بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي يضلُّ مَن يشاءُ ويهدي مَن يشاءُ وهو العزيز الحكيم، الرحمنِ الَّذي يُدخِلُ الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات في جنَّاتِ النَّعيم، الرحيمِ الذي يغفرُ للمؤمنينَ يومَ يقومُ (^١) الحسابُ وهو الغفور الرَّحيم.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورةَ إبراهيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأجرِ عَشرَ حسناتٍ بعددِ مَن عبدَ الأصنامَ ومَن لم يعبدْها" (^٢).
وهذه السُّورةُ مكيَّةٌ، إلَّا آيتينِ نزلَتا بالمدينة في قتلى بدرٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآيتَيْن.
وهي إحدى وخمسون آيةً، وقيل: اثنتان، وقيل: أربع، وقيل: خمس، وقيل: سبع؛ لأنَّهم اختلفوا في هذه المواضع: ﴿[لِتُخْرِجَ النَّاسَ] مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿[أَنْ أَخْرِجْ] قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ٥]، ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [ابراهيم: ٩]، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ابراهيم: ١٩]، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾
_________________
(١) "يقوم" ليس في (أ) و(ف).
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٠٤)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٢٢). قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ٩ / ٩٣ ]
[إبراهيم: ٢٤]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، ﴿عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] (^١).
وكلماتُها ثماني مئةٍ وثلاثون، وحروفها ثلاثةُ آلاف وأربع مئة وثلاثة وستُّون.
وانتظامُ أوَّل هذه السُّورة بخَتْمِ تلكَ السُّورة بذكْرِ (^٢) الكتاب: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، ﴿الر كِتَابٌ﴾.
وانتظامُ هذه السُّورة بتلك السُّورة: أنَّ تلك السُّورة في بيانِ وحدانيَّةِ اللَّهِ تعالى وصفاتِه، وبيانِ القرآنِ، وبيانِ عقلاءِ المؤمنين، وبيانِ المعاندِيْن مِن المشركِيْن، وبيانِ اقتراحِهم وتكذيبِهم، وقوله في آخرِها: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣].
وهذه السُّورة تسليةٌ له على ذلك: في أوِّلها بيانُ إنزالِ الكتاب عليه، وبيانُ مدحِه، وبيانُ إرسالِ الرُّسل مِن قَبْلِه وصبرِهِم على إيذاءِ قومِهم، وبيانُ عاقبةِ الفريقَيْنِ، ووَعْدُ الموافِقِيْنَ بالجنَّة، ووعيدُ المخالفِيْنَ بالنَّار، وبيانُ مَثلِ الإيمان (^٣) ومَثلِ الكُفْرِ كما كان في (سورة الرعد)، والأمرُ بالصَّلاة والزَّكاة كما وعدَ في (سورة الرعد) على الصَّلاة والزَّكاة، وعِظمُ قَدْرِ الصَّلاة بذِكْرِها في قصَّةِ إبراهيم، وذِكْرُ القيامةِ فيها كما ذُكِرَ في تلكَ السُّورة، وختمُها بقوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لْلِنَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، كما قال في تلك السُّورة: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [الرعد: ٤٠].
* * *
_________________
(١) انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٧١)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) في (أ): "بذلك".
(٣) في (أ): "النار".
[ ٩ / ٩٤ ]
(١) - ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
قوله تعالى: ﴿الر﴾ مرَّتْ الأقاويلُ فيها مرَّات.
﴿كِتَابٌ﴾: أي: هذا كتابٌ أو سورةٌ ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ (^١) نحن (^٢)، ما ألقَاهُ إليكَ شيطانٌ، ولا افتريْتَهُ أنت.
وقوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: أي: ظلمات الكُفْرِ ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: نور الإيمان ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: تفعلُ هذا بهم (^٣) بأمرِ ربِّهم إيَّاك به.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾: هو ترجمةُ قولِه: ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: إلى طريقٍ دعا إليه اللَّهُ العزيزُ في ملكِه، الحميدُ عندَ جميعِ خلقِه بجلالِه وإفضالِه وحميدِ فِعالِه.
وقال القشيريُّ ﵀: لِتُخرِجَ النَّاسَ مِن ظلماتِ الجهلِ إلى نورِ العلمِ، ومِن ظلماتِ الشَّكِّ إلى نورِ اليقينِ، ومِن ظلماتِ التَّدبيرِ إلى نورِ شهودِ قضاءِ التَّقدير، ومن ظلماتِ دَعاوي النَّفسِ إلى نورِ معارفِ القلبِ، ومِن ظلماتِ التَّفرقةِ إلى أنوار الجمعِ، ومِن ظلماتِ الابتداعِ إلى أنوار الاتِّباع.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: بإرادتِه ومشيئتِه وسابقِ حكمِهِ وقضائِه، إلى صراطِ اللَّهِ، وهو نهجُ التَّوحيدِ بشواهدِ التَّفريد (^٤).
_________________
(١) في (أ) و(ر): " ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾؛ أي: هذا كتاب أو سورة ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ ".
(٢) في (ر): "بحق"، وفي (ف): " ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ "، وسقط التفسير منها.
(٣) في (ر) و(ف): "أي بفعل هداهم".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٣٨).
[ ٩ / ٩٥ ]
(٢) - ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
وقوله: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: ﴿اللَّهُ﴾ رفعًا بالابتداء، وخبرُه ﴿الَّذِي﴾، وقرأ الباقون بالخفض (^١) نعتًا لـ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: أي: وإذا كانَ للَّهِ ما في السَّماواتِ والأرض، وهو خالقُهما ومدبِّرُهما، وهو المستحِقُّ للعبادةِ، فمَنْ أشركَ به غيرَه فلَهُ الوعيدُ الغليظُ بالعذابِ الشَّديدِ في الآخرة.
* * *
(٣) - ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾: أي: يُؤْثرون الحياةَ القريبةَ المدَّةِ وشهواتِها والتَّعزُّزَ فيها بالرِّئاسةِ (^٢) على الحياة الآخرة الباقية التي لا ينقطعُ نعيمُها، وهو صفة الكافرين الذين لهم العذاب الشَّديد.
وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يمنعون النَّاسَ عن سلوكِ طاعةِ اللَّهِ، الذي يهدي إلى رضوانِه وجنانِه.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: أي: يطلبون لها تعويجًا وتحريفًا عن وجهِها، ويقبِّحونها عندَ الرَّاغب فيها بإدخالِ الشُّبَهِ. والتَّأنيثُ لأنَّ السَّبيلَ مؤنَّثةٌ سماعًا.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤).
(٢) في (ف): "والتعزز فيها بالرفاهة"، وفي (ر): "والتقرر فيها بالرفاهية".
[ ٩ / ٩٦ ]
و﴿يبغونها﴾ بمعنى: يبغون لها، قال تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ أي: يبغونَ لكم.
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾: عن الحقِّ، وهو قوله (^١):
* * *
(٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾: أعلمَ رسولَه في الآيةِ الأولى أنَّه أرسلَه وأنزلَ عليه كتابًا بيانًا للنَّاس، ثمَّ قالَ: وكذلكَ كانتِ الرُّسلُ قبلَك أرسلوا بلسانِ قومِهم.
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾: أي: يبيِّنوا لهم (^٢)، ثمَّ إنْ كانَ كذلِكَ لم يتَّفقوا على قَبولهم بل اختلفوا؛ فضَلَّ قومٌ واهتدى قومٌ.
﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿الْعَزِيزُ﴾ فيما يريدُ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يفعلُ.
* * *
(٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: أي: كما أرسلناكَ ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾؛ أي: بأنْ أخرجْ.
_________________
(١) "وهو قوله" ليس في (ف).
(٢) في (أ) و(ر): "أرسلوا بلسان قومهم ليبينوا لهم".
[ ٩ / ٩٧ ]
وقيل: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ بمعنى: أعلَمْنا وعرَّفْنا ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾.
﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: هو في مقابَلةِ ما قالَ لرسولِنا -ﷺ-: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾: قال الحسنُ ومجاهدٌ وقتادةُ وسعيدُ بنُ جبيرٍ: أي: بِنِعَمِ اللَّهِ (^١).
وقيل: أي: بِنِقَمِ اللَّه بعادٍ وثمودَ وغيرِهم مِن الأممِ الضَّالة.
قال عَمرُو بنُ كلثومٍ:
وأيَّامٍ لَنَا غرٍّ طِوَالٌ عَصَيْنا المَلْكَ فيها أنْ نَدِيْنا (^٢)
قيل فيه قولان: النِّعم، والنِّقم مِن أعدائنا.
وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، قيل: لا يخافون وقائعَ اللَّهِ الَّتي أوقعَها بأعدائِه.
وقيل: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ في الأممِ الخاليةِ، فيها آيات مِن حيثُ إنَّه عاقب قومًا وأنجى آخرين، على الطَّاعات منهم والمعاصي، والتَّصديق والتَّكذيب، ليعملوا بما يدخلون به في زمرة التَّائبين النَّاجين، ويخرجوا عن طبقة المعاقَبِين الهالكين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: أي: لكلِّ مَن
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٩٦ - ٥٩٧) عن مجاهد وقتادة وابن زيد وسعيد بن جبير، وذكره الواحدي في "تفسيره" (١٢/ ٤٠٤) عن الحسن.
(٢) البيت من معلقته. انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري (ص: ٣٨٨)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني (ص: ٢٢١)، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي (ص: ٢٢٥).
[ ٩ / ٩٨ ]
استكملَ خِصالَ الإسلامِ، فقد رُوِيَ: "الإيمانُ نصفانِ: صبرٌ، وشكرٌ" (^١)، فتَرْكُ كلِّ المعاصي صَبْرٌ، وفِعْلُ كلِّ الطَّاعاتِ شُكْرٌ.
وكأنَّه قال: لآياتٍ لكلِّ كاملٍ في إيمانِه، فهو الذي ينتفعُ بها، نحو (^٢) قولِه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: أيَّامُ اللَّهِ: نَعْماؤُه، بأنْ ظلَّلَ عليهم الغَمامَ، وأنزلَ عليهم المنَّ والسَّلوى، وفلقَ البحرَ، ونحوها (^٣).
وقيل: هو إهلاكُ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ ولوطٍ وشعيبٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، هذا في النِّعم.
وقولهم: مَنْ يَرَ يومًا يُرَ بِهِ (^٤)، هذا في الشِّدةِ.
وقول الشَّاعر:
فيومًا علينا ويومًا لنا ويومًا نُساءُ ويومًا نُسَر (^٥)
_________________
(١) رواه الخرائطي في "فضيلة الشكر" (١٨)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٥٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٢٦٤) من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ﵁. ويزيد ضعيف. انظر: "تخريج أحاديث الإحياء" للعراقي (ص: ١٣٩٩).
(٢) في (أ) و(ف): "وهو".
(٣) ذكره عن ابن عباس الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٥٠٨) (ط: دار إحياء التراث العربي). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٩٧) عن مجاهد. وروى عبد اللَّه بن الإمام أحمد في زوائده على "المسند" (٢١١٢٨) عن ابن عباسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن النَّبيِّ -ﷺ- في قوله ﵎: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قال: "بِنِعَمِ اللَّهِ".
(٤) معناه: مَن رأى يومًا على عدوِّه رأى مثله على نَفسه، وقيل معناه: مَن أحلَّ بغيره مكروهًا حلَّ به مثله. انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري (٢/ ٢٧٢).
(٥) البيت للنمر بن تولب، كما في "ديوانه" (ص: ٣٤٧)، ويروى البيت بضم (يوم)، واستشهدوا =
[ ٩ / ٩٩ ]
جمعَ (^١) المعنيَينِ.
وقال القشيريُّ ﵀: أيَّام اللَّه: هي ما سبقَ لأرواحِهم مِن الصَّفوة وتعريف التَّوحيد قبل حلولها بالأشباح، قال قائلهم:
سَقْيًا لها ولطِيبها ولحُسنها وبهائها
أيامَ لم يَلِجِ النَّوَى بينَ العصا ولحائها (^٢)
وقيل: هي ما كانَ وقتَ الميثاقِ وبعدَه.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: فسَّرناها في (سورة البقرة)، وهذه مِن أيَّام اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: أي: أعلمَ، وتأذَّن وآذَنَ واحدٌ، كقولِكَ: تَوَعَّد وأَوْعدَ، وهو قول الحسن والفرَّاء (^٣).
_________________
(١) = به على جواز الابتداء بالنكرة وعلى حذف الضمير من الخبر. وهو من شواهد "الكتاب"، انظر: "الكتاب" لسيبويه (١/ ٨٦)، و"الشواهد الكبرى" للعيني (١/ ٥٦٥).
(٢) في (ر): "لجميع"، وفي (أ): "بجمع".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٤٠).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٦٩)، وذكره عن الحسن الماوردي في "تفسيره" (٢/ ٢٧٣).
[ ٩ / ١٠٠ ]
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾: وهو وعدٌ بإبقاءِ النِّعمةِ، فالزِّيادة عليها (^١) تكونُ بعدَ بقاءِ أصلِها.
﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾: إنْ جُعِلَ هذا مِن الكُفْرانِ فمعناه: إنَّ عذابي بإزالةِ النِّعمةِ عنكم لشديدٌ عليكم، وإنْ جُعِلَ مِنَ الكُفْرِ فمعناهُ: إنْ جَحدْتُم النِّعم مِن عندي فعذابي للكفَّار شديدٌ؛ لأنَّه بالنَّار، وهو دائم.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: وعدَ ربُّكم وكفلَ ربُّكم، لم يبيِّنْ ما الشُّكر، وما النِّعمة، وما الزِّيادة، وما الكفر، وما العذاب؟
ويُشبِهُ أنْ يكونَ معناه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ لي بالتَّوحيدِ بما خلقْتكُم، وركَّبْتُ فيكم ما تتلذَّذون به وتتنعَّمون في الدُّنيا، وبما قوَّمتكم في أحسن التَّقويم ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ النِّعَمَ الدَّائمة في الآخرة، وهذا قول ابن عبَّاس (^٢)، أو هو قريب منه، ألا ترى أنه قال: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾؛ أي: ولَئِنْ صرفْتُم شكرَ نعمتي إلى غيري.
ويحتمِلُ أنْ يكونَ: كلُّ نعمةٍ يشكرُها يزيدُ له مِن نوعِها في الدُّنيا ويُديمُ له ذلك (^٣).
وقال القشيريُّ: لَئِنْ شكرْتُمْ إنعامِي زِدْتُكُم مِن إكرامي، ولَئِنْ كفرْتُم إحساني عذَّبْتكُم اليومَ بامتحاني، وغدًا بفراقي (^٤) وهجراني.
_________________
(١) "عليها" من (أ).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٤٠٧).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٦٥ - ٣٦٦).
(٤) في (ر) و(ف): "بعذابي".
[ ٩ / ١٠١ ]
لَئِنْ عرفْتُم قدرَ أفضالي لأرقينَّكُم مِن وجودِ نوالي إلى شهودِ جمالي وجلالي.
لَئِنْ شكرْتُم توفيقَ العبادةِ لأزيدنَّكُم تحقيقَ الإرادةِ.
لَئِنْ شكرْتُم وجودَ ألطافي لأزيدنَّكُم شهودَ أوصافي.
لَئِنْ شكرْتُم صنوفَ نعمتي لأزيدنَّكُم كشوفَ كرمي، ولأرقينَكم إلى شهودِ قدمي (^١).
لَئِنْ شكرْتُم مختصَّ نعمائي لأزيدنَّكُم منتظرَ آلائي.
لَئِنْ شكرْتُم ما خوَّلْتكُم مِن عطائِي لأزيدنَّكُم ما وعدْتُكُم مِن لقائي.
ولَئِنْ كفرْتُم نعمتي بأنْ توهَّمْتُم استحقاقَها لجرَّعناكُمْ ما تستمرُّون مذاقَها (^٢).
* * *
(٨ - ٩) - ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾: قال القشيريُّ ﵀: أي: قالَ موسى لقومِه: لَئِنْ اجتمعْتُم أنتم ومَن عاصركم ومَن غابَ عنكم ومن حضرَكُم، والَّذين يقتفون أثَرَكُم = على أنْ تكفروا باللَّهِ جميعًا، وأخذْتُم كلَّ يومٍ في الشِّرْكِ أمرًا قطيعًا (^٣)،. . . . . . .
_________________
(١) كذا في النسخ، وفي "لطائف الإشارات": "إقدامي".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٤١).
(٣) في (ف) و(أ): "فظيعًا". وفي "اللطائف": (وأخذتم كل يوم شركاء قطيعًا).
[ ٩ / ١٠٢ ]
لَمَا أوجبْتُم لعزِّنا شَينًا (^١)، كما لو شكرْتُم وآمنْتُم ما حصَّلْتُم لِمُلْكِنا زَينًا (^٢)، فالحقُّ بنعوتِه ووصفِ جبروته عَلِيٌّ، وعَنِ العالَمِ بأسرِهِ غنيٌّ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: قيل: هو كلامُ موسى لقومِه.
وقيل: هو ابتداءُ خطابِ مِن اللَّهِ تعالى لأهلِ عصرِ محمَّدٍ، يقول: ألم يأتِكُمْ يا معشرَ الكفَّار خبرُ الأممِ الًّذين سمعْتُم بتكذيبِهم لرسلِهم، وما أحلَّ اللَّهُ بهم مِن نقمَتِه، وهم في الكثرةِ على ما لا يَعلمُ عددَهم وأسماءَهم إلَّا اللَّهُ تعالى.
وكان ابنُ مسعودٍ إذا قرأَ هذهِ الآيةَ قال: كذبَ النَّسَّابون، يدَّعونَ علمَ الأنساب في الأسلاف، واللَّه تعالى يقول: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٤).
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾؛ أي: رسُلنا، وأضاف إليهم لأنَّهم أُرسلوا إليهم بالبيِّناتِ، أي: الحُجَج والمعجزات.
وقيل: أي: الشَّرائع الواضحات، لا يخفى حسنُها على المتدبِّر.
وقوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: جعلوا أصابعَ أنفسِهم في أفواهِ أنفسِهم يعضُّونها غيظًا، إذ كان فيه تسفيهُ أحلامِهم وشتمُ أصنامِهم، وهو
_________________
(١) في (ف): "بأسًا".
(٢) في (ف): "فلا تنقص مواهبكم من ملكنا شيئًا" بدل من "ما حصلتم لملكنا زينًا".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٤٢).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٠٤).
[ ٩ / ١٠٣ ]
كقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، وهو قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ ﵁ وابنِ زيد (^١).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄ في رواية الكلبيِّ: فردُّوا أيديَ أنفسِهم في أفواهِ أنفسهم؛ أي: وضعوا الأيدي على الأفواه؛ إشارةً إلى الرُّسل أنِ اسكتوا (^٢).
وقال مقاتلٌ والحسنُ: في أفواه الرُّسُلِ يسكتونَهم بذلك (^٣).
وهو كما فعلَ عتبةُ بنُ ربيعةَ حين قرأ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: (حم السجدة) حتَّى بلغَ قولَه: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، فوثبَ فوضعَ يدَه على فمِ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- لئلَّا يقرأَ الباقي، وقال: خشيْتُ إنْ أتمَّ الآيةَ أنْ تأتيني صاعقةٌ مِنَ السَّماءِ فتحرقَنِي (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٠٠)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٠٥) عن عبد اللَّه، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٠٦) عن ابن زيد.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٠٨)، والواحدي في "البسيط" (١٢/ ٤١١) عن الكلبي. أما ابن عباس ﵄ فروى عنه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٠٧) قوله: لمَّا سمعوا كتاب اللَّه عجبوا، ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم.
(٣) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ١٢٥) عن الحسن، وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٩٩)، وفيه: "وضع الكفار أيديهم في أفواههم، ثم قالوا للرسل: اسكتوا فإنكم كذبة -يعنون الرسل- وإن العذاب ليس بنازل بنا في الدنيا".
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٦٥٦٠)، وعبد بن حميد في "مسنده" (١١٢٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٨١٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٠٠٢) وصححه، من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٢٠): (رواه أبو يعلى، وفيه الأجلح الكندي، وثقه ابن معين، وغيره، وضعفه النسائي، وغيره، وبقية رجاله ثقات). وقال ابن كثير في "تفسيره": (الأجلح وهو ابن عبد اللَّه الكندي الكوفي وقد ضعف بعض الشيء).
[ ٩ / ١٠٤ ]
وقال مجاهدٌ: ردُّوا نعمَهم بأفواهِهم (^١).
وحُكِيَ عن أبي عبيدةَ أنَّ هذا مَثَلٌ، ومعناهُ: أنَّهم كَفُّوا عمَّا أُمِروا بقولِه مِن الحقِّ ولم يؤمنوا به، ويُقالُ للرَّجل إذا أمسكَ عن الجواب فلم يُجبْ: ردَّ يدَه في فيه (^٢).
وكأنَّ مجازَ هذا (^٣): أنَّه سترَ فاه بيدِه؛ أي: هذا لم يدخل قلبي، وليس له عندي جوابٌ.
وحُكِيَ عن غيرِ أبي عبيدة أنَّ العربَ تقولُ: كلَّمْتُ فلانًا في حاجةٍ فردَّ يدَه في فيه: إذا سكتَ عنه ولم يُجبْ (^٤).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتملُ هذا المكاءَ بأفواهِهم استهزاءً بهم (^٥).
وقولُه ﷿: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾: أي: مِن التَّوحيد وترك الشِّرك.
﴿وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ﴾: أي: مِن صحَّة (^٦) ﴿مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾؛ أي: مُوقِعٍ للرِّيبةِ والتُّهمةِ لكم بالكذب فيه.
_________________
(١) ذكره الزجاج "معاني القرآن" (٣/ ١٥٦) دون عزو.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣٣٦).
(٣) في (أ): "وكان هذا مجازًا"، وفي (ف): "وكأن مجازة هذا".
(٤) ذكره الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٠٨)، وردَّه بقوله: وهذا أيضًا قول لا وجه له؛ لأن اللَّه عزَّ ذكره قد أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾، فقد أجابوا بالتكذيب.
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٦٨)، وفيه: ويحتمِل ردَّ الأيدي في أفواه أنفسهم يصوِّتون ويستهزئون بهم وبأتباعهم؛ كقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ الآية [الأنفال: ٣٥].
(٦) في (أ): "صحيح".
[ ٩ / ١٠٥ ]
(١٠) - ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾: أي: في أنَّ العبادةَ لا تجوزُ إلَّا له.
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: نعتُ قولِه: ﴿أَفِي اللَّهِ﴾؛ أي: لا يقدرُ على إنشائِهما غيرُه، فلا شريكَ له فيهما، فكيفَ يجوزُ الإشراكُ به؟
وقوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ﴾: أي: على ألسنتِنا إلى عبادَتِه.
﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قال أبو عبيدة: (مِن) زائدةٌ (^١).
وقال سيبويه: لا يجوز ذلك في الإثبات، وإنَّما ذلك في النَّفي (^٢)، ولكن (مِن) للبدل؛ أي: بدلَ ذنوبِكُم الَّتي كانت في الشِّركِ.
وقيل: هو للتَّبعيض، وهي ذنوبُ حالةِ الشِّرك، فإنَّ ما يفعلُه بعدَ الإسلامِ فهو بحالِه، لا يُغفَر إلَّا بتوبة، أو بفضلِ اللَّه تعالى لأهل الإسلام.
قوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: إلى منتهَى أعمارِكُم، فلا يعاجلكم بالعقوبة والهلاك، وهو جواب قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧]، يقول: إذا أسلمتُم لم (^٣) تُتَخطَّفوا، وبلغتُم إلى آجالكم المسمَّاة. قالَه الإمام أبو منصور ﵀ (^٤).
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٣٣٦).
(٢) انظر: "الكتاب" لسيبويه (١/ ٣٨) و(٢/ ٣١٦)، و"شرح كتاب سيبويه" للسيرافي (١/ ٢٧٨)، وانظر: "المفصل في صنعة الإعراب" للزمخشري (ص: ٣٨٠).
(٣) في (أ): "أن".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٧٠).
[ ٩ / ١٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾: أي: ما أنتم.
﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: أي: حجَّةٍ ظاهرة.
قال الإمام أبو منصور ﵀: في قولهم تناقضٌ مِن وجهَيْن:
أحدهما: أنَّهم تركوا طاعةَ رسلِهم، واتِّباعَ رسلِهم (^١)؛ لأنَّهم بشرٌ مثلهم، ثمَّ أطاعوا آباءَهم واتَّبعوهم في عبادةِ الأصنامِ، وهم بشرٌ مثلُهم.
والثَّاني: أنَّهم لم يروا الرُّسُل مَتْبوعِين لأنَّهم بشرٌ، ثمَّ لا يخلو هم بأنفسِهم مِن أنْ يكونوا مَتْبوعين، استتبَعوا غيرَهُم ممَّن هو دونَهم، أو كانوا أتباعًا لغيرِهم، حيث قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وذلكَ تناقضٌ.
وقوله تعالى: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: سألوا الحُجَّة على ما دَعوا إليه مِن ألوهيَّةِ اللَّهِ تعالى ووحدانيَّتِه، أو على ما ادَّعوا من الرِّسالة مِنَ اللَّهِ، وفي كلِّ شيءٍ وقعَ عليه بصرُهم دلالةُ وحدانيَّةِ اللَّهِ تعالى وألوهيَّته، وكذلك الرُّسلُ أقاموا الحُجَجَ (^٢) على دَعوى الرِّسالةِ، وكانوا معاندِين في قولِهم: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٣).
* * *
(١١) - ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
_________________
(١) "واتباع رسلهم" ليس في (ف). وفي "التأويلات": (واتباعهم).
(٢) في (ر) و(ف): "أتتهم بالحجج".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٧١).
[ ٩ / ١٠٧ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: إنَّ اجتماعَ الكلِّ في صفةِ البشريَّةِ لا يُبطل التَّفاضل؛ لأنَّه يوجِبُ ألَّا يكون في الدُّنيا مَن يفضُلُ غيرَه في رياسةٍ ومُلْكٍ ونفاذِ قَولٍ، وحُسْنِ خلقٍ (^١)، وحُسْنِ وَجْهٍ، وفَضْلِ مَالٍ (^٢)، وسلامةِ بدنٍ، وصِحَّةِ عَقْلٍ، وجودةِ تمييزٍ، وهذا ممَّا لا تَخفى استحالتُه، بل للَّهِ أنْ يخلقَ البشرَ، ويفضِّلَ بعضَهم على بعضٍ في الأحوالِ والأموالِ وغيرِها، فَيَمُنَّ عليه بذلك.
والحكمةُ في دارِ المحنةِ ألَّا يكونَ النَّاسُ سواءً لا يفضلُ بعضُهم على بعضٍ، فيبطلُ حينئذٍ موضعُ (^٣) الشُّكر والصَّبر اللَّذَين هما جملةُ الإيمانِ.
فأمَّا السُّلطانُ المبينُ مِن جهةِ الإعجازِ، فذاكَ إنَّما يُحتاجُ إليه في إثباتِ صِدْقِ النَّبيِّ -ﷺ- في دعوى الرِّسالة، لا في إثباتِ حقِّ ما يدعو إليه النَّبيُّ ﵇، بلْ إذا ثبتَتْ نبوَّتُه بالإعجازِ كانَ جميعُ ما يدعو إليه حقًّا، وما يحكمُ به صوابًا، ولا قدرةَ للرَّسولِ على إيرادِ معجزةٍ إلَّا بإذنِ اللَّهِ؛ أي: بإعطاءِ اللَّهِ إيَّاه ذلكَ.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: قال الأنبياءُ: وعلى اللَّهِ فليعتَمِدِ الَّذين آمنوا به في كفِّ شرِّ مَن خالفَهم، وفي إيضاحِ دعوتِهم، وإقامةِ حقِّهم.
* * *
(١٢) - ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ونفاذ وحسن قول".
(٢) "مال" ليس في (أ).
(٣) "موضع" ليس في (أ).
[ ٩ / ١٠٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: وأيُّ عذرٍ لنا في تركِ التَّوكُّلِ على اللَّه في كفِّ أذاكُم (^١) وكيدِكُم عنَّا.
﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾: أي: وقد وفَّقنا لسلوكِ سبيلِ الحقِّ، فينصرُنا عليكم أيضًا.
﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾: أي: على إيذائِكم، وكان هذا قبلَ الأمرِ بالانتصارِ منهم، وحالَ قلَّةِ المؤمنين وكثرةِ الكافرين
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: أي: فعليهِ فليعتَمِدِ المعتمدون دونَ غيرِه.
وقال القشيريُّ ﵀: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ وقد حقَّقَ لنا ما سبقَ به الضَّمانُ مِن وجوه الإحسان، وكفايةِ ما أظلَّنا (^٢) مِن الامتحان (^٣).
﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾: والصَّبرُ على البلاءِ يهونُ إذا كان على رؤيةِ المُبْتلِي (^٤).
وأنشدونا في معناه:
مُرُّ (^٥) ما مَرَّ بي لأجلِكَ حُلْوٌ وعَذابي لأجْلِ حُبِّكَ عَذْبٌ (^٦)
_________________
(١) في (ف): "أيديكم".
(٢) في (ر): "كلَّفنا" وفي (ف): "ظننا".
(٣) في مطبوع "اللطائف": "الامتنان".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٤٣).
(٥) في (ر) و(ف): "كل".
(٦) البيت لأبي إسحاق الصابئ. انظر: "أحسن ما سمعت" (ص: ٧٧)، و"المنتحل" (ص: ٢٤٩) كلاهما للثعالبي، و"الدر الفريد" للمستعصمي (٩/ ٢٧٠)، وفيها: "وعذابي في مثل" بدل "وعذابي لأجل".
[ ٩ / ١٠٩ ]
(١٣ - ١٤) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾: أي: ولتصيرُنَّ إليها (^١)، ولم يريدوا حقيقةَ الرُّجوع، فإنَّهم ما كانوا قَطُّ فيها، وقد مرَّ شرحُه في (سورة الأعراف).
ولعلَّهم اشتغلَتْ قلوبُهم بهذا القولِ كما تقتضيه طباعُ البشرِ، فسكَّنَها اللَّهُ تعالى، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الَّذين يظلمونَ أنفسَهم وإيَّاكم ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: ولنجعلنَّكُم سكَّانَ أرضِهم بعدَ هلاكِهم.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾: أي: هذا مِن مِنَني على الأنبياءِ وأتباعِهم؛ بخوفِهم مقامِي، وخوفِهم وعيدي.
ومعناه: أنَّهم إذا تذكَّروا الحسابَ وقيامَهم للعرضِ على اللَّه تعالى، وقيل: قيامَهم على رؤوسِ القبور إذا بُعثوا ثلاث مئة سنة، وقد تذكَّروا ما توعَّد اللَّهُ به النَّاسَ مِن غليظِ العِقاب على معاصيهم = ثبتوا على طاعتي، وتجنَّبوا سخطي، فإضافةُ المَقام إلى اللَّهِ تعالى إنَّما هو على معنى كونِه بينَ يدَي اللَّهِ.
وقيل: ذلك لِمَنْ خافَ قيامي عليه وحِفظي أسبابَه، مِن قولِه: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣].
* * *
_________________
(١) في (أ): "عليها" وفي (ر): "إلينا".
[ ٩ / ١١٠ ]
(١٥) - ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: قال عبدُ الرَّحمن بن زيد: أي: استفتحَ الكفَّارُ بالبلاء (^١).
وقال الحسنُ ومجاهدٌ وقتادةُ: أي: استفتحَ الرُّسلُ بالنَّصرِ (^٢)؛ أي: أذِنَ للرُّسلِ بالاستنصارِ، فسألوا اللَّهَ تعالى ذلك.
وقيل: أي: سألوا اللَّه على الحُكْمِ (^٣) بنصرِهِم وإهلاكِ أعدائهِم.
والفَتْحُ: الحْكْمُ، والفتَّاحُ: الحاكِمُ، ودليلُه قوله تعالى خبرًا (^٤): ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨]، وذلك عندَ اليأسِ مِن إيمانِهم.
وقوله تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: أي: أُجيبَتْ دعوةُ الرُّسلِ، فيئسَ الجبَّارون المعاندون فلم يفوزوا بخيرٍ، ولا نالوا أملًا ببقاءِ الرِّياسةِ (^٥) ودوامِ الحُرْمَةِ.
وقيل -على قولِ مَن جعلَ الدُّعاء والاستفتاح مِنَ الكفَّار-: إنَّهم قالوا: اللَّهمَّ إنْ كانَ رسلُنا صادقِيْن فعذِّبْنا، فخابوا بهذا الدُّعاء؛ أي: انقلبَ ذلك عليهم.
والجبَّارُ: هو طالبُ علوٍّ ليسَ فوقَه منزلةٌ.
وقيل: هو مَن لا يَرى لأحدٍ عليه حقًّا.
وقيل: هو المتكبِّرُ بغيرِ حقٍّ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦١٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦١٥ - ٦١٦) عن مجاهد وقتادة.
(٣) في (ر) و(ف): "سألوا الحكم".
(٤) "خبرًا" من (أ).
(٥) في (أ): "الرسالة".
[ ٩ / ١١١ ]
والعنيدُ: الجائرُ عنِ الحقِّ إلى الباطلِ.
وقال ابن كيسان: هو الشَّامخُ بأنفِهِ (^١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ: هو المعرِضُ والمجانِبُ (^٢).
وقيل: هو المعارِضُ لكَ بالخلافِ.
* * *
(١٦) - ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾؛ أي: وراءَ هذا الجبَّارِ العنيدِ جهنَّمُ؛ أي: أمامَه، كما قال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، وقال الشَّاعر:
أَيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي وقَوْمِي تميمٌ والفَلاةُ وَرائِيَا (^٣)
وقال مقاتلٌ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾؛ أي: مِن بعدِه (^٤).
والوراءُ تُستعمَلُ للخلفِ والقُدَّام، وأصلُه: أنَّ كلَّ ما وارى عنك شيئًا مِن خلفٍ أو قُدَّامٍ فهو وراءٌ.
وقيل: إنَّه يجوز في الزَّمان على تقدير: إنَّه كان خلفَهم لأنَّه يأتي ليلحقَهم (^٥).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٠٩).
(٢) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٠٩).
(٣) البيت لسوَّار بن المضرِّب السعدي. انظر: "الأضداد" للأصمعي (ص: ٢٠)، و"الكامل" للمبرد (٢/ ٧٧)، و"ربيع الأبرار" للزمخشري (٣/ ٢٩٦)، وعزي للفرزدق في "جمهرة اللغة" لابن دريد (٣/ ١٣١٧)، ولمساور بن حمئان من بني ربيعة في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٨٠).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٠١).
(٥) في (أ): "ليخلفهم".
[ ٩ / ١١٢ ]
قال الأخفش: ويُقال: هذا الأمرُ مِن ورائِكَ، يعني: أنَّه (^١) سيأتيك (^٢).
وقال الشَّاعر:
عسى الكربُ الَّذي أمسيْتَ فِيْهِ يكونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيْبُ (^٣)
أي: لهم الهلاكُ في الدُّنيا، والعِقاب في العُقْبى.
وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾: قال قتادة: هو ماءٌ يخرجُ مِن بينِ جلدِ الكافرِ ولحمِهِ (^٤).
وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ ومحمَّدُ بنُ كعبٍ: هو ما يسيلُ مِن فروجِ الزُّناة، يُسقاه الكافرُ (^٥).
وقيل: هو الحميمُ أُغْلِيَ حتَّى خَثَر.
وقال أهلُ اللُّغة: هو القيحُ الَّذي يسيلُ مِن الفرجِ.
وقيل في التَّفسير: هو ما يسيل مِن جوفِ الكفَّارِ مِنَ القيحِ والدَّمِ.
ثمَّ قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾؛ أي: مِن ماءٍ هو صديد (^٦)؛ أي: لونُه لونُ الماءِ، وطعمُه طعمُ الصَّديد، وهو كقوله: ﴿قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٦]؛ أي: لها صفاءُ الزُّجاجِ وبياضُ الفضَّة.
_________________
(١) في (أ): "أنه كان".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٤٠٦).
(٣) البيت لهدبة بن خشرم. انظر: "الكتاب" لسيبويه (٣/ ١٥٩)، و"الكامل" للمبرد (١/ ١٥٨)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه (٦/ ٢٥٧)، و"أمالي القالي" (١/ ٧٢).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٠٢)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٠٩).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣١٠).
(٦) "أي: من ماء هو صديد" ليس في (أ).
[ ٩ / ١١٣ ]
(١٧) - ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾؛ أي: يَزْدَرِدُهُ باستكر اهٍ واستثقالٍ لعطشِهِ وحاجتِهِ إلى الماءِ.
﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾: أي: لا يُمْرِئُهُ (^١)، ولا يقاربُ إدخالَه حلقَه، يُقال: ساغَ لي الشَّراب، وأسغتُهُ؛ أي: أدخلْتُه جوفي بسهولةٍ.
قال النَّبيُّ -ﷺ- في تفسيرِها: "يُقَرَّبُ (^٢) إليه فيتكرَّهُه، فإذا أُدْنِيَ منه شَوَى وجهَهُ ووقعَتْ فروةُ (^٣) رأسِهِ، فإذا شربَهُ قطَّعَ أمعاءَهُ حتَّى يخرجَ مِن دُبُرِهِ، قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] " (^٤).
وقولُه تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: يعني في النَّارِ مِن كلِّ ناحيةٍ (^٥)؛ أي: ليسَ في جسدِهِ موضعُ شعرةٍ إلَّا والموتُ يأتيه منها مِن شدَّةِ العذابِ حتَّى يجدَ طعمَ الموتِ وكُرَبَهُ.
_________________
(١) في (ف): "يمريه".
(٢) في (أ): "تفسير هذا ليقرب" وفي (ف): "تفسير هذا يقرب" بدل من "تفسيرها يقرب".
(٣) في (أ): "ووقع لحم".
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣١٤ - زوائد نعيم بن حماد)، ومن طريقه الترمذي (٢٥٨٣)، والنسائي في "الكبرى" (١١١٩٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٩٣) و(٣٧٠٤) وصححه من حديث أبي أمامة ﵁، وقال الترمذي: حديث غريب.
(٥) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ١٦)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٣٨)، والماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ١٢٨).
[ ٩ / ١١٤ ]
وقيل: يأتِيْه غمُّ الموتِ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ ومَفْصِلٍ.
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾: لا يموتُ حقيقةً فيستريحَ، قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤].
وقيل: مِنْ كُلِّ مكانٍ مِنْ جهاتِ بَدَنِهِ السِّتَّةِ: مِنْ فوقِه، ومِنْ تحتِهِ، وورائِهِ، وأمامِهِ، وعن يمينِهِ، وعن شمالِهِ، كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾: أي: أمامَه؛ أي: متجدِّدٌ له كلَّ ساعةٍ بعدما كانَ يصيبُه عذابٌ (^١) أغلظُ مِنَ الأوَّلِ.
* * *
(١٨) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾: يتَّصِلُ بقولِهِ: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]؛ أي: لم ينتفعوا بما عملوا، فقد صارَ عملُهُم كذا.
قال الفرَّاءُ: أضافَ المَثَلَ إلى الكفَّارِ، والمَثَلُ لأعمالِهم، وتقديرُهُ: مَثَلُ أعمالِ الَّذين كفروا، ونظيره: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]؛ أي: أحسنَ خلقَ كلِّ شيءٍ، وقوله: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]؛ أي: ترى وجوهَ الَّذين كَذبوا على اللَّه مسودَّةً (^٢).
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "غليظ؛ أي".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٧٢).
[ ٩ / ١١٥ ]
قال: وإنْ شئْتَ جعلْتَ المَثلَ صلةً، فقلْتَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾.
وقال بعضُهم: ﴿مَثَلُ﴾ بمعنى: صفة؛ أي: صفةُ الكفَّار هذا أعمالُهم كرمادٍ.
قال سيبويه: في الكلام إضمار، ومعناه: وممَّا نقصُّ عليكَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾، ثمَّ ابتدأ فقال: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ (^١).
ومعنى الآية: صفةُ الكافرين بربِّهم ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾؛ أي: تحبطُ أعمالُهم وتتلاشَى، فلا ينتفعُ بها أحدٌ منهم، بل تطيرُ أَعمالُهم كرمادٍ (^٢)؛ أي: تذهبُ.
وقد سئلَ الإنسانُ عَن الشَّيءِ (^٣)، فيُقال له: أين هو؟ فيقول: طارَ وكانَ ريحًا (^٤)، فكذا قولُه: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: كرمادٍ هاجَتْ به ريحٌ شديدةٌ (^٥) في يومٍ كثيرِ الرِّياح قويِّها، فلا شكَّ أَنَّه لا يبقى مِن ذلك الرَّمادِ شيءٌ يمكِنُ أنْ يؤخذَ (^٦) ويُتعلَّق به، فكذلك هؤلاء بما كسبوه في حالِ شركِهم مِن قِرى ضيفٍ، وصلةِ رحمٍ، وصدقةٍ على محتاجٍ، أو شيءٍ يُعَدُّ مثلُهُ تقرُّبًا، أو سَعوا في جمعِ مالٍ، أو إعداد عتادٍ (^٧) يُنتفعُ به في دينٍ أو دنيا، فإنَّ ذلكَ يبطلُ عنهم (^٨)، فلا يقدرون منه على شيءٍ؛ أي: لا يجدون له نفعًا.
_________________
(١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٢/ ٢٣٠)، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب (١/ ٤٠١)، و"البسيط" للواحدي (١٢/ ٤٣٩).
(٢) "كرماد" من (أ).
(٣) في (ف): "وقد سأل إنسان عنه النبي -ﷺ- قال".
(٤) في (ر) و(ف): "ريحًا فمر".
(٥) في (ر) و(ف): "الريح الشديدة".
(٦) في (ر) و(ف): "يوجد".
(٧) "عتاد" ليس في (ف).
(٨) في (ف): "بطل عنهم" وفي (ر): "بطل منهم".
[ ٩ / ١١٦ ]
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾؛ أي: سوءُ تدبيرٍ، وضعفُ رأيٍ، وذهابٌ عن الصَّواب إلى ما يتباعد عنه، حتَّى لا يكون فيه موضعٌ في استصوابٍ، ولا قُرْبٌ مِن الهدى.
وقال الفرَّاء: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾: إنْ شئْتَ قلْتَ: في يومٍ ذي عُصُوفٍ، وإنْ شئْتَ قلْتَ: في يومٍ عاصفِ الرِّيح (^١).
وقال أبو حاتمٍ سهلُ بنُ محمَّدٍ (^٢): هذا مِن كلام العرب، ونظيرُه في القرآنِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، وهما لا يمكران، ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وإنَّما يُبْصَرُ فيه، ويُمْكَرُ في اللَّيل والنَّهار، ويُقال: يومُ ماطرٌ ومُغِيْمٌ (^٣)، وليلُ فلانٍ قائمٌ، ونهارُه صائمٌ، على معنى أنَّ هذه الأفعال تكون فيها، فأضيفت إليها.
وقيل: هو كقولهم: يومٌ حارٌّ، ويومٌ باردٌ، واليومُ ليسَ ممَّا يُلْمَسُ فَيُحَسَّ منه الحرُّ والبرد، لكن يكون فيه حرُّ الأشياء وبردُها.
والعُصُوفُ: شدَّةُ هبوبِ الرِّيحِ.
* * *
(١٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٧٣).
(٢) سهل بن محمد، أبو حاتم السجستاني المقرئ اللغوي الإمام، إمام جامع البصرة. صاحب المصنفات. أخذ عن: أبي عبيدة، وأبي زيد الأنصاري، والأصمعي، وقرأ القرآن على يعقوب الحضرمي، وحمل الناس عنه القرآن والحديث والعربية. روى عنه أبو داود، والنسائي، والبزار، توفي سنة (٢٥٠ هـ)، وقيل: (٢٥٥ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي (٦/ ٩٥).
(٣) في (أ): "ذو مغيم".
[ ٩ / ١١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿خالقُ السَّمواتِ والأرضِ﴾، وهو نعت، وقرأ الباقون: ﴿بِالْحَقِّ﴾ (^١)، وهو فعلٌ.
وهو مِن حُجَجِ وحدانيَّة اللَّه تعالى، و﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى: ألمْ تعلمْ يا محمَّد، ومعناه الإثبات؛ أي: قد علمْتَ، أو الأمر؛ أي: اعلمْ، وهو لتعليمِ غيره أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ بالحقِّ.
قال مقاتلٌ: أي: لم يخلقْهُما باطلًا عبثًا، بل لحقٍّ؛ أي: أمرٍ كائنٍ (^٢)، وهو البعث والجزاء.
وقال القشيريُّ ﵀: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: لَهُ ذلِكَ بحقِّ ملكِهِ (^٣)، وخلقَهُما بقوله الحق، فجعلَ كلَّ جزءٍ منها على وحدانيَّته دليلًا، ولمَن أرادَ الوصولَ إلى ربِّه سبيلًا (^٤).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قال عامَّة أهلِ التَّأويل: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: للحقِّ؛ أي: للكائنِ لا محالةَ، وهي الآخرةُ؛ لأنَّ المقصودَ مِن خَلْقِ العالَم الأوَّل هو العالَم (^٥) الثَّاني.
وقال: وقيل: أي: للحقِّ الَّذي وجبَ عليهم له بالامتحان.
وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكمةِ (^٦).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٠٢).
(٣) في (أ): "ملكهما".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٤٦).
(٥) في (ر) و(ف): "الخلق".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٨٠ - ٣٨١).
[ ٩ / ١١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾: أي: يُهْلِكْكُم ويفنيْكُم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أطوعَ له منكم.
* * *
(٢٠) - ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: أي: غير (^١) ممتنعٍ ذلك عليه، وهو إذهابُكُم والإتيانُ بغيرِكُم.
وقيل: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: شديدٍ، كما يشتدُّ على ملوكِ الدُّنيا إذا ذهبَ أهلُ المملكةِ؛ إذْ لا زيادةَ في ملكِهِ، ولا نُقصانَ مِن خلقِهِ.
* * *
(٢١) - ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: ماضٍ بمعنى المستقبلِ؛ لأنَّه مِن أمورِ الآخرةِ، وهي كائنةٌ لا محالةَ، فأخبرَ عنها كما يخبَرُ عن الكائنِ الموجودِ المتحقِّق.
والبروزُ: الخروجُ والظُّهور؛ قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧].
يقول: ويُحْشَرُ هؤلاء يومَ القيامةِ فيظهرون بحيثُ لا يسترهم ساترٌ، ولم يبقَ أحدٌ منهم لم يُحْشَرْ ولم يَظْهَرْ (^٢).
_________________
(١) في (أ): "عزيز".
(٢) "يقول ويحشر هؤلاء يوم القيامة فيظهرون بحيث لا يسترهم ساتر ولم يبق أحد منهم لم يحسر ولم يظهر" من (أ)، وفي (ف): "يقول لم يخرج ولم يظهر"، وفي (ر): "أي: ظاهرة".
[ ٩ / ١١٩ ]
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: الخلقُ اليومَ كلُّهم بارزون للَّه تعالى، وإنَّما ذَكَرَ ذلك يومَ القيامةِ لأنَّ الكفَّارَ لا يعتقدون ذلك، ولا يُقرُّون به (^١)، ويومَ القيامةِ يقرُّون بذلك ويعلمونه (^٢)، وهو كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: فيقولُ الأتباعُ للرُّؤساءِ -وهم كلّ جبَّارٍ عنيدٍ-: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾؛ أي: أتباعًا، والتبعُ: جمعُ تابعٍ، كالغَيَبِ جمعُ غائِبٍ، والخَدَمُ جمعُ خادمٍ، والسَّلَفِ جمعُ سالفٍ، والخَلَف جمعُ خالِفٍ.
وقال الزَّجَّاجُ: ويجوز أن يكون مصدرًا وُصِفَ به، فيستوي الواحدُ والجمعُ فيه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قال قائلون: أي: دافعون عنَّا عذابَ اللَّهِ، نافعون لنا.
ولكن هذا بعيدٌ أنْ يطلبوا منهم دفعَ العذابِ عنهم، فقدْ رأَوْهم في العذابِ، ولو قدروا على دفعِ العذابِ عنهم لدفعوا أوَّلًا عن أنفسِهم، إلَّا أن يكون فيهم حيرةٌ وعمًى كما كان في الدُّنيا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾.
والأشبهُ أنَّهم يطلبون رفعَ بعضِ العذابِ عنهم، وتحمُّلَه منهم، وكان ذلك
_________________
(١) في (ف) و(أ): "بذلك".
(٢) في (ف) و(أ): "ويعلمون ذلك".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٨٢).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٥٨).
[ ٩ / ١٢٠ ]
متعارفًا في الدُّنيا، ويدل عليه قوله تعالى خبرًا: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] (^١).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾: قال الإمامُ أبو منصورٍ رحمة اللَّه عليه: قال بعضُ أهلِ العلم: إنَّ الأتباع والمتبوعين مِن الكفَّار أعلمُ باللَّهِ مِنَ المعتزلة، يقولون: لو هدانا اللَّه لهديناكم، والمعتزلةُ يقولون: هداهم اللَّه جميعًا فلم يهتدوا، ولو أرادَ أنْ يهديَ واحدًا لم يملِكْ، وكذا إبليسُ أعلم باللَّهِ منهم يقول: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩]، وهم يقولون: لا يغوي اللَّهُ أحدًا (^٢).
ومعنى هذه الآية: لو وفَّقَنا اللَّهُ للإيمانِ واهتدينا في دارِ الدُّنيا لهديناكم؛ أي: بيَّنَّا لكم طريقَ الهُدى.
وقيل: أي: لو هدانا اللَّه إلى طريقِ التَّخليص مِن العذاب (^٣) لهديناكم إليه.
وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾: الجَزَعُ: انزعاجُ النَّفسِ لورودِ ما يغمُّ، وهو نقيضُ الصَّبر، وقال الشَّاعر:
فإنْ تَصْبِرا فالصَّبْرُ خَيْرُ مَغَبَّةٍ (^٤) وإنْ تَجْزَعا فالأمرُ ما ترَيانِ (^٥)
أي: يقولون: لا حيلةَ لنا فيما قد وقعْنا فيه، وسواءٌ علينا أجزِعْنا أم صَبَرْنا لا يخفُّ عنَّا العذابُ بالصَّبر ولا يرقُّ لنا بالجَزَع.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٨٣).
(٢) المرجع السابق الموضع نفسه.
(٣) في (أ): "العقاب".
(٤) في (ف): "مطية".
(٥) البيت بلا نسبة في "المقابسات" لأبي حيان التوحيدي (ص: ٢٤٢)، و"محاضرات الأدباء" للأصفهاني (٢/ ٥٢٥)، و"الدر الفريد" للمستعصمي (٧/ ٣٧٧).
[ ٩ / ١٢١ ]
وقال مقاتلٌ: يقولون ذلك في النَّار، فيقولون أوَّلًا: تعالوا نجزَع لعلَّنا نُرْحَم، فيجزعون خمس مئة سنة فلا ينفعُهم الجَزَعُ، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمس مئة سنة، فلا ينفعُهم الصَّبر، فيقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] (^١).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتملُ أنَّهم يقولون ذلك حين يُقال لهم: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: مَنْجًى. وقيل: مَخْلَصٍ. وقيل: مِنْ نجاةٍ. وقيل: مِن فرارٍ. وقيل: مِن رَوَاغٍ (^٣).
والمحيصُ في اللُّغة: المحيدُ، يُقال: حاصَ يحيْصُ حَيْصًا ومَحِيْصًا وحُيْوصًا وحَيَصانًا؛ أي حادَ، كما قالوا في الدُّنيا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦]، قيل لهم في النَّارِ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وهم قومٌ صفتُهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، و﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣].
* * *
(٢٢) - ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٠٣)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣١٣).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٨٤).
(٣) في (ف) و(أ): "رواغ".
[ ٩ / ١٢٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: ولَمَّا قال الضُّعفاء للَّذين استكبروا ما ذكرْنا، وأجابهم أولئك بما حكيْنا (^١)، اجتمعوا كلُّهم على ملامَةِ إبليس، فهو الَّذي زيَّن (^٢) لهم الكفر، فيقول لهم إبليس هذا.
وقوله تعالى: ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: فُرِغَ مِن سَوْقِ أهلِ النَّار إلى النَّار، وسوقِ أهلِ الجنَّةِ إلى الجنَّةِ، واستقرَّ كلُّ فريقٍ في منزلِه، والشَّيطانُ مشرفٌ عليهم في النَّار - بحيث يرونَه ويسمعون كلامَه.
وقال مقاتلٌ: يوضَعُ له منبرٌ في النَّارِ فيرتَقِيْه، وتجتمعُ عليه الكفَّارُ باللَّائمةِ، فيقولُ لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾؛ يعني: كونَ هذا اليومِ كما ترَوْنَ، فصدَقَكُمْ وعدَهُ، ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ أنَّه غير كائنٍ (^٣) (﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ وَعْدِي (^٤).
وقيل: ﴿وَعْد الحق﴾؛ أي: الصِّدق، وتقديرُهُ: وعدًا صِدْقًا، والإضافة إليه بمعنى نعتِه به، كقولِكَ: حقُّ اليقين، وهو وَعْدُ الثَّوابِ على الإيمان والطَّاعة.
﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ على الشِّركِ والكُفْرِ النَّصرَ والمعونةَ ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ وهو قولُه تعالى: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وكلُّ مواعيدِه أمانيُّ وغرورٌ؛ قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].
﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: مُلْكٍ أقهرُكُم به على ما دعوتُكم إليه.
_________________
(١) في (أ): "وأجابهم بما حكينا أولئك"، وفي (ر): "وأجابوهم أولئك بما حكينا".
(٢) في (أ): "سن" وفي (ف): "سيق".
(٣) في (أ): "جائز".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٠٣).
[ ٩ / ١٢٣ ]
وقيل: أي: حُجَّة، بلِ الحُجَجُ (^١) كانَت للأنبياءِ.
﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾: استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: لكنِّي دعوتُكم بما أوردْتُ على قلوبِكُم مِن الوساوس، ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (^٢): فقبلْتُم ذلكَ مِنِّي واعتقدْتُموه.
﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: على استجابتِكُم لي.
ولومُ النَّفْسِ على الإساءةِ أمرٌ صحيحٌ، كما يصحُّ حمدُها على الإحسانِ، قال الشَّاعر:
تبعْتُكَ إذْ عَيْنِي عليها غِشَاوةٌ فلمَّا انجلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَلُومُها (^٣)
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ليسَ لأنَّه لا يستحقُّ الملامة، لكنْ يقول: لومُوا (^٤) أنفسَكُم أولى بكم؛ إذْ أنتم الَّذين أهلكْتُم أنفسَكُم بإجابتِكُم لي طوعًا.
قوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾: أي: بمغيْثِكُم (^٥)؛ يعني: بمالكِ إغاثتكم (^٦).
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾: قرأ حمزةُ بكسر الياء، والباقون بالفتح (^٧).
_________________
(١) في (أ): "الحجة".
(٢) "فاستجبتم لي" من (أ).
(٣) البيت للحارث بن خالد بن العاص المخزومي. انظر: "مكارم الأخلاق" لابن أبي الدنيا (٤٤٩)، و"تفسير الطبري" (١/ ٢٧١)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه (١/ ٢٣٨)، و"البصائر والذخائر" لأبي حيان التوحيدي (٤/ ٢٢٥).
(٤) في (ر) و(ف): "ليس لأنه لا يستحق اللوم لكن لومكم".
(٥) في (ف): "بمعينكم".
(٦) في (ف): "إعانتكم".
(٧) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤).
[ ٩ / ١٢٤ ]
والمصرِخُ: المغيثُ، والصَّارخُ: المستغيثُ، وقولُه تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر: ٣٧]؛ أي: يستغيثون بالصِّياح والصُّراخ.
والصَّريْخُ (^١): اسمٌ للمُصْرِخِ والمستصرِخِ جميعًا، وقال تعالى: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي: لا مُغِيْثَ، والصَّارخُ: الدِّيكُ لصياحِهِ.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: بإشراكِكُم إيَّايَ في العبادة معَ اللَّهِ في الدُّنيا، وهو التَّبرُّؤُ مِن ذلكَ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥] أي: يتبرَّأُ.
ثمَّ هذا يحتملُ وجهَيْن:
الإخبار عندَ ذلك أنَّه كان يتبرأُ مِن ذلك في الدُّنيا.
والثَّاني: أنَّه يتبرأُ مِن ذلك يومَ القيامةِ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: مرَّ تفسيرُه مرَّات (^٢).
* * *
(٢٣) - ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: ذَكَرَ حالَ المؤمنِيْن في نيلِهِم (^٣) الجنَّة بعدَ ذِكْرِ الكافِرِيْن ووقوعِهم في النَّار.
_________________
(١) في (أ): "والصياح والصريخ" وفي (ف): "والصياح والصراخ والصريخ".
(٢) "مر تفسيره مرات" من (ف).
(٣) في (أ): "وتسلمهم"، وفي (ف): "وإدخالهم"، بدل: "في نيلهم".
[ ٩ / ١٢٥ ]
قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾: قيل: أي: يحيِّي بعضُكُم بعضًا بدوامِ السَّلامةِ مِن كلِّ خوفٍ وحزنٍ.
وقالَ الضَّحَّاكُ: هو سلامُ الملائكةِ عليهم (^١).
ويُقال: هو سلام اللَّه تعالى؛ قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣].
وقيل: قومٌ يحيِّيهم الملِكُ، وقومٌ تحيِّيهم الملائكة (^٢).
* * *
(٢٤) - ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: أي: ألم تعلمْ كيفَ بيَّنَ اللَّهُ مثلًا ﴿كَلِمَةً﴾ بدل عنه، وترجمة له ﴿طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾: هذا مَثَلُ كلمةِ التَّوحيد ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾؛ أي: زاكية مستطابة الثَّمر.
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾: أي: لها أصلٌ ثابتٌ في الأرض؛ أي: يشربُ مِنَ الأرضِ بعروقِه.
﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾: أي: تسقيها السَّماء مِن فوقِها بمطرها، فهي تنمو بذلك، وتطول فروعُها حتَّى تكون في نهايةِ طولِ الأشجار (^٣).
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٣٤) عن ابن جريج.
(٢) في (أ): "الملك".
(٣) في (أ): "حتى تطول الإبحار".
[ ٩ / ١٢٦ ]
(٢٥) - ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾: أي: تثمرُ في كلِّ حينٍ بإذنِ اللَّهِ؛ أي: بإيجادِ اللَّهِ ذلك.
و﴿أُكُلَهَا﴾: ما يُؤكَلُ منها.
فهذا مَثَلُ كلمةِ الإيمانِ، وهي طيِّبة في لفظِ صاحبِها المتكلِّمِ بها؛ لأنَّها حمدٌ وتنزيهٌ للخالقِ البارئِ المصوِّر الواحدِ، الموصوفِ بالصِّفاتِ الحسنى، وشهادةٌ له بالحقِّ.
وهي طيبةٌ فيما تثمرُه؛ لأنَّها تثمِرُ في الدُّنيا الثَّناءَ الحسنَ (^١)، والمودَّةَ في صدور الأخيار، والأسماء الجميلة، وتثمر أيضًا في الدُّنيا التَّوفيقَ مِن اللَّهِ للطَّاعات، وانشراحَ الصَّدر للحقِّ والعملِ بهِ، وتثمرُ في الآخرةِ رضوانَ اللَّهِ عليهم، والنَّعيمَ المقيمَ في جوار الأنبياء والصِّدِّيْقِين والشُّهداءِ والصالحين.
وهي ثابتةُ الأصلِ في الأرضِ، ليس معتقدُها بمذبذبٍ، ولا هو مِن دينِه في لَبْسٍ، ولا هي مأخوذةٌ تقليدًا مِن غيرِ دليلٍ وبرهان، فصاحبُها مِن الانتفاعِ بها وإصابةِ الحقِّ منها على بصيرةٍ وبيِّنة.
ثمَّ فرعُها في السَّماء؛ لأنَّ عملَ صاحبِها مُتَقَبَّلٌ، مرفوعٌ إلى اللَّهِ، تثني به عليه الملائكةُ، ويذكُر اللَّهُ تعالى بها في الملأِ الأعلى.
وهي تؤتي أكُلَها كلَّ حينٍ؛ لأنَّ شهادةَ المؤمنِ للَّهِ تعالى بالوحدانيَّةِ، وثناءه
_________________
(١) "الحسن" ليس في (أ).
[ ٩ / ١٢٧ ]
عليه، وتمجيدَه له، وشكرَه له على النِّعم السَّالفةِ والآنفةِ (^١)، لا ينقطعُ في الأوقاتِ، بل هي منهُ على ذُكرٍ؛ إمَّا بلسانِه، وإمَّا بقلبِه، وكذلك أعمالُه الصَّالحةُ تتَّصلُ وتَتابَعُ في الأحايين كلِّها، وهذا تمثيلٌ في غايةِ الحُسْنِ والصِّدقِ (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: وإنَّما يضربُ اللَّهُ الأمثالَ للنَّاسِ ليتذكَّرَ بها النَّاسُ أشباهَ الأشياء الغائبةِ بالأشياءِ الحاضرة، فإذا كانَتِ الأشياءُ الحاضرةُ المضروبُ بها الأمثال حسنةً محمودةً مالوا إليها، وإذا كانَتِ الأشياءُ الحاضرةُ المضروبُ بها الأمثال قبيحةً مذمومةً انحرفوا عنها.
كالهدى (^٣) الَّذي هو في معنى الشَّيء الغائب لأنَّه يُدرَكُ بالدَّليل، والضَّلالُ الَّذي هو كذلك، إذا ضُرِبَ المَثلُ للهُدَى بالنُّورِ قَرُبَ مِن القَلْبِ كَقُرْبِ النُّور منه، وإذا ضُرِبَ مَثَلُ الضَّلالِ بالظُّلْمَةِ أُبْعِدَ مِنَ (^٤) القلبِ كبُعْدِ الظُّلمة منه.
ثمَّ الشَّجرةُ الطَّيبةُ قيل: هي النَّخلة.
ورُويَ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال لأصحابه يومًا: "أخبروني عَن شجرةٍ مَثَلُها مَثَلُ المؤمنِ؟ "، قالَ ابنُ عمرَ: فوقعَ النَّاسُ في شجرِ البوادي، فوقع عندي أنَّها النَّخلةُ، فأردْتُ أنْ أقولَ: هي النَّخلة، فنظرْتُ فإذا في القومِ أبو بكرٍ وعمرُ، فسكتُّ، فقال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هي النَّخلةُ"، فذكرْتُ ما وقعَ في قلبي لِعُمَرَ، فقالَ: لو كنْتَ قُلْتَهُ كانَ أحبَّ إليَّ مِنَ الدُّنيا وما فيها، أو كلامًا هذا معناه (^٥).
_________________
(١) في (ف): "والآتية".
(٢) "والصدق" ليس في (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "كالمهدي".
(٤) في (أ): "بعد عن".
(٥) رواه البخاري (١٣١)، ومسلم (٢٨١١) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄.
[ ٩ / ١٢٨ ]
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: هي شجرةٌ في الجنَّة (^١).
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ قال مجاهد وابن زيد: هي السَّنَةُ (^٢).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄في رواية- وسعيدُ بن جُبيرٍ والحسنُ: ستَّة أشهرٍ مِن وقتِ الطُّلوع إلى وقت الصِّرام (^٣).
وقال ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ: غدوةً وعشيَّةً (^٤).
وقيل: أُكُلُ النَّخلِ: الطَّلعُ والبُسْرُ والرُّطَبُ والتَّمرُ، وهو دائمٌ لا ينقطعُ على هذه الصِّفة، وهذه حالةُ المؤمنِ، لا يخلو وقتًا مِن الأوقات مِن خيرٍ؛ قال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: "عَجبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أمرَهُ كلَّهُ خيرٌ؛ إنْ أَصابَهُ خيرٌ حَمِدَ اللَّهَ، وإِنْ أصابَهُ ما يَكرَهُ (^٥) صَبَرَ، وكانَ أمرُه كلُّه إلى خيرٍ" (^٦).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ: قال الإمامُ أبو بكرٍ الكيسانيُّ (^٧):. . . . . .
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٤١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٤٩). ومن قوله: "وقال ابن عباس" إلى هنا ليس من (أ).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٤٦ - ٦٤٧). وفي (ر) و(ف): "الظلام" بدل "الصرام".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٤٤).
(٥) في (أ): "مكروه" بدل من "ما يكره".
(٦) رواه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب ﵁.
(٧) في جميع النسخ: "الكسائي"، والمثبت من "التأويلات"، وهو ممن أكثر الماتريدي في كتابه المذكور النقل عنه في عشرات المواضع. وهو خيران بن العلاء أبو بكر الكلبي الكيساني الأصم من أهل دمشق، روى عن الأوزاعي وزهير بن محمد وحماد بن سلمة، روى عنه ابنه عمرو بن خيران وأبو عمرو الأوزاعي -وهو شيخه- وغيرهما، قيل: وكان من خيار أصحاب الأوزاعي. انظر: "تاريخ دمشق" (١٧/ ٧٣). وقد تقدم ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ =
[ ٩ / ١٢٩ ]
كلمةٌ طيِّبةٌ: هي هذا القرآنُ، وكلمةٌ خبيثةٌ: هي الكُتُبُ الَّتي أحدثَها النَّاس.
شَبَّهَ القرآنَ بالشَّجرةِ الطَّيِّبةِ الَّتي تثمرُ، والشَّجرةُ الطَّيِّبةُ هي باقيةٌ إلى آخرِ الدَّهرِ، ينتفعُ بها النَّاس بجميعِ أنواعِ المنافعِ، لا يقطعونَها، فهي تدومُ (^١) وتبقى، فعلى ذلك القرآنُ ينتفعُ بهِ النَّاسُ، وهو دائمٌ أبدًا.
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾: لها قرارٌ، وهو ثابتٌ بالحُجَجِ والبراهين، والكتبُ المحدَثةُ باطلةٌ فاسدةٌ، لا حجَّةَ معها ولا برهان، كالشَّجرةِ الخبيثةِ الَّتي هي غيرُ مثمرةٍ، لا بقاءَ لها ولا قرارَ ولا ثبات (^٢).
قال القشيريُّ: شبَّهَ اللَّهُ تعالى معرفةَ المؤمنِ بشجرةٍ طيِّبةٍ، أصلُ تلكَ الشَّجرةِ ثابتٌ في أرضٍ زاكيةٍ، وفروعُها باسقةٌ عاليةٌ، وثمراتُ تلكَ الشَّجرةِ وافيةٌ، تؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ، وينتفعُ بها أهلَها في كلِّ وقتٍ، فالإيمانُ كذلكَ، أصلُهُ المعرفةُ المصحَّحةُ بالأدلَّةِ والبراهين، وفروعُها الأعمالُ الصَّالحةُ الَّتي هي الفرائضُ (^٣).
ومجانبةُ المعاصي في الإيمانِ كصيانةِ الشَّجرةِ ممَّا يضرُّها مِن قشطِ قشرٍ، وقطعِ عِرْقٍ، وإتلافِ غصنٍ، وما يجري مجراه.
وأوراقُ تلكَ الشَّجرةِ: قيامُه بآدابِ العبوديَّة.
وأزهارُ تلكَ الشَّجرةِ: أخلاقُه الجميلةُ.
_________________
(١) = [الأعراف: ٣٢] نقلًا عن الماتريدي، فوقع هناك: (ابن كيسان)، وكان في "التأويلات": (أبو بكر الأصم)، ونبهنا على الاختلاف ثمة لكن لم نذكر ترجمته فلتستدرك من هنا.
(٢) في (أ): "ملزوم".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٨٧).
(٤) في (ر): "أداء الفرائض".
[ ٩ / ١٣٠ ]
وثمارُ تلكَ الشَّجرةِ حلاواتُ الطَّاعةِ، ولَذَاذاتُ (^١) الخِدْمةِ.
ثمَّ الثِّمارُ تختلفُ في الطَّعمِ والطَّبعِ والرَّائحةِ والصُّورة، كذلكَ ثمراتُ الطَّاعاتِ، وهي المعاني الَّتي يجدُها العبدُ في قلبِهِ، وهي مختلفةٌ مِن حلاوةٍ يجدُها في الطَّاعةِ وهي صفةُ العابدِيْن، وبسطٍ يجدُهُ في وقتِهِ وهو صفة العارفِيْن، ولوعةٍ في ضميرِهِ وهي صفةُ المريدِيْن، وأُنْسٍ ينالُهُ في سِرِّهِ وهو صفة المحبِّيْن، وقلقٍ واهتياجٍ يجدُهُ ولا يعرفُ سببَهُ، ولا يجدُ سبيلًا إلى سكونِهِ، وهو صفةُ المشتاقِيْن، إلى ما لا يفي بشرحِهِ نُطْقٌ، ولا يستوفِيْهِ بيانٌ وذكرٌ؛ مِنْ لوائِحَ وبوائح، ولوامِعَ وطوالِع، وشوارِقَ وطوارِق.
ثمَّ هذه الشَّجرةُ تربو بالعناية، وتورقُ بالكفاية، وتتورَّد بالكلاءة، وتثمرُ بالرِّعاية.
ولا بُدَّ للشَّجرِ (^٢) مِن ماءٍ، وماءُ هذه الشَّجرةِ ماءُ النَّدمِ والحياءِ، والتَّلهُّفِ والحسرةِ، والإنابةِ والخشوع، وإرسالِ الدُّموع.
ثمَّ ثمراتُ الأشجارِ في السَّنةِ مرَّةً، وثمراتُ هذه الشَّجرةِ في كلِّ لحظةٍ كذا وكذا مرَّةً، فهي كثمراتِ الجنَّةِ، لا مقطوعةٌ ولا ممنوعة، وكذا هذه اللَّطائفُ لا مقطوعةٌ ولا ممنوعة، وقلوبُ أهلِ الحقائقِ عنها لا مصروفةٌ ولا محجوبة (^٣).
وقال أبو بكرٍ الورَّاق: المعرفةُ شجرةٌ في قلبِ المؤمنِ، لها سبعةُ غصونٍ:
غصنٌ ينتهي إلى قلبِه وثمرتُه: صحَّةُ الإرادات.
وغصنٌ ينتهي إلى لسانِه وثمرتُه: صِدْقُ المقالات.
_________________
(١) في (أ): "ولذات".
(٢) في (ر) و(ف): "ولا بد لهذه الشجرة". وفي "اللطائف": (ثم لا بد للشجرة).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
[ ٩ / ١٣١ ]
وغصنٌ ينتهي إلى عينِه وثمرتُه: الغضُّ عنِ المحرَّمات، والنَّظرُ بالعِبرةِ في الكائنات.
وغصنٌ ينتهي إلى رجلِه وثمرتُه: المشي إلى الجماعات.
وغصنٌ ينتهي إلى يدِهِ وثمرتُه: إعطاءُ الصَّدقات.
وغصنٌ ينتهي إلى الحلْقِ والبطنِ وثمرتُه: أكلُ الحلال، وتركُ الحرامِ والشُّبهات (^١).
وغصنٌ ينتهي إلى النَّفس وثمرتُه: تركُ الشَّهوات.
وقال سهلُ بنُ عبدِ اللَّهِ: لها أربعةُ أغصان:
أحدُها: ينتهي إلى قصرِ الأمل.
والثَّاني: إلى إخلاصِ العمل.
والثَّالثُ: إلى ارتقابِ الأجل.
والرَّابع: إلى تدارُكِ الخَلَل.
* * *
(٢٦) - ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾: هي كلمةُ الكُفْرِ ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾: غيرِ زاكيةٍ، كما قال: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، وخبيثةٌ أيضًا مِن جهةِ أنَّ ثمرتَها (^٢) غيرُ مستطابةٍ.
_________________
(١) في (أ): "الحلالات"، وفي (ف): "الحلال والمباحات"، بدل: "الحلال وترك الحرام والشبهات".
(٢) في (ر): "شجرتها".
[ ٩ / ١٣٢ ]
﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾: اقتُلعَتْ، وقد جثَّ جثًّا مِن حدِّ دخَلَ يدخُلُ (^١)؛ أي: قَلَعَ، واجتَثَّ اجتثاثًا كذلك.
﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ في الأرض، ولا فروعَ لها في السَّماء (^٢)؛ لأنَّها مستأصَلةٌ مِن فوقِ الأرضِ، ولا عروقَ لها في الأرضِ فتزكوَ؛ لأنَّها قد اجتثَّتْ مِن أصلِها، أو أنَّها لا عروقَ لها في باطنِ الأرضِ، فإذا اجتثَّتْ -أي: أُخِذَتْ جُثَّتُها الَّتي هي بارزةٌ على وجهِ الأرض- مِن أصلِها انقطعَ ثمرُها، وهي شجرةٌ ليسَ لها أصلٌ ثابتٌ يتفرَّع، وإنَّما هي قطعةُ عودٍ أو نباتٍ على الأرضِ، لا ثمرةَ لها (^٣)، ولا نماءَ، ولا نفعَ.
فكذلك كلمةُ الشِّركِ (^٤) هي خبيثةٌ في لفظِ المتكلِّم بها؛ إذ هي ثناءٌ على جمادٍ لا يَعقِل، وتسميةٌ بالإلهيَّة لحجرٍ لا يضرُّ ولا ينفع.
وهي تثمرُ في الدُّنيا الذِّكْرَ القبيحَ، وتسفيهَ العقلِ، وتضليلَ الرَّأي، والتَّسميةَ بالأسماءِ المكروهةِ مِن الصُّمِّ والبُكْمِ والعُمْي، والتَّشبيهَ بالحُمُرِ والبهائمِ والأموات.
وتثمرُ في الآخرةِ العقابَ (^٥) الأليم، وصاحبُها في لَبْسٍ مِن دينِه، واختلاطٍ مِن اعتقادِه، وعلى غيرِ بصيرةٍ مِن دَرْكِ الصَّوابِ فيه، وليسَ له عملٌ يصعدُ إلى اللَّهِ تعالى.
_________________
(١) في (أ): "من حد نكل". والمؤدى واحد، فإن نكل من باب دخل أيضًا. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: جثث ونكل).
(٢) قوله: "في الأرض"، "في السماء" من (ت).
(٣) "لها" ليس في (أ).
(٤) في (أ): "و" بدل: "فكذلك كلمة الشرك".
(٥) في (أ): "العذاب".
[ ٩ / ١٣٣ ]
وقال أنسٌ (^١): الشَّجرةُ الخبيثةُ: الشَّريان وهو الحنظلُ (^٢).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: هي شجرةٌ لم تُخْلَقْ، وهي مَثَلٌ (^٣).
وقال القشيريُّ ﵀: خَبُثَتْ كلمةُ الشِّركِ لصدورِها عن قلبٍ هو مستقرُّ الشِّركِ ومنبعُهُ (^٤).
﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾: لأنَّ الكفرَ متضادٌّ متناقضٌ، ليسَ له أصلٌ صحيحٌ، ولا برهانٌ موجِبٌ، ولا دليلٌ كاشِفٌ، ولا علَّةٌ مقتضيةٌ، إنَّما ذلك شُبَهٌ وأباطيل، وضلالٌ وتضليل، اقتضاها وساوسُ وتسويل.
﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ لأنَّها حاصلةٌ مِن شُبَهٍ واهية، وأصولٍ فاسدة.
* * *
_________________
(١) في (ر): "وقيل" وفي (ف): "وقال أليس".
(٢) في (أ): "الخبيثة هي السريانة وهي الحنظل" وفي (ف): "الخبيثة هي بالسريانة وهي الحنظل"، وفي (ر): "الخبيثة بالسريانية هي الحنظل"، والمثبت من المصادر. والخبر رواه ابن الجعد في "مسنده" (١١٠٧)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٢١٦)، والطبري في "التفسير" (١٣/ ٦٥٢ - ٦٥٣)، والخطابي في "غريب الحديث" (٢/ ٥١٢). قال الخطابيُّ: أُراه غلطًا، وإنَّما هو: (الشَّرْيُ)، وهو الحنظلُ، وأمَّا الشَّرْيانُ: فهو شجرٌ يُعْمَلُ منه القِسِيُّ، يَنْبُتُ في بطون الأَودية ومجاري الماء. لكن ذكر الزمخشري فيه تفصيلًا آخر، حيث قال: الشَّرْيان والشَّرْي: الحنظل، وقيل: هو ورقه، الواحدة: شَرْيةُ، وأمَّا الشِّرْيان بالكسر -وقد يفتح- فشجر يُعمل منه القِسِيُّ، الواحدة: شِرْيَانة. انظر: "الفائق" (٢/ ٢٣٩)، و"النهاية" (مادة: شرى).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٥٤).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٤٩).
[ ٩ / ١٣٤ ]
(٢٧) - ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: ﴿يُثَبِّتُ﴾؛ أي: يوفِّقُ للثَّبات، ويحفظُ عن الزَّوال والزَّلل.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: الذين آمنوا واتَّقوا، فالوعدُ للمؤمنِ المستقيمِ المستكمِلِ خصالَ الإيمانِ، وذلك بالتَّقوى، فأمَّا العصاةُ (^١) فهم في خطرٍ.
وقوله تعالى: ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ قيل: هو صلة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: هذا الوعدُ للَّذين آمنوا بالقول الثَّابتِ؛ أي: بالتَّوحيد الخالص، فوحَّدوا اللَّهَ، ونزَّهوه عمَّا لا يليقُ به.
وقيل: هو صلةُ ﴿يُثَبِّتُ﴾؛ أي: يثبِّتُهم بالبقاءِ على هذا القول الثَّابت.
أو يكون بمعنى الجزاءِ؛ أي: يثبِّتُهم بسببِ قولِهم الثَّابت، يُقال: جزيتُه بكذا أو على كذا أو في كذا (^٢).
و﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ما داموا أحياءً، وعندَ الموتِ، حتَّى يُختَم لهم به.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: في القبرِ عندَ مسائلةِ مُنكر ونَكير.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: مَن دامَ على الشَّهادةِ في الحياة الدُّنيا ثبَّتَهُ اللَّهُ عليها في قبرِه ولقَّنه إيَّاها (^٣).
_________________
(١) في (ف): " ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: الذين آمنوا واتقوا فالوعد للمؤمن التثبت على الإيمان وخصال الإيمان بالتقوى وأما العصاة. . . "، وفي (ر): " ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واتقوا ما يحبط إيمانهم وأعمالهم أهل الثبات في الدنيا والآخرة فأما الكفار والعصاة. . . ".
(٢) في (ر) و(ف): "جزيته بكذا وعلى كذا".
(٣) ذكره النيسابوري في "تفسيره" (٤/ ١٩٢)، والرازي في "تفسيره" (١٩/ ٩٧).
[ ٩ / ١٣٥ ]
وكذلك قالَ مقاتلٌ (^١)، وعليه كثيرٌ مِن الأخبار (^٢).
وقيل: القبرُ مِن الحياةِ الدُّنيا؛ لأنَّه في الدُّنيا صورة، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ عندَ مسائلةِ اللَّهِ إيَّاهم عندَ الحساب.
والقولُ الثَّابتُ: هو الشَّهادةُ للَّهِ بالوحدانيَّة، والصِّفاتِ التي وصفَ بها نفسَه، وهو قولٌ ثابتٌ في نفسِهِ بدلائلِ العُقول وشهاداتِ المعارف.
وقيل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يمكِّنُهم اللَّهُ في الأرضِ، ويستخلِفُهم فيها، وفي الآخرةِ في الجنَّةِ بقولهم الثَّابت؛ أي: بسببِ كلمةِ التَّوحيد منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾: أي: يخذِلُ الَّذين ارتكبوا الكبائرَ، فوضعوا الأمرَ غير موضعِه، وظلموا بذلك أنفسَهم.
وهذا الوعيد لهم ما داموا مختارِيْن لذلك، فإذا تركوا الظُّلم ورجعوا إلى (^٣) الحقِّ يوفِّقُهم اللَّهُ ويعصمُهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: يتوبُ على الظَّالم إنْ شاءَ، فيغفرُ له ويهديه، ويغفرُ له إنْ شاءَ مِن غيرِ توبةٍ، ويعاقبُه إنْ شاءَ ويتركُه في ظلمةٍ.
والآيةُ ردٌّ على المعتزلةِ، فإنَّهم يقولون: لا يقدِرُ أنْ يفعلَ ما يشاءُ؛ لأنَّهم يقولون: إنَّه شاءَ إيمانَ الجميع، ولم يؤمنوا، فلم يقدرْ أنْ يفعلَ ذلكَ بهم.
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٠٥).
(٢) في (أ): "وعليه كثرت الأخبار" وفي (ر): "وعليه كثير من الأخيار".
(٣) في (ف): "فتراجعوا" بدل: "ورجعوا إلى".
[ ٩ / ١٣٦ ]
(٢٨ - ٢٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾: قال الحسنُ: يعني: أبا جهلٍ وأصحابَه (^١)، الَّذين (^٢) بدَّلوا نعمةَ اللَّهِ عليهم بمحمَّد وبالإيمانِ، فكفروا به وكذَّبوه.
﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾: أي: دار الهلاك ﴿جَهَنَّمَ﴾: هو بدلٌ عنها، وترجمةٌ لها، فأخرجوهم إلى قتالِ محمَّدٍ ببدرٍ، فقتلَهُم اللَّهُ فدخلوا النَّارَ.
فالنِّعمةُ هي محمَّدٌ -ﷺ- في هذه الآيةِ، وكذلك في قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣].
وقيل: ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾: هي بدرٌ هلكوا بها.
وقوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ﴾ يكون منصوبًا لقوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾، وهو كلامٌ غيرُ الأوَّل (^٣).
وقيل: النِّعمة: هي جميعُ ما أنعمَ اللَّهُ تعالى عليهم بها، فكفروا بها، فاستحقُّوا بها العقاب.
وقوله تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: أي: يدخلون جهنَّم ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾؛ أي: بئسَ الاستقرار؛ أي: بئسَ المستَقَرُّ جهنَّم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٧٦) عن قتادة.
(٢) "الذين" ليس في (أ).
(٣) وتبسيط كلام المؤلف في إعراب ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾: أن لها وجهين: إما أن يكون ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدلًا من ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ فـ ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حالٌ منها أو من الدار أو من القوم، أو يكون قوله: ﴿جَهَنَّمَ﴾ منصوبًا بفعلٍ مقدَّر يفسره قوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ وهو ما يسمى بالنصب على الاشتغال.
[ ٩ / ١٣٧ ]
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: النَّاسُ بَراءٌ مِن هذه غير ظَلَمةِ قريشٍ (^١).
وقال عليٌّ ﵁: هم بنو المغيرة وبنو أميَّة؛ أمَّا بنو المغيرة فاسْتُؤصِلوا ببدرٍ، وأمَّا بنو أميَّة فمُتِّعوا إلى حين (^٢).
* * *
(٣٠) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾؛ أي: أشكالًا وأشباهًا مِن الأصنامِ سمَّوها اللَّات والعزَّى، كما أنَّ مِن أسماء الرَّبِّ ﷻ: اللَّه والعزيز.
﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾: أي: ليضلُّوا بذلك عن سبيلِ طاعةِ اللَّهِ غيرَهم، كما ضلُّوا بأنفسِهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾: أي: قل لهم يا محمَّد: تمتَّعوا في الدُّنيا ما شِئْتُم ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾؛ أي: مرجعَكم في عاقبةِ أمرِكُم إلى جهنَّم.
ويجوزُ أنْ يكون: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ دليلًا على قلَّةِ مُكْثِهم في الدُّنيا، فإنَّ المتاع اسم لذلك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر: ١٨﴾، وإنْ أُجْرِيَ على إطلاقِهِ وطولِ زمانِهِ فقد قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧].
* * *
(٣١) - ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾.
_________________
(١) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤١١)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٧٤).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤١٠)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٧٠).
[ ٩ / ١٣٨ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: قلْ لهم: أقيموا الصَّلاة، فيقيموا الصَّلاة، فهذا الظَّاهر جُزِمَ بالجوابِ للأمرِ المحذوفِ الَّذي دلَّ عليه: ﴿قُلْ﴾.
وقيل: هو بنفسِهِ أمرٌ بإضمارِ اللَّامِ فيه؛ أي: ليقيموا الصَّلاة، وجاز ذلك لدلالةِ ظاهرِ الكلامِ عليه، ويجوز مثلُه في الكلام: قلْ له: يضربْ زيدًا.
وهذا أمرٌ للمؤمنين بأن يخالفوا الذين بدَّلوا نعمةَ اللَّه كفرًا؛ أي: قل يا محمَّدُ للذين حقَّقوا عبوديَّتهم لي بالإيمان بي ومخالفةِ الَّذين أشركوا بي غيري: أقيموا لي (^١) الصَّلاةَ بأبدانِكُم، وأنفقوا في إقامةِ ديني ومواساة عبيدي أموالَكم.
وقوله تعالى: ﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: فِعْلَ المخلصِيْنَ دونَ المرائِيْنَ الذين ينفقون في العلانيةِ بمرآةٍ للنَّاس لا غيرَ.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾: وهو يومُ القيامةِ، لا يجزي فيه تبايعٌ بينَ (^٢) النَّاسِ فيشتريَ نفسَه مِن العذابِ بمالٍ يعطيه، ولا مصافاةٌ فيشفعَ خليلٌ لخليلِه فينجِيه؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣].
وقال الإمامُ القشيريُّ رحمة اللَّه عليه: أمرنا بالصَّلاةِ التي فيها المناجاةُ، وبإنفاقِ ما رزقَه اللَّه، وهو إنفاقُ اللِّسان على ذكرِه، والبدنِ على طاعتِه، والوقتِ على شكرِه، والقلبِ على عرفانِه، والرُّوحِ على حُبِّه، والسِّرِّ على مشاهدَتِه، ولا يكلِّفُ اللَّهُ نفسًا إلَّا وسعَها.
_________________
(١) "لي" من (ر).
(٢) "بين" من (أ).
[ ٩ / ١٣٩ ]
إنَّما يطالبُكَ بأنْ تحضرَ البابَ، وتقفَ على البساطِ، فيقولُ العبدُ المسكينُ: لو كانَ لي نفسٌ أطوعُ مِن هذهِ لأتيْتُ بها، ولو كان لي قلبٌ أوفى مِن هذا لأحضرْتُه، وكذلك الرُّوح والسِّرُّ، قال قائلُهم:
يفديْكَ بالرُّوحِ صَبٌّ لو يكونُ لَهُ أعزَّ مِنْ رُوْحِهِ شَيءٌ فَداكَ بِهِ (^١)
* * *
(٣٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: وفي هذهِ الآيةِ تعدادُ النِّعمِ، وتتَّصل بقولِه: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: هو المطر ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: هي فواكهُ الأشجارِ، وزروعُ الأرضِ ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾؛ أي: قوتًا لكم.
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾: أي: وذلَّلَ لكم السُّفنَ، والفُلْكُ: اسمٌ للواحدِ والجمعِ، ويذكَّر ويؤنَّث.
﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾: أي: بتسخيرِه وتكوينِه، كقولِه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾؛ أي: تكوينُنا.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾: جمع نَهَر.
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٥٢)، والبيت لأبي العتاهية، كما في "محاضرات الأدباء" للأصفهاني (٢/ ٥٨).
[ ٩ / ١٤٠ ]
(٣٣) - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾: أي: مُتَّصلَيِ السَّير، كأنَّهما يدأَبان -أي: يجتهدان- في ذلكَ لئلَّا يَخرجا عن أمرِ اللَّهِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: دأبُهما في طاعةِ اللَّهِ تعالى: أنَّهما سُخِّرا على صورةِ مَن أُمِرَ بشيءٍ فأدأبَ نفسَه في طاعةِ آمرِه (^١).
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: يتعاقبان لمصالحِكُم.
* * *
(٣٤) - ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾: قراءةُ العامَّةِ بغير تنوينٍ على الإضافةِ، وقرأ المنذرُ بن سلام مِن قرَّاء البصرةِ والحسنُ والضَّحَّاكُ: (مِنْ كُلٍّ) بالتَّنوين (^٢).
معنى القراءة الأولى: أعطاكم مِن كلِّ شيءٍ سألتُموه، وهو للتَّكثير لا لاستغراقِ الجنس، كما يُقال: اشتريْتُ في السُّوق كلَّ شيءٍ، وقولهِ تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٨٢).
(٢) وهي قراءة شاذة، ذكرها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٣) عن ابن عباس والحسن وجعفر بن محمد وسلام بن منذر، وذكرها ابن جني في "المحتسب" (١/ ٣٦٣) عن ابن عباس والحسن والضحاك ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وعمرو بن فائد ويعقوب.
[ ٩ / ١٤١ ]
وهو جوابُ مَن سألَ: إنَّ كلَّ إنسانٍ لم يعطَ كلَّ شيءٍ، ولأنَّه قال: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾، وهو للتَّبعيض.
ومعنى قراءة التَّنوين: مِن كلِّ شيءٍ ما سألتموه، ثمَّ (ما) إنْ جُعِلَ بمعنى الذي فهو كالأوَّل، وإنْ جُعِلَ للنَّفي فمعناه: مِن كلِّ شيءٍ لم تسألوه؛ أي: أعطاكم ما سألتُموه وما لم تسألوه، كالشَّمس والقمر واللَّيل والنَّهار وما عُدَّ في هذه الآية، وكذلكَ مِن المصالح ما يَخفَى على العبدِ سؤالُه، واللَّهُ يعطيهِ مِن غيرِ سؤالٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: أي: لن (^١) تطيقوا شكرَها، كما قال ﵊: "استقيموا ولن تُحصوا" (^٢)؛ أي: لن تُطيقوا.
وقيل: أي: لا تستوفوا عدَّها (^٣)، كما قال: "مَن أحصاها دخلَ الجنَّةَ" (^٤).
وأقلُّ النَّاسِ نعمةً لو تكلَّفَ عَدَّ ما أنعمَ اللَّهُ عليه نفعًا ودفعًا لم يمكنْهُ إيفاءُ عدِّهِ، وبلوغُ حدِّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾: ﴿لَظَلُومٌ﴾ لنفسهِ في معصيتِه، ﴿كَفَّارٌ﴾ لربِّه في نعمتِه.
وقيل: ظلومٌ: في الشِّدَّة يضجَر ويجزَع، كفَّارٌ: في النِّعمة يجمَعُ ويمنَعُ.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "قيل أي لا" بدل "أي لن".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٣٧٨)، والدارمي في "سننه" (٦٨١)، وابن ماجه (٢٧٧) وابن حبان في "صحيحه" (١٠٣٧)، والحاكم في "المستدرك" (٤٤٧)، من حديث ثوبان ﵁.
(٣) في (ر): "لا يستوعبوها"، وفي (ف): "لاستواء عدها".
(٤) جزء من حديث رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) عن أبي هريرة ﵁، ولفظ البخاري: "إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة".
[ ٩ / ١٤٢ ]
(٣٥) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: أي: اذكرْ يا محمَّدُ إبراهيمَ إذْ لم يستعجلِ العذابَ لِمَنْ (^١) كذَّبَه وآذاه، فكذلكَ فافعلْ بأهلِ عصرِكَ، واتَّبعْ في ذلك أباك، وذلك في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقدَّم على ذلك وأخَّرَ عنه دعوات، فممَّا قدَّم قولُه تعالى:
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾: أي: اشرعْ للنَّاس أنْ يكونَ ﴿هَذَا الْبَلَدَ﴾ وهو مكَّة ﴿آمِنًا﴾؛ أي: مأمنًا (^٢)، وقيل: مأمونًا فيه، وقيل: ذا أمنٍ، وهو كقولهم: ليلٌ نائمٌ، ونهارٌ صائمٌ، وكقول اللَّه تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧].
وقوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾؛ أي: بَعِّدْني (^٣) وأولادي، وقد جَنَبه مِن حدِّ (دخل)، وجنَّبَهُ تجنيبًا للمبالغة، واجتنبَ وتجنَّب لازمٌ، وحقيقة الكلمة: اجعلني في جانبٍ، كما يُقال: نحِّني؛ أي: اجعلني في ناحيةٍ.
﴿أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾: (أن) مع الفعل مصدر؛ أي: عبادةَ الأصنام، وهذا لتعليمِ الأُمَّةِ، ولأنَّ العِصمةَ لا تزيلُ المحنةَ، فيجوز فيه الدَّعوة كما مرَّ في قوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
* * *
_________________
(١) في (أ): "العذاب والعقوبة أن".
(٢) في (ر) و(ف): "ضامنًا".
(٣) في (ر) و(ف): "تعذني".
[ ٩ / ١٤٣ ]
(٣٦) - ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾: أي: ضَلَّ بهنَّ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ، أضافَ الإضلالَ إليهنَّ بطريق التَّسبُّبِ؛ أي: إلى الأصنام، كما في قولِه تعالى: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: ١١٠].
وقال القشيريُّ ﵀: كانَ إبراهيمُ ﵇ بينَ شهودِ فضلِ ربِّه، وشهودِ فَقْرِ نفسِهِ، فلِنَظَرِه إلى فضلِ ربِّهِ قال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]، ولِنَظَرِه إلى فَقْرِ نفسِهِ قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
وقال: وقيل: شاهدَ عزَّ اللَّهِ واستغناءَه فقال (^١): ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وشاهدَ فضلَه ورحمتَه ولطفَه فقال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾: أي: فمَنْ كانَ على ديني في توحيدِكَ فإنَّه ممَّنْ أُمالِيْهِ (^٣) وأَعُدُّه مِن جُملةِ أصحابي، كما قال في قصَّة طالوت: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿غَفُورٌ﴾: تسترُ عليه ذنبَه، ﴿رَحِيمٌ﴾: ترحمُه فتتوبُ عليه.
وقيل: أي: تُمْهلُه ولا تعاجِلُه بالعذاب، فهو كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ
_________________
(١) في (أ): "شاهد عن اللَّه استغناءه فقال". وفي "اللطائف": (شاهد غيره فقال).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٥٥).
(٣) في (ر) و(ف): "أوى إليه".
[ ٩ / ١٤٤ ]
الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، فالمغفرةُ في هذه الآيةِ على ستر ذنوبِهم وإمهالِهم.
وقال: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ ولم يقل: (عصاكَ)، وإنْ كانَ مَن عصاهُ فقد عصى اللَّه؛ مراعاةً للأدبِ في الخِطابِ.
* * *
(٣٧) - ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: أي: بعضَ أولادي، وهو إسماعيلُ مع أمِّه هاجر، وأسكنتُه؛ أي: جعلتُه ساكنًا.
﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾: هو وادي مكَّةَ، وهو الأبطحُ، والوادي: سفحُ الجبلِ.
و﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾؛ أي: لا ماءَ فيه فنزرعَ الأرضَ عليه.
﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾: وهو الكعبة، والإضافةُ إلى اللَّهِ تعالى للتَّشريف.
والتَّحريمُ: إثباتُ حرمتِه وحرمةِ ما يَحلُّ مِن غيرِه فيه.
وقال القشيريُّ ﵀ في (^١) قولِه تعالى: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾: هو إخبارٌ عن صدقِ توكُّلِهِ وصِدْقِ تفويضِهِ.
وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ هو بيانُ أنَّه رأى الرِّفق لهم في الجوار، لا في المَبارّ (^٢).
_________________
(١) "في" ليس في (أ).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
[ ٩ / ١٤٥ ]
ثمَّ قيل: هذا كان بعدَ بنائِهِ البيت.
وقيل: كان قبلَ بنائِه، لكنْ كانَ اللَّهُ أبانَ له موضعَ البيتِ، فصحَّتْ إشارتُه إليه.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: أسكنْتُهم به ليعبُدُوكَ به، ويقيموا الصَّلاةَ لكَ، مخلصِيْن غيرَ مشركِيْن.
﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: تَنْزِعُ إليهم (^١).
وقال الضَّحَّاكُ: تشتاقُ إليهم (^٢).
والهوى لغةً: هو الانحطاطُ بسرعةٍ.
يقول: حَبِّبْ هذا البيتَ إلى عبادِكَ ليأتوه فيحجُّوه.
وقال مجاهدٌ: قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾، ولو قال: (أفئدة النَّاس) لازدحمَتْ عليه الرُّوم والتُّرك والهند (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: أي: التي تكون في بلاد النَّاس، فتُجنَى إليه الثَّمرات مِن النَّواحي، فيُوجَد به ما يوجَدُ بها.
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾: أي: ليشكروا لك.
وقيل: (لعلَّ) ها هنا للتَّرجِّي؛ أي: أرجو أنَّهم إذا استغنَوا بهذه النِّعم فيه سكنوه
_________________
(١) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (١/ ٢١٤). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤١٦)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧٠٠) عن قتادة.
(٢) في (ر) و(ف): "تساق". والمثبت من المصادر. انظر: "تفسير أبي الليث السمرقندي" (٢/ ٢٤٦)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٣٢٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٥٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٩٨).
[ ٩ / ١٤٦ ]
واستوطنوه، وأقاموا مناسكَكَ فيه؛ شكرًا لك على نِعَمِكَ، فاستجابَ اللَّهُ دعاءَه بثمراتِ الطَّائف.
وقال القشيريُّ ﵀: يقول: أسكنْتُهم بهذا الوادي، ولا متعلَّق مِن الأغيارِ لقلوبِهم، ولا مُتناوَل لأفكارِهم وأسرارِهم (^١)، فهم مطروحون ببابِك، مقيمون بحضرتِك، جارٍ فيهم حكمُك، إنْ راعيتَهم كفيتَهم وكانوا أعزَّ خلقِكَ، وإنْ أقصيْتَهم ونفيْتَهم كانوا أذلَّ خلقِكَ (^٢).
* * *
(٣٨) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾: أي: لا يخفَى عليكَ قولي وإرادتي في إرادةِ الخيرِ بعبادِكَ عمومًا، وبذريَّتي خصوصًا؛ لعلمِي بسَعَةِ رحمتِكَ، وإرادَتِكَ الخيرَ بمَن آمنَ بك.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ ومقاتلٌ: ﴿مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ مِن الوجدِ (^٣) بإسماعيلَ وأمِّه، وغربتِهما وكونِهما بوادٍ غير ذي زرعٍ (^٤).
_________________
(١) عبارة "اللطائف": (أسكنتهم بهذا الوادي حتى لا تتعلق بالأغيار قلوبهم، ولا تشتغل بشيء أفكارهم وأسرارهم).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٥٧).
(٣) في (ر) و(ف): "الرحيل".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٦٩٢) عن ابن عباس ﵄، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٢٣) عن ابن عباس ﵄ ومقاتل. وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٠٩).
[ ٩ / ١٤٧ ]
وقوله: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: يجوُز أنْ يكون هذا مِن كلامِ إبراهيمَ، ويكونُ انتقالًا مِن المخاطبة إلى المغايبة، وهو أحدُ أقسامِ البلاغة.
ويجوزُ أنْ يكونَ هذا كلامًا معترِضًا في كلام إبراهيم، وهو كلام اللَّه تعالى؛ أي: صَدَق إبراهيم فيما قال: لا يخفى على اللَّه مِن شيءٍ في الأرضِ ولا في السَّماء؛ أي: علمَ اللَّهُ قصدَه بهذا الدُّعاء، فاستجابَ له في البيت وذريَّتِه.
* * *
(٣٩) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾: أي: الشُّكرُ للَّهِ على أنْ وهبَ لي هذَيْن الولدَيْن على كِبَرِ سنِّي وكِبَرِ سِنِّ امرأتي، كما قالت سارة: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢].
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: وُلِدَ إسماعيلُ لإبراهيم وهو ابنُ تسعٍ وتسعيْنَ سنةً، ووُلِدَ له إسحاقُ وهو ابنُ مئةٍ واثنتي عشرة سنة (^١).
وقال سعيدُ بنُ جُبير: وهو ابنُ سبعَ عشرةَ ومئةِ سنةٍ (^٢).
وقال مقاتلٌ: وُلِدَ إسماعيلُ لإبراهيمَ وهو ابنُ أربعٍ وستِّين سنة، ووُلِدَ له إسحاقُ وهو ابنُ سبعينَ سنةً (^٣).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٢٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧٠٢).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٠٩).
[ ٩ / ١٤٨ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾: أي: قد سمعَ دعائي: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، وقيل: إنَّه أراد به: اسمعْ (^١) دعائِي في حقِّ البيت وفي حقِّ ذرِّيَّتي.
* * *
(٤٠) - ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: أي: وفِّقْني وأولادي لإدامةِ الصَّلاةِ وإقامَتِها على شرائِطِها في أوقاتِها.
﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾: أي: عبادتي، قال اللَّه تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]؛ أي: فاعبدوه.
ويحتمِل: أنَّه عَدَّ دعاءَه لذرِّيَّته وللمؤمنين عملًا صالحًا يُثابُ عليه، فسألَ قَبولَه.
* * *
(٤١) - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾: قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قال الحسن: كانَتْ أمُّه مسلمةً، بدليلِ قولِه: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]، ولم يصف الأمَّ بالضَّلال.
قال الإمام أبو منصور: ولسنا نعلمُ ذلكَ، وسؤالُ المغفرةِ للأبِ الضَّالِّ وللأمِّ إنْ كانَتْ ضالَّةً، هو سؤالُ ما يُنالُ به المغفرة، وهو الإسلام (^٢). وقد شرحناه بأتمَّ مِن هذا في آخر (سورة براءة).
_________________
(١) في (أ): "يسمع" بدل: "قد سمع دعائي ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقيل إنه أراد به اسمع".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤٠٦).
[ ٩ / ١٤٩ ]
وقيل: أرادَ به آدمَ وحوَّاء.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾: دعاءٌ بالمغفرةِ لجميعِ المؤمنين أيضًا، ويدخلُ فيه هذه الأمَّة، فهو قد دعا لنا، ونحنُ ندعو له بالصَّلاة بأمرِ اللَّهِ بهِ إجابةً لدعائِهِ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾: أي: حين يجيءُ وقتُ الحسابِ، كما يُقالُ: قامَت الصَّلاة، وقامَت الحربُ.
وقيل: هو عبارةٌ عن العدلِ في الحسابِ، يُقال: أقمْ هذا الحساب؛ أي: اعدلْ فيه.
* * *
(٤٢) - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾: يخاطبُ نبيَّه به (^١) تسليةً له وإخبارًا أنَّ إبراهيمَ لم يستعجلْ؛ ليصبر هو كما صبرَ إبراهيمُ، وبيانًا للمشركين أنَّ إبراهيمَ لم يكن راضيًا بفعلِهم بهذا القول، وإنَّ تأخُّرَ العذابِ عن الكفَّار في الدُّنيا لتشديدِهِ عليهم في العُقْبى.
وقال القشيريُّ ﵀: الظُّلم على وجوهٍ:
ظلمٌ على النَّفسِ: بوضعِ المعصيةِ مكانَ الطَّاعة.
وظلمٌ على القلبِ: بتمكُّنِ الخواطرِ الرَّديئة منه، وإخطارِ الغيرِ بالبالِ.
_________________
(١) "به" ليس في (أ).
[ ٩ / ١٥٠ ]
وظلمٌ على الرُّوحِ: بمحبَّةِ المخلوقِيْنَ (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾: أي: تأخيرُ عذابِهم ليسَ لخفاءِ حالِهم على اللَّهِ تعالى، بل يؤخِّرُهم ليومِ القيامةِ الذي ترتفعُ فيه أبصارُهم ارتفاعًا لنزولِ (^٢) ما توعِّدوا به، ولانفتاحِ أبوابِ السَّماءِ ونزولِ الملائكةِ.
* * *
(٤٣) - ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾.
﴿مُهْطِعِينَ﴾: أي: مسرِعِيْنَ على خوفٍ لِمَا أنَّهم (^٣) مساقون إلى النَّار.
﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: أي: رافعِيْها حتَّى لا يبصروا مواضعَ أقدامِهم.
﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾: أي: لا تَغتمِضُ عيونُهم.
ووحَّدَ الطَّرْفَ لأنَّه في الأصلِ مصدرٌ؛ طَرَفَ (^٤) ببصرِهِ يطرُفُ طَرْفًا.
والجمعُ بينَ الإهطاعِ والإقناعِ على معنى: أنَّهم يكونونَ مُسْرعِيْنَ إلى الدَّاعي إذا دعاهُم، وإلى أنْ يدعوهم يكونونَ مُقْنِعي رؤوسِهِم.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾: قيل: هي خاليةٌ لا تعي شيئًا ولا تعقلُ مِن الخَوف.
وقيل: جُوف لا عقولَ لها.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٥٩).
(٢) في (أ): "ارتقاء بالنزول".
(٣) في (ف): "لأنهم" بدل: "لما أنهم".
(٤) في (أ): "طرفه".
[ ٩ / ١٥١ ]
وقيل: نُزِعَتْ أفئدتُهم مِنَ أجوافِهم (^١)، وارتفعَتْ إلى حلوقِهم. قالَه مقاتلٌ ومجاهدٌ والضَّحاك (^٢).
وقال الحسنُ: أي: خاليةٌ كهواءِ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ (^٣).
وقيل: أفئدتُهم خاليةٌ عن كلِّ سرورٍ وكلِّ خيرٍ لِمَا يعانونَهُ مِن الأهوالِ، ويتوقَّعونه مِن الأحوالِ، كقوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠].
* * *
(٤٤) - ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾: المُعَدُّ للظَّالمين، فيسألونَ الرَّجعة ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾؛ أي: ردَّنا إلى الدُّنيا، وأمهلْنا مدَّةَ عمرِنا الَّذي كانَ لنا في الدُّنيا.
﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾: جوابُ قولِهم: ﴿أَخِّرْنَا﴾، وجُزِمَ لذلك ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾؛ أي: رُسُلَكَ.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾: أضمرَ ها هنا: فيُقالُ لهم -وجاز ذلكَ لدلالةِ الحالِ عليه-: أليس قد كنتم في الدُّنيا تحلفون
_________________
(١) في (أ): "أفواههم".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤١٠)، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٤٧) عن قتادة، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧١٢ - ٧١٣) عن أبي الضحى وقتادة.
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٤٧) دون نسبة.
[ ٩ / ١٥٢ ]
أنَّه ما لكم مِن انتقالٍ عنها إلى دارٍ أخرى، إنَّما هو أنْ تموتوا فتصيروا ترابًا، لا بعثَ لكم، ولا حِسابَ عليكم.
وقيل: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾: ابتداءُ خطابٍ لهم؛ أي: ما لَكم مِنْ زوالٍ عن هذهِ الحالةِ، ورجوعٍ إلى الدُّنيا.
وقد تمَّ الكلامُ الأوَّل بقولِه: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، وهو ما ذَكَرَ مِن قولِهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨].
* * *
(٤٥) - ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: قيل: هو متَّصلٌ بهذا الخطابِ في القيامةِ؛ أي: وسكنْتُم بلادَ مَن كانَ قبلَكُم مِن الأممِ المكذِّبةِ لأنبيائِها.
﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾: أي: صحَّ عندَكُم بظهورِ الآثارِ وتواتُرِ الأخبارِ كيفَ أهلكناهُم، فلم تعتبِروا بهم.
﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾: أي: وصفْنَا لكم العِبَرَ فلم تعتبِروا بهم.
* * *
(٤٦) - ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾.
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾: أي: احتالوا حِيْلَتَهُم.
[ ٩ / ١٥٣ ]
وقيل: ﴿وَسَكَنْتُمْ﴾ خطابُ مشركِي مكَّةَ، وانفصل عن الأوَّل.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا﴾؛ أي: وقد مكرَ بِكَ يا محمَّد أهلُ مكَّة ﴿مَكْرَهُمْ﴾؛ أي: مكرَ أولئِكَ الأمم قبلَهم بأنبيائِهم.
قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾: أي: علمُ ذلكَ عندَ اللَّهِ، وهو محفوظٌ عليهم.
وقيل: وعندَ اللَّهِ جزاءُ مكرِهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾: قرأ الكسائيُّ بفتحِ اللَّام الأُولى، ورفعِ اللَّام الثَّانية (^١)، وله وجهان:
وقدْ كانَ مكرُهُم لَتزولُ منهُ الجبالُ.
وما كانَ مكرُهُم إلَّا تزولُ منه الجبالُ.
وقد مرَّ شرحُه في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، على الطَّرِيقَيْنِ (^٢)، وهو تعظيمٌ لمكرِهم؛ أي: كادَ مِن قوتِه (^٣) وعظمتِه يكون كذلك، وهو كقولِه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠].
ولكنَّه لم ينفذ ولم يضرَّ بالإسلامِ وأهلِه بدفعِ اللَّهِ تعالى، فيكونُ معنى الكلام: وإنْ كانَ مكرُهُم يكونُ بحيثُ تزولُ منه الجبالُ، كما قال: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]؛ أي: كادَتْ، وهكذا عامَّة ما يُطلَقُ مِنَ الألفاظِ في تكثيرِ
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥).
(٢) في (ر) و(ف): "الطرفين".
(٣) في (ر) و(ف): "قدرته".
[ ٩ / ١٥٤ ]
الشَّيءِ وتفخيمِه ممَّا يحيطُ (^١) العلمُ بأنَّ مثلَه لا يكونُ، وإنَّما هو على معنى: كادَ يكونُ لو جازَ كونُه.
وقد قرأ عمرُ وعليٌّ وابنُ مسعودٍ وأبيُّ بنُ كعبٍ ﵃: (وإنْ كاد مكرُهم لِتزولَ منه الجبال) بالدَّال (^٢).
وقرأ عامَّةُ القرَّاءِ: ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ بكسْرِ اللَّام الأولى ونصبِ الثَّانية (^٣)، وهو للنَّفي؛ أي: وما كان مكرُهم مكرًا عظيمًا ينفذُ وتزولُ منه الجبال، وكانوا إذا عظَّموا الشَّيء وصفُوه بمثلِه، قال الشَّاعر:
لَمَّا أتى خبرُ الزُّبيرِ تضعْضَعَتْ سُوْرُ المدينةِ والجِبالُ الخُشَّعُ (^٤)
وقيل: الجبالُ مَثَلُ الإسلامِ وآياتِ القرآنِ في وَثاقِها وثبوتِها، يقول: لم يؤثِّرْ مكرُهم في توهينِ شيءٍ مِن ذلكَ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ ومقاتلٌ في نزولها: إنَّ نمرود بنَ كنعان كانَ أوَّلَ مَن ملَكَ الأرضَ، فحملته نخوته على أنْ قال: إنْ كان ما يقولُه إبراهيمُ حقًّا أنَّ في السَّماوات إلهًا، فلا أستقرُّ حتَّى أعلمَ صِدْقَ ما يقولُه، فاتَّخذَ تابوتًا، وعمدَ إلى أربعةٍ مِنَ النُّسورِ، فعلَّقَ على كلِّ جانبٍ مِنَ التَّابوتِ بنسرٍ منها، وأقعدَ في التَّابوتِ رجلَيْنِ، وجعلَ له بابَيْن مِن أعلى ومِن أسفل، وجعلَ على جوانبِ التَّابوتِ مِن فوقٍ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بما نحيط"، وفي (أ): "مما يحيطه".
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٣)، و"المحتسب" (١/ ٣٦٥). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧٢٠ - ٧٢٣) عن عمر وأنس وابن مسعود.
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥).
(٤) البيت لجرير. انظر: "ديوانه" (٢/ ٩١٣).
[ ٩ / ١٥٥ ]
لحمًا شديدَ الحمرة حِيال النُّسور، ثمَّ خلَّى عنِ النُّسور، فارتفعْنَ طمعًا في اللَّحم، حتَّى أبعدَتْ في الهواء، فقالَ أحدُ الرَّجلَيْن للآخر: افتحِ البابَ الأعلى، فانظرْ هل ازددْنا مِن السَّماءِ قُرْبًا، ففتحَ ونظرَ، وقال: إنَّها كهيئتِها، ثمَّ قالَ افتحِ البابَ الأسفلَ، ففتح فقالَ: انظرْ إلى الأرضِ، كيفَ تراها؟ قال: أراها كاللُّجَّةِ البيضاء، ثمَّ أغلقَ البابَ، وارتفعَتِ النُّسورُ حتَّى حالَتِ الرِّيحُ بينَها وبينَ الطَّيران، فقال لصاحبِه: افتحِ البابَ الأعلى وانظر، ففتحَ وقال: إنَّ السَّماءَ كهيئتِها، ثمَّ فتحَ البابَ الأسفلَ وقالَ: إنَّ الأرضَ سوداءُ مظلمةٌ، فقالَ لصاحبِهِ نكِّسِ اللَّحمَ فنكَّسَهُ على قوائم التَّابوت متدلِّيًّا، فتصوَّبَتِ النُّسورُ طمعًا في اللَّحم حتَّى قربَتْ مِنَ الجبالِ، فسمعَتِ الجبالُ (^١) هفيفَ التَّابوتِ والنُّسور، فظنَّتْ أنْ قدْ حدثَ بها حدثٌ مِنَ السَّماءِ، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (^٢).
* * *
_________________
(١) "فسمعت الجبال" ليس في (أ).
(٢) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ١٢٥)، وانظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤١٢)، وقد رواه عن علي بن أبي طالب ﵁. وكذا رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧١٨) عن علي بن أبي طالب ﵁ ورواه أيضًا عن سعيد ابن جبير ومجاهد، ورواه الطبري أيضًا (١٤/ ٢٠٣) عن السدي. وفي خبر مجاهد أنه بختنصر، وكيف كان فقد رد العلماء هذه القصة، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٤٦): وذلك عندي لا يصح عن علي رضي اللَّه، وفي هذه القصة كلها ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الأنسر كما وصف، وبعيد أن يغرر أحد بنفسه في مثل هذا. وقال الخازن في "تفسيره" (٣/ ٤٥): واستبعد العلماء هذه الحكاية وقالوا: إن الخطر فيه عظيم، ولا يكاد عاقل أن يقدم على مثل هذا الأمر العظيم، وليس فيه خير صحيح يعتمد عليه، ولا مناسبة لهذه الحكاية بتأويل الآية البتة.
[ ٩ / ١٥٦ ]
(٤٧) - ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾: يتَّصل بقولِه: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾.
وهو وعيد للكافرين، ووعدٌ للرُّسل.
يقول: فلا تظنَنَّ يا محمَّد أنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ رسلِهِ ما وعدَهُم مِنَ النَّصرِ والعُلُوِّ في الدُّنيا، والانتقامِ لهم مِن أعدائِهم في العُقَبى (^١).
والإخلافُ: مصدرٌ يطلُبُ فعلُه اسمَيْن، والمتكلِّم في مثله يُضِيفهُ إلى أيِّهما أحبَّ وينصبُ الآخرَ، يقولُ الرَّجلُ: أنا أعطي المالَ زيدًا، ومُعطٍ زيدًا المالَ؛ لأنَّه يقول: أعطيْتُ زيدًا المالَ، وأعطيْتُ المالَ زيدًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: أي: منيعٌ لا يُغالَبُ ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ مِن أعدائِه لأوليائِه.
* * *
(٤٨) - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾: أي: ينتقمُ يومَ تُبدَّلُ الأرضُ.
وقيل: لا يخلِفُ وعدَه رسلَه يومَ تُبدَّلُ الأرضُ.
وقيل: احذروا يومَ تُبدَّلُ الأرضُ.
﴿غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال الحسنُ: هي هذه الأرضُ وهذه السَّماواتُ (^٢).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "في الدنيا والعقبى".
(٢) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٦/ ٤١٤)، والماوردي في "تفسيره" (٣/ ١٤٣).
[ ٩ / ١٥٧ ]
وتبديلُ الأرضِ: تسويةُ جبالِها وأنهارها وآكامِها وأشجارِها، وتُمَدُّ مَدَّ الأديم.
وتبديلُ السَّماءِ: تكويرُ شمسِها، وتناثر نجومِها.
قال (^١): وهذا مِن كلام العرب لشيء تراهُ تغيَّرَ عن حالِهِ: لقدْ بُدِّلَتْ بَعْدِي، وهو هو (^٢) بعينِهِ.
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: هي تلك الأرضُ، وإنَّما تُبدَّلُ أوصافُها، ثمَّ أنشدَ:
فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الَّذيْنَ عَهِدْتُهُمْ ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي كنْتُ أعرِفُ (^٣)
وقال عليٌّ ﵁: تُجْعَلُ الأرضُ مِن فضَّة، والسَّماواتُ مِن ذهبٍ (^٤). وكذا قال الضَّحَّاك.
وقال عكرمة ومحمَّد بن كعب: هي كقرصة النَّقي (^٥).
_________________
(١) كذا في النسخ، ولم يذكر القائل، ولا وقفنا عليه.
(٢) "هو" ليس في (أ).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الأهوال" (٢١٧)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٢٣٨). وانظر البيت أيضًا في: "ديوان المعاني" (ص: ٧٨)، و"جمهرة الأمثال" (١/ ٩٦).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧٣٣ - ٧٣٤).
(٥) روى مسلم في "صحيحه" (٢٧٩٠) عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد". وقرصة النقي: الحُوَّارَى التي نُقِّيَتْ من القِشْرِ والنُّخَالة. وروى الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧٣٥) عن عكرمة: عن محمد بن كعب القرظي، أو عن محمد ابن قيس: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم.
[ ٩ / ١٥٨ ]
وقيل: أرضٌ بيضاءُ نقيَّةٌ، لم يُسفَكْ عليها دمٌ، ولم يُعمَلْ عليها بالمعاصي (^١).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: يحتملُ هذا وجهَيْن: تبديلُ أهلِها، وتبديلُ عينِها.
وإضمارُ الأهل جائزٌ كما في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وتبديلُ أهلِها أنْ يكونوا كلُّهم مستسلمينَ خاضعينَ في ذلك اليوم، ولم يكونوا كذلك.
والثَّاني: أنَّ الأولياءَ يكونون في النَّعيم المقيم، والأعداءَ في العذاب الأليم.
وتبديلُ عينِها بما قلْنَا مِنَ الأرضِ البيضاءِ.
والثَّاني: تغييرُ أوصافِها، وهي على الأحوال، ولأنَّ أرضَ الجنَّةِ مسكٌ وزعفران، وأرضَ جهنَّمَ نارٌ وجمر (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: أي: خرجُوا مِن قبورِهم لمحاسبةِ اللَّهِ الواحدِ الذي لا إلهَ غيرُه، القهَّارِ الذي لا يُعترضُ عليه فيما يريدُه.
* * *
(٤٩) - ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: هؤلاء الظالمين المشركين ﴿يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ﴾: قُرِنَتْ أيدِيْهم بالغُلِّ إلى أعناقِهم.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: قُرِنوا بالشَّياطين في الأغلال والسَّلاسل (^٣).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٤٢٤) عن عمرو بن ميمون، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧٣٠ - ٧٣١) عن ابن مسعود ﵁، وعن عمرو بن ميمون.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٤١٥). والكلام فيه بنحوه.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٢١٥). وروى الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧٤١) عنه قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ يقول: في وثاق.
[ ٩ / ١٥٩ ]
قال عطاءٌ في قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]: قال: قُرِنَتْ نفوسُ المؤمنين بالحورِ العينِ، ونفوسُ الكافرين بالشَّياطين (^١).
وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾: أي: في القيود، والواحدُ صَفَدٌ، وقيل: هو الغُلُّ، وقيل: هو السِّلسلة.
* * *
(٥٠) - ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾: أي: قُمُصُهم، جمع سِرْبال ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ هو ما تُهْنأُ به الإبلُ الجَرْبى؛ أي: يُطْلَوْنَ به، فيصيرُ كاللِّباسِ لهم.
وقرأ عكرمةُ: (مِن قِطرٍ آنٍ) بكسر القاف وتنوين الرَّاء ومدِّ الألف (^٢)، وهما كلمتان؛ أي: مِن نحاسٍ أو صُفْرٍ مذابٍ، و(آنٍ)؛ أي: انتهى حرُّه، كما قال: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].
قوله تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾؛ أي: تُغَطِّيها، لا قطرانَ عليها (^٣)، فتلتهبُ النَّارُ في كلِّ أبدانِهم، والقَطرانُ أقبلُ الأشياءِ للنَّارِ.
* * *
(٥١) - ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: أي: يفعلُ اللَّهُ ذلك بهم لجزائِهم على فعلِهم، لا ظُلْمًا عليهم.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٢٩).
(٢) عزاها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٧٤) إلى ابن عباس وأبي هريرة ﵃ وعكرمة. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٧٤٣ - ٧٤٥) عن عكرمة.
(٣) "لا قطران عليها" ليس في (ف).
[ ٩ / ١٦٠ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: لا يشغلُه فيه تأمُّلٌ وتتبُّع.
* * *
(٥٢) - ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾: أي: هذا القرآنُ كفاية لِلنَّاسِ في كلِّ ما يحتاجونَ إليه، في أمرِ دينِهم ودنياهم ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾: جعلناه بلاغًا ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريكَ له.
﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: وليتَّعظَ به أولو العقولِ الخالصة.
وقال القشيريُّ ﵀: الحُججُ ظاهرة، والإشاراتُ لائحة، والدَّاعي مسمِعٌ، والمهلَةُ متَّسِعة، والرَّسولُ مبلِّغٌ، والتَّمكُّنُ مِن القيامِ بحقِّ التَّكليف مساعِدٌ، ولكنَّ القِسْمةَ سابقةٌ، والتَّوفيقَ عزيزٌ، والرَّبُّ ﷾ فعَّالٌ لِمَا يريدُ، فمَنِ اعتبرَ نجا، ومَنْ غفلَ تردَّى، وللَّهُ الأمرُ مِنْ قبلُ ومِنْ بَعدُ (^١).
والحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٦١).
[ ٩ / ١٦١ ]
سورة الحجر
[ ٩ / ١٦٣ ]