(٣٠) - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾: يحتمل: واحذروا يومَ، ويحتمل: ويُحذِّركم اللَّهَ نفسَه يومَ، ويحتمل: وإلى اللَّه المصير يومَ، ويحتمل: واللَّه على كلِّ شيءٍ قديرٍ يومَ، ويحتمل: واذْكُر يومَ (^١).
وقوله: ﴿تَجِدُ﴾؛ أي: تنال، وقوله: ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ هو للعموم، و﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ للجنس، و﴿مُحْضَرًا﴾؛ أي: في كتابِ الحساب (^٢)؛ قال تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وقيل: ﴿تَجِدُ﴾ ثوابَ ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾؛ أي: يُعجَّل لها ولا يُؤخَّر عنها (^٣).
_________________
(١) وضعف أبو حيان نصبه بـ (يحذركم)، وبـ (المصير)، وبـ (قدير)، وبمضمر، معللًا كل ذلك، كما ناقش الزمخشريَّ في جعله منصوبًا بـ (تود)، ذاكرًا مَن منع ذلك من أئمة النحو ومن أجازه. انظر: "البحر المحيط" (٥/ ٢٩٣). وانظر تفصيل ذلك أيضًا ومناقشة ما ذكر في إعرابه من وجوه في "الدر المصون" (٣/ ١١٤).
(٢) في (ر): "الحسنات".
(٣) من قوله: "وقيل تجد. . . " إلى هنا، لم يرد في (ر)، وكلمة "ثواب" ليست في (ف).
[ ٤ / ٥ ]
وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾: قيل: هو عطفٌ على الأول؛ أي: وتجد عملَ السُّوء أيضًا مُحضَرًا (^١) ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا﴾؛ أي: بينَ النَّفس ﴿وَبَيْنَهُ﴾؛ أي: بين ما عملت مِن سوء (^٢) ﴿أَمَدًا﴾؛ أي: غايةً ﴿بَعِيدًا﴾ أي: تتمنَّى أنْ تكون مِن هذا العمل في الدنيا ببُعدٍ لا يزولُ أبدًا فلا تقع فيه قطُّ؛ لِمَا ترى مِن عقوبته، فيكون هذا زيادةَ صفةٍ على وجود العمل السَّيِّئ مُحضرًا، وهو تمنِّي أنْ لم يكن منها ذلك.
وقيل: قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ ابتداءٌ، و﴿تَوَدُّ﴾ إلى آخِره خبرُه.
وقيل: فيه إشارةُ بشارةٍ للمؤمن؛ لأنَّه ذكر أنَّه يجد الخيرَ مُحضرًا، وهو كائنٌ لا محالةَ، ولم يذكر إحضارَ الشَّرِّ في حقِّ المؤمن؛ لأنَّ منه ما يُغفر فلا يُحضر، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦] فأمَّا الكافرُ فلا يُغفَر له شيءٌ، والعموم في حقِّه، قال تعالى (^٣): ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: أعاد (^٤) التحذير؛ للتأكيد والتقرير.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: قال الإمامُ القشيريُّ ﵀: هذا للمستأنِفين، وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ للعارفين؛ أولئك أصحابُ التخفيف والتسهيل، وهؤلاء أصحابُ التخويف والتهويل، ونظيره: بَشِّر المذنبين وأَنذر الصِّدِّيقين (^٥).
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "قوله تعالى".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "وقوله تعالى".
(٣) "قال تعالى" لم يرد في (ف).
(٤) في (أ) و(ف): "أعاد هذا".
(٥) "ونظيره بشر المذنبين وأنذر الصِّديقين" لم يرد في (أ)، وليس في مطبوع "اللطائف".
[ ٤ / ٦ ]
وقيل: أفناهم بقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ثم أحياهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (^١).
ولمَّا قرأ النبيُّ -ﷺ- هذا الوعيدَ على بني نجران، قالوا: هذا الوعيدُ لا يكون لنا؛ فنحن أبناءُ اللَّهِ وأحباؤه، فبيَّن اللَّهُ تعالى أنَّ اللَّهَ تعالى لا يحبُّ إلَّا مَن يتَّبع حبيبَه، وهو قوله تعالى:
* * *
(٣١) - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾: الحبُّ والمحبَّةُ كالودِّ والمودَّة، وقد حبَّه وأحبَّه؛ أي: ودَّه، والثلاثي مِن باب: ضرب ودخل جميعًا.
وقال الكسائيُّ: الثلاثيُّ لغةٌ قد ماتت، وبقي الاستعمالُ لقولهم: أحَبَّ، ويُستعمل في المفعول: المحبوبُ (^٢)، دون: المحَبِّ، وقد ذَكر عنترةُ في شعره:
ولقد نزلتِ فلا تظنِّي غيرَه منِّي بمنزلة المحَبِّ المكرَمِ (^٣)
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ أثبت فيه الياء لأنَّه أصلٌ، ولم يثبت في: ﴿وَاتَّقُونِ﴾ ﴿وَأَطِيعُونِ﴾؛ لأنَّه ختمُ آيةٍ يُنوى بها الوقف (^٤).
يقول: قل يا محمَّد: إنْ كنتم تحبُّون اللَّهَ كما تزعمون، فإنَّ ذلك لا يتحقَّق لكم
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٣٤).
(٢) في (ر) و(ف): "ويستعمل المحبوب في المفعول".
(٣) انظر: "ديوان عنترة" (ص: ١٦).
(٤) وهذا التعليل منقوض بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] حيث حذفت الياء مع أنه لا ينوى الوقف.
[ ٤ / ٧ ]
حتى تتَّبعوني وتتركوا موالاةَ الكفار، فإنِّي أدعو إلى الإيمان بما بعثني اللَّهُ به، وإلى طاعة اللَّه تعالى فيما أمر ونهى، فمَن لم يتَّبعني لم يكن مُحِبًّا للَّه، إذ محبةُ العبدِ اللَّهَ إيثارُ طاعته على غير ذلك، فإذا (^١) فعلتم ذلك أحبَّكم اللَّهُ، ومحبةُ اللَّهِ العبدَ: إرادتُه ثوابَه، ورضاه عنه، واستحسانُه عملَه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: عطفٌ على قوله تعالى: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يغفرُ لكم ذنوبَكم (^٢) ويرحمُكم فلا يعذِّبكم.
ودلَّت الآيةُ على شرف النبيِّ -ﷺ-؛ فإنَّه جعل محبّته متابعةَ حبيبِ نفسِه، وفيه فضيلةٌ (^٣) على الخليل؛ فإنَّ الخليلَ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقال اللَّهُ تعالى في حقِّ الحبيب: وقل لهم يا محمد (^٤): ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قطعَ اللَّهُ أطماعَ الكلِّ أنْ يَسْلَم لأحدٍ نفَسٌ إلَّا ومقتداهم سيِّد (^٥) الأوَّلين والآخِرين.
ثم قال: في الآيةِ إشارةٌ إلى أنَّ المحبَّةَ غيرُ معلولة، وليست هي بفعلِ طاعةٍ أو تجرُّدٍ عن آفةٍ، فإنَّه قال: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فأَثبتها لهم مع وجود الذُّنوب منهم (^٦).
* * *
_________________
(١) في (ف): "فإن".
(٢) "ذنوبكم" ليست في (أ).
(٣) في (أ): "فضله".
(٤) في (أ) و(ف): "قل لهم" بدل: "وقل لهم يا محمد".
(٥) في (أ): "سيد المرسلين".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
[ ٤ / ٨ ]
(٣٢) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: ولمَّا نزلت الآيةُ الأُولى، قال عبد اللَّه بنُ أُبَيٍّ ابنُ سلولَ المنافقُ -لعنه اللَّهُ- لأصحابه: إنَّ محمَّدًا يَأمرنا أنْ نحبَّه كما أَحبَّت النصارى عيسى ابنَ مريم، ويَأمرنا أنْ نطيعَه كطاعة اللَّه -تعالى-، فنزل قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (^١)؛ أي: أطيعوا اللَّهَ فيما أمرَ، والرسولَ فيما بيَّن.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (^٢): أي: فإنْ أَعرضوا عن القَبول فقد كفروا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (^٣): وهو أبلغُ مِن أنْ يُقال: يُبغض الكافرين؛ لأنَّه نفيٌ مِن كلِّ وجهٍ، والإثبات يدلُّ على وجهٍ.
* * *
(٣٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾: قال الكلبيُّ: لمَّا نزل قولُه (^٤): ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ قالت اليهودُ: يا محمَّد، نحن أبناءُ إبراهيم (^٥) وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم، فمدح اللَّهُ تعالى إبراهيمَ وأولادَه، وكذَّب اليهودَ في دعواهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ (^٦)؛ أي: اختاره بالرِّسالة إلى الملائكة والجنِّ والإنس وهم أولاده.
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٢٩٣).
(٢) في (ر) و(ف): " ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ".
(٣) في (ر) و(ف): "واللَّه" بدل: " ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ".
(٤) في (ف): "لما نزلت".
(٥) بعدها في (ر): "وإسماعيل"، وهو خطأ.
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٥٢) عن ابن عباس. ولعله من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
[ ٤ / ٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَنُوحًا﴾: أي: اختاره بالرِّسالة وبإعلائه على مَن كفر.
وقوله تعالى: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: قيل: هو إبراهيمُ نفسُه، وكذا في قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] وقال الشاعر:
فلا تَبْكِ مَيْتًا بعدَ مَيْتٍ أَجَنَّهُ (^١) عليٌّ وعبَّاسٌ وآلُ أبي بكرِ (^٢)
أي: أبي بكر (^٣).
وكذا على هذا القول قولُه تعالى: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: فهو (^٤) نفسُ عمران، وهو عمران (^٥) بن أشهم، مِن ولدِ سليمان بنِ داود، وقيل: عمران بن ماثان، وهو والد مريم، ولم يكن اختيارُ هذا بالنبوَّة، بل بالدِّين المَرضيِّ والصلاحِ، وجَعْلِه والدَ مريم وجدَّ عيسى ابنِ مريم أبا أمِّه.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: عالَمي زمانِهم.
وقيل: آلُ إبراهيم: أولادُه إسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسباطُ وسائرُ أنبياءِ ذُرِّيَّته، وآلُ عمرانَ: أهلُ عمرانَ والدةُ (^٦) مريم؛ يعني حَنَّةَ بنتَ فاقوذ ﵂.
وقيل: آلُ عمران: عيسى بنُ مريمَ بنتِ عمران، فإنَّه مصطفًى بالرِّسالة كآدم ونوحٍ وإبراهيم.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أحبه" بدل: "أجنة".
(٢) البيت لأراكة بن عبد اللَّه الثقفي في رثاء ابنه عمرو، وأراد بالميت رسول اللَّه -ﷺ-، وهو في "الكامل" للمبرد (٤/ ٢٢)، و"العقد" لابن عبد ربه (٣/ ٣٠٦)، و"الحماسة البصرية" (١/ ٢٧٧).
(٣) في (ف): "أي أبو بكر"، ولم ترد العبارة في (أ).
(٤) في (أ) و(ر): "هو".
(٥) "وهو عمران" من (ر).
(٦) في (ر): "والد".
[ ٤ / ١٠ ]
وقيل: آل عمران: موسى وهارون ابنا عمران، وهو غيرُ عمران والد مريم، كان هذا بعد ذاك بألفٍ وثمانِ مئةِ سنةٍ. والأوَّل أشبهُ بنظم الآية بما قَبلها وما بعدَها، وموسى وهارون دخلا في ذلك بذكر آل إبراهيم؛ لأنَّهما مِن ذُرِّيَّته.
* * *
(٣٤) - ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾: نصب ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بإضمارِ: اصطفى، ثانيًا، أو على البدل، أو على القَطْع؛ لأنَّه نكرةٌ وما قَبله معرفةٌ، وهي فُعُّولةٌ مِن الذَّرْءِ، وهو الخلْق، وأصله: ذُرُّوْءَة، ثم لُيِّنت الهمزةُ فصارت ياءً، ثم جُعلت الواو التي قبلها ياءً ليتَّفقا، ثم كُسرت لأنَّ الياءَ أختُ الكسرة.
والذُّرِّيَّة: الوَلَد عند بعضهم، ومعنى الآية على هذا: أنَّ نوحًا صلوات اللَّه عليه مِن ذرِّيَّة آدمَ، وإبراهيمَ مِن ذرِّيَّة نوحٍ وآدم، وموسى وعمران مِن ذُرِّيَّة إبراهيم ونوح وآدم، ولا يكون آدمُ مِن ذُرِّيَّة أحدٍ، فيكونُ مخصوصًا منها.
وقال الكلبيُّ: أي: الأوَّل مِن الآخِر، والآخِر من الأوَّل؛ أي: الجنس واحد.
وقيل: آدم مِن ترابٍ، فرجع الكُلُّ إلى ذلك، وهو كقول القائل المُدْلجيِّ: أشهدُ أنَّ هذه الأقدامَ بعضها مِن بعض (^١). أي: أسامةُ مِن زيدٍ، وزيدٌ مِن حارثة، وكان نظر إلى أقدامِ أسامةَ وزيدٍ لا غيرُ وقال ذلك، لكن تأويل ذلك ما قلنا، فكذا هذا.
ودلَّت الآيةُ على صحَّة أنكحةِ الكفَّار؛ حيث أثبت نسبَ بعضِهم مِن بعضٍ بها.
وقيل: الذُّرِّيَّة: الآباء والأولاد؛ قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]
_________________
(١) قطعة من حديث رواه البخاري (٣٥٢٥)، ومسلم (١٤٥٩)، عن عائشة ﵂.
[ ٤ / ١١ ]
وكانوا جميعًا، وهذا لأنَّ الذُّرِّيَّة لمَّا كانت مشتقَّةً مِن الذَّرْء اشتملت (^١) الكُلَّ؛ لأنَّ الأبَ خُلق منه الولد، والولد خُلق مِن الأب.
وقال قتادةُ وأبو رَوقٍ: أي: بعضُهم على دينِ بعضٍ (^٢)، كما قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالةِ اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وعلى دينِ إبراهيم وهو دينُ اللَّهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بعقوبتهم على ذلك.
* * *
(٣٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾: قال الأخفش: أي: واذكُر يا محمَّد إذ قالت حنَّةُ بنتُ فاقوذ (^٤).
وقال الزجَّاج: أي: واصطفى آلَ عمران إذ قالت (^٥).
وقيل: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إذ قالت؛ فهو ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالتها ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّتها.
وقوله تعالى: ﴿امْرَأَتُ﴾ هذا ألفُ وصلٍ؛ لأنَّ الأصل: مرأة، فسكَّنوا الميمَ فأدخلوا (^٦) الألفَ وقايةً لسكونها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "شملت".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٥٣) عن أبي روق.
(٣) انظر: "البسيط" للواحدي (١٠/ ٥٤٠)، وقد ذكره في هذه الآية عن ابن عباس.
(٤) انظر قول الأخفش في "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٠١)، وعزاه الزجاج أيضًا للمبرد، لكنه خالفهما في التقدير كما سيأتي.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٠١).
(٦) في (ر): "وأدخلوا".
[ ٤ / ١٢ ]
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾: أي: يا ربِّ إنِّي التزمتُ التقرُّبَ إليك بتحريرِ ما في بطني مِن الولد، والتحرير: الإعتاق، وهو إثبات الحرية.
وقيل: هو التخليص (^١)، وطينٌ حُرٌّ؛ أي: خالصٌ.
قيل: كان بنو إسرائيل لم يكن لهم غنائمُ أعدائهم، فلم يكن لهم مماليكُ يُعتقونهم، فكانوا يحرِّرون أولادَهم تقرُّبًا إلى اللَّه ﷻ، ويَقطعون منافعَهم عن أنفسِهم ويُفرِّغونهم لخدمة بيتِ اللَّه تعالى.
وقال عكرمة: ﴿مُحَرَّرًا﴾؛ أي: خالصًا للَّهِ تعالى لا يُخالط أمورَ الدنيا (^٢).
وقال محمد بنُ إسحاق: كانت امرأةُ عمرانَ بنِ ماثان أُمسِكَ عنها الولدُ وأَيست، وكانوا أهلَ بيتِ صلاحٍ ودينٍ، فبينا هي تحت ظلِّ شجرةٍ نظرت إلى طائرٍ يُطعِم فرخًا له، فتحرَّكت نفسُها للولد، فدعتِ اللَّهَ تعالى أنْ يَهب لها ولدًا، فحملت بمريم، وهلك عمران، فلمَّا عرفت أنَّ في بطنِها جنينًا جعلته محرَّرًا للَّه تعالى (^٣).
وقال الكلبيُّ: هو الذي يكون في بيت المقدس يَخدمه ويَكنسه ويتعاهده حتى يبلغَ، ثم يخيَّر، فإنْ (^٤) شاءأقام، وإنْ شاء ذهب (^٥).
وقيل: معناه: جعلتُ ما في بطني محرَّرًا خالصًا لك، لا أستأنسُ به، ولا أتكثَّر (^٦) به، ولا أتجمَّل (^٧) به، ولا أستعين به في أموري.
_________________
(١) في (ر): "التخلص".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٣٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣٤٢٢)، لكن عن مجاهد.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٣٢)، وانظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٥٤ - ٥٥).
(٤) في (ف): "إن".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٥٥).
(٦) في (ف): "أستكثر".
(٧) في (ر): "أتحمل".
[ ٤ / ١٣ ]
وكذا ينبغي للإنسان أنْ يَطلُب ولدَه للَّه تعالى، وكذا دعا زكريا ﵇ فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] وقال تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (^١) [مريم: ٥] وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] وقال خواصُّ عبادِ اللَّهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤].
وقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾: أي: اقْبَل هذا الو لدَ المحرَّر منِّي (^٢) ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾؛ أي: لمقالتي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِنيَّتي.
* * *
(٣٦) - ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾: أي: وَلدت (^٣) البنتَ.
وقيل: الكنايةُ ترجعُ إلى مُضمَرٍ (^٤)، وتقديره: فوضعت بنتًا، فلمَّا وضعتها.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾: قيل: كانوا يحرِّرون الغلمانَ، وكانت ترجو أن تكون غلامًا، فلمَّا كانت جاريةً خافت أنْ لا تُقبَل منها ولا تَصلُح للمسجد، إمَّا لأنَّ حالهنَّ على التَّستُّر في البيوت، أو لأنَّ المرأةَ تحيضُ فتحتاج إلى الخروج مِن المسجد.
_________________
(١) في (أ): "هب".
(٢) بعدها في (ر): "وقوله تعالى".
(٣) في (ر): "وضعت".
(٤) في (ف) و(أ): "مضمرة".
[ ٤ / ١٤ ]
وقيل: كانوا يُحرِّرون الغلمانَ والجواريَ، لكن الأنثى أضعفُ حالًا (^١) وأعجزُ، فقالت ذلك اعترافًا بالتقصير.
وقيل: هو استكانةٌ وتذلُّل (^٢)، كقول الدَّاعي: أنا عبدُك وابنُ عبدك، وأنا البائسُ الفقيرُ، ونحو ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾: قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ، ويعقوبُ: بضمِّ التاء؛ وهو إخبارٌ عنها أنَّها قالت ذلك، وقرأ الباقون: ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾ بإسكان التاء (^٣)؛ وهو إخبارٌ مِن اللَّه تعالى أنَّه أعلم منها بما وَضَعت؛ لأنَّها علمت بها بعد الولادة، واللَّهُ تعالى كان عالمًا بها في الأزل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾: أي: قالت حنَّة: ليست البنتُ في خدمة المسجد كالابن، وهو اعترافٌ أيضًا بالتقصير.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: وليس الذَّكر في الحاجة إلى الحفظ كالأنثى؛ فإنَّها تحتاجُ إليه لا محالةَ، سألتْ بذلك مِن اللَّه تعالى حفظَها وعونها (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾: هي عبرانيَّةٌ، ومعناها: الخادم، وصارت عربيَّةً باستعمال العرب ذلك في لسانها، وكان ذلك استخارةً منها، ويقول الدَّاعي في الاستخارة: اللَّهمَّ إنِّي أُريد أمرَ كذا، وهو طلبُ الخِيَرة مِن اللَّه تعالى في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: عاذَ لازمٌ، وأعاذَ
_________________
(١) "حالًا" لم يرد في (أ).
(٢) في (ف): "هو الاستكانة بذلك".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٠٤)، و"التيسير" (ص: ٨٧).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٥٨).
[ ٤ / ١٥ ]
متعدٍّ، وهو الاستعصام والاستغاثة والاستعانة (^١)، وسألتْ ذلك في حقِّها وحقِّ ولدها، فأجابها اللَّهُ تعالى إلى ذلك.
قال الضحَّاك: فكانت مريمُ صوَّامةً قوَّامةً، قد غلبت الأحبارَ فضلًا وعبادةً، وأقبلت الملائكةُ عند ولادتها (^٢) عيسى، فكانوا بينَه وبينَ إبليسَ كانهم بنيانٌ مرصوصٌ.
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "ما مِن مولودٍ إلَّا والشيطانُ يمسُّه حين يُولَد حتى يستهلَّ صارخًا مِن مسِّ الشيطانِ إيَّاهُ إلَّا مريمَ وابنَها"، ثم قال أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إنْ شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٥] (^٣).
وقال الحسن: معناه: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾ إذا بلغت، وولدَها إنْ كان لها ولدٌ ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، فاستجاب اللَّهُ لها ذلك.
* * *
(٣٥) - ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾: أي: قَبِلها اللَّهُ تعالى منها ورَضيها، والقَبول مصدرُ قَبِلَ، لا مصدر تَقبَّل، وإنَّما جاز ذلك؛ لأنَّه في معناه، كما يقال: تكرَّم كرمًا؛ لأنَّه في معناه.
_________________
(١) في (ر): "الاستعصام والاستعانة"، وفي (ف): "الاستعصام والاستغاثة".
(٢) في (أ): "ولادة"، وفي (ف): "ولادتها وعند ولادة".
(٣) رواه البخاري (٤٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦).
[ ٤ / ١٦ ]
وكذا قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: ولم يقل: إنباتًا، وقد شرحناهُ على الوجه في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] والقَبول مصدرٌ جاء على فَعول -بالفتح- وهو نادرٌ، وقال أبو عمرو بنُ العلاء: هو فردٌ لا نظيرَ له (^١).
وقيل: خمسةُ مصادرَ كذلك (^٢): القَبولُ والوَلوعُ والوَزوعُ -أي: المنع- والمَضوُّ في الأمر بمعنى (^٣) المُضيِّ، يقال: مَضَى في الأمرِ يَمضي مَضُوًّا، ورقَأ الدَّمُ رَقوءا، والصحيحُ أنَّ مصدر رقأ الدَّمُ هو الرُّقُوء بالضَّمِّ، فأمَّا الحديث: "أَكرموا الإبلَ؛ فإنَّ فيها رَقوءَ الدَّمِ" (^٤) فالروايةُ الصحيحةُ بفتح الراء، لكنَّه ليس بمصدرٍ، بل الرَّقوء هو في الأصل الدواء الذي يُرقا به الدَّمُ، والمصدرُ بالضَّمِّ.
وأراد في الحديث: أنَّ الإبلَ كأنَّها سببٌ لرُقوء (^٥) الدَّمِ؛ أي: تُودَى بها الدِّيَةُ؛ فيُتركُ بها القصاصُ.
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٣٤٤).
(٢) وفيها اختلاف، فزاد بعضهم على ما ذكره المصنف: اللغوب، وزاد غيره: الوَقود، والطَّهور، والهَوِي بفتح الهاء بمعنى السقوط، والرسول بمعنى الرسالة. انظر: "الشوارد" للصغاني (ص: ٣١)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (٧/ ٢٦١). وهي في رأي بعض أئمة النحو صفاتٌ لمصادر محذوفة؛ أي: توضأت وُضوءًا وَضوءًا؛ أي: وُضوءًا حسنًا، وما مسنا من لُغوب لَغوب، وصف اللُّغوب بأنه لَغوب، بمعنى: قد لَغَبَ؛ أي: أعيا وتعب، وهذا ضرب من المبالغة على طريقة قولهم: هذا شِعْرٌ شَاعِرٌ، وموتٌ مائِتٌ. انظر: "المحتسب" (٢/ ٢٠١ و٢٨٥).
(٣) في (أ): "في معنى".
(٤) ذكره مرفوعًا الماوردي في "الحاوي" (١٢/ ٢٢٨)، وروى ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" (٧٧) عن أبي عبد اللَّه ابن الأعرابي أنه قال: قال أكثم بن صيفي: أكرموا الإبل؛ فإنها مهر الكريمة، ورقوء الدم، وسُفن البر.
(٥) في (أ): "كلها"، وفي (ف): "كانت"، بدل: "كأنها".
[ ٤ / ١٧ ]
ثم إنَّ اللَّه تعالى ذَكر قَبولها منها، وذلك لضعفها وصِدق نيَّتها في الابتداء، وحيائها في الانتهاء، وكان في ذلك الزمانِ أربعةُ آلافِ محرَّرٍ لم يَشتهر خبرُ واحدٍ (^١) منهم اشتهارَ خبرها.
وفيه تنبيهٌ للعبد على أنْ يَرى مِن نفسه التقصيرَ بعد جهدها ليَقبل اللَّهُ عملَها، لإظهارها إفلاسَها، وإضمارِها إخلاصَها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ أي: أنشأها تنشئةً حسنةً، وغذَّاها تغذيةً صالحةً، وربَّاها تربيةً طاهرةً (^٢)، وهو مشبَّه بإنبات النباتِ وتقويتِه وتربيتِه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِلُ أنَّ ذلك أنْ لم يَجعل للشيطان عليها سبيلًا، ويحتمل أنَّه أنْ (^٣) لم يَجعل رزقَها وكفايتَها بيد أحدٍ مِن خلقه، بل تولَّى ذلك ببَعثه إليها مِن ألوان الرِّزق؛ كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] (^٤).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: القَبول الحَسَن: أنْ (^٥) تولَّى اللَّهُ أمرَها على وجهٍ يَعجب العالَمون منها، وأنبتها نباتًا حسنًا بلَّغها فوقَ ما تمنَّت أمُّها، وربَّاها على نعتِ العصمة حتى قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ [مريم: ١٨] ووفَّقها حتى استقامت على الطاعة؛ فكان لا يَدخل عليها زكريا إلَّا وجدها في المحراب، وجعَل كافلَها مثلَ زكريا، ولم يَكِلْ أمرَها إلى غيره، ولم يَطرح مؤنتَها على زكريا،
_________________
(١) في (ف): "أحد".
(٢) "طاهرة" من (ف).
(٣) "إن" من (أ).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٥٩).
(٥) في (ر) و(ف): "إذا".
[ ٤ / ١٨ ]
بل بعث رزقَها مِن خزائنه، وهذا كلُّه ثمرةُ حُسن التسليم وحُسن القَبول (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾: قرأ أهلُ الكوفة مشدَّدة الفاء، والباقون مخفَّفةً (^٢).
وقرأ الكوفيُّون -غيرَ عاصم في رواية أبي بكر- ﴿زَكَرِيَّا﴾ مقصورًا، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ممدودًا منصوبًا، والباقون ممدودًا مرفوعًا (^٣)، فالمدُّ والقَصْر لغتان فيه، والاسمُ أعجميٌّ، وتكلَّمت به العربُ فعرَّبته.
والكَفْلُ: الضَّمُّ، والكَفالةُ بالمال: ضَمُّ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ في حقِّ المطالبة بالدَّيْن، والكفالةُ بالنَّفس: ضَمُّ مطالبةٍ إلى مطالبةٍ، وكفالةُ اليتيم: ضَمُّه إلى نفسِه ويَضمن مؤنته (^٤)، والكَفْلُ: مواصلةُ الصيام؛ وهو ضمُّ الأيَّام إلى الأيَّام في الصوم على الدَّوام.
ومعنى (كَفَلها) بالتخفيف: ضمَّها إلى نفسه، و﴿زَكَرِيَّا﴾ رفعٌ؛ لأنَّه فاعلٌ.
ومعنى التشديد: جعل اللَّهُ زكريَّا كافلَها وضامَّها إلى نفسه، و﴿زَكَرِيَّا﴾ نصبٌ، لأنَّه مفعولٌ به.
وقصَّته: ما قال الكلبيُّ ﵀، قال: لمَّا وَلدت حنَّةُ مريمَ أخذتها فلفَّتها في خِرقةٍ فوضعتها (^٥) في المسجد، فتنافس (^٦) فيها الأحبارُ -بنو هارون- أيُّهم تكون عنده، فقال لهم زكريا ﵇: أنا أحقُّكم بها؛ خالتُها امرأتي، فقالت له
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٠٤)، و"التيسير" (ص: ٨٧). والكوفيون من السبعة هم: حمزة والكسائي وعاصم.
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٠٥)، و"التيسير" (ص: ٨٧).
(٤) في (أ): "وتضمين مؤنة".
(٥) في (ف): "ووضعتها".
(٦) في (أ): "يتنافس".
[ ٤ / ١٩ ]
الأحبارُ: لو تُركَت لأحقِّ الناسِ بها تُركَت لأمِّها (^١) التي ولدَتْها، ولكنَّا نَقترع عليها بأقلامنا فتكون عند مَن خرج سهمُه.
وكان زكريا والأحبارُ في بيت المقدس (^٢) يَكتبون العلمَ المدرَّس (^٣) التوراةَ والزبور، فأخذوا أقلامَهم التي يكتبون بها، وكانوا سبعةً وعشرين رجلًا، فانطلقوا بها إلى نهرٍ جارٍ، فقالوا: نَطرحُ أقلامَنا هذه على الجِرْية؛ فمَن صعد قلمُه إلى أعلى الجِرية فهو أحقُّ بها، ومن تسفَّل قلمُه مع الجِرية فهو المقروع (^٤)، قالوا: نعم، ثم رَمَوا مع الجِرية، فسفلت (^٥) أقلامُهم جميعًا مع الجِرية، وصعد قلمُ زكريَّا صلوات اللَّه عليه، فقرَعهم جميعًا وضمَّها إليه واستَرضَع لها (^٦).
وقال عطاء: الأقلامُ: القداحُ، دون أقلامِ الكتابة.
وقيل: كانت مِن حديد، ومَشَت على وجه الماء صُعدًا.
_________________
(١) في (ف): "على أمها".
(٢) في (أ): "المدراس". والمثبت من با قي النسخ والمصادر.
(٣) "المدرس" من (ف).
(٤) في (ف): "فلا"، بدل: "فهو المقروع".
(٥) في (أ): "فتسفلت".
(٦) ذكره عن الكلبي ابن أبي زمنين في "تفسيره" (١/ ٢٨٦)، ورواه ابن عساكر في "تاريخه" (٧٠/ ٧٨ - ٧٩) عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده إسحاق بن بشر وهو متروك. ورواه البيهقي في "السنن" (١٠/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، من طريق السدي عن أشياخه عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة، وهذا إسناد فيه مقال قد ذكرناه في أوائل هذا التفسير. ورواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٤٩) عن السدي، وانظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٥٦) وعزاه للمفسرين، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٩٦) وعزاه لأهل الأخبار. وعلق البخاري قبل الحديث (٢٦٨٦) بصيغة الجزم عن ابن عباس: اقترَعوا فجَرَت الأقلامُ مع الجِرْيَةِ، وعال قلمُ زكريَّاءَ الجِرْيَةَ، فكَفَلها زكريَّاءُ.
[ ٤ / ٢٠ ]
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: فلمَّا بلغت تسعَ سنين صامت وقامت الليلَ وتبتَّلت حتى غلبتِ الأحبارَ.
قال مقاتل: فبنى لها زكريا محرابًا في مسجد بيت المقدس، وجعل بابه في وسطه، وكان يُغلِق عليها الباب لا يَدخل عليها (^١) غيرُه، ولا يُرقى إليها إلَّا بسُلَّم (^٢).
وقال الزجَّاج: المحرابُ أشرفُ المجالس ومُقدَّمُها، وقيل: المساجد عندهم تسمَّى المحاريب، وهو مِفْعال مِن الحرب؛ لأنَّه يُحارَب فيه الشيطانُ، وهو في اللغة اسمٌ للموضع العالي الشريف، قال الشاعر:
رَبَّةُ محرابٍ إذا جئتُها لم ألقها أو أَرْتقي السُّلَّما (^٣)
وقال الأصمعيُّ: المحرابُ: الغرفةُ (^٤)، قال: أَلَا تراه قال تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] والتَّسوُّر لا يكون إلا مِن علوٍ.
وقيل: المحرابُ: اسمٌ للقَصْر أيضًا، قال الشاعر:
أو دُمْيةٍ صوِّر محرابُها أو درَّةٍ سِيقت إلى تاجر (^٥)
_________________
(١) في (ف): "إليها".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٧٣).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٠٣)، والبيت لوضاح اليمن -وهو عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال- كما في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٤٤)، و"الأغاني" للأصفهاني (٦/ ٢٣٧). وعزاه كراع النمل في "المنجد في اللغة" (ص: ٣٢٦) لعمر بن أبي ربيعة.
(٤) انظر: "الزاهر في معاني كلمات الناس" لابن الأنباري (١/ ٤٣٤).
(٥) انظر: "الزاهر في معاني كلمات الناس" لابن الأنباري (١/ ٤٣٣)، و"المقصور والممدود" لأبي علي القالي (ص: ٢٢٣)، و"تهذيب اللغة" (٥/ ١٧)، و"الغريبين" للهروي (مادة: حرب)، قال الأزهري: أرادَ بالمحراب القصر، وبالدُّمْيَة الصُّورة. وروايته في المصادر عدا مطبوع "الزاهر": (شيفت إلى تاجر). =
[ ٤ / ٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾: جاء في التفسير: فاكهةُ الصيف في الشتاء: العنبُ الطَّريّ والتينُ الطريّ، وفاكهةُ الشتاء في الصيف (^١)، وفيه دلالةُ إثباتِ الكرامة للأولياء ردًّا على المعتزلة.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾: أي: مِن أين لك هذا ولا يَدخُلُ عليك أحدٌ غيري، ولا يوجد هذا في الدنيا؟
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: جبريلُ يَأتيني به مِن اللَّه تعالى، خلقَهُ لي.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: قيل: هو تمامُ قولِ مريم.
وقال الحسن: هو ابتداءُ كلامٍ مِن اللَّه ﷻ، ومعناه: بغير الاستحقاق على العمل.
وقيل: أي: مِن غير أنْ يحاسبَه أحدٌ.
وقيل: أي: زيادة على ما يحتسبه (^٢) المعطي.
وفيه أقاويلُ أخَرُ قد ذكرناها في سورة البقرة.
* * *
_________________
(١) = وهذا البيت قد يكون ملفقًا من بيتين للأعشى هما: كبيعةٍ صوِّر محرابها بمُذْهَبِ ذي مرمرٍ مائر أو بيضةٍ في الدّعص مكنونةٍ أو درّةٍ شيفت إلى تاجر انظر: "الحماسة المغربية" (٢/ ٩٠٢).
(٢) انظر ما روي من ذلك في "تفسير الطبري" (٥/ ٣٥٤)، و"تفسير القرطبي" (٥/ ١٠٨).
(٣) في (ر): "يحسبه".
[ ٤ / ٢٢ ]
(٣٨) - ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾: (هنالك) و(هناك) بمعنى (ثَمَّ)، وهو (^١) إشارةٌ إلى المكان، وقد يستعمل في الزمان، ومحلُّه نصبٌ بالظرف، ومعناه حينئذٍ؛ أي (^٢): لمَّا رأى عندها فاكهةَ الشتاء في الصيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاء، على خلافِ مجرى العادة، طمع في الولد على كِبَرِ سِنِّه وعُقر امرأته، وإن كان على خلاف مجرى العادة.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾: أي: تفضَّل عليَّ بإعطاء ولدٍ طاهرٍ مِن عندك، إذ لا أحدَ غيرُك يَقدر على ذلك، وهو كقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥].
والذُّرِّيَّة: الولد، يقع على الذَّكر والأنثى، والواحد والجماعة، وتأنيثُ الطَّيِّبة؛ للَفظ الذُّرِّيَّة، والطَّيِّب: هو الذي يُستطاب أفعاله وأخلاقه، فلا يكون فيه أمرٌ يُستخبث ويُعاب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾: أي: مجيبُ الدُّعاء، كما في قولهم: سمعَ اللَّهُ لمَن حَمده، وقولِهم: سمعًا وطاعةً، وهذا لأنَّ مَن لم يُجِب فكأنَّه لم يسمع، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] وصَفَ الكفَّار بأنَّهم غيرُ سامعين إذا (^٣) كانوا غير مستجيبين (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وهي".
(٢) "أي" من (أ).
(٣) "إذا" من (أ).
(٤) في (أ): "مجيبين".
[ ٤ / ٢٣ ]
وقيل: هو على حقيقته؛ أي: إنَّك تَسمعُ الدُّعاءَ ولا يَخفى عليك ما أقولُه وما أُريده (^١).
فإنْ قالوا: أليس أنَّ زكريا كان عالمًا أنَّ في قدرة اللَّهِ تعالى ذلك قبل رؤية حالِ مريمَ، فهلَّا سأل ذلك قبل ذلك؟
قلنا: قد يزداد الإنسانُ رغبةً في الشيء إذا عايَنَه وإنْ كان عالمًا به قبله، أو كان عنده أنَّه (^٢) وإنْ كان في مقدور اللَّهِ تعالى ذلك لكنَّه لا يفعله، فلمَّا رأى ذلك في حقِّ مريم ﵍ صحَّ عنده أنَّه جائزٌ في الحكمة فسأله.
ويحتمِل أنَّه كان أَذنَ له في الدُّعاء (^٣)، وجعل ميقاتَ الدُّعاء إذا رأى نظيرَه، وهذا نظيرُه.
* * *
(٣٩) - ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿فناديه﴾ بالياء (^٤)، وعن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه قال (^٥): ذكِّروا الملائكةَ فإنَّهم ذكورٌ (^٦)، يريد به:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "أقوله وأريده".
(٢) بعدها في (ف): "يكون".
(٣) في (أ): "الطاعة".
(٤) يعني: بالإمالة والتذكير، وباقي السبعة: ﴿فَنَادَتْهُ﴾ بالتأنيث. انظر: "السبعة" (ص: ٢٠٥)، و"التيسير" (ص: ٨٧).
(٥) "أنه قال" لم يرد في (ف).
(٦) رواه ابن المنذر وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٢/ ١٨٧).
[ ٤ / ٢٤ ]
خالِفوا المشركين في قولهم: إنَّ الملائكةَ بناتُ اللَّه، ولأنَّ الفعلَ مقدَّمٌ والتأنيث للجمع (^١). والباقون قرؤوا بالتاء على اللفظ.
وفي كلِّ الروايات أنَّ النداءَ كان مِن جبريل وحده، وإنَّما ذكَره جميعًا؛ لأنَّ جبريلَ ﵇ إذا نزل لأمرٍ كان (^٢) معه جماعةٌ مِن الملائكة صلوات اللَّه عليهم، فإذا أَخبر بخبرٍ يجوز أنْ يقال (^٣): أَخبر الملائكة، على معنى أنَّه أَخبر وهو معهم وهم (^٤) جاؤوا لهذا، كما يقال: حضر فلانُ بنُ فلانٍ خواصّ (^٥) السلطان يدعونه إليه، وإنْ كان الذي يخاطبه بالدَّعوة واحدًا منهم، إذا كان هو معهم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ الواو للحال، دَلَّ أنَّ المرادات تُطلَب بالصلوات، وفيها إجابةُ الدَّعوات وقضاءُ الحاجات.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾: قرأ ابنُ عامرٍ وحمزةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر الألف (^٦) على إضمار القول، أو جعلِ النداء في معنى القول؛ لأنَّه هو، وقرأ الباقون بالفتح (^٧)؛ لوقوعِ فعل النداء عليه، أو جعلِ النداء في معنى الإعلام.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "والتأنيث للحجج"، ولم ترد العبارة في (أ)، والصواب المثبت. قال أبو حيان في "البحر" (٥/ ٣٤٠): الملائكة جمعُ تكسيرٍ، فيجوزُ أنْ تَلْحقَ العلامةُ وأنْ لا تَلحقَ؛ تقولُ: قام الرجالُ، وقامتِ الرجالُ. وإلحاقُ العلَامة قيل: أحسنُ، ألَا ترَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾، ومُحَسِّنُ الحذف هنا الفصلُ بالمفعول.
(٢) في (ف): "نزل".
(٣) في (ف): "نقول".
(٤) في (أ): "وقد".
(٥) "خواص" من (أ).
(٦) في (أ): "الهمزة"، والمعنى واحد.
(٧) انظر: "السبعة" (ص: ٢٠٥)، و"التيسير" (ص: ٨٧).
[ ٤ / ٢٥ ]
و﴿يُبَشِّرُكَ﴾ يقرأ بالتشديد مِن التبشير، وبالتخفيف مِن البشارة (^١)، مِن حدِّ دخل، وقد فسَّرناها في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥].
والآيةُ حجَّةٌ لأصحابنا ﵏ (^٢) في قولهم: مَن قال: إنْ بشَّرني (^٣) عبدي بكذا فهو حرٌّ، فأرسل إليه رسولًا بذلك، عتق؛ لأنَّ اللَّه تعالى أخبر أنَّه بشَّره وكان ذلك بلسان رسولِه جبريلَ.
وقوله تعالى: ﴿بِيَحْيَى﴾: وقال تعالى في سورة مريم: ﴿بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]، قال الشيخُ الإمامُ الزاهد أبو منصورٍ الماتريديُّ ﵀: قيل: يحيى، اشتُقَّ مِن اسمِ اللَّهِ تعالى الحيِّ، سمَّاه اللَّهُ تعالى به إكرامًا له.
قال: وقيل: سُمِّي به لمَّا حَيِيَ به الدِّينُ والمروءة (^٤)، أو حَحِيَ به العلمُ والحكمة، أو حَيِي به الأخلاقُ الفاضلة والأفعال المرضيَّة (^٥).
وقال ابنُ عباس ﵄: سُمِّيَ به لأنَّه حيي به عُقرُ أمِّه (^٦).
وقال الحسين بنُ الفضل ﵀: سُمِّيَ به لأنَّ اللَّهَ تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يَعْصِ ولم يَهُمَّ بمعصيةٍ.
وقيل: سُمِّي به لأنه سبب حياة مَن آمَنَ به بقلبه.
_________________
(١) قرأ بالتخفيف حمزة والكسائي، والبا قون بالتشديد. انظر: "التيسير" (ص: ٨٧).
(٢) في (أ): "لعلماء" بدل: "لأصحابنا ﵏".
(٣) في (ر): "يبشرني".
(٤) في (أ): "والنبوة". والفبت موافق لما في "التأويلات".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٦٢).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٦٢)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٣٤).
[ ٤ / ٢٦ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: سُمِّي به لحياة قلبِه باللَّه تعالى (^١).
وقيل: سُمِّي به لأنَّه (^٢) إذا قُلب لم ينقلب، بل هو هو، وأولُه كآخِره وآخِرُه كأوَّله، وكذلك (^٣) كان يحيى أولًا وآخِرًا وظاهرًا وباطنًا.
وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: نصبٌ على الحال، أو على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ بعد معرفةٍ.
﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (^٤) قيل -وهو قول عامَّة أهل التفسير-: هو عيسى ﵇؛ لأنَّه كان بكلمة (^٥) اللَّهِ مِن غيرِ أبٍ.
وقيل: سُمِّيَ كلمةَ اللَّه: لأنَّ الناسَ يهتدون به في الدِّين كما يهتدون بكلام اللَّهِ تعالى، وهذا (^٦) كما سَمَّى اللَّهُ تعالى القرآنَ رُوحًا، وعيسى رُوحًا؛ لأنَّه يُحيي بهما مِن الضلالة كما يُحيي الإنسان بالرُّوح.
وقال أبو عبيدة: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: بكتابِ اللَّهِ تعالى، وسُمِّيَ الكتابُ كلمةً لأنَّ العربَ تقول: أنشدني (^٧) كلمةَ فلانٍ؛ أي (^٨): قصيدته التي قالها وإنْ طالت (^٩).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٤٠).
(٢) في (أ): "وقيل يحيى"، وفي (ف): "وقيل سمي يحيى".
(٣) في (ر): "ولذلك".
(٤) في (أ): "وكلمة".
(٥) في (ر): "يكلمه"، وفي (أ): "بكلمة من".
(٦) "وهذا" من (أ).
(٧) في (ر): "أسمعني".
(٨) في (أ) و(ف): "يعني".
(٩) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٩١). وفي أوله: (بكتاب من اللَّه) بدل: "بكتاب اللَّه".
[ ٤ / ٢٧ ]
وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: يُبشِّرك بكلمةٍ مِن اللَّه بيحيى مصدِّقًا؛ أي: يُبشِّرك ببشارةٍ مِن اللَّه.
وقيل: تصديقُه بعيسى، إذ بعثه اللَّهُ نبيًّا إلى بني إسرائيل.
وقال الضحاك: يحيى أوَّل مَن صدَّق بعيسى وشهد أنَّه كلمةٌ مِن اللَّه، وكان يحيى وعيسى ابنا خالةٍ، وأمُّ يحيى بتشايع، وكان يحيى أكبرَ مِن عيسى بثلاث سنين.
وقال ابنُ عباس: كانت أمُّ يحيى تقول لمريم: إنِّي لأجدُ الذي في بطني يسجدُ للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾: هو نعتٌ له أيضًا، وهو الذي يفوقُ قومَه في خصال الخير حتى يستحقَّ الرئاسةَ عليهم بسُؤدُده.
وقال مجاهد: السَّيِّد: الكريم على اللَّه تعالى.
وقال قتادة: السَّيِّد: الحليم (^٢) الورع.
وقال عكرمة: السَّيِّد الذي لا يَغلبه غضبه (^٣).
وقال سعيد بنُ جبير: السَّيِّد الذي يطيع ربَّه ولا يعصيه (^٤).
وقيل: السَّيِّد الحَسَن الخلق.
وقيل: الفقيه العامل بعلمه.
_________________
(١) رواه الطبري (٥/ ٣٧٢)، ومعنى السجود هنا: الخضوع والتعظيم، كما ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/ ٢٤٢).
(٢) في (ف): "السيد الحكيم" وفي (ر): "الكريم الحكيم".
(٣) روى هذه الأقوال الطبري (٥/ ٣٧٤ - ٣٧٦).
(٤) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٨) (ط: دار التفسير).
[ ٤ / ٢٨ ]
قال نجم الدين: وعندي هو الأصوب، فإنَّ عمر بنَ عبد العزيز قال للحسن البصريِّ: شَرُفْتَ في الدُّنيا بعلمك، فاعمل به تَشرُف بالآخرة (^١).
وقال عمر: أبو بكر سيِّدُنا وأَعتقَ بلالًا سيِّدَنا (^٢). وأراد به الصلاحَ واحتمالَ الشدائد في اللَّه.
وقيل: هو المالكُ لنفسه.
وقال الخليلُ: ﴿وَسَيِّدًا﴾؛ أي: مطاعًا بعزِّ الطاعة؛ لأنَّ السِّيادة (^٣) لمَن له الطاعة، وقال (^٤) اللَّه تعالى في بعض الكتب: مَن أطاعني أطاعهُ خلقي.
وقال أحمد بنُ عاصم: السَّيِّد: القانع بما يقسم (^٥) له.
وقال الثوري: السَّيِّد الذي لا يَحسد.
وقال أبو بكر الورّاق: هو الراضي بقضاء اللَّه تعالى.
وقال محمد بنُ عليٍّ الترمذيُّ: هو المتوكِّل على اللَّه.
وقال أبو يزيد (^٦): هو الذي عظمت همَّته أنْ تخطر الدنيا بقلبه (^٧).
وقيل: هو الذي تحرَّز (^٨) عن رقِّ الكونين، وتحقَّق بعبادة المكوِّن.
_________________
(١) من قوله: "وقال نجم الدين" إلى هنا من (أ).
(٢) رواه البخاري (٣٧٥٤).
(٣) في (أ): "الرياسة".
(٤) في (أ): "قال".
(٥) في (أ): "قسم".
(٦) في (ر): "زيد"، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب، وهو البسطامي كما صرح بذلك الثعلبي.
(٧) ذكر هذه الأقوال جميعًا الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٦٣ - ٦٤).
(٨) في (ف): "تحرر".
[ ٤ / ٢٩ ]
وقال محمد بنُ عليِّ الباقرُ: السَّيِّد مَن استوت أحواله عند المنع والإعطاء (^١).
وقال النبيُّ -ﷺ-: "سادةُ الناس في الدنيا الأسخياءُ، وفي الآخرة الأتقياء" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَحَصُورًا﴾: أي: ممتنعًا مِن النساء مع القدرة عليهنَّ، والحَصَرُ: الحبسُ والمنعُ، وهو فعولٌ بمعنى الفاعل.
وقيل: هو الممتنع عن كلِّ المعاصي.
وقيل: هو المتبتِّل الذي حصر نفسَه عن كلِّ لذَّةٍ في الدنيا.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أي: معتَقًا مِن الشهوات، مَكفيًّا أحكامَ البشريَّة مع كونه مِن البشر.
قال: وقيل: أي: متوقِّيًا عن المطالبات تعزُّزًا وتقربًا (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَنَبِيًّا﴾: أي: يُوحى إليه إذا بلغ مبلغَه، وهي (^٤) مِن النَّبْوة؛ وهي (^٥): الرِّفعة، وإذا هُمز فمِن النبأ، وهو الخبر؛ أي: هو مخبِرٌ عن (^٦) اللَّهِ تعالى، والنبيُّ: الطريق الواضح أيضًا لغةٌ، والأنبياءُ طرقٌ إلى اللَّه تعالى، ولذا قيل للنبيِّ -ﷺ-: إمامٌ، والإمامُ: الطريقُ الواضحُ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير السلمي" (١/ ٩٩).
(٢) رواه البيهقي في "الشعب" (١٠٨٩٧) من قول علي بن عبد اللَّه بن عباس.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٤١). ووقعت آخر كلمتين في (أ): "تعزرًا وتقززًا"، وفي (ر): "تعذرا وتقدرا"، وفي (ف): "تقدرًا وتعززًا". والمثبت من "اللطائف".
(٤) في (ر) و(ف): "هو".
(٥) في (ر): "أي".
(٦) في (ر) و(ف): "من".
[ ٤ / ٣٠ ]
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: مِن الآباء الصالحين (^١)، والصَّلاح صفةٌ يَنتظم الخيرَ كلَّه.
وقيل: الصالح: المؤدِّي حقوقَ اللَّه تعالى وحقوقَ الخلق.
وقيل: هو الذي ينتفي عنه الفسادُ بالكلِّيَّة.
وقيل: قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: مِن الأنبياء؛ لأنَّ اللَّهَ ﷻ سمَّاهم به، فقال: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦].
* * *
(٤٠) - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾: (أنى) لمعنيين: كيف، ومِن أين، ولم يكن هذا نفيَ القدرة، بل سؤالُ الجهة أنَّه يكون عن تَبنٍّ أو توالُدٍ (^٢)، ومن امرأتي (^٣) هذه أو مِن غيرها، وعلى بقاء شيبهما أو ردِّهما إلى الشباب.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾: أي: على هذه الحال ومِن هذه المرأة، فإنَّ
_________________
(١) بعدها في (ر): "أي: من الأنبياء لأنَّ اللَّهَ ﷻ سمَّاهم به، فقال: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ". وسيأتي هذا قريبا.
(٢) في (ف): "أنه يكون تبني أي توالد" وفي (ر): "أنه يكون نبي أي بوالد"، والمثبت من (أ)، ويؤيده قول القشيري في "لطائف الإشارات" (١/ ٢٤١): (ويحتمل أنه قال: أنّى يكون هذا: أعلى وجه التبني، أم على وجه التناسل؟).
(٣) في (أ): "امرأته".
[ ٤ / ٣١ ]
وحشةَ الانفراد كانت لكما (^١) جميعًا، فكذلك الاستئناسُ بالولد يكون لكما جميعًا.
وقال القشيريُّ ﵀: يعني: بأيِّ استحقاقٍ منِّي تكون هذه الإجابة لولا فضلُك (^٢).
والغلامُ: الولدُ الذَّكر، والجارية الأنثى، والكِبَرُ: العلوُّ في السِّنِّ مِن باب علم، وقد كَبِرَ يَكبَر كبَرًا فهو كبيرٌ، وأمَّا الكبر في القَدْر فمِن حدِّ: شرُفَ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ وقال تعالى في سورة مريم: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] لأنَّ ما بلَغَك فقد بلَغْتَه، فيضاف الفعلُ إلى كلِّ واحدٍ منهما، وهو كقولك: تلقَّيتُ الحائطَ، وتلقَّاني الحائطُ، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وقولِه تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقالوا: لا يستقيم هذا في قولك: بلغتُ البلدَ، أنْ يقال: بلغني البلدُ؛ لأنَّه يقتضي مقدِّمة قصدٍ وتوجُّهٍ، والشيبُ بمنزلة الطالب له، فهو يأتيه بحدوثه فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾: هي التي لا تلدُ، وقد عَقُرَتْ تَعْقُرُ عُقْرًا وعَقارةً، مِن حدِّ شَرُف، ورجلٌ عاقرٌ أيضًا: وهو الذي لا يولد له ولدٌ، وعُقْرُ كلِّ شيءٍ أصلُه، وسُمِّيت العاقرُ به؛ لانقطاع النَّسل وكونها (^٣) على الأصل.
وقيل: كان (^٤) هو بلغَ تسعًا وتسعين سنةً وامرأته ثمانيًا وتسعين سنةً.
وقيل: كان هو بلغ ثلاثَ مئةِ سنةٍ.
_________________
(١) في (أ): "لهما".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٤١).
(٣) في (أ): "كونها".
(٤) "كان" لم يرد في (ف).
[ ٤ / ٣٢ ]
وقال عطاء: كان دعاؤه قبل بشارته بأربعين سنةً، فلذلك نسيَ ما سأل ربَّه حتى قال ما قال.
وقال سفيان بنُ عيينة: حبس اللَّهُ تعالى عن زكريا ﵇ حاجتَه ستِّين سنةً ثم بشَّره.
وقال الكلبيُّ قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ هذا خطابٌ منه لجبريل ﵇، ومعناه: يا سيِّدي (^١).
وقال عامة المفسرين وهو الصحيح: هذا خطابٌ منه للَّه تعالى ومناجاةٌ معه؛ لأن جبريل ﵊ بشَّره من اللَّه تعالى، فخاطب به اللَّه تعالى؛ أي (^٢): دعا اللَّهَ الولدَ فاستجابَ له؛ فأصلحَ (^٣) له عقرَ امرأتِه فحملَتْ بيحيى، ولم يكن زكريَّا يعرف ذلك، وكان هو الذي يفتح باب المذبَح، ويقرِّب القُربان، ولا يدخلون حتى يأذنَ لهم، فبينما هو قائمٌ ذات يومٍ عند المذبَح يصلِّي والناس ينتظرونه أن يأذنَ لهم، وهو قائمٌ يصلِّي في المحراب، إذا (^٤) هو برجلٍ عليه ثيابٌ بيضٌ، وهو جبريل، فناداه أنَّ اللَّه يبشِّرُك بولدٍ اسمه يحيى.
وهذه الرِّواية تدلُّ على أن البِشارةَ كانت بعدَ العلوق.
وقيل: بل كانت قبلَه؛ فإنه لمَّا سأل الآيةَ قيل له: آيةُ كونه ألَّا تكلِّم الناس ثلاثًا،
_________________
(١) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٢٣٦)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٦٥)، و"البسيط" للواحدي (٥/ ٢٣٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٥).
(٢) "أي": من (أ)، وفي (ف): "و".
(٣) في (ف): "وأصلح".
(٤) في (ف): "إذ".
[ ٤ / ٣٣ ]
فدل ذلك على ما قلنا، ولمَّا تعجَّب فقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أجابه جبريل بما ذكرَ في الآية.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قال هاهنا: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، وذكر في سورة مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، فذكر على التقديم والتأخير، وقال هاهنا: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ وقال هناك: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ [مريم: ١٠]، ونعلم أن القصَّة واحدة، وقد ذُكرَتْ على اختلاف الألفاظ، ولم يكن تكلَّم زكريا بهذا اللِّسان، فدلَّ أنَّه (^١) ليس على الخلق حفظ اللَّفظ، إنَّما عليهم حفظ المعاني المدرجَة فيها (^٢).
قولى تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾؛ أي: هو كما قلْتَ إنَّك قد (^٣) كَبِرتَ وامرأتَك عاقرٌ.
وقيل: أي: على هذه الحالِ يُولَد لك؛ لأنَّ اللَّه تعالى قادرٌ على كلِّ شيءٍ.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: يعني: على وفاق العادة وعلى خلاف العادة؛ لكمالِ قدرتِه، ونفاذ مشيئتِه.
وقيل: معناه: كما بشَّرناك به نعطيكَ إيَّاه.
* * *
(٤١) - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾؛ أي: علامةً أَعرف بها علوقَه متى كان،
_________________
(١) في (ف): "على أنه".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٦٥).
(٣) "قد" من (ر).
[ ٤ / ٣٤ ]
وكان ذلك (^١) ليتعجَّلَ السُّرورَ والغِبطة، وليشتغل بزيادة الشُّكر على هذه الموهبة، وليزيد (^٢) في وظائف العبادة عند ظهور الزِّيادة في النِّعمة.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: يحتمل أنَّ سؤالَ الآية كان لأنَّه خفيَ عليه أن الذي ناداه مَلَكٌ أو غيره؟ وقد يخفى على بعض الأنبياء حالُ بعض الملائكة في بعض الأحوال، كما خفيَ على لوطٍ حتى قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢]، وخفيَ على إبراهيم حتى جاء بعجلٍ حنيذ، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]، فلذلك (^٣) قال ما قال (^٤).
قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾؛ أي: علامةُ حدوثِ الولدِ أنَّك لا تستطيع أن تكلِّم الناس ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليها، من غير خَرَسٍ ولا آفةٍ أخرى (^٥)، فإنه بقي قادرًا على التكلُّمِ بالذِّكر والتَّسبيح، بدليل أنه أُمِرَ بذلك في هذه الآية، ولأنه قال في سورة مريم: ﴿سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]؛ أي: سليمَ الأعضاء، يقول: لا تُمْنَعْ عن خطابي لأنِّي لا أمنع أوليائي عن (^٦) مناجاتي (^٧).
وما قال مقاتلٌ وقتادةُ والرَّبيعُ بن أنس: إنَّ ذلك كان عقوبةً له؛ حيث سألَ الآيةَ بعد البشارةِ (^٨) = فذلك باطلٌ، ولا يليق بحال الأنبياء، ولم يكن سؤالُه جنايةً، ولا
_________________
(١) في (ف): "وذلك" بدل: "وكان ذلك".
(٢) في (ف): "وليزداد".
(٣) في (أ) و(ف): "فكذلك".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٦٥).
(٥) "أخرى" ليس في (ف).
(٦) في (أ): "من".
(٧) انظر: "تفسير القشيري" (١/ ٢٤١).
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٨٦) عن قتادة والربيع.
[ ٤ / ٣٥ ]
منعُه عن الكلام عقوبةً؛ لِمَا قلنا: إنَّ سؤالَه لماذا كان (^١)، ومنعُه عن كلام النَّاس مع شغلِه بذكرِ اللَّهِ تعالى أعظمُ الكرامات وأرفعُ الدَّرجات.
ثم ذَكَر الأيَّام هاهنا واللَّيالي هناك، ولا تنافيَ بينهما؛ لأنَّ ذكرَ أحدهما جمعًا يقتضي دخولَ الأخرى فيها لغةً وعرفًا (^٢).
_________________
(١) قوله: "لماذا كان" من (أ)، وفي (ف): "لما كلم كان"، وسقطت العبارة من (ر).
(٢) كلام المؤلف هذا في الآيتين إنما يصلح للتوفيق بينهما، لكنه لا يتعرض لوجه الحكمة من اختلاف اللفظين مع أن المراد واحد في الآيتين، وقد يكون على هذا النحو قولُ الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٧)، ومتابعيه كالرازي في "تفسيره" (٢١/ ٥١٩)، والبيضاوي في "تفسيره" (٤/ ٦) وغيرهما: دل ذكر الليالي هنا، والأيام في آل عمران، على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن. وقد ذكر الآلوسي في "روح المعاني" (٤/ ١٧٢) من نحو ذلك قولين مرَّض الأول وحقق الآخر فقال: وقيل: الكلام على حذف مضاف؛ أي: ليالي ثلاثة أيام؛ لقوله سبحانه في سورة مريم: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾. ثم قال: والحق أن الآية كانت عدم التكليم ستة أفراد، إلا أنه اقتصر تارة على ذكر ثلاثة أيَّامٍ منها، وأخرى على ثلاث ليال، وجعل ما لم يذكر في كل تبعًا لما ذكر. قلت: وهذا لا يضيف شيئًا إلى ما سبق، فإنه لم يبين لم ذكرت الأيام هنا والليالي في مريم، لكنني وجدت في ذلك تعليلًا حسنًا ذكره أبو جعفر ابن الزبير الغرناطي في كتابه "ملاك التأويل" (١/ ٨٢) حيث قال: في آية آل عمران ذكر الأيام ليناسب قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ إذ الرمز ما يُفهِم المقصودَ دون نطقٍ؛ كالإشارة بالعين وباليد -وقال مجاهد: بالشفتين-، وكيفما كان فإنما يدرَك بالعين، ولما لم يذكر الرمز في آية مريم ذكر فيها الليل. قلت: وهو تأويل حسن، لكن يبقى السؤال: لم ذكر الأيام مع الرمز في آل عمران وذكر الليالي في مريم؟ وقد أجاب عن هذا الآلوسي بجوابين أحدهما معترض والآخر مرجَّح فقال: قيل: وإنما قدم التعبير بالأيام لأن يومَ كلِّ ليلة قبلها في حساب الناس يومئذ، وكونه بعدها إنما هو عند العرب خاصة كما تقدمت الإشارة إليه. قال: واعتُرض بأن آية الليالي متقدمة نزولًا؛ لأن السورة التي هي فيها مكية، والسورة التي =
[ ٤ / ٣٦ ]
والرَّمز هو الإشارة بالشَّفتَين، وقيل: بالحاجبَين، وقيل: بالعينَيْن، وقيل: باليدَيْن، وقيل: بالرَّأس.
_________________
(١) = فيها آية الأيام مدنية. ثم قال: وعليه يكون أول ظهور هذه الآية ليلًا، ويكون اليوم تبعًا للَّيلة التي قبلها على ما يقتضيه حساب العرب، فتدبر فالبحث محتاج إلى تحرير بعد. قلت: وهو كما قال يحتاج إلى تحرير أكثر، فكتاب اللَّه لا تنتهي عجائبه، وما قاله آخرًا من كون الحكمة في ذكر الليالي في مريم للإشارة إلى أن أول ظهور هذه الآية ليلًا هو وجه حسن في التعليل، ويؤيده تعقيبه بقوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ الآية، فإن فيه أن التنفيذ بدأ عقب ذكر الليالي، فيدل على أن بداية تلك الآية كانت من الليل، ولم يرد ذلك في الآية التي ذكرت فيها الأيام. وقد يكون من حكَم الاختلاف بين السياقين أيضًا حكمة لفظية، وهي: أن قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ في مريم أنسب بفواصل الآيات وتناسق الجُمل من ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، هذا مع زيادة الفائدة في قوله: ﴿سَوِيًّا﴾. كما يمكن استنباط فائدة أخرى من ذكر الليالي، وهي أمره ﵇ بقيام تلك الليالي، لأن النائم لا يؤمر بترك تكليم الناس، وإنما يؤمر به اليقظان، واللَّه أعلم. وينتج من كل ما سبق: أن كل واحدة من الآيتين وقعت في مكانها اللائق بها بحسب السياق والفاصلة، وأن ذكر الليالي في مريم لبيان أن أول ظهور هذه الآية كان ليلًا لأنها الأسبق نزولا، وأنهما بمجموعهما تدلان على أن المنع من الكلام مستمر ثلاثة أيام ولياليهن، وأن ذكر الرمز مع الأيام هو الأنسب من ذكره مع الليالي، وأن في سياق آل عمران فائدة السماح له بالرمز بدل الكلام، وفي مريم فائدة أن المنع عن الكلام كان وهو سليم الجوارح سويُّ الخلق ما به خرس ولا بكم، وأنه مأمور مع ذلك بقيام تلك الليالي، وتجع ذلك في آل عمران أمره بالذكر الكثير والتسبيح بالعشي والإبكار، وتبعه في مريم بيان أن ذلك الأمر بالتسبيح شامل له ولقومه، وذلك في قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، كما أن الفاء في قوله: ﴿فَخَرَجَ﴾ تفيد التزام أمر اللَّه سبحانه وتنفيذه على الفور، وكذا قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ حيث أمرهم بذلك بالرمز لا بالكلام تنفيذًا لأمر اللَّه سبحانه.
[ ٤ / ٣٧ ]
وصَرْفُه مِن حدِّ دخل وضرب جميعًا.
ونُصب ﴿رَمْزًا﴾ على الاستثناء (^١)، وصحَّ استثناء الرَّمز مِن الكلام؛ لأنَّه دالٌّ عليه قائمٌ مقامَه، أو لأن ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، وهو استثناءٌ منقطعٌ، وعلى هذا نصبُه على المصدر، فتقديره: ولكن أَرْمزُ رمزًا، أو تَرْمز رمزًا.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾؛ أي: اذكره بلسانك ذكرًا كثيرًا ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾؛ أي: صلِّ بكرةً و(^٢) عشيًّا.
وقال مجاهد: العَشِيُّ من زوال الشَّمس إلى أن تغيبَ (^٣).
وقيل: العشيُّ آخرُ النَّهار (^٤).
والعِشاءُ: من غروب الشَّمس إلى نصف اللَّيل.
والعَشاء بالفتح: طعام العشيِّ.
والإبكارُ: من وقت طلوع الفجر إلى وقت (^٥) الضحى، ولفظه لفظ المصدر، ووضع اسمًا للو قت، وهو كالبُكْرَةِ، والفعل بَكَّرَ يبكِّرُ تبكيرًا، وبَكَرَ يَبْكُرُ بُكورًا، وأبكرَ يُبْكِرُ إبكارًا، قال (^٦) الشَّاعر:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "بالاستثناء"، بدل: "على الاستثناء".
(٢) في (أ) و(ف): "أي صل عشيا".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٩٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٤٦).
(٤) يأتي العشي بمعنى آخر النهار إذا كان في مقابلة الغدوة أو البكرة أو الضحى ونحوها، والعرب تقول: آتيك العشية أو غداتها، واَتيك الغداة أو عشيتها، فيجعلون معنى الغداة بمعنى أول النهار، والعشية آخر النهار، وكما في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، فمعناها: إلا آخرَ يوم أو أوله. وانظر: "تفسير الطبري" (٢٤/ ١٠١).
(٥) "وقت": من (ف).
(٦) في (ف): "وقال".
[ ٤ / ٣٨ ]
أَلَا بكَرَتْ سَلْمَى وَجَدَّ بُكُورُها (^١)
وقال عمرُ بن أبي ربيعة:
أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ (^٢)
* * *
(٤٢) - ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾، والعامل في ﴿إِذْ﴾ ما مرَّ ثَمَّ.
و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ أريد بها جبريل وحده كما مرَّ في قصة زكريا، وكلامُ جبريل معها لم يكن وحيًا إليها؛ فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (^٣) [الأنبياء: ٧]، ولا نبوَّة في النِّساء في قول أهل الحقِّ، وما وقع لمريم مِن الخوارق (^٤) كان كرامةً لها، وكرامات الأولياء حقٌّ، أو كان معجزةً لزكريَّا، فإنَّها (^٥) كانت في زمانه، أو كانت معجزةً لعيسى قبل خروجِه، كالمعجزات التي كانت لنبيِّنا
_________________
(١) صدر بيت لجرير. انظر: "ديوان جرير" بشرح ابن حبيب (ص: ٨٩٠). وعجزه: وشقَّ العَصا بعدَ اجتماعٍ أميرُها
(٢) انظر: "ديوان عمر بن أبي ربيعة" (ص: ٩١)، وعجزه: غداة غدٍ أم رائحٌ فمهجِّرُ
(٣) في (أ) و(ف): "يوحى".
(٤) قوله: "وما وقع لمريم من الخوارق" من (ر)، ووقع في (أ) بدلًا منه: "لكن"، وسقطت العبارة من (ف).
(٥) في (ر): "بأن"، وفي (ف): "أن".
[ ٤ / ٣٩ ]
المصطفى -ﷺ- قبل مبعثه، كالرَّمي بالشُّهب، وتظليل الغمام، وقصةِ الفيل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾؛ أي: اختارَكِ بالدِّين الحق، وقيل: بحسن القَبول وحسن الإنبات.
قوله تعالى: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾؛ أي: من الحيض والنِّفاس.
قوله تعالى: ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾؛ أي: اختارك بولدٍ من غير أبٍ ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: ويجوز على هذا الوجه أن يكون للعموم، فإنَّ هذا التَّخصيص كان لها على كل النِّساء، وإن أريد بالاصطفاء الثاني هو التفضيل بالمنزلة في الدِّين، فمعناه: على نساء عالَمي زمانها، فعائشةُ وفاطمة ﵄ في فضل الدِّين فوقها.
وقيل: ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾؛ أي: اختصَّكِ لعبادته بالتَّحرير، وفرَّغك عن أمر المعاش والمكسب (^١)، وطهَّرك عن مسِّ الرِّجال، واصطفاك على نساء العالمين بولدٍ يشهد ببراءتك (^٢) وهو في المهد.
وفي "تفسير الحسن": ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾ بأنَّ أُمَّك كما ولدَتْكِ ألقَتْكِ إلى اللَّه تعالى، فكفَّلك زكريا، وآتاك رزقَك من الجنَّة، وطهَّرك بالإيمان، واصطفاك بولدٍ مثل عيسى.
* * *
(٤٣) - ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾: قال سعيد: أي: أخلصي (^٣).
_________________
(١) في (أ): "والكسب".
(٢) في (أ): "شهد على براءتك"، وفي (ف): "يشهد على براءتك".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٩٩).
[ ٤ / ٤٠ ]
وقال الضحاك: أي: أطيعي ربك.
وقال قتادة: أي: أديمي الطَّاعة (^١).
وقال مجاهد: أي: أطيلي القيام، فقامت حتى تورَّمت قدماها (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: قَبل (^٣) القنوت القيامُ، والركوعُ والسُّجود بعدهما (^٤)، فهذا أمرٌ بالصلاة، والواو للجمع لا للتَّرتيب، فجاز ذكر السجود قبل الركوع، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤].
وقيل: السجود: الصلاة، والركوع: الشكر، قال تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤]؛ أي: شاكرًا.
وقيل: الركوع: التذلُّل والتواضع.
وقيل: السجود هو الصلاة، والركوع كذلك، ومعنى التكرار: أن (^٥) قوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾؛ أي: صلي النافلة وحدك، ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: صلي الفرض مع المصلِّين في بيت المقدس جماعةً.
وقيل: ﴿وَاسْجُدِي﴾ أمرٌ بأصل الصلاة، ﴿وَارْكَعِي﴾ أمرٌ بإقامة الجماعة في الصلاة.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٩٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٩٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٤٨).
(٣) في (أ) و(ف): "قيل".
(٤) في (ر): "بعدها".
(٥) في (أ): "أن في".
[ ٤ / ٤١ ]
وقال الإمام الزاهد أبو منصورٍ ﵀: فإن قيل: كيف أُمرَتْ بالركوع مع الراكعين وهي امرأةٌ؟
قال: قيل: كانوا ذوي قرابةٍ منها، ألا ترى أنهم كيف اختصموا في ضمِّها وكفالتها، وزعم كلُّ واحدٍ منهم أنه أحقُّ بذلك.
قال: ويحتمل أنه أراد به: وصلي فيمَن يصلي؛ أي: كُوني من هذه (^١) الطبقة، ولم يُرِدْ به الاجتماع في الصلاة في مكانٍ واحدٍ وزمانٍ واحدٍ (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀ في قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ الآيةَ: أي: لازمي بساط العبادة، وداومي على الطاعة، ولا تقصِّري في استدامة الخدمة، فكما أَفردك (^٣) الحقُّ بمقامك، فكوني في عبادتك أوحَد زمانك (^٤).
* * *
(٤٤) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: هذا الذي ذكرنا من (^٥) قصة حنَّة ومريم وعيسى وزكريا ويحيى من أخبار الغيب، لا يُوقَف عليها إلَّا بمشاهدةٍ، أو قراءةِ كتابٍ (^٦)،. . . . .
_________________
(١) في (أ): "من هؤلاء"، وفي (ف): "في هذه".
(٢) انظر: "تفسير الماتريدي" (٢/ ٣٦٨).
(٣) في (ف): "أوردك".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٤٢).
(٥) في (ف): "في".
(٦) في (ر): "كتب".
[ ٤ / ٤٢ ]
أو تعلُّمٍ من عالمٍ، أو بوحيٍ (^١) من عند اللَّه، وانعدمَت الثلاثة الأُوَل، فتعيَّنت الرابعة، وهو الوحي.
قوله تعالى: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: ننزِّله عليك دلالةً على صحَّة نبوَّتك، وإلزامًا على نصارى بني نجران وغيرهم فيما يحاجُّونك.
والوحي في القرآن لِمعانٍ:
للإرسال إلى الأنبياء: قال تعالى: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩].
ولإنزال القرآن: قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ [الأنعام: ١٩].
وللإلهام: قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
ولإلقاء المعنى المراد: قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، وقال الشاعر:
أوحى لها القَرارَ فاستقرَّتِ (^٢)
وللإشارة: قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١].
وللوسوسة: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وأصلُ ذلك كلِّه: الإعلامُ في خفاءٍ (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ
_________________
(١) في (أ): "يوحى".
(٢) البيت للعجَّاج. انظر: "ديوان العجاج" (ص: ٢٦٦)، وبعده: وَشَدَّهَا بِالرَّاسِيَاتِ الثُّبَّتِ
(٣) في (ر): "حقنا".
[ ٤ / ٤٣ ]
لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: أُضمر فيه: لينظروا أيُّهم يكفل مريم، وقد بيَّنا عند قوله ﷿: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] قصَّة إلقاء الأقلام (^١).
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ خطابٌ لمحمدٍ -ﷺ-، وقال ابن عباسٍ ﵄: ولو كنْتَ حاضرًا لم يكفُلْها إلَّا أنت؛ لأنَّها زوجتك في الجنَّة (^٢).
وقيل: وما كنت حاضرًا، ولكن ذكرُها لك منَّا الآن خيرٌ لك من حضرتك حينئذٍ.
ثم للآية وجهان:
أحدهما ظاهرٌ وعليه الأكثر: أنهم تشاحُّوا فيها، فكلٌّ (^٣) يرغبُ في كفالتها.
والآخر غامضٌ (^٤)، وقد (^٥) ذكر في بعض التفاسير أنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان يروم بالقُرعة دفعَ ذلك عن نفسِه؛ فإنَّه كان في زمان عزَّة الطعام.
فعلى الأول: هذا تعجيبٌ من اللَّه تعالى مِن حرصِهم على كفالتها لفضلها.
وعلى الثاني: تعجيب مِن تدافُعهم لكفالتها مع فضلِها، حتى وَفَّقَ لها ورزقها أفضل الكفلاء.
_________________
(١) في (ر): "كيفية قصة الإلقاء للأقلام".
(٢) لم أقف عليه. وحديث تزويج النبي -ﷺ- من مريم في الجنة رواه الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٤٥١) من حديث ابن أبي رواد، وفيه محمد بن الحسن بن زبالة، قال الحافظ في "التقريب": كذبوه. ورواه الطبراني أيضًا (٨٠٠٦) من حديث أبي أمامة ﵁، وفيه عبد النور بن عبد اللَّه المسمعي وهو كذاب. ورواه الطبراني أيضًا (٥٤٨٥) من حديث سعد بن جنادة ﵁، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢١٨): فيه من لم أعرفهم.
(٣) في (ر) و(ف): "وكل".
(٤) في (ر): "والآخر ما مضى".
(٥) "وقد" ليس في (ف).
[ ٤ / ٤٤ ]
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أخبره عن صفوة هؤلاء وصنيعهم ليكون على علمٍ من ذلك، أو أخبره ليتأمل بم نالوا الصفوةَ المذكورةَ، فيجتهدَ في ذلك (^١).
* * *
(٤٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾؛ أي: واذكر يا محمد إذ قال جبريل -ووَجْهه ما مرَّ-: ﴿يَامَرْيَمُ﴾ (^٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾: قال ابن عباسٍ ﵄: إن مريم ﵂ كانت في مَشرقةٍ (^٣) لها قد ضَربت دونها سترًا، إذا هي برجلٍ عليه ثيابٌ بيضٌ -وهو جبريل- تمثَّل لها بشرًا سويًّا، فلمَّا رأته قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (^٤)، ثم نفخ في جيب درعها، حتى وصلَت النَّفخة إلى الرَّحم فاشتملَتْ.
وقال وهبٌ: وكان معها ذو قرابةٍ لها يقال له: يوسف النَّجار، وكانت مريم ويوسف يخدمان المسجد، وكان أوَّلُ مَن أنكرَ حملَ مريمَ يوسفُ هذا، فاستعظمَ ذلك، فإذا أرادَ أن يتَّهمها ذكرَ صلاحَها، وإذا أراد أن يُبرِّئَها رأى ما ظهرَ عليها، فكانَ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٦٩). وقد ذكر الماتريدي وجهًا ثالثًا، وهو دلالة إثبات رسالته، لأنه أخبر عما كان دون أن يعلمه أحد من البشر، فدل أنه إنما علم ذلك من اللَّه تعالى.
(٢) "يا مريم": من (أ) و(ف).
(٣) في (ر) و(ف): "مشرفة"، والمثبت من (أ)، وهو الصواب. والمَشرقةُ -مثلثة الراء-: محل شروق الشمس والقعود فيه شتاء. انظر: "حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي" (٦/ ١٤٨).
(٤) ذكره مفرقًا عن ابن عباس ﵄ الواحدي في "البسيط" (١٤/ ٢١٢ - ٢١٤).
[ ٤ / ٤٥ ]
أولَ ما كلَّمها أن قال لها: قد حكَّ في صدري شيءٌ أردْتُ كتمانَه فغلبني ذلك، فرأيْتُ الكلامَ أشفى لصدري. قالت: قلْ. قال: فحدثيني؛ هل ينبت الزرع من غير بذر؟ قالت: نعم. قال: فهل ينبت شجرٌ من غير أصلٍ؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولدٌ من غير ذكَرٍ؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن اللَّه تعالى أنبتَ الزَّرع يومَ خلقَه من غير بذر؟ والبذرُ يومئذٍ إنما صار من الزَّرع الذي أنبتَ اللَّه من غير بذر؟ ألم (^١) تعلم أن اللَّه خلق آدم وحواءَ من غير أنثى ولا ذكر؟ فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيءٌ أكرمها اللَّه تعالى به (^٢).
قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: بولدٍ يخلقُه من غير أبٍ، يقول له: كن فيكون.
وقيل: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: يهدي به إلى الحقِّ كما يهدي بكلامه.
وقيل: كان اللَّه تعالى وعدَ (^٣) في كتبه السَّابقة أن (^٤) يبعث عيسى نبيًّا، فلمَّا خلقه وبعثه قال: هذا كلمتي؛ أي: ما كنْتُ وعدْتُ به.
وقيل: معنى قوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: ببشرى، وهو (^٥) ولدٌ يولد لك، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]؛ أي: رسالته التي أخبر بها مريم، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩].
_________________
(١) في (ر): "أولم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٩٤).
(٣) في (ر) و(ف): "وعد نبيه".
(٤) في (ف): "أنه".
(٥) في (ف): "تبشري وهي".
[ ٤ / ٤٦ ]
والإلقاءُ: الإخبارُ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (^١) [المزمل: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٦].
وقيل: الكلمةُ: الأمرُ العظيمُ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ أي: أمورٍ عظيمةٍ شاقةٍ، مِن الأمرِ بذبح الولد، والإلقاء في النَّار، والأمرِ بالهجرة، وغيرِها، وكانَ خَلْقُ عيسى ﵇ أمرًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠].
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ هذه إضافةُ كرامةٍ، كخليلِ اللَّه، وكليم اللَّه، ونجيِّ اللَّه، وذبيحِ اللَّه، وبيوتِ اللَّه، وللدِّين: نور اللَّه، وللفرائض: حدود اللَّه، ليس في شيءٍ من ذلك توهُّمُ شيءٍ يزيل معنى الخِلْقة فيوجب معنى الرُّبوبيَّة، بل هو لتخصيصه في الفضل على أشكاله، وكذلك قوله: ﴿مِنْهُ﴾، وهو كقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وليس ذلك على ما توهَّمه النَّصارى (^٢).
قوله تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: قيل: المسيح لقب، والاسم عيسى، وبدئ باللَّقب كما يقال: جاء الشيخُ فلانٌ، والقاضي فلانٌ، والفقيهُ فلانٌ. وهذا على وجه التَّعظيم، ولأنه عُرِفَ بهذا في التوراة وما قبلها من الكتب، فاستقام على هذا قوله: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾؛ لأن الَّلقب إذا عُرِفَ صار كالاسم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١].
وقال ﵊: "لي خمسةُ أسماءٍ: محمَّدٌ، وأحمدُ، والماحي، والحاشرُ، والعاقب" (^٣).
_________________
(١) "قولًا ثقيلًا" ليس في (ف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل اللَّه" (٢/ ٣٦٤).
(٣) رواه البخاري (٣٥٣٢)، ومسلم (٢٣٥٤) من حديث جبير بن مطعم ﵁. ومعنى =
[ ٤ / ٤٧ ]
وفي معنى (المسيح) أقاويل:
قيل: هو الذَّاهب في الأرض، من قولك: مسحتُ الأرض؛ أي: قطعتُها، ومسَحها القسَّام؛ أي: قدَّرها، وهو فعيلٌ بمعنى الفاعل، كالرَّحيم بمعنى الرَّاحم.
وقيل: هو الذي كان يمسح المرضى فيَبْرؤون. قاله ابن عبَّاسٍ ﵄ (^١).
وقيل: لأنه مُسح من الأقذار وطهِّر، وهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، كالصَّريع والأسير.
وقيل: كان ممسوحَ القدم؛ أي: لم يكن له أخمص، وهو ما يتجافى عن الأرض من باطن القدم.
وقيل: كان ممسوحًا بدهنٍ طاهرٍ مباركٍ، يُمسَح به (^٢) الأنبياء.
وقال إبراهيم النَّخعي: المسيح هو الصِّدِّيق (^٣).
وقال سعيد بن عبد العزيز: هو الممسوح بالبركة (^٤).
_________________
(١) = (العاقب): الذي ليس بعده نبيٌّ.
(٢) ذكره السمعاني في "تفسيره" (١/ ٣١٩)، والواحدي في "البسيط" (٥/ ٢٥٥)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٢٨٢).
(٣) بعدها في (ر): "جمع".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٠٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٠٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٥١).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤١٠).
[ ٤ / ٤٨ ]
وقيل: المسيحُ: الجميلُ، والمسيخُ بالخاء: القبيحُ، وفي الخبر: "على وجهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ" (^١)، وهي (^٢) الجمال.
وقيل: المسيحُ: فعيلٌ من السِّياحة؛ أي: كان يسيحُ في الأرض ولا يبيت (^٣) في مكانٍ.
قوله تعالى: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قد ذكرنا أنه خبرُ قولِه: ﴿اسْمُهُ﴾، وإنْ جُعِلَ ﴿الْمَسِيحُ﴾ خبرَه، فهذا بدلٌ عنه.
وقيل: إن كثيرًا من المنتحلين قبل خروج نبيِّنا محمَّد -ﷺ- تنبَّؤوا باسم المسيح، فردَّ ذلك بقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أنه له على الخصوص، لا لكلِّ مُسمًّى باسم المسيح.
قوله تعالى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: نصبٌ على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ بعد معرفةٍ.
وقد وَجُهَ يَوْجُهُ وَجاهةً، فهو وجيةٌ، من حدِّ شَرُفَ؛ أي: صار ذا جاهٍ ومنزلةٍ وقَدْرٍ.
والجاهُ أصله: الوجاه، حذفت الواو منه تخفيفًا لكثرة الاستعمال.
وجاهُهُ في الدُّنيا: ما قال في صغرِه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠] الآية، كما قال في حقِّ موسى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، ومن الجاه أنَّه كان يستجيبُ دعاءَه، ويعطيه سؤله (^٤)، ويُجري على يديه ما يقتضي تعظيمَه.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١٩١٨٠)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٢٥٠)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٨٢٤٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٧٩٧)، من حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁. ولفظ البخاري: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يدخل من هذا الباب رجل من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك"، فدخل جرير.
(٢) في (ر) و(ف): "وهو في".
(٣) في (أ) و(ف): "يثبت".
(٤) في (أ): "سؤاله".
[ ٤ / ٤٩ ]
وفي الآخرة بأن يُشفِّعه في جملةِ مَن يُشفِّعه من الأنبياء، ويدخلَه الجنة مع المرسلين.
وقال الحسن: وجيهًا في الدنيا بالنبوَّة، وفي الآخرة بالمنزلة (^١).
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: أي: بالمنزلة العُليا من الثَّواب والكرامة في الآخرة؛ فإنَّه ذكرَ الأزواجَ الثلاثةَ: أصحابُ الميمنة، وأصحابُ المشأمة، والسَّابقون، وأشراف أصحاب الميمنة السابقون، وهم المقرَّبون، وعيسى منهم، وقيل: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١] (^٢).
* * *
(٤٦) - ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾: تقديرُه: ومكلِّمًا، عطفًا على ﴿وَجِيهًا﴾ ولذلك قال بعده: ﴿وَكَهْلًا﴾.
ويجوز أن يكون ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفًا على الذي في الظَّرف، وهو قوله تعالى: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾؛ أي: حال كونه في المهد طفلًا وحال صيرورته كهلًا، وإنما جاز بصيغة الفعل على إرادة الاسم لأنه للحال، وكلُّ واحدٍ منهما يدلُّ عليه، يقال: دخل فلان عليَّ يتبسَّم، و: دخل عليَّ متبسِّمًا.
والمهدُ: مَضجَعُ الصبيِّ في الرَّضاعة (^٣)، وهو من التَّمهيد له، معناه: أنه يتكلَّم
_________________
(١) قول الحسن في "تفسير الرازي" (٨/ ٢٢٣)، وذكر غيره عن الحسن قوله في معنى ﴿وَجِيهًا﴾: أي: مستجاب الدعوة. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (١٠/ ٣١٥٨)، و"النكت والعيون" (٤/ ٤٢٧)، و"البسيط" للواحدي (١٨/ ٣٠٠).
(٢) "وقيل ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ": من (أ).
(٣) في (أ): "رضاعه".
[ ٤ / ٥٠ ]
في طفوليَّته في حِجرِ أمِّه شاهدًا على طهارتها وبراءتها؛ كرامةً لها، أو (^١) معجزةً لعيسى، فإنه ناقضٌ للعادة، إذ ليس حالُه النُّطق عادةً، وهو ما ذُكر في سورة مريم، قال (^٢): ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾؛ أي: حال كهوليَّةٍ، وهي ما بين الشباب والشَّيب، من قولهم: اكتهلَ النَّبْتُ: إذا طالَ (^٣) وقويَ.
وقيل: حدُّها بلوغ أربع وثلاثين سنةً.
فإن قالوا: أيُّ أعجوبةٍ في تكلُّمه كهلًا؟ وإنما (^٤) ذكر تكلُّمَه في الطفولية أعجوبةً.
قلنا: قيل: معناه: يكلِّمُهم في المهد تبرئةً للأمِّ بطريق الكرامَة، ويكلِّمُهم بعد الكهولة داعيًا إلى اللَّه بالوحي والرِّسالة.
وقيل: أي: يَبتدئُ الدَّعوة إلى اللَّه من حين كان طفلًا إلى أن يصير كهلًا. وهي بشارةٌ للأم بعيشه وبقائه، فكانت معجزةً في ضمن معجزةٍ.
وقيل: معناه: إنَّ كلامَه في طفوليَّته ككلامِه في كهوليَّته (^٥)؛ لذكائِه وعقلِه في حالَتَيْهِ.
وقيل: ﴿وَكَهْلًا﴾ بعد نزوله من السَّماء لقتل الدَّجال.
_________________
(١) في (ف): "و".
(٢) في (ر): "ثم قال".
(٣) في (أ): "أي طال".
(٤) في (ر): "فإنما".
(٥) في (أ): "كهولته".
[ ٤ / ٥١ ]
وسئل الحسين بن الفضل: هل في القرآن دلالةُ نزول عيسى من السَّماء؟ فقال: نعم، واستدل بهذا، وقال: كان (^١) رفعُه إلى السماء قبل أن يصير كهلًا (^٢).
وقيل: معناه: يتكلَّم (^٣) في حِجرِ أمِّه مرَّةً ببراءةِ أمِّه، ثم يعود إلى حال سائر الأطفال إلى أن يصيرَ كهلًا، فيُوحَى إليه فيتكلَّم (^٤) بالوحي.
وقيل: الإنسان يكون صبيًّا (^٥) سبع عشرة سنةً، ثم شابًا سبع عشرة سنةً، ثم يكتهِل (^٦) بعد أربعٍ وثلاثين سنةً، وكان رفعُ عيسى ﵇ إلى السماء قبل ذلك، وهو حين كان ابنَ ثلاثٍ وثلاثين سنة وأشهرٍ، وكان ابتداءُ دعوته لثلاثين سنةً.
قوله تعالى ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: من أفاضل الأنبياء.
وقيل: من الأتقياء، وقد قال في سورة مريم: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣].
* * *
(٤٧) - ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾؛ أي: من أيِّ وجهٍ (^٧) يكون مع أنَّ بشرًا لم يمسَّني، والمعتاد ذلك.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فاستدل بهذا قال وكان".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٦٩)، والواحدي في "البسيط" (٥/ ٢٦٣).
(٣) في (أ): "تكلم".
(٤) في (أ): "فيكلم".
(٥) في (أ): "حدثًا".
(٦) في (أ) و(ر): "يكهل".
(٧) في (أ): "جهة".
[ ٤ / ٥٢ ]
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ (^١)؛ أي: قال جبريل بأمرِ اللَّه: كذلكَ المعتاد، لكنَّ اللَّه تعالى يخلق على خلاف المعتاد ما أرادَ، وهو قادرٌ على ذلك.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٢) وقد خلقَ آدمَ وحوَّاء من غير أبٍ ولا أمٍّ، وخلق كلَّ شيءٍ من غير شيء.
قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: إذا قدَّر تخليقَ ولدٍ من غير أبٍ كوَّنه من غير تأخيرٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾ رفعٌ لا غير، ولا يجوز نصبه؛ لأنَّه ليس بخبرِ ﴿كُنْ﴾، بل هو عطفٌ على قوله: ﴿يَقُولُ﴾، وهذا بخلافِ قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، النَّصبُ هناك لِمَا أنَّه عطفٌ على ﴿أَنْ نَقُولَ﴾.
* * *
(٤٨) - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (^٣): قرأ نافع وعاصم بياء المغايبة عطفًا على قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والباقون بالنون (^٤)، إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسِه أنه يفعلُ ذلك، عطفًا على قوله تعالى: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾.
و﴿الْكِتَابَ﴾ في قول الكلبيِّ: هو كتب الأنبياء المتقدِّمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، و﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: الفقهُ (^٥).
_________________
(١) " ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ " من (ف).
(٢) في (أ) و(ر): "قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ".
(٣) في (ر) و(ف): "ونعلمه الكتاب والحكمة"، وهي قراءة كما سيأتي.
(٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٨).
(٥) انظر: "تفسير السمرقندي" (١/ ٢٣٩).
[ ٤ / ٥٣ ]
وقال مقاتل: ﴿الكتابَ﴾ هو هو الكتابة بالقلم (^١)، وكانَ أحسنَ النَّاسِ خطًّا في زمانِه، و﴿الحكمة﴾: بيانُ الحلال والحرام (^٢).
وقيل: ﴿الْكِتَابَ﴾: الخطُّ باليد، و﴿الحكمة﴾: البيانُ باللِّسان.
قوله تعالى: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: معطوفان على ﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ورسولًا إلى بني إسْرائيل﴾: عطفٌ على قوله: ﴿وَجِيهًا﴾.
وقيل: نصبُه بإضمار فعل، وهو قوله: ويجعله رسولًا.
وقال الزجَّاج: تقديره: ويكلِّم الناس في المهد وكهلًا ورسولًا (^٣).
قوله تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قرأ نافع بكسر الهمزة من ﴿أَنِّي﴾ على حكاية مخاطبته إيَّاهم وإضمارِ القول، وقرأ الباقون بالنَّصب على إرادة الباء (^٤)، ووقوع الرِّسالة عليه على تقدير: رسولًا بأني.
وكان في الكتب المتقدِّمة أن اللَّه تعالى يُنزِلُ على عيسى ﵇ الإنجيلَ، وكان معروفًا عندهم بهذا الاسم قبل إنزاله، وعرفَتْه مريم، فلذلك بشَّرها جبريل أن اللَّه تعالى يعلِّمه التَّوراة والإنجيل، وكان معلِّمُه لا يعلِّمُه شيئًا إلَّا بدرَه إليه.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٥٣) عن ابن عباس ﵄، وقال: وروي عن يحيى بن أبي كثير ومقاتل وعثمان بن عطاء مثل ذلك.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٢٦) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١].
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤١٣).
(٤) كذا قال المصنف ﵀، وهو وهم منه، فإن الخلاف بين نافع وباقي العشرة إنما هو في قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾، أما قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ فقد اتفق العشرة على فتح همزة ﴿أَنِّي﴾. انظر: "السبعة" (ص: ٢٠٦)، و"التيسي" للداني (ص: ٨٨)، و"النشر" (٢/ ٢٤٠).
[ ٤ / ٥٤ ]
قال سعيد بن جبير: لَمَّا ترعرعَ عيسى جاءت به أمُّه إلى الكُتَّاب، فقال له المعلِّم: قل: بسم، فقال عيسى: اللَّه، فقال له المعلم: قل: الرَّحمن، فقال عيسى: الرَّحيم، فقال المعلم: قل: أبجد، فقال عيسى: أتدري ما الألف؟ قال: لا، قال: الألف آلاء اللَّه، والباء بهاء (^١) اللَّه، والجيم جلال اللَّه، والدال دوام اللَّه. فقالَ المعلم: كيف أُعلِّم مَن هو أعلمُ منِّي، قالت مريمُ: فدعْهُ حتى يقعد مع الصِّبيان، وكان يخبرُ الصِّبيان بما أكلوا وبما خُبِّئ لهم (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: علامةٍ بيِّنة، وهي ما ذكرَ بعدَه من خلقِ الطَّيرِ من الطِّينِ.
وقيل: ينصرفُ إلى كلِّ ما ذكرَ بعدَه من المعجزات، وأراد بالآيةِ: الآيات، على هذا التَّأويل، ولكنَّه وحَّده (^٣) لأنه أراد به الجنس، ولأن هذه الآيات كلها تدل على معنًى واحد، فكانت كأنها واحدةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، بخلافِ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]؛ لأن كل واحدٍ منهما يدل على معنًى آخر.
قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾؛ أي: أقدِّر لأَجْلكم (^٤)، قال الشاعر:
وَلأَنْتَ تَفْري ما خلقْتَ وبَعْـ ضُ القومِ يخلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي (^٥)
ولا يجوز حمله على التخليق من جهةِ عيسى، الذي هو الإيجاد والاختراع؛
_________________
(١) في (ر): "بقاء"، والمثبت هو الموافق لمصدر التخريج.
(٢) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (٢٧٧)، وصحح إسناده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ١٩٩).
(٣) في (أ): "لكنه وحدها"، بدل: "ولكنه وحده".
(٤) في (ر): "أجلكم"، وفي (ف): "لكم".
(٥) البيت لزهير بن أبي سلمى. انظر: "ديوانه - بشرح الشنتمري" (ص: ٦٣).
[ ٤ / ٥٥ ]
فإنه لا يجوز هذا إلَّا من اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، فأمَّا قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فمعناه: أحسنُ المقدِّرين، على ما قلنا.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الطِّينِ﴾: هو مجموعُ الماءِ والتُّرابِ.
قوله تعالى: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾؛ أي: كصورةِ الطَّائر، والطَّير للواحد هاهنا، ولذلك قال: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ على التذكير، وقال في (سورة المائدة): ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠]، وذلك يرجع إلى الهيئة.
وقيل: ﴿فِيهِ﴾ يرجع إلى الطِّين.
قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قرأ نافع: ﴿طائرًا﴾ (^١)؛ أي: يطير، وقرأ الباقون: ﴿طَيْرًا﴾؛ أي: يصير طيرًا بإذن اللَّه؛ أي: يقلِبُ اللَّهُ جسمَه الذي كان طينًا فيجعلُه لحمًا ودمًا، ويخلق فيه الحياة.
قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بتكوينِ اللَّهِ إيَّاه بلا علاجٍ؛ كقوله (^٢) تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ أي: يخلق (^٣) اللَّه فيه الموت.
وقال الضحَّاك ومقاتل: هو الخفَّاش (^٤).
وقيل: فيه أعاجيب؛ يبكي ويضحك (^٥)، ويحمل ويلد ويُرضع، ويطير من غيرِ
_________________
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٨).
(٢) في (ر): "لقوله".
(٣) في (أ): "أي بخلق"، وفي (ف): "أي إلا يخلق".
(٤) رواه الطري في "تفسيره" (٥/ ٤٢٠)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٠٧) عن ابن جريج. وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٢٨٤) عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري ﵃.
(٥) في (أ): "هو يضحك ويبكي"، بدل: "يبكي ويضحك".
[ ٤ / ٥٦ ]
ريشٍ، وله سنٌّ، ولا (^١) يبصرُ في ظلمة اللَّيل ولا في ضوء النَّهار (^٢)، ويبصرُ فيما بين ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾؛ أي: أُصِحُّ.
وقد بَرَأَ العليل يَبْرَأُ بُرْءًا -بضم باء المصدر- من باب صَنَعَ؛ أي: صحَّ من علَّته.
وبرأَ اللَّهُ الخلقَ برءةً -بفتح باء المصدر- من باب صنع أيضًا؛ أي: خَلَق.
وبَرِئَ من الدَّين براءةً، من باب علم؛ أي: سقط عنه.
وبَرِئَ منه براءةً؛ أي: تبرَّأ كذلك أيضًا.
والأكمَهُ: الذي وُلِدَ أعمى.
قوله تعالى ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾: أي: الذي به بَرَصٌ، وهو بياضٌ الجلدِ، ولا يزول بالعلاج.
قوله تعالى: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: أدعو اللَّه فيُحيي الموتى بدعائي، وهو من صنعِ اللَّهِ تعالى، وذكر ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيما لا يدخل في قدرة العباد؛ إثباتًا ذلك صفةً للَّه تعالى ونفيًا عن نفسه.
قال الحسينُ بنُ الفضلِ: علم أنَّه يُعبَد ويُتَّخَذُ إلهًا، فنفى عن نفسه الإلهيَّة؛ قطعًا لِحُججِهم عندَ اللَّه تعالى.
وقال الكلبيُّ: كان يحيي الميت باسم اللَّه الأعظم: يا حيُّ يا قيُّومُ (^٣).
_________________
(١) "لا" ليس في (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "بياض النهار". ووقعت العبارة في (ف) هكذا: "ويبصر في ظلمة الليل لا في بياض النهار"، وهو خطأ، بدليل قوله بعده: "ويبصر فيما بين ذلك". وهو موافق لما ذكره القرطبي وأبو حيان وإسماعيل حقي والآلوسي في تفاسيرهم حيث قالوا: ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين: ساعة بعد غروب الشمس، وساعة بعد طلوع الفجر قبل أن يُسفر جدًّا.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٧٣)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٥/ ٢٧٣).
[ ٤ / ٥٧ ]
وقال الضحَّاك: كان يقول: يا حيُّ يا قيُّوم، يا محيي الأموات.
وقال كعب: كان يصلي ركعتين، يقرأ في الأولى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ﴾ السَّجدة، وفي الثانية: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ثم يمدح ربَّه، ويدعوه (^١) بسبعة أسماءٍ: يا حيُّ، يا قيُّوم، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد (^٢).
وقال الكلبي: لم يُحيِ عيسى إلَّا أربعةَ نفر: سامَ بن نوحٍ، والعازَرَ، وابنة العاشر (^٣)، وابن العجوز؛ مُرَّ به وقد حُمل على سرير الموتى على أعناق الرِّجال، فدعا اللَّه له، فجلسَ على سريره، ونزل، ولبس ثيابه، وحملَ السَّرير على عنقِه، ورجع إلى أهله، وبقي ووُلِدَ له.
وكذا العازَر وابنة العاشر عاشا ووُلِد لهما.
وأمَّا (^٤) سامُ بن نوحٍ، فإنَّه دعا ربَّه باسم اللَّه الأعظم، فخرج من القبر وقد شابَ
_________________
(١) في (ف): "ويدعوا"، وليست في (ر).
(٢) روى نحوه البيهقي في "الأسماء والصفات" (١٦١) عن محمد بن طلحة عن رجل. وقال: ليس هذا بالقوي. وروى نحوه ابن أبي حاتم في، "تفسيره" (٤/ ١٢٤١) من طريق محمد بن طلحة بن مصرف عن أبي بشر عن أبي الهذيل قوله. وقال ابن كثير في "تفسيره" عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ [المائدة: ١١٠]: هذا أثر عجيب جدًّا.
(٣) في النسخ: "وابن العاشر"، والمثبت من المصادر. انظر: "تفسير الثعلبي" (٨/ ٣٣٧) (ط: دار التفسير)، و"تفسير السمعاني" (١/ ٣٢١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٠)، و"تفسير القرطبي" (٥/ ١٤٥)، و"تفسير الخازن" (١/ ٢٤٧)، و"تفسير الجلالين" (ص: ٧٣)، و"روح المعاني" (٤/ ٢١٣)، وغيرها. وقد ذكر أكثرهم أن ابنة العاشر كان أبوها رجلًا يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس، فدعا اللَّه تعالى فأحياها، وبقيت زمانًا وولد لها.
(٤) في (أ): "فأما".
[ ٤ / ٥٨ ]
نصفُ رأسِه، وقال: قد قامَتِ القيامة؟ قال: لا، ولكن دعوْتُ اللَّهَ باسم اللَّه الأعظم، ولم يكونوا يشيبون في زمن نوحٍ ﵇، فشهد لعيسى بنبوَّته، وكان عاش خمسَ مئة عام، ومات وهو غلامٌ شابٌّ، فحَيِيَ، ثم عاد ميتًا (^١).
قوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾؛ أي: وأُخبركم بما تغدَّيتم به وما تعشَّيتم، وما خبَّأتم لغدٍ من طعامٍ.
وقد ذَخَرَ شيئًا يَذْخَرُهُ ذُخْرًا من باب صنعَ؛ أي: خبأه لحاجةِ نفعٍ، والذَّخيرةُ اسمٌ لذلك، و﴿تَدَّخِرُونَ﴾ تَفْتعِلون منه، وأصله: تَذْتَخِرون، فاستثقلوا التَّاء مع الذَّال فأبدلوا التَّاء دالًا، ثم أدغموها في الذَّال، فصارتا دالًا مشددةً (^٢).
قال الشَّعبي: وكان عيسى ﵇ يقول في الكُتَّاب للغلام: إنَّ أهلَكَ خبَّؤوا لك كذا من الطَّعام.
وقال سعيد بن جبير والسُّدِّي وجماعةٌ كذلك (^٣).
وقال قتادة: إن القوم سألوه المائدة، وكان يُنزَّل عليهم من ثمر الجنَّة، وأمرهم أن لا يخزنوا ولا يخبؤوا لغدٍ، ففعلوا، فأنبأهم بما ادَّخروا، ومسخهم اللَّه تعالى خنازير بما خالفوا (^٤).
_________________
(١) ذكر نحوه السمعاني في "تفسيره" (١/ ٣٢١)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٤٠)، عن ابن عباس ﵄.
(٢) وقع في هذا الموضع خلط كثير في النسخ بين الدال والذال، والمثبت من كتب اللغة والتفسير.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٢٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٠٤) (١/ ٢١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٥٦) عن سعيد بن جبير، ورواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٢٨) عن السُّدِّي.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٠٦)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٢٩)، وابن أبي حاتم في =
[ ٤ / ٥٩ ]
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إنَّ فيما أتيْتُ به مِن المعجزات لَعلامةً لكم على صدق نبوَّتي إن كنتم مصدِّقين؛ أي: إن كنتم مؤمنين باللَّه علمتُم أنَّ له أنْ يرسلَ الرُّسل ويقيمَ الحُجج، فصدِّقوني إذ (^١) أتيْتُ بها.
وقيل: هو خطابٌ لأهل عصر النبيِّ -ﷺ-؛ يعني: إنَّ (^٢) فيما قَصَصْتُ عليكم مِن أمر عيسى لَعبرةً لكم أيُّها اليهود إنْ كنتم مصدِّقين بأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه.
قال مقاتل: إن كنتم مصدِّقين بعيسى أنَّه عبدٌ مرسلٌ (^٣).
* * *
(٥٠) - ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾؛ أي: موافقًا لِمَا (^٤) كان قبلي، ونصبُه على تقدير: وجئتكم بآيةٍ من ربكم وجئتكم مصدِّقًا، وهو كقول القائل: جئتك بما تحبُّ ومُكرِمًا لك، وليس عطفًا على قولِه: ﴿وَجِيهًا﴾، ولا على قوله: ﴿رَسُولًا﴾ (^٥)؛ لأنَّ ذلك خبرٌ من اللَّهِ تعالى، وهذا خبرٌ عن (^٦) عيسى من نفسِه؛ فإنه قال: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾.
_________________
(١) = "تفسيره" (٢/ ٦٥٦). ورواه الترمذي (٣٠٦١) من طريق قتادة عن خلاس بن عمرو عن عمار بين ياسر مرفوعًا، وقال: حديث غريب. ورجح وقفه على عمار.
(٢) في (ر) و(ف): "إذا".
(٣) "إن": من (أ).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٧٧).
(٥) في (ف): "على ما".
(٦) في (ف): "ولا رسولًا"، وفي (ر): "ورسولًا".
(٧) في (أ): "من".
[ ٤ / ٦٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾: الواو لإرادةِ تكرار المجيء؛ أي: وجئتكم لأحِلَّ لكم، أو تقديره: ولأحِلَّ لكم ذلك جئتُكم.
قال قتادة: كان موسى ﵇ حرَّم عليهم لحومَ الإبل والثُّروب (^١)، فورد عيسى بتحليل ذلك (^٢).
وقال مقاتل: أي: بعضَ الذي حُرِّمَ عليكم من اللُّحوم والشُّحوم والسَّمك والطَّير وكلِّ ذي ظُفرٍ (^٣).
وقال عطاء: هو لحم الإبل وشحومُ الضأن (^٤) والمعزِ والبقرِ (^٥).
وقيل: إنَّ أحبار اليهود حرَّموا (^٦) على بني إسرائيل أشياءَ لم يكن اللَّهُ تعالى حرَّمها عليهم، فأمرَ اللَّهُ تعالى عيسى ببيانِ حلِّها.
والمرادُ بالآيةِ: استمالةُ بني إسرائيل في الدَّعوة، بأنَّه إنَّما جاء مصدِّقًا للتَّوراة لا مغيِّرًا لها، ومحلِّلًا أشياء (^٧) حُرِّمَتْ عليهم تخفيفًا عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: أتيتُكُم بِعلامةٍ على صدقِ نبوَّتي، وهي ما مرَّ، وتوحيدها لِمَا مرَّ.
_________________
(١) الثروب: واحدها: ثَرْب، وهو شحم رقيق يغشِّي الكرش والأمعاء. انظر: "القاموس" (مادة: ثرب).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٣١).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٧٧).
(٤) في (ر): "وشحم الغنم".
(٥) لم أقف عليه عن عطاء، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٣٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٥٧)، عن الربيع، وروى نحوه أيضًا الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٣٢)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢١٢) عن ابن جريج.
(٦) في (أ): "حرموا كانوا".
(٧) في (ف): "ومحل لأشياء".
[ ٤ / ٦١ ]
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: اتقوا اللَّهَ في تكذيبي و﴿وَأَطِيعُونِ﴾؛ أي: في تصديقي.
* * *
(٥١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾: أي: فوحِّدوه وأطيعوه.
قوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ أي: الإيمانُ باللَّه ورسله والطَّاعةُ طريقٌ سويٌّ يؤدِّي بصاحبه إلى الجنَّة.
* * *
(٥٢) - ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾: أي: علم، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]؛ أي: تُبصر.
والحسُّ: العلمُ الحاصل بالحاسَّةِ، والحواسُّ الخمس (^١) هي طرقُ علمٍ مخصوص لكلِّ واحدٍ منها، وقوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾؛ أي: تعرَّفوا الخبرَ.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾؛ أي: فلمَّا علمَ عيسى مِن بني إسرائيلَ الكُفْرَ باللَّهِ، وأنَّهم لا يزدادون على رؤية الآياتِ إلَّا إصرارًا على الجُحود.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: الأنصارُ: جمع النَّصير، كالأشراف جمع الشَّريف، والأشهاد جمع الشَّهيد.
وقيل: هو جمع النَّاصر، كالأصحاب جمع الصَّاحب.
_________________
(١) في (أ): "خمس".
[ ٤ / ٦٢ ]
وقيل: الواحد ناصرٌ، والجمع نَصْر، والأنصار جمع الجمع، وكذلك الأشهاد، والفَعْل جمعُ الفاعل له نظيرٌ، كالرَّاكب والرَّكْب، والتَّاجر والتَّجْر.
والنَّاصرُ: المعينُ والمانعُ.
وقولُه: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ له ثلاثةُ أوجهٍ:
قال السُّدِّي وابن جريجٍ: أي: مَن أعواني على هؤلاء الكفَّار مع معونة اللَّه تعالى إيايَ (^١). و﴿إِلَى﴾ بمعنى (مع)، كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، وإنَّما جاز ذلك لأنَّ فيه معنى الضَّمِّ والجمع، فصَلح (إلى) مكان (مع)، وهو (^٢) كما قيل: الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبلٌ (^٣).
وقال الحسنُ: معناه: مَن أنصاري في سلوك السَّبيل إلى اللَّه تعالى (^٤)، وذلك لأنَّه دعاهم إلى سبيل اللَّه تعالى، فيقول: مَن أعواني على إقامة الدِّين المؤدِّي إلى رضا اللَّهِ تعالى وإلى ثوابه.
والثالث: مَن أنصاري للَّه، وكلمة ﴿إِلَى﴾ بمعنى اللَّام، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] (^٥).
قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: هم خواصُّ أصحابِه.
وقال الأزهري: هم خُلْصانُ الأنبياء، وسُمُّوا به لأنهم حُوِّروا؛ أي: نُقُّوا مِن كلِّ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٣٧)، وانظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٧٥).
(٢) "وهو" ليس في (أ).
(٣) الذود إلى الذود إبل: يُرَاد به أن القليل إذا جمع إلى القليل كثر، والذود ما بين الثَّلاث إلى العشر من إناث الإبل، ويجمع أذوادًا. انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري (١/ ٤٦٢)
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٧٥)، و"تفسير الماوردي" (١/ ٣٩٦).
(٥) انظر: "درج الدرر" لعبد القاهر الجرجاني (٢/ ٤٨٩)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ١٩).
[ ٤ / ٦٣ ]
عيبٍ، والدَّقيقُ الحُوَّارَى: المُنَقَّى، وقال ﵊: "الزُّبيرُ ابنُ عمَّتي، وحواريَّ مِن أمَّتي" (^١)؛ أي: مختصِّي (^٢).
وقيل -وهو قولُ سعيدِ بن جبير-: سُمُّوا به لبياض ثيابهم (^٣).
وقال الضحَّاك وابن أبي نجيحٍ وأبي أرطاةَ (^٤): كانوا قصَّارِّين مبيِّضين للثِّياب (^٥).
والحَوَرُ: شدَّةُ بياضِ العينِ مع شدَّةِ سوادِها، والنَّعتُ منه: أَحْوَر، والأنثى: حوراء، والجمع: حُورٌ.
ويقال (^٦) لنساءِ الحضر: الحواريَّات؛ لبياض ألوانهنَّ وثيابهنَّ، قال الشَّاعرُ:
فقُلْ للحواريَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرنا ولا يَبْكِنا إلَّا الكلابُ النَّوابح (^٧)
_________________
(١) رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ في "المسند" (١٤٣٧٤) من حديث جابر ﵄، ورواه البخاري (٧٢٦١)، ومسلم (٢٤١٥)، بلفظ: "لكل نبي حواريٌّ وحواريَّ الزبير".
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" (٥/ ١٤٨) ونقله الأزهري عن الزجاج، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ١٦٤)، وقد عزاه الهروي تلميذ الأزهري في "الغربيبن" (مادة: حور)، والنووي في "شرح مسلم" (٢/ ٢٨)، وابن الأثير في "النهاية" (مادة: حور)، والعيني في "عمدة القاري" (١٤/ ١٤١)، إلى الأزهري.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٤٢) عن سعيد بن جبير، وذكره البخاري موقوفًا على ابن عباس ﵄ في (باب مناقب الزبير) عقب الحديث (٣٧١٦)، ووصله الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٢١)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢١٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٥٩)، جميعهم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄.
(٤) في النسخ: "وابن أرطاة"، والمثبت من المصادر وستأتي.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٤٣) من طريق ابن أبي نجيح عن أبي أرطاة، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٤٢) عن الضحاك. وذكره عن أبي أرطاة أيضًا الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٧٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ٤٤٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٢٨٦).
(٦) في (ر) و(ف): "وقيل".
(٧) البيت لأبي جلدة اليشكري، كما في "ديوانه" (ص: ٣٣٧)، و"تفسير الطبري" (٥/ ٤٤٤)، و"معاني =
[ ٤ / ٦٤ ]
وسُمِّيَ أنصارُ كلِّ نبيٍّ: حواريين؛ تشبيهًا بأولئك.
وقيل: كانوا ملوكًا.
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: الحوارُّيون أصفياء عيسى (^١). وكانوا اثني عشر رجلًا (^٢).
وقال الضحَّاكُ: سُمُّوا حواريِّين لصفاءِ قلوبِهم (^٣).
وقال السُّدِّي: كانوا ملَّاحين يصطادون السَّمك، فمرَّ بهم عيسى صلوات اللَّه عليه، فقال لهم: أفلا (^٤) تمشون معي فتصطادوا (^٥) الناس، فآمنوا به واتَّبعوه (^٦).
وقال عبد اللَّه بن المبارَك: سُمُّوا به لأنه (^٧) كان يبينُ عليهم أثرُ العبادة ونورُها وحسنُها؛ قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] (^٨).
_________________
(١) = القرآن" للزجاج (١/ ٤١٨)، و"الحماسة الصغرى" لأبي تمام (ص: ٢٩)، و"الغريبين" للهروي (٢/ ٥٠٨)، و"الممتع في الشعر" للنهشلي (١/ ١٤٦). وعجزه في "الحماسة الصغرى": فقلْ لنساءِ المِصْرِ يَبْكِينَ غيرنا
(٢) ذكره الماتريدي في "تفسيره" (٢/ ٣٨٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٢٨٥)، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٦٠) عن الضحاك قال: الحواريون أصفياء الأنبياء.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٢٢) عن ابن عباس ﵄ ضمن خبر. وذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢١٧) عن الكلبي، والثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٧٧) عن الكلبي وأبي روق، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٤٣) عن الكلبي وعكرمة.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٧٧)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٤٣).
(٥) في (أ): "ألا" بدل: "لهم: أفلا".
(٦) في (ر): "فتصطادون"، وفي (ف): "تصطادون".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٤٣٧ - ٤٤١) ضمن خبر طويل.
(٨) في (ر): "لأنهم".
(٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٧٧)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٤٣).
[ ٤ / ٦٥ ]
وقال عليه الصلاة السلام: "مَنْ كَثُرَتْ صلاتُهُ باللَّيلِ حَسُنَ وجهُهُ بالنَّهارِ" (^١).
وقال عطاء: سلَّمَتْ مريمُ عيسى إلى أعمالٍ شتَّى، فكان آخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصَّارين وصبَّاغين، فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه (^٢)، فاجتمع عنده ثيابٌ، وعرض له سفرٌ، فقال لعيسى: إنك قد تعلَّمْتَ هذه الحرفة، وأنا خارج في سفرٍ لا أرجع إلى عشرة أيَّامٍ، وهذه ثيابٌ مختلفة الألوان، وقد أعلمْتُ على كلِّ واحدٍ منها خيطًا (^٣) على اللَّون الذي يصبغ به، فيجب أن تكون فارغًا منها وقتَ (^٤)
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١٣٣٣) من حديث جابر ﵁، وهو باطل مرفوعًا، والصواب أنه من كلام شريك، قال محمَّد بن عبد اللَّه بن نمير -كما في "الكامل" لابن عدي في ترجمة ثابت بن موسى-: باطِل، شُبِّه على ثابت، وذلك أن شريكًا كان مزاحًا، وكان ثابت رجلًا صالحًا، فيشتبه أن يكون ثابت دخل على شريك، وكان شريك يقول: الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي -ﷺ- فالتفت فرأى ثابتًا، فقال يمازحه: من كثرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار، فظن ثابت لغفلته أن هذا الكلامَ الذي قال شريك هو من الإسناد الذي قرأه، فحمله على ذلك، وإنما ذلك قول شريك. قلت: وذكر الحاكم في "المدخل إلى كتاب الإكليل" (ص: ٦٣) نحو كلام ابن عدي وزاد: وليس لهذا الحديث أصل إلا من هذا الوجه، وعن قوم من المجروحين سرقوه من ثابت بن موسى فرووه عن شريك. أخبرنا بصحة ما ذكرته أبو عمرو عثمان بن عبد اللَّه السماك ببغداد قال: حدثنا أبو الأصبغ محمد بن عبد الرحمن بن كامل قال: قلت لمحمد بن عبد اللَّه بن نمير: ما تقول في ثابت بن موسى؟ قال: شيخ له فضل وإسلام ودين وصلاح وعبادة. قلت: ما تقول في حديث جابر: "من كثر صلواته بالليل. . . "؟ فقال: غلط من الشيخ، وأما غير ذلك فلا يتوهم عليه. وانظر: "الموضوعات" لابن الجوزي (٢/ ٣٤ - ٣٦) فقد رواه من طرق عدة عن جابر وأنس وقال: لا يصح.
(٢) في (ف): "عنده".
(٣) في (أ): "خطًا".
(٤) في (ف): "قبل".
[ ٤ / ٦٦ ]
قدومي، وخرج، فطبخ عيسى ﵇ حُبًّا (^١) واحدًا على لون واحدٍ، وجعل جميع الثياب فيه. وقال لها: كوني بإذن اللَّه تعالى على ما أُريد منك. فقدم الحواريُّ والثيابُ في الحُبِّ، فقال له: ما فعلْتَ؟ قال: فرغْتُ مِن صبغِها. قال: أينَ هي؟ قال: في الحُبِّ. قال: كلُّها؟ قال: نعم. قال: أليس قد أعلمْتُ لك على كلِّ واحدةٍ علامةً منها؟ قال: نعم. قال: وكيف تكون كلُّها في حُبٍّ واحدٍ؟ لقد أفسدْتَ تلك الثِّيابَ. فقال عيسى ﵇: قم فانظر. فقام مغضبًا، فأخرج عيسى ثوبًا أصفر وثوبًا أحمر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها، فجعل الحواريُّ يتعجَّبُ، وعلم أن ذلك من اللَّه تعالى، فقال للنَّاس: تعالوا انظروا (^٢) إلى ما صنعَ، فآمَنوا به (^٣).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: صنعَ ملكٌ من الملوكِ طعامًا، فدعا الناس إليه، وكان عيسى ﵇ على قصعةٍ، وكانت القصعةُ لا تَنقصُ، فذُكِرَ ذلك للملكِ، فقال: أروني ذلك الرَّجلَ، فأتَوا بعيسى، فقال له الملك: مَن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. فقال: أنا أترك ملكي هذا وأتَّبعُكَ، فانطلق معه، واتَّبعه مَن معه، فهم الحواريُّون (^٤).
وقيل: إذا اختلفَتِ الرِّوايات فيهم وأَمكن (^٥) الجمع، قلنا: يحتمل أن بعضهم
_________________
(١) في (ر) و(ف): "جبًا"، وكذا وقعت فيهما بالجيم في المواضع الآتية، والمثبت من (أ) والمصادر، والحب: الجرة، أو الضخمة منها، أو وعاء للماء والزيت ونحوهما، انظر: "القاموس" و"المعجم الوسيط" (مادة: حبب).
(٢) في (ف): "فانظروا".
(٣) ذكره عن عطاء الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٧٦)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٤٢ - ٤٣)، والقرطبي في "تفسيره" (٥/ ١٤٩).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٧٧) عن ابن عون.
(٥) في (ر) و(ف): "فأمكن".
[ ٤ / ٦٧ ]
كان ملكًا، وكان بعضهم صيَّادين، وبعضهم قصَّارين، وكلُّهم (^١) صاروا صفوتَه وأعوانه، فسُمُّوا به.
فإنْ قيل: فلماذا (^٢) استنصر بالحوارييِّن على قومه، وإنما بُعِث بالوعظ دون نصب الحرب؟
قلنا: طلبَ الحمايةَ من الكفَّار الذين أرادوا قتلَه عندَ إظهارِ الدَّعوة. كذا قال (^٣) الحسن ومجاهد (^٤).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: مِن النَّاس مَن يقولُ: لم يكن في شريعة عيسى ﵇ الأمرُ بالقتال، وفي الآية إشارةٌ إلى ذلك؛ فإنه يقول: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾؛ أخبر أنهم أصبحوا على عدوِّهم ظاهرين (^٥)، فلا يخلو ذلك من أن يكون (^٦) قتالًا أو غلبةً بحجَّةٍ، أو أشياءَ ممَّا قهرهم به، واللَّه أعلم.
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾: أي: أنصار دينِه، كما قال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، واللَّه تعالى لا يُنْصَرُ، ولكن يُنْصَرُ دينُه ورسلُه (^٧).
_________________
(١) في (أ): "وكان بعضهم قصارين وبعضهم صباغين فكلهم".
(٢) في (أ) و(ف): "لماذا".
(٣) في (أ): "قاله".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٤٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٥٩)، عن الحسن. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٤٢) من طريق ابن جريج عن مجاهد، ورواه ابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢١٤)، وابن أبي حاتم في، "تفسيره" (٢/ ٦٥٩) عن ابن جريج. وذكره الماوردي في "تفسيره" (١/ ٣٩٦) عن الحسن ومجاهد.
(٥) في (ف): "منصورين على عدوهم"، بدل: "على عدوهم ظاهرين".
(٦) في (ر): "كان". وعبارة "التأويلات": (فلا يخلو إما أن يكون).
(٧) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
[ ٤ / ٦٨ ]
قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: أي: صدَّقنا أنَّه أرسلَك ﴿وَاشْهَدْ﴾ أنت علينا ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: منقادون.
والإشهاد في مثل هذا للتَّأكيد، كأنهم قالوا: اعلم يقينًا (^١) أنَّنا كذلك.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: والآية تنقض قولَ مَن يجعلُ الإيمانَ غيرَ الإسلامِ؛ لأنَّهم أَخبروا أنهم آمنوا وأنهم مسلمون، لم يفرِّقوا بينهما، وهو كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، وكذلك قول موسى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وهو قولنا: إنهما واحدٌ، فإن الإيمانَ: أن تصدِّق أنَّك عبدُ اللَّهِ، والإسلامَ: أن تجعلَ نفسَكَ للَّه سالمةً.
قال: وقيل: الإسلام: اسمٌ لِمَا ظهرَ، والإيمانُ: اسمٌ لِمَا بَطنَ (^٢).
* * *
(٥٣) - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾: أي: بالكُتبِ التي أنزلتها على الرُّسل جميعًا، فإنْ أرادوا: بما أنزلْتَ على عيسى، فالإيمانُ بواحدٍ من الرُّسل إيمانٌ بجميع الرُّسل وبالكتب كلِّها. قاله (^٣) أبو منصورٍ ﵀ (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾: أي: رسولَك عيسى ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾؛
_________________
(١) في (ف): "تيقنا"، بدل: "اعلم يقينًا".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٧٩).
(٣) في (ر): "قال الإمام".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٨١).
[ ٤ / ٦٩ ]
أي: أثبِتْ أسامينا في جملة مَن شهد بمثل شهادتنا لك بالتوحيد، ولأنبيائك بالتصديق؛ لنفوزَ بما فازوا.
وقيل: في الشَّاهدين أنَّهم هم (^١) الأنبياء.
وقيل: هم أمَّة محمَّدٍ -ﷺ-، ولهم في القرآن أسامٍ كثيرة: المتَّقون، والصَّالحون، والصِّدِّيقون، وحزب اللَّه، والمفلحون، ونحوُ ذلك، وكانَ ذِكْرُ نبيِّنا وذِكْرُنا في كلِّ كتابٍ، وذُكِرَ لكلِّ نبيٍّ وأمَّتِه، وعرَفوا ذلك، فلذلك سَألوا هذا.
وقيل: معنى الكتابة: الضمُّ والجمعُ؛ أي: اجمع بيننا وبينهم في الدُّنيا على التَّقوى والثَّبات على طريق الهدى، وتجنُّبِ طريق الرَّدى، وفي الجنَّة في أنواع الكرامة.
وقيل: معناه: واجعلنا (^٢) نقوم بحجَّتِكَ ودعوتِكَ عندَ مَن أنكر ما جاءَ به رسولُك؛ لأنَّ الشَّاهد هو الَّذي يحقِّق دعوى المدَّعي.
يقولون: اجعلنا دعاةً إليك، شاهدِين لك بالحقِّ في عبادك. وقد رُوي أن عيسى ﵇ فرَّقَهم دعاةً في البلدان.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀ في تمام الآية: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: لَمَّا بلَّغهم الرِّسالة واختلفوا، فمنهم مَن صدَّقه، ومنهم مَن كذَّبه، وهم الأكثرون = علمَ أنَّه لا تنفكُّ النبوَّة عن (^٣) البلاءِ وتسلُّط الأعداء، فقطع عنهم قلبَه، وصدَقَ (^٤) إلى اللَّهِ تعالى قصدَه، وقال لقومِه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: مَن يساعدني على التَّجرُّدِ
_________________
(١) "هم" ليس في (أ).
(٢) بعدها في (ر): "نحن".
(٣) في (ر): "من".
(٤) في (ف): "وصرف".
[ ٤ / ٧٠ ]
لحقِّه (^١)، والخلوصِ في قصدِه؟ فقالَ مَن انبسطَتْ عليهم أنوارُ العنايةِ، واستُخْلِصوا بآثار الحماية (^٢): نحنُ أنصارُ اللَّهِ، آمنَّا باللَّه، فاشهد (^٣) لنا بذلك عندَ اللَّه.
وأمَّا الآخرون فجَدُّوا في المشاقَّة، وبالغوا في العداوة، ودسُّوا له في المكيدة، فتوهَّموا أنَّهم صَلبوا عيسى، وذلك جهلٌ منهم، بل رفعه اللَّه إلى السَّماء، وأنزل بأسَه على الأعداء (^٤).
* * *
(٥٤) - ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا﴾: قال الزَّجَّاجُ: المكرُ: هو السَّعي بالإفساد في حقِّ الغير على خفاءٍ، من قولهم: مَكَر اللَّيلُ وأَمْكَر؛ أي: أَظْلَم (^٥)، ومعناه: قصَد الذين لم يؤمنوا به من اليهود في قتلِه.
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾؛ أي: جازاهم على مكرِهم، ولا يجوز إضافة المكر إلى اللَّهِ ابتداءً، ويجوز على معنى الجزاء، كما مرَّ في أوَّل سورة البقرة في ذكر الخداع والاستهزاء والسَّيئة والاعتداء.
وكان الحواريون مع عيسى وقد قصد اليهود قتلَه، فهرَبَ منهم وقال للحواريِّين:
_________________
(١) في (أ): "على التجرد لخلقه" وفي (ر): "على أداء حقه".
(٢) في المطبوع من "اللطائف": "بآثار التخصيص".
(٣) في (ف): "واشهد".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٤٥).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤١٩)، و"البسيط" للواحدي (٥/ ٢٩٨) واللفظ له، ولفظ الزجاج في "المعاني": (المكر من الخلائق حب وخداع، والمكر من اللَّه المجازاة على ذلك، فسمي باسم ذلك لأنه مجازاة عليه. . .).
[ ٤ / ٧١ ]
أيُّكم يحبُّ أن يكون رفيقي في الجنَّة على أن يُشَبَّهَ للقوم في صورتي فيقتلوه مكاني؟ فأجابه إلى ذلك بعضُهم وكانوا اثني عشر رجلًا (^١).
وقيل: ارتدَّ أحدهم، وكان اسمه يهوذا وصاحب تدبير اليهود في قتل عيسى، فبقي مع عيسى أحد عشر رجلًا.
وقيل: أُبْدِلوا مكانَه آخر، فتمُّوا اثني عشر.
وأمرَ اليهودُ يهوذا أن يدخلَ على عيسى فيقتلَه، فدخلَ فوجدَه قد رُفِعَ إلى السَّماء، وألقى اللَّه تعالى شبهَه عليه، فخرج إلى أصحابه فقال: ما أرى في البيت أحدًا، فظنُّوه عيسى فقتلوه، فكانَ ذلك جزاءَ مكرِهم.
وقال الكلبيُّ ﵀: إنَّ ملكَ اليهودِ أرادَ قتلَ عيسى ﵇، والدَّاخلُ عليه ليقتلَه لطيانوس، أُلقِيَ شبهُه عليه فخرَج فقتلوه (^٢).
وقال مقاتل: ورفع اللَّه عيسى إلى السماء من بيت المقدس ليلةَ القدرِ في رمضان (^٣).
وقال عطاء: كان رجل من بني إسرائيل آمن بعيسى ﵇، ثم نافقَ فدلَّ عليه، فجعله اللَّه في صورة عيسى، فطُلِبَ فأُخِذَ وقُتِلَ وصُلِبَ (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٥٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٢٠)، عن ابن إسحاق.
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث السمرقندي" (١/ ٢٤٢)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٠٩)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٤٤)، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. والكلبي متروك.
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٣٩٧)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٣٩٧).
(٤) ذكر نحوه الواحدي في "الوسيط" (١/ ٤٤١) دون نسبة، والخازن في "تفسيره" (١/ ٤٤٤) وعزاه لوهب بن منبه.
[ ٤ / ٧٢ ]
وقال وهبٌ: إنهم طرقوا عيسى ليلًا فأخذوه، ونصبوا خشبةً ليصلبوه، فلمَّا أرادوا أن يرفعوه أظلمَتِ الأرضُ، وأرسلَ (^١) اللَّهُ الملائكةَ فحالوا بينهم وبينه، وصلبوا مكانَه يهوذا، وهو الذي دلَّهم عليه، وأشرقَتِ الأرضُ، وقلبَ اللَّهُ قلوبَ النَّاسِ وأبصارَهم، فجعلوا ينظرون إلى يهوذا في صورة عيسى (^٢).
وقيل: الدَّاخل على عيسى (^٣) ططوس، وخرج وقد أُلْقِيَ عليه شبههُ فقتلوه، ثم أذهبَ اللَّهُ صورةَ عيسى عنه، فقالَتْ (^٤) عشيرتُه: قتلْتُم ططوس بغير حقٍّ، فنطالبُكم بدمِه (^٥)، وقالوا: قتلنا عيسى، ثم اختلفوا فقالوا: إن كان هذا عيسى فأين ططوس؟ وإن كان ططوس فأين عيسى؟ ثم تحاربوا، فقُتِلَ سبعون ألفًا منهم، وهذا جزاءُ مكرِهم بعيسى مِن جنسِ قصدِهم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، وهذا (^٦) نظيرُ قصة صالح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]، وكانوا تقاسموا باللَّه ليبيِّتُنَّهُ (^٧) وأهلَه، والملائكةُ بيَّتَتْهم فشدخَتْهم.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: أي: إنَّ (^٨) الماكرين فعلوا ما ليس لهم وهو ظلمٌ منهم وإفسادٌ، واللَّه تعالى فعل ما هو (^٩) حقٌّ وعدلٌ وجزاءٌ على الوِفاق.
_________________
(١) في (أ): "فأرسل".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٧٩)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٤٤).
(٣) في (ف): "وقيل المصلوب".
(٤) في (ر) و(ف): "فقال".
(٥) في (ر) و(ف): "فنطالبكم به أي بدمه".
(٦) في (أ): "وهو".
(٧) في (أ): "لنبيتنه".
(٨) في (أ): "لأن" بدل: "أي: أن".
(٩) بعدها في (ر): "له".
[ ٤ / ٧٣ ]
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قيل: ﴿مَكَرُوا﴾ حيث (^١) همُّوا بقتل عيسى، ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ حيث رفعَه إليه وألقى شبَهَهُ على رجلٍ منهم فقتلوه، فذلك خيرٌ لعيسى مِن مكرهم.
وقال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾؛ أي: خير الجازِينَ (^٢)؛ يجزي أهلَ الجور بالعدلِ، وأهلَ الخيرِ بالفضلِ.
وقال: المكرُ هو الأخذُ بالغفلةِ، واللَّه يمكرُ؛ أي: يأخذُ مَنِ استحقَّ الأخذَ مِن حيثُ لا يعلمُ (^٣).
* * *
(٥٥) - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ (^٤): أي: ومكرَ اللَّهُ إذْ قالَ، أو: واذكرْ (^٥) يا محمَّدُ إذ قال لعيسى.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: فيه أربعة أقاويل (^٦) للمفسِّرين:
_________________
(١) في (ف): "حين"، والمثبت من (أ) و(ر) و"التأويلات".
(٢) في (ر) و(ف): "المجازين"، والمثبت من (أ) و"التأويلات".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٨٢).
(٤) "إني متوفيك" من (ف).
(٥) في (ف): "اذكر".
(٦) في (ف): "أقوال"، وفي (ر): "أوجه أقوال".
[ ٤ / ٧٤ ]
قال الحسنُ وابن جُريجٍ: إني قابضُكَ برفعِكَ منَ الأرض إلى السَّماءِ (^١)، والتَّوفِّي والاستيفاءُ: هو قبضُ الشَّيء بتمامِه، وقد وفَّيتُه حقَّه، فتوفَّاه واستوفاه.
وقال الرَّبيع بن أنسٍ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: بالنَّوم للرَّفع إلى السماء؛ قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] (^٢).
وقال ابن عباسٍ ووَهْبُ بن مُنبِّهٍ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ وفاةَ موتٍ (^٣).
ثم قال وهبٌ: توفَّاه ثلاثَ ساعاتٍ، ثم أحياه ورفعَه إلى السَّماء (^٤).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: إني رافعك إليَّ ثم متوفِّيك بالموت بعد هبوطك في آخر الزَّمانِ (^٥).
_________________
(١) رواه عن الحسن عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٠٧)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٤٨)، وابن المنذر في "تفسيره" (٥٢٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٦١). ورواه عن ابن جريج الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٤٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (٥٢٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٦٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٤٨).
(٣) رواه عن ابن عباس ﵄ الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٥٠)، وابن المنذر في "تفسيره" (٥٢٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٦١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٥٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٦١). ولعله أخذه من أهل الكتاب، ولذا عقبه الطبري بقول ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياهُ اللَّه. وقال القرطبي في "تفسيره" (٥/ ١٥٣): والصَّحيحُ أنَّ اللَّهَ تعالى رفَعَهُ إلى السَّماء من غيرِ وفاةٍ ولا نومٍ كما قال الحسنُ وابنُ زيدٍ، وهو اختيارُ الطَّبريِّ [في "تفسيره" (٥/ ٤٥٢)]، وهو الصَّحيحُ عن ابن عباسٍ، وقاله الضَّحَّاكُ.
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (٥/ ٣٠٤)، وروى نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٦١) عن قتادة، وذكره الراغب الأصفهاني في "تفسيره" (٢/ ٥٩١) عن الفراء.
[ ٤ / ٧٥ ]
وفي قراءة عليٍّ ﵁: (إنِّي رافعُكَ إليَّ ومتوفِّيْكَ ومطهِّرُك) (^١).
ثم لأهل المعاني أقاويلُ أُخرُ منها:
قيل: ﴿متوفِّيْكَ﴾؛ أي: مستوفي مدَّةَ مقامِكَ (^٢) في الدُّنيا.
وقيل: أي: متوفِّي عَمَلِكَ، ومتقبِّلُهُ منك، ومثيبُكَ عليه، ورافعُكَ إليَّ في الفضل والمنزلة الرَّفيعة كما تستحقُّه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥].
وقيل معناه: إني مميْتُ شَهْوَتِكَ ورافعُكَ إلى السَّماء، فيصيرُ حالُكَ كحال الملائكة.
وقيل: إنَّ اللَّه تعالى توفَّاه ورفعَه، ثم أحياه، وكساه الرِّيشَ، وأنزلَه في اليوم الرَّابع حتى بعثَ الحواريِّين وفرَّقهم في البلاد، فهو أرضيٌّ سماويٌّ، إنسيٌّ روحانيٌّ.
قوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إلَيَّ﴾؛ أي: إلى السَّماء، والإضافةُ إلى نفسِه إضافةُ كرامةٍ، وهو كقول إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩].
وقيل: ورافعك إلى الموضع الذي لا حكمَ فيه إلَّا للَّهِ، وهو السَّماء، فأمَّا الأرضُ ففيها ملوكٌ وحكَّامٌ ظاهرًا.
قوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: مخلِّصُك ومانعُك من الذين كفروا وهمُّوا بقتلِكَ، ولو فعلوا كان ذلك (^٣) رجسَ كفرٍ ورجسَ قتلٍ، فطهَّرتُك من (^٤) ذلك.
_________________
(١) لم أقف عليها.
(٢) في (ر) و(ف): "إقامتك".
(٣) "ذلك" ليس في (أ) و(ف).
(٤) في (أ) و(ف): "عن".
[ ٤ / ٧٦ ]
وقيل: ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾؛ أي: مُبعدُك عنهم، فلا تسمع منهم كفرًا ولا تراه، يُقالُ: طهَّرَ اللَّهُ الأرضَ مِن فلان.
وقيل: أي: مبرِّئُك من العيوب التي قالوا فيك، ومنزِّهُك عن ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أي: أهلَ التَّوحيد والإيمان باللَّه، دونَ مَن كذَّبه أو كذَبَ عليه، وقد جعل اللَّه المؤمنين فوق الكافرين بغلَبَة الحُجَّةِ، قال اللَّه تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣].
وقيل: بالقَهْر والسُّلطان، وقد جعلَ أهلَ الرُّوم فوق اليهود بالقهر والسلطنة (^١) إلى يوم القيامةِ؛ أي: ولا يكون لليهود مملكةٌ (^٢) إلى يوم القيامة.
قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: أي: مصيركم في الآخرة.
قوله تعالى (^٣): ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: أي: بتحقيق وعد المؤمنين ووعيد الكافرين.
وقيل: بإظهار المحقِّين والمبطِلين.
وقيل: ذلك بتسويد بعض الوجوه وتبييض بعضها.
وقيل: بإعطاء الكتب بالأيمان والشَّمائل.
* * *
(٥٦) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "والسلطان".
(٢) في (ر): "أي وتكون مملكته".
(٣) "قوله تعالى" ليس في (أ).
[ ٤ / ٧٧ ]
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: بالمسخ والقتل والقهر والسبي والجزية.
وقيل: بالأمراض والرَّزايا في الأنفس والأموال، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٨٥]، ولا ثواب لهم عليها بخلاف المؤمنين.
وقوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: هو عذابُ النَّارِ والخلودُ فيها.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: أي: معِينين ومانعين، وللعذابِ دافعين.
* * *
(٥٧) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾: قرأ عاصم في رواية حفصٍ بياء المغايبة؛ أي: فيوفِّيهم اللَّهُ ثوابَ أعمالِهم في الدُّنيا بالإعزاز والإعلاء والتَّمكين من الأعداء، وفي الآخرة بالجنة واللِّقاء.
وقرأ الباقون بالنون (^١)، يقول اللَّه تعالى: نحن نوفِّيهم، كما قال في الآية الأولى: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٦]، والجمع لإظهار العظمة والسُّلطان (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: الكافرين، وقيل: العاصين.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إذ قال اللَّه: يا عيسى إني متوفِّيك عنك، وقابضك منك، ورافعك عن نعوت البشريَّة، ومطهِّرك من إرادتِك بالكليَّة، حتى
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٠٦)، و"التيسير" (ص: ٨٨).
(٢) في (أ): "والسلطنة".
[ ٤ / ٧٨ ]
تكون متصرِّفًا بنا لنا، ولا يكون عليك من اختيارك شيء، وبهذا الوصف كان يظهرُ على يديه إحياء الموتى.
قال: ويُقال: طهَّر قلبَه عن مطالعة الأغيار، ومشاهدة الآثار، في جميع الأحوال والأطوار.
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بالقهر والنُّصرة والحُجَّة، ومتَّبعُوه: الذين لم يبدِّلوا دينَه، ثم يحكمُ اللَّه تعالى بينه وبين أعدائه؛ فأمَّا الكفَّارُ ففي الجحيم، وأمَّا المؤمنون ففي النَّعيم (^١).
* * *
(٥٨) - ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى القصص المتقدِّمة، ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾؛ أي: بقراءة جبريل عليك بأمرنا.
وقيل: معناه: نحن نوحيهِ (^٢) إليك بعضَه على إثر بعضٍ.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: أي: من دلالات وحدانيَّتنا وقدرتنا، ونفاذِ مشيئتنا، ودلالات رسالتك أيضًا.
وقيل: ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾؛ أي: من العجائب والعبر.
قوله تعالى: ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: قيل: ﴿الذِّكْرِ﴾: القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، و﴿الْحُكْمُ﴾: المحكَم، كالشيء البديع بمعنى المبدَع، وهذا من صفات القرآن؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]؛ أي: لا يدخلها انتقاصٌ (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
(٢) في (أ): "نوحيه نحن" وفي (ر): "نحن نوجه".
(٣) في (أ) و(ر): "انتقاض".
[ ٤ / ٧٩ ]
وقال الضحَّاك: أُحْكِم من الشياطين أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه (^١).
وقال مقاتل: أي (^٢): أُحْكِمَ فلا يدخلُه باطلٌ (^٣).
وقيل: هو من الحكمة؛ لأنَّه بمنزلةِ: النَّاطق بالحكمةِ، ولأنَّ مُنزلَهُ حكيمٌ، وقد جَعلَ فيه الحكمةَ.
وقيل: هو فعيلٌ بمعنى الفاعل، ومعناه: أنه الحاكم على الكتب كلِّها.
وقال الكلبيُّ: الذكر الحكيم: هو اللَّوح المحفوظ (^٤)؛ أي: كان هذا مكتوبًا في اللَّوح على حقيقة ما كان، وكذا ما في القرآن هو (^٥) الصدقُ والحقُّ، دون ما قاله أهل الكتاب فإنَّه مغيَّرٌ محرَّفٌ.
* * *
(٥٩) - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾: نزلَتْ في وفد بني نجران، سألوا رسولَ اللَّه -ﷺ- عن عيسى، قال: "هو عبدُ اللَّه وابنُ أَمَته ورسولُه إلى خَلْقه"، فقالوا: إنه يستنكف عن (^٦) ذلك، فنزلَتْ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢] الآية، فقالوا: إن كان عبدًا للَّه فمَن أبوه؟ فنزلت هذه الآية:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٦١١)، ولفظه: (نسخ جبريل بأمر اللَّه ما ألقى الشيطان على لسان النبي -ﷺ-، وأحكم اللَّه آياته).
(٢) "أي" ليس في (أ).
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٠٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١١٧).
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٤٤).
(٥) في (ر) و(ف): "فهو".
(٦) في (ف): "من".
[ ٤ / ٨٠ ]
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^١)؛ أي: صفته، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: صفتها.
وقيل: المثَلُ: الشَّبَهُ، وأراد (^٢) به التَّشبيهَ في كونه بغيرِ أبٍ، وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾؛ أي: في كونه بغير أبٍ ولا أمٍّ.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾: أي: قدَّرَه وصوَّرَه من ترابٍ (^٣).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: قيل: ﴿لَهُ﴾ يرجع إلى آدمَ؛ أي: قال له: كنْ بشرًا سويًّا لحمًا ودمًا وعظامًا وكذا وذا روحٍ فكان، ومعناه: كوَّنَهُ كذلك فكان، وقد مرَّ هذا في سورة البقرة بتحقيقه.
وإذا جُعِلَ الخلقُ للتَّصويرِ وقولُه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ للإحياء، كان ﴿ثُمَّ﴾ على الحقيقة.
وإذا جُعِلَ الخلق لإيجاده بشرًا، فكلمةُ ﴿ثُمَّ﴾ تكون بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، و(ثم) بمعنى الواو في القرآن موجودٌ في آياتٍ؛ منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠].
وقيل: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كنايةٌ عن عيسى، و﴿ثُمَّ﴾ على هذا للتَّراخي.
يقول: قد خلقْتُ آدمَ مِن غير ذكرٍ ولا أنثى، فليسَ خَلْقُ عيسى من غير أبٍ (^٤) بأعجبَ من هذا، فما هذا الإنكار؟!
_________________
(١) روى الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٥٩ - ٤٦١) عدة آثار في هذا المعنى.
(٢) في (أ): "فأراد".
(٣) في (أ): "منه" بدل: "من ترابٍ".
(٤) في (أ) و(ف): "ذكر".
[ ٤ / ٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: فكان؛ لأنَّ تقديرَه: فإذا هو كائنٌ، فصلح (^١) على صيغة الاستقبال لأنه أيضًا للحال.
وقيل: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذا تامٌّ؛ لأنَّ الكونَ مفهومٌ، ثم قال: ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: فكذا (^٢) يكون كلُّ ما خلقه اللَّه تعالى.
وقيل: في الآية دلالةٌ على (^٣) جوازِ القِياسِ.
وقال الضحَّاكُ: إن أُسقفي بني (^٤) نجران أتيا النبيَّ -ﷺ- السيدَ والعاقبَ- فقالا: يا محمد! هل لعيسى مثلٌ عندك فتَضْربَه لنا؟ قد (^٥) أجَّلناك ثلاثة أيامٍ. فلما كان اليومُ الثالث وصلى العصر جاءاه وقالا: هذه الأيام قد مضت فأين المثَل؟ فسكت النبيُّ -ﷺ-، ففشت المقالة في مجلس أهل مكة أن أُسقفي نجران قد غَلَبَا محمَّدًا، فنزلَتِ الآيةُ (^٦).
قال الشيخ أبو القاسم بن حبيب (^٧): إنَّ اللَّه ﷿ شبَّه عيسى صلوات اللَّه
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يصلح".
(٢) في (ر): "فهذا"، وفي (ف): "فهكذا".
(٣) "على" ليست في (أ) و(ف).
(٤) "بني": من (أ).
(٥) في (ف): "فقد".
(٦) قصة مجيء السيد والعاقب إلى النبي -ﷺ- رويت من وجوه كثيرة، لكن لم أقف عليها بهذا السياق عن الضحاك. انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٤٦٩ - ٤٧٠)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٢٢٨).
(٧) أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر النيسابوري، صاحب كتاب "عقلاء المجانين"، كان أديبًا نحويًّا، عارفًا بالمغازي والقصص والسير، انتشر عنه بنيسابور العلم الكثير، وسارت تصانيفه الحسان في الآفاق، توفي سنة (٤٠٦ هـ). قال الذهبي: وقد تكلم فيه الحاكم في رقعة نقلها عنه مسعود بن علي السجزي. انظر: "تاريخ جرجان" (ص: ١٩٠)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٧/ ٢٣٧)، و"طبقات المفسرين" للسيوطي (ص: ٤٥ - ٤٧).
[ ٤ / ٨٢ ]
عليه بآدمَ صلوات اللَّه عليه، فنظرنا فإذا عيسى يشبهُ آدمَ في خمسَ عشرةَ خصلةً:
أحدها: في التَّكوين.
والأخرى (^١): في العناصر؛ لأنَّ آدمَ خُلِقَ من ترابٍ، وهو أحد العناصر، وخُلِقَ عيسى من الرِّيحِ وهي العنصر الثَّاني.
واستوَيا في استغنائِهما عن أبٍ يكونانِ منه (^٢).
وتساوَلا في العبوديَّة؛ إذ (^٣) كلُّ واحدٍ منهما عبدُ اللَّه، وكانَ (^٤) آدمُ نبيًّا وعيسى نبيًّا.
وتساوَيا في المحنَةِ، فكانت محنةُ آدمَ صلوات اللَّه عليه من إبليس، ومحنةُ عيسى ﵇ من اليهود، وكانَ آدمُ يأكلُ ويشربُ، وكذلك عيسى؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥].
وقال القتيبي: أخبر عن الحدثِ بألطفِ ما يكون من الكنايةِ (^٥).
وتساويا في الفقر إلى اللَّه تعالى.
وتساويا في الصُّورة.
وتساويا في التَّركيب والتَّأليف.
وتساويا في الأجزاء والأبعاض.
_________________
(١) في (أ): "والآخر".
(٢) "يكونان منه" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "أي".
(٤) في (أ): "فكان".
(٥) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٤٥).
[ ٤ / ٨٣ ]
وتساويا في الرَّفع إلى السماء ثم الإنزال؛ لأن آدم صلوات اللَّه عليه رُفِعَ إلى الجنة ثم أُنْزِلَ إلى الأرض، ورُفِعَ عيسى إلى السماء الرابعة ثم ينزل إلى الأرض فيكسر الصَّليب ويقتل الخنزير، ونزوله من أشراط الساعة (^١).
وتساويا في الخِلْقة؛ لأنَّهما لم يُخْلَقا أطوارًا كغيرهما.
واستويا في الإلهام؛ حين قال آدمُ لَمَّا عطس: "الحمد للَّه" (^٢)، وقال عيسى: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠].
وتساويا في التعليم؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، وقال لعيسى: ﴿وَنُعَلِّمُهُ (^٣) الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨].
وتساوَيا في نفخ الرُّوح فيهما؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وقال في عيسى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢].
وتساويا في الموت؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦].
وكلُّ ذلك يردُّ على النَّصارى حيث قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
* * *
(٦٠) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: ذلك الثَّناء هو الحقُّ من ربِّك، والمبتدأُ محذوفٌ.
وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ، وتقديرُه: الحقُّ إنما يأتيك من ربِّك.
_________________
(١) كما ورد ذلك في الحديث الذي رواه البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥)، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) كما ورد ذلك في الحديث الذي رواه الترمذي (٣٣٦٨) وحسنه عن أبي هريرة ﵁.
(٣) في (أ): "ويعلمه".
[ ٤ / ٨٤ ]
وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأٌ، و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبرُه؛ أي: هو من ربِّك.
وقيل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: إيجاد الخلق من ربِّك، فهو الخالقُ لا عيسى، والخطاب على هذا التَّأويل لِمَنْ شكَّ في أمر عيسى ﵇ من النَّصارى.
وكذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
وقيل: الخطابُ لمحمَّدٍ -ﷺ-، والمرَاد غيرُه.
قال الإمام أبو منصورٍ رحمه اللَّه تعالى: مِن فعلِ الملوكِ خطابُ مَن هو أعقلُ الرَّعيَّةِ وأعظمُهم قَدْرًا عندهم؛ استكبارًا منهم عن مخاطبة الوضيع.
قال: ولأنَّ العصمةَ لا تزيل المحنة (^١) ولا ترفع النَّهي (^٢).
وقيل: معناه: فدُمْ على يقينِكَ، ولا تشكَّ في هذا.
* * *
(٦١) - ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾: أي: خاصمَكَ في عيسى. وهو قول قتادة (^٣).
وقيل: في اللَّه.
ويرجعان إلى معنًى واحدٍ، فإنهم كانوا يقولون: عيسى ابنُ اللَّه، فكان حجاجُهم فيهما.
وقيل: أي: في الحقِّ، وقد ذُكِرَ قبلَه.
_________________
(١) في (أ): "المحبة"، وفي مطبوع "التأويلات": "الأمر".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٩١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٦٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٦٦).
[ ٤ / ٨٥ ]
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أي: البيانِ في القرآن من اللَّه تعالى، حتى علمْتَ ذلك.
قولُه تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾: أي: هلمُّوا، وللواحد: تعالَ، ومعناه في الأصل: تَصَاعَدْ، كأنَّ الدَّاعيَ كان (^١) في علوٍ والمدعوَّ في سفلٍ، فأمرَهُ أن يتعالى إليه، ثم صار ذلك لكلِّ مدعوٍّ أينَ كانَ.
قوله تعالى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾: أي: نحضِرْ، وجزمه بكونه جوابَ الأمر.
قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾: ظاهرٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾: أي: ونَحضُرْ بأنفسنا.
وقيل: بني أعمامنا ونحوَهم من الإخوة والقرابة القريبة.
وقيل: وأهلَ ديننا وأهلَ دينكم، قال تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤].
وقد روي أنَّ النبيَّ -ﷺ- خرج بنفسه وبالحسن والحسين وفاطمةَ وعليٍّ ﵃ (^٢).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: قال الكلبيُّ: أي: نجتهدْ في الدُّعاء (^٣).
_________________
(١) "كان": من (أ) و(ف).
(٢) رواه مسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، ولفظه: ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دعا رسول اللَّه -ﷺ- عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٨٤). ورواه ابن المنذر في "تفسيره" (٥٥٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٦٨)، عن ابن عباس ﵄.
[ ٤ / ٨٦ ]
وقال مقاتل: أي: نُخْلصْ في الدُّعاء (^١).
وقال القتيبي: نتداعى باللَّعن (^٢).
وقيل: نلتَعِن.
والابتهالُ والمباهلةُ في اللُّغة: هي (^٣) اجتماعُ المتخاصِمَيْنِ في مكانٍ يتَّفقان عليه، والدُّعاءُ باللَّعنة على الكاذبِ من الفريقَيْن.
والبُهْلَةُ بفتح الباء وضمها: اللَّعنة، يُقال: عليه بُهْلَةُ اللَّهِ؛ أي: لعنةُ اللَّهِ، وأصله: الإهمال والتخليَة، يقال: ناقةٌ باهلٌ؛ أي: لا صِرارَ على ضرعها يحلبُها مَن يشاء، وقد أَبهَلَها صاحبُها، ورجلٌ باهلٌ: لا عصا معه يدفع بها عن نفسه مَن قصدَه مِن بشَرٍ أو سبُعٍ (^٤).
وقيل: الابتهالُ هو الدُّعاء مع رفع اليد، والمباهِلُ إذا قالَ: عليَّ بُهْلَةُ اللَّهِ؛ فكأنَّه يقولُ: وكَلَني اللَّهُ إلى نفسِي، وخلَّاني من حفظِه، ومَنْ وكلَهُ اللَّهُ إلى نفسِهِ وخلَّاه من (^٥) حفظِهِ ساعةً فقد هلَكَ بغير (^٦) شَكٍّ.
قوله تعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾: هو تفسيرُ الابتهالِ؛ أي: فنقُلْ: لعنةُ اللَّهِ على (^٧) الكاذب منَّا. والجَعْلُ بمعنى القول هاهنا، وهو كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٨١)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٨٤).
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٠٦). وفي (ر): "القتبي" بدل: "القتيبي".
(٣) في (ف): "هو".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٢٣).
(٥) في (أ) و(ف): "عن".
(٦) في (ر): "بلا".
(٧) في (أ) و(ف): "لعن اللَّه"، بدل: "لعنة اللَّه على".
[ ٤ / ٨٧ ]
وقيل: تحقيقُه: أنَّا إذا قلْنا ذلك ونحن مجتهدودن مخلصون في الدُّعاء، استجابَ اللَّهُ تعالى لنا، ولعنَ الكاذبَ منَّا، فنكون قد جعلنا عليه اللَّعنة.
يقول: إنَّ الحجَّة في أمر عيسى قد بلغَتْ مُنتهاها، وظهرَ الحقُّ في أمرِ عيسى، فإنْ جادلوكَ بعد ظهور بطلان قولهم، وليس وقتَ القتال، فاقطع الحِجاجَ عنهم، فباهلْهم (^١) وعاملْهم معاملةَ المعاندين، وهو الدُّعاء إلى الملاعنةِ الَّتي يتميَّز بها المُحِقُّ من المُبْطِل (^٢) بالاستئصال العاجل المعهود للكاذِب من المتلاعِنين فيما بينهم، وكانوا يقولون: اللَّهم أنزلْ لعنتَكَ على الكاذِبِ منَّا.
وقالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ وفدَ نجرانَ قدموا المدينةَ، وهم أربعةَ عشرَ رجلًا من أشرافهم، منهم السَّيِّد وهو كبيرُهم، واسمه أُهَيب (^٣)، والعاقبُ الذي بعدَه، وهو صاحبُ رأيهم، واسمُه عبدُ المسيح، والثالث أبو حارثة بن علقمة الأسقف، وكان في شرفٍ وخطرٍ عظيمٍ، وكان ملكُ الرُّوم بنى له الكنائس، وكانَ يبعث إليه بالكرامات.
فأقبلُوا حتى قدموا على رسول اللَّه -ﷺ- في مسجد المدينة بعد العصر، وما رُؤِيَ وفدٌ أجمل منهم، عليهم ثيابٌ حسان، ولهم وجوهٌ وأجسام، فلما دخلوا المسجد قاموا وصلَّوا إلى (^٤) قبلتهم، فأرادَ أصحابُ النبيِّ -ﷺ- أن يمنعوهم، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "دعوهم"، وقد (^٥) كان نزلَ على النبيِّ -ﷺ- قبلَ قدومهم صدرٌ من سورة آل عمران لمحاجَّتهم.
_________________
(١) "فباهلهم": من (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "الحق من الباطل".
(٣) كذا في النسخ، والذي في المصادر: "الأيهم".
(٤) في (أ) و(ف): "قاموا واستقبلوا".
(٥) "قد": من (ف).
[ ٤ / ٨٨ ]
ثم انتهى أبو حارثة هذا وآخرُ معه إلى النبيِّ -ﷺ-، فقال لهما رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أسلِما"، فقالا: قد أسلَمْنا قبلَك، فقال النبيُّ -ﷺ-: "كذبْتُما، يمنعُكُما عن الإسلام ثلاثٌ: عبادَتُكما الصَّليب، وأكلُكُما الخنزير، وزعمُكما (^١) أنَّ للَّهِ تعالى ولدًا". قالوا: يا محمَّدُ، فَلِمَ تعيْبُ صاحبَنا؟ قالَ: "ومَنْ صاحبُكم؟ "، قالوا: عيسى، قال: "وأيُّ شيءٍ أقولُهُ (^٢)؟ "، قالا: تقولُ: إنَّه عبدُ اللَّهِ ورسولُه! قالَ: "ليسَ بِهِ عارٌ أنْ يكون عبدًا للَّهِ"، قالوا: بلى. فأنزل اللَّه: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢]، ونزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآيةَ.
ولَمَّا أنكروا ذلك دعاهُمُ النبيُّ -ﷺ- إلى الملاعنَةِ، وكانَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- خرجَ بنفرٍ مِن أهلِه، وجاءَ عبدُ المسيح بابنِه وبابنِ أخٍ له، فقالَ السيِّدُ للعاقبِ: قد واللَّهِ علمْتُم إنَّ الرَّجلَ لنبيٌّ مرسَلٌ، ولو لاعنْتُموه لاستأصَلَكم، وما لاعنَ قومٌ قطُّ نبيًّا فبقيَ كبيرُهم ولا نبَتَ صغيرُهم، وإنْ أنتم لم تتَّبعوه وأبيتم إلَّا إلْفَ دينِكم فوادِعُوه وارجعوا إلى بلادِكم.
فأتَوا النبيَّ -ﷺ- فقالوا: صالِحْنا يا محمَّد. فصالَحَهم النبيُّ -ﷺ- على ألفَي حلةٍ: ألفٌ في صَفَر وألفٌ في رَجَب، والإعانة في الحروب بثلاثين دِرعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا بطريق العاريَّة، وكتب لهم كتابًا بذلك.
وفي روايةٍ: قال النبيُّ (^٣): "إنْ لم تَقبَلُوا فإنَّ اللَّهَ أمرني أنْ أباهِلَكُم"، فقالوا: بل نرجعُ فننظرُ في أمرِنا ثم نأتيك، وخلا بعضُهم إلى بعضٍ، وقالوا: إنه نبيٌّ، وملاعنَتُه استئصالٌ (^٤).
_________________
(١) في (أ): "عبادتكم. . . وأكلكم. . . وزعمكم".
(٢) في (أ) و(ر): "أقول له".
(٣) في (أ): "قال ﵇".
(٤) روى نحوه أبو نعيم في "دلائل النبوة" (٢٤٥) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس =
[ ٤ / ٨٩ ]
وقال ابن عباسٍ ﵄: لو خرجوا لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا (^١).
وفي روايةٍ: لَمَّا لم يباهلوا قالَ: "هل لكم في الإسلام؟ "، فأبوا، قال: "فهل (^٢) لكم في الجزية وأن تؤدُّوها عن يدٍ وأنتم صاغرون؟ "، فقبلوا، وقالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب (^٣).
وروي أنَّه لَمَّا امتنع الكبار عن المباهلة خرج عليهم الأتباع وقالوا: إنَّ هذا الرَّجلَ رضيَ منكم بكلامٍ، فإنْ كنْتُم على الحقِّ فباهلوه، وإنْ كنْتُم على الباطل فأَسلموا نُسلِمْ
_________________
(١) = ﵄، وقد تقدم في أول السورة نحوه عن محمد بن جعفر بن الزبير والربيع بن أنس. ومصالحة النبي -ﷺ- لهم على ما ذكر من الحلل والدروع والأفراس وغيرها رواه أبو داود (٣٠٤١) من طريق السدي عن ابن عباس، وفي سماع السدي من ابن عباس نظر كما قال المنذري ونقله عنه الزيلعي في "نصب الراية" (٣/ ٤٤٥)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٧١) عن السدي، وأبو عبيد في "الأموال" (٥٠٢) عن أبي المليح الهذلي. وقد ورد حديث المباهلة مع وفد نجران عند البخاري (٤٣٨٠)، ومسلم (٢٤٢٠)، عن حذيفة ﵁ قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول اللَّه -ﷺ- يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فواللَّه لئن كان نبيًا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنَّا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، فقال: "لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمين" فاستشرف له أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح"، الحديث. وانظر: "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٧٣ - ٥٨٤)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ١٨٦)، و"فتح الباري" لابن حجر (٨/ ٩٤).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٢٥)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٤١١)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٩٩٥)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٧٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٦٨).
(٣) في (أ) و(ر): "قال فقال هل".
(٤) رواه سعيد بن منصور في "سننه - التفسير" (٥٠٠)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٦٩)، عن الشعبي.
[ ٤ / ٩٠ ]
معكم. فقالوا: إنَّ هذا زمان خروجِ نبيِّ (^١) آخرِ الزَّمان، ونرى فيه بعضَ الأَمَارات دونَ بعضٍ، فنتوقَّفُ ليظهرَ لنا صدقُه من كذبِه، واتَّفقوا (^٢) على قَبول الجزيةِ.
وقال ﵊: "لو خَرَجوا وباهَلوا لَغَصُّوا بريقِهِم حتَّى مَاتُوا" (^٣).
وفي روايةٍ قال: "لاضطرم الوادي عليهم نارًا" (^٤).
وفي روايةٍ قال: "لو ابتهلوا لم يبقَ في الدُّنيا نصرانيٌّ ولا نصرانيَّةٌ إلى يوم القيامة" (^٥).
وفي روايةٍ: "لو تموا لِمَا خرجوا له ما بقي من أهل نجران عينٌ تطرف" (^٦).
وفي روايةٍ قال: "كان العذاب تدلَّى عليهم، ولو فعلوا لاستؤصلوا من جديل -أي: وجه (^٧) - الأرضِ" (^٨).
_________________
(١) بعدها في (ر): "في".
(٢) في (أ): "فاتفقوا".
(٣) لم أقف عليه.
(٤) روى نحوه الآجري في "الشريعة" (١٦٩٠) عن جابر ﵁، وفيه: "والذي بعَثَني بالحقِّ لو فَعَلَا لأَمطَرَ عليهم الوادي نارًا".
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٢٣) وفيه: (وقيل: إن بعضهم قال لبعض: إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم نارًا ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة). وانظر التعليق الآتي.
(٦) قطعة من خبر ذكره دون سند ولا عزوٍ الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٨٥)، والواحدي في "البسيط" (٥/ ٣٢١)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٤٨)، ولفظهم: "ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل اللَّه نجران وأهله حتّى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا".
(٧) "أي: وجه" ليس في (أ)، وفي هامشها: الجديل: "الأرض التي فيها الصلابة".
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٧١) عن قتادة، وفيه: (من جديد الأرض)، وجديد الأرض: =
[ ٤ / ٩١ ]
(٦٢) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: أي: وما اقتَصَصْنا عليك من أمر عيسى فأَتْبَعنا بعضَه بعضًا هو الصِّدقُ الذي لا كذبَ فيه، والحقُّ الذي لا باطلَ فيه.
وقد قصَّ أثرَه يقصُّه قصًّا؛ أي: اتَّبَعَهُ، والقِصاصُ: إتْباعُ الفعلِ الفعلَ، والقَصصُ: إتْباعُ الخبرِ الخبرَ.
قولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾: ﴿مِنْ﴾ لتأكيدِ النَّفي، والمبالغةِ فيه.
قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: المنتقِمُ من أعدائه، الحكيمُ في تعليم الحُجَجِ لأوليائه.
* * *
(٦٣) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: فإنْ أعرضوا عن المباهلة، وقيل: عن الإيمانِ بك وتصديقِهم في هذا، فهم مفسدون النَّاسَ، ومفسدون في الأرضِ، واللَّهُ ﷻ عالمٌ (^١) بعقوبتهم.
* * *
(٦٤) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
_________________
(١) = وجهها، وقيل: الجدد: الأرض الغليظة، وقيل: الأرض الصلبة، وقيل: المسحوية. انظر: "لسان العرب" (مادة: جدد).
(٢) في (ف): "عليم".
[ ٤ / ٩٢ ]
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية: قالَ الحسنُ والسُّدِّيُّ: نزلَتْ في نصارى بني نجران (^١).
وقال قتادةُ والرَّبيعُ بن أنسٍ وابنُ جريجٍ: نزلَت في يهودِ المدينةِ (^٢).
وقال الكلبيُّ: نزلت الآيةُ في اليهود؛ ناظَروا نصارى بني (^٣) نجران في مسجدِ النبيِّ -ﷺ-، فقالت اليهودُ للنَّصارى: دينُنا خيرٌ من دينِكم، ونبيُّنا خيرٌ من نبيِّكم. وقالت النَّصارى لليهود هكذا، حتى وقعوا في ذكر إبراهيم، فقالت اليهودُ: إن إبراهيمَ كان يهوديًّا. وقالت النَّصارى: بل (^٤) كان نصرانيًّا، فكانوا في ذلك إذ دخلَ النبيُّ -ﷺ- المسجدَ، فقالوا: يا محمَّدُ، احكم بينَنا في إبراهيمَ أنَّه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا؟ فقالَ رسولُ اللَّه -ﷺ-: "لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، بل كان مسلمًا"، فغضبت اليهودُ والنَّصارى، وقالوا: إنَّ محمَّدًا يريدُ أنْ نتَّخذَه ربًّا. فنزلَتْ هذه الآيةُ بيانًا أن محمَّدًا -﵇- ماذا يريد منهم (^٥).
قولُه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: نداءٌ لليهود والنصارى.
وقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا﴾: أي: هلمُّوا، وهذا وإن كانَ في الأصل موضوعًا
_________________
(١) في (ر): "نصارى نجران". والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٧٥) عن السدي. وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٣٩٩) عن الحسن والسدي وابن زيد.
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٧٤ - ٤٧٥)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٦٩) عن ابن جريج.
(٣) "بني": من (أ) و(ف).
(٤) في (ف): "إن إبراهيم".
(٥) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٨٥) عن المفسرين. ورواه دون احتكامهم للنبي وقولهم: (إن محمدًا يريد أن نتخذه ربًّا) الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٨١) عن ابن عباس ﵄. وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، وهو مجهول.
[ ٤ / ٩٣ ]
للدُّعاء من سفلٍ إلى علوٍ، ولكن كَثُرَ استعمالُه في الدُّعاء، فصارَ أمرًا بالإقبالِ إلى حيث يُدْعى إليه، ثم صار أمرًا بالقصدِ بالقلبِ إلى ما يُدعى إليه.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾: أي: عدلٍ، وقد بيَّنَّا وجوهَهُ عند قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦].
وقولُه تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ محلُّه خفضٌ؛ لأنَّه ترجمةٌ عن ﴿كَلِمَةٍ﴾.
وقولُه: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ أي: نحن جميعًا مقرُّون أنَّا مخلوقون، وأنَّا عبيدُ اللَّهِ، فالعدلُ أن نعبدَه وحدَه، لا كفعلِ اليهود في عبادة عُزير، ولا كفعلِ النَّصارى في عبادة المسيحِ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾: عطفٌ على ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: كذلك؛ أي: لا تتَّخذوني إلهًا كما اتَّخذَ (^١) اليهودُ عُزيرًا، وكما اتَّخذَ النصارى المسيحَ.
وقال قتادةُ: أي: لا يتَّخذَ الأتباعُ الرؤساءَ (^٢) أربابًا من دونِ اللَّهِ، فيطيعونهم كطاعةِ اللَّه تعالى (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: أعرَضوا عن هذا ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: مخلِصون للَّه بالتَّوحيد والعبادة، وعلى دين إبراهيم، فإنَّه كان حنيفًا مسلمًا.
_________________
(١) في (ف): "اتخذت".
(٢) في (أ) و(ف): "الرؤوس".
(٣) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٧٩) عن ابن جريج.
[ ٤ / ٩٤ ]
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: تعالوا إلى كلمة عدلٍ بيننا وبينكم، تلك الكلمةُ لأنهم كانوا يقرُّون أنَّ خالقَهم وخالقَ السَّماوات والأرض هو اللَّه، فدعاهم إلى (^١) ألَّا يجعلوا عبادتهم إلَّا لمن أقرُّوا له بذلك (^٢).
ثمَّ إنَّما (^٣) قال: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ ثم فسَّرها بكلماتٍ؛ لأنَّ العربَ قد تسمِّي الكلامَ المشتمِلَ على القصَّة الطَّويلة: كلمةً، ويسمُّون القصيدة الطَّويلة: كلمةً.
ويجوز أن يكونَ المرادُ بالكلمةِ: لا إله إلَّا اللَّه، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ تفسيرُها، ثم ما بعدَها تمامُها وتحقيقُها؛ لأنَّ مَن اعترفَ له بالوحدانيَّة لم يشركْ به شيئًا ولم يتخذْ دونَه ربًّا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يظهَرُ صدْقُ هذا بتركِ المدحِ والذَّمِّ لهم، ونفيِ الشَّكِّ (^٤) والشَّكوى عنهم، وتنظيفِ السِّرِّ عن حسبانِ ذرَّةٍ مِن المحوِ والإثباتِ منهم، قال -ﷺ-: "أصدقُ كلمةٍ قالَتْها العربُ قولُ (^٥) لبيدٍ: أَلَا كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّهَ باطلٌ" (^٦).
_________________
(١) "إلى" ليس في (ف).
(٢) انظر: "تفسير الماتريدي" (٢/ ٣٩٣).
(٣) "إنما": من (أ).
(٤) في (ف): "الشرك"، وفي (أ) و(ر): "الشكر"، والمثبت من "اللطائف".
(٥) في (أ) و(ر): "ما قال".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٤٨). والحديث رواه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦)، عن أبي هريرة ﵁. ووقع في (أ) و(ر) ومطبوع "اللطائف" زيادة: "وكل نعيم لا محالة زائل"، ولم نثبتها لأنها لم ترد في كتب السنة، بل على العكس جاء أثر بنفيها، وهو ما جاء في "سيرة ابن إسحاق" (ص: ١٧٩)، و"سيرة ابن هشام" (١/ ٣٧٠)، ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨٣١٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٠٣) في خبر طويل وفيه: أن لبيدًا وهو في مجلس =
[ ٤ / ٩٥ ]
(٦٥) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾: أي: لمَ تخاصمون فيه، فتسمُّونَهُ يهوديًّا أو نصرانيًّا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: مِن بعدِ موتِه.
قيل: نزلَتِ التَّوراةُ بعدَ موتِ إبراهيم بألف سنةٍ، ونزل الإنجيل بعد موته بألفي سنةٍ، واليهوديَّةُ ظهرَتْ مِن أهل التَّوراة لمخالفتهم التَّوراة (^١)، والنصرانيَّة ظهرَتْ مِن أهل الإنجيل لمخالفتهم (^٢) الإنجيل، فكيفَ يصحُّ أن تضافَ هاتان الصِّفتان إلى إبراهيمَ، وقد حدثَتا بعدَه بزمانٍ طويلٍ؟
قولُه تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أي: ليس لكم عقلٌ تتفكَّرون به أنَّ هذا الكلامَ فاسدٌ.
* * *
(٦٦) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) = من قريش ينشدهم، وعثمان جالس معهم، فقال عثمان بعد أن أنشد لبيد الصدر المذكور: صدقت. ثم قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان: كذبت، نعيم الجخة لا يزول.
(٢) "لمخالفتهم التوراة" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "بمخالفتهم".
[ ٤ / ٩٦ ]
قولُه تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: "ها" كلمة تنبيهٍ، ﴿وَأَنْتُمْ﴾ خطابٌ لأهل الكتاب، ﴿هَؤُلَاءِ﴾ تأكيدٌ لـ ﴿أَنْتُمْ﴾.
وقيل: معنى ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الَّذين (^١)؛ أي: أنتم الَّذين حاجَجْتُم.
وقيل: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى: يا هؤلاءِ، على النِّداء مع حذف حرف النِّداء.
أي: أنتم حاجَجْتُم (^٢) محمَّدًا في أن دينكم دينُ موسى وعيسى؛ لأنَّ التَّوراةَ والإنجيلَ أُنْزِلا عليهما، وادَّعيتم أنَّ ما لِدعو إليه محمَّد يخالفُهما؛ لأنَّكم علمْتُم شرائعَ التَّوراة والإنجيل، وسمعْتُم مِن محمَّدٍ ما يخالفُه ظاهرًا، فإنْ جادلْتُم في هذا لهذا العلمِ، فَلِمَ تجادلون (^٣) في إبراهيمَ في (^٤) أنَّه يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، وليس في التَّوراة والإنجيل بيان ذلك؟! فهذه (^٥) مجادلةٌ بغير علمٍ.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أنَّ إبراهيمَ لم يكن كذلك ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أنَّه كان كما تقولون.
وقيل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما غابَ وما حضرَ، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ إلَّا ما حضرَكم أو بلغَكم الخبرُ به، ولم يحضرْكم إبراهيمُ ولا عندكم خبرُه على الصحَّة.
_________________
(١) في (أ): "وقيل معناه هؤلاء يعني الذين"، وفي (ر) و(ف): "وقيل معناه معنى هؤلاء الذين"، والصواب المثبت.
(٢) في (أ): "خاصمتم".
(٣) في (أ) و(ف): "تجادلونه".
(٤) "في" ليست في (أ).
(٥) في (أ): "فهي".
[ ٤ / ٩٧ ]
وقال الكلبيُّ: ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: فيما هو (^١) في كتابكم، و﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: فيما ليس في كتابكم (^٢).
وقال قتادةُ: ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: فيما أدركْتُم وعاينْتُم، و﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: فيما لم تدركوا ولم تعاينوا (^٣).
وقيل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ كذبَكم ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لا تعلمون بما علمْتُم؛ أي: مِن العلمِ ألَّا يُقال شيءٌ على تعيُّن البطلان، ولا على وهم البطلان، وأنتم تقولون ذلك على هذا الوجه.
* * *
(٦٧) - ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾: هذا تصريحٌ بردِّ (^٤) كلامِ الفريقَيْن.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾: فسَّرنا الحنيف في قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، وكشفنا عن أصلِه وحقيقتِه.
يقول: كان إبراهيمُ ﵊ مسلمًا مستقيمًا، مائلًا عن كل خطأ، حاجًّا، مختتنًا، وأنتم يا أهل الكتاب لستُمْ كذلك، فلستُمْ مِن متابعيه.
_________________
(١) في (ف): "فهو ما"، بدل: "فيما هو".
(٢) ورد نحوه لكن دون عزو لقائل في "تفسير السمرقندي" (١/ ٢٢١)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٨٧)، و"البسيط" للواحدي (٥/ ٣٣٨)، وغيرها.
(٣) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٨٤)، وزاد السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٢٣٦) عزوه لابن المنذر وعبد بن حميد.
(٤) في (ر): "يرد".
[ ٤ / ٩٨ ]
قول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: وأنتم تشركون باللَّه، حيث تقولون: عُزيزٌ ابنُ اللَّه، والمسيحُ ابنُ اللَّه.
* * *
(٦٨) - ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾: أي: إنَّ أحقَّ النَّاسِ بدعواه أنَّه على دين إبراهيم.
قوله تعالى: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾: اللَّام جواب ﴿إِنَّ﴾، وهو للتأكيد؛ أي: الذين تابعوه مِن وقتِه إلى هذا الزَّمان.
قوله تعالى: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾: أي: محمَّد المصطفى -ﷺ-؛ لأنَّه اتَّبعَه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: أمَّته (^١)؛ فإنَّهم اتَّبعوه.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: محبُّهم، رفعَ درجةَ متَّبعيه، فجعلَ لهم الولاية كما جعل له الخُلَّة، وكلتاهما اسمٌ للمحبَّة.
وقيل: ناصرُهم.
وقيل: متولِّيهم ومصلحُ أمورهم.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: يدفعُ عنهم تعنُّتَ أعدائهم في إبراهيم، ويظهِرُ الحقَّ في قولِهم (^٢).
_________________
(١) في (ف): "آمنوا باللَّه".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٣٩٦).
[ ٤ / ٩٩ ]
(٦٩) - ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾: أي: أحبَّتْ وتمنَّتْ، و﴿لَوْ﴾ كلمةُ تمنٍّ.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: لو تمَّ ذلك لكانوا في الحقيقة مضلِّين أنفسَهم؛ لأنَّ ضررَ ذلك عائدٌ عليهم بما يكتسبونه من الإثم بإضلالِكم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].
قوله تعالى ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: وما يعلمونَ أنَّ اللَّه يخبرُ نبيَّه عن ذلك.
قيل: وما يعلمون أنَّ ضررَ قصدِهم يعودُ عليهم.
ونزولُ هذه الآيةِ، ونزولُ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، ونزولُ قولِه تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]، نزولُ هذه الآيات الثَّلاث في فنحاص بن عازورا وزيدِ بنِ قيسٍ وجماعةٍ منهم حين دعوا عمَّارًا وحذيفةَ إلى دينِهم، وقد مرَّتْ قصَّته في سورة البقرة في تلك الآية.
وإنَّما قال: ﴿طَائِفَةٌ﴾ لأنَّ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٣].
وقيل في قولِه تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ﴾ أي: لا يَتمُّ لهم ذلك، لكن تلك الشُّبهات التي يريدون استزلالكم (^١) بها هي المتمكِّنة في قلوبهم، فيضلُّون بها أنفسَهم.
_________________
(١) في (ف): "استزلالهم".
[ ٤ / ١٠٠ ]
وقيل: الإضلال هو الإهلاك، ومعنى الآية: يريدونَ إهلاكَكم، وما يهلكون إلَّا أنفَسهم بهذا الفعلِ الباطلِ.
والفرقُ بينَ (ودُّوا لو يضلونكم) و(أرادوا أن يضلوكم): أنَّ الإرادةَ تقتضي تحقيقَ المراد، أو تجري مجرى الاستدعاء إلى الفعلِ، وأمَّا التَّمني بـ (لو) فتقديرُ شيءٍ في النَّفس لا على التَّحقيق.
* * *
(٧٠) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: قال الضحَّاك: أي: بملَّة إبراهيم، وملَّة الإسلام، وبمحمَّد ﵊.
وقال مقاتل: بالقرآن (^١).
وقيل: بالتَّوراةِ؛ ففيها ذكرُ النبيِّ -ﷺ-، وفي جحودِ نبوَّة محمَّد كفرٌ بالتَّوراة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: أي: أنَّ التَّوراةَ حقٌّ وأنَّها من اللَّهِ تعالى وفيها ذِكْرُه.
وقال الكلبيُّ: أي: وأنتم شهداءُ اللَّهِ على نبوَّة رسولِه بما ذكرَ في كتابِكم وتكتمون الشَّهادة (^٢).
وقال الضحَّاكُ ومقاتلٌ: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ به إذا خلوتُمْ فيما بينكم.
_________________
(١) روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٧٧ - ٦٧٦) عن مقاتل معناه، ولفظه: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أن القرآن حق، وأن محمدًا -ﷺ- رسول اللَّه يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وروى عنه أيضًا: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يقول: لم تكفرون بالحجج.
(٢) روى نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٧٦ - ٦٧٧) عن السدي وقتادة.
[ ٤ / ١٠١ ]
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: الآياتُ: تحتملُ القرآنَ، وتحتملُ الرَّسول (^١)، وتحتملُ المعجزات التي جاء بها، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ أي: تعاينون ذلك (^٢).
* * *
(٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: قال الكلبي: أي: تقرُّون ببعض صفة النبيِّ -ﷺ- وتكتمون بعضًا.
واللَّبسُ: الخلطُ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أن ما يدعوكم إليه محمّدٌ حقٌّ، وأنَّه نبيٌّ مرسَلٌ.
وقيل: أي: لِمَ تخلطون التَّوراة بما تكتبونه بأيديكم، وتكتمون الحقَّ فيما تحرِّفونَه، وأنتم تعلمون أنَّ ذلك ليس من التَّوراة؟
وقيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعقلون الأمور، وتميِّزون بين الحقِّ والباطل، ولستم كمَن لا يعلم الحجَّة فيُعذَرَ به.
وقيل: أي: لِمَ تخلطون الإسلام باليهوديَّة أو النَّصرانيَّة، فتقولون: إنها حقٌّ كالإسلام، وأنتم تعلمون أنَّ الدِّين عند اللَّه الإسلام؟
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بدلالة الخلقة وبشهادةِ كتبكِم أنَّ دينَ اللَّه حقٌّ (^٣).
_________________
(١) في (أ): "السورة".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٠١).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٠١).
[ ٤ / ١٠٢ ]
وقيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما جزاءُ مَن لبَّسَ الحقَّ بالباطل.
* * *
(٧٢) - ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾: أي: جماعة، وهي مِن الطَّواف، ولها معنيان:
أحدهما: أنها رفقةٌ تطوف في البلاد في السَّفر.
والثَّاني: أنها جماعةٌ تستوي حلقة يُطافُ حولَها (^١).
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: اتَّفقَ المفسِّرون أنَّهم اليهودُ هاهنا.
قال السُّدِّيُّ: تواطأَ اثنا عشر حبرًا من اليهود على أن يُؤمنوا بمحمَّدٍ -ﷺ- ثم يكفروا به، فإذا سُئلوا قالوا: لم يكن بذاك. فحذَّرَ اللَّهُ ﷻ المؤمنين مكرَهم.
قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: عن دينِهم، ومعناه: آمِنوا بالقرآن الَّذي أُنزل على محمَّدٍ، وهو كالمُنزَل على المؤمنين أيضًا؛ لأنَّ نفعَه لهم جميعًا.
﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾: أوَّله؛ لأنَّه أوَّلُ ما يواجَه منه، كوجه الثَّوب، ولأنَّ وجهَ (^٢) الشيء: أعلاه وأشرفه. ونصبُهُ على الظَّرف.
ومعناه عند الأكثر: صدِّقوهم في أوَّل النَّهار، وكذِّبوهم في آخرِه؛ فإن ذلك يحملُهم على الرُّجوع عن دينِهم.
_________________
(١) انظر: "روح المعاني" (٤/ ٢٧٥)، وفيه: (. . يسوَّى بها حلقةٌ. .).
(٢) في (ف): "ووجه" بدل: "ولأن وجه".
[ ٤ / ١٠٣ ]
وقال الكلبيُّ: قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: قدمَ النبيُّ -ﷺ- المدينةَ وهو يصلِّي نحو بيتِ المقدس، فأَعجبَ اليهودَ ذلك وطمعِوا فيه، فلمَّا صُرِفَ إلى الكعبة -وذلك عند الظُّهر- قال كعب بن الأشرف ومالك بن الصَّيف وكعب بن أسيد: آمِنوا بالذي أنزل على محمَّدٍ وجه النَّهار واكفروا آخِرَه؛ أي: انظروا إلى القبلة التي صلَّى إليها (^١) آخر النَّهار واكفروا (^٢) بها؛ لعلهم يرجعون إلى القبلة، ويقولون: هم أهل الكتاب، وهم أعلم منا. فيرجعون إلى قبلتكم (^٣).
وقال مقاتل: معناه: أظهِروا الإيمان في صدر النَّهار لِمَا سلفَ منكم من الإقرار لمحمَّدٍ، ثم ارجعوا في الآخر؛ لتُوْهِموهم أنه وقع الغلط عليكم في صفته. وفيه تشكيكُ ضعَفة المسلمين؛ فإنهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، ولو أرادوا الكفر حسدًا مع تيقُّنهم بصدقه لم يؤمنوا، وحيث آمنوا دلَّ أنهم يلتمسون (^٤) الحقَّ، ثم رجعوا لعلمهم أنه ليس هو كذلك (^٥).
وقالوا: على هذا يكون المراد من ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ و﴿آخِرَهُ﴾: وقتَيْن مختلفَيْن، ولا يختصُّ ذلك بأوَّلِ النَّهار وآخرِه.
وقيل: معناه: نافِقوا أصحابَ محمَّدٍ، فآمِنوا وجه النَّهار إذا لقيتُموهم، واكفروا
_________________
(١) في (ف): "أول النهار واكفروا آخر النهار".
(٢) في (أ): "فاكفروا".
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٤٨) عن الكلبي، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٤٩٧) من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ﵄، دون ذكر أسماء اليهود، وإسناده ضعيف جدًا. وذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٩١) عن مجاهد ومقاتل والكلبي.
(٤) في (أ): "ملتمسون".
(٥) في (أ) و(ف): "ذلك". وانظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٢٤٨)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٩١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٤).
[ ٤ / ١٠٤ ]
آخرَه إذا خلوتُم بأهل دينكم؛ فإنَّ أمرَهم في اضطرابٍ، ونحن نطمع أن يضعُفَ أمرُهم فيرجعوا إلى دينكم. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤].
وفيه معجزةُ النبيِّ -ﷺ-؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى أطلَعه على سرائرِهم ولم يجحدوا ذلك، فدلَّ على أنَّه باللَّه علِمَ ذلك.
* * *
(٧٣) - ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ (^١):
آمنَ له؛ أي: صدَّقه؛ قال تعالى خبرًا عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، وقال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦].
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: يحتمل أن يكون ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾؛ أي: في السرِّ، ويتبيَّنُ به أن قولهم: (آمِنوا وجهَ النهار) كان للظاهر (^٢)، ثم نَهَوا عنه في الباطن؛ أي: أظهِروا لهم الإسلام والموافَقة، ولا تؤمنوا به في الحقيقة.
قال: ويحتمِل ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ في أمر القِبلة خاصَّةً؛ أي: صدِّقوهم في كون القبلة بيتَ المقدس، ولا تصدِّقوهم في أن القبلة هي الكعبة.
_________________
(١) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ لم يرد هنا في النسخ، وإنما جاء موزعًا ضمن الأقوال، فوضعنهاه هنا لأن ما سيأتي من أقوال مرتبط بالآية مجتمعة.
(٢) في (أ) و(ر): "للإظهار".
[ ٤ / ١٠٥ ]
وأرادوا به المحاجَّة [بالموافقة] في أحد الوقتَيْن عليهم، أن يقولوا: لا نزال ننتقل مِن دينٍ إلى دينٍ، فلا نأمَنُ البقاء على دينٍ، وإنَّ مَن لزم الدِّين الأوَّل أحقُّ بالموافقة، وأنكروا جواز نسخِ الشَّرائع (^١).
وفي نَظْم الآية غموضٌ، ولأهل التَّفسير فيه وجوهٌ:
قال مقاتلٌ: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وذلك أنَّ اليهودَ قالوا للسَّفِلة: لا تصدِّقوا بالنبوَّة إلَّا لمن تبعَ دينكم اليهوديَّةَ، وصلى إلى قبلتكم بيتِ المقدس؛ فإنَّه لن يُؤتَى أحدٌ من النَّاس مثلَ ما أوتيتم من التَّوراة والمنِّ والسَّلوى، واثبتوا على دينكم، ولا تخبروا أحدًا بأمر محمَّدٍ ﵇ فيحاجُّوكم به عند ربِّكم، ﴿قُلْ﴾ يا محمَّدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: دينُ اللَّه (^٢) الإسلامُ، وقبلةُ اللَّه الكعبةُ، و﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ جوادٌ أعطى محمَّدًا النُّبوَّةَ والرِّسالةَ، وأكرمَ أمَّته بنبيِّه -ﷺ- ﴿عَلِيمٌ﴾ بخَلْقه (^٣).
وقيل: ﴿عَلِيمٌ﴾ بمَنْ يستحقُّه.
وقيل: تقديرُه: ولا تؤمنوا أن يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم (^٤) وأنْ يحاجُّوكم عندَ ربِّكم في القيامةِ؛ أي: لا يُعطى أحدٌ مثلَ (^٥) ما أُعطيتم، ولا حجَّة عليكم لأحد، فلا تصدِّقوا أن أصحاب محمد أهدى منكم فيحاجُّوكم بدينهم (^٦) في الآخرة عندَ ربكم.
_________________
(١) انظر: "تأويلات اهل السنة" (٢/ ٤٠٣)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) "اللَّه": من (أ).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٨٤)، و"تفسير السمرقندي" (١/ ٢٤٨).
(٤) في (ف): "أوتي موسى"، وفي هامشها كالمثبت.
(٥) "مثل" ليس في (أ).
(٦) في (ف): "بدينكم".
[ ٤ / ١٠٦ ]
(٧٣) - ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ هي مَقالةُ اليهود، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ أي: الدِّينُ الحقُّ دينُ اللَّه، ولن يُعطى أحدٌ من الهدى والبيان مثل ما أُعطيتم يا أمَّة محمَّدٍ، ولم يعطَ اليهودُ والنَّصارى مِن الهدى فيخاصموكم به عند ربِّكم، بل لكم الحجَّةُ البالغة على مَن خالفَكم، ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ﴾؛ أي: النُّبوَّةَ (^١) والإسلامَ ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾، يعطيه مَن يشاء، وليس أحدٌ ينالُه إلَّا باللَّهِ ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٢).
وقيل: معناهُ: إنَّ البيانَ بيانُ اللَّهِ، والهدى بمعنى البيان، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]؛ أي: بيَّنَ اللَّهُ ألَّا يُؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم يا أمَّةَ محمَّدٍ، وألَّا يحاجُّوكم يومَ القيامة؛ لأنَّ الحقَّ ظاهرٌ يومَئذٍ، وقد زالَ التمويه (^٣) فلا يجادلونكم يومَئذٍ بالباطل، و(لا) مُضمرَةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وقوله: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ صلةُ قولِ النَّبيِّ ﵇ (^٤): ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ ولن يُؤتى أحدٌ مِن الآيات مثلَ ما أوتيْتُ
_________________
(١) في (ر): "فلأن الفضل والنبوة"، وفي (ف): "فلأن الفضل النبوة". بدل: " ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ﴾ أي النبوة".
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٠٢) عن السدي.
(٣) في (ر) و(ف): "وقد زالت اليهودية".
(٤) في (ر) و(ف): "قوله للنبي".
[ ٤ / ١٠٧ ]
أنا؛ لأنَّ آياتِهم كانت حسَّيةً يفقهُها كلُّ أحدٍ، وآياتي (^١) عقليَّةٌ لا يفهمها (^٢) إلَّا الخواصُّ مِن النَّاس (^٣).
أو هو خطابٌ للمؤمنين: مثل ما أوتيْتُم مِن الحججِ والبيِّنات الَّتي توضِّح أنَّ الحقَّ في أيديكم.
وقيل: هما كلامان من اليهود، ولهما جوابان:
أحدهما: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، وجوابه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾.
والثَّاني: مع إضمار (ولا تؤمنوا) ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، وجوابه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾.
وقيل: لا إضمار ثانيًا، وتمَّ كلام اليهود بالأوَّل، والثَّاني (^٤) جوابٌ، وإعادة ﴿قُلْ﴾ لطول الكلام، أو التَكريرُ للتَّأكيد والتَّقرير.
وقيل: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾: ﴿أَوْ﴾ للغايةِ، كما يُقال: (كُلْ أو تشبعَ) بالنَّصب، و: (لا تفارقْهُ أو (^٥) يعطيَكَ حقَّكَ)، وتقديرُ الكلامِ: لا تصدقوا أن يُؤتى أحدٌ مثل ما أوتيْتُم
_________________
(١) في (ف): "وآياتك". وفي "التأويلات": (وآيات رسول اللَّه).
(٢) في (ر) و(ف): "يفقهها"، والمثبت من (أ) و"التأويلات".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٠٥).
(٤) في (أ): "والباقي".
(٥) في (ف): "حتى"، وهي معنى (أو) على هذا القول. قال الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٩٢): وقال الفرّاء: ويجوز أن يكون (أو) بمعنى (حتّى) كما يقال: تعلَّقْ به أو يعطيَك حقّك؛ أي: حتى يعطيك حقّك، وقال امرؤ القيس: فقلت له لا تبك عينك إنّما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا أي: حتى نموت. وانظر التعليق الآتي.
[ ٤ / ١٠٨ ]
إلَّا أنْ (^١) يحاجُّوكم عند ربِّكم فيُثبتوا ذلك عليكم بالحجَّة. وهذا على التَّبعيدِ وقطعِ الطَّمعِ، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وهذا لا يكون. وهذا قول الفرَّاء.
* * *
(٧٤) - ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: قال الحسن ومجاهد والرَّبيع: أي: بالنبوَّة (^٢)، كما قال ﷿: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
_________________
(١) في (أ): "إلى أن"، والمثبت من (ر) و(ف)، والمعنى واحد، فإن (أو) في هذا الموضع تصلح بمعنى: (إلى أن) و(إلا أن)، ثم هناك مواضع من الكلام يصلح فيها كلا اللفظين، كهذه الآية وكبيت امرئ القيس السابق، وهناك مواضع يصلح فيها أحدهما، فمن الآتية بمعنى (إلى أن) قول الشاعر: لأستسهلن الصعب أو أدركَ المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر ومن الآتية بمعنى (إلا أن) قول الشاعر: وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما انظر: "شرح الكافية الشافية" لابن مالك (٣/ ١٥٤٠ - ١٥٤١). وقال ابنه في "شرح التسهيل" (٤/ ٢٥): (وكل ما يصح فيه تقدير (أو) بـ (إلى أن) يصح فيه تقديرها بـ (إلا أنْ)، من غير عكس. ولذلك لم يذكر سيبويه إلا تقديرها بـ (إلا أن)، وهو الصواب). قلت: والضابط -واللَّه أعلم- في استعمال أحد اللَّفظين المذكورين: أن الفعل الذي يصلح للاستمرار وتطاول المدة يجوز بعده (إلى أن) و(إلا أن) كقوله: (نحاول ملكا) وقول الآخر: (لأستهلن الصعب)، وما لا يصلح للاستمرار فلا يقدر بعده إلا (إلا أن) كفعل الكسر في قوله: (كسرت كعوبها)، فلا يستقيم أن يقول: كسرت إلى أن تستقيم.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٧٠٥) عن مجاهد والربيع، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٨٢) عن مجاهد، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٤٠٢)، والواحدي في "البسيط" (٥/ ٣٥٩) عن الحسن ومجاهد والربيع. وروي عن الحسن غير ذلك، انظر التعليق الآتي.
[ ٤ / ١٠٩ ]
وقيل: أي: بالإسلام (^١).
وقال ابن جريج: أي: بالقرآن (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: ذو الإفضال والإنعام.
وفي الآية تدميرٌ على القائلين بوجوب الأصلح.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يحتمِل أن يكون هذا ابتداءَ أمرٍ من اللَّه تعالى للمسلمين (^٣)، ومعناه: لا تعاشروا الأضداد، ولا تُفشوا أسراركم للأجانب.
وقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: بنعمتِه؛ فقومٌ اختصَّهم بنعمةِ الأرزاق، وقومٌ اختصَّهم بنعمة الأخلاق، وقومٌ اختصَّهم بنعمة العبادة، وقومٌ اختصَّهم بنعمة الإرادة، وآخرين بتوفيق الظَّواهر، وآخرين بتحقيق (^٤) السَّرائر، وآخرين بعطاء (^٥) الأبشار، وآخرين بلقاء الأسرار؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
ودلَّتِ (^٦) الآيةُ أنَّ الوسائلَ ليس بها شيءٌ، وإنَّما الأمرُ بمشيئةِ اللَّهِ تعالى (^٧).
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٨٣) عن الحسن.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٧٠٥)، وابن المنذر في "تفسيره" (٦١٠) عن ابن جريج، كلاهما بلفظ: (القرآن والإسلام).
(٣) في (ر) و(ف): "للمؤمنين"، والمثبت من (أ) و"اللطائف".
(٤) في (ر) و(ف): "بتخصيص".
(٥) في (أ): "بغطاء"، والمثبت من (ر) و(ف) و"اللطائف".
(٦) في (أ): "فدلت". ولفظ "اللطائف": (ويقال: لمّا سمعوا قوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ علموا أن الوسائل ليست بهادية، وإنما الأمر بالابتداء والمشيئة).
(٧) في (أ) و(ف): "بالمشية" بدل: "بمشيئة اللَّه تعالى".
[ ٤ / ١١٠ ]
قال: وقيل: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤] بالفَهم عنه فيما يكاشفُ به من الأسرار، ويلقيه فيه مِن فنون الأنوار (^١).
* * *
(٧٥) - ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾: وصفَ سبحانَه بعضَ أهلِ الكتاب بحُسن الاعتقاد في (^٢) قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٧٣]، وبعضَهم بحسن المعاملة كما في هذه الآية (^٣)، وهو أداءُ الأمانةِ.
والقنطارُ مرَّت الأقاويل فيه في قوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤].
و﴿تَأْمَنْهُ﴾ بمعنى: تأتمِنْه، يُقال: أَمِنه وائتمَنه؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وهذا الخطابُ (^٤) لكلِّ سامعٍ.
وقال الكلبيُّ: معناه: مَن إنْ تبايِعْه بالنَّسيئة بثمن قنطارٍ من الذَّهب والفضَّة يؤدِّه إليك ولا يمطلُك، وهم مؤمنو أهل الكتاب؛ عبدُ اللَّه بن سلام وأصحابه.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٥٠ - ٢٥١). والعبارة الأخيرة فيه: (ويلقيه إليه من فنون التعريفات).
(٢) في (ر): "كما في"، وليست الكلمتان في (ف).
(٣) في (أ) و(ف): "هاهنا" بدل: "كما في هذه الآية".
(٤) في (ف): "خطاب".
[ ٤ / ١١١ ]
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾: ملحًّا متقاضيًا (^١).
قال الكلبيُّ: ومنهم مَن إن تبايعه بالنَّسيئة بدينارٍ لا (^٢) يؤدِّه إليك إلَّا ما دمْتَ على رأسه (^٣) قائمًا؛ أي (^٤): مُلحًّا مُتقاضيًا، وهو قول مقاتل أيضًا (^٥).
وقال أبو سهلٍ: أي: إلَّا أن يكون البيع يدًا بيدٍ.
وقال الضحَّاكُ: هذا في أداء الأمانة؛ أي: الوديعة ونحوها.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: القنطار والدِّينار للتَّمثيل؛ أي: منهم مَن يؤدِّي الكثير، ومنهم مَن لا يؤدِّي القليل، وهو كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزله: ٧ - ٨]. (^٦).
قالوا: وظاهرُه وإن كان يتناولُ أهلَ الكتابِ، لكنَّ عامَّة أهلِ التَّفسير (^٧) على أنَّ الوصف بالأمانة لمن أسلمَ منهم؛ لأنَّ المرادَ مِن الآية -واللَّهُ أعلم-: أنَّ اليهود ادَّعوا أنهم المخصوصون بالفضل دون غيرهم، فردَّ اللَّهُ ﷻ عليهم قولهم؛ لأنَّ أداءَ الأمانةِ واجبٌ في الأديان كلِّها، والخيانةُ حرامٌ، ولو ائتُمِنَ أحدُهم على أمانةٍ قليلةٍ
_________________
(١) "ملحًّا متقاضيًا" من (ر).
(٢) في (أ): "لم".
(٣) في (ر) و(ف): "عليه".
(٤) "أي" ليس في (أ) و(ف).
(٥) روى نحوه الطبري في "تفسره" (٥/ ٥٠٩) عن مقاتل ومجاهد.
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٠٧).
(٧) في (أ) و(ف): "عامة المفسرين".
[ ٤ / ١١٢ ]
لم يؤدِّها إلَّا بعد طول (^١) التَّقاضي والإشفاقِ من سوء القالة، فلا يجوز لكم أن تدَّعوا الفضلَ لأنفسِكم وهذا وصفُكم، وإذا كان هذا لذمِّهم (^٢) كيف يجوز مدحُ الواحد منهم بأداء الأمانة الجليلة؟
والدَّليلُ على أن التَّفضيل على هذا الوجه قولُه تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فلم يميِّزْ مِن المذمومين إلَّا المؤمنين، وقد ذكرنا عن الكلبي كذلك.
وقال مقاتلٌ: الأوَّلون عبد اللَّه بن سلامٍ وأصحابه، والآخرون الكفَّار من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه (^٣).
وقال القتبي: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ أي: مواظبًا على التَّقاضي، ووصفُه بالقائم عليه (^٤) استعارةٌ؛ لأنَّ الطَّالب (^٥) للشَّيء يقوم فيه، والتَّاركَ له يقَعد عنه، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، ونحو ذلك (^٦).
_________________
(١) في (ر): "سوء".
(٢) في (ر): "لذمكم".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٨٥).
(٤) "عليه": من (أ).
(٥) في (أ): "المطالب".
(٦) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١١٥ - ١١٦).
[ ٤ / ١١٣ ]
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ أي: ذلك الاستحلالُ ومنعُ الأمانةِ وتركُ قضاءِ الدَّين بسبب أنهم يعتقدون ويقولون: ليس علينا في أخذِ أموال العرب مأثمٌ، ويقولون: في كتابنا كذلك.
ونفي السَّبيل: نفيُ المطالبة؛ قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، وتحقيقُه: أن المُطالِب لا يتمكَّن من المطالبة إلَّا إذا وجدَ السَّبيل إلى المطلوب.
وقال مقاتلٌ: إنَّ المسلمين بايعوا اليهود في الجاهليَّة، فلمَّا تقاضاهم المسلمون في الإسلام قالوا: لا حرجَ علينا في حبسِ أموالهم؛ لأنَّهم ليسوا على دينِنا، وزعموا أنَّ ذلك حِلٌّ لهم في التَّوراة (^١).
وقيل: كانوا يقولون: نحن أبناء اللَّه وأحبَّاؤه، وسائر النَّاس عبيدٌ لنا، لا جُناح علينا في أموالهم وأخذِها.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: أرادوا بـ (الأميين): العرب؛ حيث كانوا لا كتاب لهم.
قال: وقيل: أرادوا بـ (الأميين) جميع المسلمين؛ قال النبيُّ -ﷺ- (^٢): "نحنُ أمَّةٌ أُميَّةٌ، لا نحسُبُ ولا نكتُبُ" (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: ردَّ اللَّه تعالى عليهم قولَهم أنَّ هذا في التَّوراة، قالَ: يكذبون على اللَّه في هذا ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أنهم يكذبون على اللَّه.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٨٥). وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥١٢) عن ابن جريج.
(٢) في (ف): "فإن النبي -ﷺ- قال" بدل: "قال النبي -ﷺ-".
(٣) انظر: "تفسير الماتريدي" (٢/ ٤١٠)، والحديث رواه البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠)، عن عبد اللَّه بن عمر ﵄.
[ ٤ / ١١٤ ]
وقيل: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّه تعالى أمرَ في التَّوراة بأداءِ الأمانة في حقِّ الكلِّ.
وقال الضحَّاكُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الذي يدعو إليه محمَّدٌ حقٌّ.
* * *
(٧٦) - ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: ﴿أَوْفَى﴾ بمعنى: وفَّى؛ إلَّا أنَّ لغة أهل الحجاز: أوفى، ولغة أهل نجد: وفَّى.
و﴿بَلَى﴾ ردٌّ لِمَا قبلَه؛ أي: ليس كما قالت اليهودُ.
وقوله تعالى: ﴿بِعَهْدِهِ﴾؛ أي: بعهد اللَّه، فقد سبق ذكره في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.
وقيل: أي: مَن أوفى بعهدِ نفسِه؛ أي: ليس كما قالوا: ليس علينا في الأمِّيين سبيل، بلى مَن أوفى بعهده، فأدَّى الأمانةَ واتَّقى اللَّهَ فلم يخفِها، فإن اللَّه يحبُّه؛ لأنَّه يحبُّ المتَّقين.
وقيل: معناه: كيفَ يصحُّ قولُهم: ليس علينا في الأميِّين سبيل، وفيهم مَن أوفى بعهدِه واتَّقى، واللَّه يحبُّ المتقين.
وقيل: بلى مَن أوفى بعهده وَاتَّقى، وأدَّى الأمانةَ -وهم المذكورون في أوَّل الآية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ - فإنَّ اللَّه يحبُّه.
فإنْ قيلَ: لِمَ لَمْ يقلْ: فإنَّ اللَّهَ يحبُّه، وهو أقربُ إلى الإيجاز؟
[ ٤ / ١١٥ ]
قلْنا: أعاد ذكرَ المتَّقين إبانةً (^١) أنَّهم بما (^٢) ينالون هذه المحبَّة، وليكون وعدًا لكلِّ متَّقٍ بأيِّ شيء اتَّقى، لا للمذكورين في الآية على الخصوص.
وقال عطاءٌ: بلى مَن أوفى بما عاهد عليه اللَّه (^٣) في التَّوراة، واتَّقى اللَّهَ فيما أحلَّ وحرَّم، وعمل بفرائضه، واتَّقى سخطَه، فإنَّ اللَّهَ يحبُّ مَن كانت هذه صفتُه، مع الإيمان بمحمَّدٍ ﵊، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وذلك أنَّهم عاهدوا اللَّه تعالى: لئنْ بعثَ محمَّدًا ليؤمنُنَّ به وليصدِّقُنَّه، وعاهدهم اللَّه تعالى لئن فعلوا ذلك ليدخلنَّهم الجنَّة.
* * *
(٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ذكرَ وعيدَ ناقض العهدِ بعدَما ذكرَ وعدَ الموفي بالعهد.
والاشتراء به (^٤) ثمنًا قليلًا: هو الاعتياض به ذلك، وقد ذكرنا تحقيقَه في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠].
ونزلت الآية في اليهود؛ فإنَّ جماعةً مِن أحبارِهم أتوا كعبَ بنَ الأشرف في قحطٍ يطلبون منه طعامًا، فقال: ما تقولون في هذا الرَّجل الذي يقول: أنا رسول اللَّه؟
_________________
(١) في (ر): "في آياته"، وفي (ف): "الإبانة".
(٢) في (ف): "بها".
(٣) في (ف): "أوفى بعهده مما عاهد اللَّه عليه".
(٤) في (ف): "واشترائه".
[ ٤ / ١١٦ ]
فقالوا: هو عبد اللَّه ورسوله إلى خلقِه. فقال كعب: لو قلتم غير هذا كان لكم عندي طعامٌ وعطاءٌ، فقالوا: نرجع ونتأمَّل، فرجعوا وعادوا وقد بدَّلوا نعتَه بنعت الدَّجال، وقالوا (^١): وجدنا في التَّوراة كذلك. فحلَّفهم لا (^٢) يرجعون عن هذا، فحلفوا، فأعطى كلَّ واحدٍ منهم ثماني أذرعٍ من كرباسٍ، وصاعًا من شعيرٍ، فنزل في شأنهم هذا (^٣).
وقيل: نزلت في عَيدان (^٤) وامرئ القيس (^٥). . . . . .
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فقالوا".
(٢) في (ف): "أن لا".
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٥٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٩٨) وعزاه للكلبي.
(٤) في (ر) و(ف): "عبدان"، وكذا وقع في أكثر المطبوعات: (عبدان) بالباء، والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (١/ ٤٥٢) حيث قيده بفتح العين وبعدها ياء نقلًا عن أصحاب المشتبه.
(٥) انظر: "تفسير السمرقندي" (١/ ٢٥٠)، وعزاه لابن عباس من رواية أبي صالح، وفيه: "امرئ القيس بن عابس الكندي وعيدان بن أشوع الحضرمي". والقصة رواها الإمام أحمد في "المسند" (١٧٧١٦)، والنسائي في "الكبرى" (٥٩٥٣)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٥١٧)، من حديث عدي بن عميرة. وجاء في رواية أحمد أن رسول اللَّه -ﷺ- تلا الآية، دون التصريح بنزولها في هذه القصة، وسندها صحيح. وقد ورد في كتب السنة في سبب النزول ما رواه البخاري (٢٤١٦)، وأبو داود (٣٢٤٣)، والترمذي (١٢٦٩)، والنسائي في "الكبرى" (٥٩٤٨)، وابن ماجه (٢٣٢٣)، من حديث الأشعث بن قيس ﵁ أنها نزلت فيه وفي رجل من اليهود اختلفا على أرض، قال الأشعث: فقدمتُه إلى النبي -ﷺ-، فقال لي النبيُّ -ﷺ-: "ألكَ بينَةٌ؟ " قلت: لا، قال لليهوديِّ: "احْلِفْ" قلت: يا رسول اللَّه، إذًا يحلفَ ويذهبَ بمالي، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية. وللحديث في الصحيح روايات أخر سيأتي بعضها. وروى البخاري (٢٠٨٨) أيضًا عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أَوْفَى ﵁ قصة أخرى في نزولها: أنَ رجلًا أَقام سِلعةً وهو في السُّوقِ، فحلفَ بِاللَّهِ لقد أَعْطَى بها ما لم يُعْطِ ليُوقِعَ فيها رجلًا مِن المسلِمِين، فنزلتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيةَ. =
[ ٤ / ١١٧ ]
وقد بيَّنا ذلك عند تفسير قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قيل: عهدُ اللَّه: أمرُه ونهيُه، ويحتمِل أن يكون هذا (^١) عهدَهم في التَّوراة؛ أن لا يكتموا نعتَ محمَّدٍ ويُظهروه للنَّاس، فكتموه، و(أيمانهم): هي أيمانُهم التي حلفوا كذبًا أنْ ليس في التَّوراة نعتُه، مخافةَ ذهاب الرِّئاسة والمأكلة.
ويحتمل أن يكون عهدُ اللَّه والأيمان واحدًا، وهو الحَلِف على أكلِ (^٢) مالِ الغير بالباطل؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١].
ويحتمل أن يكون عهد اللَّه: هو ما قبلوا عن اللَّه ﷻ، وما ألزمهم اللَّه تعالى، والأيمان: ما حلفوا (^٣).
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: ليس لهم فيها نصيبُ خير ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: لا يخاطبهم اللَّه خطابَ لطفٍ ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: نظرَ رحمةٍ.
_________________
(١) = قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٢١٣): لا منافاةَ بينهما، ويُحْمَلُ على أنَّ النُّزولَ كان بالسَّببَينِ جميعًا ولفظُ الآيةِ أعَمُّ مِن ذلك. قلت: ويمكن أن يقال: إنها نزلت في واحدة من القصص المذكورة، وتلاها النبي -ﷺ- في باقي الحوادث تلاوة فقط تحذيرًا من الحلف الكاذب.
(٢) في (ف): "هو".
(٣) في (أ): "أخذ".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤١١ - ٤١٢).
[ ٤ / ١١٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: قيل: أي: لا يُنمِّي أعمالهم بالثَّواب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، وقيل: أي: ولا يُثْني عليهم بالخير، وقيل: أي: ولا يطهِّرهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلمٌ.
وقد كشفنا ذلك كلَّه (^١) على الوجه في سورة البقرة.
وقال السُّدِّيُّ: نزلَتْ في الأشعثِ بنِ قيسٍ، نزلَ على بئرِ رجلٍ مِن قومِه كانَ ذلك الرَّجلُ احتفرها ونزلَ عندها (^٢) ثم ارتحلَ عنها، فنزل عليها الأشعثُ، فجاء الرَّجلُ وخاصمَه إلى النبيِّ -ﷺ-، فسألَ النبيُّ -ﷺ- صاحبَه البيِّنةَ فلم يأتِ بها، فاستحلفَ الأشعثَ فحلفَ عليها، فقالَ النبيُّ -ﷺ-: "مَن حلَفَ على مالِ أخيه فاقتطعه (^٣) ظلمًا لقيَ اللَّهَ تعالى معرضًا عنه" (^٤).
فيحتمل أنَّها نزلت في هذه الحادثة، فكانت بعمومها صالحةً لقصَّة اليهود،
_________________
(١) "كله": من (أ).
(٢) في (أ): "ونزلها"، وفي (ف): "ونزل عليها".
(٣) في (ف): "فاقتطعه".
(٤) لم أقف عليه، وهو مخالف لما في الصحيحين، ففيهما أن النبي -ﷺ- طلب من الأشعث البينة، ومن غريمه الحلف لما لم يأت الأشعث بالبينة، رواه البخاري (٢٥١٥)، ومسلم (١٣٨)، وليس فيهما ذكر الحلف من أي منهما. وكذا روى الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥١٨) عن ابن جريج: أن الأشعث لم يحلف وتحرج وأعطاه الأرض وزاد من عنده أرضًا أخرى. وجاء في بعض روايات البخاري والسنن أن القصة وقعت بين الأشعث ويهودي، وقد تقدمت الرواية بذلك قريبًا.
[ ٤ / ١١٩ ]
فضُمَّت إلى الآية التي (^١) قبلها، ويحتمل (^٢) أن تكون نزلَتْ في اليهود وصلحَتْ في هذه الحادثة (^٣).
وقال مجاهدٌ والشَّعبي رحمهما اللَّه: أقامَ رجلٌ سلعةً أوَّلَ النَّهار، فساومَه (^٤) رجلٌ آخرَ النَّهار، فحلفَ باللَّه الَّذي لا إلهَ إلَّا هو لقد طُلب منه (^٥) هذا أوَّلَ النَّهار بكذا وكذا، ولولا المساءُ لما باعه (^٦) بهذا الثَّمن، فنزلَتِ الآيةُ (^٧).
* * *
(٧٨) - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾: اللَّيُّ في الشَّيء: أن يجعلَ ظاهرَه باطنَه، وباطنَه ظاهرَه، ولَيُّ العُنق واليد والحبل: هو الفَتْل، وأصله: عطفُ الشيء عن الاستقامة إلى الاعوجاج، والالتواء: الانحراف والانعطاف.
ومعناه: وإنَّ فريقًا من أهل الكتاب ليلوون، فلمَّا وقع الاسم موقعَ الخبر في
_________________
(١) (ف): "وتضمنت الآية"، بدل: "فضمت إلى الآية التي".
(٢) (أ): "ويجوز".
(٣) (ف): "لهذا"، بدل: "في هذه الحادثة".
(٤) (ر) و(ف): "فسامه".
(٥) (ر): "مني".
(٦) (ر) و(ف): "لم أبعه".
(٧) الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥١٩). وهو بنحوه في "صحيح البخاري" (٢٠٨٨) من حديث ابن أوفى وقد ذكرناه قريبًا.
[ ٤ / ١٢٠ ]
الذِّكر أُدخلَتِ اللَّام فيه، وموضعُها الخبر إذا ذُكر على التَّرتيب، ومعنى ﴿يَلْوُونَ﴾: يحرِّفون الكلامَ ويعدِلون به عن القصد؛ أي: إنَّ جماعةً من اليهود خاصَّةً يحرِّفون ألسنتهم بالتَّوراة.
قوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي: لتظنُّوه أنتم (^١) مِن التَّوراة ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: وليس هو من ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: يقولون لكم: إنه منزل من عند اللَّه ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾؛ أي: وليس هو بمنزَّلٍ مِن عند اللَّه (^٢) ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾؛ أي: ما لم يقله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يعلمون أنهم كذلك.
وقيل: قوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾؛ أي: بما كتبوهُ بأيديهم، وقوله: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: مِن التَّوراة، فهذا غيرُ الأوَّل، وأرادَ أنَّهم يغيِّرون (^٣) التَّوراة إذا أظهروا لكم الاحتجاجَ بالتَّوراة، وإذا احتججْتُم عليهم بالشَّيء مِن نعتِ محمَّدٍ مضافًا إلى التَّوراة، وهذا تزويرٌ منهم، فلا تقبلوا ذلك منهم.
وفي الآية تنبيهٌ على أنَّه لا ينبغي للمُذكِّر (^٤) أن يجازفَ فيقولَ عندَ قراءة القارئ أشياءَ لا تليق بالآية، فإنَّه يرى النَّاسُ أنَّه تفسير (^٥) هذه الآية، والسَّامعُ يعتقد أنَّه يخبر به (^٦) عن اللَّه تعالى، وهو تقوُّلٌ على اللَّه إذا قالَ ما يخالفه.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أنه".
(٢) من قوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى هنا ليس في (ف)، وفيها بدلًا عنه: "وليس فيها".
(٣) في (أ): "لم يعيروا"، ولعله تحريف.
(٤) في (ف): "للمفسر".
(٥) في (ر) و(ف): "يفسر".
(٦) "به": من (أ).
[ ٤ / ١٢١ ]
(٧٩) - ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾: قوله: ﴿مَا كَانَ﴾ له وجهان:
أحدُهما: النَّفيُ؛ أي: لا يكون الرَّسول بهذا الوصف بحالٍ، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥].
والثَّاني: أنَّ معناه: حرامٌ على الرَّسول ذلك، كما تقولُ: ما كان لك أن تفعلَ كذا، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١].
واتِّصالُها بما قبلَها: ما جاءَ في قصَّة نزولِها؛ قال (^١) ابنُ عبَّاسٍ ﵄: لَمَّا دعا النبيُّ -ﷺ- أهلَ الكتاب، وأوعدَهم على نقضِ العهد وتغييرِ نعتِ النبيِّ -ﷺ-، قال أبو رافعٍ القُرظيُّ: تريدُ منَّا يا محمَّدُ أنْ نعبدَك ونتخذَك ربًّا كما فعلَتِ النَّصارى بعيسى؟ فأنزلَ اللَّه تعالى هذه الآيةَ ردًّا عليه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ (^٢)؛ أي: ليس لآدميٍّ ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: يعطيَه اللَّهُ كتابَه وحيًا إليه، ﴿وَالْحُكْمَ﴾؛ أي: بيانَ الكتاب والقضاءَ بين الخلق، ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾: فيبعثه اللَّه رسولًا إلى خلقه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: اعبدوني واتَّخذوني إلهًا.
وكيف يجوزُ مِن محمَّدٍ هذا وهو ينهاكم أن تتَّخذوا عُزيرًا ربًّا وعيسى كذلك؟! فكيف يرضى ذلك لنفسه (^٣)؟!
_________________
(١) في (ف): "عن".
(٢) رواه ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٥٤)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٢٤)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٣٨٤).
(٣) في (أ): "في نفسه"، وفي (ف): "بنفسه".
[ ٤ / ١٢٢ ]
وقيل: إنَّ علماءَ اليهود لَمَّا حرَّفوا التَّوراة، ودعَوا العامَّة إلى ذلك، صاروا كالمستعبَدين لهم، فأخبرَ أنَّ هذه الرُّتبةَ لم تكن للأنبياءِ مع أنَّهم الدُّعاة إلى اللَّه تعالى، فكيف لهؤلاء؟!
وقيل: هو على ردِّهم؛ أي: ما كان لعزيرٍ وعيسى وغيرهما ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾: التَّوراةَ والإنجيل، أنْ يقولَ للنَّاس ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾؛ أي: ولكن يقولُ هذا النبيُّ للنَّاس: كونوا ربَّانيِّين.
قال مقاتلٌ: أي: عابدين للَّه (^١).
وقال الكلبيُّ: أي: علماءَ بما في التَّوراة.
وقيل: علماء حكماء فقهاء (^٢).
وقيل: أي: مصلحين أمورَكم وأمورَ النَّاس بالعلم والعمل.
وقيل: ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾: منسوبين إلى الرَّبِّ؛ أي: للَّهِ على الخلوص.
وقيل: الرَّبانيُّون: الَّذين يربُّون النَّاسَ بصغار العلوم قبل كبارها؛ قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣].
قال أبو عبيد: سمعْتُ رجلًا عالمًا بالكتب يقول: الربانيون: العلماء بالحلال
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٨٦) بلفظ: (متعبدين للَّه).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٩١) عن ابن عباس ﵄، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٢٦ - ٥٢٨) عن ابن عباس وأبي رزين والحسن وقتادة والسدي ومجاهد والضحاك.
[ ٤ / ١٢٣ ]
والحرام، والأمرِ والنَّهي (^١)، والأحبار: أهل المعرفة بأنباء الأمم وما كان وما يكون (^٢).
وقال القشيريُّ: الرَّبانيُّون: العلماءُ باللَّهِ، الحكماء في اللَّه، القائمون باللَّه بغَنائهم عن غير اللَّه، يسمعون باللَّه، وينظرون باللَّه، بمحو ما سوى اللَّه.
قال: وقيل: الربَّانيُّ: الذي لا تؤثِّر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها.
قال: ويقال: الربَّانيُّ: الَّذي لا تهزُّه نعمةٌ ولا تستفزُّه محنةٌ.
قال: ويُقال: الربَّانيُّ: الَّذي لا يتأثَّر بشيءٍ (^٣) مِن الحوادث بقلبِه وسرِّه، وإن كان لا يقصِّر في شيءٍ من الشَّرع بفعله (^٤).
قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾؛ أي: كونوا للَّه في تعليم النَّاس وفي الدِّراسة.
* * *
(٨٠) - ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾: قرأ عاصم وابن عامرٍ وحمزة بنصب الرَّاء عطفًا على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾. . . ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾، يعني: ولا أن يأمرَكم، وقرأ البا قون بالرَّفع على الاستئناف (^٥)؛ أي: هو لا يأمرُكم بذلك، أو: اللَّهُ لا يأمرُكم بذلك.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٠٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٢٩٩).
(٣) في (أ): "لا يؤثِّر شيء"، وفي (ف): "لا يؤثر لشيء". وفي "اللطائف": "لا يبالي بشيءٍ".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٥٣).
(٥) وأبو عمرو على أصله في الاختلاس والإسكان. انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٩).
[ ٤ / ١٢٤ ]
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ هو استئنافُ أمرٍ مِن اللَّهِ تعالى.
واتِّخاذُ الملائكة أربابًا هو كقول بعضِ العرب: الملائكةُ بناتُ اللَّه، واتِّخاذُ النبيِّين أربابًا هو قول اليهود والنَّصارى في عُزير وعيسى ما قالوا.
قوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ والنَّفي؛ أي: لا يأمركم.
وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: بعد إذ دعاكم إلى الإسلام وإجابةِ بعضكم.
وقيل: أيأمركم اللَّهُ بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون بشهادة الخِلْقة؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣].
وقيل: سأل قومٌ النبيَّ -ﷺ- فقالوا: أَلَا نسجدُ لك؟ قال: "لا ينبغي لأحدٍ أنْ يسجدَ لأحدٍ دون اللَّه"، وأنزل اللَّه هذه الآية (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أيأمرُكم بإثبات الخلقِ بعد شهود الحقِّ؟!
قال: ويقال: أيأمرُكم بمطالعة الأشكال ومطاوعة الأمثال بعدَ أنْ لاحَ في أسراركم أنوارُ التَّوحيد، وطلعَتْ في قلوبكم شموسُ التَّفريد (^٢).
* * *
(٨١) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
_________________
(١) رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٢٥٠) عن الحسن، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٠١).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
[ ٤ / ١٢٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾: قرأ حمزةُ: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ بكسر اللَّام؛ أي: لأَجْل أني آتيتكم شكرًا لي بذلك.
وقرأ الباقون بفتح اللَّام (^١)، وله وجهان، ففي الآية لامان مفتوحتان: ﴿لَمَا﴾ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾:
فأحدُ الوجهَيْن: أنَّ الأولى لام القسم، والثَّانية جوابه، كقوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
والثَّاني: أنَّ الأولى لام الابتداء على التَّأكيد، والثَّانية لام القسم، وهو كقولك: لزيدٌ واللَّه لآتينَّه.
و(ما) بمعنى الذي، وتقديره: الذي آتيتكُمُوه من الكتاب والحكمة لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه لأجل ذلك؛ يقول: واذكرْ يا محمَّدُ إذ أخذ اللَّه من (^٢) النبيِّين الميثاقَ وقال لهم، وهذا مضمر، أو أخذُ (^٣) الميثاق قولُ: الذي أعطيتكم من كتابٍ أو بيان كتاب (^٤).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾: أي: خبرُ رسولٍ، والخبر مضمرٌ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾؛ أي: موافقٌ للكتاب الذي معكم.
قوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾: أي: لتصدقُنَّ برسالته ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾؛ أي: ولتُعِينُنَّه بالإيمانِ به، وبيانِ نعتِه، وأمْرِ الأمَّة بالإيمان به.
والمرادُ مِن هذا الرَّسول هو محمَّد -ﷺ-.
_________________
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٩).
(٢) في (أ) و(ر): "مع".
(٣) في (ف): "وأخذ".
(٤) في (ف): "الكتاب".
[ ٤ / ١٢٦ ]
وأخذُ الميثاق كان (^١) على ثلاثةِ أوجهٍ:
ميثاق الذُّرية: وهو قوله عزوجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢].
وميثاق الأنبياء بتبليغ الرسالة: وهو في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧].
وميثاق الأنبياء بالإيمان بمحمَّدٍ ﵇ على التَّعيين، وهو في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١].
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾: أي: قال اللَّهُ للأنبياء: أأقررتم؟ وهذا (^٢) استفهامٌ بمعنى الأمر، كما في قوله: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾: أي: أَقَبِلْتُم على ذلكم عهدي، كقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]؛ أي: لا يُقبل.
والإصرُ: العهد.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾: أي: قال الأنبياءُ: أقررنا بذلك ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾؛ أي: قال اللَّهُ للملائكة: فاشهدوا على الأنبياء بذلك (^٣). وهو قول سعيد بن المسيب (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: أي: قال اللَّه تعالى: وأنا شاهد أيضًا على هذا.
* * *
_________________
(١) "كان" ليس في (ف).
(٢) في (أ): "وهو".
(٣) "بذلك": من (أ).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٠٥)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٦٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٣٠٠).
[ ٤ / ١٢٧ ]
(٨٢) - ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: أي: أعرض عن هذا العهدِ ونقضَه بعد قَبوله.
قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: جمع ذلك لأنَّ (مَن) كلمةٌ تصلحُ للجمع.
والتَّولي لا يقع من الأنبياء ولا يوصفون بالفسق، لكن له وجهان:
أحدُهما: أنَّ الميثاقَ كان على الأنبياء، وأممُهم على التَّبعية، والتَّولي يقع (^١) من الأمم خاصَّةً.
والثاني: أنَّ العصمة لا تزيل المحنة، كما مرَّ ذكرُه مرَّاتٍ، وعلى ذلك (^٢) قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ الآية (^٣) [الإسراء: ٧٤].
وقيل في الآية أقاويلُ أُخرُ:
قيل في قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾؛ أي: لئن آتيتكم. وقيل: مهما آتيتكم.
وقيل: ميثاق النبيِّين أُضيف إليهم إضافةَ الفعل إلى مَن يقع الفعل له. وهو تأويل ابن عباسٍ ﵄ (^٤)؛ أي: أُخذ الميثاقُ للنبيِّين على الأمم أن يؤمنوا بالرُّسل إذا جاؤوا وأنْ ينصروهم.
_________________
(١) "يقع" من (ر).
(٢) في (أ): "هذا".
(٣) في (ف): ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٣٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٩٣)، ولفظ الطبري: (إنما أخذ اللَّه ميثاق النبيين على قومهم).
[ ٤ / ١٢٨ ]
وقال السُّدِّي: هذا (^١) أخذُ ميثاقِ ذريَّةِ آدمَ المذكورِ في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] (^٢).
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قال الكسائيُّ: قيل فيه بوجهين:
أحدهما: ميثاقَ الذين منهم النبيُّون، وهم بنو إسرائيل، وكلُّ ميثاقٍ ذكره اللَّه في القرآن في أهل الكتاب فإنما يُراد به بنو إسرائيل.
والثاني: أخذَ اللَّهُ ميثاقَ الأنبياء أن يصدِّق بعضُهم بعضًا، وأن يبلِّغوا كتبَ اللَّه تعالى إلى قومهم (^٣).
وقال عليٌّ وابنُ عبَّاس وقتادةُ وطاوسٌ وطائفةٌ: هو ميثاقٌ أخذه اللَّه تعالى على النبيِّين أن يصدِّق بعضهم بعضًا؛ الآخِرُ الأوَّلَ، والأوَّلُ الآخِرَ (^٤).
وهو على العموم، وليس لنبيٍّ على الخصوص، فإنَّ قولَه ﷾: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ هو على النَّكَرة، وليس على التَّعريف.
وقال الكلبيُّ وأبو روقٍ ومقاتلٌ والسُّدِّيُّ وعامَّة أهل التَّفسير: هذا أخذُ الميثاق على الأنبياء المتقدمين بالإيمان بمحمَّدٍ سيِّد المرسلِين (^٥).
فإنَّ قولَه ﷾: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ وإن كان لفظه لفظَ النَّكَرة،
_________________
(١) في (ف): "هو".
(٢) لم أقف عليه عن السدي، وذكر نحوه الزجاج في "إعراب القرآن" (١/ ١٤٧).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤١٥ - ٤١٦).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٤٠ و٥٤١) عن طاوس وقتادة والحسن، وهو في "تفسير الثعلبي" (٣/ ١٠٥) عن سعيد بن جبير وطاوس وقتادة والحسن والسدّي.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٤٠ و٥٤١) عن علي بن أبي طالب ﵁ والسدي.
[ ٤ / ١٢٩ ]
لكنَّه (^١) صار معرفة بالصِّفة، وهو كقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] نكرةٌ وأُريد (^٢) بها مكَّة، وصارت معرفة بالصِّفة.
وقيل في قوله سبحانه: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾: فيه مُضمَر: (قالوا: نعم)، ثم قال اللَّه تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: أنتم أيها الأنبياء، ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾؛ أي: عهدي على أممكم.
وقيل: انتظام هذه الآية بالأولى: أنَّ اللَّه تعالى قال لأهل الكتاب: كيف تأنفون من الانقياد لمحمَّد ﵇، وقد أخذ اللَّه على الأنبياء الميثاق بالإيمان به ونصرته، وأقرُّوا بذلك والْتزَموه.
فإنْ قالوا: كيف أُخذ عليهم الميثاق بالإيمان به وبنصرته لو جاءهم، وهو لم يجئْهم ولم يدركوه ليَنصروه؟
قلنا: ذُكر لهذا وجوهٌ، لكنَّ الصَّحيح ما قلنا: إنَّه لم يُردْ به مجيئَه إيَّاهم بنفسِه، ونصرتهم إيَّاه بعد خروجه، لكن تأويله: ثم جاءكم خبرُ رسولٍ لتَنصرُنَّه بذكرِ نعتِه وإحياءِ اسمِه، وأمرِ الأمم بالإيمان به بعينه.
وقيل في قوله ﷾: ﴿فَاشْهَدُوا﴾؛ أي: أنتم على أنفسكم، كما في قوله ﷾: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وقيل: معناه: قال للأنبياء: فاشهَدوا على الأمم بإقرارهم.
وقيل: معناه: ليشهد بعضُكم على بعضٍ بذلك.
وقيل: ﴿فَاشْهَدُوا﴾؛ أي: بيِّنوا، وذلك لأنَّ الأصل في الشاهد أن يكون مصحِّحًا
_________________
(١) في (أ): "لفظه للنكرة لكنه"، وفي (ف): "لفظه للنكرة" وسقطت منها "لكنه".
(٢) في (أ): "أريد"، بدل: "نكرة وأريد"، وسقطت العبارة من (ف).
[ ٤ / ١٣٠ ]
لدعوى المدَّعي، ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: من المبيِّنين صحتَه بإجراء حجج النبوَّة (^١) على أيديكم.
وقيل: ﴿فَاشْهَدُوا﴾ أي: فاعلموا ما أَلْزمْتُموه أنفسكم، ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ﴾ من العالمين بما أخذتُه عليكم، حافظٌ له غيرُ ناسٍ، مجازٍ لكم على ما كان منكم من خلافٍ أو وفاقٍ.
وقيل: ﴿فَاشْهَدُوا﴾ أيُّها الأنبياء لمحمدٍ بالنبوَّة، وأنا على ذلك أيضًا من الشاهدين بإقامة المعجزات له.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى﴾ قال القشيريُّ ﵀: فمَنْ حادَ عن سنَّته أو زاغَ عن اتِّباع طريقتِه بعد وضوح أدلَّته فأولئك هم المستوجِبون لمقته ولعنته (^٢).
* * *
(٨٣) - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، والفاء للتعقيب، و(غير) نُصب بوقوع ﴿تَبْغُونَهَا﴾ عليه؛ أي: أبعدَ تلك الآيات تبغون غيرَ دين اللَّه.
وقرأ أبو عمرو: ﴿يَبْغُونَ﴾ بياء المغايبة؛ ردًّا (^٣) إلى أهل الكتاب الذين مرَّ ذكرهم، و﴿تُرْجَعُونَ﴾ بتاء المخاطبة؛ خطابًا (^٤) لكل المكلَّفين.
_________________
(١) في (ر): "التوراة"، وسقطت العبارة من (ف).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٥٥).
(٣) في (أ): "أداء".
(٤) "خطابًا": من (أ).
[ ٤ / ١٣١ ]
وقرأ عاصم في رواية حفصٍ بياء المغايبة فيهما، والباقون بتاء المخاطبة فيهما (^١).
﴿تبغون﴾ أي: تطلبون، وقد بَغَى بِغاءً بكسر (^٢) باء المصدر؛ أي: زنى، وبَغَى بَغيًا؛ أي: ظَلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾: أي: انقادَ له كلُّ مَن فيهما؛ إمَّا طوعًا، وهم الموحِّدون، وإمَّا كرهًا، وهم الجاحدون بما فيهم مِن آثار الصُّنع ودلائلِ الحدوث، وتصريفِهم كيف يشاء (^٣) إلى صحةٍ ومرضٍ، وغنًى وفقرٍ، وسرورٍ وحزنٍ، وسائر الأحوال.
وله وجوهٌ أُخَرُ بيَّناها عند قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦].
وقيل: الخطابُ للنَّصارى في قولهم للمسيح؛ أي: أيقولون (^٤) في المسيح ما يقولون وهو كان منقادًا للَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾: أي: إلى جزائه في الآخرة على الخير والشرِّ، وهو ترغيبٌ وترهيبٌ.
وقيل: هو بناءٌ على قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾؛ أي: كما انقادوا له في الدُّنيا يصرِّفهم كيف يشاء، فكذا بعثُهم بعد موتهم مِن تصريفه إيَّاهم على ما شاء وهم لا يملكون امتناعًا، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣].
_________________
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٩).
(٢) في (أ): "بضم".
(٣) في (أ): "شاء".
(٤) في (ف): "المسيح أي تقولون".
[ ٤ / ١٣٢ ]
وقيل: ﴿طَوْعًا﴾: حالةَ الاختيار، ﴿وَكَرْهًا﴾: عندَ نزول الشَّدائد وحلول الموت.
وقال ابن عباسٍ ﵄: لَمَّا ادَّعى اليهود والنَّصارى -لعنهم اللَّه- أنَّ إبراهيمَ صلوات اللَّه عليه كان على دينهم، فقال ﵇ في ردِّهم ما قال، قالوا: لا نرضى بقضائِك ولا ندخل في دينك، فنزل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (^١).
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: كلٌّ يدَّعي أنه يطلب دِينًا هو دين اللَّه، لكن معناه واللَّه أعلم: أنَّ كلًّا في الابتداء يبغي (^٢) دِين اللَّه في نفسه، لكن إذا بانَ له بالآيات أنه ليس على دِين اللَّه، وأن دينَ اللَّه هو الإسلام، فلم يرجع إليه، ولا اعتقده، ولزم غيرَه بالعناد والمكابرة، فهو باغٍ غيرَ دين اللَّه.
ويحتمل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؛ أي: أفغير ما في دين اللَّه من الأحكام يبغون، وهو كقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
ويحتمل: أبغَيرِ (^٣) دِين اللَّه يَدينون، وليس على الاستفهام، بل على التَّحقيق، كما في قوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [النور: ٥٠] (^٤).
وذكر هو عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قولين:
أحدهما: وله أسلم من في السماوات طوعًا، فأمَّا (^٥) أهل الأرض فمنهم مَن أسلم طوعًا، ومنهم مَن أسلم كرهًا مخافةَ السيف (^٦).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٠٥). في (أ) و(ف): "تبغون".
(٢) في (أ): "يبتغي".
(٣) في (ر) و(ف): "أفغير".
(٤) انظر: "تفسير الماتريدي" (٢/ ٤١٨).
(٥) في (أ) و(ف): "وأما".
(٦) روى نحوه ابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٩٦).
[ ٤ / ١٣٣ ]
والثاني: أسلمَ مَن وُلد في الإسلام طوعًا، ومَن لم يُولد في الإسلام بالسيف كرهًا (^١).
وقال قتادة: أسلمَ المؤمنُ طوعًا، والكافرُ عند موته كرهًا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] (^٢).
وقال الحسن: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هو على الخصوص (^٣)؛ أي: هو في ذكر المؤمنين منهم دون غيرهم.
وقال أبو العالية ومجاهد: أي: كلُّهم أقرَّ (^٤) بالعبوديَّة للَّه تعالى، وإن كان فيهم مَن أشركَ في العبادة؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] (^٥).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أسلم كلُّهم في أخذ الميثاق (^٦).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤١٨). والقول الثاني لابن عباس ﵄ رواه الطبراني في "الكبير" (١١٤٧٣) عن ابن عباس مرفوعًا، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٣٢٦): فيه محمد بن محصن العكاشي وهو متروك. وذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٦٣)، عن الكلبي.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٢٣)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٥٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٩٧).
(٣) وردت عن الحسن في تفسير الآية أقوال، فقد روى عنه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٥١) قوله: (أكره أقوام على الإسلام، وجاء أقوام طائعين)، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٩٥ - ٦٩٦) عنه قولين: الأول قوله: "أهل السماوات، والمهاجرون، والأنصار، وأهل البحرين"، والثاني قوله: "في السماء الملائكة طوعًا، وفي الأرض الأنصار وعبد القيس طوعًا".
(٤) في (ف): "أقروا".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٤٩) عن مجاهد وأبي العالية، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٦٩٦) عن أبي العالية.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٥٠).
[ ٤ / ١٣٤ ]
وقال أبيُّ بن كعبٍ: هذا يكون في القيامة على العموم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ لإسبال نور التجلِّي عليهم، ﴿وَكَرْهًا﴾ لإجراء حُكم الهيبة على وجه القهر عليهم (^١).
* * *
(٨٤) - ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: مرَّ تفسير هذه الآية في سورة البقرة.
وقال الكلبيُّ: كفرت النَّصارى بالتوراة، واليهودُ بالإنجيل، وقيل لهم: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، وأمر اللَّه تعالى نبيَّه أن يقول: آمنا باللَّه وبما ذكر، و﴿آمَنَّا﴾ (^٢) على الجمع خبرٌ عنه وعن أمَّته، و﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ هو خلافٌ لأهل الكتاب حيث فرَّقوا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: آمنَّا باللَّه لا بنفوسنا (^٣) وحولنا وقوَّتنا (^٤).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٥٥).
(٢) في (ر): "أن يقول وإنما ذكر وآمنا"، وفي (ف): "أن يقول آمنا باللَّه وإنما ذكر آمنا".
(٣) في (ر) و(ف): "بأنفسنا".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٥٦).
[ ٤ / ١٣٥ ]
(٨٥) - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ أي: يطلب ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
وقال (^١) الإمام أبو منصورٍ ﵀: إنَّ (^٢) مَن دان غيرَ دِين الإسلام فإنما يتقرَّب به إلى اللَّه؛ لأنَّ كلَّ متدينٍ بدينٍ فإنه يقصد بذلك التقرُّب إلى اللَّه تعالى، فـ [أَخبر أن] ذلك غيرُ مقبولٍ منه؛ لأنَّ الدِّينَ عند اللَّه الإسلام، وهو الدِّين المرضيُّ وعليه الثَّوابُ؛ قال اللَّه تعالى خبرًا عن الكفار: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي: لأنه عمل عملًا لا ينتفع به عند حاجته إليه في الآخرة، ولأنه فاته ما كان يمكنه نيلُه من النعيم المقيم والخلود في الجنان لو أسلم.
قال الكلبيُّ: نزلت الآية وما بعدها في عشرة رهطٍ كانوا آمنوا باللَّه ورسوله ثم ارتدُّوا عن الإسلام (^٤) ولحقوا بمكَّة (^٥).
وقال مقاتل: نزلت في اثني عشر رجلًا ارتدُّوا عن الإسلام، وخرجوا من المدينة، ثم انصرفوا إلى طريق مكَّة فلحقوا بالكفَّار، منهم طعمة بن أُبيرق الأنصاريُّ، ومِقْيَس بن صُبابة اللَّيثي، وعبد اللَّه بن أنس بن خطل من بني تيم بن مُرَّة، ووَحْوح بن
_________________
(١) في (ر): "قال".
(٢) في (أ): "أي".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤١٩)، وما بين معكوفتين منه.
(٤) "عن الإسلام" ليس في (أ).
(٥) ذكره عن الكلبيِّ السمرقنديُّ في "تفسيره" (١/ ٢٥٣)، وذكر نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٣٠١) عن ابن عباس ﵄.
[ ٤ / ١٣٦ ]
الأسلت (^١)، وأبو عامر بن النعمان، والحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري من بني عمرو بن عوف أخو الجُلَاس بنِ سويد.
ثم إنَّ الحارث ندم، فرجع تائبًا، ثم أرسل إلى أخيه الجلاس بن سويد، ثم أتى فأخبر (^٢) النبيَّ -ﷺ- فلم يردَّ شيئًا، فأنزل اللَّهُ تعالى في الحارث فاستثنى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾؛ يعني: من الكفر، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ العملَ فيما بقي ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكفرِه (^٣)، ﴿رَحِيمٌ﴾ به فيما بقي.
فبلَّغ الحارثُ الأحدَ عشر الذين بمكَّة، فقالوا: نقيم بمكَّة نتربَّص بمحمَّد الموتَ، فإذا أردنا أن نتوبَ أتينا المدينة، فينزل فينا ما نزل في الحارث ويُقبل منَّا ما قُبل منه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ حين بعثَ اللَّه محمَّدًا فأنكروه وكذَّبوه (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ر): "ووجوح بن الأشعث"، وفي (أ) و(ف): "ووحوح بن الأشعث"، والمثبت من المصادر. انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٨٨)، و"تفسير الطبري" (٥/ ٥٥٩)، و"الكشاف" (١/ ٣٨١)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٤٦٨)، و"العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (٢/ ٧١١). ووقع في المطبوع من "تفسير مقاتل": (وجوج) بجيمين، ولعله تحريف.
(٢) في (ف): "وأخبر" بدل: "ثم أتى فأخبر". وفي "تفسير مقاتل": (. . ثُمّ أرسل إلى أَخِيهِ الجلاس: إني قَدْ رجعت تائبًا فسل النَّبيَّ -ﷺ- هل لي من توبة؟ وإلا لحقت بالشام، فانطلق الجلاس إلى النَّبِيّ -ﷺ- فَأَخْبَرَه. .).
(٣) في (ف): "للكفر".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩). وروى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٢٦)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٥٨)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٨١) عن مجاهد. والطبري (٥/ ٥٥٩) عن عكرمة.
[ ٤ / ١٣٧ ]
(٨٦) - ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: ﴿كَيْفَ﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: لا يهديهم، ونظيرُه قول الشاعر:
فهذي سيوفٌ يا صُدَيُّ بنَ مالكٍ كثيرٌ ولكنْ أينَ بالسَّيفِ ضارِبُ (^١)
(أين) استفهامٌ، ومعناه الجحدُ هاهنا؛ أي: ليس.
ثم هذا في الظاهر عطفُ فعلٍ على اسمٍ، ولا يتَّفقان، فيُحمل الفعل على المصدر، أو المصدر على الفعل؛ ليتَّفقا؛ لأنَّ المراد ذلك، فيحمل على المعنى المراد، ونظيره عطف الماضي على المستقبل وعلى العكس، ووجهُه حمل أحدهما على وفق الآخر.
والتَّقديرُ هاهنا: بعد إيمانهم وشهادتهم أنَّ الرَّسولَ حقٌّ، ومجيءِ البيِّنات إيِّاهم، أو بعد أن آمنوا وشهدوا وجاءهم، وعطفُ الماضي على المستقبل كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ونظير الأوَّل قول امرئ القيس:
بكى صاحبي لَمَّا رأى الموتَ دونَه وأيقنَ أنَّا لاحقان بقيصرا
فقلْتُ له لا تَبْكِ عينُكَ إنَّما نحاولُ ملكًا أو نموتَ فنُعذَرا (^٢)
أي: نحاول أن نملكَ أو نموت، أو نحاول ملكًا أو موتًا.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٦٤)، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري (١/ ٢٠٤)، و"أمالي ابن الشجري" (١/ ٤٠٨).
(٢) انظر: "ديوان امرئ القيس" (ص: ٩٦). ووقع في (ر) و(ف): "تحاول" و"تموت فتعذرا".
[ ٤ / ١٣٨ ]
وقال آخر:
فَمَا لَكَ فيها غيرُ ذكرَى وحسرةٍ وتَسألَ عن ركبانِها أينَ يَمَّمُوا (^١)
أي: غير ذكرى وحسرةٍ وسؤالٍ، أو غير أن تتذكَّر وتتحسَّر وتسأل.
ثم معنى الآية عند بعضهم على نظم ما سبق من الآيات: كيف يهدي اللَّه اليهودَ وقد كفروا بعد إيمانهم بمحمَّد قبل مبعثه، وكانوا يستفتحون به على الكفَّار، فلما جاءهم هو وقد (^٢) كانت قد جاءتهم البينات في التَّوراة كفروا به.
وعن الحسن البصري: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: القرآن (^٣).
وعند بعضهم: هذا في المرتدِّين على ما روينا.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: هؤلاء ظالمون حين وضعوا الجحود غيرَ موضعه وهم (^٤) مختارون لذلك، واللَّه لا يهدي من اختار الضلال.
وقيل: لا يهديهم طريقَ الجنَّة إذا ماتوا كفَّارًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨].
وقيل: معنى الآية: كيف يكونون مهتدين كما يزعمون وقد كفروا.
وقيل: كيف يهديهم للإيمان حالة الكفر.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: دلَّت الآية أن استطاعةَ الفعلِ مع الفعل،
_________________
(١) البيت بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٤٢٣)، و"تفسير الطبري" (٢٠/ ٢٣٦).
(٢) "قد" ليست في (أ).
(٣) روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٢٦٩) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾، عن الحسن قال: قال: "الكتاب: القرآن".
(٤) في (ر): "فهم".
[ ٤ / ١٣٩ ]
حيث نفى عنهم الهداية حالَ الكفر، وفيه إبطالُ قولِ المعتزلة: إنَّ هدى اللَّه هو البيانُ لا غير، وقد بيَّنَ للكافر، ومع ذلك نفى عنهم ذلك.
وقال في معنى الآية: يحتمل أن هذا كان في قومٍ مخصوصين بأعيانهم، علمَ اللَّه منهم أنهم لا يؤمنون.
وقال: وقيل: معناه: لا يهديهم ما داموا مختارين للكفر (^١).
* * *
(٨٧) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (^٢): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أي: أهل هذه الصِّفة ﴿جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: طَرْدَه وإبعاده، ومن الملائكة: دعاؤهم باللَّعنة، ومن الناس أجمعين كذلك.
أمَّا المؤمنون فإنهم يلعنون الظَّالمين، والظَّالمون يقولون: لعنَ اللَّهُ الظَّالمين، لاتِّفاق الكلِّ على قبح الظُّلم، واستحقاقِ الظَّالم اللَّعنةَ، وهو لا يعتقد نفسه ظالمًا، فترجعُ اللَّعنة منه على (^٣) نفسه بقوله.
وقيل: هو في الآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لعنُ الملائكةِ قولُهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ولعنُ النَّاسِ قولُهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] (^٤).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١).
(٢) "أولئك جَزاؤهم أن عليهم لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين": من (ف).
(٣) في (أ) و(ف): "ويرجع لعنه إلى" بدل: "فترجع اللعنة منه على".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٢١).
[ ٤ / ١٤٠ ]
(٨٨) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي: في اللَّعنة، والخلودُ في اللَّعنة خلودٌ في جهنَّم، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠٠ - ١٠١]؛ أي: في الوِزْرِ، وذاك خلودٌ في جهنم.
قوله تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: أي: لا يُفتَّر ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يُمهَلون، والفرقُ بينَ الكلمتَيْن: أنَّ الإنظارَ: تأخيرُ العبد ليُنظر في أمره، والإمهالَ: تأخيرُه ليَسهُلَ عليه الفعل الَّذي كُلِّفَه.
* * *
(٨٩) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي: من كفرهم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: ما أفسدوه من غرور أتباعِهم وإغوائهم. والإغواءُ إفسادٌ، والرَّدُّ (^١) إلى الهدى إصلاحٌ.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: هذا ظاهرٌ.
* * *
(٩٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾: أي: ارتدُّوا ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾: نصبُه بوقوع الفعل عليه، وقيل: على التَّفسير (^٢).
_________________
(١) في (ف): "فإذا رد".
(٢) وعند أبي حيان هو منصوب على التمييز المنقول عن الفاعل؛ أي: ثم ازداد كفرهم. انظر: "البحر =
[ ٤ / ١٤١ ]
وقيل (^١): معناه: أصَرُّوا عليه وجحدوا ما نزل على المصطفى محمَّدٍ ﵇ بعد ذلك شيئًا فشيئًا.
وقال الكلبيُّ: معناه: قولهم: نقيم بمكَّة على الكفر ما بدا لنا (^٢).
وقال قتادة: هم اليهود كفروا بعيسى ثم بمحمَّد (^٣).
قوله تعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾: قال الحسن: أي: إيمانهم الَّذي كان بمحمَّدٍ قبلَ بعثِه (^٤).
وقيل: لن يُقبل إيمانهم عند البأس؛ قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وقيل: أي: لن تقبل توبتهم التي أظهروها لأنَّهم غير مخلِصين فيها، دليلُه ما قال بعده: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾؛ أي: الثَّابتون بالقلب على ضلالهم الذي كان. وهو قول ابن عبَّاسٍ ﵄ (^٥).
_________________
(١) = المحيط" (٥/ ٥٢٦). وسيأتي من كلام المصنف ما يشير إلى التفريق بين النصب على التفسير والنصب على التمييز، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾، حيث قال: و﴿نَفْسًا﴾ نصبٌ على التَّفسير عند الكوفيَّين، وعلى التَّمييز عند البصريِّين، وهما قريبان.
(٢) "قيل": من (ف).
(٣) ذكر نحوه السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٣٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٠٩). وقد تقدم الخبر بذلك قريبًا.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٦٥٣)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٦٤)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٨٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٧٠١).
(٥) نقل نحوه الواحدي في "تفسيره" (٥/ ٤١٩) عن ابن الأنباري، والمروي عن الحسن ﵀ في تفسير هذه الآية قال: (اليهود والنصارى لن تقبل توبتهم عند الموت). رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٦٤)، وسيذكره المصنف قريبًا.
(٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (١/ ٤٠٨).
[ ٤ / ١٤٢ ]
وقال أبو العالية: لن تقبل توبتهم من (^١) الذُّنوب وهم على الكفر (^٢).
وقيل: هي في قومٍ علم اللَّه تعالى أنهم لا يؤمنون، فقوله: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾؛ أي: لا يتوبون ليكون لتوبتهم قَبولٌ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]؛ أي: لا تكون لهم شفاعة لتنفع.
وقال الحسن وقتادة: لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [النساء: ١٨] (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾: الباقون على ضلالهم، وقيل: الهالكون، وقيل: الضَّالوُّن عن الثَّواب الذي رجَوه بهذه التَّوبة.
* * *
(٩١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: الواو للحال ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾: المِلء: قَدْرُ ما يُملأُ، و﴿ذَهَبًا﴾: نصب على التَّمييز، والتَّمييزُ نوعان:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "عن".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٦٥ - ٥٦٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٨٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٧٠٢). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٠٩) عن ابن عباس ﵄ وأبي العالية.
(٣) "الآية": من (ف). والخبر رواه عن الحسن وقتادة الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٦٤)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٠٩)، والواحدي في "البسيط" (٥/ ٤١٩) عن الحسن وقتادة وعطاء. وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٢/ ٧٠٢).
[ ٤ / ١٤٣ ]
للأفراد؛ كقولك: أحد عشر درهمًا، وعشرون دينارًا.
وللمقادير؛ كقولك: عندي ملءُ زقٍّ عسلًا.
ونصبُه: أن الذي قبله مقدارٌ معروفٌ (^١)، والمقدَّرُ مجهولٌ، وهو نكرةٌ بعد معرفةٍ، فانتصبَ وكان مفسِّرًا لذلك المجهول، ومعناه: إنَّ الكافرَ يوم القيامة لو أَمكنه أن يفتديَ بملء الدُّنيا ذهبًا وافتدى به (^٢) لم (^٣) يُقبل منه ولم ينفعْه.
روى أنسٌ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قالَ: "يُجاءُ بالكافر يومَ القيامةِ، فيُقالُ له: أرأيْتَ لو كانَ لكَ مثلُ (^٤) الأرضِ ذهبًا أكنْتَ مفتديًا به؟ فيقولُ: نعم، فيُقالُ له: لقد سُئِلْتَ أيسرَ مِن ذلك" (^٥).
وقالَ الزَّجَّاجُ: معناه: لو افتدى به في دار الدُّنيا مع الإقامة على الكفر لم يُقبل منه (^٦).
قوله تعالى: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾: الواو للتَّأكيد، كقولك: عليك بالصِّدق ولو (^٧) ضرَّكَ.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: مؤلمٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: أي: مُعِينين، وللعذاب دافعين، وعن المؤاخذة مانعين.
_________________
(١) في (أ): "معرف".
(٢) في (ف): "إن الكافر يوم القيامة لن يفتدي بملء الأرض ذهبًا وإن افتدى به".
(٣) في (أ): "لن".
(٤) في (أ) و(ف): "ملء".
(٥) رواه البخاري (٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٤١).
(٧) في (ف): "وإن".
[ ٤ / ١٤٤ ]
وكان إصرارُهم على الكفر لأخذ أموال النَّاس، فأخبرَ أنَّه لا ينفعُهم، ولا ينفعُ الافتداءُ بملء الأرض ذهبًا.
وقيل: هذا (^١) تبعيدٌ؛ أي: لا يكون هذا أبدًا، لا أن يملكَه (^٢) فيفتديَ به فلا يقبلَ، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠].
* * *
(٩٢) - ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾: انتظامُها بما قبلها: أنَّه ذكرَ أنَّه لا يُقَبَل مِن الكافر الافتداءُ بملء الأرض ذهبًا، ولن ينجوَ من النَّار، ولن يدخل الجنَّة، وحثَّ في هذه الآية المؤمنَ على الإنفاق بما أمكنه قلَّ أو كثرَ؛ فإنَّه ينفعُه وينجِّيه من النَّار ويدخلُه الجنَّةَ.
وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾؛ أي: لن تُصيبوا.
وقوله: ﴿الْبِرَّ﴾ قال عطيةُ العوفيُّ: البرُّ: الطَّاعةُ.
وقال أبو روقٍ: البرُّ: الخيرُ.
وقال مقاتل بن حيَّان: البرُّ: التَّقوى (^٣).
وقيل: هو جماعُ الطَّاعات.
وهذه الأقاويل ترجع إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ -الآية- ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
_________________
(١) في (ف): "هو".
(٢) في (ر) و(ف): "يملكه".
(٣) ذكره عنهم الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٠٩)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (١/ ٣٠٣). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٠٣) عن مقاتل.
[ ٤ / ١٤٥ ]
والبرُّ: مصدرُ البَرِّ، وهو واحدُ الأبرار؛ أي: لن تصِلوا إلى درجة الأبرار الَّذين يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ﴾ [الإنسان: ٥]، ويقول في دعاء الصالحين: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].
وقال ابن عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: البِرُّ الجنَّة، سُمِّيَتْ به لأنَّها جزاءٌ على البرِّ (^١).
وهو كقوله تعالى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وهو عذاب النَّار، سُمِّيَ به لأنَّه جزاءٌ على الإثم (^٢).
وقيل: البِرُّ هو لطف اللَّه تعالى بعبده.
وقرئ في الشَّاذِّ: (لن تنالوا البَرَّ) بفتح الباء (^٣)، وهو اللَّه تعالى؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قيل: هو الزَّكاة، وقيل: هو الصَّدقة النَّفلُ، وقيل: هو الإنفاق على العيال.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ويحتمِل أن يكون البِرُّ هو الإيمان؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، والإنفاقُ: هو أداء الزكاة، وهو في قومٍ كانوا لا يقبلون الزكاة، فلم ينالوا اسم الإيمان؛ قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] (^٤).
_________________
(١) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٨٤)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٠٩).
(٢) في (أ): "جزاء الآثم".
(٣) لم أجدها.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٢٤).
[ ٤ / ١٤٦ ]
قوله تعالى: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ أي: من أموالٍ (^١)، و(من) للتبعيض، فلم يَشترِط إنفاقَ كلِّ المال تيسيرًا على العباد، ووعدَ الجنة على الإنفاق مِن بعضه تخفيفًا على عبده.
ودلَّتِ الآية على (^٢) أنَّه لا بأس بمحبَّة شيءٍ من الدُّنيا إذا لم يقدِّمْه على محبَّة الدِّين، قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وهو وعيد العذاب.
وقيل: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ أي: ممَّا يعجبُكم ويَعزُّ عليكم مِن أموالكم.
وقيل: مِن خيارِه وجيادِه دونَ رذاله، وقال النبيُّ -ﷺ-: "أفضلُ الصدقةِ ما تصدَّقْتَ به وأنت صحيحٌ شحيحٌ تأمُل الغنى (^٣) وتخشى الفقر" (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ذكَر (مِن) وهو للتَّبعيض، فمَنْ أراد البِرَّ فلينفقْ بعضَ ما يحبُّه، ومَنْ أرادَ البارَّ فلينفقْ جميعَ ما يحبُّه، ومَنْ أنفقَ محبوبه من الدُّنيا وجدَ مطلوبَه من الحقِّ، ومَنْ كان مربوطًا بحظوظ نفسِه لم يحظَ بقرب ربِّه.
قال: ويُقال: إذا كنْتَ لا تصلُ إلى البرِّ إلَّا بإنفاق محبوبِك، فمتى تصلُ إلى البارِّ وأنت تُؤْثر عليه حظوظَك (^٥)؟!
وعن أنسٍ ﵁ قال: لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ قالَ أبو طلحةَ: يا رسولَ اللَّهِ،
_________________
(١) في (أ): "الأموال".
(٢) "على": من (أ).
(٣) في (أ): "العيش"، وهي رواية ابن ماجه والنسائي.
(٤) رواه البخاري (٢٧٤٨)، ومسلم من (١٠٣٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٥٨).
[ ٤ / ١٤٧ ]
حائطي الذي في مكان كذا فهو للَّهِ تعالى، ولو استطعْتُ أنْ أُسِرَّهُ ما (^١) أعلنْتُه. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ضعْهُ في أقربائِكَ" (^٢).
وعن ابن عمر ﵄: أنه لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ أعتقَ جاريةً له كان يحبُّها جدًّا، وزوَّجَها مولًى (^٣) له، فولدَتْ له صبيًّا، فكان ابنُ عمر ﵄ يأخذ ذلك الصبيَّ فيستنشقُه (^٤) ويقبِّلُه، ويقولُ: آهًا لريح فلانة. يعني: أمَّه (^٥).
قال نافعٌ: وكان ابنُ عمر ﵄ إذا اشتدَّ عجبُه لشيءٍ من مالِه قدَّمه لربِّه وجعله له، ويتأوَّلُ هذه الآيةَ، ولقد رأيتُه راحَ ذات عشيَّةٍ ورحْنا معه ونحن حجَّاجٌ، وراح ابنُ عمر على نجيبٍ له قد أخذه بمالٍ، فلمَّا أعجبَه مسيره أناخَه، وقال: يا نافعُ، انزعوا عنه رحلَه وزمامَه، وأشعروه وجلِّلوه وأدخلوه في البُدن (^٦).
وكان إذا رأى من أحدٍ من رقيقِه شيئًا يعجبُه مِن حسنِ صلاةٍ أو خيرٍ أعتقَه، فلربَّما شَّمَر أحدُهم فلزمَ المسجدَ، فإذا رآه على تلك الحالة أعتقَه، فيقول له
_________________
(١) في (ر): "لم".
(٢) روى نحوه البخاري (١٤١٦)، ومسلم (٩٩٨).
(٣) في (أ): "من مولى"، وفي (ف): "لمولى".
(٤) في (أ): "فيستنشقه" بدل: "فكان ابن عمر إذا اشتد عجبه يستنشقه".
(٥) رواه ابنُ سعد في "الطبقات الكبرى" (٤/ ١٦٧) عن نافع: أن عبد اللَّه بن عمر. .، فذكره. وروى الإمام أحمد في "الزهد" (١٠٧٨) عن مجاهد قال: كان ابن عمر قائمًا يصلي فأتى على هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فأعتق جارية له وهو يصلي قد أراد أن يتزوجها. ورواه بنحو هذا أبو داود في "الزهد" (ص: ٢٦٣)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٨٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٠٤).
(٦) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٤/ ١٦٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٤).
[ ٤ / ١٤٨ ]
أصحابُه: إنهم يخدعونك، فكان يقول: مَن خدَعَنا باللَّه انْخَدعْنا له (^١).
قال: وكان ابنُ عمر ﵄ مريضًا، فاشتهى عنبًا، وذلك في الشِّتاء، فخرج بنوه فاشتروا له عنقودًا بدرهمٍ، فلمَّا أُتي به أخذ منه حبَّةً، فإذا (^٢) سائلٌ يسأل، فأعاد الحبَّة في موضعها، ثم قال: يا سالم، ناولْه العنقود، فإني سمعْتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "خيرُ الصَّدقةِ ما كان على شهوتها"، فناولَه سالم، ثم اشتراه منه بدرهمٍ، وجاءَ به إليه، وقال: كلْ شهوتَك، فإذا سائلٌ يسأل، فأعادَها إلى موضعها، وفعل كالأوَّل، فكان كذلك ثلاث مراتٍ، ومات عبد اللَّه بشهوته (^٣).
وقال أنسٌ ﵁: لَمَّا نزلَتْ هذه الآية جاء زيدُ بن حارثة بفرسٍ له كان يحبُّه فقال: هذا في سبيل اللَّه، فحمل النبيُّ -ﷺ- عليها أسامةَ بن زيدٍ، فكأنَّ زيدًا وجد في نفسه، فقال النبيُّ -ﷺ-: "أمَّا اللَّه فقد قبلها منك" (^٤).
وروي أن ضيفًا ضاف أبا ذرٍّ الغفاريَّ، فقال للضَّيف: إني مشغولٌ، فاخرج إلى البرِّ فإنَّ لي بها إبلًا فأتني بخيرها، فذهب وجاء بناقةٍ مهزولةٍ، فقال أبو ذر: خُنْتَني! فقال: وجدْتُ خيرَ الإبل فَحلَها، فذكرْتُ يوم حاجتكم (^٥) إليه، فقال أبو ذرٍّ ﵁: إنَّ يوم حاجتي إليه يوم أوضعُ في قبري، مع أن اللَّه تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٦).
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٤/ ١٦٧)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٣/ ١٧٠٩).
(٢) في (ف): "وإذا".
(٣) روى نحو هذه القصة ودون المرفوع منها: ابن المبارك في "الزهد" (٧٨٢)، والإمام أحمد في "الزهد" (١٠٥٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٣٠٦٧)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٩٧).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٢٨)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٧٧).
(٥) في (ر): "حاجتك".
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١١).
[ ٤ / ١٤٩ ]
وحُكي أن زبيدة رحمها اللَّه اتخذَتْ مصحفًا بسبعين قطعة كُتب (^١) بالذَّهب على الرقِّ، وجُعلت ظهورها من الذهب (^٢) مرصعةً بالجواهر، فبينا هي تقرأ القرآن ذات يوم انتهَتْ إلى هذه الآية، فلم يكُ شيءٌ احبَّ إليها من هذا المصحف، فقالت: عليَّ بالصَّاغة، وأمرَتْ بالذهب والجواهر فبِيعَتْ، وأمرَتْ بحفر الآبار والحياض في البادية من ثمنها (^٣).
وفي "الأنوار" ذُكِرَ لها طريقٌ آخر فقالَ: إن سائلًا أتى زبيدة فسألَ منها شيئًا، وتلا هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فنظرَتْ زبيدةُ فلم يكن عندها شيءٌ أعزَّ عليها وأحبَّ عندها (^٤) من مصحف (^٥) كانت تقرأ فيه القرآن (^٦)، وكان مكتوبًا كله بالذهب، وكانت أنفقَتْ عليه أربعين مرَّةً خراج مصر، فناولته السائل، وقالت: خذ هذا فليس شيءٌ أحبَّ إليَّ منه؛ لأدخل تحت هذه الآية، فقال لها السائل: إن كان بقي عندك أو معك شيءٌ أحب إليك من هذا المصحف ولم تدفعيه فلا تدخلين في هذه الآية، فدعَتْ بمقراضٍ، وقطعَتْ شعرها ورمَتْ إليه وقالت: لم يكن عندي شيءٌ أحبَّ إليَّ من هذا؛ أمَّا الشَّعرُ فكان (^٧) زينةَ بدني، والقرآنُ زينة قلبي، فأعطيتك الزِّينتين لأدخل تحت هذه الآية (^٨).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "كتبت".
(٢) "من الذهب" ليس في (ف).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١١).
(٤) في (ف): "أعز إليها"، وفي (ر): "أحب وأعز عليها".
(٥) في (ر): "من هذا المصحف".
(٦) "القرآن": من (ف).
(٧) في (أ) و(ف): "فإن الشعر كان"، بدل: "أما الشعر فكان".
(٨) لم أقف عليه، وكان الأولى بالمؤلف ﵀ تنزيه كتابه عن هذه الأكاذيب الواضحة، فكيف =
[ ٤ / ١٥٠ ]
وحُكي أنَّ الربيع بن خثيم ضربه الفالج، فكان السَّائل يقوم على بابه يسأل (^١)، فيقول الرَّبيع لجاريته: أطعميه السكر فإن الربيع يحب السكر، يتأوَّل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٢).
وطال به وجعُه، فاشتهى لحم دجاجٍ، فكفَّ نفسه أربعين يومًا فأبت (^٣)، فقال لامرأته (^٤): لقد اشتهيتُ لحم دجاج منذ أربعين يومًا، فكففْتُ نفسي رجاء أن تكفَّ فأبتْ، فقالت له امرأته: سبحان اللَّه! وأيُّ شيءٍ هذا، تكفَّ نفسك عنه وقد أحلَّه اللَّه تعالى لك؟! فأرسلت امرأتُه (^٥) إلى السوق فاشترَتْ له دجاجةً بدرهمٍ ودانقين، فذبحتْها وشوتها، وخبزت له خبزًا، وجعلَتْ له أصباغًا، ثم جاءت بالخوان فوضعته بين يديه، فقام سائل على الباب، فقال: تصدَّقوا عليَّ بارك اللَّه فيكم، فكفُّ عن الأكل، وقال لامرأته: خذي هذا وادفعيه إليه، فقالت له امرأتُه: سبحان اللَّه! قال:
_________________
(١) = لقرشية شريفة مؤمنة تقية أن تقص شعرها وتعطيه لرجل غريب، ثم ما فائدة ذاك الشعر للرجل، وأي منفعة سيجنيها من شعر امرأة غريبة عنه لا يحل له أن ينظر إليه أصلًا كما لا يحل لها أن تكشفه؟ ثم إن الأحمق الذي وضع مثل هذه القصة قد أراد المدح فذم، ليس فقط في أمر الشعر بل في المبالغة في قيمة ذاك المصحف، فكيف يحل لإنسان مهما كان مكانه أن ينفق أربعين مرة خراج مصر من أجل مصحف؟ وكم سيكون حجم هذا المصحف الذي أنفق فيه هذا المبلغ من المال؟ وحاشا للَّه أن يقبل من عبد مصحفًا قد صرفت فيه أموال الناس ومنعوا منها، سبحانك هذا بهتان عظيم!
(٢) في (أ): "على الباب فيسأل"، وفي (ف) "على بابه فيسأل".
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٨٦٣)، وهناد في "الزهد" (٦٣٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ١١٥).
(٤) "فأبت": من (ف).
(٥) في (ف): "لزوجته".
(٦) في (أ): "امرأة".
[ ٤ / ١٥١ ]
افعلي ما آمرك به، قالت: فأصنع ما هو خيرٌ له، قال: وما هو؟ قالت: نعطيه ثمن هذا وتأكل أنت شهوتك، قال: قد أحسنْتِ، ائتيني بثمنه، فجاءت بثمنه، فقال: ضعيه على هذا، وخذيه وادفعيه جميعًا إليه، ففعلت (^١).
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾: هو (^٢) على الشرط، ولذلك جُزم فحُذف النون من آخره، والفاء بمعنى الجزاء؛ أي: ما فعلتم فهو محفوظٌ عليكم وأنتم مَجزيُّون به.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: فيه دليلُ قَبول القليل من الصدقة؛ لأنَّهم كانوا يمتنعون عن قليل التَّصدُّق (^٣) استحقارًا، فأخبر أنه بذلك عليم (^٤) وإن قلَّ، بعد أن يكون للَّه تعالى (^٥).
وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ قال: منهم مَن ينفق على ملاحظةِ الجزاء، ومنهم مَن ينفق على مراقبةِ دفعِ البلاء، ومنهم مَن ينفق اكتفاءً بعلمه، قال قائلهم:
ويهتزُّ للمعروفِ في طلبِ العُلا لتُذكرَ يومًا عند سَلمى شمائلُه (^٦)
* * *
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "صفة الصفوة" (٢/ ٣٧).
(٢) في (ف): "هذا".
(٣) في (أ): "الصدقة".
(٤) في (ر) و(ف): "عظيم". والمثبت من (أ) و"التأويلات".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٢٥).
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٥٩). ونسب البيت للأحوص ولكثير عزة، انظر: "ديوان الأحوص" (ص: ١٦٠)، و"ديوان كثير" (ص: ١٦٧).
[ ٤ / ١٥٢ ]
(٩٣) - ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾:
قال الكلبيُّ: كان يعقوبُ صلوات اللَّه عليه يشتكي عرق النَّسا، وكان أصلُ وجعه أنَّه أقبل من حرَّان (^١) يريد بيت المقدس، فلقيه ملأَ وهو خلف الأثقال، فظن يعقوبُ ﵇ أنه لصٌّ فعالجه أن يُصارعه، فغمز الملَكُ فخذَ يعقوب، فكان يَبيت اللَّيل ساهرًا ويَنْصَبُ نهاره، فأقسم لئن شفاه اللَّه ليحرِّمَنَّ أحبَّ الطعام والشراب إليه على نفسه، فشفاه اللَّه، فحرَّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وكان أحبَّ الطعام والشراب إليه، ثم استنَّ ولدُه بسنَّته، فلمَّا أُنزلت التوراة على موسى حُرِّم عليهم فيها لحومُ الإبل وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه، فسأل رسولُ اللَّه -ﷺ- اليهودَ، فقالوا: كل شيءٍ أصبحنا اليوم نحرِّمه فإنه كان محرَّمًا على نوحٍ حتى انتهى إلينا، فنزلت الآية: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم، فكرهوا أن يأتوا بالتوراة؛ لأن الذي حُرِّم عليهم في التوراة غير الذي حُرِّم عليهم بظلمهم وكفرهم، فكلُّ شيءٍ
_________________
(١) حران: من ديار مضر في الجزيرة قرب الرها ونهر الفرات، مدينة قديمة يقال: بناها هاران أخو إبراهيم ﵇، وذكر قوم أنها أول مدينة بنيت على الأرض بعد الطوفان، فتحت في أيام عمر بن الخطاب ﵁ على يد عياض بن غنم، كانت مجمع الصابئين، وبقي فيها بعضهم، وينسب لها كثير من العلماء، تقع حاليًّا في جنوب تركيا قرب الحدود السوريَّة، تتبع إداريًّا لمحافظة أورفة. انظر: "معجم البلدان" لياقوت (٢/ ٢٣٥)، و"الروض المعطار" للحميري (١/ ١٩١)، و"أطلس التاريخ الإسلامي" لشوقي أبو خليل (ص: ٨٨).
[ ٤ / ١٥٣ ]
هو حلالٌ اليوم كان حلالًا لآدم ﵇ إلَّا ما حرَّم إسرائيل على نفسه (^١).
فأمَّا ما حرَّم اللَّه تعالى على اليهود فبظلمهم: كانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبًا عظيمًا حرَّم اللَّه تعالى عليهم به طعامًا طيبًا، وصبَّ عليهم رجسًا وهو الموت، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٦٠]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وإنما حُرِّمت عليهم بعد التوراة، وكانت في التوراة لهم حلالًا، فالآية ردٌّ على اليهود أيضًا كالآيات المتقدمة، فكانوا يقولون: إن إبراهيم على ديننا، والمحرَّمات اليوم محرَّمات زمانَه، ولا يرون نسخ الشرائع، فرد اللَّه تعالى عليهم ذلك؛ أن هذا ليس من محرَّمات زمن إبراهيم، ولستم على دينه.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾؛ أي: كلُّ الأطعمة التي تنازعتُم فيها، وليس بعموم الاستيعاب، فإن منها ما هو حرامٌ قبل ذلك من الميتة والدم ولحم الخنزير، فإنه كان محرَّمًا أبدًا.
قوله تعالى: ﴿كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وهو لحوم الإبل وألبانُها على ما ذكرنا، وكان ذلك بتحريمه على نفسه باليمين، كما قال تعالى في حقِّ نبيِّنا -ﷺ-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، وهو العسل، أو ماريةَ القِبطية على ما رُوي.
وحرِّم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة ما ذُكر في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٣١)، وقريب منه في "تفسير مقاتل" (١/ ٢٩٠)، ولعل قصة الملك الذي صارعه يعقوب من خرافات الإسرائيليات.
[ ٤ / ١٥٤ ]
ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، واليهود كانوا يقولون: هذا كلُّه كان حرامًا (^١) من زمن نوحٍ، فردَّ اللَّه تعالى عليهم ذلك:
وهو (^٢) قولُه ﷻ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: فاستحضرَهم رسولُ اللَّه -ﷺ-، فلم يُحضروها لعلمهم أنهم كاذبون، وفي ذلك أوضح دلالةٍ على صدق نبيِّنا ﵊.
* * *
(٩٤) - ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: أي: ادَّعى تحريمَ ذلك في التوراة ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد هذا البيان ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: والافتراء (^٣) قبل هذا البيانِ كان ظلمًا أيضًا، لكن هذا أفحشُ وأشدُّ، وهو كما يُقال: مَن ذبَّ عن غيره في القتال فذلك هو الشجاع؛ أي: هو النهايةُ في الشجاعة.
* * *
(٩٥) - ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾: أي: في قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية، لا أنتم فيما قلتُم.
قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: نصب على الحال ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كاليهود والنَّصارى، فاتَّبِعُوه في استحلال ذلك كلِّه.
_________________
(١) في (ف): "كله حرام".
(٢) "وهو" ليس في (ف).
(٣) في (ر): "بالافتراء"، وفي (ف): "الظلم الافتراء".
[ ٤ / ١٥٥ ]
وقال الحسنُ: أي: صدق اللَّه أن إبراهيمَ كان حنيفًا مسلمًا، فاتَّبِعوا ملَّته (^١).
وقال القشيريُّ ﵀: ملَّةُ إبراهيم: الخروجُ إلى اللَّه بالكليَّة، والتَّسليمُ لحكمه من غير أن تبقى بقيَّة (^٢).
* * *
(٩٦) - ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾: انتظامُها بما قبلها: أن في الآية الأولى ذكرَ ملَّة إبراهيم، وفي هذه الآية ذكرَ (^٣) قِبلةِ إبراهيم، ولأنَّ (^٤) الحجَّ ممَّا يختصُّ بالملَّة الحنيفيَّة فذكر الكعبةَ وشأنها، ثم الحجَّ إليها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ قال عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ والحسنُ البصري: أي: أوَّلُ بيتٍ وُضع للعبادة، وقد كان قبله بيوتٌ (^٥).
وقيل: أوَّل بيتٍ مبارَكٍ وُضع للنَّاس.
وقيل: أي: أوَّل مسجدٍ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧].
_________________
(١) لم أقف عليه عن الحسن، وذُكر نحوه في "تفسير مقاتل" (١/ ٢٩١)، و"تفسير ابن أبي زمنين" (١/ ٣٠٣)، و"تفسير السمرقندي" (١١/ ٢٣١).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٥٩).
(٣) "ذكر" ليس في (أ) و(ف).
(٤) في (ف): "لأن".
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٩٠ - ٥٩١)، وابن المنذر في "تفسيره" (٧١٦) و(٧١٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٠٧).
[ ٤ / ١٥٦ ]
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: أوَّل بيتٍ وضع لحجِّ النَّاس (^١).
وقال مجاهد وأكثر أهل العلم: بل (^٢) هو أوَّل مكانٍ من الأرض، ومنه دحيت الأرض (^٣).
وفي الخبر: أنَّ مكان البيت خُلق قبلَ خلق الأرض بألفي عامٍ، ولَمَّا حجَّ آدم ﵇ تلقَّته الملائكة ﵈، فقالوا: بُرَّ حجُّكُ، أَمَا إنَّا حججْنا هذا البيت قبلَك بألفي عام (^٤).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١١٥).
(٢) "بل" ليس في (ف).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٥٩١ - ٥٩٢) عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ وعن مجاهد والسدي.
(٤) روي مرفوعًا، وموقوفًا، ومن قول التابعين: فالمرفوع رواه ابن أبي الدنيا في "حسن الظن" (٧٥) من حديث أنس ﵁. وفي إسناده الهيثم بن جماز الحنفي البكاء، قال الذهبي في ترجمته في "الميزان": بصري معروف، قال ابن معين: كان قاصًّا بالبصرة، ضعيف. وقال مرة: ليس بذاك. وقال أحمد: ترك حديثه. وقال النسائي: متروك الحديث. ورواه ابن الجوزي في "العلل" (٩٣٧) من طريق محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، وقال: قال يحيى: محمد بن زياد كذاب خبيث يضع الحديث. قال الفلاس والسعدي والدارقطني: هو كذاب. وقال ابن حبان: كان ممن يضع الحديث، لا يحل ذكره في الكتب إلا على جهة القدح فيه. أما الموقوف فقد رواه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٤٣ - ٤٤) عن أبي هريرة ﵁، و(١/ ٤٥) عن ابن عباس ﵄، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٥٩٥٩) عن أنس ﵁، والطبري في "تاريخه" (١/ ٨١) عن ابن عمر ﵄. وأما التابعين، فقد رواه الشافعي في "مسنده" (ص: ١١٦)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٥٦٥) =
[ ٤ / ١٥٧ ]
وقال وهب بن منبِّه: لَمَّا هبط آدم إلى الأرض شكى الوحشة، فقال اللَّه تعالى له: أمَا إني سأجعل فيها من ذريتك مَن يسبِّح بحمدي ويقدِّس لي، وسأبوِّء لك بيتًا منها أختاره لنفسي، فأخصُّه (^١) بكرامتي، وأُوثره على بيوت الأرض كلِّها، وأسمِّيه بيتي، وإني اخترْتُ مكانه يوم خلقْتُ السماوات والأرض، أجعل ذلك البيت لك (^٢) ولمن بعدك حرمًا آمنًا، أحرِّم بحُرمته ما فوقَه وما تحتَه وما حولَه (^٣).
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: كان في موضع الكعبة قبل خَلْقِ آدم بيت كان (^٤) يقال له: بيت الضُّراح (^٥).
فلمَّا أُهبط آدمُ إلى الأرض قالت له الملائكةُ طفْ حول هذا، فلقد طفنا حولَه قبلك بألفي عامٍ، فطاف به آدمُ ومن بعده بنوه (^٦) إلى زمن نوحٍ ﵇، فلمَّا أراد اللَّهُ الطُّوفان حُمل إلى السماء الرابعة، وهو البيت المعمور بحيال الكعبة، يطوف به ملائكة السماوات، ودفنَ جبريل ﵇ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس (^٧).
_________________
(١) = عن محمد بن كعب القرظي، والأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٤٥) عن ابن المنكدر.
(٢) في (أ): "وأخصه".
(٣) في (ر) و(ف): "لك حرمًا".
(٤) رواه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٤٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٩٨٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧/ ٤٢٥).
(٥) "كان": من (أ).
(٦) رواه إلى هنا عبد الرزاق في "المصنف" (٨٨٧٤)، والأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٤٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٧٠٩).
(٧) "بنوه" ليس في (أ) و(ف).
(٨) ذكر نحوه البغوي في "تفسيره" (١/ ١٥٠).
[ ٤ / ١٥٨ ]
وقال مقاتل: ولَمَّا حُوِّلت القِبلةُ إلى الكعبة شقَّ ذلك على أهل الكتاب، وقالوا: تعمدون إلى حجارةٍ مبنيَّةٍ فتطوفون بها وتصلُّون إليها وتركتم بيت المقدس (^١) أرضَ البركة وأرض المنشر والمحشر، الأرضَ المقدَّسة التي بارك اللَّه تعالى فيها للعالمين، والجبلَ الذي كلَّم اللَّه تعالى عليه موسى صلوات اللَّه عليه، فذمُّوا الكعبةَ ومدحوا بيت المقدس، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ الآية (^٢).
وكانت قبلة بيت المقدس أربعين سنةً (^٣).
ثم إضافةُ الكعبة إلى إبراهيم ليست لابتداء بنائه، بل لرفعِه قواعدَها وإظهارِه ما درسَ منها.
قال الإمام القشيريُّ ﵀: لا تعلِّقْ قلبَك بأوَّل بيتٍ وُضع لك، ولكن أَفْرِدْ سرَّك للأوَّل الآخر (^٤) الذي آثرك، وشتَّان بين عبدٍ اعتكف عند أوَّل بيتٍ وُضع له، وبين عبدٍ لازَمَ حضرةَ أوَّل عزيزٍ كان له (^٥).
_________________
(١) "بيت المقدس" ليس في (أ).
(٢) لم أقف عليه عن مقاتل، وروى نحوه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٧٥)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٢٩٨)، والواحدي في "الوسيط" (١/ ٤٧٠) عن ابن جريج، وذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١١٤) عن مجاهد.
(٣) قوله: "وكانت قبلة بيت المقدس أربعين سنةً"، كذا وقعت العبارة في النسخ، ولعل الصواب: (وكان -أي: المسجد الحرام- قبل بيت المقدس بأربعين سنة)، فقد روى البخاري (٣٣٦٦)، ومسلم (٥٢٠) عن أبي ذر ﵁، قال: قُلتُ: يا رسولَ اللَّه، أيُّ مسجدٍ وُضعَ في الأرض أَوَّلُ؟ قال: "المسجدُ الحرامُ" قال: قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: "المسجدُ الأقصَى" قُلتُ: كم كان بينهما؟ قال: "أربعونَ سنةً. . . " الحديث.
(٤) في (ف): "للأول والآخر". وعبارة "اللطائف": (لأول حبيب آثرك).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٦١).
[ ٤ / ١٥٩ ]
وقال: البيت حَجَرة، والعبد مدَرة، فربَط (^١) المدَرة بالحجرة.
ثم هو حجرٌ ليس كسائر الأحجار، هو حجرٌ لقلوب الأحباب مُزعِج، بل لأكباد الفقراء مُنضِج (^٢)، بل لقلوب قومٍ مثلج، ولأرواح قومٍ مبهج، ولصدور قومٍ مُحرج، ولأرواح قوم مُخرج (^٣).
بيتٌ هو مقصد الأحباب ومزارُهم، وعنده تُسمع أخبارهم، وتُشهد آثارهم، نزلوا ببيتٍ كما قيل في بيتٍ (^٤):
إنَّ الدِّيار وإن صمتت (^٥) فإن لها عهدًا بأحبابنا إذ عندها نزلوا (^٦)
قوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ اللَّام للَّتأكيد في خبر ﴿إِنَّ﴾، و﴿بِبَكَّةَ﴾ قيل: هي مكَّة، والباء والميم يتناوبان لأنهما من مخرجٍ واحدٍ، يُقال: سبَد رأسَه وسمدَه؛ أي: استأصل شعره بالحلق. وأَغبطت عليه الحمَّى وأَغمطت؛ أي: دامَتْ، وضَرْبُ لازمٍ ولازبٍ؛ أي: دائم.
وسُمِّيت بكَّة لأنَّها تبكُّ أعناق الجبابرة -أي: تدقُّها- إذا قصدوها بسوءٍ.
_________________
(١) في (ر): "فاربط"، والمثبت من باقي النسخ و"اللطائف".
(٢) في مطبوع "اللطائف": "منفج". ولعله من نفَج الأرنبُ بمعنى: ثار؛ أي: تثير تلك الأكباد.
(٣) في (أ) و(ر): "مخرج. . . محرج".
(٤) قوله: "نزلوا ببيتٍ كما قيل في بيت" من (ر)، ووقع في (أ) بدلًا منها: "بيت كما قيل في بيت"، وفي (ف): "نزلوا بيت كما قالوا في بيت أي شعر".
(٥) في (أ) و(ف): "صمت"، والمثبت من (ر)، وهو الموافق لما في مطبوع "اللطائف".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٦٠). وهذا البيت جاء في هامش (ر)، وفي متنها وقع غيره وهو: "بيتٌ به آثار حتى تشهدوا جنازةً تتلى لديه وتوجد"
[ ٤ / ١٦٠ ]
وقيل: سمِّيت بكَّة من قولهم: بكَّهُ يبكُّهُ: إذا زحمه، وتباكَّ النَّاسُ؛ أي: تزاحموا، سميت بذلك لازدحام النَّاس بها في الحجِّ.
وقيل: سُمِّيت بها لأنَّ النَّاس يتباكُّون حولها وفيها؛ أي: يتدافعون، وقد (^١) بكَّه يبكُّه؛ أي: دفعه، قال الشَّاعر:
إذا الشَّريبُ أخذَتْهُ أَكَّةْ فخَلِّهِ حتَّى يَبُكَّ بَكَّةْ (^٢)
أي: حتى يدفعَ إبله دفعةً فيسقيها، والأكَّةُ: الغَضْبةُ.
وسُمِّيت مكَّة لأنها تمكُّ الذنوب؛ أي: تَذهبُ بها كلِّها، من قولهم: مكَّ الفصيلُ أمَّه وامْتَكَّ: إذا امتصَّ ضرع أمِّه وشرب كلَّ ما فيه.
وقيل: مكَّة اسمٌ لكل البلدة، وبكَّة قَدْرُ موضع الكعبة من الأرض.
وقيل: بكَّة أرض مكَّة.
وذكر الإمام أبو منصورٍ ﵀ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنه قال: مكَّة من فجٍّ إلى التنعيم إلى المنحر، وبكَّة (^٣) من البيت إلى البطحاء (^٤).
قوله: ﴿مُبَارَكًا﴾: أصل البركة: ثباتُ الخير ودوامُه ونموُّه، والبِرْكة: الحوضُ من ذلك، وبروك الجمل من ذلك، وتبارك (^٥) اللَّه؛ أي: كثُرَ خيرُه ودامَ، ونصبه لوجهين:
_________________
(١) في (أ): "فيها أي يتدافعون فيها وقام"، بدل: "حولها وفيها أي: يتدافعون وقد".
(٢) الرجز لعامان بن كعب بن عمرو بن سعد التميمي كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ١١٤)، و"تاج العروس" للزبيدي (مادة: أكك)، ومعنى الرجز كما في "تاج العروس" (مادة: بكك): إذا ضجر الذي يورد إبله مع إبلك لشدة الحر انتظارًا فخله حتى يزاحمك.
(٣) في (ر): "بكلة. . . ومكة".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٢٨)، والأثر رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٠٩).
(٥) في (أ): "وبارك".
[ ٤ / ١٦١ ]
أحدهما: للقطع؛ لأنه نكرةٌ بعد ذكر المعرفة (^١).
والثاني: للحال؛ فإن الباء في قوله تعالى: ﴿بِبَكَّةَ﴾ للظرف، وفيه إضمار فعلٍ، كأنه قيل: استقر ببكَّة مباركًا، فكان حالًا.
فبركة (^٢) هذا البيت ممَّا لا يخفى، ولكثرتها لا تُحصى.
ومنها: أنه يُجبى (^٣) إليه ثمرات كلِّ شيءٍ، ولمن حجَّه المغفرة والجنَّة، وتضعيف الحسنات، وكثرة الدَّرجات.
وقال النبيُّ -ﷺ-: "صلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ مِن مئةِ ألفِ صلاةٍ فيما سواه" (^٤).
وقال ﵊: "مَنْ حَجَّ هذا البيتَ فلم يرفثْ ولم يفسقْ خرجَ مِن ذنوبِه كيومَ ولدتْهُ أمُّهُ" (^٥).
وقال ﵊: "الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة" (^٦).
قوله تعالى: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾: نصبٌ؛ عطفًا على ﴿مُبَارَكًا﴾.
_________________
(١) في (أ): "معرفة".
(٢) في (ف): "وبركة".
(٣) في (ف): "تجنى".
(٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٤٦٩٤)، وابن ماجه (١٤٠٦)، من حديث جابر ﵁، وصحح إسناده البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ١٣)، وله شاهد من حديث ابن الزبير ﵁ رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٦١١٧)، وابن حبان في "صحيحه" (١٦٢٠)، وصحَّحَه ابنُ عبدِ البرِّ في "التمهيد" (٦/ ٢٦)، وقالَ: إنَّه الحجَّةُ عندَ التَّنازُعِ.
(٥) رواه البخاري (١٨١٩)، ومسلم (١٣٥٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) رواه البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤ / ١٦٢ ]
وقيل: معناه: وقبلةً للعالمين يهتدون به إلى جهة صلواتهم.
وقيل: أي: يهتدون بإجابتهم إلى ما تَعبَّدوا به عنده.
وقيل: وهدًى إلى الجنة.
وقيل: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ بما فيه من الآيات والدلالات على وحدانيته ﵎ (^١)، لأنه دلالة على أن اللَّه تعالى هو المدبِّر له بما لا يقدر عليه غيرُه؛ من أَمْن الوحش فيه، حتى يجتمع الذِّئب والظَّبي، وحتى يأنس (^٢) الطير فلا يمتنع فيه كما يمتنع في غيره، وما أشبهه من الآيات.
* * *
(٩٧) - ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾: وقرأ ابن عباسٍ ﵄: (فيه آيةٌ بينةٌ) على الواحد (^٣)، لأنه فسَّره بشيءٍ واحدٍ، وهو قوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، فالأليق به أن يكون الأوَّل واحدًا.
وأمَّا قراءة الجمع فلها وجوهٌ:
قال الأخفش: تقديرُ الآية: فيه آيات بيِّنات منها مقامُ إبراهيم (^٤)، فاكتفى بذكر
_________________
(١) في (أ): "وحدانية اللَّه" بدل: "وحدانيته ﵎".
(٢) في (ر): "وحتى أمن".
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٥٩٨)، ورواه ابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٣٠٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧١١). وتنسب القراءة أيضًا لمجاهد وأبي، انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٢).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ٢٢٧)، و"إعراب القرآن" للنحاس (١/ ١٧٢).
[ ٤ / ١٦٣ ]
واحدةٍ وترك سائرَها، وهي معلومةٌ محسوسةٌ لهم، فكان ذكرُها ذكرَ سائرها، كقولك: (تعلَّمْت أب ت ث) فإنَّك تريد كلَّ الحروف.
وقال الكسائي: فيه وجوهٌ:
إن شئت على العطف بغير واوٍ، كأنه قال: فيه آياتٌ بيناتٌ وفيه مقام إبراهيم وغيرُه (^١).
وإن شئْتَ قلْتَ (^٢): على الإضمار، كأنَّه قال: فيه آياتٌ بيناتٌ منها مقام إبراهيم.
وقيل: المقام مع أنه واحدٌ هو آياتٌ بيِّناتٌ؛ لأن المقام دلَّ على وحدانية اللَّه تعالى وكمال قدرته وعلمه وسائر صفاته وأسمائه، وعلى نبوَّة إبراهيم وصدق دعوته وصدق شرائعه، فكانَ المقامُ الواحد آياتٍ بيِّناتٍ على هذا الوجه، وعلى هذا الوجه (^٣) تقديرُه: فيه آياتٌ بيناتٌ هي مقام إبراهيم.
وقيل: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أريد به المقامات، فهو جمع بحذف الهاء، فالواحدة (^٤): مَقامة، وجمعُها: المقام، كالمعونة يجمع على المعون؛ قال جميل:
بُثَيْنُ الْزَمِي (لا) إنَّ (لا) إنْ لَزِمْتِهِ على كثرةِ الواشينَ أيُّ مَعونِ (^٥)
والمراد بالمقامات: مناسكَ الحج (^٦)، وهي المواضع التي قام فيها إبراهيم
_________________
(١) "وغيره": من (أ).
(٢) "قلت": من (أ).
(٣) "الوجه": من (أ).
(٤) في (أ): "فالواحد".
(٥) انظر: "ديوان جميل بثينة" (ص ١٠٥) (ط: المؤسسة العربية للطباعة)، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة (ص: ٥٨٨)، و"المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده (مادة: عون).
(٦) في (أ): "بالحج".
[ ٤ / ١٦٤ ]
لأداء أفعال الحجِّ، فصحَّ ذلك تفسيرًا لـ ﴿آيَاتٌ﴾ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منها جمع.
وقيل: الآيات البيِّنات: الشَّعائرُ، فإنَّ الشَّعائر هي العلامات، والآيات كذلك.
وقال أبو رجاء: قال الحسن: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾، وعدَّهن الحسنُ في أصابعه: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^١).
وبمثله قال ابن جريجٍ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ وليس ذلك لبيت المقدس، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وليس ذلك لبيت المقدس، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وليس ذلك لبيت المقدس (^٢).
فقد فسَّر الآيات بثلاثة أشياءَ، وصار تقديرُه: فيه آياتٌ بيناتٌ: مقام إبراهيم، وأنَّ مَن دخله كان آمنًا، و[أنَّ] للَّه على الناس حج البيت (^٣)، وحذفت (أنَّ) للاختصار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٩]؛ أي: وأنْ أقيموا وجوهكم (^٤).
فأما (^٥) بيان قولنا: مقامُ إبراهيم وغيرُه، فشرحُ ذلك: أنَّ مقام إبراهيم وهو ذلك الحجَر، ففيه أثر قدَمي إبراهيم حيث ساخَتْ فيه قدماه، ليَّنه اللَّه تعالى له.
_________________
(١) رواه الأزرقي في "أخبار مكة" (٢/ ٦٤)، والفاكهي في "تاريخ مكة" (١/ ٤٥٢)، وانظر: "زاد المسير" لابن الجوزي (١/ ٣٠٧).
(٢) رواه الأزرقي في "أخبار مكة" (٢/ ٧٥)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٢٦٦) إليه وإلى ابن المنذر.
(٣) من قوله: "وليس ذلك لبيت المقدس. . . " إلى هنا ليس في (أ)، وما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٤) "وجوهكم" ليس في (ف).
(٥) في (أ): "وأما".
[ ٤ / ١٦٥ ]
واختُلف في أصل ذلك:
قيل: إن إبراهيم وإسماعيل رفعَا القواعدَ من البيت، فلما ارتفع ذلك احتاج إبراهيم إلى شيءٍ يقوم عليه، فوضع حجرًا ووضع قدمه عليه، فساخت فيه.
وقيل: إن أصله: أن امرأة إسماعيل ﵇ أرادت أن ترجِّله وهو راكبٌ، فوضعت حجرًا حتى وضع إبراهيم قدمه عليه، فرجَّلته، وأثَّرت قدمُه فيه.
وقيل: هو الذي قام عليه وأذَّن في الناس بالحج.
ويجوز أن يكون قام عليه في هذه المواضع كلها.
فأما غيرُ ذلك من الآيات التي عُرفت من غير ذكر: فأمْنُ الصَّيد من الناس والذِّئابِ والكلاب، وقلةُ ما يجتمع من الحصى عند الجمرات مع كثرتها وطولِ المدَّة فيها وتوافُرِ الرَّامين في الألوف من السنين من غيرِ رفعِ إنسانٍ ومرورِ سيلٍ عليه (^١)، وتركُ الحمام أن يعلو البيتَ أو يقع عليه، وانحرافُها عنه إذا كادت تصير فوقه، وقصةُ أصحاب الفيل، وشأنُ الحجر الأسود، وما روي أنه أودع فيه كتاب أخذ الميثاق على ذرية آدم (^٢)،
_________________
(١) "عليه": من (أ).
(٢) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٨٨٩٢)، ولفظه: عن فاطمة بنت سفيان قالت: لما أخذ اللَّه الميثاق من بني إسرائيل، أو آدم، جعله في الركن، فمن الوفاء بعهد اللَّه استلام الحجر. ورواه الأزرقي في "تاريخ مكة" (١/ ٣٢٣)، والحاكم في "المستدرك" (١٦٨٢)، من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: حججنا مع عمر بن الخطاب. . .، وفيه أن عليًّا ﵁ قال لعمر: قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] خلق اللَّه آدم ومسح على ظهره فقررهم بأنه الرب، وأنهم العبيد، وأخذ عهودهم ومواثيقهم، وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له افتح فاك. قال: ففتح فاه فألقمه ذلك الرق وقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد لسمعت رسول اللَّه -ﷺ-: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق، يشهد لمن =
[ ٤ / ١٦٦ ]
وأنه يمينُ اللَّه في الأرض يصافح به عباده (^١)، وأنه ياقوتةٌ من الجنَّة (^٢)، وأن له يوم القيامة لسانًا وعينين وشفتين، يشهد لمن وافاه بالحج والعمرة (^٣).
_________________
(١) = يستلمه بالتوحيد" فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: أعوذ باللَّه أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن. قال الحاكم: (ليس من شرط الشيخين، فإنهما لم يحتجا بأبي هارون عمارة بن جوين العبدي). قلت: وأبو هارون العبدي قال عنه الحافظ في "التقريب": متروك، ومنهم من كذبه.
(٢) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ٣٢٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٢/ ٢١٧)، وابن الجوزي في "العلل" (٩٤٤)، من حديث جابر ﵁. قال ابن الجوزي: لا يصح. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢٧٣٧)، والحاكم في "المستدرك" (١٦٨١)، وابن الجوزي في "العلل" (٩٤٥)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄. قال ابن الجوزي: لا يثبت. ورواه عبد الرزاق في "المصنف" (٨٩١٩)، والأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٣٢٣ و٣٢٤ و٣٢٦)، والفاكهي في "تاريخ مكة" (١/ ٨٩)، موقوفًا على ابن عباس ﵄. وفي إسناده عثمان بن ساج، وفيه ضعف كما في "التقريب" ترجمة عثمان بن عمرو بن ساج.
(٣) رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢٧٣٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٠٢٨) من حديث ابن عباس ﵄. وفي إسناده أبو الجنيد الحسين بن خالد، قال عنه ابن معين: ليس بثقة. انظر: "الميزان" (١/ ٤٨٧). وفي الباب عن ابن عمر أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس اللَّه نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب"، رواه الإمام أحمد في "المسند" (٧٠٠٠)، والترمذي (٨٧٨)، وإسناده ضعيف والأصح وقفه، قال الترمذي: هذا يروى عن عبد اللَّه بن عمرو موقوفًا قوله، وفيه عن أنس أيضًا، وهو حديث غريب. قلنا: حديث أنس رواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٥٦)، وفي إسناده داود بن الزبرقان، وهو متروك. أما كون الحجر الأسود من الجنة فقد رواه الترمذي (٨٧٧)، والنسائي (٢٩٣٥)، من حديث ابن عباس ﵄، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٤) رواه الترمذي (٦٩١) وحسنه من حديث ابن عباس ﵄، ولفظه: قال رسول اللَّه =
[ ٤ / ١٦٧ ]
قوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾: قد ذكرنا أنه عند بعضهم ذلك الحجر.
وقيل: هو الموضع الذي يُصلَّى فيه من المسجد الحرام، قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
وقيل: هو مواضع (^١) أداء أمور الحج.
وقيل: هو الحرم كلُّه.
وقال الشِّبليُّ (^٢): ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الخلَّة (^٣).
وقال محمَّدُ بن عليٍّ التِّرمذيُّ ﵀: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو بذلُ النَّفس والمال والولد في رضى (^٤) خليله، فمَن نظر إلى عين المقام ولم يتحلَّ بما تحلَّى به (^٥) إبراهيم من بذل النَّفس والمال والولد ولم يُسلم فقد بطل سفرُه وضاعَتْ رحلتُه (^٦).
_________________
(١) = -ﷺ- في الحجر: "واللَّه ليبعثنه اللَّه يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق".
(٢) في (ر): "موضع".
(٣) تحرفت في (أ) إلى: "السبكي". والشبلي: هو أبو بكر دلف بن جحدر، ويقال: ابن جعفر، وهو خراساني الأصل، بغدادي المنشأ والمولد، كان والي دوماوند، تاب في مجلس خيرٍ النَّسَّاج، وصحب الجنيد ومن في عصره من المشايخ، وصار أوحد وقته حالًا وعلمًا، وكان عالمًا فقيهًا على مذهب مالك، كتب الحديث الكثير ورواه، توفي سنة (٣٣٤). انظر: "طبقات الصوفية" للسلمي (١/ ٢٥٧)، و"الرسالة القشيرية" (ص: ١١٦).
(٤) انظر: "تفسير السلمي" (١/ ١٠٨).
(٥) في (أ): "رضاء".
(٦) في "تفسير السلمي": "ولم يتخل مما تخلى منه".
(٧) انظر: "تفسير السلمي" (١/ ١٠٩).
[ ٤ / ١٦٨ ]
قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: قال يحيى بنُ جَعْدةَ: أي: كان آمنًا من النَّار (^١).
وتحقيقُه: مَن دخلَه معظِّمًا (^٢) له متعبِّدًا للَّه تعالى أمنَ من النَّار بوعد اللَّه تعالى.
قال عطاء: مَن مات في الحرم بُعث آمنًا. وتلا هذه الآية (^٣).
وقد (^٤) روي عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَنْ ماتَ في أحدِ الحرمَيْنِ مكَّةَ أو المدينة بُعِثَ يومَ القيامةِ آمنًا" (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٠٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٣٠٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧١٢).
(٢) في (أ): "تعظيمًا"، وفي (ف): "كان معظمًا".
(٣) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٣٠٤).
(٤) في (ر) و(ف): "وما" وهو خطأ.
(٥) رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (٨٢٧)، و"المعجم الأوسط" (٥٨٨٣)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٤/ ١٣٦)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٢٩)، من حديث جابر ﵁. قال ابن الجوزي: فيه عبد اللَّه بن المؤمل، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد. وفيه موسى بن عبد الرحمن، قال ابن حبان: دجال يضع الحديث. ورواه الطبراني في "الكبير" (٦١٠٤)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٢٩)، من حديث سلمان ﵁. وقال ابن الجوزي: فيه ضعفاء، والمتهم به عبد الغفور [هو ابن سعيد الأنصاري]، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث تركوه، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات، لا يحل كَتْبُ حديثه إلا على التعجب. وروي أيضًا من حديث أنس وعمر وحاطب ﵃، وكلها ضعيفة. انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ١٩٧). قلت: ومع ذلك فقد حسن متنه السيوطي فقال: والذي أستخير اللَّه فيه الحكم لمتن الحديث بالحسن لكثرة شواهده. انظر: "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ١٠٩).
[ ٤ / ١٦٩ ]
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: ومَن دخلَه مصدِّقًا بفَرْضيَّة حجِّه كان آمنًا من عذاب اللَّه الذي يستحقُّه الجاحدون له (^١).
وقال قتادة: كان الحرم أمنًا في الجاهليَّة ومَفزعَ كلِّ خائفٍ ومَلجأَ كلِّ جانٍ، لا يُهاج فيه ذو (^٢) جَريرةٍ، ولا يُتعرَّض (^٣) فيه لقاتل، فأمَّا اليوم فمَن سرق فيه قُطع، ومَن قَتلَ فيه قُتل، وأحبُّ البقاع إلى اللَّه ما تُؤدَّى فيه فرائض اللَّه تعالى (^٤).
وهذا في حقِّ مَن جنى فيه، فأمَّا الجاني إذا التجأ إليه كالحربيِّ والمرتدِّ والقاتل؛ فعند الشافعي يُقتَل فيه، وعندنا لا يُقتل فيه (^٥)، ويُلجأ إلى أن يَخرج منه فيقامَ عليه ذلك؛ لهذه الآية (^٦).
فإنَّ قولَه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ تقديرُه: ومَن يدخلْه يكنْ آمنًا؛ لأنَّه شرطٌ وجزاءٌ، وذلك يكون في المستقبل دون الماضي، ولكلمة الشرط والجزاء أثرٌ في هذا، وهو تغيير الماضي إلى معنى المستقبل؛ فإنَّ قولَك: إنْ زرْتَني زُرْتُكَ، في معنى (^٧): إن تَزُرْني أَزُرْكَ.
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥١٧)، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] قال: ومن دخله من الناس الذين أمر أن يؤذن فيهم، وكتب عليهم الحج، فإنه آمن، فعظموا حرمات اللَّه تعالى، فإنها من تقوى القلوب.
(٢) في (ف): "دون".
(٣) في (أ) و(ر): "يعترض".
(٤) رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٣٤)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٠١)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٣٠٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧١٢).
(٥) "فيه": من (أ).
(٦) انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (١٢/ ٢٢٠)، و"التجريد" للقدوري (١١/ ٥٦٧٦).
(٧) قوله: "زرتك في معنى" من (أ)، وفي (ر): "أزرْك تقديره"، وسقط من (ف).
[ ٤ / ١٧٠ ]
والآيةُ في حقِّ مَن جنَى؛ فإنَّ غير الجاني آمنٌ حيث دخل، فإنَّما خُصَّ الحرمُ بذلك لوقوع الأمن فيه لمن جنَى ثم دخله.
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: إذا أصابَ الرَّجلُ الحدَّ في الحرم أُقيم عليه، وإنْ (^١) أصابه في غير الحرم ثم لجأ إليه لا يُحدَّث ولا يُجالس ولا يُؤاكل ولا يُبايع، حتى يَخرجَ منه، فيُؤخَذ فيُقام عليه الحدُّ (^٢).
وقال ابن عمرٍ ﵄: لو وجدنا قاتل أبينا في الحرم لم نقتلْه (^٣).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ في الفرقِ بينَ مَن قَتلَ فيه وبين مَن قَتلَ ثم دخلَه: يقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] أباح لهم القتل عند المسجد الحرام إذا قاتلونا، فعلى ذلك يُقام الحدُّ إذا أصابه (^٤) وهو فيه، وإذا أصاب في غيره ثم لجأ إليه لم يُقَم (^٥)، كما (^٦) لم نقاتلْ إذا لم يقاتلونا.
قال: وهذا فرقٌ حسنٌ واضحٌ (^٧).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ في الظَّاهر: ما تأثَّر بقدمه، وفي
_________________
(١) في (ر): "فإن".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٠٣ - ٦٠٤)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٣٠٥)، والأزرقي في "أخبار مكة" (٢/ ١٣٨).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٨٩١٧) عن ابن عمر وابن عباس ﵄.
(٤) في (أ) و(ف): "أصاب".
(٥) في (أ): "يقتل".
(٦) في (ف): "كما إذا".
(٧) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٣١).
[ ٤ / ١٧١ ]
الإشارة: ما وقف عليه الخليل بهمَّته، وشَرُفَ مقامُ إبراهيم لأنه أثر الخليل، وأثرُ الخليل عند الخليل له خطرٌ جليلٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾؛ أي: دخل مقام إبراهيم ﵇، ومقام إبراهيم التسليمُ، فمَن سلَّمَ الأمورَ إلى اللَّه تعالى لم يبقَ له اختيارٌ، ومَن سقطَ اختيارُه ثبتَ أمنُه وزال حِذارُه.
قال: ويُقال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾ يرجع إلى البيت، ومعناه: دخوله على وصف الأدب، وأدبُ دخول البيت تسليمُ الأمور إلى ربِّ البيت.
قال: ويقال: لا يكون دخول البيت على الحقيقة إلَّا بخروجك عنك، فإذا خرجْتَ عنك صحَّ دخولُك في البيت.
قال: ويقال: دخولك في بيته لا يصحُّ مع تعريجك في أوطانك ومعاهدك، فإنَّ الشَّخص الواحد لا يكون في حالةٍ واحدةٍ في مكانَين، فمَن دخل بيتَ ربِّه فبالحَرِيِّ أن يخرج من معاهد (^١) نفسه؛ ليُكرَم بالدُّخول في مشاهد (^٢) قُدسه (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾: الحَجُّ بالفتح والكسر لغتان، كالسَّلْم والسِّلْم، والوَتْر والوِتْر، والكسر لغة أهل نجد، والفتح لغة أهل (^٤) الحجاز وأهل العالية.
وتفسيره: زيارةُ البيت، في اللُّغة.
_________________
(١) "معاهد" ليس في (ف). ولعله يريد بالمعاهد: المألوفات.
(٢) في (ف): "مشاهدة".
(٣) في (ف): "مشاهدة قدسه". وانظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣). والعبارة الأخيرة لم ترد فيه، وهي: "ليُكرَم بالدُّخول في مشاهد قُدسه".
(٤) "أهل" ليست في (أ).
[ ٤ / ١٧٢ ]
ومعناه: هو أفعالٌ مخصوصةٌ من المناسك في الشَّريعة.
و﴿عَلَى﴾ كلمةُ إيجاب، فدلَّ به (^١) على الفَرْضيَّة.
قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: و﴿مَنِ﴾ بدل مِن قوله: ﴿النَّاسِ﴾، وهو خفضٌ، وتقديرُه: على مَن استطاع؛ أي: قدرَ وأطاق إلى البيت ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا؛ أي: قدرَ على الذَّهاب إليه، وأراد به قُدرةَ سلامة الآلات والأسباب.
وفسَّره النبيُّ -ﷺ- بالزَّاد والرَّاحلة (^٢)، وهذه تتقدَّم على الفعل، فأمَّا الاستطاعة -التي هي قدرة الفعل- فإنها مع الفعل عندنا، خلافًا للمعتزلة، فإنهم يقولون: إنها سابقةٌ على الفعل.
و﴿النَّاسِ﴾ في هذه الآية هم المؤمنون دون الكفَّار؛ فإنهم غيرُ مخاطَبين بأداء الشَّرائع عندنا، وعند الشَّافعي هم مخاطبون بها.
_________________
(١) "به": من (أ).
(٢) رواه الدارقطني في "سننه" الأحاديث (٢٤١٣ - ٢٤٢٧) من حديث جابر وعبد اللَّه بن عمرو وابن مسعود وأنس وعائشة وابن عمر وابن عباس. وضعف أسانيدها الحافظ في "الكافي الشاف" (ص: ٢٨). وروى حديث ابن عمر أيضًا الترمذي (٨١٣) وابن ماجه (٢٨٩٦). وقال الترمذي: (هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل العلم في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه). وقال الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦١٧): (الأخبار التي رويت عن رسول اللَّه -ﷺ- في ذلك بأنه الزاد والراحلة فإنها أخبار في أسانيدها نظر لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدِّين). ورواه الإمام أحمد في "مسائله برواية ابنه عبد اللَّه" (ص: ١٩٧) عن الحسن مرسلًا. وهذا هو الصحيح في هذا الحديث، فقد قال ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسندًا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة. انظر: "التلخيص الحبير" (٢/ ٢٢١).
[ ٤ / ١٧٣ ]
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀ في (^١) قول الشَّافعيِّ: إنَّ العبادات تجب على الكافر في حال كفره، فإذا أسلم سقط ذلك عنه: وذلك عندنا لعبٌ وعبثٌ في دين اللَّه، لا يجوز (^٢) أن يلزمه فرضٌ في حالٍ لا يجوز له فعله، فإذا جاء سبب الجواز سقط عنه (^٣).
والاستطاعةُ عند بعضهم: صحَّةُ البدن. وقد بيَّنا وجوه ذلك وشرائطه على الاتفاق والاختلاف في "حصائل المسائل" (^٤).
وقالوا: لَمَّا نادى الخليلُ الخلقَ بالحج باسم النَّاس، فقال: يا أيُّها النَّاس، إنَّ اللَّه قد بنى لكم بيتًا وأمركم أن تحجُّوه فحجُّوه = ذكرَ اللَّهُ تعالى أمور الحج في آيٍ مِن القرآن مقرونًا باسم النَّاس؛ فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج: ٢٧]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [الحج: ٢٥] ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨]، ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الاستطاعة أنواعٌ؛ فمستطيعٌ بنفسه، ومستطيعٌ بماله، ومستطيعٌ بغيره، والأهم وقد (^٥) غفل عنه الأكثرون: مستطيعٌ بربِّه، وإليه نظرُ كلِّ محقِّق، فإن بلاياه لا يحملها إلَّا مطاياه.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "من".
(٢) في (أ): "لا جائز"، وفي "التأويلات": (غير جائز).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٣٦).
(٤) "حصائل المسائل"، أو "الحصائل في المسائل": من كتب المصنف ﵀. انظر: "كشف الظنون" لحاجي خليفة (١/ ٦٦٨)، و"هدية العارفين" للباباني (١/ ٧٨٣).
(٥) في (ف): "قد".
[ ٤ / ١٧٤ ]
ثم إذا كان البيتُ المنسوب إليه لا يوصل إليه من ناحيةٍ من نواحيه إلَّا بقطع المفاوز والمتاهات، فكيف يطمع أن يصلَ إلى ربِّ البيت بدون تحمُّل المشقَّات ومفارقة الرَّاحات؟
ثم حجُّ البيت على أصحاب الأموال، وحجُّ ربِّ البيت على أصحاب الأحوال، وقد ينسدُّ الطَّريق إلى البيت في أحوالٍ، ولا ينسدُّ الطَّريق إلى ربِّ البيت بحال.
والحجُّ هو القصد إلى مَن يعظِّمه، فقاصد بنفسه إلى زيارة البيت، وقاصد بقلبه إلى شهود ربِّ البيت، فالقاصدون بنفوسهم أحرموا عن محرَّمات الإحرام، والقاصدون بقلوبهم أحرموا عن شهود الغير وجميع الأنام، هؤلاء تحلُّلهم عن إحرامهم عند قضاء نسكهم، وهؤلاء تحلُّلهم عن إحرامهم عند شهود ربِّهم (^١).
وسبيلُ مَن حجَّ البيت أن يقوم بآداب (^٢) الحجِّ، فإذا عقد بقلبه الإحرام يجب أن يفسخ كلَّ عقدٍ يصدُّه عن هذا (^٣) الطَّريق، وينقض كلَّ عزمٍ يردُّه عن هذا التَّحقيق.
وإذا تطهَّر تطهَّر عن كلِّ دنسٍ من آثار الأغيار بماء الحياء، ثم بماء الوفاء، ثم بماء الصَّفاء.
وإذا تجرَّد عن ثيابه تجرَّد عن كلِّ ملبوسٍ له من الأخلاق الذَّميمة والأفعال اللَّئيمة.
وإذا لبَّى بلسانه وجبَ ألَّا تبقى شعرةٌ من بدنه إلَّا استجابَتْ للَّه تعالى.
فإذا بلغ الموقف وقفَ بقلبه وسرِّه حيث وقَفه (^٤) الحقُّ بلا اختيارِ مقامٍ.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٦١ - ٢٦٣).
(٢) في (أ): "بأداء".
(٣) في (ر): "هذه".
(٤) في (ر): "وفقه".
[ ٤ / ١٧٥ ]
وإذا وقف بعرفات عرفَ الحقَّ سبحانه، وعرفَ له حقَّه على نفسه، ويتعرَّف إلى اللَّه تعالى بتبرُّئه عن قوَّته وحوله، والحقُّ سبحانه يَتَعَرَّفُ إليه بتولِّيه بمنَّته وطَوله.
وإذا بلغَ المشعر الحرام يذكر مولاه بلسان نفسه، ولا يصحُّ ذكرُه ربَّه مع ذكر نفسه.
فإذا بلغ منًى نفى عن قلبه كلَّ طلبٍ ومُنًى، وكلَّ شهوةٍ وهوًى.
فإذا بلغ رميَ الجمار رمى عن قلبِه وحذفَ عن سرِّه كلَّ علاقةٍ في الدُّنيا والعقبى.
فإذا ذبح ذبح هواه بالكليَّة، وتقرَّب به إلى اللَّه تعالى.
فإذا دخل الحرم عزم على التَّباعد عن (^١) كلِّ محرَّم.
فإذا وقعَ طَرْفه على البيت شهد بقلبه ربَّ البيت.
فإذا طافَ بالبيت أخذ سرُّه في الجولان في الملكوت.
فإذا سعى بين الصَّفا والمروة صفا عن كلِّ كدورة بشريَّةٍ وكلِّ آفةٍ إنسانيَّةٍ.
فإذا حلقَ قطعَ (^٢) كلَّ علاقةٍ بقيت له.
وإذا تحلَّل (^٣) من إحرام نفسه وقَصْدِه إلى بيت ربِّه استأنف إحرامًا جديدًا بقلبه.
وكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربِّه يخرج من بيت ربِّه إلى ربِّه، فمَن
_________________
(١) في (أ): "من".
(٢) في (ر): "قطع عن".
(٣) في (أ): "فإذا تحل" بدل: "وإذا تحلل".
[ ٤ / ١٧٦ ]
استكمل (^١) نُسكه فإنما عمل لنفسه، ومَن قصَّرَ فإنَّ اللَّه غنيٌّ عن العالمين (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: أي: مَن لم يرَ الحج فرضًا فقد كفر.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: أي: مستغنٍ عنهم وعن طاعاتهم، وإنما أمَرهم به لينفعهم لا لنفعه (^٣).
وروى أبو أمامة عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَنْ ماتَ ولم يحجَّ حجَّةَ الإسلامِ، ولم تمنعْهُ حاجةٌ ظاهرةٌ أو مرضٌ حابس أو سلطانٌ جائرٌ، فلْيَمُتْ على أيِّ حالٍ شاءَ يهوديًّا أو نصرانيًّا" (^٤).
وإنما خصَّ هذين لأنَّ اليهود والنَّصارى هم الذين لا يرون الحجَّ ولا فضل الكعبة.
وقال الضحَّاكُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾؛ أي: ومَن لم يكن مؤمنًا فلا حجَّ عليه، إنَّما الحجُّ على المؤمنين (^٥).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "أكمل".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٦١ - ٣٦٤).
(٣) في (أ) و(ف): "لينفعه".
(٤) رواه الدارمي في "سننه" (١٨٢٦)، وأبو يعلى في "معجمه" (٢٣١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٨٦٦٠)، وقال: وهذا وإن كان إسناده غير قوي فله شاهد من قول عمر بن الخطاب ﵁. ورواه الترمذي (٨١٢) من حديث علي ﵁، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد اللَّه مجهول، والحارث يضعف في الحديث.
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧١٦) بلفظ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال: (كفر بالبيت)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٦١٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (٧٥٧)، بلفظ: (من جحد الحجَّ وكفر به). وروى الطبري أيضًا (٥/ ٦٢١) عنه قال: لما نزلت آية الحج، جَمع رسول اللَّه -ﷺ- أهلَ الأديان كلَّهم فقال: =
[ ٤ / ١٧٧ ]
وقيل: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ هو مِن كفران النِّعمة؛ أي: ومَن لم يحجَّ فقد كفر نعمةَ الإسلام ونعمة تشريف اللَّه إيَّاه بإقامة هذه الأعلام.
* * *
(٩٨) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: وقال قبل هذا: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ فالأوَّل على جهة التلطُّف في استدعائهم إلى الحقِّ بتوجيه الخطاب إليهم، وهذا على جهة (^١) الإهانة بصرف الخطاب عنهم وتوجيهه (^٢) إلى غيرهم بصدِّهم عن الحقِّ.
وقيل: هو خطابٌ لمحمَّدٍ ﵇.
و﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: اليهود والنَّصارى.
قوله تعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: قال الضحَّاكُ: أي: الإسلام والحجِّ (^٣).
وقال الكلبيُّ: الحجُّ والقرآن.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾: أي: عالمٌ بكفركم وتغييركم نعتَ محَّمدٍ السلام، وأخذِكم الرِّشى.
ثم هذا توبيخ على لفظ الاستفهام؛ لأنه سؤالُ تعجيزٍ عن إقامة العذر.
* * *
_________________
(١) = يا أيها الناس، إن اللَّه ﷿ كتب عليكم الحج فحجُّوا، فآمنتْ به ملة واحدة، وهي من صدّق النبيّ -ﷺ- وآمن به، وكفرَتْ به خمس ملل، قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله. فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وكلها من طريق جويبر عنه، وجويبر متروك.
(٢) في (ف). "وجه" في الموضعين هذا والذي قبله.
(٣) في (أ): "وتوجهه".
(٤) انظر ما ذكرناه عنه قريبًا.
[ ٤ / ١٧٨ ]
(٩٩) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: تمنعون وتَصْرفون، وسبيلُ (^١) اللَّه الإسلام؛ لأنَّه الطَّريق المؤدي إلى رضى اللَّه تعالى وثوابه.
قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: مفعولٌ بالصَّد، و﴿مَنْ﴾ للجمع؛ أي: المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: أي: تطلبون للسبيل زيغًا وميلًا، واللَّام محذوفةٌ لكثرة الاستعمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ أي: يطلبون لكم الفتنة.
والكناية ترجع إلى السَّبيل وهو يذكَّر ويؤنَّث؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]، قرئ بالياء والتاء ورفع اللَّام (^٢).
والعِوجُ: الزَّيغ والميل.
قال أبو عبيدة: العِوَج بكسر العين: في الدِّين والقول والعمل، والعَوَج بالفتح: في الجدار والحائط وكلِّ شخصٍ (^٣).
_________________
(١) في (ف): "سبيل"، وفي (ر): "عن سبيل".
(٢) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بالياء، والباقون بالتاء، وقرأ نافع ﴿سَبِيل﴾ بنصب اللام، والباقون برفعها. انظر: "التيسير" للداني (١/ ١٠٣).
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٩٨).
[ ٤ / ١٧٩ ]
وصدُّهمُ المسلمين عن السَّبيل: هو قول علمائهم: إنَّه كاذبٌ وليس بنبيٍّ.
وقيل: هو محاربتهم مع المسلمين.
وقيل: هو ثباتهم على كفرهم، وكان ذلك كدعوتهم (^١) غيرَهم إلى ذلك.
وقيل: هو إدخال الشُّبَه على المسلمين واستزلالُهم بإدخالهم التحريف فيه وسوءِ التأويل.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾: أي: شهداء (^٢) على أن هذه السبيل هي الحق، وإن كنتم تكتمون شهادتكم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: أي: من الصدِّ عن سبيله وكتمانِ الشَّهادة لنبيِّه.
* * *
(١٠٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: وبَّخَ أولًا أهلَ الكتاب بصدِّ المؤمنين، ثم نهى المؤمنين عن اتِّباع هؤلاء الصَّادِّين.
يقول: إن تطيعوا هؤلاء في سلوك السبيل التي يَدْعونكم إليها ردُّوكم إلى الكفر.
وقد بيَّنَّا سبب نزوله في قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٩]، وإنما خصَّ فريقًا وطائفةً لأنَّ منهم مَن آمَنَ.
_________________
(١) في (ر): "دعوتهم".
(٢) "أي: شهداء" ليس في (ف).
[ ٤ / ١٨٠ ]
وقال عكرمةُ في نزوله: مرَّ شاسُ بن قيسٍ اليهوديُّ على أناسٍ من الأنصار جلوسٍ في مسجد رسول اللَّه -ﷺ- يتحدَّثون، فقال لصاحبٍ كان معه: أنشدهم حربَ بُعاثٍ لعلَّهم يغضبون، فأنشدهم ما قيل في يوم بُعاثٍ من الشِّعر، فقال ثعلبة بن عَنَمة (^١) من الخزرج: لو تأخر الإسلام قليلًا لأجلينا الأوس من يثرب، فغضب أوس ابن قَيْظيٍّ فقال: قد تأخر الإسلام قبل ذلك فما صنعتُم؟! فتنادوا بالسلاح واجتمعت القبائل وتأهبوا للقتال، فخرج إليهم النبي -ﷺ- فلم يزل بهم (^٢) يكفُّ بعضَهم عن بعضٍ ويقول: "عبادَ اللَّه! بعد أن هداكم من الضلالة وأنقذكم من الجهالة وفيكم رسولُ اللَّه -ﷺ- ترجعون كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض؟! " فلم يزل بهم حتى اصطلحوا واعتنقوا وبكى بعضهم إلى بعضٍ، وقالوا: كان هذا نزغةً من الشيطان، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٣).
* * *
(١٠١) - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾: قد (^٤) ذكرنا أنَّه كلمة تعجيبٍ؛ أي: من العجب هذا.
_________________
(١) في (ر): "غتم"، وفي (أ) و(ف): "عتم"، والصواب المثبت.
(٢) "بهم": من (أ).
(٣) رواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٥٥)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٢٧)، عن زيد بن أسلم، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٣١ - ٦٣٢) عن السدي ومجاهد. وذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١١٦).
(٤) في (ف): "وقد".
[ ٤ / ١٨١ ]
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾: أي: كيف تكفرون مع وضوح الدلائل.
وقيل: أي: كيف يطمع هؤلاء في كفركم مع علمهم أن كتاب اللَّه (^١) يُتلى عليكم، ورسول اللَّه معكم يبيِّن لكم معانيَه، ويقيم المعجزات الدَّالةَ على صدقه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لا ينبغي لمن أشرقت في قلبه شموسُ العرفان أن يقع عليه ظلُّ الكفر والطغيان، فإنه إذا أقبل الليل من هاهنا أدبر النهار من هاهنا (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يمتنعْ باللَّه من أعدائه، والعصمةُ: المنع، أي: ومَن يتعلَّق بدين اللَّه.
وقيل: أي: ومن يتمسَّك بكتاب اللَّه.
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: أُرشد إلى الدِّين الحقِّ.
قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: مَن يجعلِ اللَّهَ له مفزعًا وملجأً عند الشُّبَه والإشكال ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: يحفظه (^٣) عن الشُّبَه (^٤).
* * *
(١٠٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: هو (^٥) تفسير الاعتصام.
_________________
(١) في (أ): "نبيكم".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٦٥).
(٣) في (أ): "لحفظه".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٤٢).
(٥) في (أ): "مر".
[ ٤ / ١٨٢ ]
وقال ابن عبَّاسٍ وابن مسعودٍ ﵃ وسعيد بن جبيرٍ والحسن وقتادة: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر (^١).
وذُكرَتْ هذه المبالغة في ثلاثة أشياءٍ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
وقالَ الزَّجَّاجُ: اتَّقوا اللَّهَ فيما يحقُّ عليكم أنْ تتَّقوه (^٢).
وقال أنسٌ: لا يتَّقي اللَّهَ أحدٌ حقَّ تقاتِه حتَّى يَخْزُنَ مِن لسانِه (^٣)، ويَعدَّ كلامَه مِن عملِه (^٤).
وقالَ الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قيل: معناه: واحذروا عذابَ اللَّهِ حقَّ حَذَرِه.
قال: وقيلَ: معناه: أطيعوا اللَّهَ حقَّ طاعتِه.
قال: وليس في وُسعِ أحدٍ أن يتَّقي اللَّهَ حقَّ تقاتِه في كلِّ العبادات، ألَا ترى أنَّ
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢٢)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٤٤١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٥٥٣)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١٨٤٧) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٣٦ - ٦٣٩) عن ابن مسعود والحسن والسدي وقتادة وطاوس والربيع بن خثيم وعمرو بن ميمون. وهذا الحديث روي مرفوعًا من حديث ابن عباس ومن حديث ابن مسعود، والصحيح وقفه وقد تقدم الكلام عليه في أول سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٤٨).
(٣) في (ر): "حتى يخزن لسانه"، وفي (ف): "حتى يحرر من لسانه".
(٤) رواه ابن وهب في "الجامع" (٣٧٧)، وهناد في "الزهد" (٢/ ٥٢٣)، وأبو داود في "الزهد" (٣٦٨)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٧)، كلهم دون قوله: "ويعد كلامه من عمله"، وذكرها الماتريدي في "تفسيره" (٢/ ٤٤٣).
[ ٤ / ١٨٣ ]
الملائكةَ بعدما وُصفوا مِن عبادتهم أنهم لا يَفْترون ولا يسأمون يقولون يومَ القيامة: "سبحانَك ما عبدناكَ حقَّ عبادتِك" (^١)، وإذا كانَ أحدٌ لا يبلغُ ذلك فلا (^٢) يحتمل تكليف مثله، فكان هذا الأمر راجعًا إلى الإسلام، وترك الشِّرك في كلِّ حالٍ.
ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: كونوا في حالٍ إذا أدرككم الموتُ أدرككم وأنتم مسلمون (^٣).
وما ذكر عطاء أنَّه لَمَّا نزلَ قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، قالوا: يا رسول اللَّه، وما حقُّ تقاته؟ قال: "أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكرَ فلا يُنسى، ويُشكرَ فلا يُكفر". قالوا: ومَن يَقوَى على هذا؟ فنزل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (^٤) = ليس فيه أن الأوَّل كان أمرًا بما ليس في الوسع ثم نزل (^٥) التَّخفيف، بل فيه بيان أن ذلك الأمرَ كان بما (^٦) هو في الوسع.
وقيل: كان الأمرُ الأوَّل به في حال الأمن وحال الخوف على نفسه وماله، وأُمروا بالائتمار بالأمر والانتهاءِ بالنَّهي بكلِّ حالٍ، ثم وردَ التَّخفيف حالةَ التقيَّة بفعلِ ما أُكره عليه مع طمأنينة القلب على خلافِه.
_________________
(١) جاء ذلك في أحاديث، منها: ما رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٧٥١) من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، ومنها ما رواه الحاكم في "المستدرك" (٨٧٣٩) وصححه من حديث سلمان ﵁.
(٢) في النسخ: "لا"، والمثبت من "التأويلات".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤).
(٤) رواه البيهقي في "القضاء والقدر" (٢٩٤) من طريق عطاء عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، وقد تقدم تفصيل الكلام فيه قريبًا وفي أول سورة البقرة.
(٥) في (ر) و(ف): "نزل في".
(٦) في (أ): "ما".
[ ٤ / ١٨٤ ]
وقال القشيريُّ ﵀: حقُّ التَّقوى: أن يكون على وَفقِ الأمر، لا يزيد من قِبل نفسِه ولا ينقص.
حقُّ التَّقوى أوَّلًا اجتناب الزَّلَّة، ثم اجتناب الغفلة، ثم التَّوقِّي عن كلِّ خلَّةٍ، ثم التَّنقِّي (^١) عن كلِّ علَّةٍ، فإذا اتَّقيْتَ عن شهود تقواك بعد اتِّصافك بتقواك فقد اتَّقيْتَ حقَّ تقواك.
وقيل: حقُّ التَّقوى: صونُ العهود، وحفظُ المعهود، وشهودُ الإلهيَّة، والانسلاخُ عن الأوصاف البشريَّة، والجمودُ تحت جريان الحُكم بعد اجتنابِ الذَّنب والجُرم، واستشعارُ الأَنَفة عن التَّوسل إليه بشيءٍ من طاعاتك دونَ صِرف كرمِه، والتَّحقُّقُ بأنَّه (^٢) لا يَقبلُ أحدًا بعلَّةٍ، ولا يردُّ أحدًا بعلَّةٍ (^٣).
* * *
(١٠٣) - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾: قالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: أي: تمسَّكوا بالقرآنِ (^٤).
_________________
(١) في (ر): "التبقي"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في مطبوع "اللطائف".
(٢) في (ف): "أنه".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٦٦).
(٤) رواه سعيد بن منصور في "سننه - التفسير" (٥١٩)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٤٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (٧٧٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩٠٣٢).
[ ٤ / ١٨٥ ]
قال النَّبيُّ -ﷺ-: "عليكم (^١) بكتاب اللَّه؛ فإنَّه نبأُ مَن قبلَكم وخبرُ ما (^٢) بعدَكم، وذِكْرُ ما بينكم، وهو حبلُ اللَّهِ المتين. . . " الحديث (^٣).
واستعارتُه: أنَّ مَنْ تعلق بحبلٍ لم يسقطْ وتوصَّلَ به إلى المقصد، وكذا مَن عَمِل بالقرآن.
وقال النبيُّ -ﷺ-: "إني تاركٌ فيكم الثَّقلَينِ؛ كتابُ اللَّهِ (^٤) حبلٌ ممدودٌ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ، وعِترتي أهلُ بيتي" (^٥).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: اعتصموا بدين اللَّه والقرآن (^٦).
_________________
(١) في (ر): "تمسكوا".
(٢) في (أ): "من".
(٣) رواه الترمذي (٢٩٠٦)، وقال: هذا حديث غريبٌ، لا نعرفه إلَّا مِن هذا الوجه، وإسنادُه مجهولٌ، وفي الحارث مقالٌ.
(٤) في (ر) و(ف): "كتاب اللَّه وعترتي كتاب اللَّه".
(٥) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٢/ ١٩٤)، والإمام أحمد في "المسند" (١١١٠٤)، وابنُ أبي عاصم في "السنة" (١٥٥٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٠٢٧)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وإسناده ضعيف لضعف عطية العوفي الراوي عن أبي سعيد. وله شاهد من حديث زيد بن أرقم عند مسلم (٢٤٠٨)، والنسائي (٨١٧٥)، بلفظ: "وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتابُ اللَّه، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللَّه، واستمسكوا به"، فحث على كتاب اللَّه ورغب فيه، ثم قال: "وأهلُ بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي"، وفيه التصريح بأن المراد من قوله -ﷺ-: "وعترتي" هو وجوب مراعاتهم ومحبتهم، واجتناب ما يسوؤهم، والاحتراز عما يؤذيهم، وأما ما ورد مما يفهم منه وجوب الاقتداء بهم، والأخذ بأقوالهم والعمل بها، مثل قوله: "لن تضلوا بعدهما"، أو: "لن تضلوا إن اتبعتموهما"، فأسانيده ضعيفة لا يصلح الاحتجاج بها كما جاء في حاشية "المسند".
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٦٢) دون قوله: "والقرآن".
[ ٤ / ١٨٦ ]
وقال الكلبيُّ: أي: بدينِ اللَّهِ وعهدِه (^١)، والحبلُ: اسمٌ للعهد، قال تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢].
وقال مقاتل: حبل اللَّه الإسلام (^٢).
ثم قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ ينقضُ قولَ مَن (^٣) تكلَّف ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ خطاب العامة، ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ خطاب الخاصَّة؛ فإنَّه قال: ﴿جَمِيعًا﴾ فعمَّهم جميعًا.
وقيل: هو إجماع الأمَّة؛ أي: تمسَّكوا بالإجماع، ودليلُه قولُ النبيِّ -ﷺ-: "مَنْ فارقَ الجماعةَ قيدَ شبرٍ فقد خلعَ رِبْقَةَ الإسلامِ مِن عنقِه" (^٤)، والرِّبْقَةُ: الحبلُ.
ودليلُ ذلك أيضًا:
قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: أي: ولا (^٥) تتفرقوا، سقطَتْ إحدى التَّاءَيْن تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ [الملك: ٨].
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾: يقول: لا تتفرقوا؛ أي: لا تختلفوا في الدِّين كما اختلف أهل الكتاب.
ونعمةُ اللَّه: إنعامُه بالإسلام؛ أي: واذكروا إنعامَه عليكم إذْ كنتم أعداءً في
_________________
(١) في (ر): "وبعهده".
(٢) رواه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٤٦) عن ابن زيد. وانظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٩٣)، وفيه: ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ يعني: بدين اللَّه. وذكر الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٦٣) عن مقاتل في تفسير الآية قال: ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمره وطاعته.
(٣) "من": من (أ).
(٤) رواه أبو داود (٤٧٥٨) من حديث أبي ذر ﵁. ورواه الترمذي (٢٨٦٣) من حديث الحارث الأشعري ﵁، وقال: حديث حسن صحيح غريب.
(٥) في (أ): "فلا".
[ ٤ / ١٨٧ ]
الجاهليَّة يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ، فألَّف بينَ قلوبِكم بالإسلام، فصرتم بإنعامِه عليكم أخلَّاءَ في الدِّين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الملك: ١٠].
و(أصبح) أصلُه: دخل في الصَّباح، وأمسى: دخل في المساء، ثم يُطلَق كلُّ واحدٍ منهما على الصَّيرورةِ أيَّ وقتٍ كانَ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ [المائدة: ٣٠]، ﴿أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠].
وكان بين الأوس والخزرج حربٌ في مدَّة مئةٍ وعشرين سنةً، فألَّف اللَّهُ بينَ قلوبِهم بالإسلام، فزالَتْ تلكَ الأحقادُ.
ورُوي أنَّ النبيَّ -ﷺ- خرج يومًا على حماره يعفور، وكان يعفور إذا رأى منافقًا ردم ردمةً (^١)، فمرَّ على عبد اللَّه بن أُبيٍّ المنافق، ففعل كذلك.
وقيل: كان النبيُّ ﵇ نزلَ، ووقف الحمارُ على الطَّريق، فمرَّ عبدُ اللَّه به (^٢)، ففعل كذلك، فقال عبد اللَّه لسايس الحمار: نحِّ الحمارَ فإنَّه يؤذينا، فقال سعدُ بن معاذٍ الخزرجيُّ: أتقولُ هذا لحمار رسولِ اللَّه -ﷺ- يا ملعونُ؟ فأجابه بشيءٍ، وتعدَّى ذلك إلى المناظرة بين الأوس والخزرج.
فقالت الأوسُ: منَّا خزيمةُ بنُ ثابت ذو الشَّهادتَين، ومنَّا حنظلةُ غسيل الملائكة، ومنَّا سعدُ بن معاذٍ الذي اهتزَّ لموته العرشُ، ورضي اللَّه بحكمِه في بني قريظة.
وقالت الخزرج: منا أربعة أحكموا القرآن؛ أبيُّ بن كعبٍ، ومعاذُ بن جبلٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وسعدُ بن عبادة خطيب الأنصار.
_________________
(١) في هامش (أ): "أي: ضرط".
(٢) "به" ليس في (ف).
[ ٤ / ١٨٨ ]
وقالت الأوسُ: أَمَا واللَّهِ لولا مجيءُ الإسلام وقدومُ النبيِّ -ﷺ- لقتلنا رؤساءَكم، واستعبدنا أولادَكم، ونكحنا نساءَكم.
وتجادلوا في ذلك حتى صاروا إلى التَّضارب بالنِّعال، ثم بالسِّلاح، فجاءَهم النبيُّ -ﷺ-، وقرأ عليهم هذه الآية، فاصطلحوا وسكنوا (^١).
قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾: أي: حرفِ (^٢) وطرفِ، ومثلُه قوله تعالى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وأَشْفَى على كذا؛ أي: أَشْرفَ عليه؛ أي: كنتم كفَّارًا لو متُّم عليه دخلتم النَّار.
قوله تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾: أي: أنجاكم، يقال: أنقذه واستنقذه؛ أي: نجَّاه؛ أي (^٣): هداكم للإسلام فنجَّاكم به من العذاب.
ورُوي أن ابن عبَّاسٍ ﵄ قرأ يومًا هذه الآية، فسمع أعرابيٌّ ذلك، فقال: واللَّهِ ما أنقذَهم منها وهو يريد أن يقحمَهم فيها. فقال ابنُ عبَّاسٍ: ويحكم اكتبوه مِن غير فقيهٍ (^٤).
وقال قتادةُ: هذا خطابٌ للعربِ، كانوا أبينَ النَّاس ضلالةً (^٥)، وأشقاهم عيشًا، وأعراهم جلودًا، وأجوعهم بطونًا، مكعومين (^٦) على رأس حجرٍ، بينَ أسدَيْن: فارسَ
_________________
(١) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٦٠)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٧٧) عن مقاتل بن حيان. وانظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (١/ ٢٩٤).
(٢) في (ف): "جرف".
(٣) "نجاه أي" ليس في (أ).
(٤) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (٥٠٧).
(٥) في (ر): "كانوا من أبين الناس ضلالة" وفي (ف): "كانوا أبين ضلالة".
(٦) في النسخ: "معكوفين"، والمثبت من "تفسير الطبري"، وهو الصواب، مأخوذ من: كعم البَعيرِ، وهو =
[ ٤ / ١٨٩ ]
والرُّومِ، مَن عاشَ منهم عاشَ شقيًّا، ومَن ماتَ منهم رُدِّيَ في النَّار، فلمَّا جاء اللَّه بالإسلام هداهُم به مِن الضَّلالةِ، ووسَّع لهم الرِّزق، ومكَّنَ لهم في البلاد، وأظهرَهم على الأعداء، وجعلَهم ملوكًا، فيقول: اذكروا هذه النِّعَم (^١).
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: القرآنَ الَّذي فيه أمرُه ونهيُه، ووعدُه ووعيدُه؛ لتهتدوا به إلى الصَّواب، وما به يُنالُ الثَّواب.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قوله تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ ردٌّ على المعتزلة؛ لأن على قولهم هم الذين ينقذون أنفسهم لا اللَّهُ تعالى.
قال: ودلَّتِ الآية أنه يلزم خطاب الإيمان حين الفترة؛ لأنَّه قال: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (^٢).
* * *
(١٠٤) - ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ أمرُ مغايبة (^٣)، وقوله: ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أي: طائفةٌ.
﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أي: الائتلاف ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: وهو ما استحسَنه
_________________
(١) = أنْ يُشَدَّ فَمُه إذا هاجَ، فهو مَكْعُومٌ، وجاء في خطبة معاوية ﵁ لما حضرته الوفاة: (. . . فهم بين خائف مقموع، وساكت مكعوم. .). انظر: "جمهرة خطب العرب" (٢/ ١٨٥ - ١٨٦)، و"النهاية في غريب الحديث" (مادة: كعم).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٥٩).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٤٧)، ولفظه: وفي قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ﴾ الآية: أنه قد يلزم خطاب الإيمان حين الفترة؛ لأنَّهم في ذلك الوقت كانوا قد أنقذوا.
(٤) في (ر): "معاينة".
[ ٤ / ١٩٠ ]
الشَّرعُ والعقل، وهو الموافقة ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: وهو (^١) ما استقبحه الشَّرع والعقل، وهو المخالفة.
وعلى هذا (^٢) انتظامُ هذه الآية بما قبلَها، ثم يقع ذلك على كلِّ خيرٍ وكلِّ مستحسَنٍ شرعًا وعقلًا بعمومِه.
وقيل: الخيرُ: الطَّاعة، والمعروفُ: ما وافقَ الكتاب والسنَّة، والمنكرُ: ما خالف الكتاب والسنَّة.
وقيل: المعروفُ: كلُّ الطَّاعات، والمنكرُ: كلُّ المعاصي.
وقال الضحَّاك: المعروفُ: التَّوحيد، والمنكرُ: الكفر (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي: النَّاجون ممَّا خافوا، والواصلون إلى ما رَجُوا، وقد مرَّ تفسير الفلاح بوجوهه في أول سورة البقرة.
ودلَّ قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ وهي (^٤) للتَّبعيض: أن الأمر بالمعروف إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهو على مَن علم ذلك وقدر عليه دون الكلِّ؛ قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣].
_________________
(١) في (أ) و(ف): "هو".
(٢) في (أ): "وهذا على".
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٣) عن ابن عباس ﵄، رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٨٨) عن أبي العالية. ولم نقف على هذا القول عن الضحاك، لكن روي عنه في تفسير الآية قوله: هم خاصة أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وهم خاصة الرواة. رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٦٢)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٣٢٥). و(خاصة الرواة) قال ابن كثير: يعني: المجاهدين والعلماء. وقال الثعلبي والبغوي: الرواة الدعاة الذين أمر اللَّه ﷿ بطاعتهم.
(٤) في (أ): "وهو".
[ ٤ / ١٩١ ]
وقال الزَّجَّاجُ: (مِن) لإبانة الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، والأمر لكلِّ الأمَّة بذلك؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فوصف الكلَّ بذلك (^١).
وقيل: لَمَّا نزلَتْ هذه الآية بعثَ النبيُّ -ﷺ- جماعةً من أصحابه دعاةً للملوك في أقطار الأرض إلى اللَّه تعالى.
* * *
(١٠٥) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾: أي: بالعداوة، ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ أي: في الدِّيانة، فلم يكن تكرارًا، وهم اليهود والنَّصارى؛ اختلفوا فقالت اليهود: الدِّينُ الحقُّ هو اليهوديَّة، وقالت النَّصارى: بل هو النَّصرانيَّة، واختلفوا في الأنبياء أيضًا؛ فكذَّبَ اليهودُ عيسى ومحمَّدًا، وكذَّبَ النَّصارى محمَّدًا، وقالت اليهودُ: عزير ابن اللَّه، وقالت النَّصارى: المسيح ابن اللَّه.
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: أي: الحجج على حقيَّة (^٢) الإسلامِ ومحمَّدٍ والقرآنِ، وعلى بطلان قولهم، وذلك في القرآن، وفي التَّوراة والإنجيل أيضًا.
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ﴾: أي: هؤلاء المتفرِّقون المختلفون ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: في الآخرة، فإنَّه يدومُ ولا ينقطعُ.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٥٢).
(٢) في (ر) و(ف): "حقيقة".
[ ٤ / ١٩٢ ]
قال الكلبيُّ: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾: خطابٌ للأوس والخزرج، ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ يعني: اليهودَ والنصارى، ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ في الدِّين، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ في كتابهم.
* * *
(١٠٦) - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾: ﴿يَوْمَ﴾ نصبٌ على الإغراء، وقيل: على الظَّرف؛ أي: ولهم عذابٌ عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوه.
وأكثر أهل التَّفسير على أنه تبيضُّ وجوهُ قومٍ، وتسودُّ وجوهُ آخرين حقيقةً، ليتميَّزَ أهلُ الجنَّة مِن أهل النَّار، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠].
وقال النبيُّ -ﷺ-: "يُحْشَرُ المؤمنُ ووجهُهُ أضوأُ مِنَ القمرِ ليلةَ البدرِ، ويُحْشَرُ الكافرُ ووجهُهُ أسودُ مظلمٌ" (^١).
وفي الخبر في قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢]: أنَّ المؤمنين إذا سجدوا رفعوا رؤوسهم ووجوهُهم مثلُ الثلج بياضًا، والكفَّار لا يستطيعون السُّجود (^٢)، فإذا نظروا إلى وجوه المؤمنين اسودَّتْ وجوهُهم (^٣).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) "السجود": من (ف).
(٣) قطعة من خبر ذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٦١) فقال: (ويقال. . .)، وأورده =
[ ٤ / ١٩٣ ]
وعلى هذا قال ابن عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ وهم المسلمون، ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ وهم المنافقون وأهل الملل كلِّها (^١).
وقال عطاءٌ: يوم تبيضُّ وجوهُ المهاجرين والأنصار، وتسودُّ وجوه بني قريظة والنَّضير (^٢).
وقال الكلبيُّ وجماعةٌ: هو ظهورُ أثر السُّرور والنِّعمة على وجه أهل الجنَّة، وبضده لأهل النَّار، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ الآيات [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨]، ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] (^٣).
ويستعمل هذا في السُّرور وضدِّه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨]، ويقال: لفلان عندي يدٌ بيضاء؛ أي: سارَّة.
وفي الخبر: "أوَّلُ صدقةٍ بيَّضَتْ وجوهَ الصَّحابةِ صدقةُ طَيِّئٍ" (^٤).
_________________
(١) = الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٧ - ١٣٨) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس.
(٢) روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٢٩)، واللالكائي في "الاعتقاد" (٧٤)، والسهمي في "تاريخ جرجان" (ص: ١٣٢)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٧/ ٣٧٩)، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والضلالة.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٢٤)، والزمخشري في "الكشاف" (١/ ٣٩٩)، وعزاه الواحدي في "البسيط" (٥/ ٤٨٥) لابن عباس من رواية عطاء.
(٤) ذكر نحوه دون نسبة: الزجاج في "معاني القرآن" (٢/ ٣٤٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٢٥)، والواحدي في "البسيط" (٥/ ٤٨٥).
(٥) رواه مسلم (٢٥٢٣)، من حديث عدي بن حاتم، قال: أتيت عمر بن الخطاب، فقال لي: (إن أول =
[ ٤ / ١٩٤ ]
وقال بعضُ الشُّعراء في الشَّيب والخضاب:
يا بياضَ القرونِ سوَّدْتَ وجْهِي عندَ بِيضِ الوجوهِ سودِ القرونِ
فلَعَمْري لأخضبنَّكَ (^١) جُهدي عَنْ عِياني وعَنْ عِيانِ العُيونِ
بسوادٍ فيه بياضٌ (^٢) لوجْهِي وسوادٌ لوجهِكَ الملعُونِ (^٣)
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، وأُضمر هاهنا: (فيقال لهم)، والقولُ يضمَر في موضع يُعرف ولا يَخفى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
واختلفوا في الكفر بعد الإيمان:
قال الحسنُ: هم الَّذين كفروا بعد إظهار الإيمان بالنِّفاق (^٤).
وقال قتادة: هم الَّذين ارتدُّوا (^٥).
وقال أبيُّ بن كعبٍ: هم جميع الكفَّار أعرضوا عن إيمانهم يوم الميثاق (^٦).
وقال الزَّجَّاج: هم اليهود والنَّصارى كفروا بمحمَّدٍ ﵇ بعدما آمنوا به قبلَ مبعثِه (^٧).
_________________
(١) = صدقة بيضت وجه رسول اللَّه -ﷺ- ووجوه أصحابه صدقة طيئ. . .).
(٢) في (ف): "لأخفينك".
(٣) في (ف): "ابيضاض".
(٤) الأبيات لعلي بن العباس الرومي، كما في "أمالي القالي" (١/ ١١٢)، و"زهر الآداب" للقيرواني (٢/ ٤٥٧)، و"نهاية الأرب" للنويري (٢/ ٣٠).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٦٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٢٩).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٦٤).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٦٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٠).
(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٥٥).
[ ٤ / ١٩٥ ]
قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: قال الزَّجَّاج: يقال هذا لليائس؛ أي: ليس لكم (^١) من هذا خلاصٌ (^٢).
* * *
(١٠٧) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: أي: في الجنَّة؛ لأنَّها تُنال برحمة اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أي: دائمون لا يموتون ولا يخرجون.
وقال الإمام القشيري ﵀: يوم تبيضُّ وجوه أصحاب المعاني، وتسودُّ وجوه أرباب الدَّعاوي.
قال: ويُقال: مَن ابيضَّ اليومَ قلبُه ابيضَّ غدًا وجهُه، ومَن كان بالضِّدِّ فعلى العكس.
وأمَّا الَّذين اسودَّتْ وجوههم ففي بكاءٍ ونَوحٍ، وأمَّا الَّذين ابيضَّتْ وجوهُهم ففي أُنسٍ ورَوحٍ (^٣).
* * *
(١٠٨) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: أي: هذه حججُ اللَّه. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: هي القرآن (^٤).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "لك".
(٢) لم أجده.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٦٩). وفي (ر): "ففي أمن وروح". والرَّوح: الرحمة.
(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" (١/ ٤٧٦).
[ ٤ / ١٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا﴾: أي: نوحيها (^١) إليك بعضَها على إثرِ بعض.
وقيل: أي: جبريل يتلوها عليك (^٢) بأمرنا.
قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بالصِّدق، وقيل: لبيان الحق.
قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾: أي: لا يشاء أن (^٣) يظلمَ هو عبادَه فيعاقبَهم بلا جُرمٍ منهم.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ملكًا ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: حكمًا، ولو قال: (وإليه) استقام، ولكن هذا أبلغُ؛ ليكون كلامًا مستقلًّا بنفسه.
فإنْ قالوا: الرُّجوع إليه يكون بعد الذَّهاب عنه، ولم يكن، فلمَ قالَ ذلك؟
قلنا: كانت كالذَّاهبة بهلاكها، وكالرَّاجعة بإعادتها (^٤)، ولأنَّ في الدُّنيا يملك بعض الخلق التَّدبير، وفي القيامة يكون كلُّ ذلك للَّهِ تعالى.
* * *
(١١٠) - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "نوجهها".
(٢) بعدها في (ر): "أي".
(٣) "يشاء أن" ليس في (ف).
(٤) في (أ) و(ف): "ثم أعادتها"، بدل: "وكالراجعة بإعادتها".
[ ٤ / ١٩٧ ]
قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: انتظام هذه الآية بما قبلَها: أنَّه أمرَ بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر أوَّلًا، ثم مدحَ في هذه الآية هذه الأمَّة بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
و﴿كُنْتُمْ﴾ قد مرَّ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] أنَّه يجيء على ثلاثة أوجهٍ: للماضي، والحالِ، والاستقبال (^١)، وبيَّنَّا أصلَه.
واختُلف فيه هاهنا:
قال الضَّحَّاك: كنتم في اللَّوح المحفوظ (^٢).
وقيل: كنتم في سابق (^٣) علمي وحكمي.
وقيل: أي: في كتب الأنبياء؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ أي: صِفَتهم.
وقيل: أي: كنتم مذ كنتم خير أمَّةٍ، كقولك لآخر: كنْتَ مذ كنْتَ مباركًا؛ يعني: مذ خرجتم وآمنتم كنتم خير أمَّةٍ، وأنتم اليومَ كذلك.
وقيل: معناه: حَدَثْتم ووُجِدْتُم خيرَ أمَّة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وقيل: معناه: أنتم خيرُ أمَّةٍ، كما في قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦] مع أنه قال تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦]، وإنما صلح
_________________
(١) في (أ): "وللحال وللاستقبال".
(٢) عزاه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٧٦) لبعض أهل العربية، وذكر قولين آخرين غيره ورجحهما عليه.
(٣) "سابق" ليس في (ف).
[ ٤ / ١٩٨ ]
﴿كُنْتُمْ﴾ مقام ﴿أَنْتُمْ﴾ لأنَّهما ضِدَّان لكلمةِ: (لستم)؛ لأنَّ ذلك للنَّفي وهذان للإثبات، فقام أحدُهما مقامَ الآخر لمشاكلتهما في مُضادَّتهما كلمةَ النَّفي.
وقيل: معناه: صرتُم خيرَ أمَّة، كما في قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]؛ أي (^١): صرتُم بالإيمان بخير الرُّسل وبخروجه في زمانه خيرَ الأمم.
قوله تعالى: ﴿خَيْرَ﴾ هو كلمة تفضيلٍ، والمراد (^٢) به: أنَّهم أفضل الأمم، وأكثرُهم (^٣) طاعاتٍ، وأوفرُهم خيراتٍ.
وقيل: أراد به: أنفعهم، وزيادة نفعِهم بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ففيه صلاح الكلِّ وخلاصُهم.
قوله تعالى: ﴿أُمَّةٍ﴾: فالأمَّةُ: كلُّ قومٍ اجتمعوا على اتِّباع نبيٍّ، أو جمعتهم دعوة نبيٍّ، وهي في القرآن لعشرة أوجهٍ:
١ - للجماعة: قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠].
٢ - ولاتِّباع كلِّ رسولٍ: قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧].
٣ - وللملَّة: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢].
٤ - ولأهل ملَّةٍ واحدةٍ: قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣].
٥ - ولأمَّة محمَّدٍ على الخصوص:
المسلمين منهم؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
_________________
(١) كلمة: "أي" من (أ)، ووقع في (ر) و(ف) بدلا منها: "وقيل: معناه".
(٢) في (أ) و(ف): "وأراد".
(٣) في (ف): "وأكثر".
[ ٤ / ١٩٩ ]
وللكفَّار الَّذين بُعِثَ فيهم رسولُ اللَّه -ﷺ- (^١)؛ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ﴾ [الرعد: ٣٠]، وهم أمَّة الدَّعوة، والأوَّلون أمَّة الإجابة.
٦ - وللإمام: قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠].
٧ - وللطَّريقة: قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾؛ أي: أُولو طريقة قيِّمة.
٨ - وللصنف: قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].
٩ - وللمدَّة: قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨].
١٠ - وللحين: قال تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥].
وسببُ نزول الآية: ما روي أنَّ مالك بن الصَّيف ووهب بن يهوذا اليهودِيَّيْن قالا (^٢) لابن مسعودٍ وأبيِّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ ﵃: إنَّ ديننا خيرٌ من دينكم الذي (^٣) تدعوننا إليه، ونحن خيرٌ منكم. فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٤).
قوله تعالى: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قيل: أي: ذُكِرَتْ لمن سلفَ مِن النَّاس.
_________________
(١) في (أ): "بعث فيهم محمد -ﷺ-".
(٢) في (ر): "مرَّا بيهوديين فقالا"، وهو خطأ.
(٣) في (ر) و(ف): "خير مما".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٩٥). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٢٦) عن عكرمة ومقاتل. ورواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٧٢) عن عكرمة مختصرًا بلفظ: (نَزلتْ في ابنِ مسعودٍ، وسالِمٍ مولَى أبي حذيفةَ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ، ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ)، وكذا رواه ابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٣٣٢) لكنه ذكر بدل سالم مولى أبي حذيفة: عمار بن ياسر. وكلاهما من طريق ابن جريج عن عكرمة، قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٢٢٥): وهذا موقوف فيه انقطاع.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
والإخراجُ في القرآن ذُكِرَ لمعانٍ كثيرةٍ ذكرناها عند تفسير قولِه: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، منها الذِّكْر، وهو في هذه الآية عند بعضهم.
وقيل: معناه: أُظهرَتْ للأنبياء يوم القيامة للشَّهادة على الأمم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: للنَّاس، وهم الأنبياء، وقد بيَّنا وجهه في تلك الآية.
وقيل: معناه: أُخرجَتْ للكفَّار ليقاتلوهم ويدعوهم إلى الإسلام (^١)، وعلى ذلك معنى الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر اللَّذَين ذُكِرا بعدَه.
وقيل: معناه: أُخْرجَتْ للمؤمنين لتأمروهم بالطَّاعات وتنْهَوهم (^٢) عن المعاصي.
و(النَّاسُ) تصلح لذلك كلِّه، وهو في القرآن لأكثرَ مِن عشرين وجهًا:
١ - لكلِّ بني آدم: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣].
٢ - ولأولاد آدم المسلمين الَّذين كانوا في عصرِه قبلَ أن يكفرَ بعضهم: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩].
٣ - ولقوم نوحٍ: قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قيل: على قوم نوحٍ لنوح (^٣) ﵇.
٤ - ولقوم نمروذ في زمن إبراهيم: قال تعالى: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١].
_________________
(١) في (ف): "للإسلام".
(٢) في (ر): "لما أمروهم بالطاعات ونهوهم".
(٣) "لنوح": من (أ).
[ ٤ / ٢٠١ ]
٥ - ولبني إسرائيل: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٤].
٦ - ولقوم فرعون: قال تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩].
٧ - ولقوم يوسف: قال تعالى: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩].
٨ - ولقوم عيسى: قال تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦].
٩ - ولليهود: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
١٠ - ولأهل مكَّة: قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢].
١١ - وللصَّحابة (^١): قال تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢].
١٢ - ولأهل اليمن: قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
١٣ - ولمؤمني أهل الكتاب: قال تعالى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣].
١٤ - ولكلِّ المؤمنين: قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١].
١٥ - ولعامَّة الرُّسل: قال تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
١٦ - ولمحمَّدٍ عليه الصلاة السلام: قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤].
١٧ - ولنُعيم بن مسعودٍ الأشجعيِّ: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
١٨ - وللمشركين: قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
_________________
(١) في (ف): "وللمنافقين".
[ ٤ / ٢٠٢ ]
١٩ - وللدَّجَّال: قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧].
٢٠ - وللحُجَّاج: قال تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
٢١ - وللمنافقين: قال تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
ويصلحُ للمؤمنين والكافرين والمنافقين في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، فقد سبق ذكرُ (^١) الفرق الثَّلاث هاهنا.
قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: قال أبو هريرة ﵁: تجيؤون بالكفَّار في السلاسل (^٢) فتدخلونهم في الإسلام (^٣).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: بشهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ، وهو أعظم معروفٍ، وتنهَون عن التَّكذيب وهو أنكرُ منكَرٍ (^٤).
وقال الكلبيُّ ﵀: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: باتِّباع محمَّدٍ، ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: عن عبادة الجبت والطَّاغوت (^٥).
_________________
(١) في (ر): "ذكره في" وفي (ف): "ذكره".
(٢) في النسخ: "في الإسلام"، والمثبت من المصادر وستأتي.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٧٤)، وابن المنذر في "تفسيره" (٨٠٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٢). ورواه أيضًا البخاري (٤٥٥٧)، ولفظه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٧٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (٨٠٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٣)، والطبري في "الدعاء" (١٥٤٣).
(٥) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٦٠)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٧١).
[ ٤ / ٢٠٣ ]
وقال مقاتل: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: الإيمانِ باللَّه، ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ أي: الشِّرك باللَّه (^١).
وقيل: المعروف الطَّاعة، والمنكر المعصية.
وإنَّما قيل للحسن معروفٌ -مع أنَّ القبيح قد يُعرَف أنَّه قبيحٌ- لأنَّ القبيحَ وإنْ عُرِفَ فهو كما (^٢) لا يُعرَف لخموله وسقوطه، والحسن بمنزلة النَّبيه (^٣) الَّذي يُعرف لجلاله وعلوِّ قدره.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: المعروف والمنكر يتوجَّه إلى (^٤) ثلاثة أوجهٍ:
١ - المعروف: هو المعروف في العقول الَّذي تستحسنه العقول، والمنكر: هو الَّذي قبَّحته العقول وأنكرته.
٢ - ويحتمل أنْ يكون المعروفُ: هو الَّذي عُرِفَ بالآيات والبراهين أنَّه حسنٌ، والمنكرُ: ما عُرِفَ بالحُججِ أنَّه قبيحٌ.
٣ - ويحتمل أنَّ المعروفَ: هو الَّذي جرى على ألسنِ الرُّسلِ أنَّه حسنٌ، والمنكرُ: هو الذي أنكروه ونهوا عنه.
وعلى الوجوه الثَّلاثة يُخرَّج معنى الآية (^٥).
وقال سفيانُ بن عيينة: هذا على الشَّرط: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ما أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر (^٦).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٩٥)، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٨٢) نحوه عن أبي العالية.
(٢) في (أ): "مما".
(٣) في هامش (أ): "من نبه ينبه نباهة؛ أي: صار مشهورًا".
(٤) "إلى": من (ف).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٥٥).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٧٣)، وابن المنذر في "تفسيره" (٨٠٨)، عن مجاهد.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
وعن عمرَ (^١) أنَّه قال: مَنْ سرَّه أنْ يكون مِن تلك الأمَّة فليؤدِّ شرط اللَّه فيها (^٢)؛ إشارةً إلى هذا.
وعن عمرَ أيضًا أنَّه قال: لو شاء اللَّه لقالَ: (أنتم خير أمَّةٍ) فكنا كلُّنا (^٣).
وعن الحسن أنَّه قال: قد كانت واللَّه هذه الأمَّة مغ هكذا (^٤)؛ أشار إلى أنَّ هذه الصِّفةَ للصدر الأوَّل.
قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: تدومون على الإيمان به.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: أي: اليهود بمحمَّدٍ ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ من الإقامة على الكفر.
﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: عبد اللَّه بن سلام وأصحابه ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون (^٥) عن الأمر بالإيمان.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا يُشْكلُ (^٦) أنَّ الإيمان خيرٌ من الكفر، والمراد من الآية: أن علماء أهل الكتاب تمسَّكوا بالكفر لوجهَيْن:
أحدهما: أنهم كانوا أهلَ (^٧) عزٍّ وشرفٍ وعلمٍ ينتابُ الناس إليهم، فخافوا
_________________
(١) في (ر): "عمر أيضًا".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٧٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٧١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٢).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٧٥)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٨٠٦).
(٥) في (أ): "خارجون".
(٦) في "التأويلات": (لا شك).
(٧) في (ر) و(ف): "على".
[ ٤ / ٢٠٥ ]
ذهابَ ذلك، فأَخبر أنَّهم لو آمنوا لكان عزُّهم وشرفُهم في الإيمان أكثرَ، وقد ظهر ذلك لعبد اللَّه بن سلام وكعبِ الأحبار.
والثَّاني: أنهم أبَوا الإيمانَ واتِّباعَ محمَّدٍ وثبتوا على الكفر إشفاقًا على ما لهم من المنافع والمنال أن يذهبَ ذلك عنهم، فأخبر أنَّ الإيمان خير لهم في الآخرة؛ إذ هذا منقطعٌ، والذي يكون لأهل الإيمان في الآخرة باقٍ دائمٌ لا يزول (^١).
وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: أي: ثبتوا على إيمانهم به قبلَ مبعته (^٢) ولم يكفروا به بعدَه.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: لَمَّا كان المصطفى أشرفَ الأنبياء كانَتْ أمَّتُه (^٣) أشرف الأمم، وكانت أعمارُهم أقصرَ الأعمار، وعصرُهم آخرَ الأعصار؛ لئلَّا يطول تحتَ الأرض لبثُهم، وما حصلَتْ خَيريَّتُهم (^٤) لكثرة صلواتهم (^٥) وعباداتهم، ولكنْ بنظرِ اللَّه تعالى إليهم، وتخصيصِه إيَّاهم، ولقد طالَ وقوفُ المتقدِّمين بالباب، ولكنْ لَمَّا خرجَ الإذن بالدُّخول تقدَّم المتأخِّرون (^٦):
وكَمْ باسطيْنَ إلى وَصْلِنا أَكُفَّهُمُ لمْ يَنالوا نَصِيبًا (^٧)
وقال في قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾:
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦).
(٢) في (ف): "بعثه".
(٣) في (أ) و(ف): "كان خدمه" بدل: "كانت أمته".
(٤) في (ر) و(ف): "خيرتهم".
(٥) في (أ) و(ف): "صلاتهم".
(٦) بعدها في (أ): "كما قيل"، وفي (ر) و(ف): "شعر".
(٧) البيت للعباس بن الأحنف كما في "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (٢/ ٨١٩).
[ ٤ / ٢٠٦ ]
المعروفُ: خدمةُ الحقِّ، والمنكرُ: صحبةُ النَّفس.
المعروفُ: إيثار حقِّ الحقِّ، والمنكرُ: اختيارُ (^١) حظِّ النَّفس.
المعروفُ: ما يُزْلفُك إليه، والمنكرُ: ما يحجبُك عنه.
وشرطُ الآمر بالمعروف أن يكون متَّصفًا بالمعروف، وحقُّ النَّاهي عنْ المنكر أن يكون منصرفًا عن المنكر.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا﴾: لو دخل الكافَّة (^٢) تحتَ أمرنا وصلوا (^٣) إلى حقيقة العزِّ في الدُّنيا والعُقبى، ولكن ترَكوا فتُركوا (^٤).
* * *
(١١١) - ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾: أي: لن يقدرَ اليهود أن يُلحقوا بكم ضررًا إلَّا أذًى باللِّسان مِن شتمٍ لكُم، وافتراءٍ (^٥) على اللَّه بقولهم ما لا يليق به، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]؛ أي: في اللَّه ما هو منزَّهٌ عنه، بدليلِ أنَّه قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]؛ أي: فأنتَ فنزِّهْ ربَّكَ بالقول، ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] بالفعل، وقال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦].
_________________
(١) في (ر): "إيثار".
(٢) في (ر) و(ف): "الكافر".
(٣) في (ف): "وصل".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
(٥) في (ر) و(ف): "أو افتراء".
[ ٤ / ٢٠٧ ]
وقيل: الأذى: هو إسماعُهم المكروه في عيسى ومحمَّدٍ، والطَّعنُ في شرائعِهما.
ولَمَّا حثَّهم في الآية الأولى على القتال الذي هو حقيقةُ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وعدَهم ما أَمِنوا به وقوع الضَّرر منهم في أنفسهم وأموالهم وأهليهم (^١) وذراريهم، وأنهم إذا قاتلوهم انهزموا، وذلك:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾؛ أي: يوجِّهوا إليكم ظهورَهم ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: في الدُّنيا عند الهزيمة، ولا في الآخرة عند العقوبة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ﴾ حرفُ عطفٍ، وهو هاهنا (^٢) لعطف الإخبارِ لا على وجه الجزاءِ، ولذلك ثبتَتِ النُّون في آخره ولم تسقط، ولم يُجزم على جزاء الشَّرط كقوله تعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾؛ لأنَّ سببَ التَّوليةِ القتالُ، فجُعِلَ جزاءً للقتل، ومَنع النَّصرِ للكفرِ لا للقتالِ، فلذلك لم يَلحقْ به في الجزاء.
وفي الآية أبلغُ بشارةٍ لهم بما يَؤُول إليه حالهم وحالُ عدوِّهم.
وفيه دلالةُ صحَّة نبوَّة نبيِّنا محمَّدٍ ﵊؛ حيثُ أَخبرَ عمَّا لم يكن، فكان كما أَخبرَ، فما قاتلَهم إلَّا ظَفِر بأيسر مُؤْنةٍ، وهو ظاهرٌ في حديث فتح خيبر، وإجلاء بني النَّضير، وقتلِ بني قريظةَ وسَبْيِهم.
ثمَّ اليهود بعد ذلك اليوم (^٣) مقهورون إلى اليوم في كلِّ البلاد، ولا يقوم (^٤) لهم رايةٌ إلى يوم القيامة (^٥).
_________________
(١) في (أ) وهامش (ف): "وأهاليهم".
(٢) في (ر) و(ف): "ها هنا لفظٌ".
(٣) "اليوم" ليس في (ف).
(٤) في (ر): "ولم تقم".
(٥) في (أ) وهامش (ف): "التناد".
[ ٤ / ٢٠٨ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀ في قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾: إنَّ الحقَّ لا يُسلِّطُ أعداءَه على أوليائِه إلَّا بمقدارِ ما يَصدقُ إليه فرارُهم، فإذا حقَّ ذلك أكرمَ لديه قرارهم، وإن استطالوا على الأولياء بموجبات حسناتهم انعكس الحالُ بالصّغَرِ والهوان عليهم (^١).
* * *
(١١٢) - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾: أي: أُلزموا الذُّلَّ، كالشَّيء يُضرَب على الشَّيء فيَلْصَق (^٢) به.
قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾: أي: في أيِّ مكانٍ وأيِّ زمانٍ وُجدوا في دار الإسلام.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: بعهدِ اللَّهِ (^٣)؛ لأنَّه يُتعلَّق به للسَّلامة كما يُتعلَّق بالحبل المفتول.
قوله تعالى: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾: قال الضحَّاكُ: هو محمَّدٌ ﵇، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]، وكان وادَعَهم مدَّةً أنْ لا يقاتلهم (^٤).
_________________
(١) انظر: "الطائف الإشارات" (١/ ٢٧٠)، وفيه: (وإن استطالوا على الأولياء بموجب حسبانهم انعكس الحال عليهم بالصغار والهوان).
(٢) في (ف): "فيلزق".
(٣) لفظ الجلالة ليس في (أ).
(٤) ذكره الماتريدي في "تفسيره" (٢/ ٤٥٧) عن مقاتل. وروى الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٨٤) عن =
[ ٤ / ٢٠٩ ]
وقيل: ﴿النَّاسِ﴾: هم المؤمنون، والحبل: هو عقد الذِّمَّة منهم، وعهدُهم وعهدُ محمَّدٍ هو عهد اللَّهِ لأنَّه بأمرِه.
وقيل: المراد هو عهدهم (^١)، وإضافتُه إلى اللَّه تعالى أوَّلًا لتشريفهم، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
وقيل: حبلُ اللَّه: هو عهد المسلمين، ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾: هو أمانُ قومٍ آخرين من الكفَّار يكونون فيهم، لأنه لا مملكة لليهود، فيكونون في بلاد المسلمين، أو في بلاد الكفَّار (^٢) من غيرهم، فلا يأمنون إلَّا بعهدٍ (^٣).
ثم قوله تعالى: ﴿إِلَّا﴾؛ قيل: هو استثناءٌ منقطعٌ، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]؛ لأنَّ الذِّلَّة لازمة لهم بكلِّ حالٍ، ومعناه: لكنْ يأمنون للحال بعقد الذِّمَّة.
وقيل: هو استثناءٌ متَّصلٌ، وهذا لأنَّ عزَّ المسلمين عزٌّ لهم بالذِّمَّة، وهذا لا يخرجهم من الذِّلَّة في أنفسهم.
قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: قيل: رجعوا، وقيل: احتمَلوا، وقيل: استَحقُّوا، وقد بيَّنا حقيقته في سورة البقرة.
قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾؛ أي: الانقِماعُ، فهم مقموعون أبدًا.
وقيل: هي الفقر بسبي المسلمين ذراريَهم واستغنامِهم أموالَهم.
_________________
(١) = الضحاك في قوله: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: بعهد من اللَّه، وعهد من الناس.
(٢) في (ر) و(ف): "عقدهم".
(٣) في (ف): "الكفر".
(٤) في (ر) و(ف): "بعهدهم".
[ ٤ / ٢١٠ ]
وقيل: زيُّ الفقر مع الغنى (^١)؛ عقوبةً لهم على قولهم: إن اللَّه فقيرٌ ونحن أغنياء.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: جعلَ كلَّ حاجتهم إلى ما يفنى، ويَحتمِلُ خوفَ الفقر مع قيام اليسار (^٢).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: هذا الذُّلُّ والغضب والمسكنة لهم بكفرهم بأنبياء اللَّه تعالى وكتبه.
قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: زكريا ويحيى وغيرَهما، وهم مِن أسلاف هؤلاء، وهؤلاء يتولَّونهم فوُبِّخوا به.
وقيل: لأنَّهم قصدوا قتلَ محمَّدٍ، وهو كقصد قتل الكلِّ.
وقيل: قتلوا أتباع محمَّدٍ، فأضافه إليهم، كما في الخداع.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أي: كان زوال إيمانهم بعصيانهم وعدوانهم، وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة.
* * *
(١١٣) - ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾؛ أي: أهل الكتاب (^٣) ليسوا بمتساوين.
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: قال الزَّجَّاجُ: أي: طائفةٌ ذوو طريقةٍ مستقيمةٍ، و(ذوو) مُضمَر، والأمَّةُ: الطَّريقةُ؛ قال النَّابغةُ:
_________________
(١) في (ف): "وقيل هي الفقر بعد الغنى".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٥٨).
(٣) "أي: أهل الكتاب" ليس في (ف).
[ ٤ / ٢١١ ]
حلفْتُ يمينًا غيرَ ذي مثنويَّةٍ وهَلْ يأثمَنْ ذو أمَّةٍ وهو طائعُ (^١)
وقال المازنيُّ: وهذا غير صحيحٍ؛ لأنَّه عدولٌ عن الظَّاهر، وحكمٌ بالحذف من غير دلالةٍ.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾؛ أي: على حدود اللَّه، وفرائضه، وطاعته، وكتابه؛ لم يحرِّفوه.
وقيل: ﴿قَائِمَةٌ﴾؛ أي: مهتديةٌ (^٢).
وقال الحسنُ وابنُ جريجٍ: ﴿قَائِمَةٌ﴾؛ أي: عادلةٌ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ والرَّبيعُ: أي: ثابتةٌ على الحق.
وقال السديُّ: أي: قائمةٌ بطاعة اللَّه (^٣).
وقيل: أي: مصلِّيةٌ باللَّيل، بدليلِ ما بعده، وهو قوله تعالى:
﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: يقرؤون القرآن ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: ساعاته (^٤)، واحدها: إِنْيٌ، بتسكين النُّون وكسر الهمزة، كقولك: خِثْيٌ وأخثاءٌ (^٥)؛ قال الشَّاعر:
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٥٨). وانظر البيت في "ديوان النابغة الذبياني" (ص: ٧٧)، وصدره فيهما: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهو الصواب، أما الذي ذكره المصنف فهو للنابغة الذبياني أيضًا لكن في قصيدة أخرى، وعجزه: ولا علم إلا حسن ظن بصاحب انظر: "ديوان النابغة" (ص: ١٤).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٦٠).
(٣) روى جميع هذه الأقوال الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٩٣ - ٦٩٤).
(٤) في (أ) و(ف): "ساعات الليل".
(٥) الخِثْيُ: روث البقر. انظر: "النهاية" (مادة: خثي).
[ ٤ / ٢١٢ ]
في كلِّ إِنْيٍ رعاهُ القوم يَنتعِل (^١)
وقيل: واحدُها: إِنًى، بكسر الهمزة وفتح النُّون والقصر، كقولك: مِعًى وأمعاء؛ قال تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وقيل: هو بفتح الهمزة كالقَرْء والأقراء، وقد أَنَى يَأْنِي؛ أي: حان قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦].
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾؛ قيل (^٢): أي: يصلُّون، والواو للحال؛ أي: يقرؤون حالة (^٣) الصَّلاة.
وقيل: أي: يتلون قيامًا ثم يخرُّون سجودًا.
وقيل: أي: يتلون خارج الصَّلاة، فإذا تلوا آية السُّجود (^٤) سجدوا.
_________________
(١) عجز بيت للمنتخل الهذلي يرثي أثيلة ابنه، كما في "ديوان الهذليين" (٢/ ٣٦)، و"الأزمنة" لقطرب (ص: ٥١)، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة (٢/ ٦٤٩)، و"تفسير الطبري" (٧/ ١٢٥)، و"المسائل البصريات" للفارسي (١/ ٤٧٢)، وعندهم جميعًا: حلوٌ ومرٌّ كعَطفِ القِدْحِ مِرَّته في كلِّ إنْيٍ قضاه الليلُ يَنتعِلُ قضاهُ: صنعهُ، والانتعال: ركوب الحِرار، انْتَعَلَ الرَّجُلُ: إذا رَكِبَ النِّعَالَ، وهي صِلابُ الأَرْضِ وحِرَارُها، والنعلُ: الحَرَّةُ، والحَرَّةُ: الحِجارةُ السودُ. انظر: "المسائل البصريات" (١/ ٤٧٢)، و"التكملة" للصغاني (٥/ ٥٣١). وقال الأستاذ محمود شاكر في تعليقه على الطبري: ويعني بقوله: حلو ومر؛ أنه سهل لمن لاينه، صعب على من خاشنه. وقوله: كعطف القدح، يريد: أنه يُطوى كما يطوى القدح ثم يعود إلى شدته واستقامته. والمِرَّة: القوة والشدة.
(٢) "قيل" ليس في (ف).
(٣) في (أ): "حال".
(٤) في (أ): "السجدة".
[ ٤ / ٢١٣ ]
وقيل: السُّجود هو التَّذلُّل (^١) للَّه والخشوع له بالصَّلاة وغيرها، وهما فعلان: تلاوةٌ وتخشُّعٌ.
* * *
(١١٤) - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: هو بيان اعتقادهم وإقرارهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: هو بيان جهادهم المشركين ومعاملتهم (^٢) مع عصاة المسلمين حقًّا للَّهِ ربِّ العالمين.
قوله تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: هو (^٣) بيان عملهم بما يقولون.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^٤): هو تسميةٌ لهم على استجماعهم خصالَ الدِّين، وقد شرحناه في سورة البقرة.
وحقيقة الصَّلاح هو (^٥) انتفاءُ الفساد عنه بالكليَّة، وهو نهاية كمال الوصف بالمحاسن، وهو ممَّا مدحَ اللَّهُ ﷻ به الأنبياء (^٦)؛ قال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦].
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: وقيل: أي: هم مع الصَّالحين في الجنَّة.
_________________
(١) في (أ) وهامش (ف): "التواضع".
(٢) في (ف): "وتعاطيهم".
(٣) في (ف): " ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مسارعتهم".
(٤) في (ف): "والصالحين" بدل: "وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ".
(٥) في (ف): "هي".
(٦) في (ف): "أنبياءه".
[ ٤ / ٢١٤ ]
وقال: ومَن يعمل ذلك كلَّه فهو صالحٌ (^١).
وانتظامُها بما قبلها: أنَّه قال: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ثم ذكرهما فقال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.
فإنْ قالوا: لِمَ ذكرَ أحدَ الفريقَيْن، ولم يذكرِ الفريقَ الآخرَ بعد ذِكْرِ نفي التَّسوية، وذاك لا يقوم بالواحد؟
قلنا: قال الفرَّاءُ: إنَّه حذَف أحدهما وهو مرادٌ، بدلالةِ ما تقدَّم عليه، وهو كقول أبي ذؤيب:
دعاني (^٢) إليها القلبُ إنِّي لأمرها مطيعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها (^٣)
يعني: أرشدٌ أم غيٌّ، فحذف هذا (^٤).
فعلى هذا تقدير الآية: أمَّةٌ قائمةٌ وأمَّةٌ غير قائمةٍ، و﴿أُمَّةٌ﴾ (^٥) على هذا رفع بـ ﴿لَيْسُوا﴾، وإنَّما جُمِع مع أنَّه متقدِّمٌ، كما في قوله: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٦٠).
(٢) في (أ): "عصاني" وهو صحيح أيضًا، وانظر التعليق الآتي.
(٣) انظر: "ديوان الهذليين" (١/ ٧١)، و"عيار الشعر" لابن طباطبا (ص: ٩٨)، وفيهما: "لأمره" بدل "لأمرها"، وفي "معاني القرآن" للفراء: عصيت إليها القلب إني لأمرها وقد ذكر الأستاذ محمود شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" (١/ ٣٢٧) أن معنى البيت لا يستقيم على رواية: (عصيت)، بينما (دعاني) و(عصاني) روايتان صحيحتان.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٣٠).
(٥) "وأمةٌ" ليس في (ف).
[ ٤ / ٢١٥ ]
وقال الزَّجَّاج: تمام الكلام عند قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، ويرجع إلى المذكورِين قبله، ثم استأنف قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ وختم بهم (^١).
وسببُ نزول هذه الآيةِ: ما قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وقتادة وابن جريجٍ: لَمَّا أسلم عبد اللَّه بن سلامٍ وأصحابه قال أحبار اليهود: ما آمن بمحمَّد إلَّا شرارنا (^٢)، فنزلَتْ هذه الآية (^٣).
وقال مقاتلٌ: إنَّ اليهود قالوا لعبد اللَّه بن سلام وأصحابه: لقد خسرتُم حين استبدلتُم بدِينكم دِينًا غيره، ولقد عُهد إلينا أنْ لا ندينَ (^٤) إلَّا بديننا (^٥).
وقال ابن مسعودٍ ﵁: أخَّرَ النبيُّ -ﷺ- صلاةَ العشاء ليلةً، ثم خرجَ إلى المسجد بعد هُوِيٍّ (^٦) مِن اللَّيلِ فقال: "أَمَا إنَّه ليسَ مِنْ أهلِ هذه الأديان أحدٌ يذكرُ اللَّهَ غيرَكم"، فأنزل اللَّه تعالى قولَه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ الآيات (^٧).
فيحتمِل أنَّ أولئك كانوا نفرًا من مؤمني أهل الكتاب.
وقال عطاءٌ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ هم أربعون رجلًا من أهل نجرانَ من العرب، واثنان
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٥٨).
(٢) في (أ) و(ف): "أشرارنا".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٩١) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٧)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٣٨٨) عن ابن عباس ﵄.
(٤) في (ف): "نؤمن".
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٩٦)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٣٠) عن ابن عباس ﵄ ومقاتل.
(٦) أي: ساعة. انظر: "القاموس" (مادة: هوي).
(٧) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣٧٦٠)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١٠٠٧)، وابن حبان في "صحيحه" (١٥٣٠).
[ ٤ / ٢١٦ ]
وثلاثون من الحبشة، وثمانيةٌ من الرُّوم؛ كانوا على دين عيسى وصدَّقوا بالنبيِّ -ﷺ-، وكان من الأنصار فيهم عِدَّةٌ قبل قدوم النبيِّ -ﷺ-، منهم أسعد بن زُرارة، والبراءُ بن مَعرور، ومحمد بن مسلمة (^١) ومحمود بن سلمة (^٢) وأبو قيس صِرْمةُ (^٣) بن أنس، وكانوا موحِّدين مسلمين، يغتسلون من الجنابة، ويقومون بما عرفوا من شرائع (^٤) الحنيفيَّة، حتى جاءهم النبيُّ -ﷺ- فصدَّقوه واتَّبعوه ونصروه (^٥).
فوصفهم بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: بتوحيد اللَّه، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: الشركِ (^٦) باللَّه، ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: في كلِّ ما للَّه رضًى فيه (^٧)، من صلة الأرحام، وخلعِ الأنداد، ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
* * *
_________________
(١) في (أ) و(ف): "سلمة". ولعله محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي الأوسيّ الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدني، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول الواقديّ، وهو ممن سمي في الجاهلية محمدًا. وروى عن النبي ﵌ أحاديث. انظر: "الإصابة" (٦/ ٢٨).
(٢) "ومحمود بن سلمة": من (ف). ولعله: محمود بن مسلمة بن سلمة الأنصاري أخو محمد المذكور آنفًا، قال ابن سعد: شهد محمود أحدًا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وقتل يومئذ شهيدًا؛ دلى عليه مرحب رحى، فأصابت رأسه فهشمت البيضة رأسه. انظر: "الإصابة" (٦/ ٣٥).
(٣) في (أ): "وأبو قيس بن صرمة"، وقد اختلف في اسمه: قيس بن صرمة، وأبو قيس بن صرمة، وصرمة بن قيس، وصرمة بن مالك، وصرمة بن أنس، وقيس بن مالك أبو صرمة، وقيل غير ذلك. انظر: "الإصابة" (٣/ ٣٤١) و(٥/ ٣٦٣).
(٤) في (ف): "الشرائع".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٣٢)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٩٣).
(٦) كلمة: "الشرك" ليست في (ر)، وكلمة: "المنكر" ليست في (أ).
(٧) "فيه" ليس في (أ) و(ف).
[ ٤ / ٢١٧ ]
(١١٥) - ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ (^١): قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ بياء المغايبة؛ صرفًا للكلام (^٢) إلى أهل الكتاب المذكورين قبله، وقرأ ابن كثيرٍ ونافع وعاصم في رواية أبي بكرٍ وابن عامر بالتَّاء (^٣).
وأبو عمرو يجيز كليهما (^٤).
وهو خلطٌ لهم بغيرهم من المكلَّفين وخطابٌ لهم، و﴿وَمَا﴾ كلمة شرطٍ، ومعناه: وكلُّ ما عملتم من خيرٍ هو (^٥) عندَ اللَّه مشكورٌ غيرُ مكفورٍ، فإنَّ اللَّه تعالى شكورٌ.
وشكرُ اللَّهِ تعالى للعبد: إظهارُ فعلِه بالثَّناء عليه والثَّواب عليه، والكفرانُ: ستر الصَّنيع؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠].
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: سمَّاهم متَّقين كما سمَّاهم صالحين،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وما تفعلوا من خير فلن تكفروه"، وهي قراءة سبعية كما سيأتي.
(٢) "للكلام" ليس في (ف).
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٢١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٠).
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٢١٥)، و"جامع البيان" للداني (٢/ ٩٣ - ٩٤)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١٣٢). قال مكي في "الكشف عن وجوه القراءات" (١/ ٣٥٤): (المشهور عن أبي عمرو التاء). قلت: ولم يذكر الداني في "التيسير" غيرها.
(٥) في (ف): "فهو".
[ ٤ / ٢١٨ ]
وإنَّما خصَّهم بالذِّكْرِ (^١) مع أنَّه عليم بالكلِّ؛ لأنَّه ذكرَ جزاءَ المتَّقين.
قال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ متى (^٢) يستوي الضِّياء والظُّلمة، والوصال والفُرقة، والمعتكف على البساط والمنصرف عن الباب، والمتَّصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات لا يلتقيان، فكيف يستويان؟!
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، لم يخبْ عن بابِه قاصدٌ، ولم يخسرْ تاجرٌ، ولم يستوحشْ معه صاحبٌ، ولم يذلَّ له طالبٌ (^٣).
* * *
(١١٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١١٦]؛ أي: بمحمَّدٍ والقرآن، وهم اليهود الذين سبقَ ذكرُهم.
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ أي: لن تمنع ولن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب اللَّه شيئًا، وإنَّما ذكرَ الأموالَ والأولادَ لأنَّها عمدة الإنسان التي يدفع بها (^٤) عن نفسه، وقد أغنى عنه؛ أي: نَفَعه.
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: مرَّ تفسيره مرَّاتٍ.
* * *
_________________
(١) "بالذكر" ليس في (أ) و(ف).
(٢) تحرفت في (ر) و(ف) إلى: "حتى".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٧١).
(٤) في (أ) و(ف): "التي بها يدفع الأشياء".
[ ٤ / ٢١٩ ]
(١١٧) - ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾:
هاهنا مضمرٌ، وتقديره: مَثَلُ إبطالِ اللَّهِ نفعَ ما ينفقونح لأنَّه شبِّه بالرِّيح، أو المضمر في المشبَّه به، وتقديرُه: مَثَلُ ما ينفقون كمثلِ مُهلَكِ ريحٍ، لتستقيمَ المقابلة، ووجهُه ما مرَّ في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١].
والكاف في ﴿كَمَثَلِ﴾ زائدة، كما فى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وهي زائدةٌ (^١) مؤكِّدةٌ.
والصِّرُّ: البردُ الشَّديدُ، في قول ابن عبَّاسٍ والحسن وقتادة والرَّبيع والسدي والضَّحَّاك وابن زيد (^٢).
وقال الزَّجَّاجُ: هو صوت لهيب النَّار الَّتي في الرِّيح، من صرير الباب (^٣).
ويجوز أن يكون صوتَ الرِّيح الباردة الشَّديدة.
وفي (^٤) الحديث: عمَّا قتله الصِّرُّ من الحراد (^٥)؛ أي: البرد.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وهو زيادةٌ".
(٢) رواه عنهم -عدا الحسن- الطبري في "تفسيره" (٥/ ٧٠٥ - ٧٠٧).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٦١).
(٤) في (ر) و(ف): "ففي".
(٥) انظر: "معاني القرآن" للنحاس (١/ ٤٦٤). ولم أجده حديثا مسندًا عن النبي -ﷺ-، وإنما روي هذا عن عطاء، رواه الإمام أحمد في "العلل" (٢١٦٥) قال: حدثنا هشيم عن حجاج عن عطاء: أَنه كَانَ يكره من الجَرَاد ما قتله الصرّ. قال أحمد: لم يسمعه هشيم من حجاج. وذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" (٥/ ٥٢٤) عن عطاء أيضًا.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
وقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩]؛ أي: في (^١) صيحةٍ.
والصَّرصرُ: الرِّيحُ الشَّديدةُ البردِ أيضًا.
وقال مقاتلٌ: الآيةُ في إنفاق سفلةِ اليهودِ على رؤساء اليهود (^٢)؛ يقول: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لا للآخرة، وهي في تظاهُرهم على النبيِّ -ﷺ-، وكتابة الكتاب المحرَّف، واستمالة العوامِّ، في عدم النَّفع وعودِ الضَّرر عليهم عاجلًا وآجلًا كمثل ريحٍ فيها بردٌ شديدٌ.
﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بمنع حقوق (^٣) اللَّه تعالى في مالهم.
﴿فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بالكفر والمعاصي ومنعِ حقوق (^٤) اللَّه تعالى، بيَّن أنَّ إهلاك (^٥) الزَّرع عقوبةٌ على المنع وسوء الصُّنع.
وقيل: ظلموا أنفسهم بأنْ زرعوا في غير موضع الزَّرع أو في غير وقته؛ لأنَّ الظُّلم: وضعُ الشَّيء في غير موضعِه.
ووجهُ المثَل: أنَّ أهل الحرث عملوا وتعبوا وهلك حرثُهم وضاع سعيُهم فلم يحصلوا على شيءٍ (^٦)، فكذا هؤلاء في إنفاقهم، لا نفع لهم، وليس لهم إلَّا التَّعبُ والخَيبة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآية [النور: ٣٩].
_________________
(١) "في" ليس في (أ).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١٣٣)، و"البسيط" للواحدي (٥/ ٥٢٣).
(٣) في (أ): "حق".
(٤) في (أ): "حق".
(٥) في (أ): "هلاك".
(٦) في (أ): "ذلك".
[ ٤ / ٢٢١ ]
وقال يَمانُ بن رِئابٍ (^١): الآية في نفقة أبي سفيان وأصحابه يوم بدرٍ، وكان يطعمُهم كلَّ يومٍ واحدٌ من رؤسائهم، وفيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ الآية [الأنفال: ٣٦].
وقيل: نزلت في نفقة المنافقين مع المسلمين في حرب المشركين (^٢) مراءاةً للمؤمنين.
وقول مقاتل في النُّزول أوفقُ لِمَا قبله.
* * *
(١١٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: البطانةُ: خاصَّة الرَّجل الذين يُظهر لهم ما في الباطن، ويكشفُ السرَّ لهم، وفلانٌ بطانةٌ لفلانٍ؛ أي: مداخلٌ له، تشبيهًا ببطانة الثَّوب الذي يلي بدن الإنسان في القرب.
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: نهى اللَّهُ المؤمنين أن يتَّخذوا اليهود بطانةً من دون المؤمنين فيُفشون إليهم أسرارهم (^٣).
_________________
(١) في الأصول الثلاثة: "رباب"، والصواب: المثبت. وهو يمان بن رئاب الخراساني، كان نظارًا متكلمًا، ومن أئمة الخوارج، وأخوه علي بن رئاب من أئمة الروافض، وأخوه هارون بن رئاب من أئمة السنة، وكانوا متعادين. وله: "إثبات إمامة أبي بكر الصديق"، و"أحكام المؤمنين"، و"كتاب التوحيد". انظر: "الضعفاء" للدارقطني (٣/ ١٣٧)، و"تاريخ الإسلام" للذهبي (٣/ ٥٤٣)، و"هدية العارفين" للباباني (٢/ ٥٤٨)، و"الفهرست" لابن النديم (ص: ٢٢٧).
(٢) بعدها في (ف): "في".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٧٠٩).
[ ٤ / ٢٢٢ ]
قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾؛ أي: لا يقصِّرون، وقد أَلَوْتُ آلُو، وما أَلَوْتُ في الحاجة جهدًا، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢]؛ أي: لا يقصِّرْ.
والخَبالُ: الفسادُ، والخَبَلُ: الفساد (^١) في العقل وهو الجنون، ورجل مخبَّلُ الرَّأي؛ أي: فاسد الرأي، والمختبِلُ كذلك.
و﴿خَبَالًا﴾ نصب على التَّفسير، أو بنزع الخافض (^٢)، ومعناه: لا يقصِّرون في إفساد أموركم (^٣)، ويُلقون إلى الكفار أسراركم.
وقيل: أي: يقصدون صرفَكم عن دينِكم.
قوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: (ما) مع الفعل مصدر، ومعناه: أحبُّوا وتمنَّوا عَنَتكم؛ أي: إثمَكم على (^٤) أن تشاركوهم في أشياءَ تَأْثَمون بها.
وقيل: أي: مشقَّتكم وشدَّتكم في الدِّين. وهو قول ابن جريجٍ (^٥).
وقال السديُّ: أي: ضلالكم عن دينكم (^٦).
قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: ظهرت العداوة على ألسنتهم؛ أي: بالتَّكذيب (^٧) الظَّاهر والإيذاءِ لكم بالقول.
_________________
(١) "والخبل الفساد" ليس في (ف).
(٢) "أو بنزع الخافض"؛ أي: لا يألونكم في تخبيلكم، وقيل: انتصابه على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير: متَخبِّلين. انظر: "البحر المحيط" (٦/ ٩٩)، و"الدر المصون" (٣/ ٣٦٤).
(٣) في (أ): "في فساد أمركم".
(٤) "على" من (أ).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٧١١)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٣٤٦).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٧١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٤٣).
(٧) في (ر) و(ف): "التكذيب".
[ ٤ / ٢٢٣ ]
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾: أي: ما تضمِر قلوبُهم مِن قتلِ رسول اللَّه -ﷺ- ومن الكفر باللَّه أعظمُ ممَّا أظهروه من التَّكذيب.
قوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: أخبرناكم بالقرآن ما أرادوا وما أَخْفَوا.
وقال مقاتل: نزلت الآية في حقِّ المنافقين (^١).
وقال ابن كيسان: معناه: لا تتَّخذوا المنافقين (^٢) أخلَّاء دون المؤمنين، وذلك أنَّ الرَّجل من المؤمنين كان يُوادُّ المنافقين على الدُّنيا، فنُهوا عن ذلك؛ لأنَّهم لا يَدَعونَ أن يُلبِّسوا عليهم ويصدُّوهم عن الدِّين.
ومعنى قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ على هذا: أنَّه يجري في كلامهم ما يُستدلُّ به على ذلك، وكذا في وجوههم؛ قال تعالى: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وهو في آياتٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]، ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧]، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١]، ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]، ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] ونظائرِها.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ هذا (^٣) ظاهرٌ.
وقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: العلامات المميِّزة بين الأولياء والأعداء ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ لأنَّ العاقلَ لا يركنُ إلى مَن يريدُ به السُّوء، ولا يثقُ إلَّا بَمْن يعلم أنَّه يريد به (^٤) الخير.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٤٤).
(٢) في (أ): "الكافرين".
(٣) "هذا": من (أ).
(٤) في (أ): "له".
[ ٤ / ٢٢٤ ]
وقيل: أي: إن كنتم تعقلون الفصلَ (^١) بين العدوِّ والوليِّ.
وقيل: أي: إن كنتم تعقلون أنَّ النَّفع في ذلك لكم.
قالَ الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: يحتمِل: إن كنتم تعقلون الآيات، ويحتمِل: إن كنتم (^٢) تنتفعون بعقولكم؛ لأنَّه ﷿ ذكر في غير آيةٍ من القرآن أنَّهم لا يعقلون، وقد كانت لهم عقولٌ، لكن لم ينتفعوا (^٣) بها، فنفاه عنهم رأسًا (^٤).
* * *
(١١٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
قوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ﴾: ﴿هَا﴾ تنبيهٌ، ﴿أَنْتُمْ﴾ للخطاب، و﴿أُولَاءِ﴾ بمعنى: يا هؤلاء. وقيل: بمعنى الذين، و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ صلةٌ لـ (الذين).
وقيل: ﴿أَنْتُمْ﴾ ابتداءٌ، و﴿أُولَاءِ﴾ بمعنى هؤلاء خبر له، و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ في موضع الحال، ومحلُّ إعرابه النَّصب.
قوله تعالى: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾: أي (^٥): يا معشر المؤمنين تحبُّون اليهود بسبب القرابة والرَّضاعة، وهم الذين (^٦) لا يحبُّونكم لأجل الدِّين.
_________________
(١) في (أ): "الفضل".
(٢) في (أ) و(ر): "إن كنتم تعقلون أي".
(٣) في (ف): "لكن لا ينتفعون".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٦٤).
(٥) "أي": من (أ).
(٦) "الذين" ليس في (أ).
[ ٤ / ٢٢٥ ]
وقيل: أي: تعاملونهم في أمور دنياكم معاملة المحبِّ، فتخالطونهم وتفشون إليهم أسراركم، وهم لا يفعلون ذلك (^١)، بل يُخفون أحوالهم عليكم.
وقيل: أي: تَبَرُّونهم وتحبُّون معاشرتهم، وهم لا يفعلون كذلك.
وقيل: أي: تَدْعونهم إلى الإيمان الذي به السَّعادة، وهو فعل المحبِّ، وهم يدعونكم إلى الضَّلال وسوء الفعال، وهو عمل العدوِّ.
قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾: أي: بالكتب كلِّها: التَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبور والفرقان (^٢) وغير ذلك.
واكتفى باسم الواحد لوجهين:
أحدهما: أنَّه جنسٌ؛ فيصلح للكلِّ، كما يقال: كَثُرَ الدِّرهم في أيدي الناس.
والثَّاني: أنَّه مصدرٌ.
وهاهنا مضمرٌ؛ أي: وهم لا يؤمنون بكتابكم، لكنْ حُذف لدلالة الكلام عليه؛ لأنَّه (^٣) قال تعالى في الأوَّل: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾، فدلَّ ذلك أن الثاني (^٤) مثله، وهذا اختصارٌ (^٥) كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ الآية [آل عمران: ١١٣]، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ الآية [الزمر: ٩].
وقيل: معناه: بالقرآن كلِّه؛ أي: بجميع ما فيه.
_________________
(١) في (أ): "كذلك".
(٢) في (أ): "والقرآن".
(٣) في (أ): "فإنه".
(٤) في (ر) و(ف): "أن ذلك".
(٥) في (أ): "الاختصار".
[ ٤ / ٢٢٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾: فإنَّهم كانوا يقولون: نحن نؤمن باللَّه وكتبه ورسله، ويُلبِّسون ذلك، وكانوا يقولون: نحن على ذلك، لكنْ محمَّدٌ ليس بنبيٍّ، وما يتلو ليس بكتابٍ منزَلٍ.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: أي: إذا صاروا إلى أهل دينهم عَضُّوا أناملَهم -أي: رؤولسَ أصابعهم، جمع أَنمَلة بفتح الميم هو الصَّحيح في اللغة- غيظًا مِن اجتماع كلمتِكم وائتلافكم على دينكم، كما يفعله المتناهي في غيظه -وهو الغضبُ الكامن (^١) في القلب- العاجز عن إنفاذه.
وقال الكلبيُّ والضحَّاكُ ومقاتلٌ: الآية في المنافقين (^٢)، ومعناه: أنتم تظهرون لهم المحبَّة اعتمادًا منكم على ظواهرهم من إظهارهم الإيمان، وهم لا يحبُّونكم في الباطن، وتؤمنون (^٣) بالكتاب كلِّه وتأخذون بكلِّ ما في القرآن ولا تنافقون ولا تضمرون خلاف ما تظهرون، وهم يخالفون ذلك، ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾، وهو كما مرَّ في سورة البقرة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾: هذا توبيخٌ، يُقال ذلك لمن لا فرَجَ له يُرجى، ومعناه: أنَّ الموت دون ما يرجون.
وقيل: أي: دُوموا على هذا إلى أن تموتوا.
وقيل: أي: أماتكم اللَّه بغيظكم، لفظُ أمرٍ بمعنى الدعاء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بعداوة الصُّدور.
_________________
(١) في (أ): "الكائن".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٤٤ - ٧٤٥) عن مقاتل والحسن.
(٣) في (ف): "ولو أنهم يؤمنون".
[ ٤ / ٢٢٧ ]
وقيل: أي: بضمائرها، وهو كقولك: ذو مالٍ، وذات مالٍ، بمعنى: الصَّاحب والصَّاحبة، فهو نعتٌ لمؤنَّثةٍ (^١) تصحب الصُّدور، فلذلك حُملَتْ على العداوة ونحوِها، وهو وعيد؛ أي: يَعلمُ فيُجازِي.
* * *
(١٢٠) - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾: أي: إن تصبكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وقولهِ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨].
﴿حَسَنَةٌ﴾: أي: نعمةٌ وأُلفةٌ وغَلَبةٌ وغنيمةٌ وخصبٌ، ونحوُ ذلك من (^٢) حالة مستحسنةٍ.
﴿تَسُؤْهُمْ﴾: أي: تحزنهم؛ يُقال: ساءه يَسوؤه؛ أي: أحزنه، وسرَّه يسرُّه خلافُ ذلك، فأما قولُهم: أساء إليه يسيء، فهو خلافُ الإحسان إليه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾: أي: حالةٌ سيِّئةٌ: محنةٌ، أو فُرقةٌ، أو غلبةُ عدوٍّ (^٣) وهزيمةٌ، أو جُدوبةٌ.
﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾: أي: يُسرُّوا بها، وهي (^٤) في صفة المنافقين على قول مَن حمل الآيتَيْن قبْلها عليهم، وفي اليهود على قولِ مَن جعلها فيهم، وهي صفة الكلِّ لعداوة الكلِّ، وما (^٥) ينبغي أن يُتَّخذ العدوُّ بطانةً.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "مؤنثة".
(٢) في (أ): "ومن".
(٣) في (ر) و(ف): "عدو".
(٤) في (أ): "وهو".
(٥) في (ف): "ولا".
[ ٤ / ٢٢٨ ]
وقال الكلبيُّ: ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أي: ظفرٌ وغنيمةٌ كما في يوم بدرٍ، و﴿سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: قتلٌ وهزيمةٌ كما في يوم أحد (^١).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أي: على ما أمرتم ﴿وَتَتَّقُوا﴾؛ أي: عمَّا نهيتم.
وقيل: أي: وإن تصبروا على أذاهم، وتتَّقوا موالاتهم.
قوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾: قرأ ابن كثيرٍ ونافع وأبو عمرو بكسر الضَّاد وسكون الرَّاء، من ضارَ يَضِير، وجزمُه لأنَّه جوابُ الشَّرط.
وقرأ الباقون بضم الضَّاد والرَّاء وتشديدها (^٢)، من ضرَّ يَضُرُّ، وهو في موضع الجزم، وحرِّك لاجتماع الساكنين، وضُمَّ إتباعًا لِمَا قبله.
وقرأ عاصمٌ في روايةٍ بفتح الرَّاء (^٣)؛ لأنَّها حركةٌ ضروريَّةٌ، فجُعلَتْ بالفتحة الَّتي هي (^٤) أخفُّ الحركات.
قوله تعالى: ﴿كَيْدُهُمْ﴾: هو الاحتيالُ للإيقاع في الهلاك.
يقولُ: إنْ صبرتم على الطَّاعة (^٥) واتَّقيتم المعصية، لم يَنَلْكم ما يريدون بكم من الهلاك.
قوله تعالى: ﴿شَيْئًا﴾؛ أي: شيئًا من الضرر، نصبٌ على المصدر (^٦)، وقيل: أي: بشيءٍ، نصبٌ بنزع الخافض.
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٦٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٧٠).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٠).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٢٧)، و"إعراب القرآن" للنحاس (١/ ١٧٨).
(٤) في (ف): "بالفتح الذي هو" بدل: "بالفتحة التي هي".
(٥) في (ر) و(ف): "الطاعات".
(٦) "نصبٌ على المصدر" ليس في (ف).
[ ٤ / ٢٢٩ ]
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؛ أي: عالمٌ بكلِّية ما يعملونه، قادرٌ على جزائهم به (^١)، وهو أبلغ وعيدٍ.
* * *
(١٢١) - ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّدُ إذ خرجت غدوةً من وطنك منزلِ عائشة إلى أُحدٍ. وهو قول ابن عبَّاسٍ وقتادة ومحمَّد بن إسحاقٍ والرَّبيع والسُّدي وعامَّة المفسِّرين (^٢).
وقال الحسنُ ومجاهدٌ ومقاتلٌ: يوم الأحزاب (^٣).
قوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: تهيِّئ لهم، والمَباءة: المَراح، وقد باء؛ أي: رجع، وتبوَّأ: اتَّخذ مسكنًا لنفسِه، وبوَّأه؛ أي: هيَّأه لغيره، ويُعدَّى باللَّام وغير اللَّام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال هاهنا: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهو كقوله (^٤): رَدِفه ورَدِف له، وشكَره وشكر له، ونصحه ونصح له.
وقيل: ترك اللَّام لتقدير: تُرتب المؤمنين، وتُقعد المؤمنين (^٥)، وتُنزل، ولو أُريد (^٦) اتِّخاذ المكان لهم لكان باللَّام.
_________________
(١) "به": من (أ).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦ - ٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٤٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٤٨) عن الحسن. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٧٣)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٩٦) عن مقاتل.
(٤) في (أ): "كقولك".
(٥) "ويقعد المؤمنين" ليس في (أ).
(٦) في (ف): "أراد".
[ ٤ / ٢٣٠ ]
قوله تعالى: ﴿مَقَاعِدَ﴾: جمع مقعدٍ، وهو موضع القعود، وجاء في التَّفسير: أمكنةُ القتال، ومصافُّ القتال، وكان ينزل (^١) كلَّ طائفةٍ موضعًا مخصوصًا.
وسمِّيَتْ مقاعد لأنهم يتمكَّنون فيها (^٢) قاعدين إلى أن يقعَ القتال.
وقيل: هي الأماكن، وهي تكون للقيام والقعود جميعًا، ويُسمَّى بأحدهما، ويُدَلُّ على الآخر، وهو كقوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩]، سمَّاه مقامًا -وهو للقعود والقيام جميعًا- لهذا.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: وفي الآية: أنَّ الأئمَّة هم الَّذين يتولَّون أمور العساكر، ويختارون لهم المقاعد، وعليهم تعاهُد أحوالهم، ودفعُ الخلل والضياع عنهم ما احتمل وسعُهم، وعليهم طاعة الأئمَّة، وقَبول الإشارة (^٣) من الإمام؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (^٤).
قوله تعالى: ﴿لِلْقِتَالِ﴾: أي: لأجل مقاتلة الكفار.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: قيل: ﴿سَمِيعٌ﴾ لِمَا يقول المنافقون يومئذٍ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يُضمرون (^٥)، وهو وعيدٌ لهم.
وقيل: ﴿سَمِيعٌ﴾ لِمَا يقول محمَّد للمؤمنين، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرُه، وهو تزكيةٌ للنَّبيِّ -ﷺ-.
_________________
(١) في (ر): "وكان يقعد".
(٢) في (ر): "منها".
(٣) في (ر): "الإمارة".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٦٦).
(٥) في (ر): "يضمرونه".
[ ٤ / ٢٣١ ]
وقيل: ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالة المشيرين عليك (^١)، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرون؛ لأنَّهم اختلفوا، فمنهم مَن أشار بالخروج، ومنهم مَن أشار بالمقام في المدينة، وهو تزكيةٌ للزَّاكي، ووعيدٌ لغير الزَّاكي (^٢).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالتكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بسرائركم.
قال: ويحتمل ﴿سَمِيعٌ﴾ بذكركم اللَّه؛ فقد قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥]، ﴿عَلِيمٌ﴾ بثوابكم.
قال: ويحتمل أنَّه بشارةٌ كما قال تعالى لموسى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
قال: ويحتمل ﴿سَمِيعٌ﴾ مجيبٌ لدعواتكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما به نصرُكم (^٣).
ثم انتظام هذه الآية بما قبلها: أنَّه قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، وقال في هذه القصة أيضًا: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾.
* * *
(١٢٢) - ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾: أي: واذكر (^٤) إذ همَّتْ، أو هو ظرفٌ لقوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿إِذْ هَمَّتْ﴾؛ أي: قصدت، وهو للخَطْرة هاهنا، لا للعزمة (^٥)؛ فإنه قال بعده: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "عليكم".
(٢) في (ف): "لغير الولي".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٦٧).
(٤) في (ر): "واذكروا".
(٥) في (أ) و(ف): "للعزمة".
[ ٤ / ٢٣٢ ]
و﴿طَائِفَتَانِ﴾؛ أي: جماعتان، وهما هنا بنو سَلِمةَ بن جُشَمَ، وهم من الخزرج، وبنو حارثة بن النَّبِيت، وهم من الأوس، وهما جميعًا من الأنصار.
قوله تعالى: ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾؛ أي: تجْبُنا من حدِّ عَلِمَ. والفشلُ يقعُ من غير فعلِه فلا يُلام عليه، لكن معناه: أن تفعلا فعلَ مَن يَفشل (^١)، وهو الانصراف وترك القتال.
وذلك أن عبد اللَّه بن أُبيٍّ ابنَ سلولَ انصرف عن النبيِّ -ﷺ- في ثلاث مئة نفرٍ من قومه، وبقي رسول اللَّه -ﷺ- في (^٢) سبعِ مئة نفرٍ، والمشركون في ثلاثة آلاف رجلٍ، وكان انصرافه لنفاقه، وقيل: لغضبه؛ لأنَّه كان أشار على النبيِّ -ﷺ- بالثُّبوت في المدينة والتَّحصُّن بها، وكان أكثرُ المؤمنين يحبُّون الخروجَ، فكره النبيُّ -ﷺ- خلافَهم والأخذَ بقول ابن أُبيٍّ، فغضب لذلك، وقال: أطاع الولدان وعصاني.
وهمَّتْ هاتان الطَّائفتان بالانصراف كما انصرف ابنُ أُبيٍّ، لا لغشٍّ أو نفاقٍ، بل خوفًا من كثرة المشركين، فتولَّاهم اللَّهُ بعصمته حتى لم يَفعلا (^٣)، وحقَّق إيمانهما بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وقال الواقديُّ: همَّتْ هاتان الطَّائفتان ألَّا يخرجوا مع النبيِّ -ﷺ- خوفًا، ثم وفَّقهم اللَّه تعالى فخرجوا (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾: أي: محبُّهما وناصرهما ومتولِّيهما، والواو للحال، ومعناه: ما كان ينبغي لهما أن يفشلا واللَّه يتولَّى نصرَهما ومعونتَهما.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فشل".
(٢) في (ر): "ومعه".
(٣) في (ف): "يغفلا".
(٤) انظر: "المغازي" للواقدي (١/ ٣١٩).
[ ٤ / ٢٣٣ ]
وقال قتادة: لَمَّا نزلت الآيةُ قال الحيَّان: واللَّه ما يَسرُّنا أنَّا لم نهمَّ بالَّذي همَمْنا به وقد أخبرنا اللَّه تعالى بأنَّه وليُّنا (^١).
ورُوي أنَّه لَمَّا انصرفَ عبدُ اللَّه بن أُبيٍّ بثُلث الجيش قال: يا قوم، علامَ نقتلُ أنفسنا وأولادنا، فتبعهم [عبد اللَّه بن] عمرو بن حرام (^٢) فقال: أتترك النبيَّ ﵇ والصحابة؟ فقال: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، ولو أطَعْتنا لرجعْتَ معنا. وهمَّتْ بنو سلمة وبنو حارثة (^٣) بالانصراف، فوفَّقهم اللَّهُ للسَّداد فلم يرجعوا (^٤).
وفي الإخبار عن هذا الهمِّ وهو غيبٌ دلالةُ صدقِ النبيِّ -ﷺ-، فإنَّه أَخبر بإخبار اللَّه تعالى وإطْلاعه إيَّاه عليه.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: فليَعتمِد على ما وعد، وليجتهد في الوفاء بما عهد، وليفوِّض كلَّ أمره إلى اللَّه إذ علم أنَّه بكلِّيته للَّه، وإليه مرجعه، وبهذه الجملة وعدَ أن ينصر دينَه.
قال: وليس في القرآن تعيين الطَّائفتين، ولا ينبغي أنْ يُذكرَ إلَّا بإقرارٍ منهما، وقد روي أنهما أقرَّتا بذلك لِمَا سمعتا من قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (^٥).
وقال سهل بن عبد اللَّه التُّسْتَريُّ: جملةُ العلوم أدنى بابٍ من التَّعبُّد، وجملةُ
_________________
(١) رواه البخاري (٤٠٥١)، ومسلم (٢٥٠٥)، من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄.
(٢) في النسخ: "حزام"، والمثبت من المصادر وستأتي.
(٣) في (أ): "حارث".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٢٢)، وابن المنذر في "تفسيره" (١١٦٦) من طريق ابن إسحاق عن جمع من أشياخه، وهو في "السيرة النبوية" لابن إسحاق (٢/ ٦٤). وما بين معكوفتين من هذه المصادر.
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٦٨).
[ ٤ / ٢٣٤ ]
التَّعبُّد أدنى بابٍ من الورع، وجملةُ الورع أدنى بابٍ من الزُّهد، وجملةُ الزُّهد أدنى بابٍ من التَّوكُّل (^١).
* * *
(١٢٣) - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾: وانتظامُها بالأولى أنَّه قال: توكَّلوا واذكروا نصري إيَّاكم يوم بدرٍ مع قلَّة عَددكم وعُددكم.
وبدرٌ: بئرٌ بين مكَّة والمدينة، وحافرُها كان رجلًا اسمه بدر، فسُمِّيت به، وسميت تلك النَّاحية به أيضًا. قاله الشَّعبيُّ (^٢).
وقال الواقديُّ عن شيوخه: هو اسمٌ لذلك المكان وُضع، لا لهذا (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾: جمع ذليلٍ؛ أي: في قلَّةِ عَددٍ وعُددٍ؛ لأنَّهم كانوا يومئذٍ ثلاثَ مئةٍ وثلاثةَ عشر رجلًا؛ ستَّةً وسبعين من المهاجرين، وبقيَّتُهم من الأنصار، والمشركون ألف رجلٍ، وكان صاحبَ راية رسول اللَّه -ﷺ- عليُّ بن أبي طالب ﵁، وصاحبَ راية الأنصار سعد بن عبادة ﵁.
وقيل: وأنتم أذلةٌ عند أنفسكم؛ لقلَّة العدد والسلاح.
وقيل: عند المشركين، وهو كقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فأرادوا (^٤) بالعزِّ الكثرةَ، وبالذُّلِّ القلَّةَ.
_________________
(١) انظر: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي (٢/ ٤).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٥٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٧).
(٤) في (أ): "وأرادوا". وفي (ف): "فأراد".
[ ٤ / ٢٣٥ ]
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: اعملوا بطاعته، واجتنبوا (^١) معصيته، لتقوموا بشكر نعمته.
* * *
(١٢٤) - ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾: أي: واذكر يا محمَّدُ ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ لأصحابك يومَ أُحُد -وعاد إلى قصة أُحُد عند أكثر أهل التَّفسير-: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾، الكفاية: البلوغ إلى قَدْر الحاجة، والغنى: الزِّيادة على قدر الحاجة.
قوله تعالى: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾: الإمدادُ: إعطاءُ المدد، وهو الزِّيادة على عددهم تقويةً لهم.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾: أي: من السَّماء، وقرأ ابن عامر بالتَّشديد (^٢)، وهو للترادُف على التَّوالي، وقرأ أبو حَيْوَةَ بكسر الزَّاي (^٣)؛ أي: آتين بالنَّصر.
قال لهم النبيُّ -ﷺ- قبلَ لقاء العدو، ووعدهم الإمداد بثلاثة آلاف ملكٍ، فركَنوا إليه، فوعدهم إنِ اتَّقوا وصبروا (^٤) الزِّيادة على ذلك، وهو خمسة آلافٍ؛ يعني: زيادة ألفين على ثلاثة آلاف، ولو اتَّقوا وصبروا لأُمدُّوا، لكنْ لم يفعلوا فحُرموا
_________________
(١) في (ر): "واجتنبوا عن".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٠).
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ٢٨).
(٤) في (ر) و(ف): "واصبروا".
[ ٤ / ٢٣٦ ]
أصلًا. وإلى هذا القول ذهب الكلبيُّ والواقديُّ ومحمَّدُ بن إسحاق والضَّحاك وعبد الرَّحمن بن زيد بن (^١) أسلم (^٢).
وقالوا: كان العدوُّ يوم أحدٍ ثلاثة آلافٍ والمسلمون بعد رجوع المنافقين سبعَ مئةٍ، فسألوا رسولَ اللَّه -ﷺ-: هل يمدُّنا اللَّه ﷿ في هذه الغزوة بالملائكة كما أمدَّنا اللَّه يوم بدرٍ إذ كانوا ثلاثةَ أمثالنا؟ فقال لهم النبيُّ -ﷺ-: "ألن يكفيَكم أن يمدَّكم ربُّكم بثلاثة آلاف ملَكٍ على عدد الأعداء، وأنتم زيادةٌ على ذلك".
وقالوا: كان هذا بوعد اللَّه له به (^٣) بالشَّرط الذي تقدَّم، ووعدهم أيضًا الزِّيادة عليه بالوعد أيضًا.
وقيل: لم يكن بالوعد، لكن لَمَّا سألوه عن ذلك قال لهم: "هل يكفيكم ثلاثة آلافٍ لأسأل اللَّه تعالى ذلك لكم؟ " فقالوا: نعم. فسألَ اللَّهَ ﷿، فأجابَ ووعدهم بعد ذلك بخمسة آلافٍ إن اتَّقوا وصبروا، والشَّرط (^٤) في الوعدَيْن جميعًا.
وعن الحسن: إنَّ الوعدَ بثلاثة آلافٍ من اللَّه تعالى مطلقٌ، والزِّيادةَ إلى خمسة آلافٍ بالشَّرط.
وعلى قوله: جملتُهما (^٥) ثمانية آلافٍ (^٦).
_________________
(١) "زيد بن": من (أ) و(ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٧) عن عكرمة والضحاك وابن زيد، ورواه ابن المنذر في "تفسيره" (٨٨٣) عن الضحاك، وانظر: "المغازي" للواقدي (١/ ٣١٩).
(٣) "به" ليس في (ف).
(٤) في (ر): "والشرطين"، وفي (ف): "فالشرط".
(٥) في (أ): "جملتها".
(٦) ذكر الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٣) عن الحسن قال: كانوا ثمانية آلاف من الملائكة.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
وعلى قول غيره معناه: زيادة ألفين على ثلاثة آلافٍ حتى تصير خمسة آلافٍ مع تلك الثَّلاثة الآلاف، وهو (^١) كقوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠]؛ أي: مع اليومَيْن الأوَّلَيْن.
وقال جماعةٌ من المفسرين: هذا الوعد كان في يوم بدرٍ، وهو متَّصلٌ بالأوَّل؛ أي: نصركم يوم بدرٍ، والنبيُّ -ﷺ- وعدهم ذلك، وحُقِّقَ ذلك، فأُنْزِلَ خمسةُ آلاف ملَكٍ.
وعلى هذا معنى قوله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ﴾؛ أي: من وجههم هذا الَّذي قصدوكم منه، لأنهم لَمَّا (^٢) سمعوا باعتراض المسلمين لعِيرهم (^٣) فاروا -أي: جاشوا- كفوَران القِدْر، وهو غليانها، وقد فارت العين؛ أي: جاش ماؤها، وفورة الغضب هيجانُه، وفورُ الأمر حدَّتُه (^٤) وحدوثه.
فلمَّا سمعوا ذلك فاروا وتكثَّروا (^٥)، وركبوا كلَّ صحبٍ وذَلولٍ، وخرجوا أقوياء عند أنفسهم، قد أحمتهم جاهليَّتهم، وحرَّكتهم حميَّتهم لأموالهم، فأخبرهم اللَّه تعالى أنهم أتَوْكم على هذه الحالة فلا تهابوهم؛ فإنَّ اللَّه تعالى يكفيكم شرَّهم، ووعدهم إحدى الطَّائفتين: إمَّا العِير، وإمَّا النَّفير.
وقال هؤلاء: دليل ذلك أنَّه لم ينزل يوم أحدٍ الملائكة.
قال عبيد بن عمير: لَمَّا رجعَتْ قريشٌ من أُحدٍ جعلوا يتحدَّثون في أنديتهم بما
_________________
(١) في (ف): "وهي" بدل: "مع تلك الثلاثة الآلاف وهو".
(٢) "لما": من (أ).
(٣) في النسخ: "لغيرهم"، والصواب المثبت.
(٤) في (ر): "حدثه"، وفي (ف): "جدته".
(٥) في (ف): "وتكبروا".
[ ٤ / ٢٣٨ ]
ظفروا، ويقولون: لم نَرَ الخيل البُلْقَ (^١)، ولا الرِّجال البيض الَّذين كانوا ببدرٍ (^٢).
وما رُوي عن سعد بن أبي وقَّاص أنَّه قال: رأيْتُ يومَ أحدٍ عن يمين النبي -ﷺ- وعن يساره رجلَيْن عليهما ثيابٌ بيضٌ يقاتلان عنه كأشدِّ القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ (^٣) = فذاك -على قول هؤلاء- كان للنبيِّ -ﷺ- على الخصوص؛ لأنَّه صبرَ واتَّقى، ولم يكن للصَّحابة مدد ملَك.
وكذا ما رُوي أنَّ النبيَّ -ﷺ- (^٤) أعطى مصعب بن عمير اللِّواء، فقُتل مصعبٌ، فأخذه ملَكٌ في صورة مصعب، فقال له النبيُّ -ﷺ- (^٥): "تقدَّم يا مصعب"، فقال: لستُ بمصحب. فعرف أنه ملَكٌ (^٦). فهذا له على الخصوص أيضًا.
وقال بعضُ مَن قال بالقول الأوَّل: لا يستقيم حمل هذه الآية على أهل بدرٍ؛ فإنَّ المذكور في حقِّهم في (سورة الأنفال): ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩]، وهذا العددُ غيرُ ذلك.
وقال الفريق الثَّاني: وعدهم بألفٍ (^٧)، ثم بزيادة ألفين، فصاروا ثلاثة آلافٍ، ثم بزيادة ألفين آخرين، فصاروا خمسة آلافٍ، وهو كما رُوي أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال
_________________
(١) بلق: جمع أبلق، وهو ما فيه بياض وسواد من الخيل. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: بلق).
(٢) رواه الواقدي في "المغازي" (١/ ٢٣٥).
(٣) رواه البخاري (٤٠٥٤)، ومسلم (٢٣٠٦).
(٤) "أن النبي -ﷺ-" ليس في (أ).
(٥) في (أ): "فقال ﵇ له"، وفي (ف): "فقال ﵊".
(٦) رواه الواقدي في "المغازي" (١/ ٢٣٤)، وابن سعد في "الطبقات" (٣/ ١٢١) عن عبد اللَّه بن الفضل بن العباس.
(٧) بعدها في (ر): "من الملائكة".
[ ٤ / ٢٣٩ ]
لأصحابه: "أيسرُّكم أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ "، قالوا: نعم. قال: "أيسرُّكم أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنَّةِ؟ "، قالوا: نعم. قال: "أيسرُّكم (^١) أن تكونوا نصف أهل (^٢) الجنَّة؟ "، قالوا: نعم. قال: "فإنِّي أرجو أن تكونوا ثُلُثي أهل الجنَّة" (^٣).
وروي هذا التَّأويل عن قتادة والرَّبيع قالا: أُمِدُّوا بألف (^٤)، ثم صاروا ثلاثة آلافٍ، ثم صاروا خمسة آلاف (^٥).
وله وجهٌ آخر حكي عن الشَّعبيِّ قال: حُدِّث المسلمون يوم بدرٍ أنَّ كرزَ بن جابر المحاربيَّ يمدُّ المشركين، فشَقَّ ذلك على المسلمين، فقيل لهم: ألن يكفيكم أن يمدَّكم ربكم بثلاثة آلافٍ، ثم بخمسة آلافٍ؛ أي: إن أتوا، فلما بلغ خبر هزيمة الكفَّار إلى كرزٍ رجع هو (^٦)، فلم يُمَدوا بثلاثة آلافٍ ولا بخمسة آلافٍ (^٧).
* * *
(١٢٥) - ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "أبشركم" في المواضع الثلاث.
(٢) كلمة: "أهل" سقطت من (ف) في المواضع الثلاث.
(٣) روى نحوه البخاري (٦٦٤٢)، ومسلم (٢٢١)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وليس فيه ذكر الثلثين.
(٤) في (ر): "بالألف".
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٥).
(٦) "هو": من (أ) و(ف).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٠)، وابن المنذر في "تفسيره" (٨٨٦) و(٨٩٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٥٢).
[ ٤ / ٢٤٠ ]
قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾: أي: تصبروا على القتال وتتقوا الفِرار.
وقيل: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أي: تثبتوا، و﴿وَتَتَّقُوا﴾ مخالفةَ النبيِّ -ﷺ- وعصيانَه.
قوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ﴾: قال ابن عباسٍ ﵄: من وَجْههم هذا (^١)؛ أي: من طريق مكَّة،، ولم يرجعوا وتمُّوا على قصدهم.
وقال مجاهد والضَّحَّاك: أي: من غضبهم (^٢).
قولُه تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾: جزم بالشَّرط والجزاء.
قوله تعالى: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾: قرأ ابن كثيرٍ وعاصم وأبو عمرو بكسر الواو، والباقون بفتحها (^٣).
والتَّسويمُ: الإعلام، والسُّومةُ: العلامةُ الَّتي يعلِّم بها الفارس نفسَه.
ومعنى قراءة الكسر: أنَّهم أعلموا خيلهم في أذنابها ونواصيها وأنفسَهم بنوع لباسٍ.
ومعنى قراءة الفتح: أنَّهم (^٤) فُعل بهم ذلك؛ وله وجهان: أعلموا أنفسهم بذلك، فهم مفعولون بفعل أنفسهم، أو اللَّه تعالى فعل بهم ذلك.
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٩ - ٣١) عن عكرمة وقتادة والحسن والربيع والسدي وابن زيد، وعن ابن عباس بلفظ: من سفرهم هذا. وكذا رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٥٣) عن ابن عباس ﵄.
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣١) عن مجاهد والضحاك، إلا أن الضحاك قال: (من وجههم وغضبهم). وكذا رواه ابن المنذر في "تفسيره" (٨٨٨) عن الضحاك.
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٢١٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٠).
(٤) في (أ) و(ف): "أنه".
[ ٤ / ٢٤١ ]
وقيل في قراءة الكسر: إنه بمعنى: المتسوِّمين، وقد سوَّم وتَسوَّم، كما يقال: قدَّم وتقدَّم، وحوَّل وتحوَّل.
وفي الخبر: أنَّهم كانوا أعلموا خيولَهم بالصُّوف في النَّواصي والأذناب، وأنفسَهم بالعمائم الصُّفر، وقيل: البيض، قال عروة بالأوَّل (^١).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: كان سِيما الملائكة يوم بدرٍ عمائمَ بيضٍ قد أرسلوها بين أكتافهم، ويومَ حنين عمائمَ حمرٍ، وفي سائر الغزوات شهدوا ولم يقاتلوا (^٢).
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: إنما أُعلموا ليَعلمَ المؤمنون أنهم يحتاجون إلى العلامة، قال ﵇: "تسوَّموا فإن الملائكة قد تسوَّمَتْ" (^٣).
وقال الأخفش: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بالكسر؛ أي: مرسِلين خيلَهم في الغارة، مِن السَّائمة، والتَّسويم كالإسامة، كالتَّقويم في معنى الإقامة.
وقيل: مرسِلين أذناب عمائمهم، وكانوا فعلوا ذلك (^٤) وهم على خيلٍ بُلْقٍ.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٥١) عن عروة، ورواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٦) عن عروة عن عبد اللَّه بن الزبير ﵁.
(٢) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٥٧).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٧١). والحديث رواه ابن أبن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٦٦٨)، والطبري في "التفسير" (٦/ ٣٤)، عن عمير بن إسحاق مرسلًا. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٢٢٠).
(٤) في (أ): "كذلك".
[ ٤ / ٢٤٢ ]
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾: الهاء في: ﴿جَعَلَهُ﴾ يجوز أن تكون كنايةً عن القول الَّذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾، ويجوز أن تكون كنايةً عن العدد، أو عن الإمداد، أو عن الوعد، أو عن النَّصر، أو عن إنزال الملائكة، يقول: ما فعل ذلك إلَّا ليبشركم (^١) بالنَّصر.
قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾: أي: ولتسكن قلوبُكم به، وهو عطفٌ على الأوَّل معنًى؛ لأنَّ قوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾؛ أي: ليبشركم، أو أضمر فيه فعلًا قبلَه أو بعدَه، وتقديرُه: ولتطمئن قلوبُكم به فعلَ ذلك، أو فعل ذلك لتطئمنَّ (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: ليس ذلك من الملائكة، بل من اللَّه ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾؛ أي: العزيز في ملكه، الحكيم في حكمه.
وقيل: ﴿الْعَزِيزِ﴾: المنيع الَّذي لا يلحقه عجزٌ، فلا يُتوقَّع النَّصرُ إلَّا مِن عنده، ﴿الْحَكِيمِ﴾: الفاعل ما توجبُه الحكمةُ، فلا ينصرُ إلَّا أهله.
وقيل: ﴿الْعَزِيزِ﴾: المنيع، فلا يُرام، وليس ما نال (^٣) أعداؤه من أوليائه لعجزه، ﴿الْحَكِيمِ﴾: يضع الأمور مواضعها تصرُّفًا في ملكِه، فلا اعتراض عليه إنْ نصرَ أو خذلَ.
* * *
(١٢٧) - ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: واتِّصالها بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾.
_________________
(١) في (ف): "ليسركم".
(٢) "أو فعل ذلك لتطئمن" ليس في (ف).
(٣) في (ف): "فعل".
[ ٤ / ٢٤٣ ]
وقيل: بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ﴾.
وقيل: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ بكذا (^١) ﴿لِيَقْطَعَ﴾.
وقيل: هو عطفٌ على قوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ حذف حرف العطف، كما يقال: فلان برَّني أكرمني أحسن إليَّ.
وقيل: هو متَّصلٌ بقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ وهو وعدٌ بالشَّرط.
وقوله تعالى: ﴿طَرَفًا﴾؛ أي: قطعةً، وإنما قال: ﴿طَرَفًا﴾ ولم يقل: وسطًا، وإن كان ذلك قطعةً أيضًاح لأن القطع بأيدي المسلمين، وإنما يقطعون الَّذين يلونهم من الكفَّار، وهم طرفٌ لا وسطٌ.
وقيل: هذا في أهل بدرٍ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧]، وهو طرفٌ منهم، قاله الحسنُ وقتادةُ والرَّبيعُ (^٢).
وقيل: صناديدهم وأشرافهم.
وقال السُّديُّ: هو يوم أُحُدٍ، قُتل منهم ثمانية عشر، وقُتل صاحبُ لوائِهم (^٣).
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾: قال الخليلُ: الكَبْتُ (^٤): هو صرع الشَّيء على وجهِه (^٥).
_________________
(١) في (أ): "كذا"، وفي (ر): "كذلك".
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٥٥ - ٧٥٦)، ورواه ابن المنذر في "تفسيره" (٩٠٠) عن قتادة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤١).
(٤) "الكبت" من (ف).
(٥) انظر: "العين" (٥/ ٢٤٢) (مادة: كبت).
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وقيل: الكَبْتُ: وهنٌ يقع في القلبِ، فيَصرع في الوجه لأجله.
وقيل: أي: يذلَّهم.
وقيل: أي: يغيظهم.
وقيل: أي: يهزمهم.
وقيل: أي: يخزيهم.
ويقال: كَبَتَهُ في معنى: كَبَدَهُ؛ أي: ضربَ كبدَه، والدَّال والتَّاء يتعاقبان، يقال: سبَّتَ رأسهَ وسَبَّده؛ أي: حلقَه.
وقيل: معناه: أو (^١) يلعنَهم.
والأشبه: يغيظهم، كما قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
قوله تعالى: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: أي: فيرجعوا آيسين، وبينهما فرقٌ؛ فإنَّ الخيبة هي انقطاع الأمل، ولا يكون إلَّا بعد ما أَمَّلَ، واليأس يكون قبلَه وبعدَه.
وقال يمانُ بن رِئابٍ (^٢): ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾؛ أي: ليَهدم (^٣) ركنًا من أركان الشِّرك، ويُهلك طائفةً منهم، أو يهزمهم فيصرعهم لوجوههم، فيرجعوا بلا ظفرٍ ولا نُجحٍ.
* * *
(١٢٨) - ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "أي".
(٢) في الأصول الثلاثة: "رباب"، والصواب المثبت، وقد تقدم التنبيه عليه قريبا.
(٣) في (ر) و(ف): "ليهزم".
[ ٤ / ٢٤٥ ]
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية (^١): اختلف في نزولها (^٢)؛ قال أنس ﵁: إنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كُسرَتْ رباعيَتُه يومَ أُحُدٍ، وشُجَّ في جبينِه حتَّى سالَ الدَّمُ على وجهِه، فقال: "كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربِّهم"، فنزلَتْ هذه الآيةُ (^٣).
وعن ابن عمرَ ﵄ قال: قال النَّبيُّ -ﷺ-: "اللَّهمَّ العَنْ أبا سفيانَ، اللَّهم العَن الحارث ابن هشام، اللَّهم العَنْ صفوانَ بن أميَّة، فنزلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، فأسلموا وحسنَ إسلامهم (^٤).
وقال قتادة: شَجَّ عتبةُ بن أبي وقَّاص رسولَ اللَّه -ﷺ- وكسرَ رَباعيَته، فقال: "اللَّهمَّ لا تُحِلْ عليه [الحولَ] حتى يموت [كافرا] "، فنزلت الآية، وماتَ دونَ الحول كافرًا (^٥).
وقال عكرمة: إنَّ الَّذي دمَّى (^٦) وجهَ رسول اللَّه -ﷺ- يوم أُحُدٍ رجلٌ من هذيل يُقال له: عبد اللَّه بن قَمِئة، فسلَّط اللَّه عليه تيسًا، فنطحَه حتَّى قتلَه (^٧).
_________________
(١) "الآية" من (أ).
(٢) في (ر): "في سبب نزولها"، وفي (ف): "في نزوله".
(٣) رواه مسلم (١٧٩١).
(٤) رواه الترمذي (٣٠٠٤)، وقال: حسن غريب. وأخرجه البخاري (٤٠٧٠) عن سالم بن عبد اللَّه مرسلًا، وأخرجه موصولًا (٤٠٦٩) لكن دون ذكر الأسماء.
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٥٥)، وفي "المصنف" (٩٦٤٩)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٦)، والبيهقي في "الدلائل" (٣/ ٢٦٥)، وابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهة" (٢/ ٦٣٧)، جميعهم عن مقسم، وهو مرسل، وليس فيه التصريح بنزول الآية. وما بين معكوفتين من المصادر.
(٦) تحرفت في (ر) إلى: "رمى".
(٧) رواه عن عكرمة سنيد كما في "العجاب في بيان الأسباب" (٢/ ٧٤٩). ورواه عبد الرزاق في =
[ ٤ / ٢٤٦ ]
وقيل: لَمَّا مثَّلوا بحمزةَ -كما رُوي- قال النَّبيُّ -ﷺ-: "كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بعمِّ رسول اللَّه"، فنزلت الآية (^١).
ومعناه: ليس لك يا محمَّد في إهلاك هؤلاء أوإبقائهم أمرٌ ولا حكمٌ، إنَّما الأمر في ذلك للَّه يتوب عليهم أو يعذِّبهم، فلا تَدْعُ عليهم، فإنَّهم بين رجلَيْن: مَن سيؤمِنُ بك فيصيرُ كأصحابك، ومَن يموت على كفره فيصير إلى النَّار، ولَعذابُ الآخرة أشدُّ وأبقى.
وقولٌ آخر: إنَّه في قَتَلةِ أهل بئر معونةٍ.
قال الكلبيُّ ومقاتل: إنَّ جماعةً مِن أهل الصُّفَّة خرجوا لقتال عصيَّة وذكوان، فقُتلوا جميعًا عند بئر معونة، فدعا عليهم النبيُّ -ﷺ- في الفجر أربعين يومًا، فنزلت الآيةُ، ونُهي عن الدُّعاء عليهم (^٢).
_________________
(١) = "تفسيره" (٤٥٦) عن يعقوب بن عاصم، وكلاهما مرسل. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧٥٩٦) من حديث أبي أمامة ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ١١٧): فيه حفص بن عمر العدني وهو ضعيف.
(٢) لم أجده.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٤٧) عن مقاتل، وفيه: أنهم كانوا من القرّاء من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وأنهم خرجوا ليعلِّموا الناس القرآن والعلم، لا للقتال كما ذكر المؤلف. وعند مسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁ إشارة لهذا السبب من بعض الرواة، فقد جاء فيه أن النبي -ﷺ- كان يقول في قنوته: "اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت اللَّه ورسوله" ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزل اللَّه عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية، لكن قال الحافظ في "العجاب في بيان الأسباب" (٢/ ٧٥٠): وفي هذا نظر؛ لأن ظاهر الآثار الماضية أن الآية نزلت أيام أحد، وقصة بئر معونة متراخية عن ذلك بمدة، لكن يمكن الجمع بأن نزولها تأخر حتى وقعت بئر معونة فكان يجمع =
[ ٤ / ٢٤٧ ]
وقولٌ آخر: أنَّه في المنهزمين يوم أُحدٍ من المسلمين، وهو عن ابن مسعودٍ والكلبي والواقدي: أنَّ النبيَّ -ﷺ- أراد أن يلعنَهم فنزلَت الآية (^١).
وقيل: أراد أن يستغفرَ لهم، فنُهي عن ذلك -أيضًا- حتى تظهرَ توبتُهم أو يجريَ بنوعٍ خاصٍّ عقوبتُهم كما عُرف في الذين تخلَّفوا عن تبوك.
وقيل: لَمَّا شجَّ يومئذٍ وأُدمي سأل الصَّحابةُ رسولَ اللَّه -ﷺ- أن يلعنَهم ويدعو بهلاكهم، فقال: "ما بعثني اللَّه لعَّانًا ولا طعَّانًا، ولكن بعثني داعيًا ورحمةً، اللَّهم اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون"، فنزلَتِ الآيةُ، ونُهي عن سؤال الهداية لهم (^٢).
وقيل: نزلت في شأن أبي طالب.
ويجوز أن يكون في الكلِّ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويجوز أن يكون ابتداءَ خطابٍ من اللَّه تعالى من غير أن سبق منه ما يُعاتَب عليه أويُمنع عنه؛ ليكون أبدًا مقبِلًا نحو الإذن له في كلِّ شيءٍ (^٣).
_________________
(١) = في الدعاء بين من شج وجهه بأحد ومن قتل أصحاب بئر معونة، فنزلت الآية في الفريقين جميعًا فترك الدعاء على الجميع. وانظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٤٢).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٤٧) عن ابن مسعود ﵁ بلفظ: (أن يدعو على المنهزمين) بدل: "أن يلعنهم".
(٣) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٣٧٥) مرسلًا. وليس فيه أنه سبب نزول الآية، ولا النهي عن سؤال الهداية لهم. وروى مسلم (٢٥٩٩/ ٨٧) عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول اللَّه، ادع على المشركين. قال: "إني لم أُبعث لعَّانًا، وإنما بُعثت رحمةً".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٧٥).
[ ٤ / ٢٤٨ ]
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾: قيل: هو عطفٌ على قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ فاعتَرض (^١) بينهما كلامٌ تامٌّ.
وقيل: هو بمعنى: إلَّا أن (^٢)، كأنَّه قال: ليس لكَ من الأمر شيءٌ إلَّا أن يعطيَهم اللَّهُ تعالى التَّوبةَ.
وقيل: إلَّا أن يتوبوا فيَقبلَ (^٣) توبتهم أو يعذِّبهم فإنهم ظالمون مستحقُّون للتَّعذيب، فيكون أمرك تابعًا لأمر اللَّه (^٤) برضاك بتدبيره.
* * *
(١٢٩) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: الأمر له لا لك؛ لأنَّ ما في السماوات وما في الأرض له لا لك.
قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: هو الذي يهدي مَن يشاء فيوفِّقُه (^٥) فيغفر له، ويخذل من يشاء فيعذِّبه على كفره ومعاصيه.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فيغفر (^٦) لمن تاب، ويرحم جميعَ خلقه، ومن رحمته جعل للكفَّار عن الكفر بالإيمان مخرجًا ومتابًا.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "واعترض".
(٢) في (ر): "الإذن"، وفي (أ): "إلا"، دون: "أن".
(٣) في (ف): "فيتقبل".
(٤) في (ر) و(ف): "تابعا للَّه".
(٥) في (أ): "ويوفق"، وفي (ف): "على وفق".
(٦) في (ف): "يغفر".
[ ٤ / ٢٤٩ ]
(١٣٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾: اتِّصالُها بما قبلَها: أنَّ آكل الرِّبا محارِبٌ للَّه تعالى ولرسوله، فأُلحق بأهل الحرب من الكفَّار في الذِّكر.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾؛ أي: لا تأخذوا؛ لأنَّه يُقصد بالأخذ: الأكلُ غالبًا.
نزلت في الأنصار، فكان الرَّجل منهم إذا حلَّ مالُه طلبَه مِن صاحبه، فيقول المطلوب: أخِّرْ عنِّي وأزيدك على مالك، فيفعلون ذلك، فوعظهم اللَّه بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا﴾: جمع ضعفٍ، وهو المثل إلى ما زاد، على ما مر في آية تضعيف (^١) الصدقات.
﴿مُضَاعَفَةً﴾ نعتٌ للأضعاف، وعن عطاء ومجاهد: أنَّه الزِّيادة في المال للزِّيادة في الأجل عند محلِّه وهو لا يجد ما يقضيه (^٢).
وقيل: معناه: أي: تضاعِفون به أموالكم.
وفي الآية نهيٌ عن أكل الرِّبا (^٣) أضعافًا مضاعفةً، فكان تحريمًا لذلك، وثبت تحريم القليل بقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقد شرحناه في آخر سورة البقرة مع بيان سبب النُّزول.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "في أنه يضعف".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٠)، وابن المنذر في" تفسيره" (٩١٣)، عن عطاء، ورواه عن مجاهد ابن المنذر في "تفسيره" (٩١٢).
(٣) في (ف): "الأكل بالربا".
[ ٤ / ٢٥٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: اتَّقوا اللَّه في الرِّبا لتفوزوا وتنجُوا من (^١) عذاب آكل الرِّبا.
* * *
(١٣١) - ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾: مرَّ تفسيره في أوائل (^٢) سورة البقرة.
وتحذير المؤمنين عن النَّار الَّتي أُعدَّت للكافرين ردٌّ على المرجئة في قولهم: إن المؤمن لا يُعذَّب بالنَّار (^٣) أصلًا، ولا يَضرُّ مع الإيمان ذنبٌ.
والآية ردٌّ على المعتزلة أيضًا في أنَّ المؤمن الَّذي هو صاحب كبيرةٍ يخلد في النَّار، واللَّه تعالى أخبر عنها (^٤) أنها أعدت للكافرين، فلا يكون الخلود فيها للمؤمنين.
وقيل: معنى الآية هاهنا: واتَّقوا استحلالَ الرِّبا، فتكفروا، فتُعذَّبوا بالنَّار (^٥) الَّتي أُعدَّت للكافرين.
وقيل: يُعذَّب اَكل الرِّبا بالنَّار الَّتي يُعذَّب بها الكفار (^٦) -بظاهر هذه الآية- مُد ثم يخرج.
وقال بعضُ أهل المعرفة: نهى اللَّه تعالى الخلقَ عن الإقراض بشرط الأضعاف المضاعفة، واستقرض من عباده على الأضعاف المضاعفة؛ إظهارًا لكرمِه، وأنَّه لا
_________________
(١) في (أ): "عن".
(٢) في (ف): "أول".
(٣) "بالنار" من (أ) و(ف).
(٤) "عنها" ليس في (أ).
(٥) في (أ): "في النار".
(٦) في (ر): "الكافر".
[ ٤ / ٢٥١ ]
يَنقص شيءٌ من خزائنه، ورحمةً (^١) على خلقه، وصيانةً للعبد عن إلحاق الضَّرر به.
* * *
(١٣٢) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: أي: في تحريم الرِّبا ﴿وَالرَّسُولَ﴾؛ أي: فيما بيَّن مِن وجوهه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: لِتُرحَموا.
* * *
(١٣٣) - ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: اتِّصالها بما قبلها: أنَّه يقول: وبادروا إلى سببِ مغفرةٍ من ربِّكم، وهو التَّوبة إن أخذتم الرِّبا، واستوجبتُم به النَّار، فتوبوا وسارعوا إلى نيل المغفرة بها.
وقال عطاءٌ: لا تصرُّوا على الذُّنوب، وأسرعوا إلى التَّوبة.
وقيل: هو المبادرة إليها قبل أن تموت، قال ﵇: "اغتنم خمسًا قبل خمسٍ. . . " الحديث (^٢).
وقال محمد بن إسحاقٍ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ هذا في حربِ أحدٍ؛ أَمرَ النبيُّ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ورحمته".
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١٨٣٢)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٧٢٩)، من حديث عمرو بن ميمون مرسلًا. وصحح إسناده ابن حجر في "فتح الباري" (١١/ ٢٣٥). ورواه الحاكم في "المستدرك" (٧٨٤٦) وصححه من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
-ﷺ- أصحابَه أن يحفظوا مراكزهم كيلا يدخل الكمين عليهم، فترك الرُّماة المركز (^١)، فدخلوا عليهم منه، فعاتبَهم اللَّه تعالى بهذا (^٢).
قوله تعالى: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال [الضحاك]: هو الجهاد في دينِه.
وقال عثمان بن عفانٍ ﵁: هو الإخلاص في العمل.
وقال عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁: هو أداء الفرائض.
وقال يمانٌ: هو الصَّلوات الخمس.
وقال أنس بن مالكٍ ﵁: هو التَّكبيرة الأولى.
وقال أبو رَوقٍ: وسارعوا إلى الهجرة.
وقال أبو بكرٍ الورَّاق: إلى الطَّاعة.
وقيل: إلى الجمعات (^٣) والجماعات (^٤).
وقال الإمام القشيري ﵀: النَّاس في المسارعة على أقسامٍ: فالعابدون يسارعون بأقدامهم في الطَّاعات، والعارفون يسارعون بهممهم (^٥) في القُربات، والتَّائبون يسارعون بندمهم بتجرُّع الحسرات، فمَن سارع بقدمه
_________________
(١) في (ف): "فنزل الرماة عن المراكز".
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٢)، وابن المنذر في "تفسيره" (١/ ٣٩٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٦١). وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ١٠٩).
(٣) في (ف): "الجمعة".
(٤) انظر هذه الأقوال في "تفسير الثعلبي" (٣/ ١٤٨)، وما تقدم بين معكوفتين منه. وقول أنس رواه ابن المنذر في "تفسيره" (٩٢١).
(٥) في (أ) و(ف): "بهمهم"، والمثبت موافق لما في "اللطائف".
[ ٤ / ٢٥٣ ]
وجدَ مثوبته، ومَن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته (^١).
قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ﴾: عطفٌ على ﴿مَغْفِرَةٍ﴾؛ لأن الأولى لإزالة العقاب، والثانية لإنالة الثواب، فتغايرتا فصحَّ العطف.
قوله تعالى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أي: وسارعوا (^٢) إلى جنَّةٍ -أي: إلى عملٍ يوصلكم إلى جنةٍ- عرضُها كعرض السَّماوات والأرض، كما قالَ في آيةٍ أخرى: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، وهذا مضمرٌ فيه، كما قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]؛ أي: كخَلْقِ نفسٍ واحدةٍ وبعثِها، وجازَ ذلك لدلالةِ الكلام عليه.
قال ابن عبَّاسٍ والحسنُ: إنَّ السَّماوات والأرض إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ، فعرضُ الجنَّة مثلُها، وأمَّا الطُّول فأكبر من ذلك؛ لأنَّ طول كلِّ شيءٍ يزيد على عرضِه (^٣).
وهو كقوله تعالى: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]؛ يدلُّ على أنَّ ظهائرَها أنفسُ وأرفعُ وأحسنُ منهاء
وقيل: أراد بالعرض: المعارَضةَ والمقابَلة؛ أي: لو قُوبلَت الجنَّةُ بالسَّماوات والأرض كانت كذلك.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٧٧).
(٢) في (ف): "سارعوا".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٣) من طريق السدي عن ابن عباس، ورواه بسياق آخر ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٦١) من طريق عمَّارٍ الدُّهْني، عن حُمَيدٍ، عن كُرَيبٍ قال: أَرسلني ابنُ عباسٍ إلى رجلٍ من أهل الكتاب أسألُه عن هذه الآية: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: فأَخرجَ أسفارَ موسى فجَعَل يَنظرُ، قال: تُلْفَقُ كما يُلْفَقُ الثوبُ، وأمَّا طولُها فلا يَقدِرُ قَدْرَه إلا اللَّهُ.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وما رُوي أنَّ الجنة في السَّماء، أو في السَّماء الرَّابعة، فمعناه: أنَّها مِن جهتِها، لا أنَّها فيها، أو في بعضِها، كما يُقال: في الدَّار بستانٌ، وإن كان يَزيد عليها، ويُراد به: أنَّه مِن جهتها -لا أنَّه في بعضها- ويُشْرَع بابه إليها (^١)، وإن كان بأضعافها.
وقيل: العرض هو السَّعة؛ قال الشَّاعر:
كأنَّ بلادَ اللَّه وهي عريضةٌ على الخائف المطلوب كُفَّةُ حابل (^٢)
أي: واسعةٌ.
وقيل: هذا التَّقدير للواحدِ (^٣) من أهل الجنَّة، ولكلِّ واحدٍ كذلك، وقال ﵇: "إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلةً مَن يُعطَى مثلَ الدُّنيا وعشرة أمثالها" (^٤).
وقال سهل بن عبد اللَّه التُّستَري: معناه: كما أنَّ السماوات والأرضين عريضةٌ عندكم في رأي العين، فالجنَّة عند أهلها كذلك؛ لا على أنها بقَدْر السماوات والأرض، وكيف ولواحدٍ منهم مثلُ الدُّنيا عشر مرَّاتٍ؟
_________________
(١) قوله: "لا أنه في بعضها" من (ف)، وقوله: "ويشرع بابه إليها" ليس في (ف).
(٢) نسب البيت لكثيرين؛ لعبد اللَّه بن الحجاج كما في "أنساب الأشراف" للبلاذري (١٣/ ١٥١)، و"الأغاني" للأصفهاني (١٣/ ١٨٢)، و"تاريخ دمسق" لابن عساكر (٧/ ٣٦٥). وللبيد كما في "محاضرات الأدباء" (٢/ ٢٠٧). ولرزين العروضي كما في "معجم الشعراء" (٣/ ٣٣٥). ولعبيد بن أيوب بن ضرار العنبري كما في "الحماسة البصرية" (١/ ٢٩). وللطرماح كما في "ديوانه" (ص: ١٦٩)، و"التذكرة الحمدونية" (٥/ ٤٣٠). وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٧٧).
(٣) في (ر): "لواحد".
(٤) هذا مختصر حديث رواه البخاري (٦٥٧١)، ومسلم (١٨٦)، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
وقال ابن عباسٍ ﵄: لو أُلصقت السَّماواتُ (^١) بعضُها ببعضٍ والأرضُ كذلك لكانت الجنة الواحدة كذلك (^٢).
ونصيب أحدهم مسيرةُ ألف سنةٍ، يَرى أقصاها كما يَرى أدناها، لو ضافه (^٣) الجنُّ والإنس مُذ خلقوا إلى أن تقوم (^٤) السَّاعة لأطعمهم وسقاهم وكساهم، ولا ينتقص (^٥) ممَّا عندَه جناح بعوضةٍ.
وقيل: ليس عند النَّاس أوسعُ من السماوات والأرض، فذكر اللَّه ذلك، فأمَّا سَعة الجنان فلا يعلمها إلَّا اللَّه، وهو كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، لِمَا أنَّها أعظم المخلوقات وأقواها (^٦) عندهم، وكقوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] لأنها أدومها وأطولها مدةً عندهم (^٧)، وكقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١]، لأنها أغلظها وأكثفها جرمًا عندهم، وهذا كله لإيقاع الشيء في أفهامهم (^٨).
قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾:
_________________
(١) في (أ): "السماوات والأرض"، وفي (ر): "السماوات والأرضين".
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٢).
(٣) في (ف): "ضافت".
(٤) في (ف): "إلى قيام".
(٥) في (ف): "ينقص".
(٦) في (ر) و(ف): "وأطولها مدة".
(٧) "لأنها أدومها وأطولها مدةً عندهم" ليس في (ف).
(٨) في (ف): "الفهم".
[ ٤ / ٢٥٦ ]
قيل: أي: الذين اتَّقوا الشِّرك، كما قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١].
وقيل: للَّذين اتقوا المعاصي.
وكلاهما صحيحان؛ فالَّذين اتَّقوا المعاصي كلَّها هي لهم بغير عقوبةٍ، والذين اتَّقوا الشِّرك ووقعوا في المعاصي فخاتمةُ أمرهم الرُّجوع إليها.
وقيل: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثم قد يدخلُها بفضل اللَّه وبعفوه (^١) غير المتَّقين، كما يُقال: أُعدَّت هذه المائدة للأمير، ثم قد يأكلها أتباعه.
ودلَّت الآيتان أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان، كما مرَّ في أوَّل سورة البقرة.
* * *
(١٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ثم ذكر بعض صفات هؤلاء المتَّقين:
وذلك قوله ﷻ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾: قال الكلبيُّ: أي: الَّذين ينفقون أموالهم في طاعة اللَّه في الرَّخاء واليسر، وفي الشِّدَّة والعسر (^٢).
وقال الضَّحَّاك: أي: في الغنى والفقر (^٣).
وقال السديُّ: أي: في السرور والحزن.
وقيل: في الرُّخص والغلاء.
_________________
(١) في (أ): "وعفوه".
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٤٧).
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٤٧).
[ ٤ / ٢٥٧ ]
وقيل: في الكثرة والقلَّة.
وقيل: في الفقد وفي الوجود.
وقيل: في العزَّة وفي الوجود (^١).
وقيل: في العرس والمأتم.
قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾: أي: المتجرِّعين، وقد كظم البعيرُ جِرَّته: إذا ردَّها إلى (^٢) حَلْقه، وكظم رأسَ القِربة: إذا شدها (^٣) على ملئها، والكظيم (^٤) والمكظوم: الممتلئ حزنًا، الممسكُ عليه، والكِظامةُ: القناةُ الممتلئة ماءً، وكذا السِّقاية.
وأخذ بكَظَمه؛ أي: بمجرى نَفَسه، وكظَم خصمَه: أجابه بالمُسكِت فأفحمه.
وكَظْمُ الغيظِ: تجرُّعُه على القدرة على إمضائه.
والغيظُ: توقُّد حرارة القلب من الغضب، وقد تغيَّظَت الهاجرةْ إذا اشتدَّ حميُها؛ قال الأخطل:
لدن غُدْوةٍ حتى إذا ما تغيَّظَتْ هواجرُ مِن شعبانَ حامٍ أصيلُها (^٥)
وقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]؛ أي: من شدَّة الحرِّ، وقوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: ١٢]؛ أي: غليانًا.
_________________
(١) في (ر): "وقيل في العزة والذلة وفي الوجود"، وسقطت العبارة من (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "في".
(٣) في (ر): "سدها".
(٤) في (ر): "والكظم".
(٥) انظر: "ديوان الأخطل" (ص: ٢٨٣) (ط: دار الكتب العلمية)، و"تهذيب اللغة" (٨/ ١٥٧). وفي الديوان: "تقيظت".
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أقوامٌ يكظمون الغيظَ (^١) علمًا بأن ذلك بسبب جُرمهم، ويَشهدونهم بعين التَّسلُّط، وآخرون يكظمون الغيظ تحقُّقًا بأنَّ اللَّه يعلم ما يقاسون، فيَهون عليهم التَّحمُّل، وآخرون فنُوا عن أحكام البشريَّة، فوجدوا صافيَ الرَّاحات في الذُّلِّ؛ لأنَّ نفوسهم ساقطةٌ فانيةٌ، وآخرون ما شهدوا ذرةً من الأغيار من الأشياء (^٢)، فعلموا أنَّ المقدِّر هو اللَّه، فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير اللَّه، فانقادوا لحكمه، فأكرمهم ببرد الرِّضا (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾: أي: المتجاوزِين عن الجانين. وقيل: المسقِطين عن الغرماء المعسرين. وقال أبو العالية: أي: عن المملوكِين (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: هؤلاء محسنون، واللَّه يحبُّ المحسنين.
وقال ﵊: "الإحسانُ أنْ تعبدَ اللَّه كأنَّكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراكَ" (^٥).
وقال الضحَّاكُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] قال: كان يأسو (^٦) جرحاهم، ويداوي مرضاهم، ويجهِّز موتاهم (^٧).
_________________
(١) في "لطائف الإشارات": "أقوام يحملون على الخلق".
(٢) في "لطائف الإشارات": "من الأغيار في الإنشاء والإجراء".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٢٧٨).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٦٣).
(٥) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)، من حديث أبي هريرة ﵁. وقوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" من (ف).
(٦) أي: يداوي. ووقع في (ر) و(ف): "يواسوا".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٥٦).
[ ٤ / ٢٥٩ ]
وقال الحسن: الإحسان: أن يعمَّ ولا يخصَّ كالرِّيح والشَّمس والمطر (^١).
وقال الثَّوري: هو أن تُحسِن إلى مَن أساء إليك، فإن الإحسان إلى المحسِن متاجرةٌ كنقد السُّوق؛ خذ مني وهات (^٢).
وقال الفضيل بن عياض: الإحسان بعد الإحسان مكافأةٌ، والإساءة بعد الإساءة مجازاة، والإحسان بعد الإساءة كرمٌ وَجُودٌ، والإساءة بعد الإحسان لؤمٌ وشؤمٌ.
وقيل: الإحسان شرطٌ زائدٌ على هذه الصِّفات.
وحُكي أن خادمًا كان قائمًا على رأس الحسن بن علي وهو مع أضيافه على المائدة، فانحرفت قصعةٌ كانت في يد الخادم فسقط منه شيءٌ على الحسن، فنظر إليه مغضبًا تأديبًا له وتثقيفًا له (^٣)، لا تعظُّمًا وتجبرًا، فقرأ الخادم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، فنكس الحسن (^٤) رأسَه، فقال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، فتبسَّم الحسن (^٥) وقال: قد عفوتُ عنكَ، فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فقال: أنت حرٌّ لوجه اللَّه، وقد زوَّجتك فلانةَ فتاتي، وعليَّ ما يُصلحكما (^٦).
* * *
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٦٧).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٦٧).
(٣) في (ر): "وتعنيفا"، وليس في (ف). والمثبت من (أ)، وهو الصواب، فمِن المَجازِ: التَّثْقيفُ: التَّأديبُ والتَّهذيبُ، يقال: لولا تَثْقِيفُكَ وتَوْقِيفُك ما كنتُ شيئًا، وهل تَهَذبْتُ وتَثَقَّفْتُ إلا على يدكَ. انظر: "التاج" (مادة: ثقف).
(٤) "الحسن" من (ف).
(٥) في (أ): "إليه".
(٦) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧٩٦٤)، وفيه أن القصة جرت مع الحسين ﵁ وجارية.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
(١٣٥) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية، قال الحسن: هو معطوف على المذكورِين في الآية الأولى؛ أي: أُعدَّتِ الجنَّة لأولئك ولهؤلاء، إذا تابوا واستغفروا (^١).
وقيل: هو عطف على ما يليه، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية.
وقيل: هو استئنافٌ.
والفاحشةُ: ما بلغَ الغاية في القبح من المعاصي، ويقال للطويل المفرِط: إنه لفاحش الطول.
وقال الكلبيُّ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: الزِّنا، ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: ما دون الزِّنا من قُبلةٍ أو لمسةٍ أو نظرةٍ فيما لا يحلُّ (^٢).
وقيل: الفاحشة: الكبيرة، والظُّلم: ما دون ذلك.
وقيل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: هي بالأفعال، وقوله تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: هو بالأقوال.
وقيل: الفاحشةُ: الأقوال والأفعال، وظلم النَّفس: العقد والإضمار.
_________________
(١) روى عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٦٠)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٠) عن الحسن في الآيتين قال: (إن هذين النعتين نعت رجل واحد).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٦٩) عن مقاتل والكلبي.
[ ٤ / ٢٦١ ]
وقيل: الفاحشة: الفعلة الواحدة القبيحة، وقوله تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ هو الإكثار من الذُّنوب.
وقيل: الفاحشة: الفعلة القبيحة يفعلها العبدُ (^١) غيرَ عامدٍ، وظلم النَّفس: أن يتعمَّدها.
وقال إبراهيم النخعي: الفاحشة والظُّلم واحدٌ (^٢).
وعلى هذا (أو) بمعنى الواو؛ أي: فعلوا فاحشةً وظلموا أنفسهم بها (^٣)، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: بركونهم إلى أفعالهم، ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بملاحظة أحوالهم.
وقيل (^٤): فاحشةُ كلِّ أحدٍ (^٥) وظلمُه على حسَب حاله ومَقامه، وليس الجُرم على البساط كالذَّنب على الباب، وخطورُ المخالفات ببالِ الأكابر كفعلها من الأصاغر، قال قائلهم:
أنتَ عيني وليسَ مِن حقِّ عيني غمضُ أجفانها على الأقذاءِ (^٦)
_________________
(١) في (أ): "الرجل".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٢)، وابن المنذر في "تفسيره" (٩٣٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٦٤).
(٣) "بها" ليست في (ر).
(٤) في (أ): "وقال"، وفي "اللطائف": (ويقال).
(٥) في (ف): "واحد".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٢٧٩). والبيت لابن الرومي وهو في "ديوانه" (١/ ١٧)، وفيه: "غض" بدل "غمض".
[ ٤ / ٢٦٢ ]
قوله تعالى: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾: قيل: ذكروا أمرَ اللَّه بالتَّقوى.
وقيل: ذكروا نهيَ اللَّه عن المعصية.
وقيل: ذكروا أمر اللَّه بالتَّوبة والاستغفار.
وقيل: ذكروا وعد اللَّه بالتَّوبة والاستغفار، ووعيدَ اللَّه على الثَّبات والإصرار.
وقيل: ﴿ذَكَرُوا﴾؛ أي: دعوا اللَّه وذكروه بالثَّناء عليه، فالأوَّل بالقلب كما في قوله: ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، والثَّاني باللِّسان ثناءٌ ودعاءٌ.
وقال مقاتلٌ: الذِّكر هاهنا ذكرُ القلب، وهو خوف العبد من قيامه بين يدي اللَّه تعالى يوم الحساب.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: سألوا اللَّه أن يغفر ذنوبهم.
ولام ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ بمعنى: لأجْل ذنوبهم، فأمَّا الصِّلة لهذا الفعل، فإنَّه يُقال: غفرَ اللَّه لفلانٍ ذنبَه، فتوصَل اللَّام بالمذنِب لا بالذَّنب؛ لأنَّ المغفرة هي السَّتر، وهو متعدٍّ، واللَّام في الذَّنب (^١) على معنى أنَّه فُعل ذلك له.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي، وهو تعجيبٌ من ترك المؤمنين الاستغفار مع علمهم أنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا اللَّه، ولا يؤمَن العقاب عليها إلَّا بمغفرة اللَّه.
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾: عطفٌ على قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾، واعترَضَ بينهما كلامٌ تامٌّ، وهو من محاسن الكلام.
والإصرارُ: الثَّبات والدَّوام.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "المذنب".
[ ٤ / ٢٦٣ ]
قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا فَعَلُوا﴾؛ أي: من الفاحشة والظُّلم.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: قال الحسين بن واقدٍ: قال عبد اللَّه بن عبيد بن عمير: أي: وهم يعلمون أنَّه لا يغفرُ ذنوبَهم إلَّا اللَّه (^١).
وقال الحسين بن الفضل: وهم يعلمون أن لهم ربًّا يغفر الذُّنوب (^٢).
قال النبيُّ -ﷺ-: "مَنْ أذنبَ ذنبًا، وعلم أن له ربًّا يغفر الذُّنوب ويأخذ بها، غفر له وإن لم يَستغفر" (^٣).
وقيل: وهم يعلمون أنَّ الرُّجوع خيرٌ من الإصرار.
وقيل: وهم يعلمون أنه معصيةٌ.
* * *
(١٣٦) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارةٌ إلى الذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم استغفروا اللَّه تعالى
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٦٧).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٧٠).
(٣) رواه الطبراني في "الأوسط" (٤٤٧٢) من حديث ابن مسعود ﵁، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢١١): فيه إبراهم بن هراسة وهو متروك. قلت: وهو مخالف لما رواه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨)، من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظ مسلم: عن النبي -ﷺ- فيما يحكي عن ربه ﷿، قال: "أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب. . "، وفيه بعد الثالثة: "اعمل ما شئت فقد غفرت لك".
[ ٤ / ٢٦٤ ]
على صدق التَّوبة، فقد سوَّى بين المذنبين التَّائبين وبين المتَّقين المحسِنين في هذه الآيات، فقد قال في حقِّ أولئك: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾، وقال في حقِّ هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾، وهذا فضلٌ من اللَّه؛ حيث جعل للعبد المتخلِّف أنْ يتداركَ حالَه ويُلحِقَ بالسَّابقين نفسَه.
قولهتعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: أي: ما أثابهم اللَّه تعالى به من نعيم الجنان هو في غاية الفضل والشرف والحُسن؛ فإنَّه لا يَتنغَّص ولا يَنتقِضُ (^١) ولا يحول ولا يزول.
وقيل: نِعْمَ ما جازاهم اللَّه تعالى على التَّوبة، فليس أحدٌ أذنب إلى خلقٍ ثم ندم يجزيه مثلَه.
وقال الحسن: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: عملوا قليلًا ونعِّموا طويلًا.
وقوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ حثٌّ على العمل.
وأوحى اللَّه تعالى إلى موسى ﵇: ما أقلَّ حياءَ مَن يطمع في جنَّتي من غير (^٢) عملٍ، ياموسى، كيف أجود برحمتي على مَن يبخل بطاعتي (^٣)؟!
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أوحى اللَّه إلى موسى ﵇: يا موسى (^٤)، قل للظَّلَمة حتَّى لا يذكروني، فإنِّي أوجبْتُ أنْ أذكرَ مَن ذكرَني (^٥)، وذكري للظَّلمة باللَّعنة (^٦).
_________________
(١) في (ف): "لا يتبعض ولا يتنقص".
(٢) في (أ) و(ف): "بغير" بدل: "من غير".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ١٧٠).
(٤) "يا موسى" ليس في (أ) و(ف).
(٥) في (ف): "يذكرني".
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٢١) عن سفيان بن عيينة بلاغًا.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
وقال اللَّه تعالى لظَلَمة هذه الأمَّة: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: بالتَّبرِّي من حركاتهم وسكناتهم، علمًا منهم أنَّه لا وسيلة إليه إلَّا به، فخلَّصهم مِن ظلمات نفوسهم؛ فإن رؤية الأفعال ظلماتٌ عند ظهور الحقائق.
ومن طهَّره اللَّه بنور العناية صانه عن التَّورط في مغاليط البشريَّة، وردَّه إلى شهود الربوبيَّة بما سبق له من الحسنى في سابق القسمة (^١).
وقال الكلبيُّ في نزول هذه الآية: إنَّ رجليَنْ أحدهما أنصاريٌّ والآخر ثقفيٌّ آخى رسولُ اللَّه بينهما، فخرج الثَّقفيُّ في غزاةٍ، واستخلف الأنصاريَّ على أهلِه، فاشترى لهم اللَّحم، فلمَّا أرادَتِ المرأة أن تأخذ منه اللَّحم دخل على أثرها، فدخلت المرأة بيتًا، فتبعها فاتَّقته بيدها، فقبَّل يدها، ثم ندم ووضع التُّراب على رأسه، وخرج وهام على وجهه.
وفي روايةٍ: أقبلَ ذات يوم وهي تغتسل في بيتها ناشرةً شعرَها، فوقع في نفسه، ودخل الدَّار من غير استئذانٍ، فانتهى إليها، وهمَّ أن يمسَّها، فوضعَتْ كفَّها على وجهها، فقبَّل كفَّها، ثم استحيى وندم، وقالت المرأة (^٢): سبحانَ اللَّه! خنْتَ أمانتكَ، وعصيْتَ ربَّك، ولم تُصِبْ (^٣) حاجتك، فخرج هائمًا في الجبال.
وقفل رسولُ اللَّه وأصحابه من الغزو، وجعل الرَّجل يتلقَّاه أبوه وعمُّه وابن عمِّه، ولم يرَ الثَّقفيُّ أخاه، فأجزعه ذلك، فلمَّا انتهى إلى أهله قال: أخبِروني ما فعل أخي؟ فقالت: لا أكثر اللَّه في (^٤). . . . . . .
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٢٧٩).
(٢) "المرأة" ليس في (أ) و(ت).
(٣) في (ر): "تقض".
(٤) في (ف): "من".
[ ٤ / ٢٦٦ ]
الإخوان مثلَه. وأخبرته بخبره، فمضى الثَّقفيُّ (^١) إلى الأنصاريِّ على راحلته ولم ينزل.
وخرج يطلبه في الجبال، حتى دُلَّ (^٢) عليه فوجده ساجدًا يبكي، ويقول: ربي، ذنبي، قد خنْتُ أخي، وظلمْتُ نفسي.
فقال الثَّقفيُّ للأنصاريِّ: قمْ يا أخي وارجع إلى المدينة، فلعلَّ اللَّهَ يجعل لك مخرجًا.
فقدم المدينة ودخل على أبي بكر الصديق ﵁ وسأله عن صنيعه، فقال: لعلَّها امرأة غازٍ؟ قال: نعم. قال: أما علمْتَ أن اللَّه تعالى يغار للغازي في سبيله ما لا يغار للجالس في بيته، لا توبة لك. فخرج من عنده، ودخل على عمر ﵁، فسأله عن ذلك، فردَّ عليه عمر مثل ذلك. فخرج من عنده ودخل على عليٍّ ﵁، فسأله عن ذلك، فردَّ عليه مثل ما ردَّا عليه (^٣). فخرج وهو يقول: يا ويلاه، يا ويلاه، لم أجد عند أحدٍ من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فرجًا.
وأتى رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقام على الباب، ثم هتفَ: يا رسولَ اللَّهِ، المذنبُ المذنبُ. فقال ﵇ لسلمانَ وهو عندَه: "اخرج فانظر مَن هو؟ "، فخرج سلمانُ، فسأل عن ذنبه، فأخبره، فرجع سلمان إلى رسول اللَّه فأخبره بذلك، فقال النبيُّ -ﷺ-: "ائذن له"، فأذن له، فدخل فسأله مثلَ ما سأل أصحابَه، وردَّ عليه رسولُ اللَّه -ﷺ- مثلَ ما ردَّ عليه (^٤) أصحابُه.
_________________
(١) "الثقفي" من (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "دخل".
(٣) في (ر): "مثل ما رد عليه عمر".
(٤) "عليه" ليس في (أ) و(ف).
[ ٤ / ٢٦٧ ]
فخرج وهو يقول: يا ويلاه، لم أجد عند رسول اللَّه -ﷺ- مخرجًا (^١)، فخرج يصيح، فجعل لا يمرُّ على حجرٍ ومدرٍ (^٢) ولا سهلٍ إلَّا تجرَّد وتمرغ عليه، حتى إذا كان ذات يومٍ عند العصر نزل عليه جبريل بتوبته وعذَره بهذه الآية، فدعاه رسول اللَّه -ﷺ-، وقرأها عليه، فحمد اللَّه تعالى (^٣).
وقال عطاء: نزلت في أبي مقبل بن نبهان التمَّار، أتته امرأةٌ جميلةٌ تبتاع التَّمر، فضرب عجُزها، فقالت: واللَّه ما حفظتَ غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك. فسُقط في يده، ثم أتى أبا بكر كما حكى في الأولى، إلى أن أتى النبيَّ -ﷺ- فقال له: "أو ما علمت أن اللَّه تعالى يغضب للغزاة كما يغضب للمرسَلين"، فقام ثلاثة أيامٍ صائمًا، ونزلت الآية في اليوم الرابع (^٤).
_________________
(١) في (أ): "فرجا".
(٢) "ومدرٍ" ليس في (أ) و(ف).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣٠١ - ٣٠٢)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١٦٨)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٣ - ١٢٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٦)، و"العجاب في بيان الأسباب" (٢/ ٧٥٦ - ٧٥٧). ولم يذكر له أحد طريقًا سوى طريق مقاتل والكلبي، وكلاهما لا تصح روايته.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ١٦٨)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٦)، وروى نحوه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٦٤٧٣). قال ابن حجر في "الإصابة" (٦/ ٣٣٠): (ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره، عن الضّحاك، عن ابن عباس، وهكذا أخرجه عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره، عن موسى بن عبد الرّحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مطوّلا). قلت: ورواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٦٤٧٣) من طريق عبد الغني بن سعيد بهذا الإسناد. ثم قال الحافظ: (ومقاتل متروك، والضّحاك لم يسمع من ابن عباس، وعبد الغني وموسى هالكان. وأورد هذه القصّة الثّعلبيّ، والمهدويّ، ومكي، والماورديّ في تفاسيرهم بغير سند، لكن ذكر قتادة بعضَ هذا مختصرًا).
[ ٤ / ٢٦٨ ]
وقيل: هي في الطَّائفتين إذ همَّتا أن تفشلا، فأُمرتا بالاستغفار.
وقيل: هي في الرُّماة الَّذين تركوا المركز، وفي المنهزمين يوم أحدٍ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٥].
* * *
(١٣٧) - ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: أي: مضَتْ.
وقال الزَّجَّاجُ: هاهنا مضمرٌ، وتقديرُه: قد خلَتْ من قبلكم أهلُ سُننٍ؛ أي: طرائقَ في الشَّرِّ فانظروا كيف كان عاقبتهم، والسُّنّة: الطَّريقة (^١).
وقد سنَّ سُنَّةً؛ أي: وضع طريقةً تسلك؛ قال لبيد:
مِنْ مَعْشَرٍ سنَّتْ لهم آباؤُهُمْ ولكلِّ قومٍ سُنَّةٌ وإمامُها (^٢)
وقيل: هي على ظاهرِها، وسُننُ اللَّهِ: معاملات اللَّه فيهم، فالآية (^٣) في شأن أهل أُحُد، ومعناها: قد مضَتْ سُننٌ في المؤمنين والكافرين؛ أنَّ الكفَّار وإن نالوا من المؤمنين بعض النَّيل امتحانًا للمؤمنين فإنَّ العاقبة للمؤمنين؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩].
قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: في بلاد ثمودَ ولوطٍ وشعيبٍ وغيرهم.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٧٠).
(٢) البيت من معلقته. انظر: "ديوان لبيد" (ص: ١١٦).
(٣) في (أ) و(ف): "والآية".
[ ٤ / ٢٦٩ ]
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ رسلي وأوليائي. كان مِن الكفَّار إيذاؤهم والإضرارُ بهم، ثم هلكوا ونجا الأولياءُ.
وقال مجاهد: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ من كفَّارٍ ومؤمنين، وخيرٍ وشرٍّ (^١).
وقيل: معناه: قد خلت من قبلكم سننٌ بالغلبة للأولياء تارةً وللأعداء أخرى (^٢)، ولو كان الظَّفر كلَّ مرَّةٍ للمؤمنين لصار (^٣) الإيمان ضروريًّا.
وقيل: هو تنبيهٌ لأهل عصر النبيِّ -ﷺ- وحثٌّ لهم على طاعة الرَّسول، وزجرٌ عن مخالفته؛ اعتبارًا بمن صدَّق الرُّسل الماضين ومَن كذَّبهم.
وقال جعفر بن محمَّد: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: تفكَّروا في القرآن يخبرْكم عمَّا كان، فيصير كأنَّكم سرتم واطَّلعتم على ذلك بالعيان (^٤).
* * *
(١٣٨) - ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: قال محمَّد بن إسحاق: أي: هذا الَّذي ذكرتُ لكم من سُنَني (^٥) في الماضين بيانٌ لكم وللكفَّار لِمَا يؤول إليه عاقبة أموركم، وهدًى لكم إلى الثَّبات على الحقِّ، وهدًى للكفار إلى قَبول الحقِّ،
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٧١)، وابن المنذر في "تفسيره" (٩٤٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٦٨).
(٢) في (ر) و(ف): "تارة".
(٣) في (ر): "لكان".
(٤) في (ر): "على ذلك بالبيان". وليست العبارة في (ف).
(٥) في (ف): "سنتي".
[ ٤ / ٢٧٠ ]
وموعظةٌ لكم في إزالة الضَّعف عن قلوبكم بما نالكم من المشركين (^١).
وخصَّ المتَّقين بهما لاختصاصهم بالانتفاع بهما، فالبيان للعامة، والاهتداء والاتِّعاظ للمتَّقين خاصَّةً (^٢). ودل هذا على أن البيان غير الهدى.
وقال قتادة والحسنُ: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾ إشارةٌ إلى القرآن (^٣).
وقال الشَّعبيُّ: بيانٌ من العمى، وهدًى من الضَّلالة، وموعظةٌ من الجهل (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بيانٌ لقومٍ من حيث أدلَّةُ العقول، ولآخرين من حيث مكاشفات القلوب، ولآخرين من حيث تجلِّي الحقِّ في الأسرار والغيوب (^٥).
* * *
(١٣٩) - ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: الوهنُ: الضَّعفُ، والإيهانُ والتَّوهينُ: الإضعافُ؛ قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]، قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (^٦).
_________________
(١) روى الطبري في "تفسيره" (٦/ ٧٥)، وابن المنذر في "تفسيره" (٩٤٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٦٩) عن ابن إسحاق قال في الآية: "هذا تفسير للناس إن قبلوه".
(٢) في (أ): بتكرير "خاصة".
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٦/ ٧٤)، ورواه ابن المنذر في "تفسيره" (٩٤٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٦٩) عن قتادة.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٦٦)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٧٥)، وابن المنذر في "تفسيره" (٩٤٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٦٩).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٢٧٩).
(٦) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (مُوَهِّنٌ) بفتح الواو وتشديد الهاء منونة، وقرأ ابن عامر وحمزة =
[ ٤ / ٢٧١ ]
يقول: لا تَضعُفوا عن قتال هؤلاء بعدأن نبَّهتكم على ما حلَّ بأمثالهم من المكذِّبين.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: أي: لا تهتمُّوا لِمَا أصابكم من الجراح، والنَّقصِ في المال، والمصيبةِ في الإخوان، فذلك كلُّه تمحيصٌ ودرجاتٌ.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: أي: الأرفعون درجةً بالإسلام، فلا ينبغي للأعلى أن يضعف في مقابلة الأدنى.
وقيل: أي: أنتم الأعلون بالحجَّة، والمحقُّون في هذه المقاتَلة.
وقيل: أي: لكم الظَّفر واليد في العاقبة، وهذا وعدٌ لهم بالنَّصر.
وقيل: أنتم الأعلون عليهم بما ذكر: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: اليوم، ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] يعني: يومَ بدرٍ.
وقيل: هذا وعد (^١) معلَّقٌ بالشَّرط الَّذي بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إن دمْتُم على إيمانكم فلكمُ العلوُّ عليهم بالظَّفر وغير ذلك.
وقيل: أنتم الأعلون في الجنَّة إذا استُشهدتم.
وقيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ بمعنى: إذ كنتم.
وقيل: هو على الشَّرط، ومعناه: إن كنتم مصدِّقين باللَّه فذاك يدعوكم إلى أن لا تهنوا ولا تحزنوا في قتال عدوِّه.
_________________
(١) = والكسائي وأبو بكر عن عاصم: (مُوْهنٌ) ساكنة الواو منونة (كيدَ) نصب، وروى حفص عن عاصم: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ مضافًا خفيفا بتسكين الواو وكسر الهاء وضم النُّون من غير تنوين وكسر الدَّال من ﴿كَيْدِ﴾. انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٣٠٠٤)، و"التيسير" (ص: ١١٦).
(٢) في (ف): "هو" بدل: "هذا وعدٌ".
[ ٤ / ٢٧٢ ]
وقال بعضهم: أي: أنتم الأعلون وقيل: أي: المنصورون (^١).
وقيل: أي: الأعلون في الدُّنيا والآخرةِ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾: إذا قلْتُم باللَّه وصُلْتُم باللَّه فلا ينبغي أن تخافوا غيرَ اللَّه.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ فإنَّ النَّصر من عند اللَّه، والغالب هو اللَّه، ولا شيء ممَّا سوى اللَّه، ومَن سوى اللَّه (^٢).
وعاد الكلام في هذه الآيات إلى قصة أُحُدٍ الَّتي افتُتحت بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]، واعترض بينهما كلامٌ آخرُ من وجهٍ آخر في الظَّاهر، ويمكن الوصل بينهما في هذه القصَّة من الوجه الذي أشرنا إليه، فيصير كلُّه على سَنَنٍ واحدٍ.
وقصَّتُه: ما قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: لَمَّا أصيب أصحاب بدرٍ، وكانت وقعةُ بدرٍ في شهر (^٣) رمضان لسبعَ عشرةَ ليلةً خلَتْ من عام اثنين من الهجرة (^٤)، ووقعة أُحُدٍ في شوال لثماني عشرة ليلة خلَتْ من عام ثلاث من الهجرة (^٥)، ورجع أبو سفيان بعِيرهم إلى مكَّة = مشى عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزوميُّ وعكرمة بن أبي جهل في رجالٍ ممَّن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم، فكلَّموا أبا سفيان
_________________
(١) "وقال بعضهم: أي: أنتم الأعلون وقيل: أي: المنصورون" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (وقال بعضهم: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي: المنصورون).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٢٨٠).
(٣) "شهر" ليس في (ف).
(٤) في (أ) و(ر): "سنة سبع عشرة" بدل: "لسبع عشرة ليلة خلت من عام اثنين من الهجرة".
(٥) في (أ) و(ر): "سنة ثماني عشرة" بدل: "لثماني عشرة ليلة خلت من عام ثلاث من الهجرة".
[ ٤ / ٢٧٣ ]
ومَن (^١) كان له مال (^٢) في تلك العير [فقالوا]: يا معشر قريش، إنَّ محمَّدًا قد وتركم، وقتل أخياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه؛ لعلنا ندرك بعض ما أصاب منَّا. ففعلوا (^٣).
قال الواقديُّ: وكانت العير ألف بعيرٍ، وكان المال خمسين ألفًا من الدَّنانير، وكانوا يربحون (^٤) في تجارتهم للدِّينار دينارًا (^٥).
وخرج كعب بن الأشرف حتى قدم مكَّة، فوضع رحله عند المطَّلبِ بن وَداعة السَّهْمي وبكى على قتلى قريش من أصحاب القَليب.
فأجمعت (^٦) قريش على السير إلى أحدٍ، وكان أبو عزَّةَ عمرُو بن عبد اللَّه الجُمحيُّ أخذه رسول اللَّه -ﷺ- يوم بدرٍ أسيرًا، فقال: إني ذو بناتٍ فامْنُنْ عليَّ، فمَنَّ رسولُ اللَّه -ﷺ-، فقال له صفوان بن أمية يوم أحد: إنك شاعرٌ فأَعِنَّا بلسانك واخرج معنا، فقال له (^٧): إن محمدًا قد مَنَّ عليَّ، وإني (^٨) لا أريد أن أظاهر عليه أحدًا.
_________________
(١) في الأصول الثلاتة: "فكلموا أبا سفيان فقال كل من"، والمثبت من المصادر.
(٢) "مال" من (أ). وفي المصادر: (ومن كان له في تلك العير تجارة).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٧٣)، وابن المنذر في "تفسيره" (٨٦١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٩٨)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٢٢٤)، جميعهم عن ابن إسحاق يرويه عن أشياخه الزهري وغيره، وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٦٠)، وما بين معكوفتين من هذه المصادر.
(٤) في (ر) و(ف): "وكان يزكون".
(٥) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٢٠٠).
(٦) في (أ) و(ف): "فاجتمعت".
(٧) "له" من (أ).
(٨) "إني" ليس في (ف).
[ ٤ / ٢٧٤ ]
فقال له صفوان: أعنَّا بلسانك، فإنَّ لك عليَّ إنْ رجعنا أنْ أُغْنِيَك، وإنْ أُصبتَ أنْ أجعل بناتي مع بناتك، فخرج معهم يدعو الناس ويقول الشعر.
ودعا جبيرُ بن مطعِمٍ غلامَه الوحشيَّ (^١) فقال: إن قتلتَ حمزةَ عمَّ محمد فأنت حرٌّ.
فخرجت قريشٌ بالظعائن، وكان أبو سفيان يومئذٍ قائد قريشٍ، فخرجوا وهم ثلاثة آلاف رجلٍ فيهم مئة رجلٍ من ثقيف ومعهم سلاحٌ كثيرٌ، وقادوا مئتي فرسٍ، وفيهم سبعُ مئة دارعٍ (^٢)، وثلاثة آلاف بعيرٍ.
وخرج أبو سفيان معه بهندٍ بنت عتبة، وخرج عكرمةُ ببرةَ بنتِ أبي جهلٍ (^٣)، وخرج صفوان بن أمية ببرزةَ بنت مسعودٍ، وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبِّه (^٤)، وخرج طلحة بن أبي طلحة بسلافة بنت سعد، وخرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة.
وكانت هندٌ كلما رأت وحشيًّا قالت: يا (^٥) أبا دَسْمةَ، اشْفِ واسْتَشْفِ.
فخرجوا حتى نزلوا ببطن السبخة على شفير الوادي مما يلي المدينة.
فلما سمع رسول اللَّه -ﷺ- بهم قال: "رأيتُ في المنام كأني لبستُ درعي الحصينة (^٦) فأوَّلْتُها المدينةَ"، وكره (^٧) الخروج إليهم.
_________________
(١) في (ف): "وحشي".
(٢) في (أ): "دراع".
(٣) كذا ذكر المؤلف، وفي السيرة وغيرها: (بأم حكيم بنتِ الحارثِ بنِ هشامِ). وأم حكيم هي زوج عكرمة وابنة عمه.
(٤) في (أ): "مُنْيَة".
(٥) "يا" ليس في (أ).
(٦) كذا قال، والذي في المصادر: (رأيت أنّي [وعند بعضهم: كأني] أدخلت يدي في درع حصينة).
(٧) في (ر) و(ف): "فكره".
[ ٤ / ٢٧٥ ]
فقال عبد اللَّه بن أُبيٍّ: لا تخرج إليهم يا رسول اللَّه، فواللَّه ما خرجنا إلى عدوٍّ لنا قط إلا أصاب منَّا، ولا دخل علينا إلا أصبناه، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ محبس، وإن دخلوا إلينا قاتلهم الرجال ورماهم النساء والصبيان بالحجارة فيرجعون خائبين.
فقال رجالٌ من المسلمين ممن أراد اللَّه تعالى أن يكرمهم بالشهادة: اخرج بنا إليهم لا يرون أنَّا جَبُنَّا عنهم.
فلبس رسول اللَّه -ﷺ- لَأْمته وتعمَّم، وتقلَّد السيف، وألقى الترس في ظهره، وأخذ القناة بيده، وخرج إليهم مع الناس في ألفِ رجلٍ منهم مئة دارعٍ.
حتى إذا كانوا بالشوط رجع ابن أبيٍّ بثلث الناس وقال: أطاعهم وعصاني، واللَّه ما ندري ما نقتل أنفسنا؟ ثم انصرف وتبعه [عبد اللَّه بن] عمرو بن حرام فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ الآية (^١).
فمضى رسول اللَّه -ﷺ- بأصحابه، وكان خروج النبي -ﷺ- بعد العصر يومَ الجمعة، فسلك حَرَّةَ بني حارثة، فذبَّ فرسُ بُردةَ بنِ أبي نِيَارٍ بذَنَبه فأصاب قائمةَ سيفِه، فاستلَّه فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "شِمْ سيفَك فإنِّي أرى السيوف ستُسلُّ اليوم"، وكان ﵇ يحب (^٢) الفأل.
فقال: "مَن يخرجُ بنا من كثيبٍ في طريق الحَرَّة مخالِفةٍ عنهم (^٣) "؟ فقال أبو خيثمةَ أخو بني حارثةَ: أنا يا رسول اللَّه، فخرج بهم حتى سلك ماءً لمربعٍ وكان منافقًا
_________________
(١) "الآية" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "يستحب الفأل" بدل: "يحب القتال".
(٣) في (أ): "لمخالفة عنه"، وفي (ت): "بمخالفة عنهم". والذي في المصادر: "مَن رجلٌ يَخْرجُ بنا على القومِ مِن كثَبٍ -أي: مِن قُربٍ- مِن طريقٍ لا يَمرُّ بنا عليهم؟ ". انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٦٥)، و"تاريخ الطبري" (٢/ ٦١)، و"تفسير ابن المنذر" (٨٦١).
[ ٤ / ٢٧٦ ]
ضرير البصر، فلمَّا سمع حسَّ رسول اللَّه -ﷺ- ومَن معه قام يحثو التراب في وجوههم ويقول: إن كنتَ رسول اللَّه فإني لا أرضى أن تدخل حائطي.
فضربه سعدُ بن زيد بالقوس فشجه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "هذا أعمى القلب"، ثم خرج حتى نزل بالشعب من أحدٍ في سبعِ مئة رجلٍ، فأمَّر (^١) عبدَ اللَّه بنَ جبير أحد بني عمرو بن عوف على الرماة وهم خمسون رجلًا، فقال: "انضَحْ عنا الخيل بالنَّبل لا يأتوننا من خلفنا، وإن كانت علينا أو لنا فاثبت مكانك"، وظاهَرَ بين درعين، وجعل ظهره إلى أحد، وقال: "لا تقاتلوا حتى آمركم بالقتال".
وسرَحت قريش بالظَّهر والكراع، وتهيَّأ رسول اللَّه -ﷺ- للقتال، وقال: "مَن يأخذ هذا السيفَ بحقِّه ويضربُ العدو حتى ينحني؟ "، فأخذه أبو دجانة وكان رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب، فلما أخذ السيف اعتمَّ بعمامةٍ حمراء وجعل يتبخترُ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنها لمشيةٌ يبغضها اللَّه تعالى إلا في هذا الموضع" (^٢).
وكان مع قريشٍ مئتا فرسٍ (^٣)، وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، وعلى الخيل صفوان بن أمية.
وقال أبو سفيان: يا بني عبد الدار، إنما يؤتى الناس من قِبَل راياتهم، فإما أن تَكْفُونا لواءنا وإمَّا أن تخلُّو بيننا وبينه حتى نكفيَكُموه، فقالوا: ستعلم إذا الْتقينا كيف نصنع (^٤).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وأمَر".
(٢) الخبر ورد عن ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٦٦ - ٦٩)، وأصله في "مسند أحمد" (١٢٢٣٥)، و"صحيح مسلم" (٢٤٧٠) من حديث أنس ﵁.
(٣) في (أ) و(ف): "فارس".
(٤) في (ر): "ما نصنع".
[ ٤ / ٢٧٧ ]
وكانت هندٌ بنتُ عتبةَ في صواحباتها أخذن (^١) الدُّفوف حين حميت الحرب يضربن بها ويقلن:
نحن بناتُ طارقْ نمشي على النَّمارقْ
إنْ تُقْبِلوا نعانِقْ ونَفْرش النَّمارقْ
أو تُدْبِروا نُفارِقْ فراقَ غيرِ وامقْ (^٢)
وكان أبو عامرٍ عبدُ عمرِو بن صيفيٍّ أولَ مَن لقيهم بالأحابيش (^٣) وعبيدِ أهل مكة، فقاتلهم قتالًا شديدًا حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة، وقتل علي بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو كبش الكتيبة وهو يحمل لواء قريشٍ.
وأخذ اللواء من بعده عثمان بن أبي (^٤) طلحة فقتله حمزة، ثم أخذه أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص بسهمٍ فمات مكانه، وأخذ اللواء بعده مسافع بن طلحة فقُتل، وقتل الحكم بن الأخنس، وعبد اللَّه بن حميد، وأبو أمية بن حذيفة (^٥).
ورمى عاصمُ بن ثابتٍ بن [أبي] الأقلح الأنصاريُّ مسافعَ بن طلحة فقال: خذها وأنا ابن الأقلح، وكذلك فعل بأخيه الحارث بن طلحة، فأتته أمه سلافةُ فقالت: مَن رماك يا بني؟ قال سمعت رجلًا رماني وهو يقول: خذها وأنا ابن [أبي] الأقلح، فنذرتْ لئن أَمْكنَها اللَّه من رأس عاصم أن تشرب في قَحْف رأسه خمرًا، وجعلت لمن جاء به مئةً من الإبل.
_________________
(١) في (أ): "أخذت".
(٢) الوامق: المُحب. وهذا الرجز يقال: إنه لهندٍ بنت طارق بن بَيَاضةَ الإياديةِ، قالته في حرب الفرس لإياد، وتمثلت به هند بنت عتبة. انظر: "اللسان" (مادة: طرق).
(٣) في (ف): "من الأحابيش".
(٤) "أبي" ليس في (أ).
(٥) في (أ): "وأبو حذيفة" بدل: "وأبو أمية بن حذيفة".
[ ٤ / ٢٧٨ ]
وأُخذ أبو عزَّةَ الشاعرُ فأُتي به رسولُ اللَّه -ﷺ- فضرب عنقه، وقال: "لا تمسح خديك بين الصفا والمروةِ وتقول: خدعت محمدًا مرتين".
وأنزل اللَّه نصره؛ قال (^١) الزبير بن العوام: فرأيت هندًا وصواحباتها هارباتٍ.
فلما نظرتِ الرماةُ إلى القوم قد انكشفوا أقبلوا يريدون النهب والغنائم، وخلَّوا ظهور المسلمين بحيال المشركين، فأتاهم خيل المشركين من خلفهم، فصرخ صارخٌ -ويقال: كان ذلك إبليس-: ألا (^٢) إن محمدًا قد قُتل، فانكفَّ (^٣) الناس، وكان لواء المشركين يومئذٍ مع عبدٍ لبني عبد الدار يقال له: صُؤابٌ الحبشي، فقطعت يده، فأخذ اللواء بصدره وعنقه فقتل.
وكان لواء رسول اللَّه -ﷺ- يومئذٍ ويوم بدرٍ مع مصعب بن عمير أحدِ بني عبد الدار، فقُتل يوم أحد وأَخذ اللواء من بعده عليُّ بن أبي طالب ﵁ وكانت الراية تسمى العقاب، وكان النبي -ﷺ- يقعد تحتها، فانكشف المسلمون وأصاب (^٤) منهم القوم.
وكان المسلمون أثلاثًا: ثلثٌ قتيلٌ، وثلثٌ جريحٌ، وثلثٌ مهزومٌ.
وقال قتادة: قُتل من الصحابة سبعون: ستةٌ وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين (^٥).
وقال الواقدي: وثبت رسول اللَّه -ﷺ- ومعه أربعةَ عشر رجلًا؛ سبعةٌ من المهاجرين:
_________________
(١) في (ف): "فقال".
(٢) "ألا" ليس في (أ).
(٣) في (ف): "فانكفأ".
(٤) في (أ): "فأصاب".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٥٠).
[ ٤ / ٢٧٩ ]
أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة وأبو عبيدة والزبير (^١)، وسبعةٌ من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأُسيد بن الحُضير، وسعد بن معاذ -ويقال: سعد بن عبادة- كلهم يقولون: نَفْسي دون نَفْسِك.
وذبَّ مصعب بن عميرٍ عن رسول اللَّه -ﷺ- حتى قُتل دونه، قتله عبد اللَّه بن قَمِئةَ الليثيُّ، فرجع وهو يُرى أنه قتل النبيَّ -ﷺ-، وقال: إني قتلت محمدًا، يرى أن مصعبًا (^٢) رسول اللَّه -ﷺ- (^٣).
ثم خلصوا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقذفوه بالحجارة حتى وقع لشقه وأصيبت رَبَاعِيَته وكُلمت شفتُه وأصيبت وجنته، فقال: "مَن يَشْرِي لنا نَفْسَه؟ "، فقال زياد بن السَّكَن الأنصاريُّ (^٤): أنا.
وترَّس أبو دجانةَ نفسَه دون رسول اللَّه -ﷺ-، فوقع النَّبْل الكثيرُ في ظهره.
وخرج حمزةُ وسِباعُ بنُ عبد العُزَّى وكان يكنى: أبا نِيَار، فضربه حمزة فقتله.
قال وحشيٌّ: وأنا أنظرُ إليه، فهزَزْتُ حربتي ورميتُه بها، فوقعت في ثُنَّته (^٥) ثم خرجت من بين رجليه فوقع، ووقعت هندٌ والنسوة يمثِّلن بالقتلى.
وأقبل أبو سفيانَ حين أراد الانصراف فصرخ بأعلى صوته: اُعل هبلُ -فوق ذروة
_________________
(١) "والزبير" ليس في (أ)، وقد ذكره الواقدي في "المغازي" (١/ ٢٤٠) في السبعة المذكورين، لكنه لم يذكر فيهم عمر ﵁.
(٢) بعدها في (ر): "مثل".
(٣) "يرى أن مصعبًا رسول اللَّه -ﷺ-" ليس في (ف).
(٤) "الأنصاري" من (أ).
(٥) في (أ): "أنثييه"، وفي (ر) و(ف): "أليته"، والصواب المثبت، كما رواه البخاري (٤٠٧٢).
[ ٤ / ٢٨٠ ]
الجبل (^١) - يومٌ بيوم بدرٍ (^٢)، فقال رسول اللَّه -ﷺ- لعمر: "أَجِبْه" فقال: اللَّه أعلى وأجلُّ، لا سواءَ، قتلانا في الجنة ينعَّمون (^٣) وقتلاكم في النار يعذَّبون. فقال له أبو سفيان: هلمَّ إليَّ يا عمر، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "ائته"، فقام عمر إليه، فقال أبو سفيان: أَنشُدكَ [اللَّه] (^٤) يا عمر، هل قتلنا محمدًا؟ فقال: لا، وإنه ليسمع كلامك، قال: أنت عندي واللَّه أصدقُ من ابن قمئة، زعَم أنه قتَله، وقال أبو سفيان: إنه كان في قتلاكم مُثُلٌ واللَّه ما رضيتها ولا أمرتُ بها -وفي روايةٍ: لم اَمُرْ بها ولم تَسُؤْني (^٥) - وقد (^٦)
_________________
(١) قوله: "فوق ذروة الجبل"، كذا ذكر المؤلف، فإن أراد أنه من كلام أبي سفيان فإنه لم يرد في مصدر من المصادر التي وقفنا عليها على كثرتها، ومنها "صحيح البخاري" (٣٠٣٩) و(٤٠٤٣) من حديث البراء. وإن أراد أنه قال ذلك وهو على ذروة الجبل، فله وجه استنادًا لما جاء في "سيرة ابن إسحاق" (٣/ ٣١٢): (ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف علا الجبل ثم صرخ بأعلى صوته). لكنه مخالف لما روي عن ابن عباس ﵄ من أنه صاح بهذا الكلام وهو في أسفل الجبل، رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٦٠٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٠٥١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٨٦ - ٧٨٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣١٦٣). وفي "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٩٣): (أشرف على الجبل ثم صرخ. .)، وفي "مغازي الواقدي" (١/ ٢٩٦): (فأَشرَفَ على أصحاب النبي -ﷺ- في عُرْضِ الجبل فنادَى بأعلَى صوتِه. .).
(٢) في (أ): "يوم بيوم أحد بيوم بدر"، وفي (ر) و(ف): "يوم بيوم أحد ببدر". وكلاهما خطأ، والتصويب من "صحيح البخاري" وغيره من المصادر.
(٣) في (ر) و(ف): "يتنعمون".
(٤) ما بين معكوفتين من "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٩٤) وغيره من المصادر.
(٥) في (ر) و(ف): "تسرني"، والمثبت من (أ)، وهذه الرواية في "صحيح البخاري" (٣٠٣٩) و(٤٠٤٣) من حديث البراء. وباقي القصة منقول مما رواه ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٩٣ - ٩٤)، وفي سياقها عند البخاري اختلاف عنه.
(٦) "قد" ليس في (ف).
[ ٤ / ٢٨١ ]
كان مرَّ عليه الحُلَيس بن علقمةَ (^١) وهو يضربُ شدقَ حمزةَ بزُجِّ الرمح ويقول: ذق عُقَقُ، فقال الحُليس: يا بني كنانة! هذا سيد قريشٍ يصنع بابن عمه ما ترون! فقال أبو سفيان: اكتُمها عليَّ.
وكان أول المسلمين عرف رسولَ اللَّه -ﷺ- كعب بن مالكٍ قال: عرفتُ رسول اللَّه -ﷺ- عينيه تحت المغفر تَزْهَران (^٢)، فناديت بأعلى صوتي: يا معاشر المسلمين، أبشروا هذا رسول اللَّه -ﷺ-، فأشاروا (^٣) إليَّ أن اسكتْ.
ثم أقبل أنس بن النَّضْر عمُّ أنس بن مالكٍ إلى عمر وطلحة بن عبيد اللَّه في رجال من المهاجرين قد أَلْقَوا بأيديهِم (^٤)، فقال: ما يجلسكم (^٥)؟ قالوا: قتل محمدٌ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟! موتوا كرامًا على ما مات عليه نبيُّكم، ثم انحاز إلى القوم فقاتل حتى قُتل (^٦).
_________________
(١) ويقال له: الحليس بن زبان، وقد ذكر في المصادر في هذا الموضع بلفظ: (الحليس بن زبان أخو بني الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأحابيش). انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٩٣)، و"تاريخ الطبري" (٢/ ٧١)، و"الاكتفاء" للكلاعي (٢/ ٨٠). وذكر في صلح الحديبية ممن أرسلتهم قريش للتفاوض مع النبي -ﷺ- باسم الحليس بن علقمة، ولذلك قال الطبري في "تاريخه" (٢/ ١١٩) في قصة الحديبية من رواية الزهري: ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان.
(٢) أي: تضيئان، وروي: (تَزرَّان) ومعناه: تتوقدان. انظر: "الإملاء المختصر في شرح غريب السير" لأبي ذر الخشني (٢/ ١١٢).
(٣) كذا في النسخ، وجاء في المصادر: (فأشار) كذا رواه عن الزهريِّ عبدُ الرزاق في "التفسير" (٤٦٥) و(٤٧١)، و"المصنف" (٩٧٣٥)، وابن سعد في "الطبقات" (٢/ ٤٥ - ٤٦)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ١٥٤)، ومثله في "تفسير الثعلبي" (٣/ ١٧٧)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (٢١١/ ٣). وعبارة البيهقي: (فأشار إليه -زعموا رسول اللَّه- أن اسكت).
(٤) (ألقى بيده) هنا مجاز بمعنى: استسلم، فبقي لا يصنع شيئًا يأسًا أو مللًا، كأنه طرح يده طرحًا بعيدًا عنه.
(٥) في (ر): "يحبسكم". وعبارة "فقال: ما يجلسكم؟ " وسقطت من (ف). والمثبت من (أ) والمصادر.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٠٢)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٢٤٥)، من طريق ابن إسحاق =
[ ٤ / ٢٨٢ ]
فلما عَرف المسلمون رسولَ اللَّه نهضوا إليه، ونهض معهم نحو الشِّعب ومعه أبو بكر وعمر وطلحة والزبير والحارث بن الصمة في رهطٍ من المسلمين.
ويقول رسول اللَّه -ﷺ- لسعد بن أبي وقَّاص: "ارْمِ فداك أبي وأمي"، فرمى حتى اندقَّت سِيَةُ قوسه (^١).
وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذٍ حتى وقعت على وجنته، فردها رسول اللَّه -ﷺ- مكانها فعادت كأحسنِ ما كانت.
فلما انصرف رسول اللَّه -ﷺ- أدركه أبيُّ بن خلفٍ وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يا رسول اللَّه، ألا يعطف عليه رجلٌ منا؟ فقال: دعوه حتى إذا دنا منه تناول رسول اللَّه -ﷺ- الحَربة من الحارث بن الصِّمَّة ثم استقبله فطعنه (^٢) في عنقه وخدشه خدشةً، فتدهده (^٣) عن فرسه، ورجع إلى مكة فمات بموضعٍ يقال له: سَرِفُ، وكان قبل ذلك يَلْقَى رسول اللَّه -ﷺ- بمكة ويقول: عندي رَمَكةٌ (^٤) أعلفها كل يومٍ ذرة أقتلك عليها فيقول له رسول اللَّه -ﷺ-: بل أنا أقتلك إن شاء اللَّه.
_________________
(١) = قال: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة. . الحديث. وهو هكذا في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٨٣).
(٢) رواه البخاري (٤٠٥٥)، ومسلم (٢٤١٢)، من حديث سعد ﵁. سية القوس-بكسر السين وتخفيف الياء-: ما عطف من طرفيها. انظر: "القاموس" (مادة: سيا).
(٣) في (أ): "فطعن"، وفي (ر): "يطعنه".
(٤) في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٨٤): (تدأدأ)، وشرحها ابنُ هشام بقوله: (تَقَلَّب عن فرسه فجعَلَ يَتدحرجُ). قلت: ويجوز أن يكون أصله: (تدهده) فقلبت الهاء همزة، فإن الهاء والهمزة قد يتبادلان. انظر: "مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: دهه)، و"النهاية" (مادة: دأدأ).
(٥) أي: فرس.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
وكان لما رجع يقول: قتلني محمدٌ، فقالت له قريشٌ وبه الطعنةُ في عنقه: ما بك من بأسٍ! فيقول: بلى، قال لي: أنا أقتلك، ولو بزق عليَّ بعد تلك المقالة لقتلني، فمات قبل أن يصل إلى مكة.
وسار رسول اللَّه -ﷺ- إلى فم الشِّعب، وجاءت فاطمة ومعها قربةٌ من ماءٍ فسقت رسول اللَّه -ﷺ-، وجعلت تغسل الدم عن وجه رسول اللَّه (^١) -ﷺ-، وتنظر إلى سالم مولى أبي حذيفة وتقول: كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا برسول اللَّه -ﷺ- وهو يدعوهم إليه.
وقال: "اشتد غضبُ اللَّه على مَن أَدْمى وجه رسول اللَّه" -ﷺ- (^٢).
قال أنس بن مالكٍ ﵁: وكان قلب رسول اللَّه -ﷺ- مشغولًا بعليٍّ وحمزة، فأُتي بعليٍّ ﵁ وعليه (^٣) نيِّفٌ وستون جراحةً من ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ، فجعل رسول اللَّه -ﷺ- يمسحها وهي تلتئم بإذن اللَّه كأنْ لم تكن.
وجيء بحمزة ﵁ مقتولًا في كساءٍ مبقورًا بطنه مجدوعًا أنفه، فبكى رسول اللَّه -ﷺ- (^٤)، وقال للشهداء: "زمِّلوهم بدمائهم وكلومهم (^٥) وقدِّموا أكثرَهم قرآنا" (^٦).
وصلى على حمزة سبعين صلاةً (^٧)،. . . . . . .
_________________
(١) في (أ): "عن وجهه".
(٢) رواه البخاري (٤٠٧٣)، ومسلم (١٧٩٣)، من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه البخاري (٤٠٧٤) من حديث ابن عباس ﵁.
(٣) في (ف): "وفيه".
(٤) "عليه" ليس في (أ) و(ف).
(٥) "وكلومهم" ليس في (أ).
(٦) رواه بنحوه البخاري (١٣٤٦) من حديث جابر.
(٧) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤٤١٤) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
وقال: "أمَا إن حمزةَ لا بواكيَ له" (^١)، فبكى نساء المدينة أولًا على حمزة ثم على القتلى (^٢)، وصار ذلك عادة لهن (^٣) إلى هذا اليوم.
قال أنس فلم نجد لحمزة كفنًا فدفنَّاه في الإذخر، فكلما غطَّينا رأسه انكشف رجلاه، وكلما غطينا رجليه انكشف رأسُه.
وهمَّ رسول اللَّه -ﷺ- بالذين أدموا وجهه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (^٤)
* * *
(١٤٠) - ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾: قرأ أهل الكوفة غيرَ حفصٍ بضمِّها والباقون بفتحها (^٥).
قال الأخفش: هما لغتان كالجَهد والجُهد، والكَره والكُره، والضَّعف والضُّعف (^٦).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥٥٦٣)، وابن ماجه (١٥٩١)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) جاء في حديث ابن عمر -﵄- السابق: فجاء نساء الأنصار يبكين على حمزة، فاستيقظ رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "ويحهن ما انقلبن بعد؟ مروهن فلينقلبن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم".
(٣) في (ر) و(ف): "لهن".
(٤) انظر ما تقدم عند تفسير هذه الآية.
(٥) قرأ بضم القاف أبو بكر وحمزة والكسائي وباقىِ السبعة بالفتح، انظر: "السبعة" (ص: ٢١٦)، و"التيسير" (ص: ٩٠).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ٢٣٣).
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وقال الكسائي وجماعةٌ: القَرح بالفتح: الجُرح، وبالضم: ألمُ الجُرح (^١).
وقال أبو عبيدة: بالفتح المصدر وبالضم الاسم.
وقال يعقوبُ الحضرميُّ (^٢): بالفتح: ما كان بسلاح، وبالضم: ما كان بغير سلاحٍ.
ومعناه: إن يُصبكم قرحٌ (^٣) وألمٌ وقتلٌ في آخر حربِ أحدٍ فقد أصاب الكفار مثلَ ذلك في أولِ هذا الحرب، فقد بينَّا أنه قُتل وجرح منهم خلقٌ (^٤) كثيرٌ.
وقيل: معناه: فقد أصاب القومَ مثلُه في حرب بدرٍ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: أي: نصرِّفها، والمداولة: نقلُ الشيء من واحدٍ إلى آخرَ، وقالوا (^٥): تداوَلَتْه الأيدي؛ أي: تناقلتْه، ومنه قولُه تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]؛ أي: يتناقلونها بينهم لا يجعلون للفقراء فيها (^٦) نصيبًا.
واختلف في معناه؛ قيل: هي تشديد المحنة على هؤلاء مرةً وتسهيلُها على أولئك، وعلى عكسه، ويكلِّف المؤمنين الصبر على ما ينالهم تعظيمًا لأجرهم، ويخذل الكفار بالتخلية بينهم وبين المؤمنين.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٣٤).
(٢) هو يعقوب بن إسحاق بن زيد أحد القراء العشرة.
(٣) في (أ): "جرح".
(٤) "خلقٌ" ليس في (أ).
(٥) في (أ): "يقال".
(٦) في (ر): "منها".
[ ٤ / ٢٨٦ ]
والحكمة في ذلك: أنه لو أظفر المؤمنين أبدًا ولم ينلهم (^١) كربٌ ولا نكبةٌ في حربٍ، وكان الكفار مقموعين أبدًا، لسَقَط الاختيار ولآمنوا بالاضطرار، فبطل الثواب والعقاب وزال التكليف والخطاب.
وليس معنى المداوَلة: التسويةَ بين الفريقين في النُّصرة فينصرَ هؤلاء مرةً وهؤلاء مرةً كما توهَّم بعضهم، ألا ترى أن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، ولو كان معنى المداولة ما توهَّموه لكان يمحِّص هؤلاء مرةً وهؤلاء مرةً، ويمحقُ هؤلاء مرةً وهؤلاء مرةً، وهو خلافُ ما أَخبر اللَّه تعالى به، بل هو على ما بينَّاه.
وقيل: معنى المداولة: أنه يُدِيل المؤمنين إذا أطاعوه على الكافرين بقذف الرعب في قلوبهم، ويُديل الكفار على المؤمنين برفع هذا الرعب من (^٢) قلوبهم إذا عصاه المؤمنون، فأَخبر أنه ينتقم من الفريقين إذا عصَوْه، غيرَ أن انتقامه من أوليائه تأديبٌ لهم لئلا يعودوا إلى مخالَفة أمره (^٣)، وانتقامَه من الكفار سخطٌ وعذابٌ بما أشركوا به.
وقيل: المداولة بما في الدنيا من السلامة والعافية والرخاء والسرور وضدِّ ذلك، وأحوالُ الدنيا ليست على الدوام، ويستوي في ذلك الأولياء والأعداء، والحكمة فيه: إزعاج الناس إلى الطاعة وتعريفُهم حقارة الدنيا لتقلَّ رغباتهم فيها وثقتهم (^٤) بها، ويرغبوا في الآخرة الباقية الفاخرة.
_________________
(١) في (ف): "ينالهم".
(٢) في (أ): "عن"، وفي (ف): "في".
(٣) في (ف): "إلى المخالفة لأمره".
(٤) في (ر): "وتعنتهم".
[ ٤ / ٢٨٧ ]
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ يومًا للمؤمنين ويومًا عليهم، وذلك للامتحان، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
قال: فإن طعن طاعنٌ من الملحدين فقال: يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، فإذا نصرتُم دينه فلمْ ينصركم فقد أَخلف (^١)، وإن نصركم وغلبكم عدوُّكم مع نصره فذلك (^٢) كذبٌ.
فجوابه من وجوهٍ:
أحدها: أن قوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ معناه: إن تنصروا دين اللَّه في الدنيا ينصركم بالحجج في العقبى، قال تعالى: ﴿﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلً﴾ [النساء: ١٤١].
وقيل: إن تنصروا دين اللَّه ولم تَعْصُوا اللَّه فيه ينصركم.
وقيل: معناه: إنْ تنصروا دينَ اللَّه جملةً يَنصرْكم.
قال ﵇: "لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قِلَّةٍ كلمتُهم واحدة" (^٣).
_________________
(١) في (ر): "وهذا خلف". وفي (ف): "وقد أخلف".
(٢) في (أ) و(ف): "فقد".
(٣) رواه دون قوله: "كلمتهم واحدة" الإمام أحمد في "المسند" (٢٦٨٢)، وأبو داود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥)، من حديث ابن عباس ﵄. وقد اختلف في وصله وإرساله، فقد قال أبو داود عقبه: (الصحيح مرسل). وقال أيضًا في "المراسيل" عقب الحديث (٣١٤): (وقد أُسند هذا ولا يصح). وقال الترمذي: (لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي هذا =
[ ٤ / ٢٨٨ ]
وقيل: معناه: إن تنصروا دين اللَّه في الدنيا (^١) ينصركم؛ أي: يَجعلِ النصرَ والظَّفَر في العاقبة لكم، وكان كذلك.
قال: وفي قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ إبطال القول بالأصلح، لأن الغلبة لو كانت للمسلمين كان ذلك ألزمَ للحجة وأظهرَ للدعوة وأدعَى إلى الإجابة، وفيها كلُّ (^٢) صلاحٍ، ومع ذلك لم يفعل (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ليَعلم ذلك موجودًا حالَ وجوده كما عَلم قبل وجوده أنه يوجد، وقد شرحنا ذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ما وصفتَ اللَّه تعالى به إذا ذكرتَ معه الخلقَ تذكر (^٤) وقتَ كون الخلق، لئلا يُتوهَّم (^٥) قِدَمُه، وإذا وصفت به اللَّه تعالى بلا ذكر الخلق وصفتَه به في الأزل، نحو قولك: عالمٌ قادرٌ (^٦) سميعٌ بصيرٌ خالقٌ رازقٌ في الأزل.
_________________
(١) = الحديتَ عن الزهري، عن النبي -ﷺ- مرسلًا). وقال أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (١/ ٣٤٧): (مرسل أشبه، لا يَحتمِلُ هذا الكلام أن يكونَ كلامَ النبي -ﷺ-). قلت: ومع ذلك فقد حسنه الترمذي قبل كلامه المذكور، وصححه ابن خزيمة (٢٥٣٨)، وابن حبان (٤٧١٧)، والحاكم (١٦٢١)، وابن التركماني في "الجوهر النقي" (٩/ ١٥٦)، وابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٤٨٤).
(٢) قوله: "معناه إن تنصروا دين اللَّه في الدنيا" ليس في (أ) و(ف). وقوله: "في الدنيا" ليس في "التأويلات".
(٣) "كل" ليس في (أ).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣).
(٥) في النسخ: "تذكره"، والمثبت من "التأويلات".
(٦) في (أ): "يوهم".
(٧) في (ر) و(ف): "قدير".
[ ٤ / ٢٨٩ ]
وقال بعض أهل التأويل: معناه: وليكون الذين آمنوا كما علم اللَّه بهم في الأزل (^١).
وقيل: أي: وليظهر إخلاص المؤمنين في إيمانهم بصبرهم على ما ينالهم من المشركين وثباتِهم على دينهم، وهو كقوله ﷻ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقيل: معناه: وليعلم أولياءُ اللَّه الذين آمنوا، جعَل عِلمَ أوليائه عِلمَه تشريفًا لهم.
ثم معنى الواو في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ أنَّ فيه إضمارًا تقديره: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ليتميَّز الخبيت من الطيب -أو نحوُ ذلك- ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أو الإضمارُ بعده، وتقديره: وليَعلم اللَّه الذين آمنوا نداولُها بين الناس.
قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: أي: نداولها ليَعلم وليَجعل بعضَكم شهداء في سبيله فيرفعَ درجاتهم في الآخرة بالشهادة.
وقيل: أي: يجعلَهم (^٢) شهداءَ في الآخرة للأنبياء على الأمم.
وقال الإمام الزاهد أبو منصورٍ رحمه اللَّه تعالى: وفيه دلالة (^٣) أنهم لا يستوجبون بنفس الإيمان الشهادة على الناس، حتى يُظهِروا العدالة من أنفسهم (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: الكفار والمنافقين، مع أنه قد يُدِيلهم.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤).
(٢) في (أ): "لجعلهم".
(٣) بعدها في (ر): "على"، والمثبت من (أ) و(ف) و"التأويلات".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٩٦).
[ ٤ / ٢٩٠ ]
وقيل: أي: لا يحب المنافقين، فلا يدعُهم مختلِطين بالمؤمنين، بل يمتحن بهذه الأحوال ليَتميزوا، وكان كذلك، فقد كان في المدينة منافقون ومنهم مَن يعبد اللَّه على حرف، فإن أصابه خيرٌ اطمأنَّ به وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه، ولمَّا ظهر هذا قال المنافقون: ما وعدَنا اللَّه ورسوله إلا غرورًا، وثبت المخلصون فلم يَهِنوا ولم يرجعوا.
وروي أن امرأةً كانت تحمل قتيلين زوجَها وأخاها أو ابنها (^١) على بعيرٍ، فقيل لها: ما الخبر؟ قالت: خيرٌ، رسولُ اللَّه سالمٌ، واتَّخذ اللَّه من المؤمنين شهداءَ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ١٢٥] ثم ساقت بعيرها، وفيها نزلت هذه الآية.
* * *
(١٤١) - ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: نداولُها بين الناس ليفعل كذا وليخلِّص المؤمنين بالشهادة، وقد محَصْتُ الشيءَ مَحْصًا؛ أي: خلَّصته (^٢) من العيب، ومحَّصْتُه تمحيصًا للتكثير أو للتكرير، وقال الأزهري: محَصْتُ العَقَب من اللَّحم؛ أي: نقَّيتُه منه لأَفْتِلَه وَتَرًا، ومحَصْتُ الذهب بالنار: خلَّصته (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: المحق: إفناء الشيء حالًا بعد حالٍ، وهو كامِّحاق (^٤) الهلال.
_________________
(١) في (ر): "زوجها وأخاها وابنها وعمها"، وفي (ف): "أخاها وابن عمها".
(٢) في (ر): "أخلصته".
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (٤/ ١٦٠).
(٤) في (أ): "كانمحاق".
[ ٤ / ٢٩١ ]
قال الكلبي: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما يبتليهم فيَأْجُرَهم ويمحوَ ذنوبهم ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: يستأصلَهم ولا يأجرَهم (^١)، فيهلكهم ومعهم ذنوبُهم.
وقال يمان: يمحقُهم؛ أي: يُديلُهم استدراجًا لهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
* * *
(١٤٢) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: قد مر تفسيره في سورة البقرة: أن (أم) يقتضي إضمارَ استفهام قبله ثم عطفًا (^٢) بـ (أم) عليه، تقديره: أظننتم أن يكون كذا أم ظننتم أن تدخلوا الجنة مع أنكم لم تجاهدوا في سبيله ولم تصبروا على بلائه.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: أي: لم يعلم، قيل: (ما) زيدت على (لم)، وقيل: هما بمعنًى، وقيل: (لمَّا) يجوز أن يوقف عليها تقول (^٣): جاء زيد؟ فيقول الرجل: لمَّا؛ أي: لم يجئ، ولا يجوز ذلك في (لمْ).
وقيل: (لمَّا) جواب: قد فَعَل، و(لم) جواب: فَعَل؛ أي: الأول للتأكيد.
يقول: كيف تنالون الجنة ولم يكن منكم جهادٌ في سبيله، وعَلِم أنه لا يكون منكم جهادٌ في سبيله (^٤)، ولو كان منكم جهادٌ لعَلِمه لأنه عالمٌ بكلِّ شيءٍ، وقد بينَّا أن اللَّه
_________________
(١) في (ف): "يستأصلهم وليأخذهم".
(٢) في (ر) و(ف): "عطف".
(٣) في (أ) و(ف): "يقال".
(٤) "في سبيله" ليس في (أ).
[ ٤ / ٢٩٢ ]
يعلم الشيء موجودًا حال وجوده، ويَعلمه قبل وجوده أنه (^١) يوجَد حالَ وجوده فيما يوجَد، ويَعلمُ ما لا يوجَد أنه لا يوجَد.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾: هو نصبٌ على الصرف كما في قول الشاعر:
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم (^٢)
ومعنى الصرفِ: أنه مصروفٌ عن معنَى مطلقِ العطف، فإنه ليس معناه النهيَ عن إتيان مثله قصدًا كالنهي عن النهي عن خُلُق، بل معناه النهيُ عن الجمع بينهما، وكذا معنى الصرف في هذه الآية ليس هو مطلقَ نفي علمِ الصابرين كنفيِ علمِ المجاهدين، بل معناه نفيُ اجتماعهما.
وهو كقولهم: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ؛ أي: لا تجمع بينهما، وليس هو نهيًا عن كلِّ واحدٍ منهما مفردًا.
وقرأ الحسن ويحيى بن يَعْمَرَ: ﴿وَيَعْلَمِ الصَّابِرِينَ﴾ بالكسر (^٣)، وهو على العطف، وهو مجزومٌ كالأول.
وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثَّابٍ: ﴿وَيَعْلَمُ الصَّابِرِينَ﴾ بالرفع على الاستئناف (^٤)؛ أي: وهو يعلمُ الصابرين.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وأنه".
(٢) نسبه سيبويه في "الكتاب" (٣/ ٤١ - ٤٢) للأخطل، والزمخشري في "المستقصى" (٢/ ٢٦٠) للمتوكل بن عبد اللَّه الليثي، ونسب أيضًا لسابق البربري وللطرماح كما ذكر البغدادي في "خزانة الأدب" (٨/ ٥٦٨) وقال: والمشهور أنه من قصيدة لأبي الأسود الدؤلي.
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٩) و"المحرر الوجيز" (١/ ٥١٥).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٩).
[ ٤ / ٢٩٣ ]
(١٤٣) - ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾:
قيل: إن قومًا غابوا عن قتال بدرٍ وعلموا ما نالَ (^١) أهل بدرٍ من الفضل بقول النبيِّ -ﷺ-: "إنَّ اللَّه تعالى اطَّلَع على أهل بدرٍ فقال: اعمَلوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم" (^٢) فتمنَّوا قتالًا آخَرَ يَشهدونه، فلما كان قتالُ أحدٍ قصَّر بعضهم فنزل في حقِّهم هذا.
وقوله تعالى: ﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾؛ أي: لقاءَ العدو، لأنه من أسباب الموت فأُطلق عليه اسمه؛ كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١١٨٠]، ويقال: رأيتُ الموت في أطراف الأسنَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾: أي: رأيتم لقاءَ العدوِّ ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ تأكيدٌ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، كما يقال: رأيتُه عِيَانًا، ورأيتُه بعيني، وسمعتُه بأذني، وفائدتُه: نفيُ وهمِ رؤيةِ القلب وسَمْعِ العلم.
وقيل: معناه: وأنتم تتأمَّلون الحالَ في ذلك كيف هي (^٣)؟ لأن النظر تقليبُ البصر نحو المبصَر؛ أي: كانت رؤيةَ تثبُّتٍ وتأملٍ، لا رؤيةَ تلمُّحٍ (^٤) وتخيُّلٍ.
_________________
(١) في (ر): "وعلموا مآل".
(٢) رواه البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (٢٤٩٤)، من حديث علي ﵁. وهو في قصة كتاب حاطب لأهل مكة يخبرهم بعزم النبي -ﷺ- على الخروج إليهم، وهذا يدفع ما ذكره المؤلف هنا في سبب النزول، لأنه صريح في أن القصة هنا قبل غزوة أحد. وقد روى هذا الوجه في سبب النزول الطبري في "تفسيره" (٦/ ٩٣ - ٩٥) عن مجاهد وقتادة والسدي والربيع والحسن، لكن دون ذكر الحديث، وهو الصواب لما سيأتي من حديث أنس بن مالك في قصة عمه أنس بن النضر، وهو متفق عليه.
(٣) في (ف): "هو".
(٤) في (أ): "لمح".
[ ٤ / ٢٩٤ ]
وقيل: معناه: رأيتُم أسباب الموت وأنتم أصحَّاءُ الأبصار، لا حائلَ بينكم وبينها فتشكُّوا (^١) فيها.
وقيل: معناه: رأيتُم الموت وأنتم تقرُبون منه لا تبعُدون من موضعه؛ كما يقال: دُورُنا تتناظرُ؛ أي: تتقارب، قاله أبو العباس ثعلبٌ.
وقال الكلبيُّ: لمَّا أخبرهم (^٢) اللَّه تعالى بما فعل بشهداء بدر من الكرامة رغبوا في ذلك وقالوا: اللهم أَرِنَا قتالًا لعلنا نُستشهَدُ فنلحقَ بإخواننا في الجنة، فأراهم اللَّه تعالى ذلك يومَ أحدٍ فلم يَثبتوا، فقال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى السيوف فيها الموتُ.
وقال أنس بن مالكٍ ﵁: إن عمِّي أنس بن النضر غاب عن قتال (^٣) بدرٍ فقال: غبتُ عن أولِ قتالٍ قاتلَه (^٤) النبيُّ ﵇، ولئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليرين اللَّه ما أصنع، فلما كان يومُ أحدٍ انكشف المسلمون فقال: اللهمَّ إنِّي أعتذرُ إليك ممَّا صَنع هؤلاء -يعني: أصحابَ النبي (^٥) -ﷺ- وأبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني: المشركين، ثم تقدَّم فلقيَه سعد بن معاذٍ، فقال: يا سعد، إيهًا إيهًا (^٦) لريح الجنة، واللَّه إني لأجدُها دون أحدٍ، فمضى حتى استُشهد.
قال أنس: فما عرَفناه إلا ببنانه، قال: وجدنا فيه بضعًا وثمانين من ضربةٍ بسيفٍ
_________________
(١) في (ف): "فتشكون".
(٢) في (ف): "أخبر".
(٣) بعدها في (ر): "أهل"، وفي (ف): "يوم".
(٤) في (ف): "قاتل".
(٥) في (أ) و(ف): "يعني أصحابه".
(٦) في (ر): "إيها إيها إنها"، وفي (ف): "إنها إنها".
[ ٤ / ٢٩٥ ]
وطعنةٍ برمحٍ ورميةٍ بسهمٍ، فكنا نقول: فيه وفي أصحابه أنزلت: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^١).
وقال مجاهدٌ: قال ابن أبيٍّ وأصحابُه من المنافقين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، فقال اللَّه تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يومَ أحد. فعلى هذا نزلت الآية في المنافقين.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: يحتمِل قولُه ﷻ: ﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ أنها في قومٍ تمنَّوا عين الموت خوفًا عن الرجوع عن الدين، فتمنَّوا الموت على الإسلام، ويحتمِل أنهم تمنَّوا الموت ليتخلَّصوا عن تعذيب الكفار إياهم، وخافوا بها على دينهم فأحبوا أن يموتوا فيَتخلَّصوا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ أي: إلى من يموتون بالقتل.
فإن قالوا: تمنِّي الموتِ بالشهادة تمنِّي قتلِ الكافر إياهم على الإيمان، وذاك كفرانٌ، أفلا (^٣) يكون رضًى بالكفر؟
قلنا: لا، وهو (^٤) تمني الجهادِ والصبرِ عليه إلى أن يُستشهدوا، أو هو تمنِّي أن يعذَّب الكافر على كفره، وهو غاية استقباح الكفر، قال اللَّه تعالى خبرًا عن موسى وهارون صلوات اللَّه عليهما أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ٨٨].
_________________
(١) رواه البخاري (٤٠٤٨)، ومسلم (١٩٠٣)، من حديث أنس ﵁.
(٢) هذا الكلام وقع فيه اختلاف في التقديم والتأخير بين النسخ، وقد أثبتنا ما في (أ) فهو الأقرب لكلام "التأويلات". انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٤٩٧).
(٣) في (ر) و(ف): "وذاك كفرٌ فلا".
(٤) في (ف): "قلنا هو".
[ ٤ / ٢٩٦ ]
وقال (^١) الإمام القشيري ﵀: مَن ظنَّ أنه يصل إلى محلٍّ عظيمٍ من دون مقاساة (^٢) الشدائد أَلْقته أمانيه في مهواة الهلاك، وإنَّ مَن عرَف قَدْرَ مطلوبه سهُل عليه بذلُ مجهوده؛ قال الشاعر:
وما جاد دهرٌ بلذَّاته على مَن يَضِنُّ بخلعِ العِذَار (^٣)
وقال آخر:
إذا شام الفتى برقَ المعالي فأَهْوَنُ فائتٍ طِيبُ الرُّقاد (^٤)
* * *
(١٤٤) - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾: لمَّا انهزم المسلمون يوم أحدٍ عُوتبو ا فاعتلوا أنهم سمعوا صارخًا يصرخ: ألَا إن محمدًا قد قتل، فنزلت الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: أي: مضت، ولم يكونوا لا يموتون ولا يقتلون، بل قتل كثيرٌ منهم ومات (^٥) الباقون، وذلك لا يوجب ارتفاعَ الدِّين ولا تركَ أتباعهم جهادَ الكافرين.
_________________
(١) في (ف): "قال".
(٢) في (ر): "ملاقاة".
(٣) البيت لأبي نواس يرد على مسلم بن الوليد عندما قال له: خلعت عذارك، وأطلت الإكباب على المجون حتى غلب على لبّك، وما كذا يفعل الأدباء. انظر: "التذكرة الحمدونية" (٨/ ٤٠٢).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٨١). والبيت لأبي عبد الرحمن النيلي كما في "الدر الفريد وبيت القصيد" للمستعصمي (٢/ ٤٥٣).
(٥) في (أ): "وفات".
[ ٤ / ٢٩٧ ]
قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾: الألفُ ألفُ استفهامٍ (^١) بمعنى التوبيخ، وهو في الحقيقة داخلٌ في قوله تعالى: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؛ لأن تقديره: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل.
وإنما جاز لأنه دخل (^٢) الشرطَ فصار كلُّه كلامًا واحدًا بشرطه وجزائه (^٣)، فصار دخول الاستفهام في أوله دخولًا في الخبر المذكور فيه، وهو كقولك: أزيدٌ ضربك أم عمرو، وهو في الحقيقة داخلٌ في الضرب وإن ذُكر ظاهرًا في زيد؛ لأن الكلام (^٤) صار شيئًا واحدًا.
والانقلاب على العَقِبَين مجازٌ عن الردَّة، وقد كشفنا عن حقيقته في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾.
وقيل: هو مجازٌ عن الانهزام هاهنا؛ كما في قوله تعالى: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] ومَن انقلب على عقبيه فقد رجع إلى الطريق الذي كان جاء منه، والمنهزِم كذلك صورةً والمرتدُّ كذلك معنًى.
وفيه استنكار كلِّ واحدٍ من الأمرين عليهم، يقول: موتُ النبيِّ -ﷺ- أو قتلُه لا يوجب الارتداد ولا التخلُّفَ عن الجهاد.
ثم إنما أُدخل (^٥) (أو) بين الموت والقتل وهو للتشكيك، مع أن اللَّه تعالى علم أنه يموت ولا يقتل، إخفاءً لعاقبته؛ ليكون قتاله الكفارَ من غيرِ تَوَقٍّ دليلًا على كمال
_________________
(١) في (أ): "الاستفهام".
(٢) في (أ): "دخله".
(٣) في (ر): "وجوابه".
(٤) في (أ): "الكل".
(٥) في (ر): "دخل".
[ ٤ / ٢٩٨ ]
شجاعته، ولا يحملَ عدوٌّ ذلك على أنه لما سمع أنه يموتُ ولا يقتل أمِن القتلَ في الجهاد فلذلك لا يَتوقَّى.
وقيل: كان خروجه عن الدنيا بالموت والقتل جميعًا، فإن أُكلة خيبر كانت تُعادُّه، وبها خرج عن الدنيا (^١)، وذلك في معنى القتل وهو موتٌ على الفراش ظاهرًا، فلذلك جمع بينهما.
وقال ابن عباسٍ ﵄: كان أناسٌ من أهل النفاق قالوا يوم أحد حين فرَّ الناس: إن كان محمدٌ قُتل فالحَقوا بدينكم الأول، فنزلت الآية (^٢).
وقال قتادة: لمَّا أُخبروا بقتل محمدٍ ﵇ قال ناسٌ منهم: لو كان نبيًا ما قُتل، وقال (^٣) ناسٌ: قاتِلوا على ما عليه قاتل نبيُّكم حتى يَفتح اللَّه عليكم أو تلحقوا به، فنزلت الآية (^٤).
وقال مجاهد: مرَّ رجلٌ من المهاجرين على رجلٍ من الأنصار يتشحَّط في دمه فقال: يا فلان! أشعرت أن محمدًا قُتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمدًا قتل فقد بلَّغ فقاتِلوا عن دينكم (^٥).
_________________
(١) يشير إلى حديث: "ما زالتْ أُكْلةُ خيبرَ تُعَادُّني فهذا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي"، علقه البخاري جزمًا (٤٤٢٨) من حديث عائشة ﵂، ووصله البيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ١١). وانظر في قصة الشاة المسمومة التي أهديت له -ﷺ- بخيبر حديث أبي هريرة عند البخاري (٣١٦٩)، وحديث امرأة كعب بن مالك في "مسند أحمد" (٢٣٩٣٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٠٣ - ١٠٥) عن الضحاك وابن جريج. وروى في الموضع نفسه معناه عن ابن عباس في قصة، لكن إسناده ضعيف جدًّا.
(٣) في (ف): "فقال"، والمثبت موافق لما في المصدر.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٩٨).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٩٩ و١٠٢) عن الربيع وابن جريج.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
وقال إبراهيم النخعيُّ: لما قُبض النبي -ﷺ- كان أبو بكرٍ الصديق ﵁ غائبًا، فلما حضر كَشف عن وجه رسول اللَّه -ﷺ- وقبَّل بين عينيه، وقال: بأبي أنت وأمي طبتَ حيًّا وميتًا، وخرج وصعد المنبر وقال بعد أنْ حمد اللَّه وأثنى (^١) عليه: ألَا مَن كان يعبدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبدُ ربَّ محمدٍ فإنه حيٌّ لا يموت، ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: أي: ومَن يرتدَّ عن الإسلام.
وقيل: أي: ومَن يرجعِ القَهْقَرَى في الانهزام.
وقوله تعالى (^٣): ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾: أي: جَلَّ اللَّه أن يَلحقه ضررٌ أو يدخلَ مُلكَه نقصٌ (^٤) وإنما ضرَّ نفسَه مَن فعَل ذلك وأَلحق النقصَ بنفسه، وهذا وعيدٌ للمرتدِّين والمنهزِمين بالعقاب.
قوله تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: وهذا وعدٌ للثابتين والمجاهدين بالثواب.
* * *
(١٤٥) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾: أي: بإماتة اللَّه للوقت الذي كتبه أجلًا لها.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "بعد حمد اللَّه والثناء".
(٢) رواه البخاري (٣٦٦٧ - ٣٦٦٨) من حديث عائشة ﵂.
(٣) "وقوله تعالى" ليس في (أ).
(٤) في (ر): "نقصان".
[ ٤ / ٣٠٠ ]
وقيل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بعِلم اللَّه؛ أي: بالوقت (^١) الذي عَلم بموته فيه.
وقيل: أي: بأمر (^٢) اللَّه ملكَ الموت بقبضِ روحه.
﴿كِتَابًا﴾ مصدرٌ لفعلٍ محذوفٍ، وتقديره: كتب (^٣) اللَّه كتابًا.
وقيل: هو منصوبٌ بحذف الباء؛ أي: بكتابٍ مؤجَّلٍ؛ أي: مكتوبٍ في اللوح المحفوظ، وله وجهان:
أحدهما: أن محمدًا لو مات أو قُتل فذاك حكمٌ جرى عليه من اللَّه تعالى في اللوح المحفوظ (^٤) في الأجل الذي جعله له، فلِمَ ارتدادُكم أو انهزامُكم؟
والثاني: أن الموت ليس بالجهاد، ولا الحياةَ بالتخلُّف عنه، وهو تحريضٌ على الجهاد، وبيانٌ أنَّ (^٥) المجاهد لا يموت إلا عند أجله (^٦)، والمتخلِّفَ عنه لا يَسلم عنه (^٧) مع حضور أجله، وهذا ردٌّ على المنافقين قولَهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦].
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: أي: مَن يُرِدْ بقتاله الغنيمةَ أو الذِّكر نُعطِه ذلك.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "في الوقت"، بدل: "أي: بالوقت".
(٢) في (ف): "يأمر".
(٣) في (أ): "كتبه".
(٤) "في اللوح المحفوظ" ليس في (أ).
(٥) في (ر): "بأن" بدل: "وبيان أن".
(٦) في (ف): "لا يموت بغير أجله".
(٧) "عنه" ليس في (أ).
[ ٤ / ٣٠١ ]
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: أي: ومَن يُرِدْ به إعلاء كلمة اللَّه والأجرَ والدرجةَ في الآخرة نُعطه ذلك.
ورُوي أن النبيَّ -ﷺ- سئل: إن الرجلَ يقاتل ليُذكر، ويقاتل ليُرى مكانُه، ويقاتل للغنيمة؟ فقال: "مَن قاتَلَ لتكون كلمةُ اللَّه هي العُليا فهو الذي في سبيلِ اللَّه" (^١).
ومعنى وصلِ هذا بالأول: أن مَن قاتَل للدنيا انهزم إذا خاف القتل، ومَن أراد به الآخرة اغتَنم الشهادة.
قوله تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾: التكرير للتقرير، والآيةُ وإنْ وردت في القتال فهي عامَّةٌ في كل الأفعال.
* * *
(١٤٦) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾: وكم من نبيٍّ قاتل معه ربيون كثير (^٢).
قرأ ابن كثيرٍ ونافع وأبو عمرو: ﴿قُتِلَ﴾ (^٣) وتمَّ به الكلام؛ أي: وكم من نبيٍّ (^٤) قُتل وكان معه ربيون كثيرٌ؛ أي: جماعاتٌ، واحدهم: رِبِّيٌّ، منسوبٌ إلى الرّبَّة وهي الفرقة الكثيرة من الناس، قال حسان بن ثابتٍ:
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٢٦)، ومسلم (١٩٠٤)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) "وكم من نبي قاتل معه ربيون كثير" من (أ).
(٣) قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير" (ص: ٩٠).
(٤) في (أ): "أي كم نبي قتل".
[ ٤ / ٣٠٢ ]
وإذا معشرٌ تجافَوا عن الحقْـ قِ حملنا عليهم رِبِّيًّا (^١)
وقال ابن مسعودٍ ﵁: الربِّيون: الجموع (^٢).
وقال مجاهد: الجموع الكثيرة (^٣)، وقال الكلبي: واحدُهم عشرةُ آلافٍ (^٤)، وقال الضحاك: الواحد ألفٌ (^٥)، وقال قتادة: ﴿رِبِّيُّونَ﴾: ألوفٌ كثيرةٌ (^٦).
وقرأ الحسن: (رُبِّيون) بضم الراء (^٧)، وقال: تفسيرُه: الصُّبُر (^٨).
وذكر ابن مجاهدٍ عن بعضهم: (رَبِّيون) بفتح الراء (^٩) منسوبٌ إلى الرَّبِّ، كما يقال: ربانيٌّ وإلهيٌّ، ومعناه: عارفون باللَّه عاملون للَّه.
_________________
(١) استشهد به ابن عباس ﵄ في جواباته لنافع بن الأزرق، كما رواه ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" (١/ ٧٨). ولم نجده في "ديوان حسان".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١١١)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٠٠٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٨٠)، جميعهم بلفظ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾: ألوف.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١١٢ - ١١٦) عن مجاهد وابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي والربيع وعكرمة.
(٤) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (١٠١٠) عن عطاء الخراساني.
(٥) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (١٠٠٩).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١١٣ و١١٤) بلفظ: (جموع كثيرة)، وكذا ذكره ابن المنذر في "تفسيره" (١٠١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٨٠). وقد تقدمت الإشارة إليه قريبا.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ١٨١) عن الحسن وابن مسعود وعكرمة وأبي رجاء، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٩) عن علي وابن مسعود وابن عباس.
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١١٥) بلفظ: (علماء صبروا)، وفي رواية: (أتقياء صبروا)، ورواه ابن المنذر في "تفسيره" (١٠١٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٨٠) بلفظ: (علماء صبُرٌ). وروى عنه ابن أبي حاتم أيضًا قوله: (علماء كثير).
(٩) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٩)، و"المحتسب" (١/ ١٧٣)، كلاهما ذكرها عن ابن عباس.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
وقراءة (^١) العامة: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِير﴾؛ أي: عاوَن النبيَّ ﵇ في قتالِ العدوِّ جماعاتٌ كثيرةٌ، وعلى هذا ﴿رِبِّيُّونَ﴾ فاعلٌ بفعلهم وهو ﴿قَاتَلَ﴾، وعلى الأول رفعُه بقوله: ﴿مَعَهُ﴾.
ومعنى القراءتين واحدٌ؛ أي: كم من نبيٍّ قاتل الكفارَ ومعه جماعاتٌ من أتباعه، فأصابتهم جراحاتٌ وقُتل بعضهم فلم يَضعفوا، وكم من (^٢) نبيِّ قُتل هو وكان معه أتباعُه فلم يتركوا الجهاد، وهو قطعٌ لعذرِ هؤلاء في تركهم (^٣) الجهادَ بسماعِ خبرِ قتلِ النبيِّ -ﷺ-.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: في الآية دلالتان:
إحداهما: على إثبات رسالة محمدٍ (^٤) ﵇، حيث أَخبر عن حالِ الماضينَ، ولم يختلف إلى أحدٍ يعلم أخبارهم، فعُلم أنه (^٥) بإخبار اللَّه له (^٦).
والثانية: أن العمل بشريعةِ مَن قبلنا ثابت ما لم يظهر نسخُه؛ لأنَّه ذكر محاسنهم لنتَّبعهم في ذلك ونقتديَ بهم، وذكر مساوئهم وما لحقهم بذلك لننتهيَ عنها ونكونَ على حذرٍ مما أصابهم (^٧).
قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾: الوهن: انكسار الحدِّ (^٨)
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وقرأ". والمراد هنا قراءة العامة في ﴿قَاتَلَ﴾.
(٢) "من" ليس في (أ).
(٣) في (ف): "ترك".
(٤) في (أ): "النبي".
(٥) "أنه" من (أ).
(٦) "له" من (ف).
(٧) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٠١).
(٨) في (ر) و(ف): "الجد"، والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في مطبوع "البسيط" للواحدي =
[ ٤ / ٣٠٤ ]
بالخوف، والضعف: نقصان القوة وقيل: فما وهنوا في دينهم وما ضعفوا في أنفسهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾: أي: وما استسلموا لعدوِّهم (^١) وما خضعوا (^٢) لهم، والكِينةُ (^٣) اسمٌ من الاستكانة، وهي الذلة والخضوع.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾: أي: الثابتين على الدِّين وجهادِ الكافرين، ورُوي أن النبيَّ -ﷺ- نادى المنهزمين وقال: "إليَّ أنا رسول اللَّه" فوقفت الأنصار وعرفوا صوته، فطأطؤوا رؤوسهم وشدوا أسيافهم وقالوا: إليك (^٤) واللَّه بآبائنا وأمهاتنا أنت، وقاتلوا حتى استُشهدوا، ولم ينظر منهم أحدٌ إلى رسول اللَّه -ﷺ- حياءً منه، وكانوا ثمانيةً وثمانين رجلًا.
* * *
(١٤٧) - ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: قرأ العامة: ﴿قَوْلَهُمْ﴾
_________________
(١) = (٦/ ٥٦)، و"إيجاز البيان عن معاني القرآن" لأبي القاسم النيسابوري (١/ ٢١٠)، وجاء في "أحكام القرآن" للجصاص (٢/ ٣٢٦): (انكسار الجسد)، وفي "النكت والعيون" (١/ ٤٢٨): (الانكسار بالخوف). وانظر: "تفسير القرطبي" (٥/ ٣٥٣) فقد وقع في نسخه -كنسخنا- اختلاف بين (الحد) و(الجد). وما أثبتناه هو الصواب، فإن الحد يطلق على بأس الإنسان -كما في "القاموس" (مادة: حدد) - فإذا خاف هذا الانسان ذهب بأسه وأصابه الضعف.
(٢) في (ر): "للعدو".
(٣) "وما خضعوا" من (ر)، وفي (أ) بدلًا منها: "وما ضعفوا"، وفي (ف): "وخضعوا".
(٤) في (ر): "والكنية"، وفي (ف): "واللينة".
(٥) في (ف): "لبيك".
[ ٤ / ٣٠٥ ]
بالنصب، وهو خبرُ ﴿كَانَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (أنْ) مع الفعل مصدرٌ تقديره: إلا قولُهم، بالرفع (^١)، وهو اسم (كان)، وتقدَّم الخبر هاهنا على الاسم.
وقرأ الحسن: (قولُهم) بالرفع (^٢)، وهو اسمٌ و﴿أَنْ قَالُوا﴾ خبرٌ وهو في محل النصب.
قوله تعالى: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾: هو مجاوزة الحد، يقول: هؤلاء الذين هم أتباعُ الأنبياء الماضين كان قولَهم عند قتل الأنبياء هذا الدعاءُ، وهو مدحٌ لهم أنهم مع حُسن العمل استغفروا من الزَّلَل والخلَل.
وهذا (^٣) مبالغةٌ في الاعتراف بالذنب، فإن الإسراف والذنب واحدٌ، وذكرُهما غايةُ سوء الظن بأنفسهم.
وقيل: الذنوب الصغائر، والإسراف بالكبائر (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾: قيل: على الإيمان، وقيل: على جهاد العدو.
قوله تعالى: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي: بالقوة والغلبة، وقيل: بالبرهان والحجة.
وقال الإمام القشيري ﵀: إن الذين درَجوا على الوفاء، وقاموا بحقِّ الصفاء، ولم يرجعوا من الطريق، وطالبوا أنفسهم بالتحقيق، وأخذوا عليها بالتضييق
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وهو مرفوع".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٩).
(٣) في (ف): "وهو".
(٤) في (ف): "الكبائر".
[ ٤ / ٣٠٦ ]
والتدقيق، وَجدوا محبةَ الحقِّ سبحانه ميراثَ صبرهم، وكان الخَلَفُ لهم (^١) الحقَّ عند نهاية أمرهم، فما زاغُوا عن شرط الجهد ولا راغُوا (^٢) في حفظ العهد، وسلَّموا تسليمًا، وخرجوا عن الدنيا وكان (^٣) كل واحدٍ منهم للعهد مستديمًا، وعلى شرط الخدمة والودِّ مستقيمًا، وما قالوا من الدعاء فقد تحقَّقوا بحقائق المعاني، وتحرَّسوا (^٤) عن إظهار الدعاوي، ثم نطقوا بلسان الاستغفار، ووقفوا في مواقف الاستحياء، فكانوا (^٥) كما قيل:
يتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافُها فكأنما حسناتُه آثامُ (^٦)
* * *
(١٤٨) - ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾.
قوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: أي: أعطاهم جزاءهم في الدنيا الظَّفرَ والنصرَ والغنيمة، والمدحَ والتعظيم والحرمة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: الجنة والنعمة والقربة والرؤية، وذكرُ الحُسْنِ في ثواب الآخرة دونَ الدنيا؛ لصِغَر أمر الدنيا وحقارتها، وانقطاعِ ما فيها.
ثم إنما عَطف قولَه تعالى: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ على قولهِ: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ -والإيتاءُ هو الإعطاء، وثوابُ الآخرةِ للحال غيرُ معطًى- لأن معنى الإيتاء
_________________
(١) في "اللطائف": (عنهم).
(٢) في (ر): "راغوا. . زاغوا". ووقع في مطبوع "اللطائف": (زاغوا) بالزاي في الموضعين.
(٣) في (أ): "فكان".
(٤) في (ف): "وتحرموا"، وحُرفت الكلمة في مطبوع "اللطائف" إلى: (فخرسوا).
(٥) في (ر): "وكانوا"، وليست في "اللطائف".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٨٣).
[ ٤ / ٣٠٧ ]
في حق ثواب الآخرة هاهنا هو الحكمُ به والوعد، وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩].
وأراد به الالتزام؛ فإن حقيقة الإعطاء يكون بعد سنةٍ، والقتال يسقط بقبولهم الجزية، فكان ذلك إعطاءً على معنى أنه ثبت فصار كالمعطَى.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: هم محسِنون واللَّه يحبهم ويُحسن ثوابَهم.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: يحتمِل أن يكون هو إحسانَ المعرفة، يقال: فلانٌ يُحسِن كذا، ويحتمِل أن يكون هذا اختيارَ محاسن الأفعال، ويحتمِل أن يكون هذا إحسانًا إلى نفسه بالعمل بما فيه النجاة (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أقلُّ ذلك القناعةُ، ثم الرضا، ثم العيش معه، ثم الأنسُ (^٢) بقربه، ثم كمالُ الفرح بلقائه (^٣).
﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾: دخولهم الجنة وهم محرَّرون عنها غيرُ داخلين في أسرها.
قال: ويقال: ثوابُ الدنيا والاخرة: الغيبةُ عن الدارين برؤية خالقهما، ثم حُسنُ ثوابِ الآخرة بدوامه وتمامه، وأنْ لا يشوبه (^٤) ما ينافيه (^٥).
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٠٤).
(٢) في (ف): "الأمن".
(٣) في النسخ: "ببقائه" والمثبت من "لطائف الإشارات"، وزاد: (ثم استقلال السر بوجوده).
(٤) في (ر): "ولا يعارضه"، بدل: "وأن لا يشوبه".
(٥) انظر: "لطائف الاشارات" (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤).
[ ٤ / ٣٠٨ ]
(١٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾:
قال الحسن وابن جريجٍ: أي: إنْ تطيعوا أهل الكتاب (^١).
وقال السُّدِّي: أي: إن تطيعوا أبا سفيان وأصحابه يَرجعوكم كفارًا (^٢)، وكانوا يقولون للمسلمين: إن محمدًا قد قُتل فالحَقوا بعشائركم تأمَنوا على أنفسكم، وكانوا يقولون: لو كانوا عندنا وأطاعونا ما ماتوا وما قتلوا.
وقوله تعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ يجوز أن يكون مجزومًا عطفًا على قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾، ويجوز أن يكون نصبًا لأنه جواب الشرط بالفاء، وحذفُ النونِ يدلُّ على كلِّ واحدٍ منهما.
* * *
(١٥٠) - ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾: ﴿بَلِ﴾ ردٌّ لِمَا قبله وهو طاعة الكفار، و﴿اللَّهُ﴾ مبتدأٌ، و﴿مَوْلَاكُمْ﴾ خبرُه؛ أي: هو ناصرُكم وحافظُكم وحبيبكم ومتولِّي أموركم، فهو أَولى أن يُطاع، وكذلك (^٣) هو خير مَن ينصركم فهو أحقُّ أن يؤتمر بأمره.
_________________
(١) رواه عن ابن جريج الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٢٥)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٠٣٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٨٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٢٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٨٤).
(٣) في (ف): "وذلك".
[ ٤ / ٣٠٩ ]
وقرأ طلحة: (بل اللَّهَ مولاكم) بالنصب (^١)؛ أي: بل أطيعوا اللَّه، و(مولاكم) نعتُه على النصب أيضًا.
* * *
(١٥١) - ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: بيانُ (^٢) قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾، والرعب: الخوف الذي يملأ القلب، يقول وإن نالكم للحال بعضُ الشدة بعصيانكم فسنلقي في قلوبهم الخوف فتكونُ العاقبةُ لكم بإيمانكم.
وقد حقَّق هذا الوعدَ فألقى في قلوب أبي سفيان وأصحابهِ الرعبَ فلم يجيؤوا في بدرٍ الصغرى وإنْ وَعدوا ذلك.
قوله تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: (ما) مفعولٌ بوقوع ﴿أَشْرَكُوا﴾ عليه، والسلطان: البرهان، وأصله: القوة، فسلطان الملك: قوته، وسلطان المدَّعِي: حُجتُه، وبها يَقْوَى على دفع المُبْطِل.
وقيل: هو من السَّليط، وهو دُهن الزيت، وبه ضوءُ السراج، فالسلطان هو الحجةُ النيِّرة، يقول: ألقى اللَّه في قلوبهم الخوف عقوبةً لهم على شركهم ولا حجةَ لهم فيه.
وهذا ذمٌّ لهم على تقليدهم آباءهم في الضلال، وكانوا مقرِّين باللَّه، وأنه هو (^٣)
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٩).
(٢) في (ر) و(ف): "وهو بيان".
(٣) "هو" من (أ).
[ ٤ / ٣١٠ ]
خالقُهم، فكان يلزمُهم بحكم إقرارهم ألَّا يعبدوا (^١) معه غيرَه، إلا أن يأمرَهم به فيكون ذلك إنزالَ السلطان.
وذكَر الإنزالَ لأن الأمر يكون على ألسنةِ الأنبياء بإنزالِ اللَّه ذلك إليهم بواسطة الملائكة من السماء.
قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾: أي: مصيرُهم جهنم في الآخرة ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: وساء مقامُ الكافرين الذين ظلموا أنفسَهم ووضعوا الشيء في (^٢) غير موضعه، وقال في حق المؤمنين: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ مكان قوله في حق الكافرين: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾.
* * *
(١٥٢) - ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾: أي: حقَّق ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾؛ أي (^٣): تقتلونهم وتستأصلونهم بتخليته.
وقد حسَّ البردُ الجرادَ؛ أي: قتله واستأصله، يَحُسُّه بالضم، وسَنَةٌ حَسُوسٌ: تأتي على كل شيءٍ، وحرثٌ محسوسٌ؛ أي (^٤): استأصله البرد.
_________________
(١) في (أ): "يعبد".
(٢) "في" ليس في (أ).
(٣) في (ف): " ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: حقق لكم أن".
(٤) "أي" ليس في (ف).
[ ٤ / ٣١١ ]
يقول: قد صدَق اللَّه هذا الوعدَ، وهو قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، وقولُه تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] وقولُه تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ بكذا (^١)، قد صدق هذا الوعدَ في ابتداء الأمر يوم أحدٍ إذ غلبتُم الكفار وقتلتُم كثيرًا منهم، غيرَ أن هذا الوعد كان معلقًا بقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥].
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾: أي: جبُنْتُم ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْر﴾؛ أي: اختلفتُم ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾؛ أي: خالفتُم أمر النبيِّ ﵇ بلزوم المراكز.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾؛ أي: من قهر الكفار.
و(حتى إذا) يطلب جوابًا، واختُلف في جوابه:
قيل: هو مضمرٌ في آخره، وهو: قطع عنكم نصرته.
وقيل: الواو في ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ مقحمةٌ زائدةٌ (^٢).
وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ (^٣)، وتقديره: حتى إذا تنازعتُم فشلتُم، فكان الاختلافُ هو سببَ الفشل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]، ونظيرُ هذه الواوِ
_________________
(١) "بكذا" ليس في (ف).
(٢) وهذا لا يستقيم إلا باعتبار التقديم والتأخير -وهو ما سيأتي بعده- لأن انتفاء هذا الاعتبار يؤدي إلى أن يكون التنازع مسببًا عن الفشل، والأمر على العكس كما جاء في صريح الكتاب وسيأتي.
(٣) يعني: مع القول بزيادة الواو، وهذا قول الفراء؛ أي: زيادة الواو مع التقديم والتأخير. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٣٨). وقد ضعف هذا القول أبو حيان، ورجح القول بالإضمار -كالمؤلف فيما سيأتي- وأن التقدير: انقسمتم قسمين، مستظهرًا ذلك على قول ابن عطية: انهزمتم، والزمخشري: منعكم نصره، وغيرهما: امتُحنتم. وهي تقادير متقاربة كما قال. قلت: وكذا تقدير المصنف الذي يتوافق مع تقدير الزمخشري. وانظر: "البحر المحيط" (٦/ ٢٠٠).
[ ٤ / ٣١٢ ]
المقحَمة في القرآن في (^١) آيات: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] إلى قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧]، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٤]، ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ١٥].
والأصح أن الواو مثبتةٌ والكلَّ موصولٌ، والجواب في آخره محذوفٌ، ومثلُه (^٢) في القرآن كثيرٌ، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية (^٣) [الرعد: ٣١]، وجوابه محذوفٌ وتقديره: لكان هذا القرآنَ.
وكان لهم النصر إلى أن اختلفوا وتنازعوا، ومال بعضهم إلى الدنيا وقالوا: لقد (^٤) وقع الفتح ونخاف أن نُسبق إلى الغنائم.
وقيل: خافوا أن يكون الأمر في الغنائم يومَ أحدٍ كهو في يوم بدرٍ مَن أخذ شيئًا فهو له خاصةً، فآثَروا الدنيا على طاعة رسول اللَّه.
وقال بعضُ الرماة: بل نلزم مراكزنا (^٥)، ونحفظُ وصيةَ نبيِّنا (^٦)، فإنه كان قال لهم: "لا تَبْرَحوا مراكزكم وإنْ رأيتُمونا يتخطَّفُنا الطير" (^٧)، ففشلوا، للتنازع بينهم، وميلِ مَن مال منهم إلى الدنيا، فانقلب الأمر لخلافهم (^٨) الشرطَ الذي كان يدومُ به النصر.
_________________
(١) "في" من (ف).
(٢) في (ف): "ومثل هذا".
(٣) "الآية" من (أ).
(٤) في (ف): "قد".
(٥) في (ف): "مركزنا".
(٦) في (أ): "ونحفظ وصيته".
(٧) رواه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء، وقد تقدم خلال قصة أحد.
(٨) في (أ): "بخلافهم".
[ ٤ / ٣١٣ ]
قال (^١) الواقدي: ما أَظفر اللَّه رسولَه في موطن ما أظفره وأصحابَه يومَ أحدٍ حتى عصوه، لقد قُتل أصحاب لوائهم وانكشف المشركون وتداعت نساؤهم بالويل بعد ضرب الدُّفوف، وكلما أتى خالد بن الوليد من سفح الجبل (^٢) ردَّه الرماة (^٣).
وكان النبيُّ -ﷺ- قال للرماة: "قوموا على مصافِّكم ولا تبرحوا بحال" (^٤)، وأميرهم عبد اللَّه بن جُبير.
فلما انهزم المشركون وتبعهم المسلمون قال بعضُ الرماة لبعض: لمَ تقيمون هاهنا في (^٥) غيرِ شيءٍ؟ قد هزَم اللَّه العدو فادخلوا عسكر المشركين فاغنَموا مع إخوانكم.
فقال بعضهم: ألم تَعلموا أن النبيَّ -ﷺ- قال: "احموا ظهورنا ولا تبرحوا مكانكم".
فقال الآخرون: لم يُرِدْ رسولُ اللَّه -ﷺ- هذا، وقد أذلَّ اللَّه العدوَّ.
فلما اختلفوا خطبهم أميرُهم عبدُ اللَّه بن جبير فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم أمرهم بطاعة اللَّه وطاعة رسوله.
فعصوا وانطلقوا، فلم يبق مع الأمير إلا أقلُّ من عشرةٍ، واستدارت رحاهم، ونظر خالد إلى خلاء الجبل فكرَّ عليهم بالخيل في خمس مئة فارسٍ، فحمل الرماة
_________________
(١) في (أ): "وقال".
(٢) في هامش (أ): "سفح الجبل؛ أي: مضطجع".
(٣) في هامش (ف): "صدوه" وعليها علامة التصحيح، لكنها ليست في "مغازي الواقدي".
(٤) "ولا تبرحوا بحال" ليس في (ف). وفي "مغازي الواقدي": "قُومُوا على مَصَافّكم هذا، فاحمُوا ظهورَنا، فإنْ رأيتُمونا قد غَنِمْنا لا تَشْرَكُونا، وإنْ رأيتُمونا نُقْتلُ فلا تَنصُرونا".
(٥) في (ف): "من"، والمثبت موافق لما في "مغازي الواقدي".
[ ٤ / ٣١٤ ]
عليهم ورمى عبد اللَّه حتى فَنِيتْ نَبْلُه، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر، ثم كَسرَ جَفْنَ سيفه فقاتلهم حتى قتل (^١).
قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾: أي: الغنيمةَ (^٢) ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: أي: الثواب والشهادة، قال ابن مسعودٍ: ما علمتُ أن أحدًا منا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية (^٣).
ثم قولُه تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ هذا عامٌّ أريد به الخصوص، وهم الذين خالفوا أمرَ النبيِّ -ﷺ- في ترك المركز (^٤).
ثم فواتُ النصر وغلبةُ العدو كان عقوبةً للعصاة خاصةً، والآخرون أُكرموا بالثناء والثواب ودرجةِ الشهادة، كما يُخسف ببلدٍ وفيهم صبيانٌ وبهائمُ، فتكون العقوبة للعاصِين (^٥)، ولا عقوبة للآخرين، وإنما هو درجةٌ لهم وكرامةٌ يومَ الدِّين، وقد رُوي في بعض الأخبار أنه يُخسَف بقومٍ في آخِر الزمان ثم يُبعث كلُّ واحدٍ منهم يوم القيامة على نيَّته (^٦).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: أي: بهزيمتكم والتولِّي عنهم، وهو حجةُ أهل السنَّة والجماعةِ في أن اللَّه تعالى خالقُ أفعال العباد.
وقولُه تعالى: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾؛ أي: ليشدِّدَ عليكم بعصيانكم، وهو ابتداءُ عقوبةٍ.
_________________
(١) انظر: "مغازي الواقد" (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٢) في (ف): "بالغنيمة".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٤٠).
(٤) في (ف): "فتركوا" بدل: "في ترك المركز".
(٥) في (ف): "للمخالفين".
(٦) رواه مسلم (٢٨٨٢) من حديث أم سلمة ﵂.
[ ٤ / ٣١٥ ]
وقيل (^١): هو ابتلاءٌ ببليةٍ أَمر اللَّه تعالى بالصبر عليها ووعَد الثواب (^٢) عليه.
وقيل: معناه: ليبتليكم بسيوف الكفار عقوبةً على ترك الائتمار.
وقيل: ليَمِيز المؤمنَ من المنافق والمطيعَ من العاصي، وحقيقتُه: ليختبركم، ومعناه: ليُعاملكم معاملة المختبِرين؛ لأنَّه يجازِي على ما يَعمله العبد، لا على ما يَعلمه منه.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾: يعني: أيها المنهزمون، فلم (^٣) يُهلِكْكُم ولم يسلِّط عليكم عدوَّكم.
وقيل: ترَكَكم أحياءً بعدما قُتل سبعون منكم.
وقيل: غفر لكم مع سَبْق الوعيدِ (^٤) وقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية [الأنفال: ١٦]، وهو العفوُ عن الانهزام.
وقيل: هو العفو عما كان منهم من الفشل وإرادةِ الدنيا.
وقيل: الخطاب في ﴿صَرَفَكُمْ﴾ لغير المنهزمين، وفي ﴿عَفَا عَنْكُمْ﴾ للمنهزمين، وإن كان على نسقٍ واحدٍ؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠] الكناية ترجع إلى أبي بكرٍ الصدِّيق رضي اللَّه تعالى عنه، وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ ترجع إلى النبي -ﷺ-، لأن الخوف والحزن كانا للصدِّيق، فكانت السكينةُ منزَلةً عليه، وكان التأييدُ بالجنود للنبي ﵇ معجزةً له، فرجعت
_________________
(١) في (ف): "قيل".
(٢) في (أ): "بالثواب".
(٣) في (ر) و(ف): "فإنه لم".
(٤) في (ف): "التوكيد".
[ ٤ / ٣١٦ ]
إحدى الكنايتين إلى غيرِ مَن رجعت إليه الأخرى، وكذا قولُه تعالى: ﴿ويوقروه ويسبحوه﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: بالعفو عنهم، وقبولِ توبتهم، وتركِ استئصالهم، وبكلِّ حالٍ.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: في هذه الآيات دلالاتٌ على إبطال قول المعتزلة بوجوب الأصلح على اللَّه تعالى، وهو قولُه (^١) تعالى: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وقولُه: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقولُه تعالى: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] (^٢).
* * *
(١٥٣) - ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾: أي: عفا عنكم إذ تُصعدون، والإصعاد: هو النفوذ في مستوى الأرض، والصعود: الارتفاع (^٣).
وقيل: الإصعاد: الإبعاد في الضرب في الأرض.
وقيل: الإصعاد في الوادي، والصعود في الجبل.
_________________
(١) في (أ): "وهي قوله"، وفي (ف): "وقول".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٠٧).
(٣) في (أ): "الارتداع".
[ ٤ / ٣١٧ ]
وقال صاحب (الديوان): الإصعادُ في الأرض، والتصعيد في الجبل، والصعود (^١) في السلم.
وقال أبو معاذٍ النحويُّ (^٢): كلُّ شيءٍ له أسفلُ وأعلى كالوادي والنهر والزقاق فإنك تقول: أَصعد فيه: إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه، وتقول: أَصعَدَ الحاجُّ: إذا ابتدأ يريد مكة، وإذا ارتفع ارتفاعًا كما في السلَّم قلتَ: صَعِدَ.
وقال ابن عرفة (^٣): كلُّ مبتدئٍ إذا قصد جهةً (^٤) من سفرٍ وغيرِه فهو مُصْعدٌ في ابتدائه منحدِرٌ في رجوعه من أيِّ بلدٍ كان.
وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن السُّلَمي: ﴿تَصْعِدُونَ﴾ بفتح التاء من الصعود على الجبل (^٥).
وقراءة العامة: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بالضم، وفي قراءةِ أبيِّ بن كعبٍ وعبد اللَّه بن مسعودٍ ﵄: (إذ تُصْعِدون في الوادي) (^٦)، والرواية المشهورة ذهابُهم في الوادي، ويحتمل أنهم ذهبوا في الوادي ثم صَعِدَ بعضهم إلى (^٧) الجبل ملتجئًا به.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "والصعود".
(٢) الفضل بن خَالِد، أبو معاذ النَّحْوِي المروزِي مولى باهلة، روى عن عبد اللَّه بن المُبارك وداوُد بن أبي هِنْد،، وَأكْثر عَنهُ الأزهري في "التَّهْذِيب"، وذكره ابن حِبَّان في "الثِّقَات"، وصنَّف كتابًا في القرآن، ومات سنة (٥٢١١). انظر: "بغية الوعاة" (٢/ ٢٤٥).
(٣) هو إبراهيم بن محمد بن عرفة، توفي سنة (٣٢٣ هـ)، وهو مشهور باسم: نفطويه أيضًا.
(٤) في (ر): "كل مستبدئ وجهًا"، وفي (ف): "كل مبتدئ وجهًا"
(٥) انظر: "الكشاف" (١/ ٤٧١)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٥٢٦)، و"تفسير القرطبي" (٥/ ٣٦٥).
(٦) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٢٣)، و"الكشاف" (١/ ٤٢٧). ومثل هذه القراءات محمول على التفسير.
(٧) "إلى" ليس في (ف).
[ ٤ / ٣١٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾: أي: لا تعرِّجون، وقيل: لا تَعطِفون، وقيل: لا تَقِفون، وقيل: لا تلتفتون، وقيل: لا تلبثون.
وهو من قولك: لوى جِيدَه إليه ملتفتًا إليه، قال امرؤ القيس:
عشيةَ جاوَزْنا حماةَ وشَيْزَرا أخو الجَهْد لا يَلْوِي على مَن تَعَذَّرا (^١)
وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَحَدٍ﴾: أي: على أحدٍ من الآحاد، وهو إخبارٌ عن (^٢) غايةِ انهزامهم وخوفِ عدوِّهم (^٣).
وقال الكلبي: ﴿عَلَى أَحَدٍ﴾؛ أي: على الرسول ﵊.
قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: أي: يناديكم في آخركم (^٤)، والتأنيثُ لمعنى الطائفة والفرقة، وكان يقول: "إليَّ عبادَ اللَّه"، لا استعانةً (^٥) بهم، بل أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر وهو الانهزامُ وتركُ قتال الكفار.
_________________
(١) من قوله: "قال امرئ القيس. . " إلى هنا ليس في (أ). وهذا البيت ورد كما ذكره المؤلف في "المخصص" لابن سيده (٤/ ١٤٦)، و"العمدة" لابن رشيق (٢/ ٧٧)، و"الفائق" للزمخشري (١/ ٢٧)، و"التكملة" للصاغاني (٣/ ١٣٧). وعندهم عدا ابن رشيق: (حماة وسيرنا)، قال ابن سيده: أي: وسيرنا جاهد. ومعنى (تعذر): احتبس لما يعذر به، ويروى: (تغدرا)؛ تخلف، قاله الصاغاني. وهذا البيت وقع في الديوان مجموعًا من عجزي بيتين لامرئ القيس (ص: ٩٥)، هما: تَقَطَّع أسبابُ اللُّبانةِ والهوى عشيةَ جاوزنا حماة وشيزرا بسَيرٍ يَضجُّ العَوْدُ مِنْهُ يَمنُّهُ أخو الجهد لا يلوي على مَن تَعذَّرا
(٢) في (أ): "إخبار من" وفي (ر): "عبارةٌ عن".
(٣) أي: وخوفهم من عدوهم، فالمصدر مضاف إلى المفعول.
(٤) في (أ): "أخراكم".
(٥) في (أ): "استغاثة".
[ ٤ / ٣١٩ ]
وكان ينادي: "يا آل سورة البقرة، يا آل سورة آل عمران، يا آل الحواميم (^١)، يا آل طه"، ونحوَ ذلك، وكان كلُّ فريقٍ تعلَّموا سورًا، فكان (^٢) يعرفهم بها، فلم يقف من المنهزمين إلا طلحةُ وتسعةٌ من الأنصار، فتقدَّموا وقاتلوا الكفار حتى استُشهِدَ هؤلاء التسعةُ وبقي طلحة، فقال النبيُّ -ﷺ- لطلحةَ: "ما بقي من الأنصار في حقِّنا شيءٌ لم يفعلوه، بذلوا أنفسَهم وأموالهم لأجْلنا، وما بقي إلا أنتَ وأنا في نحرِ العدوِّ، فإمَّا أن تتقدَّمَ أو أتقدَّمَ"، فتقدَّم طلحة وقاتلهم فقُطعت إصبعُه فقال: آه، فقال ﵇: "لو قلتَ: اللَّه، لرفعَتْك الملائكة إلى السماء والناسُ ينظرون"، ثم قاتلهم حتى هزمهم، وجاء الناس واجتمعوا عند رسول اللَّه -ﷺ-، ثم جعلوا يتأسَّفون على القتلى وعلى الجرحى وعلى فوتِ الغنيمة، فإذا خالد بن الوليد قد صعد الثنية يقصدهم في خمس مئة فارسٍ (^٣)، وذلك (^٤) قوله تعالى:
﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾: أي: جازاكم غمَّ قصدِ خالدِ بن الوليد بسبب اغتمامِكم على ما كان من القتل والجرح وفوتِ الغنيمة، وكان ينبغي لكم ألا تغتموا لذلك (^٥)، ولذلك قال: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾؛ أي: مع سلامة نبيِّكم.
وقيل: بسبب غمِّكم النبيَّ -ﷺ- بمخالفته.
والثواب: الجزاء كيفما كان، والإثابة والتثويب: إعطاء الجزاء؛ قال تعالى:
_________________
(١) في (ف): "يا آل سورة الحواميم"، وفي (أ): "يا آل حم".
(٢) في (ر) و(ف): "وكان".
(٣) لم أقف عليه.
(٤) في (ر): "فذلك".
(٥) في (أ) و(ف): "وما كان ينبغي لكم ذلك"، بدل: "وكان ينبغي لكم ألا تغتموا لذلك".
[ ٤ / ٣٢٠ ]
﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦]، وقال ﵇: "الواهبُ أحقُّ بهِبَتِه ما لم يُثَبْ منها" (^١).
وقيل: بل الثواب إذا أُطلق يراد به الجزاءُ في الخير، وهاهنا أريدَ به أنه قائم مقام الثواب لعصيانهم (^٢)، وهذا كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]؛ أي: أقم لهم الوعيدَ بالنار مقام البشارة بالمسارّ.
وقيل: معناه: فجزاكم (^٣) اللَّه تعالى على عصيانكم غمًّا على غمٍّ، فالباء بمعنى (على)؛ كما يقال: نزلتُ بفلانٍ؛ أي: على فلانٍ.
وقيل: معناه: غمًا مع غمٍّ؛ كما يقال: ما زلت بفلانٍ حتى فعَل كذا؛ أي: مع فلان.
وقيل: أي: غمًّا متصلًا بغمٍّ، والباء للاتِّصال.
وقال الكلبي: الغمُّ الأولى الهزيمة، والغم الثاني إشراف خالد بن الوليد.
وقال ابن جريجٍ: الغم الأولى هو (^٤) حزنهم على ما أصابهم وأصاب أصحابهم، وولجوا شِعبًا فجاء أبو سفيان وأصحابه وأخذوا فم الشعب، فخافوا على أنفسهم كلِّهم الهلاك، فهو الغم الثاني (^٥).
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢٣٨٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ١٨١)، من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ضعيف، وعمرو بن دينار لم يسمع من أبي هريرة كما قال البيهقي، والصحيح أنه من قول عمر كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٧١)، ورواه البيهقي (٦/ ١٨١)، عن عمر موقوفًا بلفظ: (مَن وهب هبةً فلم يُثَب فهو أحق بهبته إلا لذي رحم). قال البيهقي: وهو المحفوظ.
(٢) في (ف): "بعصيانهم".
(٣) في (ف): "فجازاكم".
(٤) "هو" من (أ).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٥٦) من طريق ابن جريج عن مجاهد.
[ ٤ / ٣٢١ ]
وقال قتادة: الغمُّ الأول: القتل والجراح، والغمُّ الثاني: سماعُهم أن النبيَّ -ﷺ- قُتل (^١).
وقيل: الغمُّ الأول: غمُّ الجناية في حقِّ النبيِّ ﵇، والغمُّ الثاني: هو غمُّ الاعتذار إليه.
وقيل: الغمُّ الأول هو الاغتمامُ بما أصابهم، والغمُّ الثاني هو الاغتمامُ بما فعلوا وما يُجزون (^٢) عليه.
وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾: قيل: هو متصلٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ لأن العفو يُذهب كلَّ حزنٍ.
وقيل: هو متصلٌ بقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا﴾ هو (^٣) أعظمُ من الأول؛ لئلا (^٤) تغتمُّوا بالأول.
وقيل: أي: لكيلا تحزنوا بعد هذا على فوتِ الغنيمة، فيحملَكم على الاشتغال عن القتال، فينالَكم ما نالكم في هذه الغزوة من الهزيمة والجراح، ولكيلا تحزنوا على ما (^٥) أصابكم من الجراح فيدعوَكم إلى الفشل، فيصيبَكم ما خفتُموه وأنتم عاصون، ولولاه لأصابكم وأنتم مطيعون مأجورون.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٥٠)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٠٧٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٩١).
(٢) في (ف): "يحزن".
(٣) في (ف): " ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ وهو".
(٤) في (ف): "لكيلا".
(٥) في (ر): "ولكيلا تحزنوا على ما فاتكم وما".
[ ٤ / ٣٢٢ ]
وقيل (^١): أي: ليكون خوفكم و(^٢) حزنكم على العصيان بالهزيمة لا على فوت الغنيمة، ولتهتمُّوا بقبح أفعالكم (^٣) لا بنقص أنفسكم وأموالكم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي (^٤): لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالكم، وهذا ترغيبٌ في الطاعة وترهيبٌ عن المعصية.
* * *
(١٥٤) - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾: هذه الآية من الجوامع، وفيها كلُّ الحروف المعجَمة، والأمَنة: الأمن، وهي مصدرٌ على الفَعَلة كالعَظَمة والغَلَبة.
وقوله تعالى: ﴿نُعَاسًا﴾ بدلٌ من الأمنة وترجمةٌ عنها.
وقوله تعالى: ﴿يَغْشَى﴾ قرأ حمزة والكسائي بتاء التأنيث ردًّا إلى الأمنة، وقرأ الباقون بياء التذكير ردًّا إلى النعاس (^٥)، ونظيره: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ
_________________
(١) بعدها في هامش (ر): "وأنتم" وعليها علامة التصحيح.
(٢) "خوفكم و" ليس في (أ).
(٣) في (ف): "أعمالكم".
(٤) "أي" ليس في (أ).
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢١٧)، و"التيسير" (ص: ٩١).
[ ٤ / ٣٢٣ ]
كَالْمُهْلِ تَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] (^١)، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] (^٢).
وقال أبو عبيد (^٣): التذكير أولى؛ لأنَّه يليه في كلِّ هذه الآيات، والصرف إلى الأقرب أولى، ولأن النعاس هو الذي يغشى القوم.
والغشيان هو التغطية والإتيان، يقول: مَنَّ على المؤمنين منكم المخلصين (^٤) فأمَّنَهُم وأنامَهم وأزال اغتمامهم؛ قال أبو طلحة: ما منَّا أحد إلا وهو يميلُ تحت جحفته من النعاس (^٥).
وقال أنس: وذكر (^٦) أبو طلحة أن السيف كان يسقط من يده ثم يأخذه، ثم يسقط ثم يأخذه (^٧).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: سمعوا بانصراف العدو فأَمِنوا وناموا، والمنافقون سمعوا به فلم يصدِّقوا ودام خوفهم فلم يناموا، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب: ٢٠] (^٨).
_________________
(١) قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم: ﴿يَغْلِي﴾ بالياء، وباقي السبعة بالتاء. انظر: "السبعة" (ص: ٥٩٢)، و"التيسير" (ص: ١٩٨).
(٢) قرأ حفص عن عاصم: ﴿يُمْنَى﴾ بالياء، وباقي السبعة بالتاء. انظر: "السبعة" (ص: ٦٦٢)، و"التيسير" (ص: ٢١٧).
(٣) في (ر) و(ف): "عبيدة"، والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في "تفسير الثعلبي" (٣/ ١٨٧)، و"تفسير الرازي" (٩/ ٣٩٤).
(٤) في (أ) و(ف): "منَّ على المخلصين منكم".
(٥) رواه الترمذي (٣٠٠٧)، وفيه: (يميد) والمعنى واحد.
(٦) في (أ): "ذكر".
(٧) رواه البخاري (٤٥٦٢).
(٨) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥١٠).
[ ٤ / ٣٢٤ ]
قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: هذا ابتداء، وهم المنافقون وكان (^١) حضورهم للغنيمة، فلما فاتهم وخافوا على أنفسهم الاستئصالَ ولم يكونوا من أهل الكرامة، لم يؤمِّنهم ولم يُنِمْهم فبَقُوا في الغموم.
وقال سيبويه: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ هذه واوُ الحال؛ أي: إذ طائفةٌ (^٢).
﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: حملتهم على الهمِّ؛ يقال: همٌّ مُهِمٌّ، وأمرٌ مهمٌّ، ويقولون: همُّكَ ما أَهَمَّكَ.
ثم قوله تعالى: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يَصلُح أن يكون خبرًا للابتداء وما بعده كذلك، ويجوز أن يكون قد أهمتهم صفةً لهم وما بعده خبرًا.
وقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ (^٣)؛ أي: أنْ لا ينصرُ محمدًا.
وقوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: قيل: أي: ظنَّ أهلِ الجاهلية، وهي حالةُ الكفر، والإضمارُ سائغ.
وقيل: أي: كظنِّهم في الجاهلية، يعني: كانوا يقولون في أنفسهم: لو كان المسلمون على حقٍّ لم تَنَلْهم هذه النكبةُ، ولم يعلموا أن اللَّه يبتلي عبادَه بما شاء ليتميَّز المخلِص من غيره.
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: من النصر والعلوِّ، وهو استفهام بمعنى الجَحْد؛ أي: لسنا محقِّين فلسنا بمنصورين.
_________________
(١) في (ف): "كان".
(٢) في (أ): "وإذ طائفة"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر، وهو الصواب. انظر: "الكتاب" (١/ ٩٠)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٧٩)، و"الحجة" للفارسي (١/ ١٥٦)، و"البسيط" للواحدي (٦/ ٩٢)، و"إعراب القرآن" لأبي القاسم الأصفهاني (ص: ٣٢).
(٣) بعدها في (ر): "خبر".
[ ٤ / ٣٢٥ ]
ويقال: الأمر لفلان، وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾: قرأ أهل المدينة والكوفة: ﴿كُلَّهُ﴾ بالنصب تأكيدًا لـ ﴿الْأَمْر﴾ وقرأ أهلُ البصرة: ﴿كُلَّهُ﴾ بالرفع على الابتداء (^١).
أي: الحقُّ للَّه تعالى ولمن دعا إلى دينه، وهو ينصر أولياءه على كل (^٢) حالٍ بالغلبة أو بالحجة، وله أن يبتلي عباده بما شاء.
قوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾: أي: من الشك والنفاق.
وقيل: هو ما لا يستطيعون إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين، ومن ظهور حالهم للمؤمنين.
وقيل: قال عبد اللَّه بن أُبيٍّ: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: إنهم يأتمرون بأمر النبيِّ ﵇ لا بأمري.
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾: هو (^٣) قول ابن أُبيٍّ: لو كانوا عملوا بأمري ولم يخرجوا من المدينة لم يُقتلوا.
وقوله تعالى: ﴿مَا قُتِلْنَا﴾؛ أي: ما قُتل منَّا أحد، يقال: قَتَلْناكم؛ أي: قتلنا منكم.
وقيل: معناه: لو كان الأمر إلى اختيارنا واستصوابنا لم نَخرج فلم يُقتل من قراباتنا أحد، وكان أكثرُ القتلى يومئذ من الأنصار، ولم يقتل من المهاجرين إلا يسيرٌ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾:
_________________
(١) وهي قراءة أبي عمرو ويعقوب. انظر: "السبعة" (ص: ٢١٧)، و"التيسير" (ص: ٩١)، و"النشر" (٢/ ٢٤٢).
(٢) في (أ): "بكل" بدل: "على كل".
(٣) في (أ): "وهو".
[ ٤ / ٣٢٦ ]
أي: لو تخلَّفْتُم فمكَثْتُم في منازلكم بالمدينة لخرج الذين كتب عليهم القتل في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم بأُحد، يقول: ما حكَم اللَّه فهو كائن لا محالة لا دافع له ولا رافع.
وقيل: معناه: أن المنافقين قالوا: لو لم نخرج نحن ما خرج (^١) المخلِصون من الأنصار، فإنهم يقتدون بنا اعتضادًا بنا، فقال اللَّه تعالى: لو تخلَّفتم أيها المنافقون لخرج المخلِصون الذين آمنوا بي وبرسولي، فهم أطوعُ لي وأحرصُ على قتال العدوِّ من أن يتخلَّفوا لتخلُّفكم.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾: أي: ليُظهر ما في قلوبكم من النفادتى، والواوُ مقحَمة زائدةٌ عند بعضهم، وتقديره: ثم أنزل عليكم كذا ليبتلي.
وقيل: الواو ثابتة، وهو معطوف على قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾.
وقيل: في آخره إضمار (^٢)؛ أي: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أمركم بالجهاد.
والتمحيص: التخليص، ومعناه: أن المسلمين كانوا يرتابون في أمر المنافقين، فأراد أن يزيل عنهم الشك في أمرهم.
وقيل: الخطاب في الابتلاء والتمحيص للمخلِصين المذكورين في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: فعَل ذلك ليُظهرَ ثقتكم وإخلاصكم (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾: أي: بما فيها من الخير والشر، وهو
_________________
(١) في (أ) و(ف): "لم يخرج".
(٢) في (أ): "مضمر".
(٣) في (ر): "نفاقكم وإخلاصكم"، والكلام من قوله: "تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ. . .﴾ " إلى هنا ليس في (ف).
[ ٤ / ٣٢٧ ]
وعدٌ ووعيدٌ، يقول: لا يبتليكم ليعلم ما في صدوركم فإنه عالمٌ بها، لكن يعاملكم معاملةَ المختبِر ليجزيَكم على عملكم لا على علمه، أو: ليبتليكم (^١) المؤمنون ليعلموكم، فأضاف ابتلاءَهم إلى نفسه تشريفًا لهم.
* * *
(١٥٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُم﴾: أي: انهزموا من المسلمين دون المنافقين ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: اجتمع الجندان: جندُ المسلمين وجند الكافرين (^٢) ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: حملهم على هذه الزلة.
وقوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾؛ أي: ببعض ذنوبهم؛ من حبِّ الحياة، أو الرغبة (^٣) في المال، أو عصيان الرماة بترك المركز، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾: أي: تجاوز اللَّهُ عنهم هذه الزَّلة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ يغفر الذنب ولا يَعْجَل بالعقوبة.
وقيل: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾؛ أي: ذكَّرهم خطايا سلفت منهم، فكرهوا أن يقتلوا ولم يتوبوا (^٤) منها، فذهبوا رجاء أن يتوبوا ويستغفروا ثم يموتوا من (^٥) بعدما طهروا؛ قال
_________________
(١) في (أ) و(ف): "يبتليكم".
(٢) في (أ): "المشركين".
(٣) في (ر): "والرغبة".
(٤) في (ف): "ذكرهم خطاياهم التي سلفت منهم ولم يتوبوا".
(٥) "من" من (ف).
[ ٤ / ٣٢٨ ]
الزبير: نزلت الآية في شأن عثمان بن عفان وسعد بن عثمان الزُّرقيُّ وعقبة بن عمير ﵃، خرجوا إلى جبل بناحية المدينة يقال له: الجَلْعَب (^١)، فأقاموا به ثلاثًا، فلما رجعوا إلى رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لقد ذهبتُم فيها عريضةً" (^٢).
وقال عكرمة: هم عثمان والوليد بن عُقبة وخارجة بن زيد ورِفاعة بن المعلَّى (^٣).
وقيل: هم جميع مَن انهزم ذلك اليوم.
وقال الواقدي ﵀: دخل المدينة أولًا من المنهزِمين سعدُ بن عثمان هذا، ثم الحارث بن حاطب، وثعلبة بن حاطب، وسوادُ بن غَزِيَّة، وعقبةُ بن عثمان، وخارجةُ بن عامر، وأوس بن قيظّي، ولقيتْهم أمُّ أيمنَ تحثي في وجوههم التراب وتقول لبعضهم: هلمَّ سيفكَ وهاكَ المغزلُ فاغْزِلْ به (^٤).
وقال ابن أبي مليكة: جاء رجلٌ إلى ابن عمر ﵄ فقال: أشهِدَ عثمان بيعةَ الرضوان؛ قال: لا، قال: أشهد بدرًا؟ قال: لا، قال: كان ممن استزلَّهم الشيطان يوم أحد؟ قال: نعم. فقام الرجل، فعلم ابن عمر أنه يريد نقيصتَه فقال: رُدُّوه، فرَدُّوه، فقال: أما بيعةُ الرضوان فإن نبيَّ اللَّه -ﷺ- قال: "عثمانُ انْطَلَقَ في حاجةِ اللَّه وحاجةِ
_________________
(١) في (أ): "الجعلب".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٧٤)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٠٩٥)، عن ابن إسحاق، وهو في "سيرة ابن إسحاق" (٥١٤). ونسبته إلى الزبير وهم لعل سببه أن ابن إسحاق روى قبله خبرًا عن الزبير، ثم أتبعه بهذا متصلًا به. والرجلان المذكوران مع عثمان ﵁ في هذا الخبر هما: (عقبة بن عثمان وسعد بن عثمان رجلان من الأنصار ثم من بني زريق)، وفىِ بعض المصادر بيان أنهما أخوان.
(٣) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (١٠٩٤).
(٤) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ١٧٧ - ٢٧٨).
[ ٤ / ٣٢٩ ]
رسوله، فأنا أبايعُ له"، فضَرب إحدى يديه على الأخرى، وأما يومُ بدر فإن رسول اللَّه -ﷺ- خلَّفه على ابنته يمرِّضها وضَرب له بسهمه، وأما استزلالُ الشيطانِ فإن اللَّه عفا (^١) عنه، قُم فقد خاب سعيُك وبطَل عملُك (^٢).
وفي الآية لطفٌ من اللَّه ﷻ بعباده، حيث أضاف الزَّلَل إلى استزلالِ الشيطان وهو كتمهيدِ العذر لهم، ونظيره قولُ اللَّه ﷿: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦] ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ [يوسف: ٤٢] ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] ﴿أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ [يوسف: ١٠٠] ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣].
* * *
(١٥٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: وهم المنافقون الذين ظنُّوا من جهلهم أن من لم يتعرض للموت والقتل بالخروج إلى الغزو لم يمت.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾: أي: لأشباههم من المنافقين.
وقيل: أي: لإخوانهم في النسب -لا في الدين- من المؤمنين الذين تولوا.
_________________
(١) في (أ): "فقد عفا اللَّه" بدل: "فإن اللَّه عفا".
(٢) رواه عن حبيب بن أبي مليكة أبو داود (٢٧٢٦)، والحاكم في "المستدرك" (٤٥٣٨)، ومتنه عند أبي داود مختصر، ورواه بنحوه من طريق آخر البخاري (٣٦٩٨) والمرفوع فيه بلفظ: "هذه يدُ عثمانَ". فضَربَ بها على يده، فقال: "هذه لعثمانَ". وليس عندهم عبارة: "قُم فقد خاب سعيُك وبطَل عملُك".
[ ٤ / ٣٣٠ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ولا حاجةَ بنا إلى معرفة القائلين ذلك، والمعنى: أنْ لا تقولوا مثلَ قولهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ساروا فيها لتجارة أو نحوها.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾: أي: غزاةً، والغُزَّى: فُعَّلٌ من الغازي، وهو كالساجد والسُّجَّد، والراكع والرُّكَّع، والغزو: قصدُ العدوِّ، والمغزى: القصد (^٢).
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾: أي: هؤلاء القتلى ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾؛ أي: لو لم يخاطروا لعاشوا.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: أي: يقولون ذلك لأقاربِ القتلى ليكون ذلك حسرةً لهم (^٣)، وهي أشدُّ الندامة التي تَقطع القوةَ ونحوَها، والحسرةُ على هذا للسامعين؛ أي: من أهل الإسلام (^٤).
وقيل: قالوا ذلك ليَجبن هؤلاء عن القتال من بعدُ، فلم يقبلوا قولهم فصار حسرةً للمنافقين.
وقيل: هذه الحسرة لهم في القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: لا التَّوقِّي (^٥) والتلقِّي.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأ ابن كثير وحمزةُ والكسائي بياء
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥١٣).
(٢) في (ف): "المقصود".
(٣) في (ر): "فيكون ذلك حسرة في قلوبهم".
(٤) "أي من أهل الإسلام" ليس في (أ).
(٥) "لا التوقي" من (أ)، ووقع في (ر) بدلًا منها: "بالتوقي"، وفي (ف): "للتوفي".
[ ٤ / ٣٣١ ]
المغايَبة خبرًا عن المنافقين، وقرأ الباقون بتاء المخاطَبة للمؤمنين (^١)، وكذا افتتاحُ الآية وما بعدَ هذه الآية، وهو وعد ووعيد.
قال الكلبيُّ: نزلت في منافقي أهل الكتاب عبدِ اللَّه بن أبيٍّ، ومُعتِّبِ بن قُشيرٍ، وجَدِّ بن قيسٍ، قالوا لإخوانهم إذا سافروا وماتوا أو غَزَوا فقتلوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، واللَّهُ يحيي ويميت في الحضر والسفر.
وقال عطاء: نزلت في المنافقين، قالوا فيمَن بعثهم النبيُّ -ﷺ- من السرايا إلى بئر معونةَ وإلى الرجيع فأصيبوا: لو كانوا عندنا ما أصيبوا، واللَّه يحيي قلوب أوليائه وأهلِ طاعته، ويميت قلوب أعدائه من المنافقين والكافرين (^٢).
* * *
(١٥٧) - ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾: اللام في (لئن) لامُ القسم، وقوله تعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ جواب القسم باللام.
وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفصٍ بياء المغايَبة خبرًا عن المنافقين، والباقون بالتاء خطابًا للمؤمنين (^٣).
يقول: يا معشر (^٤) المؤمنين، إنَّ ما تنالونه بالجهاد والشهادةِ فيه (^٥) خيرٌ وأفضل وأنفعُ في الآخرة من مالٍ يُجمع في الدنيا الفانية.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢١٧)، و"التيسير" (ص: ٩١).
(٢) في (أ): "والكفار". والخبر في "البسيط" للواحدي (٦/ ١٠٢)، وفيه: عطاء عن ابن عباس.
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢١٨)، و"التيسير" (ص: ٩١).
(٤) في (ف): "معاشر".
(٥) "فيه" ليس في (ف).
[ ٤ / ٣٣٢ ]
(١٥٨) - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ واللامان على ما مر في الآية الأولى، وقال الكسائي: لو تأخرتِ اللام الثانيةُ التي هي جوابٌ إلى ﴿تُحْشَرُونَ﴾ لكان بتشديد النون وحذفِ الواو، لأن الفعل المضارع في القَسَم يكون كذلك، فلما حوِّلت اللام إلى (إلى) بقيت كلمة ﴿تُحْشَرُونَ﴾ بحالها، وهو كقولك: لئن أحسنتَ إليَّ لأُحسننَّ إليك، فإذا حلت بينهما قلتَ: لئن أحسنتَ إليَّ لإليك أحسن.
ومعنى الآية: إنكم إنْ (^١) متُّم في بيوتكم بعد طولِ العمر، أو قُتلتم في سفرٍ أو حضرٍ، فالمحشرُ إلى اللَّه، وهو المُجازي بالأعمال، فلْيَخَفِ الخائفُ العقابَ لا الموتَ والقتلَ الذي لا بد منه.
وقيل: ولئن متُّم أو قُتلتم يا معشر المؤمنين فمَرجعُ الجميع -الأولياءِ والأعداءِ- إلى اللَّه، فسيرى كلٌّ منكم عاقبةَ أمره، فيعلم (^٢) المؤمن أن تعرُّضه للقتل بالجهاد لم يضرَّه بل ينفعُه (^٣)، ويعلمُ الكافر أن توقِّيَه لم ينفعْه بل ضرَّه (^٤).
وقيل: أي: إذا لم يَقدِروا على ألَّا يُحشروا إليه فكيف يقدرون على دفع الموت أو القتل؟
وقال الإمام القشيري ﵀: إذا كان المصير إلى اللَّه طاب المسير إلى اللَّه (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ر): "إذا".
(٢) في (أ): "فيسلم".
(٣) في (أ): "نفعه".
(٤) في (ف): "يضره".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٨٩).
[ ٤ / ٣٣٣ ]
(١٥٩) - ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: (ما) زائدةٌ؛ أي: فبرحمةٍ من اللَّه (^١)، وكذا قولُه تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] و: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، وهذه الزيادة للتأكيد.
وقيل: (ما) اسمٌ، وتقديره: بسببٍ أو شيءٍ، ﴿رَحْمَةٍ﴾ ترجمةٌ له وبدلٌ عنه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ عليك، ويحتمل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ على العالمين ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾، واللِّين في القول أنفذُ في القلوب، وأسرعُ إلى الإجابة، وأدعى إلى الطاعة، ولذلك أَمر موسى وهارون به فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] (^٢).
و﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أي: لطَفْتَ (^٣) في القول، يقول (^٤): بفضل اللَّه وبرحمته (^٥) لطفتَ للمنهزمين حين لقيتَهم فلم تُخاشنهم، وهو ثناءٌ عليه بحُسن الخلق.
وقيل: هو تذكيرٌ له أنه من اللَّه لا من نفسه.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾: قال الخليل: رجل فظٌّ: ذو فظاظةٍ -من حدِّ عَلِمَ-، وهو الذي في مَنْطِقة غظٌ وتجهُّم (^٦).
_________________
(١) "من اللَّه" من (ف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥١٤ - ٥١٥).
(٣) في (ر): "لطفت لهم".
(٤) في (ر): "يقول".
(٥) في (ف): "ورحمته".
(٦) انظر: "العين" (٨/ ١٥٣).
[ ٤ / ٣٣٤ ]
وقوله تعالى: ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾: أي: قاسيَ القلب غيرَ رقيق القلب.
وقوله تعالى: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: أي: لتفرَّقوا عنك، وقد فضضْتُ الشيءَ؛ أي: كسرتُه، فانفضَّ؛ أي: انكسر، وفي الكسر تفريقٌ، وفي الانكسار تفرُّقٌ.
يقول: لو كنتَ فظًّا (^١) غليظَ اللسان أو القلبِ وخاشَنْتَهم وعاتبتَهم على الانهزام لتفرَّقوا عنك هيبةً لك واحتشامًا مما كان منهم من تولِّيهم عنك.
وقد رُوي أنه لمَّا راَهم لم يَزِدْ على قوله: "لقد ذهبتم فيها عريضةً" (^٢).
وقال لهم بالمدينة حين لقيهم: "أمَا إنهم لن ينالوا منكم مثلَها حتى يفتحَ اللَّه تعالى لكم عليهم" (^٣).
وقيل: في الآية مدحٌ له بحسنِ الخلُق في كلِّ (^٤) حالٍ، لا في حقِّ هؤلاء على الخصوص، ثم أمَره بالدوام عليه وذلك:
قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: أي: لا تؤاخذهم بما كان منهم ولا تعيِّرهم به (^٥) ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ مني تطييبًا لأنفسهم.
وقيل: فائدة الجمع بين الكلمتين: كمالُ اللطف بالمؤمنين، يقول: قد جَنَوا في حقِّك، فأنا أشفعُ إليك فيهم، فاعفُ عنهم، وجنَوا في حقِّي فاشفَعْ إليَّ أنت فيهم واستغفرْ لهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هي أرجى آيةٍ في القرآن، وكذا قولُه:
_________________
(١) "فظا" ليس في (أ).
(٢) تقدم قريبًا.
(٣) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٣٣٧)، وفيه أن المخاطب بذلك هو طلحة بن عبيد اللَّه ﵁.
(٤) في (أ) و(ف): "بكل" بدل: "في كل".
(٥) "به" ليس في (أ).
[ ٤ / ٣٣٥ ]
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، أمَره بالاستغفار لهم، ولا يُظنُّ به أنه لم يفعل ولا يُظنُّ باللَّه ﷿ أنه يأمره بالاستغفار لهم ثم لا يغفر لهم إذا استغفر لهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أي: ردَّهم إلى مراتبهم في مشاوَرتهم واستشارتهم في الأمور، والمشاورةُ بين الاثنين والجمع، والاستشارة: طلبُ المشورة وسؤالُها، والمشورةُ الاسمُ على ميزان المعُونة هي اللغة الصحيحة، والمَشْوَرة على المَفْعَلة لغةٌ ضعيفة، وهو طلب الإشارة إلى ما يقع في رأيه وعقله من الصواب.
وقيل: هي من شَوْر الدابة وهو عرضُها.
وقيل: هي من شَوْر (^٢) العسل وهو اجتناؤه.
ويحتمِل أنه لمَّا عفا عنهم واستغفر لهم بالأمر قصد بقلبه ألَّا يشاورَهم بعد هذا، فقد شاورهم في (^٣) أن لا يخرجوا من المدينة فأحبُّوا الخروج حرصًا على الجهاد، وكان الصواب أنْ لا يخالفوا رأيه، فلمَّا خالفوا (^٤) همَّ ألا يشاورَهم بعدُ، فأمره اللَّه تعالى بها تطييبًا لقلوبهم؛ ليعرِفوا أنه راضٍ عنهم لم يبق في قلبه شيءٌ مما يرجع إلى أذاهم، ولمَّا بيَّن اللَّه عز وعلا أن أصحابه يتفرَّقون عنه لو كان فظًّا غليظَ القلب (^٥) مع أن اتِّباعه دِينٌ ومفارقتَه كفرٌ، فكيف يَتوقع مَن يعاملُ الناس خشونة اللفظ وقسوةِ القلب أن ينقاد الناسُ كلُّهم له ويتابعوه (^٦) ويطاوعوه؟
_________________
(١) "إذا استغفر لهم" ليس في (ف). وانظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥١٥ - ٥١٦).
(٢) في (ر): "شورة"، وكذا في الموضع الذي قبله.
(٣) في (أ): "فقد أشار لهم في"، وفي (ف): "فقد شاورهم على".
(٤) في (ف): "خالفوه".
(٥) في (ف): "غليظا".
(٦) في (ر): "ويبايعوه".
[ ٤ / ٣٣٦ ]
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: فيه وجوه:
أحدها: أنه لا يجوز أن يأمرَه بالمشاورة فيما فيه النصُّ، وإنما يأمره بها فيما لا نصَّ فيه، ففيه دليلُ جواز العمل بالاجتهاد.
والثاني: لا يخلو أمرُه بها: إما أن يكون لعظيم قَدْرهم عند اللَّه، أو لفضل عقلٍ، وكيفما كان فلا يجوز لمن دونهم أن يسوُّوا أنفسَهم بهم، ولا جائزٌ أن يأمره بمشاورة أصحابه ثم لا يعملَ برأيهم، دل أنهم إذا اجتمعوا كان الحقُّ معهم (^١) لا يشذُّ عنهم (^٢).
وقوله تعالى ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: فإذا عزمتَ على إمضاءِ ما أشاروا عليك به فلا تعتمِدْ عليهم بل اعتمد على اللَّه، وهو يوضح ما قلنا: أن استشارته إياهم لم تكن لحاجته إليها بل لتألُّفهم وتلطُّفهم.
وقال الحسن: إن النبي -ﷺ- كان غنيًّا عن مشاورتهم، ولكن أحب اللَّه تعالى أن يَستنَّ به الحكَّامُ بعده (^٣).
وقال أبو عِصمةَ نوحُ بن أبي مريم: كانت العرب إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرًا دونهم شقَّ عليهم، فأمر اللَّهُ تعالى نبيَّه أن يشاورَهم في الأمر ليكون أعطفَ لقلوبهم عليه.
وقال أبو هريرة ﵁: ما رأيتُ أحدًا أكثرَ مشاورةً لأصحابه من رسول اللَّه -ﷺ- (^٤).
_________________
(١) في (أ): "بينهم".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥١٦).
(٣) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (١١١٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٠١).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٠١).
[ ٤ / ٣٣٧ ]
وقال ﵊ (^١): من الحزم أن تستشيروا ذوي الرأي وتطيعوهم فيه (^٢).
وقال ﵇: ما تشاور (^٣) قومٌ قطُّ إلا هُدوا لأَرْشدِ أمرهم (^٤).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (^٥): أبا بكر وعمر (^٦).
والتوكُّل في الأمر: هو تفويضُ الأمر إلى اللَّه، والاعتمادُ على كفايته، وقد وَكَل أمرَه إلى فلان يَكِلُه إليه؛ أي: فوَّضه إليه.
وقيل: حَسْبُك من التوكُّل أنْ لا تَطلبَ لنفسك ناصرًا غيرَ اللَّه، ولا لرزقك خازنًا غيرَه، ولا لعملك شاهدًا غيره.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: أي: يُثْني عليهم ويَرْضَى عملَهم ويُحسِن إليهم ثوابهم.
وقال الإمام القشيري ﵀: حقيقة التوكُّل: شهودُ التقدير، وإراحة القلب عن كدِّ التدبير، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾؛ أي: يذيقُهم بَرْدَ الكفاية
_________________
(١) "وقال ﵊" ليس في (ر) و(ف).
(٢) من قوله: "وقال ﵊. . . " إلى هنا ليس في (ف). والحديث لم أجده. وجاء في هامش (أ): "وعن الحسن ﵀: لما أنزل اللَّه تعالى قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ قال رسول اللَّه -ﷺ- لأصحابه: "إن اللَّه ورسوله غنيان عن مشاورتكم، ولكنه أراد أن تكون سنة لأمتي".
(٣) في (أ): "شاور"، وهي رواية الطبري، والمثبت رواية ابن المنذر.
(٤) رواه الطبري فى "تفسيره" (٦/ ١٩٠)، وابن المنذر فى "تفسيره" (١١١٦).
(٥) فى (ف): " ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ نزلت في"، وروي هذا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصادر الآتية.
(٦) رواه النحاس في "معاني القرآن" (١/ ٥٠٢)، والحاكم في "المستدرك" (٤٤٣٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ١٠٨).
[ ٤ / ٣٣٨ ]
ليزولَ عنهم كلُّ تعبٍ ونصَبٍ وأنه يعامل كلًّا بما يستوجبه، فقومٌ يُغْنيهم عند توكلهم بعطائه، وآخرون يكفيهم عند توكُّلهم بغطائه وقوم يرضيهم في عموم أحوالهم حتى يكتفوا ببقائه، ويقفوا معه به له (^١) على تلوينات قدَره وقضائه (^٢).
* * *
(١٦٠) - ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾: النصر (^٣) نوعان: معونةٌ ومنعٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾: الخذلان: ترك النُّصرة، و(مَن) استفهامٌ لتقرير النفي، لأن جوابه يكون بالنفي فأغنى ذكرُه عن ذكره، و﴿ذَا﴾ بمنزلة اسمٍ هو خبرٌ للابتداء (^٤)، و﴿الَّذِي﴾ نعته، و﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ كناية عن الخذلان.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: تقريرٌ للأمر بالتوكُّل، وبيانٌ للمعنى الموجِبِ للتوكُّل الداعي إليه.
قال القشيري ﵀: حقيقةُ النصرة أن ينصرك على نفسك فإنها أعدى عدوِّك، وهي أن يهزم عنك (^٥) دواعيَ فتنتها بعواصم رحمته، حتى تنفضَّ جنود الشهوات بهجوم وفود المنازلات، فتبقى الولاية للَّه تعالى خالصةً من رُعونات الدواعي التي هي أوصاف البشرية وشهواتُ النفوس.
_________________
(١) في (أ): "بدله" بدل "به له". والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٩١).
(٣) في (أ): "النصرة".
(٤) في (ر): "الابتداء".
(٥) في (أ): "عندك".
[ ٤ / ٣٣٩ ]
﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ الخذلان: التخلية بينه وبين المعاصي، فمَن نصَره قبَض على يديه عند الهمِّ بتعاطي المكروه، ومَن خذله ألقى حبلَه على غاربه ووكَله إلى سوء اختياره، فيهيم على وجهه في فيافي البُعد، فتارةً يشرِّق غيرَ محتشِم، وتارةً يغرِّب غيرَ محترم، ومَن نسيه (^١) الحق فلا آخِذَ بيده ولا جابِرَ لكسره.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في وجدان الأمان من هذه الأخطار عند صدق الابتهال، وإسبال ثوب العفو على الإجرام عند خُلوص الالتجاء (^٢) بالتبرِّي من الحول والقوة (^٣)، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
* * *
(١٦١) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو: ﴿يَغُلَّ﴾ بفتح الياء وضمِّ الغين، ومعناه: يخون في المغنم، وقد غَلَّ يَغُلُّ غُلولًا من حدِّ دَخَل، فأما الغِلُّ الذي هو الضِّغنُ فصَرْفُه من حدِّ ضرَب، والإغلال: الخيانة في كلِّ شيء؛ وقال (^٤) النبيُّ ﵇: "لا إغلالَ ولا إسلال" (^٥)؛ أي: لا خيانةَ ولا سرقة.
وقرأ الباقون: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ بضم الياء وفتح الغين (^٦)، وله وجهان:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "سيبه".
(٢) في (ر): "الارتجاء".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٩٢).
(٤) في (أ): "قال".
(٥) قطعة من حديث صلح الحديبية رواه أبو داود (٢٧٦٦) من حديث المسور ومروان.
(٦) هي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: "السبعة" (ص: ٢١٨)، و"التيسير" (ص: ٩١).
[ ٤ / ٣٤٠ ]
أحدهما: أنه فعلُ ما لم يُسمَّ فاعلُه من غَلَّ؛ أي: خان؛ أي: ما ينبغي أن يَخُونه أحد.
والثاني (^١): أنه فعلُ ما لم يُسمَّ فاعلُه من أَغَلَّه؛ أي: وجده غالًّا خائنًا؛ أي: ما (^٢) ينبغي لنبيٍّ أن يوجَد خائنا.
وسببُ نزول الآية -وبه يَظهر تفسيرُه-: أن الذين كانوا مع عبد اللَّه بن جبيرٍ يوم أحد من الرماة كان السببُ في إخلالهم بمراكزهم أنهم لمَّا رأوا انكشاف (^٣) المشركين تبادروا إلى الغنيمة خوفًا من أن يستوليَ عليها غيرهم من المسلمين، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٤).
ومعناه واللَّه أعلم: وما ينبغي لنبيٍّ ولا يَحلُّ له أن يخون في الغنيمة، أو يرضى من أصحابه بالخيانة، وأن يأخذوا أكثرَ مما جعله (^٥) اللَّه لهم، فما ينبغي لكم معاشرَ الرماة أن تخلُّوا بمصافِّكم خِيفةَ فَوَات حِصَصِكم من الغنيمة، ونظيرُ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦]؛ أي: ما يحلُّ، فكذا قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾؛ أي: ما حلَّ له، وإذا لم يحلَّ له لم يفعل.
وقيل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾؛ أي: ما كان من صفته أن يغلَّ؛ لأن الأنبياء ﵈ معصومون عن مثله، ونظيره: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]؛ أي: لا يكون هذا من صفة اللَّه تعالى.
وقال ابن عباس ﵄: نزلت الآية في قطيفةٍ حمراءَ فُقدت، فقال
_________________
(١) في (أ) و(ف): "والآخر".
(٢) في (ر) و(ف): "ما كان".
(٣) في (ف): "انكسار".
(٤) ذكر هذا عن الكلبي ومقاتل، وسيأتي تخريجه قريبًا.
(٥) في (ف): "جعل".
[ ٤ / ٣٤١ ]
المنافقون: لعل رسول اللَّه -ﷺ- أخذها، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية فبرَّأه من هذه الصفة (^١).
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٩٧١)، والترمذي (٣٠٠٩)، والطبري في "التفسير" (٦/ ١٩٤) من طريق خصيف عن مقسم عن ابن عباس ﵄. قال الترمذي: حسن غريب. . وروى بعضهم هذا الحديث عن خصيف عن مقسم ولم يذكر فيه: عن ابن عباس. ورواه أبو يعلى في "مسنده" (٢٤٣٨)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ١٩٥)، وابن المنذر في "تفسيره" (١١٢٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٠٣)، والطبراني في "الكبير" (١٢٠٢٨) و(١٢٠٢٩)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٢٦) من طريق خصيف عن عكرمة عن ابن عباس. وخصيف هذا هو ابن عبد الرحمن، وفيه ضعف من قبل حفظه، قال الحافظ في "التقريب": (صدوق سيئ الحفظ، خلط بأخرة)، فلعله اضطرب في روايته لهذا الحديث، فمرة قال: عن مقسم، وأخرى: عن عكرمة، لكن للحديث طريق أخرى من رواية مجاهد عن ابن عباس يتقوى بها وستأتي. قلت: وليس في هذا الحديث تصريح بأن قائل ذلك من المنافقين، وقد اختلف المفسرون في هذا، فذهب بعضهم إلى ما ذهب إليه المؤلف من أن القائل كان منافقًا، ومن هؤلاء الزمخشري ومتابعوه كالبيضاوي والآلوسي. انظر: "الكشاف" (١/ ٤٣٤)، و"تفسير البيضاوي" (٢/ ٤٦)، و"روح المعاني" (٥/ ١٠٠). أما ابن عطية فتردد فيها قائلًا: قيل: كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنوا أن في ذلك حرجًا، وقيل: كانت من منافقين. وتابعه في هذا القرطبي وأبو حيان. انظر: "المحرر الوجيز" (١/ ٥٣٥)، و"تفسير القرطبي" (٥/ ٣٨٧)، و"البحر المحيط" (٦/ ٢٥٤). بينما جزم ابن كمال باشا في "تفسيره" بأن القائل كان مؤمنًا فقال: وقائلُ ذلكَ مؤمنٌ لم يظنَّ في ذلك حرجًا. قلت: ولعل القول الأول مرجَّح بما رواه الطبراني في "الكبير" (١١١٧٤)، وفي "الأوسط" (٥٣١٣)، وفي "الصغير" (٨٠٣)، ومن طريقه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٢٧)، والخطيب البغدادي في "تاريخه" (١/ ٣٧٢)، من طريق أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ وكيف لا يكون له أن يُغَلَّ وله أن يُقتَل، قال اللَّه: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ﴾ [آل عمران: ١١٢] ولكن المنافقين اتهموا النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في شيء، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، لفظ الطبراني، وفي رواية الواحدي: أنه كان يُنْكِرُ على مَن يقرأُ: (ومَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ) ويقولُ: كيف لا يكونُ له أنْ يُغَلَّ وقد كان يُقتلُ. . . الحديث.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
وقال محمد بن إسحاق: معناه: ما كان لنبيٍّ أن يكتم شيئًا من وحي اللَّه (^١)؛ لأنهم كانوا يكرهون ما يُذكر في القرآن من عيبِ آلهتهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، وسألوه أن يطويَ ذلك، فأنزل اللَّه لعالى هذه الآية.
وقيل: لمَّا ألحَّ عليه الأقوياءُ يسألونه من المغنَم نزلت الآية؛ أي: ما كان له أن يعطيَ قومًا ويمنعَ آخرين (^٢).
وقال مقاتل: لمَّا ترك الرماةُ المركزَ، وقالوا: نخشى أن يقول النبيُّ ﵇: مَن أَخذ شيئًا فهو له، فقال (^٣) لهم النبيُّ -ﷺ-: "ألم أعهد إليكم أن لا تَبْرَحوا (^٤) المركز حتى يأتيَكم أمري"، قالوا: تركنا إخواننا وقوفًا، قال: "بل ظننتم أنَّا (^٥) نَغُلُّ" فنزلت هذه الآية (^٦).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: يأتِ به حاملًا (^٧) له
_________________
(١) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ١١٧)، ورواه عن ابن إسحاق الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٩٧)، وابن المنذر في "تفسيره" (١١٢٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٠٤).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ١٩٦)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٧)، و"البسيط" له (٦/ ١٢٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٢٦)، وعزاه الواحدي في كتابيه لابن عباس وعنده: (أشراف الناس) بدل: (الأقوياء).
(٣) في (أ): "وقالا".
(٤) في (ر): "تتركوا".
(٥) في (أ): "أن".
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣١٠)، و"تفسير الثعلبي" (٣/ ١٩٦)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٢٦)، جميعهم عن الكلبي ومقاتل.
(٧) في (أ): "داعلا".
[ ٤ / ٣٤٣ ]
فيَفْتضِح بحمله على رؤوس الأشهاد، وهو قوله (^١) ﵇: "مَن غصَب شبرًا من أرضٍ طوَّقه اللَّه يوم القيامة من سبع أرضين" (^٢).
وقال ﵇ لأبي هريرة ﵁: "لا تخبَأنَّ (^٣) من أميرك شيئًا من الغنائم، إذًا (^٤) تخرج يوم القيامة وهو متعلِّقٌ بثيابك ولو كانت إبرةً" (^٥).
وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ أي: بوِزْرِه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: أي: من خيرٍ وشرٍّ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ أي: لا يُنقصون من جزاء أعمالهم.
وقيل لأبي هريرة ﵁: كيف يأتي بما غَلَّ وهو كثيرٌ كبير بأنْ غلَّ أموالًا جَمَّةً؟ فقال: أرأيتَ مَن كان ضرسه مثلَ أحدٍ، وفخذُه مثلَ وَرِقانَ، وساقُه مثلَ جبلٍ (^٦)، ومجلسُه ما بين المدينة إلى الرَّبَذة، ألَا يَحمل هذا (^٧).
_________________
(١) في (ف): "كقوله".
(٢) رواه البخاري (٢٤٥٣)، ومسلم (١٦١٢)، من حديث عائشة ﵂ بلفظ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ. . . ".
(٣) في (ر): "تخن".
(٤) في (ف): "إذ".
(٥) لم أجده، وروى معناه البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١)، من حديث أبي هريرة ﵁. وقال عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٧٧): أنا مَعْمرٌ، عن زيد بن أَسلمَ، قال: جاء عَقِيلُ بن أبي طالب بمِخْيَطٍ، فقال لامرأته: خِيطي بهذه ثيابكِ، قال: فبعَثَ النبيُّ -ﷺ- مناديًا: "ألَا لا يَغُلَنَّ رجلٌ إبرةً فما دُونها"، فقال عقيلٌ لامرأته: ما أرى إبرتَكِ إلا قد فاتتكِ.
(٦) كذا في النسخ، والذي في المصادر: "مثل بيضاء".
(٧) في (ف): "مثل هذا"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر. فقد رواه هناد في "الزهد" (٢٩٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٠٥)، وعزاه إليهما السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٣٦٥). =
[ ٤ / ٣٤٤ ]
(١٦٢) - ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: قال الكلبيُّ والضحَّاك: أي: بتركِ الخيانة ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: احتَمَل ما فيه سخطُ اللَّه تعالى بالغلول (^١)، وهذا استفهامٌ في معنى النفي؛ أي: لا يستويان.
وقال الزجَّاج: إن النبيَّ -ﷺ- قال لهم يوم أحدٍ: "اتَّبعوني في طلبِ العدوِّ"، فتبعه قومٌ منهم وقعد آخرون (^٢) من المنافقين، فنزلت هذه الآية (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾: ترجع الكنايةُ إلى مَن باء بسخطٍ من اللَّه.
وقال عطاء: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ هم المهاجرون والأنصار ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هم المنافقون والكفار (^٤).
وقال القشيري ﵀: أفمَن ﵁ في آزاله، وجعله شاهدًا لأفضاله
_________________
(١) = وَرِقان: جبل أسود بين العَرْج والرويثة، على يمين المُصعد من المدينة إلى مكة. بيضاء: ثنية التنعيم بمكة. الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز. من "معجم البلدان".
(٢) انظر: "البسيط" للواحدي (٦/ ١٤١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٠٨)، وابن المنذر في "تفسيره" (١١٣٩)، كلاهما بلفظ: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ قال: مَن لم يغلّ ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ و: كمَن غَلَّ.
(٣) في (أ): "رجال".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٨٦).
(٥) انظر: "البسيط" للواحدي (٦/ ١٤١)، وهو فيه عن ابن عباس في رواية عطاء.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
في جميع أحواله، كمَن خذله فجعله متَّكلًا على أعماله، متزحزحًا عن محالِّ (^١) إقباله، كلَّا ليس الأمر كذلك (^٢).
ونظير هذه الآية قولُه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [الجاثية: ٢١].
* * *
(١٦٣) - ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾: قال الحسين بن الفضل: أي: هم طبقات.
وقيل: فيه إضمار؛ أي (^٣): هم ذوو درجات؛ أي: مراتبَ.
ويجوز أن يكون للفريقين جميعًا، قال الكلبي: أهل الجنة بعضُهم أرفعُ من بعضٍ وكلٌّ في كرامةٍ، وأهلُ النار بعضهم أشدُّ عذابًا من بعضٍ وكلٌّ (^٤) في هوان (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: وعدٌ للمتابعين ووعيدٌ للمخالفين.
* * *
(١٦٤) - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
_________________
(١) في (ف): "مجال".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٢٩٣).
(٣) "أي" ليس في (أ) و(ف).
(٤) في (ف): "وكلهم".
(٥) انظر: "البسيط" للواحدي (٦/ ١٤٤)، و"الوسيط" له (١/ ٥١٦).
[ ٤ / ٣٤٦ ]
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: (قد) كلمةُ التحقيق واللام لزيادة التأكيد (^١).
و﴿مَنَّ اللَّهُ﴾؛ أي: تفضَّل اللَّه على أهل الإيمان بنبيِّه الذي وصفه باللِّين والخلُق العظيم وتركِ الفَظاظة والغِلْظة.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: من نسَبهم، وجميعُ العرب من قراباتِ أبيه أو أمِّه.
وقيل: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: من جنسهم لا من الملائكة وغيرِهم، وهو إجابة دعاء الخليل صلوات اللَّه عليه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩].
والمنَّة في ذلك من وجوه:
أحدها: أنهم كانوا عرَفوا مولده ومنشأه وصدقَه وأمانته وطهارةَ أخلاقه، فاندفع بذلك كثير من الخواطر التي تقع للإنسان لو كان المبعوثُ غريبًا يجهلون أصله وأخلاقه.
ومنها: أن لهم شرفًا بكونه من نسَبهم؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وأيُّ شرفٍ فوق هذا: أنه ظهر منهم رسولٌ له معجزات، وهو أجلُّ الأنبياء كراماتٍ؟
ومنها: أنه كان بلسانهم، فكان ذلك أقربَ إلى الأخذ منه، وتفهُّم أحكام اللَّه تعالى عنه.
وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: أي القرآن، و: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾؛ أي:
_________________
(١) في (أ): "قد كلمة التأكيد واللام لزيادة التحقيق"، ومثله في (ف) لكن فيها: "للتأكيد" بدل: "التأكيد".
[ ٤ / ٣٤٧ ]
ويطهِّرهم بالإيمان، ويُثْني عليهم، ويشهد لهم بأنهم أزكياءُ؛ قال النبيُّ -ﷺ-: "خيرُ الناس قَرْني الذي أنا فيه (^١) " الحديثَ (^٢).
وقال الفرَّاء: يأخذ منهم الزكاةَ فيطهِّرُهم بها (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: الكتاب: القرآن، والحكمة: السنَّة، وفيها أقاويلُ أُخر ذكرناها في سورة البقرة في (^٤) نظير هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: له وجهان:
أحدهما: أن (إنْ) واللام كلاهما للتأكيد كما في المشدَّدة.
وقيل: (إنْ) للنفي واللام في معني (إلا)، وكذا في كلِّ آيةٍ على هذا الوجه: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] و: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦].
* * *
(١٦٥) - ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾: الألف ألفُ الاستفهام
_________________
(١) في (أ): "الذين أنا فيهم".
(٢) رواه البخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥)، من حديث عمران بن حصين ﵁، ولفظه: "خَيْرُكُم قَرْنِي، ثُم الذين يَلُونَهم، ثُم الذين يَلُونَهم". ورواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣)، من حديث ابن مسعود ﵁ بلفظ: "خير الناس قرني. . . "، وفي رواية لمسلم: "خيرُ أُمَّتي القرنُ الذين يَلُوني، ثُم الذين يَلُونَهم، ثُم الذين يَلُونَهم. . . ".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٤٦).
(٤) في (ر): "وهي"، وفي (ف): "وفي".
[ ٤ / ٣٤٨ ]
بمعنى الاستنكارِ لِمَا أنكروه مما أصابهم يومَ أحد من الجَرح والقتل ونحوِ ذلك، والواوُ لعطف جملةٍ على جملةٍ، وهو وصل التقريع بالخطيئة بالتذكير بالنعمة لفرقةٍ واحدة.
وقوله تعالى: ﴿مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: بليَّة أصابتكم، وقولُه تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾؛ أي: نلتُم من الكفار ضعفَ ذلك، وقال أكثر المفسرين: قَتل الكفَّارُ يومَ أحد من المسلمين سبعين، وكان المسلمون قتلوا من الكفار يوم بدرٍ سبعين وأَسروا سبعين وذلك مِثْلاه.
وقال ابن عباس ﵄: أي: أصبتُم منهم يومَ بدرٍ ويومَ أحدٍ في أولِ الأمر، فذاك مرتان وهم أصابوا مرةً (^١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾: أي: قال بعضُكم (^٢): كيف هذا؟ ومن أين هذا؟ لمَ غلبونا وهم مبطِلون ونحن محقُّون؟!
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: قل يا محمدُ هو بعصيانكم، ولولاه لنُصرتم عليهم ثالثةً كما نُصرتم أُولَى وثانيةً.
ثم هذا العصيان عند الكلبي: هو تركُ الرماة المركزَ (^٣).
وعند قتادة: هو خروجهم من المدينة مع إشارة النبي ﵇ بالتحصُّن فيها، ورغبتُهم في الجهاد والشهادة (^٤).
_________________
(١) لم أجده عن ابن عباس، وهو اختيار الزجاج في "معاني القرآن" (١/ ٤٨٨).
(٢) في (أ): "بعضهم".
(٣) انظر: "البسيط" للواحدي (٦/ ١٥٣).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢١٥).
[ ٤ / ٣٤٩ ]
يقول: بأن (^١) أصابتكم نكبةٌ منهم وقد كنتُم أصبتُم مثلَيها منهم تُنكرون هذا، وليس هذا موضعَ الإنكار، فإنكم أصبتُم منهم ضعفَ ذلك، يقولون: لمَ أصابنا هذا؟ أصابكم بشؤم فعلِكم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هذا ظاهر.
* * *
(١٦٦) - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: أي: اجتمع الجيشان يومَ أحد.
وقوله تعالى: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: فبعِلْم اللَّه ذلك (^٢) وقضائه.
وقيل: بتخْلِيَته وتمكينه من الفعل، ولا يجوز أن يكون بمعنى الأمر (^٣).
وفي هذه الآية والآية التي قبلها إثبات صحة مذهب أهل السنة، فإنه قال: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ وهو إثبات فعل العبد، وقال: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهو إثبات تخليق اللَّه تعالى ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: ابتلاهم بذلك ليعلم إيمانهم موجودًا حال وجوده كما عَلِم قبلَ (^٤) وجوده أنه يوجد، وكذلك:
* * *
(١٦٧) - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ
_________________
(١) في (أ): "ن".
(٢) "ذلك" من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "الفعل".
(٤) في (ف): "حال".
[ ٤ / ٣٥٠ ]
قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ وقد مرَّ تقريره مراتٍ.
ومعنى الآية: كان اللَّه تعالى عالمًا بما يصيبكم قبل أن أصابكم، وإنما خلَّى بينهم وبينكم ليتميَّز المؤمنون (^١) من المنافقين، فيَظهرَ صبرُ الصابرين فيؤجَروا به، فيعلموا (^٢) أن ذلك أصابهم بعصيانهم فيتوبوا، ويظهرَ من المنافقين ما عَلم اللَّه منهم من الشماتة وسوءِ القول، فتنكشفَ أسرارهم ويعرفَهم المسلمون فيقطعوا (^٣) موالاتهم، ويستوجبَ الفريقان الجزاءَ بعملهم لا بعلم اللَّه تعالى فيهم.
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾: أي: قيل للمنافقين: هلموا ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: جاهدوا ﴿ادْفَعُوا﴾؛ أي: إن لم تقاتلوا فاحضروا الوقعة وكثِّروا السوادَ؛ ليصير ذلك دفعًا لهم عنا (^٤) بغيرِ قتال.
وقيل: أي: ادفعوا العدوَّ عن أنفسكم.
وقيل: أي: عن أموالكم وذراريكم.
وقيل: أي: عن دينكم.
وقيل: (أو) بمعنى الواو.
فلم يرغبوا فيه واعتلُّوا، وذلك:
_________________
(١) في (ف): "ليميز المؤمنين".
(٢) في (ر) و(ف): "ويعلمون".
(٣) في (ف): "فيقطعون".
(٤) في (ر): "عنهم".
[ ٤ / ٣٥١ ]
قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾: قد ذكرنا أن هذا قولُ عبد اللَّه بن أبيٍّ حين انصرف قبل القتال في ثلاثِ مئة رجل، فدعاه بعض المخلِصين إلى الرجوع فقال ذلك.
وقوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ كلمتان: (يومَ) للظرف، و(إذٍ) للوقت، والتنوينُ أُقيم مقام المحذوف بعده، وتقديره: يومَ إذ قالوا ذلك، وكذلك ﴿إِذًا﴾ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢] تقديره: تلك إذَا كان ذلك.
ومعناه: هم بهذا الإظهارِ إلى الكفر أقربُ منهم للإيمان (^١)؛ إذ كانوا قبلَ ذلك في ظاهر أحوالهم إلى الإيمان أقربَ، حتى هتكوا أستارهم عند مَن كان يخفَى عليه حالُهم من المؤمنين الذين يُحسنون بهم الظنَّ، فأما في الحقيقة فهم كفارٌ قطعًا.
واللام بمعنى (إلى) في الكلمتين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ أي: تُصرف إلى الفقراء، وقال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها، وقال تعالى: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]؛ أي: ينادي إلى الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: جمع فمٍ، وأصله: فُوْه، وتصغيره: فُوَيْهٌ، والجمع: أفواهٌ، والنعت: أَفْوَهُ، والأنثى: فَوْهاء، والفعلُ منه: تَفَوَّهَ بكذا؛ أي: تكلَّم، سقطت الهاء من آخر الفُوه تخفيفًا لكثرة الاستعمال، فبقي ناقصًا آخرُه حرفُ علة، فأُبدل بالميم فقيل: الفم، ثم أُعيدت الواو والهاء في التصغير والفعلِ والجمع؛ لأنَّه لا يَكثر استعمالها فأعيد الاسم إلى الأصل.
وقوله تعالى: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ تأكيدٌ، والقول لا يكون إلا بالفم؛ أي: باللسان
_________________
(١) في (أ): "إلى الإيمان".
[ ٤ / ٣٥٢ ]
الذي في الفم حقيقة في المتكلم (^١) بالآلة، وهو كقوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] و: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩].
وقيل: قيّد بالأفواه نفيًا للمجاز وتحقيقًا للمذكور؛ لأن ما في النفْس يسمَّى قولًا، وكذا الإخبارُ بالكتابة يسمَّى قولًا مجازًا.
ثم قولُه تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قيل (^٢): أي: يقولون: لا تقع الحرب، وفي قلوبهم أنها تقع.
وقيل: أي: يُظهرون الإيمان بألسنتهم وليس ذلك في قلوبهم.
وقيل: أي: يقولون بالألسنة: نحن أنصارٌ، وهم أعداء.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: أي: يُخفون من النفاق.
* * *
(١٦٨) - ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾: قيل: هو نعتٌ لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ ومحلُّه نصبٌ.
وقيل: هو رفعٌ، ويرجع إلى قوله: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ (^٣).
وقيل: هو خبرُ ابتداء، وتقديره: هم الذين.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "المتكلم".
(٢) في (ر): "وقيل"، وليست في (أ).
(٣) أي هو بدل من الواو في ﴿يَكْتُمُونَ﴾. انظر: "البحر المحيط" (٦/ ٢٧٨).
[ ٤ / ٣٥٣ ]
أي: قال هؤلاء المنافقون لعشائرهم ﴿وَقَعَدُوا﴾ أي: وتخلَّفوا عن الجهاد: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ أي: المستشهَدون فلم يخرجوا ولم يشهدوا القتال ﴿مَا قُتِلُوا﴾؛ أي: لم يُستشهَدوا وكانوا (^١) أحياءً.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: قل يا محمد: فادفعوا عن أنفسكم الموت إذ لم تحضروا القتال إنْ صدَقتم أنَّ مَن لم يشهد القتال حيٌّ فلم يَتلَفْ، وهذا ردٌّ عليهم ما قالوه من الكلام.
وقال أبو القاسم بن حبيب: رأيتُ في بعض التفاسير أنه مات يوم قالوا هذه الكلمة سبعون منافقًا ممن لم يخرجوا إلى الحرب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذه الآيةُ تردُّ على المعتزلة قولَهم: إنَّ مَن قُتل مات قبل أجَله (^٢).
* * *
(١٦٩) - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾: هذا نهيٌ مؤكَّد بالنون المشدَّدة، وهو خطاب للنبيِّ ﵇.
وقرأ ابن عامر وحمزةُ وعاصمٌ غير الأعمش: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بفتح السين والباقون بكسرها (^٣)، وهما لغتان.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فكانوا".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٢٨).
(٣) انظر: "التيسير" (ص: ٨٤).
[ ٤ / ٣٥٤ ]
يقول: لا تظنَّنَّ المستشهَدين في سبيل اللَّه (^١) طلبَ رضَى (^٢) اللَّه أمواتًا.
قال أبو الضُّحى: نزلت في قتلى أحد، قُتل يومئذ سبعون رجلًا: أربعةٌ من المهاجرين: حمزةُ ومصعبُ بن عمير، وشمَّاس بن عثمان المخزوميُّ، وعبد اللَّه بن جحشٍ الأسديُّ، وسائرهم من الأنصار (^٣).
ولمَّا قتلوا وأصابوا الرزقَ والخيرَ تمنَّوا أن أصحابهم علِموا ذلك، فقال اللَّه تعالى: أنا أبلِّغهم عنكم، فنزلت الآية (^٤).
وقال الكلبي: كان المسلمون يقولون لشهداء بدر وأحد: مات فلان، ومات فلان، فنزلت الآية.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾: أي: بل هم أحياء.
وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: قيل: أي: في حكم اللَّه، وقيل: أي: في الجنة.
وروي (^٥) أنَّ أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ ترعَى في الجنة بالنهار حيث
_________________
(١) "اللَّه" ليس في (ف).
(٢) في (أ): "رضاء".
(٣) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٨٩٤)، وفي "التفسير" (٥٣٨)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٣/ ٨١٢). وجاء عند ابن أبي حاتم: (استشهد من المهاجرين أربعة وعشرون: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وشمّاس بن عثمان، واستشهد من الأنصار ستة وأربعون). كذا وقع عنده، والذي ذكره غيره من أن الذي قتل من المهاجرين هؤلاء الأربعة فقط هو الموافق لما ذكره أهل المغازي.
(٤) "الآية" ليس في (ف). وهذا الحديث رواه أبو داود (٢٥٢٠) من حديث ابن عباس ﵄، وإسناده صحيح كما قال القرطبي في "تفسيره" (٥/ ٤٠٦).
(٥) في (أ): "روي".
[ ٤ / ٣٥٥ ]
تشاء، وتأوي بالليل إلى قناديلَ من ذهب معلقةٍ بالعرش، يقول اللَّه تعالى لهم: ما تشتهون؟ فيقولون: تعيد أرواحنا في أجسادنا فنقتلَ في سبيلك مرة أخرى (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀:
قيل: هذه الحياة هي بقاء الذكر والشرف في أهل السماء والأرض.
وقيل: هي جرَيان أعمالهم بعد موتهم.
وقيل: لأنهم أحيَوا أنفسهم في حق الآخرة، والكفارُ أماتوها.
وقيل: لأنهم انتفعوا بحياتهم الفانية والكفارُ لم ينتفعوا بها (^٢) فكانوا موتى، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] (^٣).
وقوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ هو ما روَينا الآن، وقال ابن عباس ﵄: الشهداء على نهرٍ يقال له: بارِقٌ، في قبةٍ خضراءَ يخرج إليهم رزقُهم فيها (^٤) بكرةً وعشيةً (^٥)، وليس ثَمَّ (^٦) بكرةٌ ولا عشيَّةٌ، ولكنْ يؤتَون بالرزق على قَدْرِ غَداةِ الدنيا
_________________
(١) رواه مسلم (١٨٨٧) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) "بها" ليس في (أ) و(ف).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩).
(٤) "فيها" ليس في (أ) و(ف).
(٥) رواه عن ابن عباس مرفوعًا إلى هنا عبد بن حميد في "مسنده" (٧٢١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٩٣٢١)، والإمام أحمد في "المسند" (٢٣٩٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٤٦٥٨)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٣/ ٨١٣)، والحاكم في "المستدرك" (٢٤٠٣) وصححه. وجود إسناده الحافظ ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ٢٩٤): رواه أحمد، وإسناده رجاله ثقات. وعندهم جميعًا: "الشهداء على بارق نهر. . . ".
(٦) في (أ): "ثمة".
[ ٤ / ٣٥٦ ]
وعشيِّها (^١)، فإذا كان يومُ القيامة قال اللَّه تعالى لملائكته: ادعوا إليَّ خيرتي مِن خلقي، فيقولون: يا رب! مَن هم؟ فيقول: الشهداء الذين بذلوا دماءهم وأموالهم وأنفسَهم فيَّ، فيمرُّون إلى ربِّ العزة (^٢) وسيوفُهم على أعناقهم، فيدخلون مساكنهم في الجنة.
وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- سأل جبريل عن قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]: "مَن هؤلاء؟ قال: هم الشهداء، وهم متقلِّدو السيوفِ (^٣) حول العرش" (^٤).
وقال جابر: يا رسول اللَّه، إن أبي قُتل وترك عليَّ بناتٍ، فقال: "يا جابر، إن اللَّه كلَّم أباك كفاحًا فقال: يا عبد اللَّه سَلْني ما شئتَ، قال: أسألك أن تعيدني إلى الدنيا فأقتلَ فيك ثانيًا، قال: يا عبد اللَّه، إني قضيتُ أنْ لا أُعيد إلى الدنيا خليقةً قبضْتُها، قال: يا ربّ، فمَن يبلِّغُ قومي ما أنا فيه من الكرامة؟ قال: أنا، فأنزل اللَّه هذه الآية" (^٥).
* * *
(١٧٠) - ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: نصب على الحال من ﴿يُرْزَقُونَ﴾؛ أي: مسرورين.
_________________
(١) في (أ): "وعشيتها".
(٢) "العزة" ليس في (أ).
(٣) في (ر): "متقلدون بالسيوف"، وفي (ف): "متقلدون السيوف".
(٤) رواه أبو يعلى في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (٣٧٠٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣٠٠٠) وصححه.
(٥) رواه الترمذي (٣٠١٠) وحسنه من حديث جابر ﵁. قوله: كفاحًا؛ أي: مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول. انظر: "النهاية" (مادة: كفح).
[ ٤ / ٣٥٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾: أي: يُسرُّون بالبشارة ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: بمن بقي خلفَهم.
قال الحسن: يقولون: تركنا إخواننا في الصفوف يقاتلون العدوَّ فيُقتلون إن شاء اللَّه فيلحقون بنا، فيصيبون من الكرامة ما أصبنا (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: أي: ينالون هذا.
* * *
(١٧١) - ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾: أي: يُسرُّون بما أنعم اللَّه عليهم من الثواب، وبما تفضَّل عليهم من زيادة الكرامة، وجمع بينهما لأنها (^٢) ليست بنعمةٍ مضيَّقة على مقدار الكفاية من غيرِ مضاعفة السرور واللذة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قرأ الكسائي: ﴿وَأَنَّ﴾ بالكسر على الاستئناف، والباقون بالفتح (^٣) على معنى: وبأن اللَّه؛ أي: علِموا بأن اللَّه لا يُضيع ثوابَ عملهم، وقد كانوا علِموا قبل ذلك علمَ استدلالٍ والآن علِموا علمَ عِيانٍ.
* * *
(١٧٢) - ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (ف): "أصابنا". وانظر قول الحسن في "البسيط" للواحدي (٦/ ١٧١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٣٧) عن ابن جريج، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨١٤) عن سعيد بن جبير.
(٢) في (ف): "لأنهما".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢١٩)، و"التيسير" (ص: ٩١).
[ ٤ / ٣٥٨ ]
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: يجوز أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ مخفوضًا نعتًا لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ويجوز أن يكون مرفوعًا بالابتداء وخبرُه: ﴿للَّذِينَ. . .﴾ إلخ، ويجوز أن يكون منصوبًا على المدح.
وهذا في حقِّ الذين خرجوا إلى غزوة حَمْراء الأسد (^١) بعد غزوةِ أحد؛ لأن النبيَّ -ﷺ- دخل المدينة قافلًا من أُحدٍ يومَ السبت، وأَمر يومَ الأحد بطلب العدو، وقال: "رَحِمَ اللَّه مَن (^٢) انتَدب، حتى يعلمَ المشركون أنَّا لم نُستأصَلْ، وأنَّ فينا بقيةً" فانتَدبوا وبهم الجراح حتى بلغوا حمراء الأسد ثم انصرفوا وقد فاتهم أبو سفيان وأصحابه (^٣) والمشركون وكان المسلمون سبعون رجلًا ونحوها.
ومعنى قوله: ﴿اسْتَجَابُوا لِلَّهِ﴾؛ أي: أجابوا رسولَ اللَّه في اتِّباع العدو، فإن دعوته بهم (^٤) دعوة اللَّه، فكانت إجابته إجابة اللَّه.
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: أي: الجَرح في غزوة أحد، وبهم أثر ذلك، فاحتملوه ونَشِطوا في ذلك طلبًا لرضاء اللَّه، وقد رُوي أنه كان فيهم مَن يحملُ صاحبَه عقبةً ويحملُه صاحبُه عقبةً لِمَا به، ومنهم مَن يتوكَّأُ على صاحبه ساعةً، ويتوكأُ عليه صاحبُه ساعةً.
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: أي قد أَحسنوا فيما فعلوا واتَّقوا فلهم على ذلك أجرٌ عظيمٌ لا يَعرف مقدارَه إلا اللَّه.
_________________
(١) في هامش (أ): "حمراء الأسد هي من المدينة على ثمانية أميال".
(٢) في (ر) و(ف): "رحمة اللَّه على من".
(٣) "وأصحابه" سقط من (أ) و(ف).
(٤) "بهم" من (أ).
[ ٤ / ٣٥٩ ]
وقيل: لمَن أحسَنَ العمل منهم فيما بقيَ واتقَى ارتكابَ ما يُحبط هذا الفعلَ أجرٌ عظيم في الآخرة.
* * *
(١٧٣) - ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾: يجوز أن يكون نعتًا لـ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾، ويجوز أن يكون مبتدأً.
وقصة ذلك (^١) ما قال ابن عباس ﵄: أن أبا سفيان يوم أحدٍ حين أراد أن ينصرف قال: يا محمد، موعدُ ما بيننا وبينك موسمُ بدر الصغرى لقابلٍ (^٢) إن شئتَ، فقال النبيُّ ﵇: "ذلك بيننا وبينك إن شاء اللَّه"، فانصرف أبو سفيان إلى مكة فلقي نُعيم بنَ مسعود الثقفيَّ، فقال: يا نعيم، إني واعدتُ محمدًا وأصحابه أن نلتقيَ موسم بدر الصغرى، فبدا لي بعد ذلك ألا أخرجَ إليها، وأَكرهُ أن يخرجَ محمد وأصحابه ولا أخرجَ فيزيدَهم ذلك جرأة (^٣)، وإن كان الخُلف من قِبَلهم فهو أحبُّ إليَّ، فلك عشرةٌ من الإبل إن حبَسْتَه فلم يخرج.
فقدم نعيمٌ المدينة وهم يتجهَّزون لميعادِ أبي سفيان، فقال: أين تريدون؟ قالوا: واعَدَنا أبو سفيان بموسم (^٤) بدر الصغرى، فقال: بئس الرأيُ رأيتُم، أتَوْكم
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وقصته".
(٢) في (ر): "نقاتل".
(٣) في (أ): "جراءة".
(٤) في (ف): "لموسم".
[ ٤ / ٣٦٠ ]
في دياركم وقراركم فلم يُفلتْ منكم إلا شريدٌ (^١) وتريدون أن تخرجوا؟ فقال النبيُّ -ﷺ-: "لأَخرجنَّ ولو لم يخرج منكم (^٢) معي أحدٌ" فخرج رسول اللَّه -ﷺ- ومعه سبعون رجلًا حتى وافَوا بدرًا الصغرى، فلم يخرج أبو سفيان ولم يكن قتال، ثم انصرفوا (^٣).
فقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ على هذه الرواية اسمٌ للواحد وهو نعيمٌ، وهو (^٤) جمعٌ أريد به الواحد، وطريقه (^٥) طريقُ مَن انتظر قومًا فجاء واحد، فقال: جاء الناس، إما تفخيمًا للشأن، وإما ذكرًا لابتداء الإتيان، أو لأن الواحد يكون له أتباعٌ فقولُه قولُهم.
وقيل: هو على حقيقةِ الجمع، وهم (^٦) ركبٌ من خُزاعة فيهم معبدُ بنُ أبي معبدٍ الخزاعي (^٧).
_________________
(١) في (ف): "شرذمة".
(٢) "منكم" ليس من (ف).
(٣) انظر: "تفسير السمرقندي" (١/ ٢٩٠)، و"تفسير ابن أبي زمنين" (١/ ٣٣٥)، كلاهما عن الكلبي، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٠٩)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ١٣٧)، عن مجاهد وعكرمة، وذكر الخبر بنحوه مقاتل في "تفسيره" (١/ ٣١٥ - ٣١٦). وذكرُ نعيم بن مسعود في هذه القصة لم يثبت، وإنما انحصرت تسميته نعيمًا في مقاتل والكلبي وهما متروكان، وما ذكره الثعلبي والبغوي عن مجاهد وعكرمة لم يذكرا له سندًا، وقد رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٥٠ - ٢٥١) مختصرًا دون ذكر نعيم، فلعل الثعلبي أدخل في خبرهما ما ليس منه، واللَّه أعلم. وقال ابن حجر: وقد وقع لي أصل القصة بإسناد قوي، والمبلِّغ فيها أيضًا مبهم. انظر: "موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية" (٤/ ٢١٤)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي" (٣/ ٨٢)، و"روح المعانى" (٥/ ١٣٨).
(٤) في (ف): "وهذا".
(٥) في (أ): "فطريقه".
(٦) في (ف) و(أ): "وهو".
(٧) كذا قال، وما ذكره مخالف لما في المصادر، انظر التعليق بعد الآتي.
[ ٤ / ٣٦١ ]
قال عطاء: إن قومًا من بني عبد قيس وهم مسلمون أرادوا المدينة، فمروا بأبي سفيان فقال لهم: إنكم تمرُّون بمحمدٍ، فأريد أن تبلِّغوه مني رسالةً ولكم عليَّ حملُ زبيبٍ بعكاظ (^١)، تقولون له: قتلنا خيارَ أصحابك وجرَحنا سائرهم، ولنَرْجعن حتى نجتثَّ مَن بقي، ففعلوا ورأسُهم معبدُ بن أبي معبدٍ الخزاعي، وهو يومئذٍ مشرك، فقال النبيُّ -ﷺ-: "حسبُنا اللَّه ونعم الوكيل" (^٢).
_________________
(١) في (ر): "مكافأة"، والمثبت موافق لما في المصادر.
(٢) لم أجد القصة هكذا، وقد وردت في كتب التفسير والسير لكن بخلاف ما ذكر المؤلف، فإن ذكر معبد هنا مخالف لما في المصادر، فقد ذكر القصة الواقدي في "المغازي" (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩)، ورواها ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ١٠٢)، و"تفسير الطبري" (٦/ ٢٤٦)، و"تفسير ابن المنذر" (١١٩٠)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (٣/ ٣١٥)، وذكرها الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٠٨) من طريق ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب، وأبو السائب كنية عطاء بن السائب، فلعله هو المراد بعطاء الذي ذكر المؤلف عنه هذا الخبر، لكن في جميع المصادر أن معبد بن أبي معبد الخزاعي هو الذي ثبط أبا سفيان وأثناه عن الخروج لملاقاة المسلمين، فقد ذكروا جميعًا أن معبدًا مر برسول اللَّه -ﷺ- وهو بحمراء الأسد، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول اللَّه -ﷺ- بتهامة، صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئًا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد، واللَّه لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن اللَّه كان عافاك فيهم، ثم خرج من عند رسول اللَّه -ﷺ- حتى لقي أبا سفيان ومَن معه بالروحاء، قد أجمعوا على الرجعة إلى رسول اللَّه -ﷺ- وقالوا: قد أصبنا جلّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، لنكرّن على بقيتهم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه بطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقًا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: واللَّه ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، ثم ذكر له في ذلك أبياتًا زادت في خوف أبي سفيان، قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومرّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟. . . إلى آخر القصة التي أوردها المؤلف، لكن دون ذكر أنهم مسلمون ولا أن فيهم معبدًا.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾؛ أي: أبا سفيان وأصحابَه جمعوا لكم الجموعَ؛ أي: الجيوش.
وقوله تعالى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾: أي: فاحذروهم فإنكم لا تقاومونهم.
قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: (زاد) يتعدَّى إلى مفعولين، والإيمان هو اليقين هاهنا، وفاعل (زاد) هو: قولهم، وهو غيرُ مذكور، ولكن دل على هذا الإضمار الفعلُ، وهو قوله ﷿: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ وهو كقول الشاعر:
إذا نُهِيَ السفيهُ جرى إليه وخالفَ والسفيهُ إلى خلافِ (^١)
أي: جرى إلى السَّفَه.
ومعنى زيادةِ اليقين بقولهم: ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ ونحوِ ذلك: أنهم وجدوا الأمرَ على ما قال لهم رسول اللَّه -ﷺ-، لا على ما قال أولئك.
وقيل: زادهم جرأةً (^٢) وقوةً ولم يخافوا بتخويفهم.
وقيل: لمَّا قالوا ذلك كذَّبوهم وأجابوا دعوة الرسول وصدَّقوا وعده.
وقيل: أخبرهم النبيُّ ﵇ بتفرُّق الأعداء، وأخبرهم المنافقون بالاجتماع، فوجدوا الأمر على ما قال النبي -ﷺ- (^٣).
وقيل: لمَّا لم يضعفوا ولم يجبُنوا بقولهم، أنزل اللَّه السكينة في قلوبهم فازدادوا يقينًا وتصديقًا.
_________________
(١) البيت دون نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٠٤ و٢٤٩)، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٤٤)، و"تفسير الطبري" (٦/ ٢٦٨)، و"الحجة" للفارسي (١/ ١٥٥)، و"معاني القراءات" للأزهري (٢/ ٤٦)، وغيرها من كتب التفسير والنحو والقراءات.
(٢) في (أ): "جرأءة".
(٣) وهذا عين القول الأول.
[ ٤ / ٣٦٣ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الزيادة في الإيمان من وجوهٍ:
منها: الدوام عليه فيكون زيادةً على ما كان.
ومنها: الثبات عليه بوضوح الحجج.
ومنها: زيادة البصيرة واليقين.
ومنها: محافظةُ حقوقه، والتمسُّكُ بأدلته، والوفاءُ بشرائطه، وهذا كما عدَّت صلاةٌ واحدةٌ ألفًا لِمَا فيها من حفظ الحقوق ومراعاةِ السنن والآداب (^١).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: أي: كافينا اللَّه، وهو من الحساب والحسَب؛ لأن الكفاية بحسَب الحاجة وعلى حسابها (^٢).
وقوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: أي: نعم الوليُّ والحفيظُ (^٣) والكافي هو، ومَن كان وكيلًا لآخر كان متولِّيًا أمرَه، قائمًا بتدبيره، حافظًا له، فإن الأمر مفوَّض إليه.
قال مجاهد: فانطلق النبيُّ -ﷺ- لموعده، حتى نزلوا بدرًا فوافقوا السوق، فابتاعوا واتَّجروا وربحوا (^٤).
وقال عكرمة: وكانت بدرٌ متجرًا (^٥) في الجاهلية، فخرج ناسٌ من المسلمين يريدونها، فأتوها فلم يجدوا بها العدو، فاتَّجروا وأصابوا فضلًا (^٦).
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٣٤).
(٢) في (أ): "حسبانها".
(٣) في (أ): "والحافظ".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٥٠).
(٥) في (ف): "وكان بدر متجر"، وفي (ر): "وكان بدرا متجرا".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٥١).
[ ٤ / ٣٦٤ ]
(١٧٤) - ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
فذلك: قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾: أي: انصرفوا من بدرٍ بما أَنعم اللَّه عليهم من العافية والسلامة، وبما أصابوا من الأرباح بالتجارة.
وقيل: النعمة: الأجر، والفضل: زيادةُ قوةٍ في الدَّين.
وقيل: النعمة: الجنة، والفضل: فضل الكرامات.
وقيل: النعمة: محمد، والفضل: التجارات.
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾: أي: لم يَنَلْهم أذًى من قبل الأعداء ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾؛ أي: اتَّبعوا ما يُرضي اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قال الكلبي: أي: بحبسِ أبي سفيان وأصحابه من المسلمين (^١).
* * *
(١٧٥) - ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: أي: يخوفكم أولياءه وهم الكفار.
وعن ابن عباس وابن مسعود ﵃ أنهما قرأا: (يخوِّفُكم أولياءَه) (^٢)، والتخويفُ يتعدَّى إلى مفعولين، و(أولياءَه) مفعولٌ ثانٍ هاهنا.
_________________
(١) "من المسلمين" ليس من (ف).
(٢) انظر: "المحتسب" لابن جني (١/ ١٧٧). ورواها ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٢٠).
[ ٤ / ٣٦٥ ]
وفي قراءة أبيٍّ: (يخوِّفُكم بأوليائه) (^١) وهذا أظهرُ، ونصبه بنزعِ الباء (^٢).
وقيل: بل هو المفعولُ الأول، ومعناه: أن الشيطان يخوف أولياءَه المنافقين من المشركين، فيوسوس إليهم ويعظِّم أمورهم عندهم لئلا يخرجوا عونًا للمؤمنين.
وقيل: أي: مَن خافهم فإنما هو من أولياء الشيطان، وأما المؤمنون فلا يخافونهم، ومعنى الآية: أن قولهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ هذا من إلقاء الشيطان في قلوبكم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: لأن الإيمان يقتضي خوف العبد من اللَّه تعالى دون غيره.
* * *
(١٧٦) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: هو نهي المغايَبة؛ أي: لا تحزن بما يفعله الكفار من التجمُّع عليك، وبما يفعله المنافقون من مظاهرتهم على ذلك، وذلك مسارعتُهم في الكفر، وهو جُهدهم فيه، وسعيُهم في إطفاء نور اللَّه (^٣)
_________________
(١) انظر: "البسيط" للواحدي (٦/ ١٨٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٩)، و"المحرر الوجيز" (١/ ٥٤٤). ورواها عن أبيٍّ الثعلبيُّ في "تفسيره" (٩/ ٤٧٢ - ٤٧٣).
(٢) في (ر): "بنزع الخافض". ومعنى الكلام: أن قراءة أبي تدل على أن ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ في قراءة الجمهور منصوب بنزع الخافض الذي هو الباء، وقيل: هو (مِن)، وقراءة أبي ترجح الأول. انظر: "البسيط" للواحدي (٦/ ١٨٦).
(٣) في (أ): "وهو حدُّهم فيه وإطفاؤهم من نور اللَّه".
[ ٤ / ٣٦٦ ]
أسرعَ ما يمكنهم، فكان هذا في (^١) المشركين والمنافقين جميعًا.
وقال في آية أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] وهم المنافقون، ثم قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ وهم الكافرون المجاهرون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: قيل: معناه: لن يضرُّوك، فإنَّ اللَّه تعالى جلَّ أن يلحقَه المضارُّ والمنافع، ولكن هذا وعدٌ له بالنصرة وأمانٌ له من شرورهم وضرِّهم، وإضافةُ ذلك إلى نفسه تشريفٌ لرسول اللَّه -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾: وإرادتُه أن لا يكون لهم ثوابًا في الآخرة هي إرادةُ كفرهم ومعاصيهم، فدل أن ذلك كلَّه بمشيئة اللَّه تعالى وإرادته، وهو في قومٍ مخصوصين عَلِم اللَّه منهم أنهم لا يختارون الإيمان فلا يؤمنون.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أي: في جهنم.
وقيل: الآية في اليهود والمنافقين الذين خوَّفوا المؤمنين.
وقيل: هي فيما أظهره المشركون من الشماتة بالمسلمين فيما أصابهم بأحد.
* * *
(١٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾: أي: استبدلوه به واختاروه عليه، وقد كشفنا عن حقيقته في سورة البقرة.
_________________
(١) في (أ): "من".
[ ٤ / ٣٦٧ ]
وقيل: هي في المذكورين في الآية الأولى من المنافقين أو المشركين أو اليهود.
وقيل: هي في المرتدين.
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: وهذا التكرير للتأكيد والتقرير، فإنْ حُملت على المرتدِّين وعلى اليهود الذين كانوا مُقرِّين بالنبي -ﷺ- قبل خروجه ثم كفروا به بعد خروجه فمعنى الاشتراءِ والاستبدالِ ظاهرٌ، وإن حُمل على الكفار الأصليين فمعناه: تركُ الإيمان (^١) يومَ الميثاق، وإيثارُهم الكفرَ مع قيام الدلائل والتمكُّنِ من الإيمان، وإن حُملت على المنافقين فهي في إظهار كفرهم لأصحابهم بعد إظهار الإيمان للمؤمنين.
* * *
(١٧٨) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ قرأ حمزة بتاء المخاطَبة، وهي (^٢) للنبي -ﷺ-، و﴿الَّذِينَ﴾ ومفعول، ﴿أَنَّمَا نُمْلِي﴾ بدلٌ عنهم، وفعل الحسبان واقع عليه، وهو (^٣) كقول الشاعر:
فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ ولكنه بنيانُ قومٍ تهدَّما (^٤)
_________________
(١) في (أ): "إيمان".
(٢) في (أ): "وهو".
(٣) "وهو" سقط من (أ).
(٤) البيت لعبدة بن الطبيب في رثاء قيس بن عاصم، وهو في "الكتاب" لسيبويه (١/ ١٥٦)، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة (٢/ ٧١٨)، و"معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٩١).
[ ٤ / ٣٦٨ ]
وقرأ الباقون: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بياء المغايبة (^١)، وهي نهيُ مغايَبةٍ، و﴿الَّذِينَ﴾ فاعلٌ، و﴿أَنَّمَا﴾ مفعول؛ أي: لا يظنَّنَّ الكفار أن إملاءَنا لهم خير.
والإملاء: إطالةُ المدة، والمَلَا مقصورًا (^٢): الدهر، والمَلَوان: الليل والنهار لطول تعاقُبهما، والملْوة -بفتح الميم وكسرها وضمها-: المدة، وكذا الملَاوةُ بالحركات الثلاث، وقول اللَّه تعالى خبرًا: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]؛ أي: حينًا طويلًا، ويقال: عشتَ طويلًا وتملَّيتَ حبيبًا (^٣)؛ أي: أطلتَ مدتك معه.
واتصالها بما قبلها: أنهم شمتوا بقتل الصحابة، فقال: لا يظنَّ هؤلاء أن إملاءنا لهم خير، بل لو ماتوا في سبيل اللَّه كالشهداء كان خيرًا لهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾: بالكسر (^٤) للابتداء.
وقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: وهذا حجةٌ لأهل السنة في أن اللَّه تعالى خلق كلَّ شيء لمَّا علم أنه يكون منه وأنه يختاره، وفي (^٥) إبطال القول بوجوب الأصلح؛ فإنه إذا كان إملاؤهم لزيادة الإثم والعذاب كان إفناؤهم أصلح لهم.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٢٠)، و"التيسير" (ص: ٩٢).
(٢) في (ر) و(ف): "مقصور".
(٣) في (ر) و(ف): "حينًا". والمثبت من المصادر. انظر: "الأزمنة" لقطرب (ص: ٥٩)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٢٣٤)، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة (٢/ ٧٢٩)، و"جمهرة اللغة" (١/ ٤٠٣)، و"الحجة" للفارسي (٦/ ١٩٤). وقال في "الصحاح" (مادة: ملا): ويقال لمن لبس الجديد: أَبْلَيْتَ جديدًا وتَمَلَيْتَ حبيبًا؛ أي: عشت معه ملاوَتَكَ من دهرك وتمتَّعت به.
(٤) في (أ): "والكسر"، وفي (ف): "الكسر".
(٥) في (ر) و(ف): "في".
[ ٤ / ٣٦٩ ]
ومَن جعَل هذه اللامَ لامَ العاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وقال: خلقهم اللَّه (^١) ليطيعوا لكنهم عصَوا، ففي هذا تجهيل اللَّه تعالى وتسفيهه؛ لأنَّه إن علم أنهم لا يطيعون وخلقهم للطاعة فهو سفَهٌ، وإن لم يعلم أنهم لا يطيعون فهو جهلٌ، وتعالى اللَّه عن ذلك كلِّه (^٢) علوًّا كبيرًا.
* * *
(١٧٩) - ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: أي: ليس من صفة اللَّه تعالى أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم وإظهارهم أنهم منكم، وعلى هذا هو رجوعٌ من المغايَبة إلى المخاطبة كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل فيه بوجوه (^٣):
قيل: لا يترك اللَّه المؤمنين على ما أنتم عليه أيها المنافقون، ولكن يمتحنكم بالجهاد وأنواع المحن ليَظهر المنافق لهم (^٤) من المخلِص.
وقيل: ليظهر الكافر من المؤمن.
_________________
(١) لفظ الجلالة ليس من (أ).
(٢) "كله" سقط من (أ).
(٣) في (أ): "إنه بوجوه"، وفي (ر): "فيه وجوه".
(٤) في (ر): "لكم"، والمثبت موافق لما في "التأويلات".
[ ٤ / ٣٧٠ ]
قال: وقيل: إن المنافقين كانوا يطعنون (^١) في الصحابة ويستهزئون بهم سرًّا، فقال: لا يَدَعُ (^٢) المؤمنين على ما أنتم عليه أيها المنافقون من الطعن فيهم والاستهزاء بهم، ولكن يمتحنكم بأنواع المحن لتفتضِحوا ويظهرَ نفاقُكم عندهم.
قال: ويحتمِل أن يكون معناه: لا يَدَع (^٣) المؤمنين على ما أنتم عليه من النفاق والكفر في دارٍ واحدة، ولكن يجعل لكم دارًا أخرى يَميز فيها الخبيثَ من الطيب، فيجعلُ الخبيث في النار والطيِّب في الجنة؛ كما قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ الآية (^٤) [الأنفال: ٣٧] (^٥).
وقيل: على ما أنتم عليه قبل مَبعث النبي -ﷺ-، أو: على ما وُلدتم عليه فلا يتعبَّدَكم ولا يمتحنكم حتى يتميزَ بالامتحانِ والتكليفِ الخبيث من الطيب بظهور أفعال الفريقين.
واتصالُها بما قبلها: أن في غزوة أحد وفي اتِّباع المشركين بعد ذلك ظهر (^٦) المخلصُ من المنافق.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ماز يَمِيز مَيزًا؛ أي: فَرَقَ بين شيئين، ومَيَّز يميِّز تمييزًا: إذا فرَّق بين أشياء، وقد مازهُ فامْتازَ وانْمازَ، وميَّزه فتميَّز.
_________________
(١) في (ر): "يظنون"، والمثبت موافق لما في "التأويلات".
(٢) في (ر): "ندع"، والمثبت موافق لما في "التأويلات".
(٣) في (ر): "ندع"، والمثبت موافق لما في "التأويلات".
(٤) "الآية" من (أ)، وليس فيها: " ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ ".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٤١).
(٦) في (أ): "ظهور".
[ ٤ / ٣٧١ ]
وقال مجاهدٌ وابنُ جُريجٍ ومحمد بن إسحاق: معناه: حتى يَمِيزَ المنافقَ من المخلص (^١).
وقال قتادةُ والسدِّي: أي: الكافرَ من المؤمن، وهذا التمييزُ بتكليف الجهاد ونحوه ليُظهِر بذلك ضمائرهم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: أي: وليس من وصفِ اللَّه تعالى أنْ يُوْقِفكم على غيب القلوب فيجعلَ هذا التمييزَ بإعلامكم ما في قلوبهم لتعلَموا المخلِصَ من المنافق بذلك.
ويحتمِل: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ عنده لتعلَموا أهل الجنة من أهل النار؛ لأنَّه زوال الامتحان، لكن التمييز بما (^٣) قلنا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يختارُ، فيخصُّهم بإعلام المؤمن من الكافر، ثم يأمرهم (^٤) بكتمان ذلك وبالعمل على ظاهر الآية ليصحَّ الامتحان.
ويحتمِل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيمتحنُ خلقَه بشرائعهم، فيتميزُ الفريقان بالامتحان.
وقيل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ أي: ليجعلَكم كلَّكم عالِمِين بالغيب فتَستغنوا عن الرسل، بل يخص بالرسالة مَن يشاء، ويكلِّف الناسَ (^٥) طاعتَهم والانقياد لهم والأخذَ منهم.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٦٣)، وابن المنذر عن مجاهد (١٢١٤).
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، وابن المنذر عن قتادة (١٢١٦).
(٣) في (أ): "ما".
(٤) في (أ): "بأمرهم".
(٥) في (أ): "ويكلف اللَّه"، وفي (ر): "ويكلف الناس إلى".
[ ٤ / ٣٧٢ ]
وقال الكلبيُّ: إن قريشًا قالوا لرسول -ﷺ-: الرجل منا إذا كان مخالفًا لك تزعُم أنه في النار، وإذا اتَّبع دِينك تزعُم أنه من أهل (^١) الجنة، فأخبرنا عن هذا: من أين هو؟ فأنزل اللَّه ﷻ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الكفر والنفاق ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾؛ أي: يخلِّص الكافر من المؤمن ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾ فيتبينَ (^٢) لكم المؤمنُ من الكافر ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: يصطفي بالنبوَّة مَن يشاء ويعلِّمه ما يشاء من أمره (^٣).
وقال أبو العاليةِ: إن المؤمنين قالوا: لو ميَّز اللَّه المنافقين فأعلمهم الناسَ حتى يُعرفوا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (^٤) فيَعرفَ النبيُّ ﵊ ذلك ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى﴾ المنافقين (^٥) ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيُطلعُه على غيبه، ويَمِيزُ له المنافقَ من المؤمن (^٦).
وقال مقاتل: إن الكفار قالوا: إن كان محمدٌ صادقًا (^٧) فليخبِرْ مَن يؤمنُ منَّا ومَن يكفرُ، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [يعني: ليطلعَكم على غيبِ] ذلك، إنما الوحي إلى الأنبياء (^٨).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تزعم أنه في".
(٢) في (أ): "فبين"، وفي (ف): "فيبين".
(٣) "من أمره" ليس من (ف).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢١٨)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣٢).
(٥) في (أ): "المنافق".
(٦) "من المؤمن" سقط من (أ) و(ف).
(٧) في (ر): "إنَّ محمدًا إن كان"، وفي (ف): "إن كان محمدًا صادق".
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٣١٨)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
وروى السديُّ عن ابن عباس ﵄: أن النبي -ﷺ- قال: "عُرضت عليَّ أمَّتي في صُوَرها في الطين كما عُرضت على آدم، وأُعلمتُ مَن يؤمنُ بي ممن يكفرُ"، فبلغ ذلك المنافقين، فاستهزؤوا وقالوا: زعم محمدٌ أنه يَعلم مَن يؤمن به ممن يكفرُ ممن لم يُخلق بعدُ، ونحن معه ما يَعرِفنا، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقام على المنبر خطيبًا فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "ما بالُ أقوام جهَّلوني فطعنوا (^١) عليَّ في عِلمي؟ لا تسألوني عن شيء فيما (^٢) بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم به"، ونزلت: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (^٣)؛ أي: من الاجتماع ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وميَّز المؤمنين يوم أحد من المنافقين، حيث أَظهروا النفاق وتخلَّفوا عن رسول اللَّه -ﷺ-.
قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: هو أمرٌ بابتداء الإيمان في حقِّ الكفار، وأمرٌ بالدوام عليه في حق المؤمنين، وكذا قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: أي: وإنْ توحِّدوا أيها الكفار وتتَّقوا المعاصيَ، وإنْ تَدوموا (^٤) على الإيمان والتقوى أيها المؤمنون، فلكم ثوابٌ عظيم في الآخرة.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: قيل: إنهم كانوا يقولون: لا نؤمن حتى نؤتَى مثلَما أُوتي (^٥) الأنبياء؛ كما قال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾
_________________
(١) في (ف) و(أ): "وطعنوا".
(٢) في (ر): "مما".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢١٧)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤٠)، وقد ذكروه دون سند عن السدي عن النبي -ﷺ- مرسلًا، وليس فيه عندهم ابن عباس.
(٤) في (أ): "تديموا".
(٥) في (ف): "أتوا".
[ ٤ / ٣٧٤ ]
[الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ وإنما يُطْلع عليه مَن اختاره لرسالته.
قال: وقيل: إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيَسْترِقون السمع فيأتون (^١) بالأخبار إلى الكهنة قبل مبعثِ النبي -ﷺ-، ثم الكهنةُ كانوا يخبرون بها الكفرةَ، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ بعد بعث (^٢) النبيِّ ﵇ كما كنتُم تطَّلعون على أخبار السماء قبل بعثه، ولكن اللَّه يختار مِن رسله مَن يشاء فيوحي إليه ذلك (^٣).
* * *
(١٨٠) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: قرأ حمزة بتاء المخاطبة؛ أي: لا تظنَّنَّ يا محمدُ البخلاءَ، و﴿الَّذِينَ﴾ نصبٌ لأنه مفعول، وقوله: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ هذا بدل عن الأول (^٤)، والنهيُ واقع عليه.
وقرأ الباقون: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بياء المغايبة (^٥)، وهو نهي مغايبة، و﴿الَّذِينَ﴾ مرفوع لأنه فاعل.
_________________
(١) في (ف): "ويأتون".
(٢) في (ف): "مبعث".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٤١).
(٤) وهذا الوجه من الإعراب رده السمين موجبًا كون (هو) ضمير فصل، فقال: (هو) في هذه المسألةِ يتعيَّن فَصْلِيَّتُه؛ لأنَّه لا يخلو: إمَّا أَنْ يكونَ مبتدأً أو بدلًا أو توكيدًا، والأولُ منتفٍ لنصبِ ما بعده وهو ﴿خَيْرًا﴾، وكذا الثاني لأنه كان يلزمُ أَنْ يوافِقَ ما قبلَه في الإِعرابِ فكان ينبغي أَنْ يُقالَ: إياه، لا (هو)، وكذا الثالثُ لِما تقدَّم. انظر: "الدر المصون" (٣/ ٥١٠)، وانظر ما قيل في إعراب الآية من وجوه ثمة.
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢١٩ - ٢٢٠)، و"التيسير" (ص: ٩٢).
[ ٤ / ٣٧٥ ]
والبخل: منعُ الحقوق الواجبة في المال؛ من الزكاة والإنفاقِ في الجهاد والحجِّ ونوائب الحق.
وكلمة ﴿هُوَ﴾ ترجع إلى البخل المذكور في قوله تعالى: ﴿يَبْخَلُونَ﴾.
واتصالُها بالأُولى (^١): أنه ذمَّ المانعين أموالَهم في سبيل اللَّه في غزوة أحد ونحوِها، فقال: ولا يَتوهَّمن الذين يمتنِعون من إخراج ما يجب عليهم في أموالهم التي أعطاهم اللَّه تعالى -والفضلُ: هو فضلُ المال هاهنا كما في قوله تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] - أن بخلهم هو خيرٌ لهم في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾: لأن أموالهم ستزول عنهم ويبقى عليهم وبالُ البخل.
وقوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: سيُجعل مالُهم الذي مَنعوه عن الحق طوقًا في أعناقهم؛ كما روَى ابن مسعود ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن منع زكاةَ ماله يصيرُ حيةً ذكرًا شجاعًا أقرعَ له نابان، فيطوَّق في عنقه، فينهشُه بنابيه، فيتَّقيه بذراعيه، حتى يُقضى بين الناس، فلا يزال معه حتى يُساقَ إلى النار" (^٢).
_________________
(١) في (أ): "بالأول".
(٢) ذكره مقاتل في "تفسيره" (١/ ٣١٨) دون سند ولا راو، ولم أجده بهذا اللفظ مسندًا، وروى البخاري (١٤٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَن آتاه اللَّه مالًا فلمْ يُؤَدِّ زكاتَه مُثَل له مالُه شجاعًا أَقرعَ له زَبيبتان يُطوَّقُه يومَ القيامة، ثُم يأخذُ بلِهْزِمَتَيه -يعني: بشِدْقَيه- ثُم يقولُ: أنا مالُكَ أنا كنزُك، ثُم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى آخِر الآية. ورواه بنحو رواية البخاري الترمذيُّ (٣٠١٢)، وابن ماجه (١٧٨٤) من حديث ابن مسعود ﵁. وقال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
وقيل: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾؛ أي: سيكلَّفون، وهو ما روي: أن ماله يمثَّل له في النار كهيئته، فيقال له: انزل فاخرج، فكلما نزل هوَى في جهنم، فيعذَّب فيها إلى ما شاء اللَّه تعالى (^١).
والآية (^٢) في قول الكلبيِّ في منع (^٣) الزكاة.
وقال الضحَّاك: هم اليهود، آتاهم اللَّه التوراة فبخلوا ببيانِ نعت محمد -ﷺ- (^٤)، ولو أظهروه (^٥) لكان خيرًا لهم: الذِّكرُ والشرف في الدنيا، والثوابُ والكرامة في الآخرة، ولمَّا كتموا كان لهم خزيٌ في الدنيا، ويطوَّقون ذلك في الآخرة؛ أي: يجعل في أعناقهم أطواقٌ من نار علامةً لهم على ذلك.
وقيل: حياتٌ في أعناقهم تلتوي عليهم.
وقيل: بل في (^٦) كلِّ الأبدان تلتوي عليها، وإنما جُعلت في الأعناق لأن لزوم البيان كان في أعناقهم، وقال النبيُّ -ﷺ-: "مَن سُئل عن علمٍ وهو (^٧) عنده فكتمه،
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) في (ف): "الآية"، وفي (ر): "إلا أنه".
(٣) في (ف) و(أ): "على مانع"، بدل: "في منع".
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٥١)، عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]. وذكره القرطبي في "تفسيره" (٥/ ٤٣٩) عن ابن عباس.
(٥) في (ف): "أظهروا".
(٦) "في" ليست في (أ).
(٧) في (أ): "هو".
[ ٤ / ٣٧٧ ]
أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ" (^١)، ولما كان البيانُ باللسان، واللسانُ (^٢) في الفم، فامتنعوا عنه، عوقبوا بجنسه (^٣).
وقال مسروقٌ: هو الرجل يرزقه اللَّه مالًا فيمنعُ قرابتَه الحقَّ الذي لهم، فيُجعل (^٤) حيةً يطوَّقُها، فتقول له: أنا مالُك (^٥).
وقال بعض المفسرين (^٦): يُلزَمون أعمالهم (^٧) مثلَما يلزم الطَّوقُ العنق، وهو تمثيلٌ كقولهم: طوَّقني منَّته (^٨)، وقلَّدني عملَ كذا، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
وقال مجاهد: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أي: يكلَّفون أن يأتوا بالمالِ الذي بخلوا به عن الحقوق ولا يقدرون (^٩).
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: تحريضٌ على الإنفاق؛ لأن الكلَّ
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦٦)، من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: حديث حسن.
(٢) "واللسان" ليست في (أ) و(ف).
(٣) في (ر): "عوقبوا به بجنسه" وفي (ف): "عوقبوا به بحبسه".
(٤) في (ف): "فيجعله".
(٥) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (١٢٢٢).
(٦) هو مؤرج بن عمر أبو فيدٍ السدوسي. انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٢٠)، و"البسيط" للواحدي (٦/ ٢٢١).
(٧) في (ر): "مالهم"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصدرين السابقين.
(٨) في (أ): "مننه".
(٩) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٧٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٢٢٤).
[ ٤ / ٣٧٨ ]
يموتون فتزولُ أملاكهم، واللَّه تعالى يرثهم بملكه القائم (^١) الذي لا يزول، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠].
وقال أبو منصورٍ رحمه اللَّه تعالى: دلَّت الآيةُ أن أهل السماوات يموتون، بخلاف ما تقوله القرامطة أنهم لا يموتون؛ لأنَّه أَخبر أن له ميراثَ السماوات والأرض، والوارثُ هو الذي يَخلُف الموروثَ فيما كان يضاف إليه، وإن كانوا هم وجميعُ ما في أيديهم للَّه تعالى ملكًا له (^٢) وعبيدًا، قال النبي -ﷺ-: "لا يرثُ الكافرُ من المسلمِ ولا المسلمُ من الكافر، إلا المولى من عبده" (^٣) سمَّى ما يكون للمولى من عبده ميراثًا وإن كان العبدُ وما في يده ملكًا للمولى، فكذا هذا.
ووجهٌ آخَرُ لتسميته ميراثًا: أنه إخبارٌ عن ذهاب أهلها وبقائه عزَّ وعلا، وإنما كان كذلك لأن (^٤) الميراث يكون لمن له البقاء بعد فناءِ مَن تَقدَّم، واللَّه تعالى هو الباقي بعد فناء الكلِّ، وعلى هذا وراثةُ المسلمين الجنةَ هو بقاؤهم (^٥) فيها؛ لا انتقالُها من غيرهم إليهم، أو على وراثةِ ما لو كان مَن لم يؤمن آمَن، أو ما ادَّعى اليهود والنصارى أنها لهم بقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] فصارت ميراثًا لغيرهم (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء المغايبة عن
_________________
(١) في (ر): "القديم".
(٢) "له" ليست في (ف).
(٣) رواه بنحوه الدارمي في "سننه" (٢٩٩٣) و(٢٩٩٤) من حديث جابر ﵁.
(٤) في (ف): "دائمًا لأن" وفي (أ): "و"، بدل: "وإنما كان كذلك لأن".
(٥) في (ر) و(ف): "هو بقاء ونعيم".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤).
[ ٤ / ٣٧٩ ]
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة (^١)، وهو وعدٌ ووعيدٌ على ما مر مرَّات.
* * *
(١٨١) - ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾:
اتصالها بما قبلها: أنه تعالى وصف اليهود في الآية الأولى بالبخل، وفي هذه الآية بقولٍ هو أسوأُ من ذلك.
قال قتادة: لمَّا نزل قوله تعالى (^٢): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥] قالت اليهود: إنما يَستقرض الفقير من الغني، فنزلت الآية (^٣).
وقال الكلبيُّ والضحاكُ والسديُّ: قال ذلك فنحاصُ بن عازوراء اليهوديُّ من بني مَرثدٍ -وقيل: من بني قينقاع- قال له أبو بكر الصدِّيق ﵁: يا فنحاص، آمِنْ باللَّه وحده، وآمِنْ برسوله، وأقمِ الصلاة، وآتِ الزكاة، وأْمُرْ بالمعروف، وانْهَ عن المنكر، وأَقْرِض اللَّه قرضًا حسنًا، يُدخِلْك الجنة، فقال: لئن (^٤) كنتَ صادقًا أنَّ اللَّه يستقرضُنا إنَّ اللَّه إذًا لفقيرٌ ونحن أغنياء، فلطم أبو بكر الصدِّيقُ ﵁ وجهَه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربتُ عنقك، فذهب اليهودي إلى النبيِّ
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٢٠)، و"التيسير" (ص: ٩٢).
(٢) في (ف) و(أ): "لما نزلت".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٨٠). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٦٠) و(٣/ ٨٢٨)، والضياء في "المختارة" (١٠/ ١١٢ - ١١٣)، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄. رواه الطبري أيضًا في "تفسيره" (٦/ ٢٧٩ - ٢٨١) عن مجاهد والحسن وابن زيد.
(٤) في (ر): "قال لئن" وفي (ف): "فقال إن".
[ ٤ / ٣٨٠ ]
-ﷺ- فأخبره، فدعا النبيُّ -ﷺ- أبا بكر وقال: "لمَ ضربْتَه؟ "، فقال: إنه قال كذا وكذا. فنزلت الآية (^١).
وقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُو﴾: أي: سنأمر الحفظةَ بكتابةِ ما قالوا؛ ليقرؤوا ذلك في كتبهم يومَ القيامة، ويحاسَبون بها ويجزون عليها.
وقيل (^٢): أي: سنحكُم عليهم بجزاءِ ما قالوا؛ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾؛ أي: حكم.
وقيل: أي: سنحفظُ عليهم ذلك، فإن الكتاب من الخَلق يكون لحفظ ما فيه فسمِّي به مجازًا.
وقوله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: عطفٌ على ﴿مَا قَالُوا﴾؛ أي: سنكتب ذلك أيضًا.
وقرأ حمزة: ﴿سيُكْتَبُ﴾ بالياء وضمِّها على ما لم يسمَّ فاعله ﴿وَقَتْلَهُمُ﴾ هو بالرفع عطفًا على ﴿مَا قَالُوا﴾ (^٣) وهو اسمُ ما لم يسمَّ فاعله.
وقوله تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: قال الضحَّاك: أي: يقول لهم ذلك خزنةُ جهنم في الآخرة، وأضافه اللَّه تعالى إلى نفسه لأنه بأمره؛ كما في قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٢٢) عن السدي وعكرمة ومقاتل وابن إسحاق. ورواه عن السدي بنحوه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٧٩). ورويت هذه القصة من حديث ابن عباس ﵄، رواه ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٥٨ - ٥٥٩)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٢٨ - ٨٢٩)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٨٣٠)، من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄.
(٢) "وقيل" سقطت من (أ).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٢١)، و"التيسير" (ص: ٩٢).
[ ٤ / ٣٨١ ]
والقتل كان من أسلافهم، لكنْ رضيَ هؤلاء بذلك فذُمُّوا به، وتقديره: سنكتب عليهم ما قالوه (^١) بأنفسهم، وما رضُوه من قتل أبائهم الأنبياءَ.
و﴿الْحَرِيقِ﴾ الاسم من الاحتراق، قال ذلك في "ديوان الأدب".
وقيل: هو فعيل بمعنى مُفْعِلٍ، وهو اسمٌ للنار لأنها مُحرِقة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليس في الآية بيانُ القائلين، ولا نفعَ في النسبة إلى أحدٍ سوى خوفِ الكذب لو لم يكن منه ذلك، لكنهم قالوه، والأغلبُ على مثله أن يكونوا قالوه سرًّا، وفي إظهاره آية الرسالة، أو كانت الأوائل قالوا ذلك فتكون آية الرسالة في إظهار ذلك، ولا يحتمل أن يكونوا قالوا ذلك بمحضر الصحابة رضوان اللَّه عليهم فصبروا إلا أن يكون في وقت أُمروا بالكفِّ، ويكون في ذلك بيانُ قَدْر طاعتهم للَّه مع عظيمِ ما سمعوا من القول.
وفي ذكر ذلك دعاءٌ إلى الصبر على أذاهم وسوءِ قولهم؛ إذ هم مع تقلبهم في نِعَم اللَّه ﷻ، وعلمِهم أنهم لم ينالوا خيرًا إلا باللَّه تعالى، اجترؤوا عليه (^٢) بمثل هذا القول، واللَّه تعالى مع قدرته وسلطانه يحلُم (^٣) عنهم ليومِ وعَدَهم فيه الجزاءَ، فمَن ليس منه إليهم نعمةٌ، ولا تقدَّم عليهم [منه كبير] منَّةٍ، أحقُّ بالصبر على أذاهم والإعراضِ عن مكافأتهم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ف): "قالوا".
(٢) في (أ): "على اللَّه".
(٣) في النسخ: "يحكم"، والتصويب من المصدر.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
(١٨٢) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: أي: ذلك العذابُ لكم بما قدمتُم من الكفر والمعاصي، والإضافة إلى اليد لِمَا أن عامة ما يكتسبه الإنسان يكون بيده، ولأنه يُذكر للتحقيق على معنى: أنه فَعَل بنفسه لا غيرُه بأمره، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: أي: وبأن اللَّه لا يظلم عباده، فلا يعاقبُهم من غير جُرمٍ.
* * *
(١٨٣) - ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾ يرجع إلى قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾.
قال الكلبيُّ: نزلت الآية في كعب بن الأشرف وغيرِه من رؤساء اليهود، أتوا رسولَ اللَّه -ﷺ- فقالوا: إن اللَّه قد (^١) عهد إلينا -أي: أمَرنا وأخذ الميثاق علينا- في التوراة أن لا نصدِّق أحدًا حتى يأتيَنا بقربانٍ تأكله النار؛ أي: يقرِّبَ قربانًا فتنزلَ من السماء نارٌ فتأكلَه، فإن جئتنا بهذا (^٢) صدَّقناك، فنزلت الآية (^٣).
_________________
(١) "قد" من (أ).
(٢) في (ر): "به".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٢٣)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤٤).
[ ٤ / ٣٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: بالتوراة والإنجيل والمعجزات و﴿جَاءَكُمْ﴾؛ أي: جاء أسلافكم الذين أنتم على ملَّتهم وراضُون بفعلهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ (^٢) يقول: إن كان امتناعُكم عن الإيمان لأجْل هذا فلمَ لمْ تؤمنوا بالذي أتَوا به وقتلتُموهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم: إنكم إنما تؤخِّرون الإيمان لهذا.
وقال السدِّي: إن اللَّه تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة: مَن جاءكم يزعم أنه رسولٌ مني فلا تصدِّقوه حتى يأتيَكم بقربانٍ (^٣) تأكله النار تنزل من السماء، حتى يأتيَكم المسيح ومحمد ﵉، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان.
وقيل: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾؛ أي: بشريعةِ قربانٍ.
* * *
(١٨٤) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: فإن كذبك هؤلاء اليهود بما لم تأتهم بالقربان (^٤) فلا يهولنَّك، ولْيَهونَنَّ عليك، فقد فعلت الأمم بأنبيائها (^٥) كذلك.
_________________
(١) في (ر): "وراضُون بفعلهم، وقوله تعالى: ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ وبهذا القربان الذي قلتم، وقوله تعالى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ ".
(٢) جاء هنا في هامش (أ): "أي فلم قتلهم أسلافكم".
(٣) في (أ): "بالقربان".
(٤) في (أ): "بما لم تهم بالقرآن".
(٥) في (ر): "بأنبيائهم".
[ ٤ / ٣٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: المعجزات الظاهرةِ ﴿وَالزُّبُرِ﴾؛ أي: الكتب، جمعُ زَبور، مِن زَبَر يَزْبُرُ: إذا كتب.
وقيل: الزُّبرُ: أحكام الكتاب، والزَّبور: الكتاب المحكم.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: أي: المضيءِ البيِّن بالأمر والنهي.
قال الكلبي: (الزُّبر): أحاديث الأنبياء ممن (^١) قبْلهم، و(الكتابُ المنير): ما جاؤوا به من الكتاب المنزلِ عليهم.
وقيل: هما واحد في الأصل، وذُكرا جميعًا لاختلاف الوصفين؛ فإن الزبور هو الكتاب الزاجر، والكتابَ المنيرَ هو الكتاب الهادي، وقد زَبَره؛ أي: زجره.
* * *
(١٨٥) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾: أي: كلُّ ذي (^٢) روحٍ متجرِّعٌ غصصَ الموت، وأنَّث قوله: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ لتأنيث النفس سماعًا.
وقال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالت الملائكة: هلك أهلُ الأرض، وظنُّوا (^٣) أن أهل السماء لا يموتون، فلمَّا نزل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أيقنَ الملائكة بهلاكهم معهم (^٤).
_________________
(١) في (ف): "من".
(٢) "ذي" زيادة من (أ).
(٣) في (أ): "فظنوا".
(٤) ذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٢٩٦) عن الكلبي، فلعله من رواية الكلبي عن أبي =
[ ٤ / ٣٨٥ ]
والذَّوقُ في موضع الحقيقة: تعرُّفُ طعمِ الشيء بالفم، ثم يُستعمل في أشياءَ بمعنى النَّيل (^١)؛ يقال: ما ذقتُ غَمْضًا (^٢)، قال المتنبي:
إذا ما الناسُ جرَّبهم لبيبٌ فإني قد طَعِمْتُهمُ وذاقا (^٣)
وقال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق: ٩]، وقال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢].
واتصال هذه الآية بما قبلها: أن تقديره: لا يحزُنْكَ تكذيبُهم إياك فإنَّ مرجعَ الخلق إليَّ فأجازيهم على التكذيب وأجازيك على الصبر، وذلك قوله تعالى:
﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: تُعطون على الكمال ثوابَ أعمالكم في الآخرة، فإن الدنيا ليست بدار الجزاء.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾: أي: بُعِّد، وقد أوضحنا ذلك عند قوله ﷿: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ [البقرة: ٩٦].
_________________
(١) = صالح عن ابن عباس، فقد جرت العادة في مثل هذه الأخبار أن تنسب عند البعض للكلبي وعند آخرين لابن عباس. ورواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٦/ ٤٤٧) عن ابن جريج.
(٢) في (أ): "على معنى النيل"، وفي (ف): "على معنى الليل"، بدل: "بمعنى النيل".
(٣) في (ر): "ما نلت غمضا".
(٤) انظر: "أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه" للثعالبي (ص: ١٢٦)، و"شرح شعر المتنبي" لابن الإقليلي (١/ ٢٨١)، و"اللامع العزيزي في شرح ديوان المتنبي" للمعري (ص: ٧٧٨)، و"أمالي ابن الشجري" (٣/ ٢٤٧)، وفيها جميعًا بدل (طعمتهم): (أكلتهم). قال المعري: هذا البيت في غاية المبالغة وحسن اللفظ؛ لأن الإنسان إذا أكل الشيء فقد خبر منه ما لا يخبر غيره، فجعل الذين جربوا الناس كأنهم قد ذاقوا طعامًا تفرد بأكله. والذوق: إنما يستعمل في الشيء القليل حتى إنه يقال: ذاقه بطرف لسانه.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾: أي: ظَفِر، وقيل: سُعِد، وقيل: أي: نال كلَّ ما يُرجَى، وأمِن كلَّ ما يُخاف.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: القُربَى، وهي التي في هذه الدار.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: والمتاع: السلعة (^١) المتقضِّيَة، والغرور: الخداع، وهو إضافة الشيء إلى صفته، ومعناه: أن هذه الحياة الدنيا متعةٌ يقع الاغترارُ بها باعتماد الإنسان عليها، ثم لا تبقَى له فكأنها غرَّته.
* * *
(١٨٦) - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾: أي: لتُختبَرُنَّ وتُمتحنُنَّ، واللام والنون على معنى القسَم ﴿فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ بالإنفاق في سبيل اللَّه ﴿وَ﴾ في ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ بالقتل والجراح.
وقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: اليهود والنصارى ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ (^٢) ما يؤذيكم سماعُه، كما روَينا من سماع أبي بكر الصدِّيق ﵁ من قول (^٣) فنحاص بن عازوراء اليهوديِّ في (^٤) قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "البلغة".
(٢) في (ر): " ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ "، وستأتي الجملة بتمامها في (أ) و(ف).
(٣) في (ف): "حديث".
(٤) "في" زيادة من (ف).
[ ٤ / ٣٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرً﴾: فإنهم يقولون في اللَّه ما هو منزَّه عنه.
ورُوي أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبيَّ -ﷺ- والمؤمنين، ويحرِّض المشركين على قتالهم، فشَقَّ ذلك على المسلمين، فاحتالوا في قتله حتى قتله محمد بن مَسْلَمةَ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾: أي: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على الأذى ﴿وَتَتَّقُوا﴾ هو اللَّه فلا تخالفوه فيما أمر ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: مِن عَمَل أهلِ الحزم والعزم.
وقيل: من الأمر الذي ظهَر رشدُه وصوابه وصلاحه.
وقيل: أي: مما يجب أن يَعزِم عليه كلُّ عاقل.
* * *
(١٨٧) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾:
واتصالها بما قبلها: أنه دعا النبيَّ -ﷺ- إلى الصبر على أذاهم في الآية الأولى، وبيَّن (^٢) في هذه الآية أنهم لا يؤذونه من (^٣) خفاءِ حاله عليهم (^٤)، فقد أخذ الميثاق عليهم بأن يبيِّنوا حاله وعرَّفهم ذلك.
_________________
(١) رواه مطولًا البخاري (٤٠٣٧)، ومسلم (١٨٠١)، من حديث جابر ﵁.
(٢) في (ر): "وبين هو".
(٣) في (ف) و(أ): "عن".
(٤) "عليهم" ليس من (أ).
[ ٤ / ٣٨٨ ]
وقال ابن عباس وسعيد بن جُبير والسديُّ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هاهنا هم اليهود (^١).
وقيل: اليهود والنصارى (^٢).
وقيل: كلُّ مَن عنده علم من الكتب، وهو قول الحسن وقتادة (^٣).
قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾: قال السدي: الهاء ترجع إلى النبيِّ -ﷺ- (^٤)، وهو معلومٌ غير مذكور.
وقال الحسن وقتادة: هو الكتاب، وهو مذكور (^٥).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بياء المغايبة فعلًا للذين أوتوا الكتاب، وهو يشاكل قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة على تقدير أنهم خوطبوا بذلك عند أخذ الميثاق.
يقول: واذكر يا محمد إذ أخذ اللَّه ميثاق أهلِ الكتاب على ألسنة أنبيائهم أن يبينوا الكتابَ وأمرَ محمد ﵊ للناس ولا يخفونه (^٦).
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، وفي البخاري (٤٥٦٨) عن ابن عباس معناه. ورواه عن سعيد بن جبير أيضًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٥).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٦) عن الحسن.
(٣) رواه عن قتادة الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٩٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٢٥٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٦).
(٤) رواه عن السدي الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٩٥). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٦) عن سعيد بن جبير.
(٥) رواه عن قتادة الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٩٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٢٥٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٣٦).
(٦) في (ف): "تخفوه".
[ ٤ / ٣٨٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: أي: تركوه وتغافَلوا عنه، فكأنهم ألقَوه وراء ظهورهم لا يرونه ولا يذكرونه.
وقوله تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أي: واستبدلوا به ما ينالونه من سَفِلتهم (^١) كرهوا أن يؤمنو ا فيقطع (^٢) ذلك عنهم فكتموا ما علموا (^٣) من ذلك وأمروهم أن يكذبوه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ أي ساء ما يستبدلون (^٥) وقد كشفنا حقيقته في سورة البقرة.
* * *
(١٨٨) - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾: أي: لا تظنَّنَّ (^٦) يا محمدُ اليهودَ الذين يُسَرُّون بما فعلوا من كتمانِ صفة محمد والتكذيبِ به، وظنُّوا أن ذلك مقبول منهم، وأن اللَّه تعالى لا يخبرك بفعلهم ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾؛ أي: يُحمدوا على الكتمان حمدَ مَن أَخبر بحقٍّ، وأن يُمدحوا بما ليس فيهم، فيقالَ: إنهم أهل علم ونُسك، وهو قول ابن عباس ﵄ والضحاك (^٧).
_________________
(١) في (ف): "تناولوه من سلفهم" بدل: "ينالوه من سفلتهم".
(٢) في (ف) و(أ): "فينقطع".
(٣) في (ف): "عملوا".
(٤) في (أ): "يكذبوا به".
(٥) في (ف): "يشترون".
(٦) في (ف): "ألا تظن"، وفي (ر): "ولا تظن".
(٧) روى معناه عن ابن عباس البخاري (٤٥٦٨)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٠١ و٣٠٣).
[ ٤ / ٣٩٠ ]
وقيل: هي في المنافقين، كانوا يتخلَّفون عن القتال مع المؤمنين، وكانوا يحبون أن يُقبل عذرُهم (^١)، وأن يُحمدوا على ما لم يكونوا عليه من الإيمان (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾: أعاد هذه الكلمة لطول الكلام إعلامًا أن آخره متَّصل بأوله ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: بمنجاةٍ منه ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: مؤلم في الآخرة.
* * *
(١٨٩) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: فهو الغنيُّ في الحقيقة وليس بفقير كما قالت اليهود، ولأنه ذَكر جزاء أعمال الفريقين، وبيَّن أن الجازيَ مَن هذا صفته، ولأنه قال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: لا يفوتونه فله ملكُ السماوات والأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: تقريرٌ للمعاني الثلاثة، ولو قال: وهو على كل شيء قدير، استقام، فقد مر ذكر اللَّه تعالى مرةً، لكن هذا أبلغُ ليكون كلُّ كلام مستقلًّا بنفسه.
* * *
(١٩٠) - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: هو بيان ملكه وقدرته اللَّذَين ذكرهما في الآية الأولى، وقد مر تفسير هذه الآية في سورة البقرة على الاستيفاء والاستقصاء.
_________________
(١) في (ف): "يقتل عدوهم".
(٢) رواه البخاري (٤٥٦٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٤ / ٣٩١ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي ذلك دليلُ لزوم التوحيد باللبِّ؛ إذ صيَّرها آيات لمن له ذلك، وأولُ درجات الآيات أن يعرف منشِئُها وجاعلها آيات (^١).
* * *
(١٩١) - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وهو نعتٌ لـ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ و﴿قِيَامًا﴾: جمعُ قائم، و﴿وَقُعُودًا﴾: جمع قاعد، وهما نصبٌ على الحال، ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يتضمن قولَه: ومضطجِعين، وهو كقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢]؛ أي: دعانا مضطجعًا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا.
وقيل: الذين يصلُّون قيامًا، وقعودًا حالَ عجزهم عن القيام، وعلى جنوبهم بالإيماء حالَ عجزهم عن القعود.
قال ﵁ (^٢): وأنا أقول: يحتمِل ﴿قِيَامًا﴾: حال قيامهم في أمور الشرع على الاستقامة، وحالَ انحرافهم عن الاستقامة بعضَ الانحراف بتردُّد العزيمة، وحال سقوطهم عن القيام (^٣) بها بتمام اختيار المعصية.
وقوله تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ﴾ قيل (^٤): هو الذكر باللسان على هذه الأحوال الثلاث، فإن الإنسان يكون على إحدى هذه الحالات (^٥). . . . . .
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٥٧).
(٢) الظاهر أن القائل هو المؤلف ﵀.
(٣) في (أ): "عن الإيمان".
(٤) "قيل" ليس من (ف).
(٥) بعدها في (ر): "الثلاث".
[ ٤ / ٣٩٢ ]
إلا في النادر، وأراد (^١) به دوام ذكر اللسان، وهو قول ابن جريجٍ (^٢)، وتبيَّن به أنه يَحسُن ذكر اللَّه تعالى بكلِّ حال.
وقال الزجَّاج: هو عندي ذكرُ القلب بكلِّ حال (^٣).
وقيل: ذكرُ القلب لا يخلو عن الخوف، فمعناه: يخافون اللَّه قيامًا في تصرُّفهم، وقعودًا في دَعَتهم، وعلى جنوبهم في مضاجعهم.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: هو الصلاة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]؛ أي: يصلُّون للَّه تعالى قيامًا (^٤) حالةَ القدرة، وقعودًا عند العجز، وعلى جنوبهم إذا ضعفوا عن القيام والقعود (^٥).
وقيل: أي: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا﴾ بأوامره ﴿وَقُعُودًا﴾ عن زواجره ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: على اجتنابهم عن مخالفة أمره.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لمَّا جعل اللَّه تعالى على العبد في كلِّ حالٍ نعمةً ليست تلك في غيرها من الأحوال، نحو أن (^٦) جعل القيام نعمةً في قضاء حوائجه وتقلُّبِه في تلك الحال، وجعل القعود راحة له عند الإعياء، وكذا
_________________
(١) في (ف): "فأراد".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٠٩)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٢٦٤)، ولفظه فيهما: وَهُوَ ذكر اللَّه فِي الصلاة، وغير الصلاة، وقراءة القرآن.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (١/ ٤٩٩).
(٤) في (ر): "قياما له".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٣١) عن علي وابن عباس -﵃- والنخعي وقتادة. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٤١) عن ابن مسعود ﵁.
(٦) في (أ): "بجواز" وفي (ر) و(ف): "يجوز أن"، والمثبت من "التأويلات".
[ ٤ / ٣٩٣ ]
الاضطجاعُ، استأداهم الشكرَ له في كلِّ نعمةٍ على كلِّ حال من تلك الأحوال، ومدحهم على ذلك إذا فعلوا (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: للاستدلال (^٢).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ فيه إضمارُ القول (^٣)، تقديره: يقولون: يا (^٤) ربنا ما خلقتَ هذا، أشار إلى قوله: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولو أشار إلى السماوات والأرض لقال: هذه.
وقوله تعالى: ﴿بَاطِلًا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا لقوله: ﴿خَلَقْتَ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١].
ويجوز أن يكون منصوبًا بنزع الخافض، وتقديره: لباطل، أو: على باطل، وهو كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وقولهِ تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، ومعناه: ما خلقتَه باطلًا (^٥) عبثًا، بل دليلًا عليك وعلى وحدانيتك وكمالِ قدرتك ولمصالح عبادك.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: أي: تنزهت عن أن تخلق شيئًا عبثًا، وقيل: تقدَّستَ عن كل عيب.
وقوله تعالى: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ مر تفسيره.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٦١).
(٢) في (ف): "استدلالًا".
(٣) في (ر): "للقول". وفي هامش (أ): "قوله: ﴿بَاطِلًا﴾ مفعول له، وقيل: حال من ﴿هَذَا﴾ المعنى: ما خلقت شيئًا إلا بحكمة".
(٤) "يا" من (أ). وجاء في (أ) و(ف): "ويقولون" بالواو في أوله.
(٥) "باطلًا" ليس من (ف).
[ ٤ / ٣٩٤ ]
(١٩٢) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾: أي: مَن تدخلْه النارَ ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾؛ أي: فضحته (^١). وقيل: أذلَلْتَه، وقيل: جعلتَه خزيانَ؛ أي: مستحييًا (^٢) خَجِلًا بأعماله.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: أي: مَن ظلَم نفسه بالكفر أو بالمعصية (^٣)، أو وضَعَ الشيءَ في غير موضعه، فلا معين له ولا مانع (^٤).
وذكرُهم هذا بيانٌ أنهم يعلمون كيف حالُ أهلِ النار، وذلك أجلبُ للإخلاص والتضرُّع عند الاستجارة من النار ممن يستجير وهو ساهٍ عن ذلك أو جاهلٌ له.
* * *
(١٩٣) - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾: قال الكلبيُّ: ﴿مُنَادِيًا﴾: داعيًا، يعني: محمدًا -ﷺ- (^٥).
وقال محمد بن كعب القرظيُّ: هو القرآن (^٦)، ليس كلُّ الناس رأى النبيَّ -ﷺ- (^٧).
_________________
(١) في (ف): " ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾: أي: من تدخلْه النار فقد فضحته".
(٢) في (ر): "أي مستحيًا"، وكلمة "أي" ليست في (ف).
(٣) في (ر): "بالكفر والمعصية".
(٤) في (ف): "نافع".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٦٢) عن ابن عباس، ولعله من طريق الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس كما تقدم التنبيه على نحو هذا.
(٦) بعدها في (ر): "فإنه" والمثبت من (أ) و(ف)، والمصدر.
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣١٤).
[ ٤ / ٣٩٥ ]
وقيل: إن النبيَّ -ﷺ- داعٍ لمن شهده ولمن جاء بعده، قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فالصرفُ إليه أولى.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (^١) [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥].
وقوله تعالى: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾؛ أي: إلى الإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ﴾ [آل عمران: ١٦٧]؛ أي: إلى الكفر، وإنما جاز اللام مقام (إلى) لأن اللام للغرض الذي هو الغاية، و(إلى) للغاية، فتقاربا.
وقيل: فيه تقديم وتأخير: سمعنا مناديًا للإيمان ينادي.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾: قيل: ﴿أَنْ﴾ منصوب بوقوع النداء عليه، وقيل: هو منصوب بنزع الباء (^٢)؛ أي: بأنْ آمنوا بربكم.
وقوله تعالى: ﴿فَآمَنَّا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: دل هذا على أن الإيمان هو الإقرارُ والاعتقاد دون العمل، وعلى بطلان الاستثناء فيه، فإنهم كما دُعوا إليه أجابوا وحقَّقوا ذلك للحال قبل العمل (^٣)، ولم يستثنوا فيه، ومدحهم اللَّه تعالى عليه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: المغفرة: ستر الذنوب،
_________________
(١) بعدها في هامش (ر): "إلا بإذنه" وعليها علامة التصحيح.
(٢) في (ر): "بنزع الخافض".
(٣) في (ر): "وقبل العمل"، وعبارة "التأويلات": (لأنه لما قال لهم: آمنوا بربكم لم يطلبوا التفسير، ولا قالوا: كم أشياء تكون؟ ولكن أجابوه إجابة موجزة، فقالوا: ﴿فَآمَنَّا رَبَّنَا﴾).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٦٢).
[ ٤ / ٣٩٦ ]
والتكفير كذلك كما (^١) مر في سورة البقرة، وإنما جمع بينهما لأن المغفرة قد تكون تفضُّلًا من اللَّه تعالى ابتداءً والتكفيرَ يكون بالحسنات والنوائب والنكبات، فكأنهم سألوا مغفرةَ ما مضى من ذنوبهم فضلًا، وتكفيرَ ما يكون منهم في المستقبل بما يوفِّقهم له (^٢) من الخيرات، والصبرِ على ما ينوبهم من الآفات، فكأنهم (^٣) سألوا التوفيق لذلك.
قوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: هو جمع البَرِّ؛ كالأجداد: جمع الجَد، أو جمع البار؛ كالأنصار جمع الناصر، والأصحاب جمع الصاحب، وقد مر تفسير البرِّ (^٤) في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧].
ومعناه: أَمِتْنا مع الأبرار من عبادك الذين رضيتَ أعمالهم، ووفاتُهم معهم: أن يموتوا على مثلِ أعمالهم فيكونوا في درجاتهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]؛ أي: آمنوا على اتِّباعٍ منهم له وعملٍ بما دعا إليه.
وقيل: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: في جملتهم، كما قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]؛ أي: في جملتهم، ويقال: فلان مع أصحاب الألوف في العطاء؛ أي: في جملة الذين إذا أَعطوا أَعطوا ألفًا ألفا (^٥).
وقيل: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: في عصر الأبرار، ولا تؤخِّرنا إلى زمان الأشرار.
* * *
_________________
(١) في (ف) و(أ): "على ما".
(٢) "له" ليس من (أ) و(ف).
(٣) في (ف) و(أ): "فكانوا".
(٤) في (ف): "تفسيره".
(٥) "ألفا" الثانية ليست في (أ).
[ ٤ / ٣٩٧ ]
(١٩٤) - ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾: أي: على ألسنةِ رسلك، هذا (^١) مضمرٌ، وهو سائغ في اللغة؛ أي: قد وَعدْتَ على ألسنتهم أنَّ مَن مات بَرًّا أَعْزَزْتَه بالثواب ولم تُخْزِه بالعقاب، فأعطنا ذلك.
وقيل: معنى قوله: ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾؛ أي: ما جعلته على رسلك من الشفاعة ومن استغفارهم للمؤمنين والمؤمنات، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] وقال إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: فقد وعدْتَ ذلك بقولك: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم: ٨]، وقد فسَّرنا الخزيَ في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: فإن قالوا: لمَّا وعد ذلك وهو لا يخلفُه، فما معنى السؤال؟
قال الإمام أبو منصور: جوابه من وجوه:
أحدهما: أنه (^٣) وعَدَ ذلك وأمَر بالسؤال؛ كما قال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾.
والثاني: أن وعد الاستغفار من النبيِّ -ﷺ- كان مع استغفارٍ يوجد من المذنِب؛
_________________
(١) في (ر): "هنا".
(٢) في (أ): "وقال إبراهيم رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات"، وليست في باقي النسخ، والصواب المثبت.
(٣) "أنه" ليس من (أ).
[ ٤ / ٣٩٨ ]
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤].
والثالث: أن الوعد لهم بذلك (^١) إذا ماتوا على ذلك، فهذا سؤالُ أن يميتهم على ذلك.
والرابع: أنه سؤالُ أن يجعلهم من الجملة (^٢) الذين كان لهم الوعدُ، إذ الوعد غيرُ مبيَّنٍ لمن هو (^٣).
* * *
(١٩٥) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾: قال جعفر بن محمدٍ الصادقُ: مَن حَزَبه (^٤) أمر فقال خمس مرات: ربَّنا، نجاه اللَّه مما يخاف، وأعطاه ما أراد، واستجاب له ما دعا. واستشهد بهذه الآيات: أن اللَّه تعالى ذكر من هؤلاء أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا﴾ خمس مرات ثم ذكر استجابته لهم (^٥).
_________________
(١) "بذلك" ليس من (أ) و(ف).
(٢) في (ر) و(ف): "جملة"، والمثبت موافق لما في "التأويلات".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٢/ ٥٦٤).
(٤) في (ر): "حزنه".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٣٤)، و"الكشاف" (١/ ٤٥٧).
[ ٤ / ٣٩٩ ]
ومِن أهل العلم (^١) مَن ذكر أن هذه الدعواتِ الخمس من النبيِّ ﵇ وخلفائه الراشدين الأربعة على الترتيب.
وقوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾: أي: فاستجاب بأني، ولو كسر جاز على الحكاية (^٢). والإضاعة: الإهمال والإبطال.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: ﴿مِنْ﴾ لبيان جنسِ مَن أُضيف إليهم العملُ، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
وقيل: هو لتأكيد النفي؛ أي: أُجازي كلَّ عاملٍ ولا أَترك مجازاته ذكرًا كان أو أنثى.
وقال مجاهد: إن أم سلمةَ قالت: يا رسول اللَّه ما بالُ (^٣) النساء لا يذكرون في القرآن كما يذكر الرجال؟ فنزلت هذه الآية وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية (^٤).
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: أي: كلُّكم مجتمعون على دينٍ واحد (^٥)
_________________
(١) في (ف): "التفسير".
(٢) وقرأ بكسر الهمزة عيسى بن عمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٣٠).
(٣) في (ف): "مال" بدل: "ما بال".
(٤) رواه من طريق مجاهد عن أم سلمة الترمذي (٣٠٢٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٦٠)، ولم يرد في رواية الترمذي آية آل عمران، وصححه الحاكم، لكن الترمذي نبه على إرساله فقال: هذا حديثٌ مرسَلٌ، ورواه بعضُهم عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مرسَلًا، أنَّ أمَّ سلمةَ قالت كذا وكذا. ورواه الترمذي (٣٠٢٣)، الحاكم (٣١٧٤) من طريق آخر متصل عن أم سلمة ﵂. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.
(٥) "دين واحد" من (ف).
[ ٤ / ٤٠٠ ]
دينِ اللَّه تعالى، يقال: فلانٌ مني؛ أي: على خُلُقي أو مذهبي (^١)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وقيل: أي: الذكور والإناث بعضُهم من بعضٍ في الخلقة.
وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: أي: رحلوا إلى رسول اللَّه -ﷺ- بالمدينة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: أي: اضطُروا بإيذاء الكفار إلى خروجهم من أوطانهم (^٣) وتركِها.
وقوله تعالى: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾: أي (^٤): في الجهاد بأنواع الأذى (^٥) ﴿وَقَاتَلُوا﴾؛ أي: حاربوا الكفار ﴿وَقُتِلُوا﴾؛ أي: واستُشهدوا في الحرب.
وقرئ: ﴿وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا﴾ (^٦)؛ أي: وقتل بعضُهم فلم يَنْكل الباقون بل قاتلوا.
وقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: لأجزينهم بمحو السيئات وإعطاءِ الجنة والدرجات.
وقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: قيل: هو نصبٌ على التفسير؛ كقولك: هذا لك هبةً منِّي.
وقيل: هو مصدرُ فعلٍ مدلولٍ عليه أو مضمرٍ؛ لأن قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ و(لأدخلن) بمعنى: لأُثِيبنَّ بهذا، والإضمارُ: يثابون بذلك ثوابًا (^٧).
_________________
(١) في (ف): "ومذهبي".
(٢) في (ر): "إلى المدينة".
(٣) في (أ): "ديارهم".
(٤) "أي" زيادة من (أ).
(٥) كذا قال، وفي حصر الأذى بالجهاد نظر، فما أكثر جهات الأذى التي يتعرض لها المؤمن.
(٦) وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر: "السبعة" (ص: ٢٢١)، و"التيسير" (ص: ٩٣).
(٧) وله وجوه أخر، فقيل: هو حال من ﴿جَنَّاتٍ﴾ لوصفها؛ أي: مُثابًا بها، أو من ضمير المفعول في =
[ ٤ / ٤٠١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾: فإنه لا يَفنَى ولا يتكدَّر، وهو كثيرٌ على عملٍ قليلٍ مقدَّر.
* * *
(١٩٦) - ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: قيل: الخطاب لكلِّ مكلَّف؛ أي: أيُّها السامع.
وقيل: هو للنبيِّ -ﷺ-.
ثم هو وإن كان لا يغرُّه تقلُّبُهم وكان معصومًا عن ذلك، فله وجوه قد ذكرناها عند قوله ﷿: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]: أن خطابه خطابٌ لأمته، ولأن العصمة لا تزيل النهيَ، فإنه لو زال النهي عنه بذلك لبَطلت العصمة، فإن العصمة هي الحفظ عن الخلاف، وإذا زال النهي لم يكن خلافًا فلم تكن (^١) عصمةً.
ومعنى الآية: لا تغترُّوا (^٢) بتصرُّف هؤلاء الكفار واليهود الذين مرَّ ذكرهم في بلاد اللَّه كيف شاؤوا، لا (^٣) يؤاخذون بكفرهم وباضطرابهم فيها لاكتساب الأموال والاستكثار منها، ولا تقولوا في أنفسهم: ما لهم آمنين أغنياء متمكِّنين وهم كفارٌ مبطِلون ونحن خائفون مُقِلُّون مع أنَّا مؤمنون مُحِقُّون.
_________________
(١) = ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾؛ أي: مُثابين، وقيل: إنه بدل من ﴿جَنَّاتٍ﴾ على تضمين ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ معنى: ولأعطينهم، وقال الكسائي: إنه منصوب على القطع. وفسر بعضهم القطع بالنصب على الحال. انظر: "البحر المحيط" (٦/ ٣٦٨).
(٢) في (ر): "فلم يكن"، وفي (ف): "فلا تكن".
(٣) في (ف): "تغتر".
(٤) في (أ): "ولا"، وفي (ف): "وأن لا".
[ ٤ / ٤٠٢ ]
(١٩٧) - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: أي: هو متاعٌ؛ أي: منفعةٌ يسيرة ثم تنقطع، ووصَفَه بالقلة وإن طالت مدتهم؛ لأنَّه بالإضافة إلى النعيم الذي في الجنة الذي لا انقطاع له قليل.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: أي: مصيرُهم النارُ وبئس الفراش، وسمَّى ذلك (^١) مهادًا وليس في النار تمهيد؛ لأنَّها بدلُ مهادِ أهل الجنة، وهو كالبشارة بالعذاب جُعلت (^٢) بدلًا عن البشارة بالثواب.
* * *
(١٩٨) - ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: (لكن) كلمةُ استدراكٍ بإثباتٍ بعد نفيٍ، أو نفيٍ بعد إثبات، تقول: ما قام زيد لكنْ (^٣) عمرٌو، وجاء القوم لكن زيدٌ لم يَجِئ.
وقوله تعالى: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾؛ أي: خافوه فلم يخالفوا أمره ولا نهيه.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: والكفار كانت مأواهم النارُ وبئس القرار.
وقوله تعالى ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: رزقًا أُعدَّ لهم إذا نزلوا أولًا، والنزل يعدُّ
_________________
(١) "ذلك" ليس من (ف).
(٢) في (أ): "جعل".
(٣) في (ر): "بل".
[ ٤ / ٤٠٣ ]
للأضياف (^١) إذا نزلوا (^٢)، ونصبُه على التفسير، أو على المصدر المدلولِ أو المضمرِ كما مر في قوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾: أي: من زهرة الدنيا للكفار.
وقال ابن مسعود ﵁: ما من نفسٍ بَرَّةٍ ولا فاجرةٍ إلا والموتُ خيرٌ لها: أمَّا البَرَّة فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ وأما الفاجرةُ فإنه يقول: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] (^٣).
* * *
(١٩٩) - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾: لمَّا ذمَّ أهل الكتاب الذين كفروا وكتموا الحق ونبذوه وراء ظهورهم وأساؤوا القول في اللَّه وفي رسوله وفي المؤمنين، مدح منهم المؤمنين (^٤) الذين آمنوا واتبعوا الحق بهذه الآية.
و﴿لَمَنْ﴾ لام التأكيد دخلت في الاسم ها هنا دون الخبر، وأنت تقول: إن
_________________
(١) في (ر) و(ف): "كإنزال بعض الأضياف"، بدل: "والنزل يعد للأضياف".
(٢) "إذا نزلوا" ليس من (ف).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٩٥)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٦٢ و٣٢٦)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٢١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٤٦)، والحاكم في "المستدرك" (٣١٦٨) وصححه.
(٤) "المؤمنين" زيادة من (أ).
[ ٤ / ٤٠٤ ]
زيدًا لعالم، فتُدخل اللام في الخبر دون الاسم، وذلك لأن (إنَّ) واللام كلُّ واحد منهما للتأكيد، فجُعل عند الابتداء بالاسم والتثنيةِ بالخبر (إنَّ) في الاسم واللامُ في الخبر، فإذا دخلت (^١) (إنَّ) في غير الاسم وتقدم ذلك وتأخَّر الاسم جُعلت اللام في الاسم (^٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: ١٣]، وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [آل عمران: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾: أي: خائفين خاضعين، وهو نصبٌ على الحال من قوله: ﴿يُؤْمِنُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: خلافًا لغيرهم الذين نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا، وقد فسَّرنا ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: ثوابهم في الآخرة.
وقوله تعالى (^٣): ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: أي: لا يؤخِّر جزاء أعمالهم يومَ القيامة بطول الحساب، فإنه سريع الحساب.
قال مجاهد: نزلت في المؤمنين من أهل الكتاب عبدِ اللَّه بن سلام وأشباهه (^٤).
وقال قتادة: نزلت في النجاشيِّ، فإنه لمَّا مات وبلغ النبيَّ -ﷺ- خبرُه صلَّى عليه، فقال بعض الكفار: صلى على علجٍ نصراني لم يره قط، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية
_________________
(١) في (ف): "أدخلت".
(٢) وخلاصة الكلام: أن اللام عند إرادة التوكيد بها مع (إنَّ) فإنها تقترن بالمتأخر من الاسم أو الخبر.
(٣) "وقوله تعالى" ليس من (أ).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٣٨)، و"الوسيط" للواحدي (١/ ٥٣٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٥٦). ورواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٣٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٨٤٦)، وليس فيهما التصريح بأن ذلك هو سبب النزول.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
يبيِّن أنه قد آمن باللَّه، فقال المنافقون: إنه كان يصلي إلى غير الكعبة، فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (^١).
وقال عطاء: نزلتْ في أربعين من أهل نجران من بني الحارث بن كعب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانيةٍ من الروم، كانوا على دين عيسى ﵇ وآمنوا بالنبيِّ -ﷺ- (^٢).
و﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: المهاجرون (^٣) والأنصار.
* * *
(٢٠٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾: وبعد ما أخبر (^٤) في هذه السورة قصةَ بدر وأحدٍ، وما نال المؤمنين من النكبات، وبعد ما أخبر عن حال النصارى في أولها، وعن (^٥) حال اليهود في آخرها، ختم السورة بالأمر بالصبر فقال: ﴿اصْبِرُوا﴾؛ أي: على دين اللَّه، وقيل: على أمر اللَّه، وقيل: على الطاعة، وقيل: أي: عن المعصية، وقيل: أي: على المكاره.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٤٩٩)، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٥٥) و(٦/ ٣٢٨)، ورواية عبد الرزاق مختصرة. ورواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٢٧) مرفوعا متصلًا من طريق قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر ﵁، لكنه قال: في إسناده نظر.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٣٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٥٥)، وما بين معكوفتين منهما.
(٣) في (ف): "المهاجرين".
(٤) في (ر): "أخبر اللَّه".
(٥) "عن" ليس من (ف).
[ ٤ / ٤٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَصَابِرُوا﴾: أي: أعداءَ اللَّه في القتال، فاثْبُتوا ولا تتولَّوا، والمصابرةُ بين الاثنين والجمع.
وقوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾: أي: كونوا في الثغور رابطين خيولَكم مستعدِّين للقتال، والمرابطة بين الاثنين والجمع؛ أي: يربطُ (^١) هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم على المقابلة استعدادًا للمقاتَلة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: في جميع أوامره ونواهيهِ، فليس عليكم الجهادُ فحسب.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: لتُفلحوا، ولرجاءِ أن تُفلحوا، والفلاح: الأمن من كلِّ ما يُخاف، والوصول إلى كلِّ ما يُرام.
والصبر: هو حبسُ النفس عمَّا لا يرضاه اللَّه تعالى على ما يرضاه.
وأوَّله: التَّصبُّر: وهو التكلُّف لذلك، ثم المصابرةُ: وهي معارضةُ ما يمنعه عن ذلك، ثم الاصطبارُ: وهو الاعتياد (^٣) والالتزام، ثم الصبر: وهو كماله وحصولُه من غير كُلفة.
وقال أبو سلمةَ بن عبد الرحمن في قوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾: لم يكن في زمن النبيِّ -ﷺ- المرابطةُ في الثغور، وإنما هذا الأمر هو (^٤) بانتظارِ الصلاة بعد الصلاة (^٥).
_________________
(١) في (ر): "أي بربط"، وفي (ف): "أن يربط".
(٢) في هامش (أ): " ﴿وَصَابِرُوا﴾؛ أي: غالبوا الكفار بالصبر فلا يكونوا أشد صبرًا منكم ﴿وَرَابِطُوا﴾؛ أي: أقيموا واثبتوا في الثغور رابطين خيولكم، وأصل الربط الشد، ويستعمل لكل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه وإن لم يكن ثمة خيل".
(٣) في (ف): "ثم الاصطبار والاعتبار".
(٤) "هو" ليس من (ف).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٣٤)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٢٩٦).
[ ٤ / ٤٠٧ ]
قال النبيُّ -ﷺ-: "ألَا أدلُّكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويَرفعُ به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: "إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّبَاط، فذلكم الرِّباط" (^١).
وقال ابن جريج: ﴿اصْبِرُوا﴾ على طاعة اللَّه ﴿وَصَابِرُوا﴾ أعداءَ اللَّه ﴿وَرَابِطُوا﴾ في سبيل اللَّه (^٢).
وقال مقاتل: ﴿اصْبِرُوا﴾ على أمر اللَّه ﴿وَصَابِرُوا﴾ مع النبيِّ -ﷺ- في المواطن كلِّها ﴿وَرَابِطُوا﴾ العدوَّ في الثغور.
وقال عطاء: ﴿اصْبِرُوا﴾ على دينكم ﴿وَصَابِرُوا﴾ الوعد الذي وعَد ربُّكم ﴿وَرَابِطُوا﴾ عدوِّي وعدوَّكم (^٣) حتى يرجع عن دينه إلى دينِكم (^٤) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوني (^٥) فيما نهيتُكم وأطيعوني فيما أمرتكم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ تُسْعَدون وتبقَون في الجنة ناعمين مخلَّدين كما بشَّرتكم.
وقال بعض أهل المعرفة: ﴿اصْبِرُوا﴾ على بلائي ﴿وَصَابِرُوا﴾ نَعمائي ﴿وَرَابِطُوا﴾ أعدائي ﴿وَاتَّقُوا﴾ محبة مَن سوائي ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا (^٦) بلقائي.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥١)، والترمذي (٥١)، والإمام أحمد في "المسند" (٧٧٢٩)، من حديث أبي هريرة. وقوله: "فذلكم الرباط" تكرر في (أ) و(ر) ثلاث مرات.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٣٣). ورواه ابن المنذر في "تفسيره" (١٢٩٣) من طريق ابن جريج عن ابن عباس.
(٣) "وعدوكم" من (ف).
(٤) رواه ابن وهب في "الجامع" (٢/ ٧٠) برقم (١٢٥)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٣٣٣)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٢٩٢)، جميعهم عن محمد بن كعب القرظي.
(٥) في (أ): "خالدين" بدل: "أي خافوني".
(٦) "غدًا" ليست في (أ).
[ ٤ / ٤٠٨ ]
وقال آخر: ﴿اصْبِرُوا﴾ عند قيام النفير على احتمال الكُرَب ﴿وَصَابِرُوا﴾ على مقاساة العناء والتعب ﴿وَرَابِطُوا﴾ أعدائي بلا هرَب ﴿وَاتَّقُوا﴾ بهممكم عن الالتفات إلى (^١) السبب ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدا بلقائي على بساط الطَّرب.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يقال ﴿اصْبِرُوا﴾ على الطاعات وعن المخالفات ﴿وَصَابِرُوا﴾ في ترك الهوى والشهوات، وقطع المنى والعلاقات ﴿وَرَابِطُوا﴾ بالاستقامة في الصحبة في عموم الحالات.
قال: ويقال: ﴿اصْبِرُوا﴾ بنفوسكم ﴿وَصَابِرُوا﴾ بقلوبكم ﴿وَرَابِطُوا﴾ بأسراركم.
قال: والصبر مرٌّ مذاقتُه إذا كان العبدُ يتحسَّاه على الغَيبة، وهو لذيذٌ طعمه إذا شربه على الشهود والرؤية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بمخالفة أهوائكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الفلاح الظفر بالبغية، وهمةُ القومِ اليومَ الظَّفَرُ بنفوسهم، فإذا ظَفِروا بها ذبحوها بسيوف المجاهَدة، وصلَبوها على عيدان المكابَدة، وبعد فنائهم عنها يحصل بقاؤهم بالمشاهدة (^٢).
قال ﵁ (^٣): وفي فضل هذه السورة أحاديثُ:
روى ابن عباس ﵄ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة آل عمران أعطيَ بكلِّ آيةٍ منها أمانًا على جسرِ جهنم" (^٤).
_________________
(١) في (ف): "على الإنفاق إلى"، وفي (ر): "على الإنفاق على".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٣٠٩).
(٣) "قال ﵁" من (أ). والظاهر أن القائل هو المؤلف.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ من حديث ابن عباس. ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٩ - ١٠) (ط: دار التفسير)، والواحدي في "الوسيط" (١/ ٤١١)، من حديث أبيٍّ ﵁، وقال السيوطي في "نواهد الأبكار" (٣/ ١١٢ - ١١٣): هذا من الحديث الموضوع الذي روي عن أبي بن كعب في =
[ ٤ / ٤٠٩ ]
وقال عمر ﵁: مَن قرأ سورة آلِ عمران في ليلةٍ فهو غني (^١).
وروى الشعبيُّ عن مسروقٍ قال: ما خيَّب اللَّه عبدًا قرأ مَن ليلته البقرةَ وآلَ عمران والنساءَ، أو من خواتيمِهن، ونعمَ كنزُ المؤمن آخرُ سورةِ البقرة وآلِ عمران والنساء (^٢).
وقال أبو العطَّاف: اسم سورة آلِ عمران في التوراة: طيبة (^٣).
والحمدُ للَّه الموفِّقِ على الخيرات، والمترقِّقِ للقلوب القاسيات، الذي يُجازي على الحسنات، ولا يَعزُب عنه مثقالُ ذرةٍ في الأرض والسماوات، بعث محمدًا -﵇- الداعيَ إلى الطاعات والقربات، المؤيَّدَ بالدلالات والمعجزات، الذي هدانا به عن الضلالات، ونجَّانا من المهالك والموبِقات، صلَّى اللَّهُ عليه أفضلَ الصلوات، وأكملَ التحيات، وعلى أصحابه (^٤) الذين لهم يدٌ على العُدَاة،
_________________
(١) = فضائل القرآن سورة سورة، وقد نبَّه أئمة الحديث وحفاظه ونقاده قديمًا وحديثًا على أنه موضوع مختلق على رسول اللَّه -ﷺ-، وعابوا على من أورده من المفسرين في تفاسيرهم.
(٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٦٠١٥)، وأبو عبيد في "غريب الحديث" (٢/ ١٧١)، والدارمي في "سننه" (٣٣٩٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٢) (ط: دار التفسير)، والبيهقي في "الشعب" (٢٦١٥)، جميعهم من كلام ابن مسعود، ودون قوله: "في ليلة".
(٣) رواه الطبراني في "الأوسط" (١٧٧٢)، وعنه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٢٩) من طريق الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود عن النبي -ﷺ-. قال الطبراني: (لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن الشعبيِّ إلا ليثٌ، ولا عن ليثٍ إلا فضيلٌ، تَفَرَّدَ به بِشْرٌ). وقال أبو نعيم: (غريبٌ مِن حديث الفُضيل وليثٍ، تَفَرَّد به بشرُ بنُ يحيى فيما قاله سليمانُ). ويعني بسليمان الطبراني، وليث هو بن أبي سليم ضعيف، وبشر بن يحيى ضعفه الدارقطني في "سننه" عقب الحديث (٢٩١٩).
(٤) ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١/ ٣٩٦) عن النقاش.
(٥) في (ر): "آله".
[ ٤ / ٤١٠ ]
وقوةٌ على المشركين والمشركات، وقوَّى بهم الملَّة الإسلامية والدِّينَ الحنيفية والسيرةَ المرْضيَّة، رضوانُ اللَّه عليهم أجمعين، وعلى مَن اتَّبعهم إلى يوم الدِّين.
لقد أتممتُ هذه السورةَ بمنِّ اللَّه وقوته، وعونه ونُصرته، ختم اللَّه لنا وللمسلمين بخيرٍ، آمين (^١). والحمدُ للَّه ربِّ العالمين.
* * *
_________________
(١) من قوله: "والحمد للَّه الموفق. . . " إلى هنا ليس في (أ).
[ ٤ / ٤١١ ]
سورة النساء
[ ٤ / ٤١٣ ]