.
فلمَّا وجَّهوا إلى رسول اللَّه -ﷺ- من نجرانَ كان أبو حارثةَ على بغلةٍ له وإلى جَنبه أخٌ له يقال له: كُرْزُ بن عَلْقمةَ، يسير معه، إذ عثَرت بغلةُ أبي حارثة فقال كُرْزٌ: تَعِسَ الأَبْعدُ! يريد رسول اللَّه -ﷺ-، فقال أبو حارثة: بل أمُّك تَعِست! فقال: ولمَ؟ قال: واللَّه إنه لَلنَّبيُّ (^٧) الذي كنا ننتظِر، فقال له كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلمُ هذا؟ قال: ما
_________________
(١) في (ف): "وفد بني".
(٢) كتب بعدها في (ف) في الهامش: "إليهم".
(٣) في هامش (ف): "الثمال: الغياث، وثمال قومه؛ أي: غياث لهم يقوم بأمرهم".
(٤) (المدارس) قال الشهاب في "حاشيته على البيضاوي" (٢/ ٢١١): بيت اليهود الذي يدرسون به كتبهم، جمع مدراس. قلت: وجاء في بعض المصادر: (المدراس) بلفظ المفرد.
(٥) "من علمه واجتهاده": من (ف)، ولم ترد في المصادر.
(٦) في المصادر: (شرفوه ومولوه وأخدموه).
(٧) في (ف): "إنه واللَّه النبي".
[ ٣ / ٤٥١ ]
صنع بنا هؤلاء القوم؛ شرَّفونا وموَّلونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافَه، فلو فعلْتُ نزعوا منَّا كلَّ ما تَرى، فأَضمر عليها منه أخوه كُرْزٌ حتى أسلم بعد ذلك، فهو كان يحدِّث بهذا الحديث عنه (^١).
وكان أسماء الأربعةَ عشرَ: العاقبُ وهو عبدُ المسيح، والسيدُ وهو الأيهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ، وكُرزٌ والحارثُ وزيدٌ وقيسٌ ويزيدُ ونُبيهٌ وخويلد وعمروٌ وخالدٌ وعبدُ اللَّه ويُحنَّسُ.
فكلَّم رسولَ اللَّه -ﷺ- منهم أبو حارثةَ والعاقبُ والسيدُ، وهم على النصرانية على اختلاف من أمرهم؛ يقولون: هو اللَّه، ويقولون: هو ولدُ اللَّه، ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ، ويحتجُّون لقولهم: هو اللَّه، بأنه كان يُحيي الموتى ويُبْرِئُ الأسقامَ ويُخبر بالغيوب، ويَخلق من الطين كهيئةِ الطير فينفخُ فيه فيطيرُ، ويحتجون لقولهم بأنه ولد اللَّه بأنه لم يكن له أبٌ يُعْلم، ويحتجُّون لقولهم: ثالثُ ثلاثةٍ، بقول اللَّه: فعلنا وقضينا، ولو كان واحدًا لقال: فعلتُ وقضيتُ، ففي كلِّ ذلك من قولهم نزل القرآن.
فلمَّا كلَّمه الحَبْران قال لهما رسول اللَّه -ﷺ-: "أَسْلِما" فقالا: قد أسلمنا، فقال: "قد كذَبْتُما، يمنعُكما عن (^٢) الإسلام دعواكُما (^٣) للَّهِ ولدًا، وعبادتُكما الصليبَ، وأكلُكما الخنزيرَ"، قالا: فمَن أبوه يا محمد؟ فصمَتَ رسول اللَّه -ﷺ- فلم يجبهما، فأنزل اللَّه تعالى في ذلك من قولهم واختلافِ أمرهم صدرَ سورةِ آل عمرانَ إلى بضعٍ وثمانين آيةً منها إلى قصة المباهلة (^٤).
_________________
(١) وقد روى عنه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣) هذا القدْر من الخبر إلى هذا الموضع.
(٢) في (ف): "من".
(٣) في (ف): "دعاؤكم".
(٤) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٧٣ - ٥٧٦)، و"تفسير الطبري" (٥/ ١٧٢ - ١٧٤). وهذا القدْر من الخبر هو الذي رواه الطبري.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
فلمَّا أتى رسولَ اللَّه -ﷺ- الخبرُ من السماء في القضاء فيما بينه وبينهم، وأمرُه بملاعَنتهم إنْ رَدُّوا عليه ذلك، دعاهم إلى ذلك فقالوا: يا أبا القاسم! دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيكَ بما نريدُ أن نفعلَ.
فانصرفوا عنه ثم خَلَوا بالعاقب -وكان ذا رأيهم- فقالوا: يا عبد المسيح! ما ترى؟ فقال: واللَّه يا معشرَ النصارى لقد عرفتُم إن محمدًا لنبيٌّ مرسلٌ، ولقد جاءكم بالفصل من خبرِ صاحبكم، ولقد علمتُم ما لاعَنَ قوم نبيًّا فبقِيَ كبيرُهم ولا نَبَت (^١) صغيرهم، وإنه الاستئصال منكم إنْ فعلتم، فإنْ كنتُم قد أبيْتُم إلا إلْفَ دينكم والإقامةَ على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادِعوا الرجل ثم انصرِفوا إلى بلادكم.
فأتَوا رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: يا أبا القاسم! قد رأينا ألَّا نلاعِنَك، وأنْ نتركك على دينك ونرجعَ على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا يَحكم بيننا في أشياءَ قد اختلفنا فيها من أموالنا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ائتوني العشيَّةَ أبعثْ معكم القويَّ الأمين".
قال: فكان عمر يقول: ما أحببتُ الإمارة قطُّ قبل يومئذٍ رجاءَ أن أكون صاحبَها، فرحْتُ (^٢) إلى الظهر مهجِّرًا، فلمَّا صلَّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الظهرَ سلَّم (^٣) ثم نظر عن يمينه وعن شماله، وجعلتُ أتطاوَلُ له ليراني، فلم يزل يلتمسُ ببصره حتى رأى أبا عبيدة بنَ الجرَّاح، فدعاه فقال: "اخرُجْ معهم فاقْضِ بينهم بالحقِّ فيما اختلَفوا فيه"، قال عمر ﵁: فذهب بها أبو عبيدةَ (^٤).
_________________
(١) في (ر): "ثبت"، والمثبت من (ف) و"السيرة".
(٢) في (ف): "فخرجت"، والمثبت من (ر) و"السيرة".
(٣) في (ف): "وسلم"، والمثبت من (ر) و"السيرة".
(٤) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٨٣ - ٥٨٤).
[ ٣ / ٤٥٣ ]
وقال الربيع بن أنسٍ في تفسيره: إن النصارى أتوا رسول اللَّه -ﷺ- فخاصَموه في عيسى ﵇، فقالوا: مَن أبوه؟ فقالوا على اللَّه الكذبَ والبهتان، فقال لهم النبيُّ -ﷺ-: "أَلَستُمْ تَعلمونَ أنه لا يكون ولدٌ إلا وهو يُشْبِهُ والدَه؟ " قالوا: بلى، قال: "ألستُم تعلمون أنه حيٌّ لا يموت، وأن عيسى ﵇ يأتي عليه الفناء؟ " قالوا: بلى، قال: "ألستُم تعلمون أن ربنا قيِّمٌ على كلِّ شيءٍ يَكْلؤه ويحفظه ويرزقه؟ " قالوا: بلى، قال: "فهل يملك عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّم؟ " قالوا: لا، قال: "فإن ربَّنا صوَّر عيسى في الرَّحِم كيف شاء" ثم قال: "ألستُم تعلمون أنَّ ربَّنا لا يأكلُ الطعامَ ولا يشربُ الشرابَ ولا يُحْدِثُ الحدَثَ؟ " قالوا: بلى، قال: "ألستُم تعلمون أن عيسى حملتْه امرأةٌ كما تَحمل المرأةُ ثم وضعَتْه كما تَضَعُ المرأة ولدها وغُذِيَ كما يُغْذَى (^١) الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ ويشربُ الماءَ ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ " قالوا: بلى (^٢)، قال: "فكيف يكون هو كما زعمتُم"، فعرفوا ثم أبوا إلا جحودًا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ الآيات (^٣).
وقالوا لرسول اللَّه -ﷺ-: ألستَ تزعم أنه كلمةُ اللَّه وروحٌ منه؟ قال: "بلى"، قالوا: فحَسْبُنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ الآيات (^٤).
* * *
_________________
(١) هنا آخر السقط الواقع في (أ).
(٢) في (أ): "نعم".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٧٤). وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٨٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧ - ١٩) (ط: دار التفسير).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٠٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٩٦)، عن الربيع أيضًا.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
(١) - ﴿الم﴾.
وقوله تعالى: ﴿الم﴾: ذكرنا الأقاويل الكثيرة فيه في أول سورة البقرة، وفتحُ الميم لدى الوصلِ لاستثقالِ الكسرة بعد الياء الساكنةِ، ولاختيارِ أخفِّ الحركات.
وقال الفرَّاء والزجَّاج: أُلقي على الميم فتحُ الهمزة من قوله: ﴿اللَّهُ﴾ (^١)، ولا يقال: هذا ألِفُ الوصل فلا تكون له فتحةٌ مستحَقَّةٌ؛ لأن ﴿الم﴾ هجاءٌ، ويُنوى فيه الوقفُ، ويُنوى بعده الاستئنافُ، فتكون الهمزة في حكم الثابتة (^٢).
* * *
(٢) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: فسَّرناه في أول آية الكرسيِّ، وقال ابن عباسٍ ﵄: وحَّد اللَّه نفسَه حيث لم توحِّدْه النصارى واليهود والمشركون.
قال: وهو الحيُّ بنفسه لا بإحياء غيره، والقيومُ (^٣) به قيامُ كل شيءٍ، وعيسى صلوات اللَّه عليه كان حيًّا بإحياء اللَّه تعالى، وقائمًا بإقامته، فكيف يكون إلهًا؟!
* * *
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٩)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٦٥)، وذكر الزجاج بعده وجهًا آخر وهو كون الفتح لالتقاء الساكنين، وهو قول منسوب لسيبويه، والظاهر من كلام الزجاج اختياره، فإنه عقبه بقوله: وهذا القول صحيح لا يمكن في اللفظ غيره. وانظر قول سيبويه في "البحر المحيط" لأبي حيان (٥/ ١٦٣).
(٢) في (ر): "الثابتة"، والمثبت من (أ) و(ف)، والمراد همزة القطع.
(٣) في (أ): "القيوم".
[ ٣ / ٤٥٥ ]
(٣) - ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: أي: فصَّل إنزال القرآن عليك يا محمدُ شيئًا بعد شيءٍ في ثلاثٍ وعشرين سنةً، وهو إنزالُ جبريل بوحي (^١) القرآن.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق فيما اختلف فيه.
وقيل: لبيان الحق.
وقيل: أي: بالصَّواب والصِّحة والحكمة البالغة.
وقيل: جميع ما فيه صدقٌ لا خُلفَ فيه ولا كذبَ.
وقيل: بإيجابِ شكرِ المنعِم على عباده.
وقيل: بالحقِّ الذي يجب لبعضهم على بعضٍ.
وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: موافقًا لِمَا قبله من الكتب المنزَلة في التوحيد وأصلِ الطاعة، واختلافُ الشرائع لا يوجب التناقُضَ على ما مرَّ في سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبلِ إنزال القرآن عليك.
* * *
(٤) - ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾: أي: بينَّا (^٢) لهم أمرَ دينهم.
_________________
(١) في (أ): "لوحي".
(٢) في (أ): "بيانًا".
[ ٣ / ٤٥٦ ]
وفي كلِّ هذه الكتب نفيُ كلِّ معبودٍ سوى اللَّهِ تعالى، وبطلانُ ما يقوله النصارى في عيسى. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (^١) قيل: هو بيان القرآن.
وقيل: هو القرآن بعينه، وإنما أعاده بعدما قال في أوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ لأنه سمَّاه باسمين، وكلُّ اسمٍ يدل على معنًى؛ فالأول يدل على أنه مجموعٌ لأن الكتابة هي الجمع، والفرقانُ يدل على أنه فارِق بين الحق والباطل، فكان كذِكْرِ صفتين فلم يكن تكرارًا.
والجواب الأوضح: أنه ذَكر في أول الآية التنزيلَ على التفعيل، وذلك يَدلُّ على التكرير، وهو إخبارٌ (^٢) عن تنزيله شيئًا بعد شيءٍ في مدَّةِ عُمره، وذَكر في آخِر الآية الإنزالَ، وهو الإنزالُ أولَ (^٣) مرَّةٍ، وأراد به من اللوح إلى السماء الدنيا جملةً في ليلةِ القدر في شهرِ رمضان، فهو إخبارٌ عن شيئين، ولذلك قال في التوراة والإنجيل: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ولم يقل: نَزَّلَ؛ لأنَّهما أُنزلا جملةً، وذكَر في القرآن مرَّةً تنزيلًا لتفصيل (^٤) تنزيله في طولِ المدة، وذكَر الإنزال مرةً لإنزاله من اللوح إلى السماء جملةً.
وقيل: الفرقان: المخرِج من الشبهات، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، وهو يكون صفةً للتوراة والإنجيل والقرآن (^٥) جميعًا فقد ذكرها قبله.
وقيل: الفرقان نصرُ الأنبياء، وأراد به في حقِّ الكل.
_________________
(١) في (ف): "وإنزال القرآن" بدل: "قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ ".
(٢) في (ر): "إخباره".
(٣) في (١): "والإنزال" بدل: "وهو الإنزال أول".
(٤) في (ف): "تنزيل التفصيل"، وفي (ر): "تنزيلًا للتفصيل".
(٥) في (أ) و(ف): "والفرقان".
[ ٣ / ٤٥٧ ]
وقال السُّدِّي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: وأنزل التوراةَ والإنجيل والفرقانَ هدى للناس (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: أي: بالقرآن؛ قال اللَّهُ تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]؛ أي: اليهودَ والنصارى الذين جحَدوا القرآنَ مع أنَّه يوافقُ كتابَهم ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة لا يُطاق بما فعلوا ما لا عذرَ لهم فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾: أي: ممتنعٌ (^٢)، مِن قولهم: أرضٌ عَزازٌ (^٣)؛ أي: ممتنعةُ السلوك لصعوبتها، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾؛ أي: ممتنع بسلطانه أنْ يُعارضه أحدٌ في عذابٍ أراده بمَن شاءَ.
وقيل: ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالبٌ لا يَمنعه أحدٌ عمَّا يُريده؛ من قولهم: مَن عزَّ بزَّ؛ أي: مَن غَلَبَ سَلَبَ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾: أي: ذو عذابٍ (^٥).
وقيل ذو بطشٍ شديدٍ.
وقيل: ذو انتصارٍ مِن أعدائه لأوليائه.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٩)، والواحدي في "الوسيط" (١/ ٤١٢)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٦).
(٢) في (أ): "منيع".
(٣) في (ر): "عزيزة".
(٤) انظر: "الأمثال" لأبي عبيد (ص: ١١٣)، و"غريب الحديث" للخطابي (١/ ١٤٥)، و"جمهرة الأمثال" لأبي هلال العسكري (٢/ ٢٨٨).
(٥) في (ف): "عقاب".
[ ٣ / ٤٥٨ ]
وقيل: هو عامٌّ في حقِّ جميع الكفار.
والآياتُ: الكتبُ كلُّها، وكذلك الأنبياءُ كلُّهم؛ لأنَّ الآيةَ هي العلامة (^١)، والأنبياءُ أعلامٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وكذلك دلائلُ التوحيد كلُّها آياتٌ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥].
* * *
(٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: أي: فكيف يخفى عليه قولُ هؤلاء النصارى؟ وعيسى كان يَخفى عليه أمرُ السماء، وكذا أمرُ الأرض؛ فقد خفيَ عليه تدبيرُ الكفار في قتله فكيف يكون إلهًا؟ واللَّه هو الذي لا يَخفى عليه شيءٌ.
* * *
(٦) - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: أي: يَجعلكم على هيئاتٍ (^٢) مخصوصةٍ في أرحامِ أمَّهاتكم، مِن ذكرٍ وأنثى، وأسودَ وأبيضَ، وتامٍّ وناقصٍ، وطويلٍ وقصيرٍ، وحسنٍ وقبيحٍ.
والصورة: الهيئة (^٣)، وهي مِن الصَّوْر وهو الضمُّ والقطع والإمالة، وفي الصُّورة ذلك كلُّه، والتصويرُ بعد التارات الثلاثة (^٤) مِن النطفة والعلقة والمضغة.
_________________
(١) في (أ): "لأن الآيات هي العلامات".
(٢) في (ف): "هيئة".
(٣) في (أ) و(ف): "والهيئة".
(٤) في (أ) و(ف): "الثلاث".
[ ٣ / ٤٥٩ ]
أي: إنَّ اللَّه تعالى هو الذي يَقدر على ذلك، فهو الإلهُ وحده، وعيسى ﵇ كان مخلوقًا صوَّره اللَّهُ تعالى في الرَّحِم، وهو المصوِّر والقادر على ما يشاء، فله أنْ يصوِّره (^١) مِن غير أبٍ.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: نزَّه نفسَه أن يكون عيسى ابنًا له.
وقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: أي: المنيع في ملكه وحُكمه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قولِه وفعلِه.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فيه نقضُ قولِ القائف، فإنَّه جعل مشيئة التصوير لنفسه، وعِلْمَ ذلك إلى نفسه (^٢).
* * *
(٧) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: المُحكَمات: المُتقَنات، و(أمُّ الكتاب): أصلُه وما يُرجَع إليه في تعرُّف المُشكلات، و(أخرُ): جمع أُخرى، والمتشابهات مِثلُ (^٣) المشتَبِهات، والأقاويلُ فيها كثيرةٌ.
_________________
(١) في (أ): "يصور".
(٢) في (أ): "لنفسه". وانظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٠٢).
(٣) "مثل": من (أ).
[ ٣ / ٤٦٠ ]
وانتظامُها بما قبلها -وهو أحدُ هذه الأقاويل-: أنَّ النصارى لمَّا احتجُّوا لإثبات قولهم: ثالثُ ثلاثةٍ، بما نزل مِن قولِ اللَّه: نحن فَعَلنا، ونحن قضينا، نزلت هذه الآيةُ، ووجهُ ذلك: أنَّ الآياتِ المحكَماتِ: ما فيها مِن الآيات الدالَّةِ على وحدانيته ﵎ (^١) ونفيِ الإلهيَّة عن غيره، وهي آياتٌ بيِّناتٌ غيرُ محتمِلةٍ (^٢) للتأويل، والآياتُ التي فيها: نحن فعلنا، نحن قضينا، متشابهاتٌ يَشتبِه معناها على مَن جهِل وجوهَ خطابِ العرب، وقد أَخبر أنَّ المُحكَمات أصلٌ، ومن جهتها يَحصل العلمُ بالتوحيد وتأويلُ المتشابه.
وقال ابنُ عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: المحكماتُ: ناسخُه (^٣)، وحلالُه وحرامُه، وحدودُه وفرائضُه، وما يؤمَن به ويُعمَل به، والمتشابهات: منسوخُه، ومقدَّمُه ومؤخَّره، وأقسامُه وأمثاله، وما يؤمَن به ولا يُعمل به (^٤).
فأمَّا المؤمنون فيقولون: كلٌّ مِن عند اللَّه تعالى مُحكَمُه ومتشابهُه، وأمَّا الذين في قلوبهم زيغٌ مِن أهل الشرك فيَحملون المحكَمَ على المتشابه، والمتشابهَ على المحكَم، ويُلبِّسون فيه فيُلبِّسُ اللَّهُ عليهم.
وقال الكلبيُّ: المحكَماتُ: المبيَّناتُ بالحلال (^٥) والحرام، ولم تُنسَخ، وهنَّ ثلات آياتٍ في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآياتِ (^٦)؛ هنَّ أصلُ الكتاب، أَنزلها اللَّهُ تعالى على محمَّد، وفيها مجمعُ
_________________
(١) في (أ): "وحدانية اللَّه تعالى".
(٢) في (أ) و(ف): "محتملات".
(٣) بعدها في هامش (ف): "وتبين" وعليها علامة التصحيح، لكن لا يظهر لها وجه.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٩٣).
(٥) في (ر): "المبينات الحلال".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٩٣) عن ابن عباس ﵄، وأورده الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٠).
[ ٣ / ٤٦١ ]
الحلال والحرام، وهنَّ إمامٌ في التوراة والإنجيل والقرآن وفي كلِّ كتابٍ، مَن عمِل بهنَّ دخل الجنة، ومَن تركهنَّ دخل النار.
﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يعني: ما اشتبَهَ على اليهود كعب بنِ الأشرف وأبي ياسرٍ مِن حساب الجُمَّل، وهنَّ: ﴿الم﴾ و﴿المر﴾ و﴿المص﴾ و﴿الر﴾ (^١)، وقد بيَّنَّا تلك القصَّة في أول سورة البقرة.
وفي "تفسير مقاتل" في قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: يعني: إلى (^٢) كم تملك هذه الآية ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ أي: اللَّه يعلم كم يملكون مِن السنين (^٣).
وقيل: الآيةُ نزلت في النصارى حين أَتَوا النبيَّ -ﷺ- وناظَروه في أمرِ عيسى ﵇، فقالوا: كان إلهًا؛ لأنَّه كان يُحيي الموتى، ويُبرئ الأَكْمه والأبرص، ويَنفخ في الطين فيصير (^٤) طيرًا، ويَعلم الغيب، قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وردَّ النبيُّ -ﷺ- قولَهم (^٥)؛ أنَّه كان في الرَّحِم، وخرج مِن المبَال، وكان يَنام، وكان (^٦) يأكل الطعام ويُحدِث، فنزلت الآيةُ ردًّا عليهم (^٧)؛ لأنَّه
_________________
(١) انظر: "تفسير السمرقندي" (١/ ٢٤٦)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١١ - ١٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٩)، جميعهم ذكروه عن الكلبي.
(٢) في (ف): "أي"، وفي (ر): "بين إلى". بدل: "يعني إلى".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٦٤).
(٤) في (ف): "فيكن".
(٥) بعدها في (أ): "بقوله"، وحذفها أولى لأن الآتي مذكور بالمعنى.
(٦) "كان" لم يرد في (أ).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٧٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٨٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧ - ١٩) (ط: دار التفسير)، عن الربيع بن أنس، وتقدم في أول السورة.
[ ٣ / ٤٦٢ ]
اشتبه الأمرُ عليهم فجعلوا الدلائلَ التي دلَّت على نبوَّته دلالةً لربوبيَّته (^١)، وما فعلوا ذلك إلَّا ابتغاء الكفر وابتغاء إيقاع الفتنة بين المؤمنين.
وقيل: الآياتُ المحكمةُ كقوله (^٢): ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ٥] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]. والمتشابهات كقوله: ﴿الم﴾ ﴿المر﴾ ﴿المص﴾ ﴿الر﴾.
وقيل: المُحكَم ما لا يحتمِل إلَّا وجهًا واحدًا، والتحكيمُ والإحكامُ: المَنع، والحَكَمةُ مانعةٌ للفرس مِن (^٣) الجماح، فالمحكَم: ما يمتنع (^٤) على مَن أراد صرفَه إلى غير مراده، والمتشابهُ ما يحتمِل وجوهًا، وهو مِن الشِّبْه، وهو المِثْل؛ أي: يشبهُ (^٥) هذا بوجهٍ وهذا بوجه.
وقيل: المُحكَم: ما دلَّ على صفات اللَّهِ تعالى؛ مِن علمه وقدرته وسمعه وبصرِه وسائرِ صفاته، وأمَّا المتشابه: فما لا بدَّ فيه مِن أنْ (^٦) يُصرَف عن ظاهره إلى وجهٍ مِن وجوه التأويل فيه، كقوله تعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] و: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] ونحو ذلك.
وقال ابنُ كيسانَ: المحكَمات: هي التي حُججُها واضحةٌ لا حاجةَ لمن سمعها
_________________
(١) في (ر): "دلالة الربوبية".
(٢) في (ف): "قوله".
(٣) في (أ): "عن".
(٤) في (ر) و(ف): "يمنع".
(٥) في (ر): "إلى نسبة"، وفي (ف): "إلى تشبه"، بدل: "أي يشبه".
(٦) في (ر) و(ف): "فما لا بد له فيه أن".
[ ٣ / ٤٦٣ ]
إلى طلبِ معانيها، وهي (^١) ما أخبر اللَّهُ تعالى عن التوراة والإنجيل، وما فَعل بالأمم الخالية، وما كان سببَ عقابهم، وما أخبر عن خَلْق الناس مِن نطفةٍ وترابٍ (^٢)، ومِن إحيائهم، وإماتتهم، وغير ذلك، فهذا كلُّه محكم، وهو الأصل الذي لو فكَّرتم فيه عَرفتُم أنَّ كلَّ ما جاء به محمَّد ﵊ حقٌّ مِن عند اللَّه. والمتشابه: هو الذي يُدرَك علمُه بالنَّظر ولا يَعرِف العوامُّ تفصيلَ الحقِّ منه مِن الباطل (^٣).
وقال ابنُ كيسان: ومِن المتشابه: ما وَعَدَ اللَّهُ تعالى المؤمنين مِن النصر والظَّفَر (^٤)، وأَوعد الكفار (^٥) مِن النقمة وتغيير النعمة، فيقولون: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] و: متى (^٦) تأتينا الساعةُ، و: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]؛ ليُشبِّهوا على الضَّعَفة، وكذلك الآياتُ التي تتطرَّقُ بظواهرها الملحدةُ إلى الطعنِ في كتاب اللَّه تعالى والتلبيسِ بها على الضَّعَفة.
وقيل: المُحكَم: ما اجتمعوا على حُكمه؛ كتوحيد اللَّه تعالى وتنزيهِه عمَّا لا يليق بذاته وصفاته، والصلواتِ الخمس، وصيامِ رمضان، ونصبِ الزكوات، وأركانِ الحجَّ، والغُسْل مِن الجنابة، وما أجْمع (^٧) عليه الصَّدْر الأوَّل. والمتشابهُ: ما اختلفوا فيه.
قال مِسْعَرُ بنُ كدَامٍ: كان عمرُو بنُ مرَّة إذا صلَّى الفجر بعدما كُفَّ بصرُه قال
_________________
(١) في (أ): "وهو".
(٢) في (ر): "نطفة أو تراب".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ١١).
(٤) في (أ): "من النصر والظفر للمؤمنين".
(٥) في (ف): "وأعد للكفار".
(٦) "متى": من (أ).
(٧) في (ر): "اجتمع".
[ ٣ / ٤٦٤ ]
لأصحابه: أفيكم غريبٌ؟ فإن قالوا: نعم، سكت فلم يُحَدِّث، وإنْ قالوا: لا، أَقْبَل يُحدِّثهم، وإنَّه صلَّى الفجر يومًا، فلمَّا انصرف قال لأصحابه: أفيكم غريبٌ؟ قالوا: نعم، فسكت، فقال الغريب: يَرحمك اللَّهُ! إنِّي جئتك مسترشدًا، إنِّي رجلٌ دخلت في جميع هذه الأهواء، فلم أَدخل في هوًى منها إلَّا القرآن يُدخلني فيه، ولم أخرج مِن هوًى منها إلَّا القرآن يُخرجني منه، حتى بقيتُ ليس في يدي شيءٌ، فقال له: واللَّهِ الذي لا إله إلَّا هو لقد جئتَ مسترشدًا!
فقال: واللَّهِ الذي لا إله إلَّا هو لقد جئتُ مسترشدًا، فقال: أرأيتَ (^١) ما اختلفوا فيه؛ هل اختلفوا في أنَّ اللَّهَ واحدٌ؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في أنَّ القرآنَ كتابُ اللَّه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الصلوات الخمس (^٢) أنَّها خمسٌ؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في رمضان أنَّه شهرُهم الذي يصومونه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الحجِّ أنَّه بيتُ اللَّهِ الذي يحجُّونه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الزكاة أنَّها مِن مئتي درهم خمسةُ دراهم؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الغُسْل مِن الجنابة؟ قال: لا.
قال (^٣): فذَكر له هذا وأشباهَه، قال: ثم قال: اقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآيةَ، فالمحكَم ما اجتمعوا عليه، والمتشابِهُ ما اختلفوا فيه، فشُدَّ يديك بالمحكَم، وإيَّاك إيَّاك (^٤) والمتشابهَ.
قال: فقال الرجلُ: الحمد للَّه الذي أرشدني على يديك، فواللَّهِ لقد جئتُك وإنِّي
_________________
(١) في (أ): "أو اللَّه" بدل: "واللَّه الذي لا إله إلا هو لقد جئتُ مسترشدًا فقال: أرأيت".
(٢) "الخمس" لم يرد في (أ).
(٣) "قال" لم يرد في (أ).
(٤) "إياك": من (أ).
[ ٣ / ٤٦٥ ]
لَمِن أسوأ الناسِ حالًا، ثم لقد قمتُ مِن عندك وإنِّي لحَسَنُ الحال، فدعا له ثم قام (^١).
فقال عمرو: إنَّ الشيطانَ دعا أهلَ الكتاب إلى أمرٍ فأجابوه، فطرحهم فيما قد علمتُم، وهو داعيكم كما دعاهم وطارحُكم في مِثل (^٢) ما طرحَهم فيه، فعليكم بالأمر الأول، قال: فإنْ قال قائلكم: ما الأمرُ الأوَّل (^٣)؟ فهو ما اجتَمع عليه المتفرِّقون.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: أي: مَيْلٌ عن الصواب وتَعرُّفِ الحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: أي: يتعلَّقون بالمتشابه منه، ولم يُرِدْ به اتِّباعَ الموافَقة، بل هو طلبُ شُبَه المجادَلة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: قيل (^٤): لابتغاء الكفر، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣].
وقيل: هو التماسُ إيقاعِ الضَّعَفة في الفتنة، وهي الصَّدُّ عن الحقِّ في حقِّ الكفار الذين يطلبون الهدى، والإخراجُ عن الدِّين الحقِّ إذا كانوا على الهدى.
وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: أي: ولِيبتغوا (^٥) مِن الضَّعَفة أنْ يُخبروهم بتأويل هذا (^٦) المتشابه، وليس ذلك على معنَى طلبِهم تأويلَه على سبيل التعرُّف والتعلُّم، لكن على سبيل الاستزلال، وإنَّما جعله مبتغَى التأويل؛ لأنَّ الطاعنَ يُخرِجُ
_________________
(١) في (أ): "قال".
(٢) في (أ): "حكم".
(٣) "قال: فإن قال قائلكم ما الأمر الأول" لم يرد في (ف).
(٤) في (أ): "أي"، وفي (ف): "قيل أي".
(٥) في (أ): "ليبتغوا".
(٦) في (أ): "يخبرهم بتأويل هذه"، وفي (ر): "يخبروهم بتأويله بهذا".
[ ٣ / ٤٦٦ ]
كلامه مخرجَ السؤال ويَقصدُ به ضعيفًا لا بَصَر له فيه يوقع في قلبه شبهةً، وهي (^١) عادةُ الملحِدةِ والمبْطِلة (^٢) مِن أهل الأهواء.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: لا تُخاصِم هؤلاء الخوارج بالقرآن؛ فإنَّ القرآن حَمولٌ ذلولٌ ذو وجوهٍ، تقول ويقولون، ولكن خذهم (^٣) بالسُّنن، فإنَّهم لن يجدوا عنها محيصًا (^٤).
وقال عمر بنُ الخطاب ﵁: يأتي أقوامٌ يأخذونكم بشبهات القرآن، فخُذوهم بالسُّنن، فإنَّ أصحابَ السُّنن أعلمُ بكتاب اللَّه تعالى (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾: منهم (^٦) مَن وقف على هذا، وقال: لا يَعلم المتشابهَ إلَّا اللَّهُ، وفي مصحف عبد اللَّه بنِ مسعودٍ ﵁: (وما يَعلم تأويلَه إلَّا اللَّهُ ويقول الراسخون في العلم آمنَّا به) (^٧).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وهو".
(٢) في (أ): "الملاحدة والمبطلين".
(٣) في (ر): "خذوهم".
(٤) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٥٦٠) من طريق الأوزاعي قال: خاصم نفر من أهل الاهواء علي بن أبي طالب فقال له ابن عباس. . .، الحديث، وإسناده منقطع. ورواه ابن سعد كما في "الدر المنثور" (١/ ٤٠) من طريق عكرمة وغيره عن ابن عباس فعكس وجعل القائل عليا والمخاطب ابن عباس، ولعله الصواب.
(٥) رواه الدارمي في "السنن" (١١٩).
(٦) قوله: "منهم" وقع بدلًا منه في (ف): "مر وإذا كانوا أعلم وقد تعلوا السنة فيكون منهم حجة"، وهي عبارة قلقة وغير واضحة.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ١٥)، وكذا كان يقرأ ابن عباس كما رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢١٨).
[ ٣ / ٤٦٧ ]
وعن عمر بنِ عبد العزيز ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ قال: انتهى علمُهم إلى أنْ قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^١).
وقال ابنُ كيسان كذلك، وقال: ولا تنكِرْ أنْ يكون للقرآن تأويلٌ استأثر اللَّهُ بعلمه دون خَلْقه؛ لأنَّا لا نعلم مرادَ اللَّهِ ﷿ وحكمتَه في أوامره ونواهيهِ، غيرَ أنَّه أَلزمَنا العملَ بما أَنزل، ولم يُطالبنا بما لا سبيلَ لنا إلى معرفته.
وقال هؤلاء: فائدةُ إنزالِ المتشابه: الإيمانُ به، واعتقادُ حقِّيَّة ذلك و(^٢) ما أراد اللَّه به، ومعرفةُ قصورِ أفهام البشر عن الوقوف على ما لم يُجعل لهم إليه سبيلٌ.
وأكثر أهل العلم على أنَّ الراسخين في العلم يَعلمون المتشابهَ، ويوصَلُ قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ بالأوَّل.
وقال مجاهد: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعلمونه و﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (^٣).
قالوا: ولو لم يكن للراسخين في العلم حَظٌّ في عِلم المتشابه إلَّا أنْ يقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ لم يكن لهم فضلٌ على الجهَّال؛ لأنَّهم جميعًا يقولون ذلك.
قالوا: ولم يزل المفسِّرون إلى يومنا هذا يفسِّرون ويؤوِّلون كلَّ آيةٍ، ولم نرَهم وقفوا عن شيءٍ مِن القرآن فقالوا: هذا متشابهٌ لا يَعلمه إلَّا اللَّهُ، بل فسَّروه نحوَ حروف الهجاء (^٤) وغيرها.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢١٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (٢٥٧).
(٢) "ذلك و": من (ف).
(٣) انظر: "تفسير مجاهد" (ص: ٢٤٩)، ورواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ١٠٠)، الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٢٠)، وابن المنذر في "تفسيره" (٢٥٩)، والنحاس في "القطع والائتناف" (ص: ١٢٦)، وابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" (ص: ١٩٥)
(٤) في (أ) و(ف): "التهجي".
[ ٣ / ٤٦٨ ]
وعن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّه قال: كلُّ القرآنِ أَعلمُ إلَّا أربعةً: غِسْلين، وحنَّان، والأوَّاه والرَّقِيْم، ثم رُوي عنه أنَّه عَلِمَ ذلك (^١).
قال القُتبيُّ: ولم يُنزِل اللَّهُ شيئًا مِن القرآن إلَّا ليَنتفعَ به عبادُه، ويدلَّ به على معنًى أَراده، فلو (^٢) كان المتشابهُ لا يَعلمه غيرُه لَلَزِمَنا للطَّاعنِ مقالٌ، وهل يجوز أنْ يقال: إنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- لم يَكن يعرف المتشابهَ، وإذا جاز أنْ يعرفه مع قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ جاز أنْ يَعرفه الرَّبَّانِيُّون مِن صحابته (^٣).
فعلى قولِ هؤلاء على الوصل معناه: وما يعلم تأويله إلا اللَّهُ ومَن فضَّله اللَّهُ مِن الراسخين في العلم؛ أي: الثابتين المستقيمين الذين لا يتهيَّأ استزلالُهم ولا تشكيكُهم، وقد رسخَ الشيءُ في القلب؛ أي: استَحْكَم، يقول: ينبغي للمبتغين ذلك المتشابهَ (^٤) أنْ يقصدوا بسؤالهم هؤلاء الراسخين ليكشفوا لهم ذلك إنْ كانوا مسترشِدِين، وفيه أنَّ (^٥) اللَّهَ تعالى لم يُسوِّ بين خَلْقه في العلم بالمتشابهات كما لم يسوِّ (^٦) بينهم في سائر العلوم.
وقوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: أي: المحكَمات والمتشابهات.
ثم على القول الأوَّل ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأٌ، وخبره: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٦٠٨)، وانظر: "تفسير السمرقندي" (٢/ ٩٢)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١٤).
(٢) في (ف): "فإن".
(٣) انظر: "تأويل مشكل القرآن" (ص: ٦٦).
(٤) في (أ): "للمتبعين بالمتشابه"، وفي (ف): "للمتبعين المتشابه".
(٥) في (ف): "منه وإن"، بدل: "وفيه أن".
(٦) في (ر): "كما سوى"، وفي (ف): "كما يسوي".
[ ٣ / ٤٦٩ ]
مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وعلى القول الثاني هذا في موضع الحال، وتقديره: قائلين آمنا به، فيُستغنى به عن حرف العطف، وهو كقول الشاعر:
الرِّيح تَبكي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلمعُ في غمامَه (^١)
أي: والبرق يَبكي أيضًا لامعًا؛ أي: حالَ لمعانِه.
وقيل: الراسخون في العلم: عبد اللَّه بنُ سلام وأصحابُه، قاله مقاتل بنُ حيَّان (^٢).
وروى أنسٌ وأبو الدرداء وأبو أُمامة ﵃ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه سُئلَ عن (^٣) الراسخين في العلم، فقال: "مَن برَّت يمينُه، وصدَقَ لسانُه، واستقام قلبُه، وعَفَّ بطنُه وفَرْجُه؛ فذاك مِن الراسخين في العلم" (^٤).
فإن قالوا: ما الفائدةُ في إنزال المتشابه، ولو كان الكُلُّ محكمًا لم يُختلَف في شيءٍ؟.
قلنا: أراد اللَّهُ ﷻ أنْ يمتحن عبادَه، فجعل مداركَ العلم على الاختلاف؛ فجعل بعضها جليًّا ظاهرًا، وبعضها خفيًّا غامضًا؛ ليُتوصَّل بالجليِّ إلى معرفة الخفيِّ
_________________
(١) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، وهو في ديوانه (ص: ١٤٣)، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٦٧)، و"إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٥٧)، و"الصاحبي" لابن فارس (ص: ٢٣٧)، و"المحرر الوجيز" (٥/ ٧٤)، و"خزانة الأدب" (٦/ ٤٧). ورواية الديوان: فالريح تبكي شجوها والبرق يضحك في الغمامه
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٠٠).
(٣) في (أ): "من".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٩٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٦٢ - ٦٤) (ط: دار التفسير). وفي إسناده عبد اللَّه بن يزيد بن آدم، قال عنه أحمد كما في "الميزان": أحاديثه موضوعة.
[ ٣ / ٤٧٠ ]
مِن طريق الاستنباط والاجتهاد وإتعابِ النفس وإعمالِ الفكر؛ ليتبيَّن المُجِدُّ مِن المقصِّر، والمجتهدُ مِن المفرِّط، فيكون ثوابهم على قَدْر (^١) اجتهادهم، ولتكون مراتبُهم على قَدْر علومهم، ولولا ذلك لاستوت الأقدامُ، ولم يتميَّز الخاصُّ مِن العامِّ، ولبطلت المحنةُ، وذهب التفاوتُ بين الناس، ولا يزال الناسُ بخيرٍ ما تفاوتوا، فإن (^٢) استَوَوا هلَكوا، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١].
وقيل: الحكمة فيه: أنَّ اللَّهَ تعالى كلَّف عبادَه ضروبًا مِن العبادات؛ وجعل بعضَها باللسان، وبعضَها باليد، وبعضَها بالرِّجْل، وبعضَها بالسمع، وبعضَها بالبصر، وبعضَها على كلِّ البَدَن كالصلاة ونحوها، وبعضَها على القلب؛ فجعل بعضَها مُحكَمًا وبعضَها متشابهًا؛ ليتعبَ القلب بالتفكُّر في المتشابه منها؛ ليخرجه على موافَقة المحكم منه (^٣)، فتكون ذلك عبادةً منه كعبادات سائر الأعضاء.
وقيل: إنَّ القرآنَ نزل بلغة العرب، وعلى موافَقة عادتهم في المخاطبات، ومعلومٌ أنَّهم يتكلَّمون بأنواعٍ مِن الكلام؛ منها الواضحُ البيِّن، ومنها الغامضُ الذي يَحتاج في استخراجه إلى التفكُّر، ومَن نَظَرَ في خُطَبهم وأشعارهم ومخاطباتِ الفصحاء منهم ومكاتباتهم إلى يومنا هذا، عَرف حقيقةَ ما قلنا، فخوطبوا على ما تَعارفوه مِن ذلك فيما بينهم.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ثوابهم بقدر".
(٢) في (أ) و(ف): "فإذا".
(٣) "منه": من (أ) و(ف).
[ ٣ / ٤٧١ ]
ثم إنَّ القرآنَ كلَّه مُحكمٌ في معنًى، وكلَّه متشابهٌ في معنًى، وبعضَه محكمٌ (^١) وبعضَه متشابهٌ في معنًى، وقد ذُكر ذلك كلُّه في القرآن:
أمَّا الأول: فقد قال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] ومعناه: أنَّ كلَّه مُتقَنٌ لا تناقضَ فيه.
وأمَّا الثاني: فقد قال: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (^٢) [الزمر: ٢٣] ومعناه: أنَّه يُصدِّق بعضُه بعضًا، ويُوافق بعضُه بعضًا.
وأمَّا الثالث: فقد قال في هذه الآية: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ووجهُ ذلك ما ذكرناه (^٣).
ثمَّ الراسخون في العلم -وهم الثابتونَ فيه-: هم الذين لا يَزولون عن الحقِّ بحشمةٍ أو رشوةٍ.
وقد قلنا: إنَّه أُريد به عبد اللَّه بنُ سلام وأصحابُه مِن الذين لم يُغيِّروا كتابَ اللَّه تعالى، بخلاف كدب بنِ الأشرف وأصحابِه مِن اليهود؛ فإنَّهم وُصِفوا بالتحريف، وبأنَّهم ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩].
ثم مدح هؤلاء بحُسْن الإقرار بقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، وبحُسْن الاعتقاد بقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وبحُسْن الفهم والاعتبار بقوله تعالى:
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: لا يتَّعظ ولا يَعتبر إلَّا أولو العقول الخالصة،
_________________
(١) بعدها في (ف): "في معنى".
(٢) "مثاني" لم يرد في (ف).
(٣) في (أ): "ذكرنا".
[ ٣ / ٤٧٢ ]
وبحسن (^١) الدُّعاء، وخوفِ الخاتمة، وسؤالِ الرحمة، وذكرِ اللَّه تعالى ببالغ الأثنية (^٢)، والإقرارِ بالقيامة، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٨) - ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾: أي: لا تُمِلْ قلوبنا عن الحقِّ، وهو خلقُ الميلِ في القلب، ودلَّ ذلك على أنَّ اللَّه تعالى خالقُ أفعالِ العباد.
وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾: يعني: بعد هدايتك إيَّانا؛ وهو خَلْقُ فعلِ الاهتداء أيضًا، ودلَّ على ما دلَّ عليه (^٣) الأوَّل.
وقوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: أي: مِن عندك، والرحمةُ تحتمل أنْ يكون أُريد بها (^٤) الثباتُ على الإسلام، وتحتمِلُ أنْ يكون المرادُ بها الجنَّةَ، وتحتمِل أنْ يُريد بها كلَّ نعمةٍ.
وقيل: معناه: هَبْ لنا ما نستوجبُ به الرحمةَ بوعدك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾: هو كثيرُ الهبة ودائمُ الهبة؛ وهي التبرُّع بما ليس على الفاعل فِعْله، ودلَّ ذلك على بطلان قولِ المعتزلةِ في وجوب الأَصْلح على اللَّه تعالى؛ فإنَّ مَن أدَّى ما عليه لم يكن مُنعِمًا متفضِّلًا وهَّابًا.
* * *
_________________
(١) في (ف): "بحسن".
(٢) في (أ): "ببالغ الأبنية"، ولم ترد الكلمتان في (ر).
(٣) "عليه" لم يرد في (أ) و(ف).
(٤) في (ر): "منها".
[ ٣ / ٤٧٣ ]
(٩) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: أي: باعثُ الخلقِ يومَ القيامة وجامعُهم للحساب والجزاء، وهو يومٌ لا شكَّ في كونه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: أي: للدَّاعين بالإجابة، وللمطيعين بالاثابة (^١)، يَحتمِلُ (^٢) أنَّه تمامُ كلام الراسخين، ويحتمل أنَّه ابتداءُ كلامٍ، وهو إخبارٌ مِن اللَّه تعالى، ثم يحتمِل أنَّ المرادَ به هاهنا أنَّه لا يُخلِف ميعاده (^٣) في إقامة القيامة على الخصوص، ويحتمل أنَّ المرادَ به في كلِّ شيءٍ.
* * *
(١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هذا ذمٌّ للكافرين بعد مدحِ الراسخين في العلم مِن المؤمنين (^٤)، وكان كفرُهم لاغترارهم (^٥) بأموالهم وأولادهم؛ فإنَّهم كانوا يَرَون عزَّهم بهما، قال تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠] وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، فأخبر أنَّ ذلك لا يُغني عنهم، وهو قوله تعالى:
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾: أي: لا تنفعهم، والغَناء بالفتح والمدِّ:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بالإنابة".
(٢) في (ر) و(ف): "ويحتمل".
(٣) في (ر): "الميعاد".
(٤) في (أ): "بعد مدح المؤمنين الراسخين في العلم".
(٥) في (ف): "لاعتزازهم".
[ ٣ / ٤٧٤ ]
النفع، والغِنَى بالكسر والقَصْر: الغُنية، وقد أَغناهُ؛ أي: جعله غنيًّا (^١)، وأغنى عنه؛ أي: نَفَعه ودفعَ الضررَ عنه.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: مِن عذاب اللَّه، ومعناه: لا يَصرف عنهم عذابَه، وكانوا يقولون: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] وقال اللَّهُ تعالى في ردِّهم: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١].
وقال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] وهو الولد.
وقال عزَّ وعلا ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
وقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧].
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾: أي: حطبُ النار، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]؛ أي: تشتعل بهم وتُحرقهم.
* * *
(١١) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: قال الربيع بنُ أنس: أي: لن تغنيَ عنهم أموالهم ولا أولادهم، كما لم تُغْنِ عن آلِ فرعون والذين مِن قبلهم أموالُهم ولا أولادُهم، والدَّأبُ: العادةُ.
_________________
(١) سقطت بعدها في (أ) الورقة رقم (١٤٥)، وسنبين نهاية السقط في مكانه.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: صنعُ هؤلاء كصنيع (^١) آلِ فرعون في الشِّرك.
وقال الأخفش: أي: أمرُ هؤلاء كأمرِ آلِ فرعون.
وقال الفرَّاء: كفرُ هؤلاء ككفرِ آلِ فرعون.
وقال قُطْربٌ: حالُ هؤلاء كحالِ آلِ فرعون.
وقال مقاتل: أي: دأبُ هؤلاء في تكذيبك كدأبِ آلِ فرعون.
وقال مجاهد: فعل هؤلاء كفعل آلِ فرعون (^٢).
وقيل: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ تتَّقد بهم كما تتَّقد بآل فرعون.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: والكفارِ الذين كانوا قبلَهم.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي: بكتبنا وبرسلنا (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: عاقبهم بها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أي: للكفار.
* * *
(١٢) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: قرأحمزةُ والكسائيُّ بياء المغايبة، والباقون بتاء المخاطبة (^٤)، وكلاهما شائعٌ في متعارف
_________________
(١) في (ف): "كصنع".
(٢) انظر هذه الأقوال في "تفسير الطبري" (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٧)، و"تفسير السمرقندي" (١/ ٢٤٨)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١٨ - ١٩).
(٣) في (ف): "ورسلنا".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٠١)، و"التيسير" (ص: ٨٦).
[ ٣ / ٤٧٦ ]
اللسانِ، يُقالُ: وقال زيد: المالُ له والمالُ لي، وقل له: سيخرج وستخرج، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^١) [الأنفال: ٣٨] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ الآية [الأنفال: ٧٠].
وقيل: الخطابُ لليهود، والمغايَبة عن عَبَدة الأوثان؛ لأنَّ اليهودَ أَظهروا السرور (^٢) بما كان مِن المشركين يومَ أُحُدٍ.
وتفسيره: قل لليهود الذين كان لهم عهدٌ ثم نقضوه -وهم بنو النضير- واعتمَدوا أموالهم وأولادهم: ستُغلبون وتقهرون، فلا تنفعكم أموالُكم ولا أولادُكم، وهذا في الدنيا، وقوله تعالى: ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أي: تُجمَعون وتُبعَثون إلى جهنَّم، وذلك في العُقبى.
وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي: وبئسَ الفِراش.
وقال مجاهد: أي: بئسَ ما مهَدتم لأنفسكم وقدَّمتم لها (^٣).
وكان كما قال؛ فقد أَجلاهم وأَخَذ أموالهم في الدنيا، ولهم العذابُ الدائمُ في العقبى.
وقيل: هذا خطابٌ لنصارى بني نجران الذين ذُكروا في أوَّل هذه السورة.
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: هو خطابٌ لليهود (^٤)، وكانت الغَلَبة على بني قريظة بالقتل والسَّبي.
_________________
(١) في (ف): "نغفر لهم"، بدل: "يغفر لهم ما قد سلف".
(٢) في (ر): "أظهروا الشرك".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٤١).
(٤) رواه أبو داود (٣٠٠١)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٣٩ و٢٤٠). وإسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
(١٣) - ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: قُرئ فيه بالرَّفع على الاستئناف، وبالنصب على المدح (^١)، وهذا (^٢) شاذٌّ، وبالخفض على البَدَل، وهو قراءة الزهريِّ (^٣)، وهو كما قال كُثَيِّر به (^٤):
وكنت كذي رِجلَيْن رِجلٌ صحيحةٌ ورجلٌ رَمَى فيها الزمانُ فَشَلَّتِ (^٥)
يُنشد بالرَّفع والجرِّ معًا.
ولو قلتَ: مررتُ بثلاثةٍ: صريعٌ وجريحٌ، واقتصرتَ عليهما، لم يجز بالجرِّ؛ لانَّك لم تَستوفِ العددَ، ويَجوز بالرَّفع، وتقديره: منهم صريعٌ، ومنهم جريحٌ، وإذا قلتَ: مررتُ بثلاثةٍ؛ صريع وجريح وسليم، جاز فيه الرَّفع والجرُّ، فإنْ زدتَ فيه: اقتَتَلوا، جاز فيه الرَّفعُ والجرُّ والنصبُ.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ إنَّما لم يقل: كانت؛ لتقدُّم الفعل، ولأنَّ الآيةَ في معنى البيان والبرهان، ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، ومعناها: كان لكم أيُّها الكفار المغترُّون بالعَدَد والعُدَد علامةٌ على صِدْق دعوى محمَّدٍ الرسالةَ، وإخبارِه أنَّكم ستُغلَبون وتُحشَرون في طائفتين وفرقتين اجتمعتا للقتال ببدرٍ؛ إحداهما فئةٌ تُجاهِد في
_________________
(١) قرأ: (فئةً) بالنصب ابن أبي عبلة كما في "المختصر في الشواذ" لابن خالويه (ص: ٢٦).
(٢) في (ف): "وهو".
(٣) انظر: "المختصر في الشواذ" لابن خالويه (ص: ٢٦)، وزاد نسبتها لمجاهد.
(٤) "به" لم يرد في (ف).
(٥) انظر: "ديوان كثير عزَّة" (ص: ٩٩).
[ ٣ / ٤٧٨ ]
سبيل اللَّه، وهم لا كثرةَ فيهم ولا شوكةَ، وهم أصحابُ محمَّدٍ ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾؛ أي: والطائفةُ الأُخرى كافرةٌ باللَّه ورسوله، وهم كفَّار قريشٍ أبو جهلٍ وأصحابُه، وكانوا تسعَ مئةٍ وخمسينَ رجلًا، وقادوا مئةَ فرسٍ، وساقُوا سبعَ مئةِ بعيرٍ، وفيهم مئةُ فارسٍ درَّاعٍ، وفي الرَّجَّالة راعون (^١)، والمسلمون ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عشرَ؛ بين كلِّ أربعةٍ منهم بعيرٌ، ومعهم ستُّ أدرعٍ وفَرَسانِ، ففي ذلك عبرةٌ لمَن اعتبر حيث غلَب القليلُ الكثيرَ.
وقوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾: قراءة نافعٍ بتاء المخاطبة؛ أي: تَرَون يا معشرَ اليهود أنتم المشركين مِثْلَي المسلمين، وهذا لم يكن رؤيةَ عيان؛ لأنَّهم لم يكونوا شهودًا، لكنَّه بمعنى العلم كأنَّهم عَلموا بالفريقين.
وقرأ الباقون بياء المغايبة (^٢)؛ أي: المسلمون يَرَون المشركين مِثْلَي أنفسِهم، ولم يُرِدْ به قصرَ العدد على مِثْلَي عددِ المسلمين على الاستواء، فقد كان المسلمون ثلاثَ مئةٍ وثلاثةَ عشرَ، والمشركون تسعُ مئةٍ وخمسون، وهذا أكثرُ مِن ثلاثة أمثاله، لكن له وجوهٌ:
أحدها: أنَّه لا يُراد بمثل هذا الكلام إلَّا التَّضاعُفُ، وذاك بزيادةٍ عليه، مِثْلَه كان أو مِثْليه أو ثلاثةَ أمثاله، خصوصًا في حقِّ مَن نظَر في الفئتين نظرًا واحدًا فعرف الكثرةَ دون إحصاءِ (^٣) العددين حقيقةً، وكذا فيما يُحصى قد يُطلق هذا، يقال له (^٤): لا أَقضي حاجتَك وإنْ أَتيتني ألفَ مرَّةٍ، و: لا أَقبل عُذرَك وإن اعتذرتَ سبعينَ مرَّةً، قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ويكون للرَّجل ألفُ
_________________
(١) "راعون" كذا في (ر) و(ف)، ولعل الصواب: (دراعون).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٠١ - ٢٠٢)، و"التيسير" (ص: ٨٦).
(٣) في (ف): "دون أن أحصى".
(٤) "له": من (ف).
[ ٣ / ٤٧٩ ]
درهمٍ، فيقول: إنِّي أَحتاج (^١) إلى مثلِه، يريد أنَّه يَحتاج إلى ألفين، ولو قال: إلى مِثْليه، كان محتاجًا إلى ثلاثة آلاف.
ووجهٌ آخَرُ: أنَّ اللَّهَ ﷻ أَرى المشركين في أعين المسلمين ضعفَهم بلا زيادةٍ؛ تشجيعًا لهم على قتالهم، إذ لو وقع عندهم أنَّهم بأضعافهم فربَّما هابوا، وكانوا لا يمتنعون عن قتال ضِعْفهم (^٢)، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦].
وقيل: إنَّ كلَّ واحدةٍ مِن الفئتين رَأَت أنَّها في العدد مثلَ الفئة الأخرى؛ ليُقدِم بعضُهم على بعض، ولو رأى المسلمون المشركين على عددِهم لم يُؤمَن فشلُهم، ولو علم المشركون بعدد المسلمين لم يُؤمَن نكولُهم (^٣)، فقلَّل كلَّ فئةٍ عمَّا كانت عليه في عيون الأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤].
وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدرٍ حتى قلتُ لرجلٍ كان إلى جَنْبي: أَتُراهم سبعينَ؟ قال: أُراهم مئةً، فأخذنا رجلًا منهم فقلنا: كم كُنتم؟ قال: كنَّا ألفًا (^٤).
_________________
(١) في (ف): "محتاج".
(٢) في (ف): "وكانوا يمتنعون عن القتال"، ولها وجه بالنظر لما قبلها، لكنها لا تستقيم باعتبار ما بعدها.
(٣) قوله: "ولو علم المشركون بعدد المسلمين لم يُؤمَن نكولُهم"، فيه نظر؛ لأنَّهم لو علموا عدد المسلمين على الحقيقة لازدادوا رغبة في القتال لأنهم أضعافهم، فهم في تلك الحالة أبعد ما يكون عن النكول.
(٤) رواه أحمد بن منيع في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (٤٢٤٧)، والطبراني في "الكبير" (١٠٢٦٩)، والبيهقي في "الدلائل" (٣/ ٦٧)، جميعهم من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود. قال الحافظ: هذا إسناد صحيحٌ، إنْ كان أبو عُبيدةَ سمعه من أبيه، فقد اختُلِفَ في سماعِه منه.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾؛ أي: في رؤيةِ العين، وقد رأى رَأْيًا ورُؤيةً، وأكثرُ ما يُستعمَل في رؤية العين: الرؤية، وفي رؤية (^١) القلب: الرَّأي (^٢)، وفي النَّوم: الرؤيا.
فـ ﴿رَأْيَ﴾ نصبٌ بنزع (في)، وقيل: نصبٌ على الحال، وتقديره: رائين بأعينهم، والعينُ في معنى العيون؛ لأَنَّه جنسٌ، فصلح للجمع.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يقوِّي، والأَيْد والأَدُّ: القوَّة، والتأييدُ: التقويةُ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: أي: لآيةً، وسُمِّيت بها لأَنَّه يُعْبَر بها عن موضع الجهل إلى العلم، مِن العُبور وهو قَطْع النهر والنفوذُ، والاعتبارُ: الاستدلالُ بالشاهد على الغائب، والأبصار: جمع بَصَر، وهو رؤيةُ القلب، وكذلك البصيرة.
وقال مقاتل: إنَّ في نصر المؤمنين وهم قليلٌ، وهزيمةِ المشركين وهم كثيرٌ، لعبرةً لأُولي (^٣) البصائر في أمرِ اللَّه تعالى.
وقال الحسن في تفسير هذه (^٤) الآية -وهو وجهٌ آخَر سوى الذي قلنا-: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾؛ أي: يَرَون الكفارَ أنَّهم أضعافُ المسلمين، وكذلك كانوا في الظاهر، وهو رأي العين، ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: يؤيِّد المؤمنين بخمسة آلافٍ مِن الملائكة والكفارُ لا يَرونهم، فأنتم في الباطن أكثرُ منهم، وهم في الظاهر أكثرُ منكم، فدخل في قلوب المؤمنين مِن ذلك رعبٌ، فأذهب اللَّهُ ﷻ ذلك
_________________
(١) "رؤية" لم يرد في (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "الرؤية" والصواب المثبت كما سيأتي في سورة يوسف.
(٣) في (ف): "لأهل".
(٤) "هذه": زيادة من (ف).
[ ٣ / ٤٨١ ]
مِن قلوبهم في أسرعَ مِن طرفةِ عينٍ ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقد شاء تأييدَ النبيِّ -ﷺ- وأصحابِه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ للَّذين يُبصرون ما أمرهم به اللَّهُ، كقوله عزَّ وعلا: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
فإنْ قالوا: أيُّ عبرةٍ في هذا والفئةُ القليلةُ المُبطِلة قد تغلبُ الفئةَ الكثيرةَ المحقَّة؟
قلنا: الآيةُ الواضحةُ والعبرةُ اللائحةُ في ذلك ليست نفسَ غلبةِ القليلِ الكثيرَ، بل معانٍ أُخَرُ:
منها: أنَّ المسلمين لم يكونوا مستعدِّين، وكان الكفار مستعدِّين على ما بيَّنَّا، وهذا في مثل هذا الحال لا يكون إلَّا بأمرٍ سماويّ.
ولأنَّ أبا جهلٍ -لعنه اللَّهُ- قال: اللَّهمَّ انْصُر أحبَّ الدِّينين إليك، فوقع ذلك ونزل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩].
والثالث: أنَّ النبيَّ -ﷺ- كان أَخبر بذلك بقوله: سيُغلَبون، ونزل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧].
ولأنَّ النبيَّ -ﷺ- رماهم بكفٍّ مِن ترابٍ، وقال: "شاهتِ الوجوهُ" فامتلأت مِن ذلك أعينُهم وعَمُوا وانهزموا، ونزل في شأنه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
فكانت العبرةُ في هذا كلِّه.
* * *
(١٤) - ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾: انتظامُ هذه الآية بما قبلها: أنَّه ذكر في الآية الأولى عدمَ نفع الأولاد والأرحام (^١) في الحاصل، وذَكر حالَ الآخرة في مقابلتها.
ووجهٌ آخَرُ: أنَّه ذكر قصة بني نجران، واغترارَهم بما حصل لهم مِن ملوكهم مِن حظوظ الدنيا، وذكر هاهنا أنَّه (^٢) كلَّه متاعٌ، وأنَّه لا قَدْرَ له في جَنْب الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعله، وفاعلُه هو اللَّهُ تعالى في قول عمر ﵁،
وروي عنه أنَّه رفع يديه وقال: اللَّهمَ زيَّنتَ لنا الدنيا وما فيها، وما بعدها خيرٌ منها، فاجعل حظَّنا مِن الذي هو خيرٌ وأبقى (^٣).
ودليلُه في كتاب اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: ٧] ومعناه: تخليقُ الميل والشهوة في القلوب وتصوُّر حُسنها وزينتها، مِن غير أنْ يتعرَّض لذِكْر فاعلها، كما يقال: أين يُذهَبُ بك؛ أي: أين تَذهب؟ مِن غير إرادةِ مَن يُذْهِبُه.
وقوله تعالى: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾؛ أي: المشتهيات، مصدرٌ أُريد به المفعولُ، ولذلك جُمع، ودليلُ ذلك أنَّه فسَّره بالمشتهيات (^٤)، وهو قوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الآية.
_________________
(١) في (ف): "عدم نفع الأموال والأولاد ثم ذكر في هذه الآية [. . .] الأموال والأولاد". وما بين معكوفتين غير واضح في النسخة، ويشبه رسمه كلمة: (قديم).
(٢) في (ف): "أن".
(٣) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (٢٨٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦١٢).
(٤) في (ف): "بالمشهيات".
[ ٣ / ٤٨٣ ]
والشهوة: تَوَقانُ النفسِ إلى الشيء، وقد شهِيَ شهوةً، مِن باب عَلِمَ، واشتَهى يَشتهي، وتشهَّى يتشهَّى، وشهَّاه غيرُ تشهيةً، ورجل شهوانُ، وامرأةٌ شهوى.
والنساء والنِّسوة: جمع امرأة على غيرِ لفظها.
والبنين: جمع ابنٍ، وقد يقعُ في غيرِ هذا على الأولاد كلِّهم ذكورِهم وإناثِهم، وهاهنا أُريد به الذكورُ؛ فهم المشتهَون (^١) في الطِّباع والمعَدُّون للدفاع.
قوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾: جمع القنطار (^٢)، والقنطار؛ قيل (^٣): هو أربعون أوقيَّةً مِن ذهبٍ أو فضةٍ، وقيل: ألفٌ ومئتا دينارٍ، وهو تشبيهٌ بالقَنْطَرة -وهو (^٤) الجسرُ العظيمُ- بمعنى العظَم. وقيل: بمعنى العقد، وقيل: بمعنى التحصين، وقيل: بمعنى الإحكام، وقيل: بمعنى الجمع.
وقال مجاهد ﵀: القنطارُ ثمانونَ ألف دينارٍ (^٥).
وقال الحسن: القنطارُ ديةُ أحدِكم.
وقال معاذ بن جبلٍ ﵁: القنطار ألفٌ ومئتا أوقيَّةٍ.
وقال أبو هريرة ﵁: هو اثنا عشر ألف أوقيَّةٍ (^٦).
_________________
(١) هنا آخر السقط الواقع في (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "القناطر".
(٣) "قيل" ليست في (أ).
(٤) في (أ): "وهي".
(٥) كذا قال، والذي في المصادر عن مجاهد: (سبعون ألف دينار). انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٢٥٨)، و"تفسير ابن المنذر" (٦١٧)، و"تفسير السمرقندي" (١/ ٣١٦)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٤)، و"النكت والعيون" (١/ ٣٧٦).
(٦) روي مرفوعًا وموقوفًا، فممن رواه مرفوعًا الإمام أحمد في "المسند" (٨٧٥٨)، وابن ماجه (٣٦٦٠)، وابن حبان (٢٥٧٣). وقال الحافظ الدارقطني في "العلل" (٨/ ١٦٩): يرويه عاصم بن أبي النجود =
[ ٣ / ٤٨٤ ]
وقيل: هو مئةٌ وعشرون ألف دينارٍ.
وقال الكلبيُّ ﵀ وأبو نضرةَ (^١): هو مِلْءُ مَسْكِ ثورٍ (^٢) ذهبًا.
وقال أبو صالح: هو مئةُ رطلٍ.
وقال سعيد بنُ جبير وعكرمة: هو مئةُ ألفٍ ومئةُ مَنٍّ ومئةُ رطلٍ ومئةُ دينارٍ ومئةُ درهمٍ، ولقد جاءكم (^٣) الإسلامُ يومَ جاء وبمكَّة مئةُ رجلٍ قد قنطر.
وقال الحكَم: القنطار: ما بين السماء والأرض مِن مالٍ.
وقال السدِّي: القنطار: مئةُ رطلٍ مِن ذهبٍ وفضةٍ.
وقال سعيد بنُ جبير: القنطار بلسان الرومية: مِلْءُ مسكِ ثورٍ ذهبًا، وبلسان أفريقيَّة والأندلس: ثمانيةُ آلاف مثقالٍ ذهبًا (^٤) أو فضةً، وبلسان بَرْبَر: ألفٌ ومئتا مثقالٍ مِن ذهبٍ أو فضةٍ.
وقوله تعالى: ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ قال الفرَّاء: المضاعَفة، فالقناطيرُ ثلاثةٌ، والمقنطرةُ تسعةٌ.
وقيل: هي كقولك: دراهمُ مُدَرْهَمة؛ أي: مجعولة كذلك (^٥).
_________________
(١) = (وهو ابن بهدلة)، واختلف عنه، فرواه عبد الصمد بن عبد الوارث وأبو علي الحنفي عبيد اللَّه بن عبد المجيد، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-. وغيرهما يرويه عن حماد بن سلمة موقوفًا، وكذلك قال حماد بن زيد عن عاصم، والموقوف أشبه.
(٢) هو المنذر بن مالك العبدي، توفي سنة (١٠٨ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٥٢٩). وتحرف في النسخ إلى: "أبو بصرة".
(٣) المسك (بفتح الميم وسكون السين): هو مسلاخ الجلد الذي يكون فيه الثور وغيره.
(٤) في (أ): "جاء".
(٥) في (ف): "ذهب".
(٦) في (ر): "لذلك"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: "النكت والعيون" =
[ ٣ / ٤٨٥ ]
وقال السديُّ: هي المضروبةُ المنقوشةُ.
وقال يمان بنُ رئاب: القناطيرُ: الأموالُ فوق الأرض، والمقنطرةُ: المدفونةُ.
وقال الضحاك: هي المحصَّنة المحكَمة المجموعة المنضَّدةُ بعضها فوق بعض (^١).
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾: أي: القناطيرِ مِن هذين الجنسين.
وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: الخيل: الأفراس، لا واحدَ لها مِن لفظها، واشتقاقها مِن الخُيَلاء؛ لاختيالها في مشيها (^٢)، ومِن التخيُّل؛ فإنَّها تتخَّيل في عينِ صاحبها أعظم منها؛ لتمكُّنها في قلبه.
و﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾: المرعيَّةُ، وقد سامَت السائمةُ؛ أي: رَعَت، وأَسامها وسوَّمها صاحبُها؛ أي: رعاها.
وقيل (^٣): المحسَّنة، وهي مِن السِّيما.
وقيل (^٤): المُعَلَّمَة، قال تعالى: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥].
وقيل: أي: المعدَّة للقتال، قال لبيد:
_________________
(١) = (١/ ٣٧٦)، و"البسيط" للواحدي (٥/ ٩٦)، و"تفسير العز بن عبد السلام" (١/ ٢٥٥). ولعل المراد بقوله: "المجعولة كذلك"؛ أي: المجموعة قنطارًا قنطارًا. انظر: "مفردات الراغب" (مادة: قطر)، وفيه: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾؛ أي: المجمو عة قنطارًا قنطارًا، كقولهم: دراهم مدرهمة، ودنانير مدنَّرة.
(٢) انظر هذه الأقوال في "تفسير الطبري" (٥/ ٢٥٤ - ٢٦٠)، و"تفسير السمرقندي" (١/ ٣١٦)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٣ - ٢٤)، و"النكت والعيون" (١/ ٣٧٦)، و"البسيط" للواحدي (٥/ ٩٢ - ٩٦).
(٣) في (أ): "مشيتها".
(٤) في (ف): "وهي".
(٥) في (ر) و(ف): "وهي".
[ ٣ / ٤٨٦ ]
ولعمري لقد بُلِيْ بكُلَيْبٍ كلُّ قِرْنٍ مُسوَّمٍ للقتالِ (^١)
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: هي جمع نَعَمٍ، وهي اسمٌ للإبل والبقر والغنم، ولا يقال: النَّعَم، لجنسٍ منها على الإفراد إلَّا للإبل خاصَّة، والنَّعَمُ اسمُ جنسٍ (^٢) لا واحدَ له مِن لفظه، كالخيل والإبل والنِّساء والرَّهْط.
وقوله تعالى: ﴿وَالْحَرْثِ﴾: أي: والزرع، ويقتضي حُبَّ الضَّيْعات (^٣)، وجمَع (^٤) محابَّ الدنيا هذه الأشياءُ السِّتَّةُ.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى حبِّ الشهوات، ولذلك ذُكِّر ووحِّد، وقال النضر بنُ شميل: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر؛ أي: ما ذُكر (^٥) متاعُ الحياةِ الدنيا، وقد أوضحناه عند تفسيرِ قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾: أي: المرجعِ، وهو الجنَّة، يقول: إنَّما جُعل ذلك ليُتناول منه بقَدْر المُتْعة (^٦) في الدنيا وأَخذِ البُلغة منه، لا ليستكثرَ منه الاستكثارَ الذي يُورِّط صاحبَه في المحظور ويُوْرثه المحذور، وهذا تزهيدٌ في الدنيا،
_________________
(١) أورده الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" عند تفسير هذه الآية وهو في المطبوع بحذف الباء (بكليب) أي: ولعمري لقد بلي كليب.
(٢) في (أ): "جمع".
(٣) "ويقتضي حب الضيعات" لم يرد في (ف).
(٤) في (ر): "وجميع".
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "من".
(٦) في (ف): "المنعة".
[ ٣ / ٤٨٧ ]
وترغيبٌ في الآخرة، وبيانٌ أنَّه لم يَخلق ذلك كلَّه ليستعملوها (^١) في خلافه والصَّدِّ عن سبيله، بل ليتبلَّغوا بها، ثم المآبُ إلى اللَّه تعالى فلْيستعينوا (^٢) بها على ذلك.
* * *
(١٥) - ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾: أي: قل يا محمَّد، أَأُخبركم بما هو خيرٌ مِن جميع ما عدَّدْتُ عليكم مِن المشتهَيات الدنيويَّة، وهذه ألفُ الاستفهام بمعنى استعظامِ ما يخبرهم به، يقول الرجلُ لآخَر (^٣): أَلا أُخبرك بما وقع في البلد، ويقال هذا في مهمٍّ.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: أي: الكفرَ والمعاصيَ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: قد مرَّ تفسيرُه كلِّه في سورة البقرة (^٤)، وهذا كلُّه تفسيرُ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.
و﴿جَنَّاتٌ﴾ رفعٌ؛ لأنَّه خبرُ اللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقراءةُ الخفضِ على أنَّه بدلٌ مِن قوله: بخير (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾: ولهم أيضًا رضًا مِن (^٦) اللَّه، كما
_________________
(١) في (ر): "ليستعملوه".
(٢) في (ف): "ليستعينوا".
(٣) في (ف): "للآخر".
(٤) في هامش (ف): "مر تفسير هذا كله في أول سورة البقرة. نسخة".
(٥) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٦)، ونسبها ليعقوب في رواية، وليست في "النشر".
(٦) "من": من (أ).
[ ٣ / ٤٨٨ ]
قال: ﴿﵃﴾ [المائدة: ١١٩] وقال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: أي: يرى ما يَعملون، ويَقدِر على جزائهم على ما يفعلون، وهذا وعدٌ ووعيدٌ.
وقيل: معناه: واللَّهُ بصيرٌ بمصالح عباده في دنياهم وأُخراهم، فلا ينبغي لمَن اختار له في الدنيا التوحيدَ والعملَ الصالح أنْ يتَّهمه في منعِ هذه المشتهَيات الدنيويَّة عنه.
وقال عطاء: إنَّ قريظةَ والنضيرَ كانت لهم الأموالُ التي ذُكرت في هذه الآية، والمهاجرون قد أُخرجوا مِن ديارهم وأموالِهم، فنزلت فيهم هذه الآيةُ.
* * *
(١٦) - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾: هذا وصفُ المؤمنين (^١) الذين لهم جنَّاتٌ، وإعرابه خفضٌ على النعت، ويجوز النصبُ على المدح، ويجوز الرَّفعُ على إضمار (هم)؛ أي: هم الذين يقولون.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾: مَدَحهم بحُسْن الاعتقاد وصِدْق التضرُّع.
وقوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: هذا ظاهرٌ، وقد مرَّ تفسيره.
* * *
(١٧) - ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: هذا كلُّه نعتٌ للمتقين، وإعرابُه مِن أوجُهٍ ثلاثةٍ:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "المتقين".
[ ٣ / ٤٨٩ ]
أحدها: الخفض؛ عطفًا على خفض ﴿الَّذِينَ﴾.
والثاني: النصب على المدح؛ عطفًا على نصب ﴿الَّذِينَ﴾ (^١).
والثالث: الصرفُ إلى النصبِ على المدح مع أن إعراب ﴿الَّذِينَ﴾ رفع أو خفض (^٢).
ثمَّ إدخالُ الواو في هذه الصفات مع أنَّها لطائفةٍ واحدةٍ؛ لإرادة المدح، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩] وكما يقال: جاء شهرُ الصيام (^٣)، وشهرُ القيام، وشهرُ الإطعام.
وقوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الصَّبْر (^٤): حبسُ النَّفْسِ عن شهواتها المحظورةِ في الشرع، وجميعُ أجناسِ الصبرِ ثلاثةٌ: الصبرُ على الطاعة، والصبرُ عن المعصية، والصبرُ على المكروه، وقال النبيُّ -ﷺ-: "مَن صبر على المصيبة فله ثلاثُ مئةِ درجةٍ؛ ما بين كلِّ درجتين كما بين السماءِ والأرض، ومَن صبرَ على الطاعة فله ستُّ مئةِ درجةٍ؛ ما بين كلِّ درجتين كما بين السماء والأرض، ومَن صبر عن المعصية فله تسعُ مئةِ درجةٍ؛ ما بين كلِّ درجتين كما بين العرش والكرسيِّ (^٥) " (^٦).
_________________
(١) في (أ): "عطف على نصب الذين" وسقطت الجملة من (ر).
(٢) قوله: "الصرف إلى النصب على المدح مع أن إعراب الذين رفع أو خفض" من (أ) و(ف)، ووقع في (ر) بدلًا منه: "الرفع على إضمار هم"، ولعله وهم أو سبق قلم من الناسخ.
(٣) في (ر) و(ف): "جاء شهر رمضان أي الصيام".
(٤) في (ف): "فالصبر".
(٥) في (أ): "العرش إلى الثرى".
(٦) رواه بنحوه ابن أبي الدنيا في "الصبر" (٢٤) من طريق عُمرَ بنِ يونسَ، عمَّن حدَّثه عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ مرفوعًا، وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن علي ﵁.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
وقوله تعالى: ﴿صَادِقِينَ﴾ قد مرَّ تفسير الصِّدق في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، وهو على ثلاثةِ أنواعٍ: صدقُ القول، وصدقُ الفعل، وصدقُ النِّيَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ القانتُ: المطيعُ، وقيل: الدائمُ على الطاعة، وقيل: هو الدَّاعي، وقيل: هو القائمُ بالليل، وقيل: هو الخاشعُ، وقيل: هو الخاضعُ، وقيل: هو الدائمُ على الطاعة الذي لا يَدخلُه فيها فَترةٌ (^١)، ولا يقطعه عنها غفلةٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾؛ أي: أموالَهم في وجوه الخير، وغيرَ الأموال أيضًا على ما مرَّ في قوله ﷻ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾؛ أي: الذين يسألون اللَّهَ تعالى مغفرةَ ذنوبهم.
وقيل: إذا كانوا كاملين في معاني الصَّبر والصِّدق والقنوت والإنفاق فلا ذنبَ لهم، فهذا الاستغفارُ منهم يكون للتقصير والنقصان.
وقيل: هم المُصلُّون في آخِرِ الليل، وهو قولُ سعيد بنِ جبير ومجاهد والضحاك وقتادة (^٢)، سمى الصلاةَ استغفارًا؛ لأنَّ في آخرِها سؤالَ (^٣) المغفرة.
وقال زيد بنُ أسلم: هم الذين يَشهدون صلاةَ الصبح مع (^٤) الجماعة (^٥).
_________________
(١) في (أ): "قرة".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٠)، و"النكت والعيون" (١/ ٣٧٨)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤) عن قتادة.
(٣) في (ف): "طلب".
(٤) في (ف): "في".
(٥) في (ف): "في الجماعة" وليست في (أ). والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٧٥).
[ ٣ / ٤٩١ ]
وقال جعفر بنُ محمد الصَّادق: مَن صلَّى بالليل ثم استغفر سبعين مرَّةً في السَّحَر، كُتبَ مِن المستغفرين بالأسحار (^١).
وقال أنسٌ رضي اللَّه تعالى عنه: أُمرنا أنْ نستغفرَ بالأسحار سبعين مرَّةً (^٢).
وروى إبراهيم بنُ حاطب، عن أبيه قال: سمعتُ صوتًا في ناحية المسجد وقتَ السَّحَر: إلهي دعوتني فأَجبتُك، وأَمرتني فأَطعتُك، وهذا سَحَرٌ فاغفر لي. فنظرتُ فإذا عبد اللَّه بنُ مسعودٍ رضي اللَّه تعالى عنه (^٣).
وقال مجاهد ﵁ في قول يعقوب ﵇ قال: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قال (^٤): أَخَّره إلى وقتِ السَّحَر؛ لأنَّ الدعاءَ فيه مستجابٌ (^٥).
وقالوا (^٦): إنَّ اللَّهَ تعالى لا يَشغله صوتٌ عن صوتٍ، لكنَّ الدعاءَ في السحر دعوةٌ في الخَلْوة، وهي أبعدُ مِن الرِّياء والسمعة، فكانت أقربَ إلى الإجابة.
وقيل: الآية في شأن النبيِّ -ﷺ- والصحابةِ الأربعةِ، والصابرون رأسُهم محمَّدٌ ﵊، والصادقون رأسُهم أبو بكر الصِّدِّيق ﵁، والقانتون
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٧٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٧٥)، والطبراني في "الأوسط" (٩٤٨٤)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ٤٦٧): رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه الحسن بن أبي جعفر وهو متروك.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٧٤)، ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا في "التهجد وقيام الليل" (ص: ٣٥٦) لكن من طريق محارب بن دثار، عن عمِّه، عن ابن مسعود ﵁.
(٤) "قال" لم يرد في (أ).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥١٠).
(٦) في (ر) و(ف): "وقال".
[ ٣ / ٤٩٢ ]
رأسُهم عمرُ (^١) الفاروق ﵁، والمنفقون رأسُهم عثمانُ ﵁ ذو النورين، والمستغفرون بالأسحار رأسُهم عليُّ بنُ أبي طالب ﵁.
وقال الإمام أبو القاسم القشيريُّ ﵁: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على ما أمر اللَّه، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ فيما عاهدوا اللَّه، ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ بالاستقامة في محبَّة اللَّه، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أرواحَهم في سبيل اللَّه، ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ مِن جميع ما عملوا (^٢) لرؤية تقصيرهم في اللَّه.
وقيل: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ بقلوبهم، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ بأرواحهم، ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ بنفوسهم، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ بأسرارهم، ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ بألسنتهم.
ويقال (^٣): ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على صِدْق المقصود (^٤)، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في العهود، ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ بحفظ الحدود، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ ببذل المجهود، ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ على (^٥) أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد (^٦).
ويقال: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الذين صبروا على الطلب، ولم يتعلَّلوا بالهرب، ولم يحتشموا مِن التَّعب، وهجروا كلَّ راحةٍ وطربٍ (^٧)، فصبروا على البلوى، ورفضوا الشكوى، حتى وصلوا إلى المولى، ولم يَقطعهم شيءٌ مِن الدنيا والعُقبى.
_________________
(١) "عمر": من (أ).
(٢) في (أ) و(ف): "فعلوا".
(٣) في (أ): "وقيل".
(٤) في "اللطائف": (القصود)، وهو الأنسب بالسياق، لمجيء ما بعدها على الجمع.
(٥) في (ف): "في".
(٦) في (ف): "عند استيلاء سلطان الشهوة في الوجود" والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٧) في "اللطائف": (وطلب).
[ ٣ / ٤٩٣ ]
﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ الذين صدقوا في الطلب فقصدوا، ثم [صدقوا حتى] وردوا، ثم صدقوا حتى شَهدوا، ثم صدقوا حتى وَجدوا، ثم صدقوا حتى فُقدوا، فترتيبهم (^١): قصودٌ ثم ورودٌ ثم شهودٌ ثم وجودٌ ثم خمودٌ.
﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ الذين لازموا البابَ، وداموا على تجرُّع الاكتئاب؛ وتركِ المحابّ، ورفض الأصحاب، إلى أنْ تحقَّقوا بالاقتراب.
﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ الذين جادُوا بنفوسهم مِن حيث الأعمالُ، ثم جادوا بميسورهم مِن الأموال، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال، ثم جادوا بترك كلِّ حظٍّ لهم في العاجل والآجل للقُرب والوصال.
﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصَّحْو عند الأسحار في ظهور الأسفار، وهو فجرُ القلوب لا فجرٌ يظهر في الأقطار (^٢).
* * *
(١٨) - ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: أولو العلم (^٣) هؤلاء الذين سبق ذِكْرهم ومَدْحهم، ومن تمام مدحِهم أنَّهم يَشهدون بهذه الشهادة، وذِكْرُ اللَّهِ تعالى والملائكةِ قَبْلهم تأسيسٌ لمدحهم، وأنَّهم يشهدون بما شهد اللَّهُ به وملائكتُه، وهو كقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وذكر اللَّه تعالى هاهنا لتشريف ذِكْر النبيِّ -ﷺ-، وهذا كذلك.
_________________
(١) في (ر): "فتربيتهم"، والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) " ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أولو العلم" لم يرد في (أ).
[ ٣ / ٤٩٤ ]
وقال (^١) الكلبيُّ: قدم على النبيِّ -ﷺ- حبرانِ مِن أحبارِ الشام، ولما مرَّا بالمدينة (^٢) قالا: ما أشبهَ هذا البلدَ بمدينة خاتمِ الأنبياء، ولمَّا دخلا على رسول اللَّه -ﷺ- قالا: أَخبِرنا عن أعظم شهادةٍ في كتاب اللَّه تعالى؛ إنْ أنت أَخبرتنا بها آمنَّا بك، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، فأَسلم الرجلان (^٣).
وقال مقاتل: إنَّ عبد اللَّه بنَ سلَام وأصحابَه مِن مؤمني أهلِ الكتاب قالوا لرؤوس اليهود: إنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه ودينَه الحقُّ فاتَّبِعوه، فقالت اليهود: دينُنا أفضلُ مِن دينكم، فأَنزل اللَّهُ تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يشهدون بها ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ بالتوراة؛ عبدُ اللَّه بنُ سلام وأصحابُه يشهدون أنَّه لا إله إلا هو، ويشهدون أنَّه قائمٌ على كلِّ نفس بالعدل (^٤) ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره، ويشهدون (^٥) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٦).
وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ فالشهادةُ: الإخبارُ عمَّا شُوهد؛ أي: شهودَ نظرٍ أو علمٍ (^٧).
وقال مقاتل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي: قالَ اللَّهُ.
_________________
(١) في (أ): "قال".
(٢) في (أ): "رأيا المدينة".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٢)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٩).
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "قوله تعالى".
(٥) في (أ): "وشهدوا".
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٦٧)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٣). والقراءة بفتح همزة (أن الدين) هي قراءة الكسائي وستأتي.
(٧) في (ف): "نظر وعلم".
[ ٣ / ٤٩٥ ]
وقال أبو عبيدة: أي: قضى اللَّهُ (^١).
وقال الزجَّاج: حقيقته: عَلِمَ اللَّهُ وبيَّن؛ لأنَّ الشاهدَ هو الذي عَلِمَ وبيَّن (^٢).
وقيل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ (^٣)؛ أي: أقام شهادةَ الآيات اللائحة والدِّلالات الواضحة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي: خلقَ اللَّهُ مِن الخلائق ما يُشهد خَلْقُه كلَّ أحدٍ على إلهيَّته ووحدانيَّته.
قال: وقيل: هي شهادةُ ذاته؛ أي: هو بذاته متعالٍ عن جميع معاني المُحدَثين المربوبين، فهو الإلهُ الخالق المعبود.
قال: فإنْ قال لنا مُلحِدٌ: كيف يصحُّ هذا وهو دعوى؟
قلنا: دعوى مَن ظهر صدقه في شهادته إذا شهد مقبولة، وقد أظهر صدقَ قوله فيما شَهد به لنفسه، وقهر كلَّ مكذِّب في دعواه (^٤).
وقال الكلبيُّ والضحاك: شهدَ اللَّهُ لنفسه بنفسه (^٥).
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: شهد لنفسه (^٦) واستَشْهَد مِن خَلْقه، وحمِد نفسَه، واستَحمَد مِن خلقه، ونزَّه نفسه واستنزَه مِن خلقه؛ أي: قال (^٧): سبحان اللَّه، وأَمر به، فقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب: ٤٢].
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٨٩).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٣٨٥).
(٣) في (ر): "علم اللَّه".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).
(٥) من قوله: "وقهر كل مكذب. . . " إلى هنا، من (أ).
(٦) بعدها في (ف): "واستشهد خلقه".
(٧) في (ف): "فقال"، بدل: "أي: قال".
[ ٣ / ٤٩٦ ]
وقال القفَّال: شهادةُ اللَّهِ لنفسه إظهارُ وحدانيَّته، وقد أثبته (^١) بما أَظهره في خَلْقه مِن أَمارات الحدوث الدَّالَّة على حاجتها إلى صانعها، وأنَّه لا شريكَ له ولا شبيهَ، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، وهم لم (^٢) يكونوا يشهدون لذلك بقولهم، بل يُنكرونه أشدَّ الإنكار، لكن لمَّا كانوا في حالٍ يتبيَّن بها كفرُهم جُعل ذلك شهادةً منهم (^٣)، وشهادةُ الملائكة على هذا بما أبانت مِن الحُجج عند الرسل، وشهادة أولي العلم هي بما (^٤) أبانوا للناس مِن دلائل التوحيد.
قال: ويحتمِل أنَّ قولَه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ على الشهادة المعروفة التي تؤدَّى بالقول، وشهادة اللَّه لنفسه بما ذكرنا، ولفظُ الشهادة يجمعها معنًى وإنِ اختلفت الشهادات (^٥) في أنفسها؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والصلاة مِن اللَّه تعالى غيرُ الصلاة مِن الملائكةِ والبشرِ وإنْ كان يجمعُها لفظُ الصلاة.
وقيل: معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي (^٦): أَخبر اللَّهُ، وكذا شهادةُ الملائكة وأولي العلم، وتقييدُه بكلمة الشهادة تأكيدٌ للإخبار، وهو متعارَف في اللسان: أَشهد أنَّكَ كذا، وكذا شهادةُ المؤذِّن في الأذان، والمصلِّي في القَعْدة، والذي يُسلِم أولًا،
_________________
(١) "وقد أثبته" لم يرد في (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "ولم "، بدل: "وهم لم".
(٣) "منهم" لم يرد في (أ).
(٤) في (أ): "ما".
(٥) في (ر) و(ف): "الشهادة".
(٦) "أي": من (أ).
[ ٣ / ٤٩٧ ]
والتهليلُ تامٌّ، ولفظةُ الشهادة (^١) مؤكِّدة، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ (^٢) [النساء: ١٦٦].
ثم قوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ هو اسمُ جميع المؤمنين؛ لعلمهم باللَّه، والجاهلُ اسمٌ للكافر (^٣)؛ لجهله باللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤].
وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ قال الفرَّاء: هو نصبٌ على القَطْع؛ لأنَّه نكرةٌ نُعتَ بها معرفةٌ (^٤)، وتقديره: شهد اللَّهُ القائمُ بالقِسْط، وهو في معنى قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، وفي معنى قوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] وهو (^٥) الذي خلق الخلق، وهو يربِّيهم ويُصلِح شأنهم (^٦).
والقسطُ: العدل؛ أي: هو القاضي بينهم بالعدل.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال جعفر بنُ محمَّد الصادقُ: أَعاد هذه الكلمات بعد ذكرها في أوَّل الآية؛ لأنَّ الأُولى إخبارٌ مِن اللَّه تعالى به، والثانية أمرٌ للعباد أنْ يقولوا ذلك (^٧).
وقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ هو (^٨) الغالبُ الذي لا يُغلَب،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تام لفظه والشهادة".
(٢) في (أ): "الآية" بدل: "والملائكة يشهدون".
(٣) في (ف): "الكافر".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٠٠). ومعنى النصب على القطع؛ قال السمين في "الدر المصون" (٣/ ٧٧): أي: إنه كان مِنْ حَقِّه أَنْ يَرْتفع نعتًا للَّه تعالى بعد تعريفِه بأل، والأصل: شَهِدَ اللَّهُ القائمُ بالقسط، فلما نُكِّر امتنع إتباعُه فَقُطِعَ إلى النصب. وهذا مذهبُ الكوفيين، ونَقَلَهُ بعضُهم عن الفراء وحدَه.
(٥) في (ر) و(ف): "هو".
(٦) في (أ): "شؤونهم".
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٤) بنحوه.
(٨) "هو": ليست في (ر) و(ف)، وقوله: "قيل: العزيز" ليس في (ف).
[ ٣ / ٤٩٨ ]
والقاهر هو (^١) الذي لا يُقهَر، يقال: عَزَّ يَعُزُّ -بضمِّ العين في المستقبل-: إذا غلَب، قال تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] وفي المَثَل: مَن عَزَّ بَزَّ؛ أي: مَن غَلَب سَلَب.
وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا مِثْل له، يقال: عزَّ يَعِزُّ -بكسر العين في المستقبل-: إذا قلَّ وجودُ مثلِه، وإذا كان ما يقلُّ وجودُ مثلِه عزيزًا، فالذي لا مِثْلَ له أَولى بهذا الاسم.
وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ القادرُ القويُّ، يقال: عَزَّ يَعَزُّ -بفتح العين في المستقبل-: إذا اشتدَّ، قال تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]؛ أي: فقوَّينا، والأرضُ العَزازُ: التي لا يستقرُّ عليها الأقدامُ.
وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ المنيعُ، وهو الذي لا يُوصل إليه، يقال: حصنٌ عزيزٌ، إذا تعذَّر الوصولُ إليه، فإذا كان ما (^٢) يتعذَّر الوصولُ إليه عزيزًا، فالذي يستحيل الوصولُ إليه -إذ لا حدَّ له- أَولى بهذا الاسم.
وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ (^٣) المعزُّ، كالأليم بمعنى المؤلِم، والوجيع بمعنى الموجِع، ﴿الْحَكِيمُ﴾ هو المصيبُ في القول والعمل، و﴿الْحَكِيمُ﴾ المحكِم أيضًا، وقد مرَّ فيه أقاويلُ أخَرُ في (^٤) قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في قصَّة آدمَ ﵊.
* * *
(١٩) - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
_________________
(١) "هو": من (أ).
(٢) في (ف): "الذي".
(٣) "هو": من (أ).
(٤) في (أ): "عند".
[ ٣ / ٤٩٩ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ في ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ و﴿أَنَّهُ﴾ في أوَّل هذه الآية أربعة أوجهٍ: فتحُهما، وكسرُهما، وفتحُ الأولى وكسرُ الثانية، وعكسُه.
أمَّا فتحُهما: وهو قراءةُ الكسائيِّ (^١)، فعلى إيقاعِ الشهادةِ على الثانية وإضمارِ الباء أو اللام في الأولى: بأنَّه أو لأنه، أو إيقاعِ الشهادة على الأولى وإيقاعها أيضًا على الثانية لا بطريق العطف؛ لأنَّه لا عاطف بينهما، لكن على البدل.
وأمَّا كسرهما: فلأنَّ الشهادةَ تجري مجرى القول، فيجوز كسرُ (إنَّه) على معنى: قال اللَّه تعالى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ والثانية على الاستئناف، أو على إيقاع القول والفعل (^٢) عليه.
وأمَّا كسر الأولى وفتح الثانية: وهو قراءةُ ابنِ عباسٍ ﵄ (^٣)، فالأُولى استئنافٌ، وهو اعتراضُ الكلام قبل التمام، والثانيةُ بإيقاع الشهادة عليها.
وأمَّا فتح الأولى وكسر الثانية: فعلى إيقاع الشهادة على الأُولى واستئنافِ الثانية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾؛ أي: الدِّينَ الحقَّ والدِّينَ المرضيَّ هو الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨٥].
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: نزلت: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ حين افتخر المشركون بأديانهم، وقال كلُّ فريقٍ منهم: لا دينَ إلَّا دينُنا، وهو دينُ اللَّه تعالى منذ بَعث اللَّهُ تعالى آدم ﵇، فكذَّبهم اللَّهُ تعالى وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الذي جاء به محمَّدٌ ﵊، وهو الدِّين
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٠٢)، و"التيسير" (ص: ٨٧).
(٢) "والفعل" لم يرد في (أ) و(ف).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ص: ١٩).
[ ٣ / ٥٠٠ ]
الحقُّ منذ بعث اللَّهُ تعالى آدمَ، وما سواه مِن الأديان فكلُّها باطلٌ (^١).
والإسلامُ: هو الاستسلامُ، وهو الإخلاصُ أيضًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ (^٢) [الزمر: ٢٩].
وهو في الحقيقة: جعلُ كليَّة الأشياء للَّه تعالى لا شريكَ له فيها في ملكٍ ولا إنشاءٍ ولا تقديرٍ.
هو دينُ (^٣) كلِّ نبيٍّ كان، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾؛ أي: الدِّينُ الذي يرتضيه، والذي حَكَم لصاحبه أنَّه يجازيه (^٤) ويُعليه، وبالفضل يُلقِّيه، هو الإسلام، وما سواه فمردودٌ، وطريق النجاة على صاحبه مسدود (^٥).
وقال في جملة الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أي: عَلِمَ اللَّهُ وأَخبرَ اللَّهُ وحَكمَ اللَّهُ بأنَّه لا إله إلَّا هو، فهي شهادةُ الحقِّ للحقِّ (^٦) بأنَّه الحقُّ، وأوَّلُ مَن شهد أنَّه اللَّهُ هو اللَّهُ (^٧)؛ فشهد في آزاله بقوله الأزليِّ، وأخبر عن وجوده الأحديِّ، وكونه الصمديِّ، وذاته القيوميِّ، وعزَّه الديموميِّ، وجلاله السرمديِّ، وجماله الأبديِّ.
ثم في آباده: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي: بيَّن اللَّهُ بما نصب مِن البراهين، وأثبت مِن دلائل
_________________
(١) الخبر في "البسيط" للواحدي (٥/ ١١٧).
(٢) في (أ): "ورجلا سالمًا لرجل"، وهي قراءة سبعية قرأبها ابن كثير وأبو عمرو كما سيأتي في مكانه.
(٣) بعدها في (ف): "على".
(٤) في (أ) و(ر): "يجازيه به"، والمثبت من (ف) و"اللطائف".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨).
(٦) في (ر): "للخلق"، والمثبت من (أ) و(ف) و"اللطائف".
(٧) لفظ الجلالة ليس في (أ)، وكلمة "هو" ليست في "اللطائف".
[ ٣ / ٥٠١ ]
اليقين، وأوضح مِن الآيات، وأبدى مِن البيِّنات، فكلُّ جزءٍ مِن جميع ما خَلقَ وفَطرَ، ومن كتم العدم أَظهر، على ما شاء (^١) مِن الصفة الذاتيَّة حصَل، مِن أعيانٍ مستقلَّة، وآثارٍ في ثاني وجودها مضمحلَّة، وذواتٍ للآفات قابلة، وصفاتٍ في المحالِّ (^٢) متعاقِبة.
شهد سبحانه بجلال قَدْره وكمال عزِّه حين لا جحدَ ولا جهدَ ولا عرفانَ لمخلوقٍ، ولا عقلَ ولا نفاق، ولا كفرَ ولا إلحاد ولا شرك، ولا عناد ولا إفك (^٣)، ولا سماءَ ولا فضاء، ولا ظلامَ ولا ضياء، ولا أصولَ للمزدوجات، ولا فصولَ (^٤) باختلاف الأوقات (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ لم يؤيِّد (^٦) شهادتَه بوحدانيَّته بشهادة الملائكة، بل أسعدهم وايَّدهم حين وفَّقهم لشهادته وسدَّدهم، وإلى معرفة وحدانيَّته أرشدهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ هم أولياءُ بني آدمَ (^٧) إذا علموا جلالَ قَدْره، وعرفوا كمالَ عزِّه، فأكرمهم حيت قرنَ شهادتهم بشهادته (^٨)، فشهدوا عن شهودٍ ويقينٍ لا عن ظنونٍ وتخمينٍ، تَعرَّفَ (^٩) إليهم فعرفوا، وأَشهدهم فلذلك شهدوا، ولو لم يقل لهم
_________________
(١) في (أ) و(ف): "يشاء".
(٢) في النسخ: "لحال"، والمثبت من "اللطائف".
(٣) في (ر): "ولا فلك"، وفي "اللطائف": (ولا فهم ولا فكر).
(٤) في (أ): "وصول". وانظر التعليق الآتي.
(٥) لفظ العبارة في مطبوع "اللطائف": (ولا وصول للمزدوجات ولا فضول باختلاف الآفات). وعبارة المصنف أوضح وأمتن.
(٦) في (أ): "لم يوجد"، وسقطت "لم" من (ر) و(ف)، وجاء في هامش (ف): "لم يرد". والمثبت من "اللطائف".
(٧) في النسخ: "هم أولاد آدم"، والمثبت من "اللطائف".
(٨) في (ر): "بشهادة ملائكته". والمثبت من باقي النسخ و"اللطائف".
(٩) في (أ): "فعرف". والمثبت من باقي النسخ و"اللطائف".
[ ٣ / ٥٠٢ ]
إنَّه مَن هو، لَمَا عرفوا مَن هو، ولكنِ العلماءُ يَشهدون بصحْوِ عقولهم، والموحِّدون يَشهدون بَعْد خمودهم، فهم كما قيل:
مُستهلَكون بقهرِ الحقِّ قد همَدوا واستُنْطِقوا بعدما أُفنوا بتوحيدِ (^١)
فالمجري (^٢) عليهم ما يبدو منهم سواهم، والقائمُ عنهم كما هم عليه وبه غيرُهم، ولقد كانوا لكنَّهم بانوا، قال قائلهم:
كتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ ولم أدرِ أنِّي بعد موتي أكتبُ
وأولو العلم على مراتبَ: فمِن عالمٍ يَعرف أحكامه حلالَه (^٣) وحرامه، وعالمٍ يعلم أخباره [و] سُننَه وآثاره، وعالمٍ يحفظ كتابه ويعرف تفسيره وتأويله ومحكَمَه وتنزيله، وعالمٍ يعلم صفاته ونعوتَه، ويوضح (^٤) حُججه وتوحيده، وعالمٍ لاطفه حتى أَحضره (^٥)، ثم كاشَفَه فقهره، فالاسمُ باقٍ والعين محقٌ والحكم طارٍ والعبد محوٌ (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: أي: وما اختلف في دينِ اللَّهِ الإسلامِ اليهودُ والنصارى الذين أُعطوا علمَ التوراة والإنجيل إلَّا مِن بعد ما جاءهم البيِّنات؛ أي: اختلافُهم ليس لقصورٍ في البيان، ولا لغموضٍ في الحجج، بل حججُ التوحيد (^٧) ظاهرة، ودلائلُه واضحة قاهرة.
_________________
(١) في (ر): "بتوحيده"، وفي (ف): "بتوحيدهم"، ولفظ "اللطائف": (بعد افتنائهم بتوحيد).
(٢) في (ر) و(ف): "والمجري". والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٣) في (ف): "أحكامه وحلاله"، وفي "اللطائف": (أحكام حلاله).
(٤) في (أ): "وتوضيح". وفي "اللطائف": (ويستقوي).
(٥) في (ر): "أظهره". والمثبت من باقي النسخ و"اللطائف".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).
(٧) بعدها في (ف): "فبيناته"، استدركت في الهامش.
[ ٣ / ٥٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: قال الأخفش: هو مقدَّمٌ، وتقديره: وما اختلف فيه بغيًا بينهم إلَّا الذين.
والبغيُ: هو طلبُ (^١) الاستعلاء بالظُّلم؛ أي: عانَدوا الحقَّ وأعرضوا عن التدبُّر؛ حسدًا للرُّسل والمؤمنين، وطلبًا للرئاسة، وإرادةً للتعزُّز والتعظُّم على الآخرين.
وقيل: وما اختَلف في محمَّدٍ إلَّا أهلُ الكتاب بعد وقوعِ العلم لهم به بما في كتابهم مِن ذِكْره، وفعلوا ذلك حسدًا له، إذ كان مِن بني إسماعيل وهم مِن بني إسحاق، وفي ذلك قولُه تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، والجحودُ إنكارٌ بعد المعرفة، وحَسَدُهم أَنَّهم كرهوا متابعةَ الفقراء الذين سبقوهم بالإيمان، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: الكتبِ والرُّسل، وعلى القول الثاني: بمحمَّد والقرآن.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: أي: فإنَّه سيصير إلى اللَّه سريعًا؛ فيحاسبُه ويجازيه على كفره.
وقيل: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ في معنى: شديد العقاب؛ لقوله ﵊: "مَن نُوقِش الحساب عُذِّبَ" (^٢).
* * *
(٢٠) - ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
_________________
(١) "طلب": من (أ).
(٢) رواه البخاري (٦١٧١)، ومسلم (٢٨٧٦)، من حديث عائشة ﵂.
[ ٣ / ٥٠٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾: أي: خاصَموك، ولم يقل في ماذا؟ وتبيَّن بالجواب أنَّه كان في الدِّين، وهو كما مرَّ في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ في آيات، وكذا: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أي: أخلصتُ قصدي وتوجُّهي للَّه لا أتوَّجه إلَّا إليه.
وقيل: ﴿وَجْهِيَ﴾؛ أي: ديني، وقيل: عملي، وقيل: أي: أسلمتُ نفسي، وكشَفْنا عن حقيقته في قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: عطفٌ على التاء من ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ أي: أسلمتُ أنا وجهي ومَن اتبعني فعل كذلك، وفيه وجهان: أسلمت أنا ومَن اتبعني، و: أسلمتُ ومَن اتبعني، والأكثر مع ذكرِ: (أنا)، قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فجُمع في القرآن بين الوجهين.
وقيل: إنَّما حذف (أنا) هاهنا؛ لطول الفصل في الكلام، فصار عِوضًا عن ذِكْر الضمير.
يقول: فإنْ خاصموك في إثبات شِركهم، فقل لهم: إنَّ مَن أسلمتُ وجهي له هو (^١) اللَّه، وهذا في الجملة حقٌّ عندي وعندكم، وهو (^٢) يُوجِب الانقيادَ لجميع ما أَمَر اللَّهُ به، وقد أقام لي الدلائلَ في نفسي على أنِّي عبدُه ورسولُه، وأوحى إليَّ القرآنَ وأقام لي الدلائلَ ولمَن اتبعني بذلك، فإنْ أَسلمتُم اهتديتم، وإنْ أَعرضتم عن ذلك فقد بلَّغناكم حججَ اللَّه تعالى، وليس وراءَه إلَّا العذاب.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: قال الكلبيُّ ﵀: يهودِ المدينة
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فهو"
(٢) "هو" لم يرد في (ف).
[ ٣ / ٥٠٥ ]
ونصارى (^١) أهل نجران ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾: مشركي العرب، وقد بيَّنَّا وجوهه في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٧٨].
قوله تعالى: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾: استفهامٌ بمعنى الأَمْر، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، وهو كقولك: أَتنزلُ وتأكلُ معنا.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: أي: أَسلموا وجوهَهم كما أسلمتُم أنتم (^٢) فقد رشدوا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: أَعرضوا عن ذلك (^٣) ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: تبليغُ الرِّسالة، وليس بيدك أنْ تَمنعهم عن التولِّي، وكان هذا حين لم يُؤمَر بالقتال، ثم أُمر به.
ولمَّا نزل هذا دعاهم إلى الإسلام، فقالوا: قد أَسلمنا، فقال لليهود: "أَتشهدون أنَّ عيسى كلمةٌ مِن اللَّه ورُوحٌ منه؟ " قالوا: معاذ اللَّه، وقال للنصارى: "أَتشهدون أنَّ عيسى عبدُ اللَّه ورسولُه"؟ قالوا: معاذَ اللَّهِ، ولكنَّه اللَّهُ، فذلك تولِّيهم عن الإسلام (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: أي: هو (^٥) يَراهم ولا يَغفُل، وهذا وعيدٌ، وقيل: أي: بصير بجزاء أعمالهم، وقيل: أي: بصيرٌ بما أسرُّوا وأَعلنوا.
* * *
(٢١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "والنصارى".
(٢) "أنتم" لم يرد في (أ).
(٣) بعدها في (ف): "قوله تعالى".
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٨٧).
(٥) "هو" لم يرد في (أ).
[ ٣ / ٥٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: أي (^١): اليهود كفروا بمحمَّدٍ والقرآنِ وعيسى والإنجيلِ، وخالفوا التوراةَ أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾: أي: زكريا ويحيى وغيرَهما.
وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: وقال في سورة البقرة: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]؛ أي: بغير الحقِّ الذي حدَّه اللَّهُ وأَذن فيه، والنكرة هاهنا على معنى أنَّ القتلَ يكون بوجوهٍ مِن الحقِّ، فمعناه: يقتلون بغير حقٍّ مِن تلك الحقوق.
وذِكْر الكفر والقتل مِن هؤلاء على صيغة المستقبل هو إثباتُ هذه الصفة لهم في الحال، وما كانوا يقتلون للحال، لكن كانوا يتولَّون الآباء الذين فعلوا ذلك، فذُمُّوا به.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾: أي: وقتلوا أيضًا المؤمنين بالأنبياء وأَتباعِهم الذين أَمروهم بالمعروف، وهذا ذمٌّ لهم بالقتل، وبعصيانهم مَن ينهاهم عن القتل، وبقتل الذين أَمروهم بالمعروف.
وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي: اجعل لهم بدلَ البشارةِ -وهي الخبرُ السَّارُّ- الإخبارَ بالنَّارِ، وهو كقولِ القائلِ:
تحيةُ بينِهم ضربٌ وَجِيعُ (^٢)
وروى أبو عبيدة بنُ الجرَّاح ﵁ قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الناسِ أشدُّ عذابًا يوم القيامة؟ قال: "رجلٌ قَتل نبيًّا، أو رجلًا أَمر بمعروفٍ ونهى عن منكرٍ"، ثم قرأ رسولُ اللَّه -ﷺ-: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ
_________________
(١) في (ف): "هم".
(٢) عجز بيت لعمرو بن معدي كرب، كما في "النوادر" لأبي زيد (ص: ١٥٠)، و"الكتاب" لسيبويه (٢/ ٣٢٣)، وهو كثير الدوران في التفاسير والحواشي التي تعنى بالمعاني كـ "الكشاف" و"المحرر الوجيز" و"البحر"، و"فتوح الغيب" و"نواهد الأبكار" و"حاشية الشهاب"، و"روح المعاني"، وصدره: وخيلٍ قد دلفتُ لها بخيل
[ ٣ / ٥٠٧ ]
بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. ثم قال: "يا أبا عبيدة، قَتَلت بنو إسرائيلَ ثلاثةً وأربعين نبيًّا مِن أوَّل النهار في ساعةٍ واحدةٍ، فقام مئةُ رجلٍ واثنا عَشَر رجلًا مِن عباد بني إسرائيل، فأمروا مَن قَتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقُتلوا جميعًا مِن آخِرِ النهار في ذلك اليوم، وهو الذي ذَكر اللَّهُ تعالى" (^١).
* * *
(٢٢) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: ﴿حَبِطَتْ﴾؛ أي: بَطَلت، مِن قولهم: حَبِطت بطونُ الماشيةِ، إذا فسدت مِن مأكلِ الربيع.
أي: أولئك الذين فعلوا ذلك بَطل بكفرهم وقتلِهم الأنبياءَ ما كان لهم مِن عملٍ هو طاعة وعليها ثوابٌ لو سلم مِن الكفر (^٢).
أو: أولئك الذين رَضُوا بعمل أسلافهم هذا ممَّن كان في عصر النبيِّ -ﷺ- بَطل بهذا الرضى الذي هوكفر ما كان لهم مِن عملٍ صالحٍ قبل مبعث النبيِّ -ﷺ- وكفرهم به.
وقوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: لا ينالون بها نفعًا؛ لا (^٣) في الدنيا ولا في الآخرة، بل ينالهم الخزيُ بالسَّبي والقتل والجزية في الدنيا، والعذابِ (^٤) المقيم في الآخرة (^٥).
أو: بطل ثوابُ أعمالهم في الدنيا والآخرة (^٦)، قال اللَّه تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ
_________________
(١) رواه البزار في "مسنده" (١٢٨٥)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٩١)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٧٢): رواه البزار وفيه ممن لم أعرفه اثنان.
(٢) في (أ): "سلم من الكفار"، وفي (ر): "أسلم من الكفر".
(٣) "لا": من (أ).
(٤) في (أ): "وبالعذاب".
(٥) في (أ): "العقبى".
(٦) "أو بطل ثواب أعمالهم في الدنيا والآخرة" لم يرد في (ف).
[ ٣ / ٥٠٨ ]
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤] وثوابُ الدنيا: الحمدُ والثناءُ والكرامات، وثوابُ الآخرة: ما وُعِدوا (^١) في الجنَّة مِن النعيم والدَّرجات.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: أي: ليس لهم ناصرٌ (^٢) يَدفع عنهم الخزيَ والعذابَ في الدنيا والآخرة، وقال ﵊: "بئسَ القومُ قومٌ لا يَأمرون با لمعروف ولا يَنهَون عن المنكر، بئسَ القومُ قومٌ يُخيفون الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بئسَ القومُ قومٌ لا يقومون للَّه (^٣) بالقسط بين الناس، بئسَ القومُ قومٌ يَقتلون الذين يأمرون بالقِسْط" (^٤).
* * *
(٢٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: وهذا في صفاتِ اليهود أيضًا و﴿أَلَمْ تَرَ﴾ قد مرَّ تفسيرُه مرَّاتٍ، وهو تعجيبٌ مِن جميعهم، وتنبيهٌ على سُوء صنيعهم.
وذكر عكرمةُ في نزولها: أنَّ النبيَّ -ﷺ- دخل مِدْراسَ اليهود ودعاهم إلى ملَّة إبراهيم، فقال رئيسُهم نعيمُ بنُ عمرو: كان إبراهيمُ يهوديًّا، فقال ﵊: "فهلمُّوا إلى التوراة بيني وبينكم"، فأَبَوا، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (^٥).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وعد".
(٢) في (أ): "لهم من".
(٣) "للَّه" لم يرد في (ف).
(٤) رواه بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٧ - ١٧٨) (ط: دار التفسير) من حديث ابن مسعود ﵁، وفيه عبد اللَّه بن محمد بن المغيرة، قال أبو حاتم كما في "الميزان": ليس بقوي. وقال ابن يونس: منكر الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٩٣) عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده محمد بن أبي =
[ ٣ / ٥٠٩ ]
وقال الكلبيُّ: فَجَرَ رجلٌ وامرأةٌ مِن أهل خَيْبر، وكانا في شرفٍ منهم، وكان في كتابهم الرَّجْمُ، فأَتَوا رسولَ اللَّه -ﷺ- رجاءَ رخصةٍ عنده، فحَكَم بالرَّجْم عليهم، فقالوا: جُرْتَ علينا، ليس عليهم الرجمُ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "بيني وبينكم التوراة"، فقالوا: قد أَنْصفْتَنا، قال: "فمَن أَعلمُكم بالتوراة"؟ قالوا: ابنُ صُوريا، فأَرسلوا إليه، فدعا رسولُ اللَّه -ﷺ- بشيءٍ مِن التوراة فيها الرجمُ، دلَّه على ذلك عبد اللَّه بنُ سلام، فقال له: "اقرأ" فقرأ، فلمَّا أتى على آيةِ الرَّجمِ وضع كفَّه عليها، وقام ابنُ سلام فرفع إصبعَه عنها، ثم قرأها على رسول اللَّه -ﷺ-، فأَمر النبيُّ -ﷺ- برَجْمهما، فغضبت اليهودُ لذلك، ورجعوا كفارًا، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: أُعطوا حظًّا مِن التوراة (^١).
وقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾: أي: التوراة، وقيل: القرآن؛ لأنَّه مُصدِّقٌ للتوراة.
وقوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُم﴾: أي: ليقضي، وفي الكتاب بيانُ الحكم، فأُضيف الحكم إليه، كما في صفة القرآن: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] لأنَّ فيه بيانَ التبشير والإنذار.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: أي: يُعرِض عن الداعي طائفةٌ منهم، ولم يَصِفْ به الكُلَّ؛ لأنَّه قال في هذه السورة: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقال تعالى: ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩].
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أي: عما دُعوا إليه، فلم يكن تكرارٌ.
وقيل: يُدعَون جميعًا ويتولَّى فريقٌ منهم، وهم رؤساؤهم، وقوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: الأتباع (^٢) تقليدًا.
_________________
(١) = محمد مولى زيد بن ثابت وهو مجهول كما في "التقريب".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٣٨).
(٣) في (ف): "للاتباع".
[ ٣ / ٥١٠ ]
وقيل: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: الذين عليهم الحدُّ (^١)، والرؤساء معرضون عن مَنْعهم عن التولِّي.
وقال مقاتل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ كعب بنُ الأشرف وكعب بنُ أسيد ومالك بنُ الصيف وسعيةُ بنُ عمرو ونعمان بنُ أوفى وأبو ياسر بنُ أخطب وأبو نافع بنُ قيس، قال لهم النبيُّ -ﷺ-: "أَسلموا تهتدوا ولا تكبَّروا (^٢) "، قالوا (^٣): نحن أهدى وأحقُّ بالهدى منك، وما أرسل اللَّهُ رسولًا بعد موسى، فقال -ﷺ-: "لِمَ تكذِّبوني وأنتم تعلمونَ أنَّ الذي أقولُ حقّ، فأَخرِجوا التوراةَ نعملْ نحن وأنتم بما فيها، فإنِّي مكتوبٌ فيها"، فأَبَوا ذلك، فنزلت الآيةُ (^٤).
* * *
(٢٤) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: أي: ذلك التولِّي منهم وقتلُ الأنبياء (^٥) لاعتقادهم وقولِهم: لن تمسَّنا النارُ، ولا يعذِّبنا اللَّهُ بمعاصينا إلَّا أيامًا قلائلَ ثم يُخرِجنا منها.
وقيل: هذه الأيامُ أربعون يومًا عندهم، وهي مدة (^٦) الأيام التي عَبَدُوا (^٧) فيها العجلَ.
_________________
(١) في (ف): "الذين غلبهم الحسد".
(٢) في "تفسير مقاتل": "ولا تكفروا".
(٣) في (ر): "فقالوا".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩).
(٥) بعدها في (ر) و(ف): "منهم".
(٦) في (ر): "هذه".
(٧) في (أ): "عبد آبائهم"، وفي (ر): "عبدنا".
[ ٣ / ٥١١ ]
وقيل: سبعة أيامٍ، وقيل: أربعون سنة، وقيل: مدَّة العمر، وقد أوضحناها في سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: الغرورُ: الخداعُ، وقيل: الإطماعُ فيما لا يصحُّ، وهذا عطفٌ على قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾.
وقوله: ﴿فِي دِينِهِمْ﴾ قال مقاتل: وغرَّهم في دينهم الباطل.
وقال الضحاك: غرَّهم في (^١) دينهم الحقّ.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: غرَّهم افتراؤهم على اللَّه بقولهم: نحن أبناءُ اللَّه وأحباؤه، فلا يعذِّبنا بذنوبنا إلَّا مدَّةً يسيرةً.
وقال الكلبيُّ: غرَّهم تأخيرُ العذاب عنهم.
وقال مقاتل: غرَّهم عفوُ اللَّهِ عنهم في الدنيا (^٢).
وقيل: المغرورون هم ضعفاؤهم، والمفترون كُبراؤهم؛ أي: غرَّ الضعفاءَ قولُ الكُبراء، وإنَّما سماه افتراءً لأنَّهم أضافوا هذا القولَ إلى التوراة، والافتراءُ: اختلاقُ الكذب على الغير.
وقال (^٣) ابن عباسٍ ﵄: زعمت اليهودُ أنَّهم وجدوا في التوراة أنَّ ما بين طرفَي جهنَّم أربعونَ سنةً إلى أنْ يَنتهوا إلى شجرة الزَّقوم، وإنَّما نُعذَّب حتى ننتهيَ إلى شجرة الزَّقُّوم فتذهبَ جهنَّمُ وتَهلِك (^٤).
_________________
(١) في (أ): "عن".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٦٩).
(٣) في (ف): "قال".
(٤) رواه الطبري (٢/ ١٧٢)، وابن أبي حاتم (١/ ١٥٦)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٧)، من طرق عن ابن عباس جميعهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠].
[ ٣ / ٥١٢ ]
قال ابنُ عباسٍ ﵄: وأصلُ الجحيمِ سَقَر وفيها شجرةُ الزَّقُّوم، فإذا اقتحموا مِن باب جهنم تبادروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزَّقّوم وملؤوا البطونَ، قال لهم خازنُ سَقَر: زعمتم أنَّ النارَ لن تمسَّكم إلَّا أيَّامًا معدودات، فقد خلت أربعونَ سنةً وأنتم في الأبد (^١).
* * *
(٢٥) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: فيه مُضمَر؛ أي: فكيف حالُهم، أو (^٢): كيف احتيالُهم يوم القيامة، وقوله: ﴿لِيَوْمٍ﴾ ولم يقل: في يوم؛ لأنَّ معناه: لجزاءِ يومٍ.
وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شكَّ فيه؛ أي: في كونه، وله ثلاثةُ أوجهٍ بيَّنَّاها في أول سورة البقرة، ويندفع بها سؤال مَن يقول: شكَّ فيه المنكرون حتى جحدوه، فلمَ نفى الرَّيب عنهم (^٣)؟!.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: (كيف) كلمةُ تعجيبٍ (^٤) لما أخبر به مِن تفخيم (^٥) الشأن عند بَهْت عقولهم، ودَهْش أسرارهم، وانقطاعِ دعواهم (^٦)، وانخلاعِ قلوبهم، وترقِّيها إلى تراقِيهم، ثم ما يَلْقونه من الحساب والعتاب، ثم العذاب والعقاب (^٧).
_________________
(١) قطعة من الخبر السابق في رواية الطبري.
(٢) في (أ) و(ر): "أم".
(٣) في (ر): "فلم يغني الذنب عنهم"، وفي (ف): "فلم نفى الذنب عنه".
(٤) في (ر): "تعجب"، ومثله في مطبوع "اللطائف".
(٥) في (ر) و(ف): "تعجيب". وعبارة "اللطائف": (لما أخبر به عن تعظيم الأمر، وتفخيم. .).
(٦) في (أ): "دعاويهم"، وفي (ف): "دعوتهم". وفي "اللطائف": "دواعيهم".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٣٠).
[ ٣ / ٥١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: مرَّ تفسيرُ ذلك في الآية التي قبل آيةِ المداينة.
* * *
(٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾: انتظامُها بما قبلها: أنَّ اليهودَ -لعنهم اللَّهُ- كانوا يكذِّبون النبيَّ -ﷺ- ويُخالفونه بحَمْل رؤسائهم إيَّاهم على ذلك، وكان النبيُّ -ﷺ- يتوقَّع زوالَ رئاستهم لنزول هذه الآية، فأمره اللَّهُ تعالى أنْ يَدعوَ اللَّهَ تعالى بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾؛ ليجيبَ دعوته ويحقِّقَ أُمنيته.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: هو اسمُ اللَّهِ الذي إذا دُعيَ به أجاب (^١).
وقال [أبو] رجاء العُطارديُّ: مَن قال: ﴿اللَّهُمَّ﴾ فكأنَّه دعا اللَّهَ بجميع أسمائه، وهو مِن أشرف الثناء وأبلغه (^٢).
وقال الحسين بنُ الفضل البَجَليُّ ﵀: ﴿اللَّهُمَّ﴾ مجمعُ الدُّعاء.
وقال الخليل: معناهُ: يا اللَّهُ، والميم في آخره عوضٌ عن الياء التي (^٣) في أوَّله، وجعلوها مِيمين لئلا تختلط بالاسم كلَّ الاختلاط، فلمَّا اجتمعتا -ولا حظَّ لهما
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير" (١٢٧٩٢) من حديث ابن عباس مرفوعًا، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٥٦): فيه جسر بن فرقد وهو ضعيف.
(٢) الخبر بنحوه في "تفسير الثعلبي" (٣/ ٤٢)، وما بين معكوفين منه.
(٣) "التي": من (ف).
[ ٣ / ٥١٤ ]
في الإعراب؛ لأنَّهما مزيدتان مِن غير التنبيه- فتحت الثانية؛ لئلا يجتمع ساكنان؛ إذ الفتحةُ أخفُّ الحركات (^١).
وقال الفرَّاء: ﴿اللَّهُمَّ﴾ معناه: يا اللَّهُ أُمَّنَا بخيرٍ (^٢)؛ أي: اقصُدنا به (^٣) وأَوصِله إلينا وأعنَّا عليه.
وقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾؛ أي: يا مالكَ المُلك، والنداء قد يكون مع حذفِ حرف (^٤) النِّداء، كما في قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] وفي المفرد: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]؛ أي: يا يوسف، وتفسير المالك والملك قد مرَّ في (^٥) الفاتحة، ومعنى إضافة المالك إلى الملك لشمول المدح، فإنَّه مالك الملوك والملك جميعًا.
وقال الزجَّاج: معناه: مالكَ العباد وما ملَكوا (^٦).
وقيل: معناه: مالك أمرِ الدنيا والآخرة.
وقيل: كشفُه: أنت المالك للمُلك وملكه (^٧) وقدرته على تصريفه (^٨) كيف يشاء، وإلى مَن يشاء، وكلُّ مُلكٍ مِن مالٍ وولدٍ وأنصارٍ، و(^٩) سلطانٍ يطاع به صاحبه وينقاد له به الناس بحقٍّ أو باطلٍ في الدنيا أو في الآخرة، فمالكُه اللَّهُ ﷻ يُؤتيه مَن
_________________
(١) انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص: ٨٧)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٤١).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٠٣).
(٣) في (ر) و(ف): "فيه".
(٤) "حرف": من (أ).
(٥) في (أ): "وتفسير الملك والملك مرَّ في تفسير" وفي (ف): "والملك والملك مرَّ في".
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٣٩٢)، و"النكت والعيون" (١/ ٣٨٣).
(٧) "وملكه": من (أ) و(ف).
(٨) في (ر) و(ف): "تصديقه".
(٩) في (أ): "أو".
[ ٣ / ٥١٥ ]
يشاء ويَنزعه ممَّن يشاء، كما قال تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (^١).
وقيل في سبب نزوله: أنَّ وفدَ نجران لمَّا جاؤوا (^٢) إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وعلموا صدقَه، وامتنعوا عن الإسلام بالعلَّة التي ذكرها أبو حارثة بنُ علقمة: مَنَعني مِن (^٣) اتِّباعه ما صنعَ بنا ملوكُ النصارى؛ شرَّفونا وموَّلونا وأكرمونا. وحاجُّوا رسولَ اللَّه -ﷺ-، فنزلت الآيةُ تنبئهم أنَّه لا اعتبارَ بتشريف ملوك الدنيا، والملكُ للَّه، والشريف مَن تشرَّف (^٤) بتشريف اللَّهِ تعالى (^٥).
وروى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابنِ عباسٍ ﵃: أنَّ المنافقين واليهودَ لمَّا سمعوا النبيَّ -ﷺ- يقول: "وَعَدني اللَّهُ ملكَ فارسَ والرومِ"، كَبُرَ ذلك عليهم وقالوا: هم أعزُّ حمًى وأمنعُ جانبًا (^٦) مِن أنْ تنالهم أيدي رعاةِ البُهْم، فنزلت هذه الآية (^٧): ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ وهو ملكُ النبيِّ -ﷺ- وأصحابِه ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ كما نزعتَ مِن أبي جهل وصناديدِ قريش، ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أعزَّ اللَّهُ بمحمَّدٍ مَن اتَّبعه ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أذلَّ أهلَ فارس والروم، ولا تقوم الساعةُ حتى يفتحها أهل الإسلام (^٨) وينزع اللَّه منهم ملكَهم (^٩).
وقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾: النصرُ والغنيمةُ ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مِن الإعزاز
_________________
(١) "كما قال تعالى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ": من (ف).
(٢) في (أ): "جاء".
(٣) في (أ): "عن".
(٤) في (أ): "شرف".
(٥) الخبر أورده ابن المنذر في "تفسيره" (١/ ١٠٨)، ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ١٨٧ - ١٨٨).
(٦) في (ف): "جأشًا".
(٧) "الآية" ليست في (ف)، و"هذه" ليست في (ر) و(ف).
(٨) في (ر): "المسلمون".
(٩) في (أ) و(ف): "اللَّه منهم ملكهم"، بدل: "منهم ملكهم".
[ ٣ / ٥١٦ ]
والإذلال، وقال أنسٌ: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- يحفر الخندقَ فظهرت كُدْيةٌ مثلُ التَّلِّ العظيم، فدعا رسولُ اللَّه -ﷺ- بالمِعْول وضربها ضربةً واحدةً أزال ثلثَها، وخرجت منها نارٌ، فقال: "اللَّهُ أكبرُ، كأنّي بأبيضِ المدائنِ وإنَّ كنوزَها لتُحمَلُ (^١) إلى أمتي" ثم ضربها ثانيةً فأزال ثلثًا آخَرَ، فقال: "اللَّهُ أكبرُ، كأنَّي بقصور الشام وإنَّ كنوزَها لتحمَل إلى أمتي" ثم ضربها ثالثةً فأزالها، فقال: "اللَّهُ أكبرُ، كأنّي بعمدان اليمن وإنَّ كنوزها لتحمَل إلى أمتي" فبلغ ذلك المنافقين فقالوا: لم يَكفه ملكُ مكَّة والمدينة حتى طمع في ملكِ فارس والروم، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (^٢).
_________________
(١) في (ر): "لتحول".
(٢) لم أجده من حديث أنس بتمامه، لكنه مجموع من خبرين، الأول ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٠)، وتلميذه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٠٠) عن ابن عباس وأنس، واقتصرا على آخره، ولفظه: لما فتح رسول اللَّه -ﷺ- مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس؟ هم أعزّ وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدًا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟! فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. وهذا الخبر قال عنه الحافظ في "تخريج أحاديث الكشاف" (ص: ٢٥) بعد عزوه للواحدي في "أسباب النزول": لم أجد له إسنادًا. وأما الخبر الثاني فهو حديث عمرو بن عوف الطويل في قصة الخندق، رواه الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٠ - ٤١)، وعنه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٠٠ - ١٠٢)، من حديث كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، ولفظه قريب مما أورده المصنف عن أنس، لكنه في آخره قرن في النزول مع آية آل عمران آية الأحزاب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٤٠) من طريق آخر عن كثير، لكن في نزول آية الأحزاب فقط. وعلى كل فالحديث ضعيف بسبب كثير بن عبد اللَّه. وروى نحو هذه القصة أيضًا -لكن دون كلام المنافقين ولا ذكر النزول- النسائي (٣١٧٦) من طريق أبي سُكَيْنةَ رجلٍ من المحَرَّرينَ، عن رجلٍ من أصحابِ النَّبيِّ -ﷺ-. وفي "السنن الكبرى" (٨٨٠٧) من حديث البراء ﵁. وقصة حفر الخندق وعروض الكدية وضرب النبي -ﷺ- إياها بالمعول رواها البخاري (٤١٠١) من حديث جابر ﵁.
[ ٣ / ٥١٧ ]
وقال الضحاك: إنَّ أهلَ مكة قالوا: يا محمَّد، إنَّ كسرى ينام على فُرُش الدِّيباج والحرير، ويأكل ويشرب في (^١) آنية الذَّهب والفضَّة، فإنْ كنتَ رسولًا فأينَ الملكُ؟! لا نرى على رأسِك تاجًا كتاجِ كسرى وقيصر، ولا نرى لك سريرًا كسريرهم، ولا ديباجًا ولا (^٢) حريرًا كديباجهم وحريرهم، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، وأَمره بأنْ (^٣) يقول: ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (^٤)؛ أي: تعطي ملكَ الدُّنيا مَن تشاء أنْ تعطيَه، وقوله تعالى: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: تأخذ (^٥) وتسلب وتصرف ممَّن تشاء أنْ تنزعَه منه، وهو المحذوف مِن الأول والثاني دلَّ عليه المذكور في صدرهما.
وقوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: بما تعطيه مِن الأموال والخَدَم والأنصار وسائرِ أسباب العزِّ والكرامة.
وقوله تعالى: ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ إذلالَه بأضدادها.
وقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: أنتَ مالكُ الخير والقادرُ عليه في الدنيا والآخرة، وإنَّما خصَّ الخير بالذِّكر دون الشَّرِّ -وإن كان هو مالكَهما- لأنَّه موضعُ المدح والثناء والرغبة والدُّعاء، فكانت إضافةُ الخير إليه أقربَ (^٦) إلى مراعاة الأدب.
وقيل: هو مِن باب الاكتفاء (^٧)، ومعناه: بيدك الخيرُ والشَّرُّ، وهو كما قال في
_________________
(١) في (أ): "من".
(٢) "لا": زيادة من (أ).
(٣) في (ف): "أن".
(٤) انظر: "تفسير السمرقندي" (١/ ٢٢٩).
(٥) في (أ): "تأخذه".
(٦) في (أ): "فيه".
(٧) الاكتفاء: أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة، ويختص غالبًا بالارتباط العطفي كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾؛ أي: والبرد، وخصص الحر =
[ ٣ / ٥١٨ ]
قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: تقيكم الحرَّ والبردَ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مرَّ ذلك كلُّه، ولا يقدر على شيءٍ أحدٌ غيرُك إلَّا بإقدارك.
وقال عبد العزيز بنُ يحيى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: الملك على إبليس، كما قال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ الشيطانَ ليَفرَق مِن حسِّ عمر" (^١)، وقال: "ما سَلَكَ عمرُ فجًّا إلَّا سَلَكَ الشيطانُ فجًّا آخَرَ" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ حتى يغلبه الشيطانُ ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بقهره الشيطانَ ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بغلبةِ الشيطانِ عليه.
وقال السديُّ: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: المؤمنين (^٣)، أَمر اللَّهُ العبادَ بنصرهم ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: الكفار، أَمر اللَّهُ تعالى العباد بقتلهم.
_________________
(١) = بالذكر لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة، والوقاية عندهم من الحر أهم لأنه أشد عندهم من البرد، وقيل في تأويله غير ذلك. ومنه: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾؛ أي: والشر، وإنما خص الخير بالذكر لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم، أو لأنه أكثر وجودًا في العالم، أو لأن إضافة الشر إلى اللَّه ليس من باب الآداب. ومنه: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: وما تحرك، وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن كل متحرك يصير إلى السكون. ومنه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: والشهادة؛ لأن الإيمان بكل منهما واجب، وآثر الغيب لأنه أمدح، ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة من غير عكس. انظر: "الإتقان" للسيوطي (٢/ ٢٠٣).
(٢) قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٩٨٩)، والبزار في "المسند" (٤٤١٤) عن بريدة بن الحصيب ﵁.
(٣) رواه بهذا اللفظ البزار في "مسنده" (٩٠٨٨)، وهو عند البخاري (٣٢٩٤)، ومسلم (٢٣٩٦)، بلفظ: "والذي نفسي بيده، ما لقيكَ الشيطان قطُّ سالكًا فجًّا إلَّا سلك فجًّا غير فجِّك".
(٤) في (ف): "أي من المؤمنين".
[ ٣ / ٥١٩ ]
وقال أبو بكرٍ الورَّاق: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: مُلْكَ النَّفس حتى يغلب شهوتَه وهواهُ، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾؛ أي: مُلْكَ النَّفس ﴿مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ حتى يغلبه هواهُ فيتَّخذَه إلهًا، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بقهره النفسَ ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بقهرِ النفس له.
وقال الحسين بنُ الفضل البَجَليُّ ﵀: أي: ﴿تُؤْتِي الْمُلْك﴾ الكبيرَ ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾ الكبيرَ ﴿مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ كما نزعته (^١) مِن أهل النار ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالرُّؤية ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالحجاب.
وقال مجاهد وسعيد بنُ جبير: الملكُ: النبوَّة (^٢)، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، وقولِه تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
وقالوا أيضًا في سبب نزولها: إنَّ النبيَّ -ﷺ- لمَّا ابتعثه (^٣) اللَّه بالرِّسالة، فدعا الخلق إلى اللَّه تعالى، قالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]؛ أي: النبوَّة، فأُنزل قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: تعطي النبوَّة مَن تشاء.
وقوله تعالى: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ على هذا التأويل لا يجوز حمله على سلب النبوَّة؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى يقول: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، فلو جاء مِن أحدهم ما يستحقُّ به نزعَ النبوَّة منه كان جهلًا مِن اللَّه تعالى به، واللَّه تعالى متعالٍ (^٤) عن ذلك، ولكن معناه: وتمنع الملكَ؛ أي: النبوَّة ممَّن تشاء، وهو
_________________
(١) في (أ) و(ف): "نزعت".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٠٤) عن مجاهد.
(٣) في (أ): "انبعثه"، وفي (ر): "أن بعثه".
(٤) في (ر) و(ف): "واللَّه يتعالى".
[ ٣ / ٥٢٠ ]
كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ أي: يمنعهم.
ووجهٌ آخَرُ: أن يكون معناه: وتنزع النبوَّة مِن نسلِ مَن تشاء؛ أي: تكون في قومٍ، فينقطع عنهم ذلك بذهاب نبيِّهم، ويُوحَى إلى نبيٍّ مِن غيرهم، كما كان في نسلِ إسحاق ﵇ في بني إسرائيل، ثم صار في نسلِ إسماعيل ﵇ في العرب.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: بالإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالكفر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١].
وقيل لأبي بكر بن عبدش (^١): أيَّ قولٍ اخترتَ في هذه الآية، قال: قولًا واحدًا: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالقناعة (^٢) ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالسؤال.
* * *
(٢٧) - ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾: الولوجُ: الدخولُ، والإيلاجُ: الإدخالُ، ووليجةُ الرجلِ: بطانته؛ لأَنَّه يُطلِعه على داخل أمرِه، ومعنى الآية: أي: تُنقِص مِن ساعات الليل وتَزيدها في النهار.
قوله تعالى: ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: أي: تَنقص مِن ساعات النهار وتَزيدها في الليل، وهو تقريرٌ للأوَّل ووصفٌ بكمال القدرة، إذ ليس (^٣) ذلك في قدرةِ غيرِ اللَّه تعالى.
وقال عطاء: هو ما يَأخذ النهارُ مِن اللَّيل حتى يصيرَ النهارُ إلى خمسَ عشرةَ ساعةً، والليلُ إلى تسعِ ساعاتٍ، وقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ هو ما يأخذ الليلُ
_________________
(١) أبو بكر بن عبدش مفسر نقل عنه الثعلبي في مواضع من "تفسيره"، وسماه في "معجم الأدباء" (٦/ ١٨٣٠): أبو بكر بن عبدوس.
(٢) في (أ) و(ف): "بالقنوع".
(٣) في (ر) و(ف): "وليس"، بدل: "إذ ليس".
[ ٣ / ٥٢١ ]
مِن النهار حتى يصير الليلُ إلى خمس عشرة ساعةً والنهارُ إلى تسع ساعات (^١).
وقيل: معناه: يأتي بالليل (^٢) في إِثْرِ النهار، فيُلبِس الدُّنيا ظلمته (^٣) بعد أنْ كان فيها ضوءُ النهار، ثم يأتي بالنهارِ (^٤) في إِثْرِ الليل فيُلبِس الدنيا ضوءَه، فكأنَّ أحدَهما دخل في الآخَر واستتر (^٥)، وهو كقوله ﷻ فيه (^٦): ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: أي: المؤمنَ مِن الكافر ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾؛ أي: الكافرَ مِن المؤمن.
وروى الزهريُّ أنَّ النبيَّ -ﷺ-؛ رأى خالدةَ بنتَ الأسود بنِ عبد يغوث، وكانت صالحةً، وأبوها (^٧) كافرٌ، فقال: "سبحان الذي يُخرج الحيَّ مِن الميتِ" (^٨).
وقيل: معناه: يجعل الكافرَ مؤمنًا والمؤمنَ كافرًا، قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: كافرًا فهديناهُ.
وقال الحسن: أي: يُخرج الطَّيِّبَ مِن الخبيثِ، ويُخرج الخبيثَ مِن الطَّيِّب (^٩).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٠٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٢٥)، كلاهما عن السدي.
(٢) في (ف): "الليل".
(٣) في (ر) و(ف): "ظلمة".
(٤) في (ر): "النهار".
(٥) في (أ): "واستتر به" وفي (ف): "واستتر واستقر".
(٦) "فيه": من (أ).
(٧) في (أ): "وكان أبوها".
(٨) رواه عبد الرزاق في "التفسير" (١/ ١١٧ - ١١٨)، وابن سعد في "الطبقات" (٨/ ٢٤٨)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٣١١).
(٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٦) عن الفراء. أما الحسن فقد ذكر عنه أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٢٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٦)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٢٤)، قوله: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.
[ ٣ / ٥٢٢ ]
وقال قتادة: أي: يُخرج النَّسَمةَ الحيَّةَ مِن النطفةِ الميتةِ، والنطفةَ الميتةَ مِن النَّسَمةِ الحيَّةِ (^١).
وقال مقاتل: أي: الطيرَ مِن البيضة، والبيضةَ مِن الطير (^٢).
وقال الكلبيُّ: أي: السُّنبلة مِن الحبَّة وهي ميتة، والحبَّة مِن السُّنبلة وهي حيَّةٌ، وكذا النَّخلة مِن النواة والنواة مِن النخلة.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: لا نهايةَ لمقدورِك فما تعطيه العبدَ لا يَنقص ذلك مِن مقدورك شيئًا، وفيه أقاويلُ أُخَرُ كثيرةٌ (^٣) ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢].
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: هذا تعليمُ الخلق (^٤) كيف الثناءُ على الحقِّ؛ أي: صِفْني بما أستحقُّه مِن جلال القَدْر (^٥)، فقل: يا مالكَ الملكِ، لا شريكَ لك ولا مُعِين، ولا ظهيرَ ولا قرين، ولا مُقاسمَ لك في الذَّات، ولا مُساهمَ في الملك، ولا معاضدَ (^٦) لك في الإبداع (^٧).
﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ حتى نعلم أنَّك المَلِك (^٨)، فالمَلِك مِن المخلوقين مَن تذلَّل للَّه، ومنزوعُ المُلك منهم مَن تكبَّر على اللَّه، فتجمُّلُ الخَلْق في تذلُّلهم للحقِّ، وعزُّهم في محوهم فيه، وبقاؤهم في فنائهم به.
_________________
(١) انظر: "النكت والعيون" (١/ ٣٨٥)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٠٠) عن ابن عباس ﵄.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٧٠).
(٣) "كثيرة": من (أ).
(٤) في (أ) و(ف): "الحق"، وكذا وردت في مطبوع "اللطائف".
(٥) في (ر): "كمال القدرة" والمثبت من باقي النسخ و"اللطائف".
(٦) في مطبوع "اللطائف": "ولا معارض".
(٧) في (ر) و(ف): "في الأفعال والإبداع".
(٨) في "اللطائف": "أن الملك لك".
[ ٣ / ٥٢٣ ]
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بعرفانك (^١)، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بخذلانك.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ يشهدك ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ يجحدك.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ تُؤنِسه بك ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ توحشَه عنك.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ تَشغله بك ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ تَشغله عنك.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بسقوطِ أحكامِ نفسه ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بغَلَبات وساوسِ نفسه.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ ببسطِه ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بقبضِه.
﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ بشدِّ نطاق خدمتك، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ بنفيه عن بساط عبادتك.
﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ بإفراد سرِّه لك ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ بربط قلبِه بمخلوقٍ لك.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بإقامته بالإرادة ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ تردُّه إلى ما عليه أهلُ العادة.
﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ولم يذكر الشَّرَّ حفظًا لآداب الخطاب، وتفاؤلًا بذِكْر الجميل، وتطيُّرًا بذِكْر الشَّرِّ.
﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِن القَبول والرَّدِّ، والتقريب والطرد، والحجاب والرؤية (^٢)، والجمع والتفرقة، والقبض والبسط.
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [حتى] يغلِبَ سلطانُ ضياءِ التوحيد، فلا يبقى مِن آثار النفس وظلماتها شيءٌ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ (^٣)؛ أي: في آخِر الليل (^٤)، حتى كأنَّ
_________________
(١) في مطبوع "اللطائف": "بعزِّ ذاتك".
(٢) في (أ): "في الرؤية".
(٣) في (أ): "ويخرج النهار في الليل" وفي (ر): "وتولج النهار في أجزاء الليل".
(٤) "أي في آخر الليل": من (ف)، وليست في باقي النسخ و"اللطائف".
[ ٣ / ٥٢٤ ]
شموسَ القلبِ قد كسفت (^١)، أو كأنَّ الليلَ دامَ، وكأنَّ الصبحَ فُقِدَ، ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ حتى كأنَّ الفَتْرة لم تكن، وعهدَ الوصال رجع فتيًا، وعُودَ القُرْب صار غضًّا طريًّا ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ حتى كأنَّ شجر البرم (^٢) أَورقَ شوكًا وأثمر شوكًا (^٣) ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ حتى لا كدَّ ولا جهدَ، ولا عرقَ جبين، ولا تعبَ يمين، ليله رَوحٌ وراحةٌ، ونهاره طربٌ وبهجةٌ، وساعاته كراماتٌ، ولحظاته قُرباتٌ، ومحاسن أفعاله لا يحصرها لسانٌ، ولا يأتي على استقصاء كُنْهها بيانٌ (^٤).
* * *
(٢٨) - ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: نزولُ هذه الآية (^٥) في حقِّ حاطب بنِ أبي بَلْتَعة؛ إذ كتب إلى أهل مكَّة: إنَّ محمدًا قد قصدكم فخذوا حِذْرَكم، ودفع الكتابَ إلى سارةَ القَوَّالةِ، فأَخبر جبريلُ ﵇ النبيَّ -ﷺ- بذلك (^٦)، فبعث عليًّا ﵁ وأَمَره أنْ يَقتلها إنِ امتَنعت عن دفعِ الكتابِ إليه، فأَدركها فأَنكرت، فهدَّدها فأَظهرته مِن شعرها، فأخذه عليٌّ ﵁ وجاء به إلى النبيِّ -ﷺ-، فقُرِئ الكتابُ وحاطبٌ حاضرٌ، فقام عمرُ ﵁ وسلَّ سيفَه، وقال: يا رسولَ اللَّه، ائْذَن لي في قتل هذا المنافق؟ فقال: "مَهْ يا عمرُ؛ فإنَّه بدريٌّ،
_________________
(١) في (ر): "كشفت".
(٢) في النسخ: "البر"، والمثبت من "اللطائف". والبرم: ثَمَر العلف، والعلف: ضرب من شجر العضاه. انظر: "جمهرة اللغة" (١/ ٣٢٨).
(٣) في (أ) و(ف): "شركًا".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٣٠ - ٢٣٢).
(٥) في (ف): "قيل نزلت"، وفي هامشها ما يوافق المثبت.
(٦) "بذلك" لم يرد في (ف)، "النبي -ﷺ-" لم يرد في (أ).
[ ٣ / ٥٢٥ ]
وإنَّ اللَّهَ قد اطَّلع على أهل بدر فقال: اعمَلوا ما شِئتم فقد غفرتُ لكم، ولا (^١) حسابَ عليكم ولا عذابَ" فنزل (^٢) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقولُه تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ (^٣).
وقوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ﴾ نهيٌ، وهو مجزومٌ، وكُسر لالتقاء الساكنين، والأولياءُ: جمعُ وليٍّ، وهو الذي يَلي أمرَ مَن يرضاه بالعون والنُّصرة، وهو يُطلَق على المُعين وعلى المُعان أيضًا، واللَّه وليُّ المؤمنين؛ أي: مُعِينهم (^٤)، والمؤمنُ وليُّ اللَّهِ؛ أي: معانُه.
ومعنى الآية: لا يَجعلنَّ أحدٌ مِن المؤمنين أحدًا مِن الكافرين وليًّا في أمرٍ مِن الأمور التي يتوالَى (^٥) بها المتواصلون والمتوادُّون وأهلُ القرابات؛ مِن تعظيمٍ ومحبَّةٍ وصحبةٍ واستشارةٍ في مهمٍّ، بل ينبغي له أنْ يَصرف ذلك إلى المؤمنين.
ومعنى قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفارقًا للمؤمنين مباعدًا لهم؛ لأنَّ مَن كان دون إنسانٍ في المكان، فهو مفارقٌ له مباعدٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي: ومَن يتولَّهم (^٦) ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾: هي كلمةُ تبرُّؤٍ ومفارقةٍ.
وقال السدِّيُّ: ليس مِن ولايةِ اللَّهِ في شيءٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قد بَرئ منه (^٧).
_________________
(١) في (أ): "فلا" بدل: "فقد غفرت لكم ولا".
(٢) في (أ) و(ف): "ونزل".
(٣) ذكره مختصرًا جدًّا مقاتلٌ في "تفسيره" (١/ ٢٧٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٦)، ورواه بتمامه البخاري (٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤)، من حديث علي ﵁ لكن في نزول آية الممتحنة فقط.
(٤) في (أ): "واللَّه ولي المؤمن أي معينه".
(٥) في (ر) و(ف): "يتولى".
(٦) بعدها في (ر) و(ف): "وقوله تعالى".
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٧).
[ ٣ / ٥٢٦ ]
وقيل: ليس مِن دينِ اللَّهِ في شيءٍ.
وقيل: مِن توفيق اللَّه.
وقيل: مِن كرامة اللَّه تعالى.
وقيل: مِن ثواب اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: هي على وزن فُعَلَة كتُؤَدَة وتُخَمَة وتُكَأَة، وأصله: وُقاة مِن الوقاية، لكنْ بُني على الفعل، وقد اتَّقى يتَّقي تُقاةً وتُقًى وتَقوَى وتَقيَّةً، وإنَّما صارتا في الفعل؛ لإدغام الواو في التاء بعد إبدالها بالتاء.
ومعناه: إلَّا أنْ يكون في موضعٍ تخافون الكفَّارَ على أنفسكم أو أهاليكم أو أولادكم أو أموالكم بإظهارِ العداوة، فرخِّص لكم إظهارُ الموالاة والموافَقة مع إضمار (^١) الحقِّ.
قال ابنُ عباسٍ ﵄: التقيةُ: الكلمةُ باللِّسان، والقلبُ مطمئنٌّ بالإيمان (^٢).
وقال قتادة: التَّقيَّة: هي أنْ يصلَ رحمًا له مِن الكفار (^٣) المشركين مِن غير أنْ يتولَّاهم في دينهم (^٤).
وقال النبيُّ -ﷺ- لعليٍّ ﵁ في موت أبيه: "اذهَبْ فَوارِهِ" (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: أي: ذاتَه، وهو كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ﴾
_________________
(١) في (أ): "مع إظهار"، وفي (ف): "على إضمار".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣١٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣٣٨٢).
(٣) "الكفار" لم يرد في (ف).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣١٨ - ٣١٩).
(٥) رواه النسائي (١٩٥)، والإمام أحمد في "المسند" (٧٥٩)، وفي إسناده رجل مجهول.
[ ٣ / ٥٢٧ ]
[البقرة: ٤١] ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣] ﴿فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] خاطب العوامَّ بقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤]، والخواصَّ بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: إلى جزاءِ اللَّهِ تعالى مرجعُ الخلقِ؛ فيَجزي كلًّا بعمله.
وانتظامُ هذه الآية بما قبلها: أنَّ كلَّ شيءٍ بيد اللَّهِ، وكلَّ حادثٍ بصنع اللَّه، فلا ترجوا ولا تخافوا غيرَ اللَّه، ولا تُوالوا أعداءَ اللَّه.
* * *
(٢٩) - ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾: هذا تأكيدٌ للأول؛ لأنَّه (^١) نَهَى عن موالاةِ أعدائه سرًّا وعلانيةً (^٢)، وحذَّر مخالفته فيما نَهَى، وأخبر أنَّه يَعلم ما أَخفَوه وما أَبدوه، وهذا (^٣) أبلغُ وعيدٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا ابتداءٌ؛ ولذلك رَفَعه، والأولُ جزاءُ الشرط فجَزَمه، وإذا عَلم ما في السماوات وما في الأرض كيف يَخفَى عليه ما يُسرُّه (^٤) القلبُ.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: على إنزالِ ما حذَّركم به بكم، وقيل: مِن المغفرة والعقاب.
_________________
(١) "لأنه" لم يرد في (ف).
(٢) في (أ): "وعلنًا".
(٣) في (ر) و(ف): "وهو".
(٤) في (أ): "لم يخف عليه ما يسره"، وفي (ف): "كيف يخفى عليه ما يسره لم يخف عليه ما يسره"، وكأن الناسخ غير العبارة ونسي أن يضرب على الأولى.
[ ٣ / ٥٢٨ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش
المجلد الرابع
دار اللباب
[ ٤ / ١ ]