بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ الَّذي أنزلَ الكتابَ على رسولِه لينذرَ به وذكرى للمؤمنين.
﴿الرَّحْمَنِ﴾ الَّذي قصَّ فيه أنباء الأوَّلين تنبيهًا للآخِرين.
﴿الرَّحِيمِ﴾ الَّذي وعد فيه الرَّحمة للمستمِعين له والمنصِتين.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "منْ قرأَ سورةَ الأعرافِ جعلَ اللَّهُ بينَه يومَ القيامةِ وبينَ إبليسَ سترًا، وكانَ له آدمُ ﵇ شفيعًا" (^١).
وهذه السُّورةُ مكيَّةٌ كلُّها عندَ بعضِهم.
وقال عليُّ بنُ الحسينِ بن واقدٍ: هي مكيَّة إلَّا من قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١]، فإنها نزلت بالمدينة (^٢).
وهي مئتان وخمس آيات، وقيل: ستُّ آيات.
_________________
(١) جزء من حديث طويل رواه مفرقًا عند كل سورة منه: الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢١٤)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٣٤٧)، ورواه ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ١٧٣) وقال: مصنوع بلا شكٍّ، وقال السيوطي في "نواهد الأبكار" (٣/ ٤٥٦): رواه الثعلبي عن أبي، وهو موضوع.
(٢) روى نحوه ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٤١٢).
[ ٦ / ٢٧٩ ]
والاختلاف في خمس آيات: ﴿المص﴾، ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ﴿ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩].
وكلماتُها ثلاثةُ آلاف وثلاثُ مئة وتسعَ عشرةَ، وحروفُها أربعةَ عَشَر ألفًا ومئةٌ وأربعة وثلاثون.
* * *
(١) - ﴿المص﴾.
قوله تعالى: ﴿المص﴾ قال قتادة: هي من أسماء القرآن (^١).
وقال الحسنُ: هي اسمُ هذه السُّورة (^٢).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: هي اختصارٌ من كلامٍ فهمَه النَّبيُّ -ﷺ- (^٣).
وقال عليُّ بنُ أبي طلحة: هي قسَم أقسم اللَّه تعالى به (^٤).
وقال عطاءُ بنُ أبي رباح: هي ثناءٌ أثنى اللَّه تعالى بها على نفسه (^٥).
وقال مجاهدٌ: الحروفُ المقطَّعة فواتح السُّور (^٦).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٨٨٣)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٣٧).
(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٢/ ١٩٨)، والواحدي في "البسيط" (٢/ ٢١). وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٥٧) عن الحسن، ولفظه: ﴿الم﴾ و﴿طسم﴾ فواتح يفتتح اللَّه بها السور".
(٣) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٢/ ١٩٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٣) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢١٤).
(٦) في (ف) و(أ): "السورة". وقوله رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٣٧).
[ ٦ / ٢٨٠ ]
وقال السُّدِّي: هي هجاءُ: المصوِّر (^١).
وقال أبو الضُّحى عن ابن عبَّاس ﵄: أنا اللَّه أفصِل (^٢).
وقال سعيد بن جبير: أنا اللَّه أَصْدَقُ (^٣).
وقال أبو رَوْق: أنا اللَّه الصَّادقُ (^٤).
وقال أبو صالح عن ابن عبَّاس ﵄: هو (^٥) من أسماء اللَّه تعالى مقطَّع (^٦).
وقال محمَّد بن كعب: الألف افتتاح اسمه: أحدٌ أوَّلُ وآخِرُ، واللَّام افتتاح اسمه: لطيفٌ، والميم افتتاح اسمه: مجيدٌ مَلِكٌ، والصَّادُ افتتاح اسمه: صمدٌ صادقُ الوعد صانعُ المصنوعات (^٧).
وقيل: ﴿المَصَ﴾ معناه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
وقال الزَّجَّاجُ: أراد بها جميع حروف الهجاء (^٨).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٣٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٢).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢١٤)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٢) بلفظ: "أنا اللَّه أفضل".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢١٤).
(٥) في (ف) و(أ): "اسم".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٨).
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢١٤).
(٨) في (ف) و(أ): "التهجي". وانظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣١٣).
[ ٦ / ٢٨١ ]
(٢) - ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: أي: هذا كتابٌ، كقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]؛ أي: هذه سورةٌ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾: قال الحسنُ: أي: ضِيق (^١)؛ أي: لا يضيق صدرك لتشعُّب الفكر (^٢) بك خوفًا؛ أي: ألَّا تقومَ بحقِّه.
وقال الفرَّاء أي: لا يضيقُ صدرُك بأنْ يكذِّبوك (^٣).
وقال ابن عبَّاس ومجاهدٌ وقتادةُ والسُّدِّي: أي: فلا يكن في صدرك شكٌّ (^٤)؛ أي: لا تشكَّ فيما نلزمك به، فإنما أنزل إليك لتنذرَ به.
وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن.
وقوله تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أُنزل لإنذار الكافرين، ولتذكير المؤمنين.
وإعرابه نصبٌ، وهو كقولك: جئْتُكَ للزِّيارة وشوقًا إليك.
وقال الزَّجَّاجُ: هو رفعٌ؛ أي: هو ذكرى (^٥).
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ١٩٩). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٦٤٢) لكن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
(٢) في (أ): "الفكرة".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٧٠).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٤ - ٥٦) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة والسدي.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣١٥)، وقد أجاز فيه الرفع والنصب والجر.
[ ٦ / ٢٨٢ ]
وقيل: تقديره: إنذارًا وتذكيرًا، ومعناه: أُنزل إليك لتنذرَ الأعداء أنَّه سريع العقاب، وتذكيرًا للأولياء (^١) أنَّه غفور رحيم وهَّاب.
وهو وجهُ انتظامِ أوَّل السُّورة بآخر تلك السُّورة، وأمَّا انتظام السُّورتين: فتلك في محاجَّة المشركين، وهذه فيها مع زيادة التَّبيين.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ﴿المص﴾ يحتمِل أن تكون هذه الحروف المقطَّعة خطابًا خاطبَ اللَّهُ تعالى بها رسلَه يفهمونها ولا يفهمها غيرُهم، على ما يكون للملوك بينهم وبين خواصِّهم إشاراتٌ يفهمونها ولا يفهمها غيرهم، ويكون ذلك بتفهيم اللَّه إيَّاهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، فهي من المتشابه على غيرهم، وليست بمتشابهةٍ عليهم (^٢).
وقال في قوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾: يحتمِل أنه على ألَّا يحمِّل نفسَه ما فيه هلاكه، كما قال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقال في آخر هذه السُّورة: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] (^٣).
وفيه إثباتُ الأمان له من خوفِه من مكرهم وكيدهم.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾: كتابُ الحبيبِ تحفةُ الوقتِ، وشفاءٌ عمَّا يلاقيه من ألم البُعد، وهو لداء الضَّنى
_________________
(١) في (أ): "وتذكير الأولياء"، وفي (ف): "وتذكيرًا لأوليائه".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٤٩).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
[ ٦ / ٢٨٣ ]
مُزيل، ولوشْكِ الشفاء مُنيل (^١)، وعلى حفظ العهد دليل، وهو (^٢) للعليل تبديل.
* * *
(٣) - ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قيل: هو ابتداءُ خطابٍ للمشركين.
وقيل: فيه إضمار: قل يا محمَّد للمشركين: اتَّبعوا ما أنزل إليكم؛ أي: إلى نبيِّكم لنَفْعكم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: أي: أربابًا وهم الأصنام.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في التَّحريم والتَّحليل، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: عظماءَكم، كالأرباب تتَّبعونهم فيما يحلِّلون ويحرِّمون، وهو كقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١]؛ أي: يطيعونهم فيما يأمرون وينهون (^٣).
وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: قرأ (^٤) حمزة والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ خفيفة الذَّال، بحذف التَّاء الثَّانية، وأصله: تتذكَّرون، وقرأ الباقون (^٥) بتشديد الذَّال (^٦)، على إدغام التَّاء في الذَّال.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥١٨)، والعبارة الأخيرة فيه بلفظ: (ولشفاء الشك مقيل).
(٢) "هو" ليس في (أ) و(ف).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٥٧).
(٤) في (ف): "بإدغام التاء الثانية وأصله تتذكرون وقرأ".
(٥) "يذكرون خفيفة الذال بحذف التاء الثانية وأصله تتذكرون وقرأ الباقون" من (أ).
(٦) وقرأ ابن عامر: (يتذكرون) بياء وتاء. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٢٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨، ١٠٩).
[ ٦ / ٢٨٤ ]
ومعناه: قليلًا ما يتَّعظون بتذكير هذا الكتاب؛ أي: قليلٌ مَن يؤمنُ منكم.
وقيل: أي: يتَّعظون بقليلٍ من القرآن، وهو بأخذ بعض ما ذكر فيه من مكارم الأخلاق دون التَّوحيد والشَّرائع.
وقيل: أي: لا يتذكَّرون به أصلًا، وهو إلطافٌ في الكلام بنفي الشَّيء كلِّه بذكر قليل منه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: استسلِموا لمطالبات التَّقدير، فقِفوا حيث ما (^١) وقفتم، وتحقَّقوا بما عرفتم، وطالعوا ما به كُوشفتم، ولا تلاحظوا غيرًا، ولا تركَنوا إلى علَّةٍ، ولا تظنُّوا أنَّ لكم من دونه وسيلةً (^٢).
* * *
(٤) - ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾.
وقوله تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ وهذا من الإنذار والتَّذْكار بما نزل بالماضين من الكفَّار، ومعناه: وكم من أهل قرية، أُضمر الأهلُ فيه، كما في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ويدلُّ عليه آخرُ هذه الآية: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾، وهذه (^٣) صفة الأهل.
وقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾: أي: عذابنا المهلِكُ.
وطعن بعضُ الملحدين على هذا، وقالوا: الفاء للتَّعقيب، وكيف يجيء العذاب بعد تمام الإهلاك؟
_________________
(١) "ما" ليست في (ف).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥١٩).
(٣) في (ف) و(أ): "وهذا".
[ ٦ / ٢٨٥ ]
وعنه جوابات:
منها: أهلكناها بخذلاننا إيَّاها في المعاصي، فجاءها (^١) بأسُنا عقوبةً على المعصية، والمعصيةُ هَلَكةٌ، وقال الأعرابيُّ: هلكْتُ وأهلكْتُ.
وقيل: أي: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ تقديرًا، ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ تحقيقًا.
وقيل: أهلكنا بتوجيه العذاب إليها، فجاءها بأسنا.
وقيل: الأوَّل تقريبٌ، والثَّاني تنفيذٌ.
وقوله: ﴿بَيَاتًا﴾؛ أي: في حال بيتوتتهم باللَّيل.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾: أي: حال قيلولتهم بالنَّهار. وهما حالتا غفلةٍ.
وقال الأزهريُّ: البيتوتةُ: الاستراحةُ باللَّيل، والقيلولةُ: الاستراحةُ بالنَّهار نصفَ النَّهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والجنَّةُ لا نومَ فيها (^٢).
وإنَّما قال: ﴿أَوْ هُمْ﴾، ولم يقل: (وهم)؛ لأنَّ بعضهم أُهلكَ في وقتٍ، وبعضهم في وقتٍ، ولا يصحُّ الاجتماع في حقِّ قومٍ، وهو كقولنا (^٣): قاتلناهم فما نرى إلَّا قتيلًا أو جريحًا.
أخبر أنَّ عذاب الأوَّلين أصابهم غافلين (^٤)، وهو تنبيهٌ للآخِرين.
* * *
_________________
(١) في (ف): "فجاء".
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٩/ ٢٣٣).
(٣) في (أ): "كقولك".
(٤) "غافلين" من (أ)، وفي (ف): "وهم غافلين".
[ ٦ / ٢٨٦ ]
(٥) - ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: قال الكلبيُّ: أي: دعاؤهم؛ يعني: لَمَّا جاءهم أوائل العذاب اعترفوا على أنفسهم بالشِّرك والظُّلم، ولم ينفعهم ذلك، كما قال فرعون لمَّا أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، فقد قيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].
وقيل: ﴿دَعْوَاهُمْ﴾: دعاؤهم (^١) على أنفسهم بالويل، كما قال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١]، إلى أن قال: ﴿يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤ - ١٥].
وقيل: هو الدُّعاء بالخلاص، لكن ضاق الوقت فالتجؤوا (^٢) إلى الاعتراف، فقام مقام الدُّعاء.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ ركنوا إلى الغفلة، واغترُّوا بطول المهلة، فباتوا في خفض الدَّعَة، وأصبحوا في ظلِّ (^٣) السَّعة، فصادفَتْهم البلايا بَغتة، وأدركتهم القضايا فجأة، فلا البلاء كُشف عنهم، ولا الدُّعاء سُمع منهم، ولا فِرارٌ نفعَهم، ولا صريخٌ منعَهم، حتى بادوا فلا عين ولا (^٤) أثر، ولا ذكر ولا خبر؛ تلك ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، وإذا أنزلَ بأسه بالآخِرين، فلا يملكون كشفَ الضُّرِّ عنهم ولا تحويلًا (^٥).
_________________
(١) "دعاؤهم" ليس في (ف).
(٢) في (ف): "بالتجاوز".
(٣) في (أ): "حال".
(٤) "عين ولا" ليس في (أ).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥١٩)، وفيه: (بادوا وكأنه لا عين ولا أثر، ولا لأحد منهم =
[ ٦ / ٢٨٧ ]
(٦) - ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾: قال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: فلنسألنَّ الأممَ سؤالَ تعنيفٍ وتعذيب، ولنسألنَّ الأنبياءَ سؤالَ تشريفٍ وتقريب، فلنسألنَّ هؤلاء عن القَبول فيتقنَّعون (^١) بذلِّ الخجلِ، ولنسألنَّ هؤلاء عن البلاغ فيتكلَّمون بلسان الهيبة والوجل (^٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: نسألُ الناس جميعًا عما أجابوا المرسَلين، ونسأل المرسَلين عمَّا بلَّغوا (^٣).
وقال الضَّحَّاك: يعني: الأممَ الذين أتاهم (^٤) الرُّسل: هل بلَّغكم الرسل ما أُرسلوا به إليكم؟ ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني: الأنبياءَ: هل بلَّغتُم قومكم ما أُرسلتُم به؟ وماذا أجابكم قومُكم (^٥).
وقال فرقدٌ السَّبَخيُّ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾: هم الأنبياء ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾: هم (^٦) الملائكة (^٧).
* * *
_________________
(١) = خبر، تلك سنّة اللَّه في الذين خلوا من الكافرين، وعادته في الماضين من الماردين).
(٢) في (ف): "فينتقعون".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢٠).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٤).
(٥) في (ف): "أتتهم".
(٦) في (أ): "وماذا أجابهم قومهم". والخبر ذكره الواحدي في "الوسيط" (٢/ ٣٤٩).
(٧) "هم" ليس في (أ).
(٨) رواه عبد بن حميد في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٣/ ٤١٤)، و"فتح القدير" (٢/ ١٨٩).
[ ٦ / ٢٨٨ ]
(٧) - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾: أخبر أن مسألتَه إياهم ليست بمسألةِ استخبارٍ ولا (^١) استعلام، إنما هي مسألةُ تقريعٍ وتقريرِ إجرام، بأنْ يقولَ لهم: ألم أفعل بكم كذا؛ كما قال:، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠].
وفي الخبر: يقول اللَّه لهم: "ألم أجعلْ لك سمعًا وبصرًا، ألم أجعلْ لك مالًا وولدًا" (^٢)، وهذا اقتصاصُ ما كان منه ﷻ إليهم، يقول: فلنُخبرنَّهم بما كان منهم بعلمٍ منَّا بجميعهم (^٣)، إذلم نكن عنها غائبين فتخفى علينا، بل كنَّا شاهدِين ذلك كلَّه.
وقوله: ﴿بِعِلْمٍ﴾ فيه إثبات العلم للَّه تعالى، وهو حجتُنا على المعتزلة النُّفاةِ للصفات.
وما ذكر في بعض الآيات من نفي السؤال؛ من قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، وقولِه: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، وأثبتَها في هذه الآية، وفي قوله جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، فلا تناقُضَ بينهما، بل في القيامة مقاماتٌ؛ في بعضها لا يُسألون وفي بعضها يُسألون، ولأنهم لا يُسألون سؤالَ استعلام ويُسألون سؤالَ توبيخٍ، ولأنهم لا يُسألون: ما فعلتُم؟ ويسألون: لمَ فعلتُم؟ وبأي نيةٍ فعلتُم؟ ولأنهم يُسألون في موضع الحساب، ثم ينقطعُ بعد ذلك فلا يُسألون بعد وقوعهم في العقاب (^٤).
_________________
(١) "لا" من (ف).
(٢) رواه البخاري (٣٥٩٥)، والترمذي (٢٩٥٣) واللفظ له، من حديث عدي بن حاتم ﵁.
(٣) "بجميعهم" ليس في (ف).
(٤) في (ر): "العذاب".
[ ٦ / ٢٨٩ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀ بعد ما ذَكر بعض هذه المقالات: لا يسألُ عمَّا أُظهر وأُبديَ لأن الملائكة قد كتبوا ذلك وثَبت عليهم، ولكنْ يسألُ عمَّا أُسرَّ وأُخفيَ ليَثبت عليهم بإقرارهم.
وقال في قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ يحتمِل أنه سؤالٌ عما أجابوا ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عما أُجيبوا؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ويحتمل أن يكون سؤالُ الرسل سؤالَ الشهادة عليهم (^١).
* * *
(٨) - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾: ذكر بعد السؤال وزنَ الأعمال، و﴿الوزنُ﴾ مبتدأ، و﴿الْحَقُّ﴾ خبره؛ أي: هو الحقُّ الكائن المتحقِّق.
وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ نعتُ الوزنِ، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفه وفيه خبرُه؛ أي: الوزن العدلُ يكون يومئذ.
وقال الحسن: ميزان الآخرةِ لها كفَّتانِ، وإن الحسناتِ والسيئاتِ توضعان في كفَّة الميزان (^٢).
وكذا قال ابن عبَّاس ﵄، قال: فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان وهو الحق، فتثقل حسناته على سيئاته فينجو به، وأمَّا
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٦٠).
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٠١).
[ ٦ / ٢٩٠ ]
الكافر فيؤتى بعمله في أقبح صورةٍ، فيوضع في كفَّة الميزان، فيخِفُّ وزنه فيقعُ به (^١) في النار (^٢).
وقال عبد اللَّه بن عمرو ﵄: توضع صحائف الأعمال في الميزان فتوزَن (^٣).
وقال عُبيد بن عُمير: يوزن الأشخاص، فيؤتَى بالرجل الطويل العظيم الأكول الشروب يوم القيامة فلا يَزِن جناح بعوضة، ثم قرأ ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (^٤).
وقال مجاهد: الوزن في الآخرة (^٥) العدل (^٦).
وفى صفه الميزان أحاديث (^٧)،. . . . . . . .
_________________
(١) "به" ليس في (ف).
(٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٨٢) من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢١٦)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٣٥٠). ومحمد ابن مروان هو السدي الصغير وهو كذاب، والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٧١)، وروي عنه أيضًا حديث البطاقة الذي سيأتي تخريجه قريبًا.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٤٠).
(٥) في (ر): "القيامة".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٨ و٧١)، وا بن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ٤٤٠). وذكره الثعلبي في "تفسيره" بلفظ: (والقضاء يومئذ العدل). وروى عنه الطبري في قوله تعالى بعد هذا: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ قَالَ: حَسَنَاتُهُ. وانظر التعليق الآتي.
(٧) منها حديث البطاقة الذي رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٢١٣)، والترمذي (٢٦٣٩) وحسنه، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والحاكم في "المستدرك" (٩) و(١٩٣٧) وصحَّحَه، من حديثِ عبد اللَّه بنِ عمرو ﵄ قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّ اللَّهَ سيخلِّصُ رجلًا من أُمتي على رؤوس الخلائق يومَ القيامة فيَنْشُرُ عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا كلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البصر، ثُم يقول: أَتُنْكِرُ مِن =
[ ٦ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هذا شيئًا؛ أَظَلمكَ كَتبَتِي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أَفَلَك عذرٌ؟ قال: لا يا رب، فيقولُ: بَلَى، إنَّ لكَ عندنا حَسَنةً وإنَّه لا ظُلْمَ عليكَ اليومَ، فتُخْرَجُ بطاقةٌ فيها: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، فيقولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ. فيقولُ: يا ربِّ ما هذه البطاقةُ مع هذه السِّجِلَّاتِ؟ فيقولُ: إنَّك لا تُظْلَمُ، قال: فتُوضَعُ السجلَّاتُ في كِفَّةٍ والبطاقةُ في كِفَّةٍ، فطاشتِ السجلَّاتُ وثَقُلتِ البطاقةُ فلا يَثْقُلُ مع اسمِ اللَّه شيء". وقد اختلف العلماء في الميزان على قولين: الأول: ما روي عن مجاهد: أن قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، معناه: العدل، وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ معناه: فمن كثرت حسناته، وذكره الرازي عن بعض السلف وعن كثير من المتأخرين، فقال: وهو قولُ مجاهدٍ والضَّحاكِ والأعمش: أنَّ المراد من الميزان: العدلُ والقضاءُ، وكثيرٌ من المتأخِّرِين ذهبوا إلى هذا القول، وقالوا: حملُ لفظ الوزنِ على هذا المعنى سائغٌ في اللُّغة، والدَّليلُ عليه، فوجبَ المصيرُ إِليه. انظر: "تفسير الرازي" (١٤/ ٢٠٢). وأما أصحاب القول الثاني فقالوا: معنى ذلك: فمن ثقلت موازينه التي توزن بها حسناته وسيئاته. قالوا: وذلك هو الميزان الذي يعرفه الناس، له لسان وكفتان يُوزَن به أعمالُ العبادِ خيرُها وشرُّها. وقد تقدم هذا عن الحسن وابن عباس وعمرو بن دينار وغيرهم، وهو قول عامة المفسرين كما قال الرازي، وهو الذي صوبه الطبري فقال: والصواب من القول في ذلك عندي، القول الذي ذكرناه عن عمرو بن دينار، من أن ذلك هو الميزان المعروف الذي يوزن به، وأن اللَّه جل ثناؤه يزن أعمال خلقه الحسنات منها والسيئات. وقال مكي: قال مجاهد: ليس ثَمَّ ميزان، وإنما هو مَثَل ضُرِبَ. وأكثر الناس على أن ثَمَّ ميزانًا توزن به أعمال العباد كيف شاء اللَّه وعلى ما شاء، نقول كما قال، ونوجب ما أَوْجَب، ونؤمن بما في كتاب اللَّه، ولا نتقدم بين يدي اللَّه، ولا نعترض، ولا نكيِّف ما لا علم عندنا منه، ولا نَحُدُّه. انظر: "الهداية" (١٢/ ٨٤١٢). وقال البيضاوي: والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان وكفتان، ينظر إليه الخلائق إظهارًا للمعدلة وقطعًا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وتشهد بها جوارحهم. ثم أيد ذلك بحديث البطاقة. انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٦). =
[ ٦ / ٢٩٢ ]
والإقرارُ بالوزن يومَ القيامة من شرائط السنَّة والجماعةِ، واللَّه تعالى أعلمُ بكيفيته.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: إنما جُمع لأن الأعمال كثيرةٌ، فيَحتمل أنه يوزن (^١) كلُّ جنسٍ ويكون ذلك موزونًا بميزانٍ، ثم يوزن جنسٌ آخر، فتحصل موزوناتٌ كثيرة، فلذلك جمعها.
وقيل: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ معناه (^٢): فالذين ثقلت موازينُهم، و(مَن) للجنس
_________________
(١) = وقال الزجاج: اختلف الناس في ذكر الميزان في القيامة، وجاء في بعض التفسير أنه ميزان له كِفَّتَان، وأن الميزانَ أُنزلَ إِلى الدنيا ليتعامل الناس بالعدل وتوزن به الأعمال، وقال بعضهم: الميزانُ العدلُ. . . وقال بعضهم: الميزانُ الكتابُ الذي فيه أعمال الخلق، وهذا كله في باب اللغة والاحتجاج سائغ، إِلا أن الأوْلَى مِن هذا أن يُتّبَع ما جاء بالأسانيد الصحاح، فإن جاء في الخبر أنه ميزان له كِفَّتان -من حيث يَنقُلُ أهلُ الثقة- فينبغي أن يُقْبَلَ ذلك، وقد روي عن جرير [ولعل الصواب: جويبر] عن الضحاك أن الميزانَ العدلُ، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك، إلا أن جملة أعمال العبادِ موزونةٌ على غاية العدل والحق، وهو قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. انظر: "معاني القرآن للزجاج" (٢/ ٣١٩). قلت: وقول الجمهور من أن المراد حقيقة الوزن والميزان هو الأرجح؛ للحديث، ولعدم الضرورة التي تدعو إلى صرف الكلام عن ظاهره، ولأن هذا لو جاز لفتح بابًا للتأويل لا ينتهي كما أشار القشيري فيما نقله عنه القرطبي حيث قال: إِذْ لو حُمِلَ الميزانُ على هذا فليحمل الصراط على الدِّين الحقِّ، والجنةُ والنارُ على ما يَرِدُ على الأرواحِ دونَ الأجسادِ، والشَّياطينُ والجنُّ على الأخلاقِ المذمومةِ، والملائكةُ على القُوى المحمودة. وقد أَجمعت الأُمةُ في الصدرِ الأولِ على الأخذِ بهذه الظواهِر من غيرِ تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وَجَب الأخذُ بالطاهر، وصارت هذه الظواهرُ نصوصًا. انظر: "تفسير القرطبي" (٩/ ١٥٦).
(٢) في (ف): "يزن".
(٣) في (ر): "فيحتمل معناه".
[ ٦ / ٢٩٣ ]
فصلَح (^١) للجمع، ودليلُه أنه قال في خبره: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فالمضاف إلى الجمع كان جمعًا.
وقيل: معنى الجمع: إرادةُ الواحد من الجمع، كما يقال: فلانٌ خرج إلى مكة على الجِمال، وإن كان هو على جملٍ واحد، وخرج إلى البصرة في السفن، وإن كان في سفينة واحدة.
قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي: الفائزون بما أَمَّلوا، والآمنون مما خافوا.
وقيل: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾؛ أي: الجزاء بالأعمال فيه بالاستحقاق؛ أي: على العدل، وعلى وِفاق الوعد والوعيد على الأعمال، وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾؛ أي: رجحت طاعاته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ﴾ الناجُون المُنْجِحون.
* * *
(٩) - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: هم الكفار لا إيمان لهم يُعتبَر معه عملُ خيرٍ (^٢)، فلا يكون في ميزانهم خيرٌ فتَخِفَّ موازينُهم، و(مَن) في هذا للجمع أيضًا بدليل خبره.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: غَبَنوا، يعني (^٣): أهلكوها وباعوها بعَرَضٍ من الدنيا يسيرٍ، ووقعوا بذلك في عذابٍ مقيم.
_________________
(١) في (أ): "يصلح".
(٢) في (ف): "غيره".
(٣) في (ر): "أي".
[ ٦ / ٢٩٤ ]
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾: أي: بالكتاب والرسولِ يكفرون، والظلم اسم للكفر؛ قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولذلك عدَّاه بالباء بقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ -وإن كان لا يقال: ظلَمَ به- لأنه قام مقام لفظة الكفر.
وقيل: الآيات: الحجج، والظلم بها: وضعُها غيرَ موضعها؛ أي: جحودُها (^١) وتركُ الانقياد لها.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ توزن أعمالهم بميزان الإخلاص، وأحوالُهم بميزان الصدق، فمَن كانت أعماله بالرياء مصحوبةً لم تُقبل أعماله، ومن كانت أحواله بالإعجاب مَشُوبةً لم تُرفع أحواله (^٢).
* * *
(١٠) - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: جعلنا لكم في الأرض أمكنةً (^٣) تستقرُّون عليها وفيها (^٤)، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤].
وقيل: أي: مكَّنَّاكم يا أمةَ محمد، وهو بيانُ الإنعام عليهم.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: أي: هيَّأنا لكم أسبابَ العيش، جمعُ معيشةٍ من المكاسب.
_________________
(١) في (ف): "جحدها".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢٠ - ٥٢١).
(٣) في (ف): "لكم الأرض مكنة".
(٤) "وفيها" ليس في (ف).
[ ٦ / ٢٩٥ ]
وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: أي: قد لزمكم الشكرُ بذلك ولا تشكرون.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يُقِرُّون بأنَّ اللَّه ﷻ خالقُهم ورازقُهم ويعبدون غيره.
وقيل: يَشكر المؤمنون دون الكفار، وهم قليلٌ في جنب الكفار.
وقيل: ليس في وُسعهم القيام بشكر جميع نِعمه لكثرتها، فما وُجد منهم من الشكر وإنْ كثر فهو قليل (^١).
و﴿مَعَايِشَ﴾ لا يهمز لأن الياء فيه أصليَّة لم تَعْرِضْ فيها علةٌ كما عَرَضت في: مدائنَ؛ لأن الياء فيها (^٢) زائدة.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ لاستعمالكم في الخلاف أبدانَكم، ولإنفاقكم في الإسراف أموالَكم، ولاستغراقكم (^٣) في الحظوظ أوقاتَكم، فلا نعمة الفراغ شكرتُم، ولا مِن مسِّ العقوبة شكَوْتم، خسرتُم وما شعرتم (^٤).
* * *
(١١) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: قال الحسن: ولقد خلقنا أباكم آدم؛ أي: أوجدناه ثم صوَّرناه (^٥).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٦٧).
(٢) أي: في مدائن.
(٣) في (أ) و(ر): "ولاستفراغكم".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢١).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٦٧).
[ ٦ / ٢٩٦ ]
والصورة: البِنْيةُ المخصوصة على هيئةٍ ظاهرة، وهي أحسنُ الصور، فإن الإنسان خُلق في أحسن تقويم.
﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ والخطاب للأولاد بإنعامٍ كان على أبيهم، وهو كمخاطبات بني (^١) إسرائيل بما كان من أسلافهم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣].
وقال الزَّجَّاج ﵀: أي: ابتدأنا خَلْقَكم بآدم (^٢).
وقال ابن عبَّاس ومجاهد والربيعُ وقتادةُ والضحاكُ والسُّدِّيُّ ﵏: ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صوَّرناكم في ظهره (^٣)، ثم نخبرُكم أنَّا قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم.
وقيل: معناه: ولقد قدَّرنا وجودَكم فأَوْجَدْناكم نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظامًا، ثم كسونا العظام لحمًا، إلى أنْ أكملنا هذه الصورة التي هي في نهايةِ الحُسن، ثم نخبركم أن إكرامنا سبقَ في حقِّ أبيكم آدمَ بإسجاد الملائكة له، و﴿ثُمَّ﴾ على هذا تكون لترتيب الإخبار لا لترتيب الوجود، كما في قول الشاعر:
إن مَن ساد ثم ساد أبوه ثم قد سادَ بعد ذلك جدُّه (^٤)
وقال ابن عبَّاس ﵄ في حديث خَلْق آدم ﵇: ونَفَخ فيه الروحَ
_________________
(١) في (أ): "وهو كالمخاطبات لبني".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٢١).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٧٥ - ٧٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٤٢).
(٤) البيت لأبي نواس من قصيدة مدح إبراهيم بن عبيد اللَّه الحجبي. انظر: "ديوانه" (ص: ١٥٤)، و"الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي (ص: ٣٦)، و"الهداية" لمكي بن أبي طالب (٣/ ١٩٥٩)، وروايته في هذه المصادر: (قل لمن ساد. . .). وتقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
[ ٦ / ٢٩٧ ]
من يافوخه، فلما أتى على عينيه أَبصر ولا يَعقِل، فلما أتى على قلبه عقَل ولمَّا يأت (^١) على أسفله، فتحرك فرأى الجنة فعرف إنْ هو قام دخلها، فتحرك فوقع لأن بعضَه لحمٌ وبعضَه دمٌ وبعضَه طينٌ، فقال اللَّه تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾: فسرناه في سورة البقرة.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: ثم إنَّا نعرِّفُكم سابق أيادينا إلى أبيكم، ثم لاحقَ خلافه بما بقي عرقٌ (^٣) منه فيكم، ثم ما عامَلْنا به مَن كان يحسدكم ويعاديكم (^٤).
* * *
(١٢) - ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾: أي: ما منعك مِن أنْ تسجدَ، و﴿لَا﴾ صلة مؤكِّدة.
وقال الفرَّاء: لمَّا تقدَّم الجحد في أولى الكلام أكّد بـ ﴿لَا﴾ (^٥)، كما قال أبو النَّجم:
_________________
(١) في (ف): "ولما أتى"، وفي (أ) و(ر): "ولم يأت"، والصواب المثبت.
(٢) رواه ابن المنذر في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦٣٠) عن ابن جريج، ووقع في النسخ: "وخلق الإنسان عجولًا".
(٣) في (ف) و(أ): "عرف"، وفي (ر): "حرف"، والمثبت من "اللطائف".
(٤) في (ف) و(أ): "ويناديكم"، وفي (ر): "قرينًا بكم أي يساويكم"، والمثبت من "اللطائف". انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢١).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٧٤).
[ ٦ / ٢٩٨ ]
فما أَلومُ البِيضَ أنْ لا تَسْخَرا إذا رأَيْنَ الشَّمط القَفَنْدرا (^١)
وقيل: إن في المنع طرفًا من القول فكأنه قال: مَن قال لك: لا تسجد؟ وعلى هذا معنى هذا البيت؛ لأن اللوم قولٌ.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾: أي: النار لها علوٌّ والطينُ له هبوطٌ، فلي عليه العلوُّ.
تَوهَّم عدوُّ اللَّه أن الجواهر تتفاضلُ بأعيانها، ولم يعلم أن اللَّه تعالى هو الذي يفضِّل ما يشاء بما يشاء، فهو المالك والملك، وله الخلقُ والأمر، ولذلك قال ابن عبَّاس ﵄: أوَّلُ مَن قاس إبليس (^٢)، وكفَر بقياسه، وذلك أنه أخطأ حيث فضَّل النارَ على الطين، والطينُ أفضل منها بوجوه:
منها: أن الطين جامعٌ للأشياء والنارَ مفرِّقةٌ لها.
ومنها: أن التراب يكون في الجنة، فقد روي أن ترابها مسكٌ أَذْفَرُ (^٣)، وليس في الجنة نار.
ومنها: أن النار يعذَّب بها أعداء اللَّه تعالى ولا تعذيبَ بالتراب.
ومنها: أن النار لا بد لها من مكانٍ، ومكانُها التراب، والتراب لا حاجةَ له إلى النار.
_________________
(١) انظر: "ديوان أبي النجم" (١٧٩)، و"تفسير الطبري" (١/ ١٩١).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢١٩)، و"الوسيط" للواحدي (٢/ ٣٥٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢١٧). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٨٧) عن الحسن وابن سيرين.
(٣) رواه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣)، من حديث أبي ذر ﵁ بلفظ: "ترابها المسك". وروى البخاري (٦٥٨١) من حديث أنس ﵁ عن النبِيِّ -ﷺ- قال: "بَيْنَما أنا أسيرُ في الجنة، إذا أنا بنَهَرٍ حافَتاهُ قِبَابُ الدُّرِّ المجوَّف، قلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاكَ ربُّك، فإذا طِينُهُ -أو طِيبُه- مسكٌ أَذْفَرُ" شكَّ هُدْبةُ.
[ ٦ / ٢٩٩ ]
ومنها: أن النار تتعالى وهو تكبُّرٌ والتراب يتسفَّل، وهو تواضعٌ.
ومنها: أن من صفة النار الطيشَ والخفَّةَ، ومن صفة التراب السُّكونَ والرزانةَ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن جُعلت النار لصلاح الأغذية فالطينُ (^١) جعل لوجود الأغذية، والصلاح قد يقع بغير النار من الشمس وغيرها، والطينُ يقوم للنار ويطفئها ويتلفها، والنار لا تقوم للطين ولا تُتْلفه (^٢).
وقال غيره: الطين مؤتَمَن حافظ، والنار محرِقة غيرُ حافظةٍ، والطين يزيدُ والنار تَنقُص، والطين يُربِّي والنار تُفني.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾: قال مقاتل: أي: من الجنة (^٣).
وقيل: أي: من السماء؛ لأنَّه كان فيها.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾: والسماءُ مكانُ المتواضِعين.
وقيل: ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض إلى جزائر البحور، والأرض مقرُّ بني آدم، والجزائر ليست بموضعِ قرارٍ، قوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض على بني آدم، بل تكون في الجزائر على خوفٍ وذلٍّ، ولا تدخل في مساكن الإنسِ إلا كالمتلصِّص.
وقوله تعالى: ﴿فَاخْرُجْ﴾: قال أبو رَوق: أي: مِن صورتك التي أنت فيها (^٤).
وقال عطاء: أي: من صورة الملائكة إلى صورة الأبالسة، وكان في صورةٍ
_________________
(١) في (ف): "فالتراب".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٦٩).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٠).
(٤) انظر: "تفسير القرطبي" (٩/ ١٦٩).
[ ٦ / ٣٠٠ ]
حسنةٍ فتحوَّل من صورته، فصار ذقنُه مما يلي جبينَه، وجبينُه مما يلي ذقنَه، ومنخراه مما يلي عينيه، وجفونُ عينيه شقُّهما مما يلي رأسَه، وتحولت أصابعُه مما يلي زنديه، وأصابع رجليه مما يلي عقبيه، وصار شعره نابتًا في رأسه منكوسًا كأنه أجمة له (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: أي: من الأذلَّاء، وهذه المخاطبات لم تكن من اللَّه له بغيرِ واسطة، فإنه لا يستحق ذلك، بل كان على لسان ملَك أو ما شاء اللَّه ﷿.
* * *
(١٤) - ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: أَمْهِلْني إلى يوم القيامة، أراد الخبيث أن لا يذوقَ الموت، فلم يُعطه اللَّه ذلك لكنْ أمهَله إلى آخر الدنيا، وذلك قوله تعالى:
* * *
(١٥) - ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: وقال في آية أخرى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] ولم يعيِّنْه له وأبهَمَه.
وقال السُّدِّي: أُنْظِر إلى النفخة الأولى (^٢).
وقيل: معناه: أخِّر عقوبتي إلى يوم القيامة، لمَّا خاف تعجيلَ العقوبة، فأُنظر بها،
_________________
(١) بعدها في (أ): (له)، وليست في المصدر. والخبر ذكره ابن عساكر في "تاريخه" (٦٩/ ١٠٦) عن عطاء دون سند. وفيه: وصار شعره ناتئا في رأسه منكوشًا كأنه أجمة).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٩٠).
[ ٦ / ٣٠١ ]
أشار بذلك إلى أنه سأل الإنظار فأُجيب إليه، فلو سألى التوبة والمغفرة (^١) بالتوبة لم يُردَّ.
وقال الإمام القشيري ﵀: أجاب دعاءَه في الحال، ولكن كان ذلك شرًّا له، لأنه مكَّنه من مخالفة أمره إلى يوم القيامة، فلم يَزْدَدْ بذلك التمكينِ إلا شقاوةً على شقاوةٍ؛ ليَعلم الكافةُ أنه ليس كلُّ الإجابة للدعوة نعمةً ولطفًا، بل قد تكون بلاءً ومكرًا (^٢).
* * *
(١٦) - ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: أي (^٣): بسبب ما أغوَيْتَني.
وقيل: الباء بمعنى اللام؛ أي: لإغوائك إياي.
وقيل: الباء للقسَم؛ أي: أُقسم بإغوائك إياي، كما أَقسم بقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢].
و﴿أَغْوَيْتَنِي﴾: أضلَلْتني.
وقيل: أفسَدْتَني، كما قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؛ أي: فسد عيشُه.
وقيل: أي: خيَّبتني، قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]؛ أي: فما خاب، وقال الشاعر:
فمَن يَلْقَ خيرًا يَحمَدِ الناسُ أمرَه ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغيِّ لائما (^٤)
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فلو سأل المغفرة".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢٢).
(٣) في (ف): "وقيل أي".
(٤) البيت للمرقش الأصغر. انظر: "المفضليات" (ص: ٢٤٧).
[ ٦ / ٣٠٢ ]
أي: ومَن يَخِبْ، لمَّا رأى غوايةَ نفسه جهد في إغواء غيره؛ كما قال: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩].
وقوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: أي: في صراطك، أو: على صراطك، وهو جارٍ مجرى الظروف فجاز حذفُ الصلة فيه، وهو مجازٌ عن التعرُّض لهم للمنع، فإنَّ مَن قعد على الطريق منَعَ المارَّة عن المرورِ فيه.
وقال عكرمةُ: معناه: لأصدَّنَّهم عن دِينك دينِ (^١) الإسلام (^٢)، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف: ٣٧]؛ أي: عن الإسلام.
وقال ابن مسعود ﵁: هو كتاب اللَّه تعالى (^٣).
* * *
(١٧) - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾:
ذكَر (مِن) في جهتين، و(عن) في جهتين؛ لأن في قدَّام وخَلْف معنى طلبِ النهاية، وفي اليمين والشمال الانحرافَ عن الجهة.
وقال مجاهدٌ: لآتينَّهم من حيث يُبصِرون ومن حيث لا يُبصِرون (^٤).
وقيل: أي: من كلِّ جهةٍ يمكنُ الاحتيالُ عليهم بها، ولم يقل: من فوقهم؛
_________________
(١) "دين" من (ف).
(٢) لم أجده عن عكرمة، وقاله مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٣١).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٥١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٠٠).
[ ٦ / ٣٠٣ ]
لأن رحمة اللَّه تنزل عليهم من فوقهم، قاله ابن عبَّاس ﵄ (^١).
وكذا قال قتادة: لا يستطيعُ أن يحولَ بينك وبين رحمةِ ربِّك (^٢).
ولم يقل: من تحتهم؛ لأنَّه موضع سجودهم، وفيه وعدُ القُربة من اللَّه تعالى.
وقال ابن عبَّاس ﵄ وقتادةُ والحسن وإبراهيم والسُّدِّي والحكَم وابن جريج: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فأخبرُهم أنه لا بعثَ ولا جنةَ ولا نار، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من أمرِ الدنيا فأزيِّنها لهم وأدعوهم إليها وأخوِّفهم الفقر على أنفسهم وعلى مَن يَخْلُفهم مِن بعدهم، فلا يَصِلون رَحِمًا ولا يؤدُّون زكاةً ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من قِبَل حسناتهم فأثبِّطهم عنها ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: فأزِّينُ لهم السيئات وآمرُهم بها (^٣).
وروى حيان عن الكلبيِّ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا أُطغيهم فيها ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: الآخرة أشكِّكهم فيها فيكذِّبوا بها ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من قِبَل حسناتهم حتى يُعجَبوا بها ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾؛ أي: شهواتهم.
وفي روايةٍ عنه: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من قِبَل الدِّين ألبِّس عليهم.
وقال شقيق بن إبراهيم (^٤): ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعةِ مراصدَ:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٠١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٩٧).
(٣) رواه عنهم -عدا الحسن- الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٩٦ - ٩٩)، لكن إبراهيم والسُّدِّي والحكم وابن جريج قولهم في تفسير ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ على العكس مما ذكر، وأن المعنى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن قِبَلِ دنياهم ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ آخِرتهم. وكذا جاء في رواية ثانية عن ابن عباس.
(٤) شَقيق بن إبراهيم أبو عليٍّ الأَزْدِيُّ من أهل بَلخ، حسَن الجري على سبيل التَّوكُّل وحسَن الكلام فيه، وهو من مشاهير مشايخ خُراسان، كان أستاذ حاتم الأصم وصحب إبراهيم بن أدهم وأخذ عنه الطَّريقة وأسند الحديث. انظر: "طبقات الصوفية" للسلمي (ص: ٥٣).
[ ٦ / ٣٠٤ ]
من بين يديَّ، ومن خَلفي، وعن يميني، وعن شمالي، أمَّا مِن بين يدي فيقول لي: لا تَخَفْ إن اللَّه غفور رحيم، فأقول: ذلك لمن تاب وأقرأُ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، وأمَّا مِن خلفي فيخوِّفني بالضَّيعة على مخلفيَّ، فأقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وأما مِن قِبَل يميني فيأتيني من قِبَل الثناء فأقول: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وأمَّا مِن قِبَل شمالي فيأتيني من قِبَل الشهوات واللذَّات فأقول: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ قال ذلك ظنًّا ثم تحقَّق ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
وقال الحسن: قال: لمَّا استَزْلَلتُ آدم -وذريتُه أضعفُ منه- فأنا على استزلالهم أقدَرُ (^٢).
* * *
(١٨) - ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا﴾: أي: من الجنة، وقيل: من السماء، وقيل: من الصورة الملكيَّة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿مَذْءُومًا﴾ وما قال ابن عبَّاس ﵄: أي: مَقيتًا (^٤).
وقال أبو روق: أي: ممقوتًا (^٥)، وهو كالأول.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٢٢)، والزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٩٣).
(٢) لم أجده.
(٣) في (ر): "صورة الملائكة".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٠٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٤٦).
(٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (١٢/ ٣١٧) (ط: دار التفسير)، ورواه الطبري في "تفسيره" =
[ ٦ / ٣٠٥ ]
وقال أبو العالية: أي: مَعيبًا بأشدِّ العيب (^١).
وقال ابن زيد: مذمومًا أشدَّ الذمِّ (^٢)، وقد ذأَمه يَذْأمُه ذَأْمًا؛ أي: ذمَّه.
وقال ابن عرفة: ذأمه؛ أي: حَقَره وأَبعده (^٣).
وقال مجاهد: أي: مَنْفيًّا (^٤).
وقال الكلبيُّ: أي: مُبعَدًا (^٥).
وقال الكسائي: أي: مقبوحًا، وقال النَّضْرُ بن شُميلٍ: محسورًا (^٦).
وقوله تعالى: ﴿مَدْحُورًا﴾ قال مجاهد: أي: مطرودًا (^٧)، والدَّحر في اللغة: الدَّفعُ على وجه الهوان.
وقوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: اللام للقسَم.
وقال القشيريُّ ﵀: وأخرجه اللَّه تعالى من درجته ومن حالته، ونقله إلى ما استوجبه من طرده ولعنته، ثم يخلِّده في عقوبته، ولا يُذيقه ذرةً من بَرْد رحمته،
_________________
(١) = (١٠/ ١٠٢) عن ابن عباس.
(٢) ذكر عنه الثعلبي في "تفسيره" (١٢/ ٣١٧) (ط: دار التفسير) قوله: ﴿مَذْءُومًا﴾: مُزْرًى به.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٠٤).
(٤) ذكره عن ابن عرفة الهروي في "الغريبين" (مادة: ذأم).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٠٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٤٧)، ورواه الطبري أيضًا عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: صغيرًا منفيًّا.
(٦) ذكر عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٠٨) قوله: لئيمًا. والثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٢٢) قوله: ملومًا مَدْحُورًا مقصيًّا من الجنّة ومن كل خير.
(٧) القولان في "تفسير الثعلبي" (١٢/ ٣١٧) (ط: دار التفسير).
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٠٣).
[ ٦ / ٣٠٦ ]
أصبح وهو المقدَّم على الجملة فأمسى وهو أبعدُ الزُّمرة، وهذه آثارُ قهر العزة، وأيُّ كبد تسمع هذه القصة ثم لا تتفتَّت بهذه السياسة (^١)؟!
* * *
(١٩) - ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: وقلنا: يا آدم، وقد فسرنا الآية في سورة البقرة.
* * *
(٢٠) - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾: أي: أورد عليهما الخواطر المزيِّنة لهما أكلَ الشجرة، وأصل الوسوسة: الصوت الخفيُّ، فهي دعاءٌ على خفاءٍ؛ قال رؤبةُ:
وَسْوَسَ يدعو مخلصًا ربَّ الفلق (^٢)
وقوله تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾: الإبداء: الإظهار، والمواراة: الستر، والسوءة: العورة مجازًا؛ لأنَّه يسوءُ صاحبَها ظهورُها؛ أي: قصد بذلك إظهارَ عوراتهما.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾: قرأ يحيى بن
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢٣).
(٢) الرجز في "ديوان رؤبة" (ص: ١٠٨)، و"تفسير الطبري" (١٠/ ١٠٦).
[ ٦ / ٣٠٧ ]
أبي كثير بكسر اللام (^١)، أخذها من قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠].
وقرأ العامةُ بفتح اللام، وليس فيه تفضيلُ الملائكة على البشر، وما رغَّبهما في ذلك لنيلِ هذا الفضل، فإن آدم لمَّا رأى أن الملائكة أُمروا بالسجود له علِم أن المسجود له أفضلُ من الساجد، أو كان إبليس يعتقد بذلك، ولذلك قال: أنا خيرٌ منه، فوافق اعتقادُه اعتقادَ المعتزلة، فما كان يخفى على آدم ذلك، ولكن قيل: إن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة، فرغَّبهما في طول العمر.
وقيل: أراد به انقطاعَ الشهوة وسهولةَ الطاعة بحيث لا تلحقُهما الفترةُ، وعدمَ الحاجة إلى شيء من المؤنة، وقد أحبَّا (^٢) ذلك كلَّه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾: فلا تموتان أبدًا.
وقال الإمام القشيري ﵀: ما رَغِبا في الخلود لنصيبِ أنفُسهما بل للبقاء مع اللَّه، وهذا أَولى ما يُظنُّ بهما، تنزيهًا لمحلِّ النبوة، وقد قيل: ساعات الوصل قصيرة، وساعات الفراق طويلة، ما لبثا في دار الوُصلة إلا بعضًا من النهار، دخلا ضحوةَ النهار وخرجا نصفَ النهار.
ويقال: إن الفراق عينٌ تصيب أهلَ الوصلة، وفيه قيل:
إنْ تكنْ عينٌ أصابَتْك فلا زالتِ العينُ تصيبُ الحسنا (^٣)
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨)، و"تفسير الثعلبي" (ط: دار التفسير) (١٢/ ٣١٩)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٣٨٥)، و"البحر المحيط" (١٠/ ٤٣). ونسبوها أيضًا لابن عباس والحسن بن علي والضحاك والزهري. ورواها الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٠٨) عن ابن عباس ويحيى بن أبي كثير.
(٢) في (ف): "أجاز".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢٤)، والبيت فيه: =
[ ٦ / ٣٠٨ ]
(٢١) - ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾: أي: حلف لهما إنِّي، بكسر الألف لأن جوابه باللام.
وقال قتادة: خدَعهما باللَّه فانخدعا، وكذلك المؤمن (^١).
* * *
(٢٢) - ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾: أي: أوقعهما في المكروه بغروره بهذا القسَم، وأصله من التدلية في البئر؛ أي: الإرسال، وقد دَلَوْتُ الدَّلْوَ أَدْلُوْها: أرسلتُها في البئر لأملأها، وأَدْلَيْتُها: وأخرجتها، ودلَّيتُ فلانًا في البئر بحبلِ غُرورٍ تدليَةً (^٢)، والغُرور: إظهارُ النُّصح مع إبطانِ الغش.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾: أي: أكَلا منها، وهو ينبئ عن القليل منه.
وقوله تعالى: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾: أي: ظهرت لهما لا لغيرهما، وكانا لا يَريَان
_________________
(١) = إن تكن عين أصابتك فما إلا لأنّ العين تصيب الحسنا وفي عجزه خلل في وزنه الشعري.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٠٩).
(٣) قوله: "ودلَّيتُ فلانًا في البئر بحبلِ غُرورٍ تدليَةً"، فيه نظر، والصواب إما بحذف: "في البئر" فيكون الكلام على سبيل المجاز بمعنى التغرير والتزيين، تقول: دلاني فلان بحبل غرور؛ أي: غرَّني وزيَّن لي القبيح حتى أرتكبه. وإما بحذف: (بحبل غرور)، فيغدو الكلام على الحقيقة. انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٣٨١)، و"غريب الحديث" للخطابي (٢/ ٥٦٤)، وذكر الخطابي قول الشاعر: وإن امرأً دنياه أكبر همه لمستمسك منها بحبل غرور
[ ٦ / ٣٠٩ ]
من أنفُسهما ذلك، وكان عليهما لباس من الظُّفر فزال ذلك إلا ما بقي على رؤوس الأصابع (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: أي: ابتدأا يَلزقان على أنفسهما ورق التين (^٢) فلا يلتزق، وقيل: الخصف: الترقيع، وقيل: الضم.
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾: أي: عن قُربانها استفهام بمعنى الإثبات.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقُلْ لَكُمَا﴾: أي: ألم أقل لكما: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَنَادَاهُمَا﴾ يحتمِل أنه أوحَى (^٣) بملَك إليهما، ويحتمل أنه إلهامٌ أَلْهمهما (^٤).
وقيل: خجلُهما بهذا زاد على كلِّ محنة.
وقيل: كان حالُهما في أولِ اليوم وآخرِه كما قيل:
للَّه درُّهمُ من فتيةٍ بَكَروا مِثْلَ الملوك وراحوا (^٥) كالمساكين (^٦)
_________________
(١) روي هذا عن ابن عباس ولا يصح، فقد رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٥٢ و١٤٥٩) عنه من طريقين: الأول فيه الحسن بن أبي جعفر الجُفري، قال عنه البخاري: منكر الحديث، وضعفه أحمد والنسائي. انظر: "تهذيب الكمال" (٦/ ٧٣). وفي الثاني النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز، قال عنه أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال البخاري: منكر الحديث. انظر: "تهذيب التهذيب" (٤/ ٢٢٥).
(٢) في (ف): "الجنة".
(٣) في (ف): "وحي".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٨٤).
(٥) في (ف): "وأمسوا".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢٥).
[ ٦ / ٣١٠ ]
(٢٣) - ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾: لمَّا قال اللَّه تعالى لآدم وحواء: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ الآيةَ اعتَرفا بالخطيئة وتسارَعا إلى التوبة، وقالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾: نَقَصْناها ثوابَ الطاعة وعرَّضناها للعقوبة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾: أي: وإن لم تَستُر علينا ذنبنا ولم ترحمنا بقبول توبتنا.
وقوله تعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي: الهالكين الذين باعوا حظَّهم من الآخرة بقضاءِ شهوةِ ساعة.
قال الحسن هي الكلماتُ التي تلقَّاها من ربِّه (^١). وقد بينَّا اختلافَ الأحاديث فيه (^٢)، وبيَّن في تلك السورة قبولَ توبتهما.
وفي الحديث: أن آدم ﵇ مشى حتى قام على الصَّفا، وحواء ﵂ جاءت من الجُدَّة وقامت على المروة، وجَعَلا يدعوان ويبكيان مئةَ سنة -وفي رواية: مئتي سنة، وفي رواية: ثلاث مئة سنة- حتى قُبلت توبتُهما يوم الجمعة، وقال آدم: يا رب، مَن جاءك من ولدي يرجو رحمتك ويخاف عذابك فأَجِرْه من عذابك، قال: لك ذلك (^٣).
وفي الآية نقضُ قول المعتزلة: إنَّ الصغائر تقع مغفورةً ولا يجوز العقاب عليها، وآدمُ ﵇ يقول: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٨٥)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١١٦) عن الضحاك.
(٢) أي: في تلك الكلمات، وقد تقدم ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧].
(٣) لم أجده.
[ ٦ / ٣١١ ]
(٢٤) - ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا﴾: قال أبو صالح: الخطاب لآدم وحواء صلوات اللَّه عليهما والحية (^١).
وقال السُّدِّي: لآدم وحواء وإبليس (^٢)، لكن إبليس أُهبط قبلهما، فهذا إخبار عن هبوطهم جميعًا، وكان وقوع ذلك متفرقًا، ومعنى قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾: انزلوا إلى الأرض.
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: فسرناه في سورة البقرة، وفيه تحذيرُ آدم وحواءَ ﵉ عند كيدِ إبليسَ -لعنه اللَّه- في الأرض كما كادهما في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: مر تفسيره أيضًا، وأراد به أنهم لا (^٣) يخلدون في الأرض.
وقال الإمام القشيري ﵀: أُهبطوا؛ لكنَّ إبليس أُهبط عن (^٤) رتبته فوقع في اللعنة، وآدمَ أُهبط عن بقعته فتداركتْه الرحمة.
وقيل: لم يخرج آدم عن رتبة الفضيلة وإنْ أخرج عن دار الكرامة، فلذلك قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه: ١٢٢]، وأما إبليس فإنه أُخرج عن الحالة والرتبة فلم ينتعِش قط عن تلك السقطة (^٥).
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٧٢) و(١٠/ ١١٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٥٧٣) و(١٠/ ١١٧)، وفي الموضعين: (آدم وحواء وإبليس والحية).
(٣) في (ف): "أن لا"، بدل: "أنهم لا".
(٤) في (أ): "من".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢٧).
[ ٦ / ٣١٢ ]
(٢٥) - ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وعاصمٌ وأبو عمرو: ﴿تُخْرَجُونَ﴾ بضم التاء وفتحِ الراء على ما لم يسم فاعلُه من الإخراج، وقرأ حمزة والكسائي بفتحِ التاء وضمِّ الراء على الفعل الظاهر من الخروج (^١).
يقول: في الأرض تبقَون أحياءً، وفيها تموتون فتبقون في القبور إلى أن تُبعثوا منها، يُعْلمهم أنهم لا يعودون إلى الجنة إلى أنْ يحشروا من قبورهم، ثم يصيرَ السعداء إلى الجنة والأشقياء (^٢) إلى النار.
وقيل: لمَّا قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ حزن آدم وظنَّ أنْ لا يعودَ إلى الجنة، فقال: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ فتصيرون إلى الجنة، ففرح بذلك.
* * *
(٢٦) - ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾: أي: أنزلنا المطر الَّذي يُنبت القطنَ ويقيم البهائمَ التي منها الأصوافُ والأوبار والأشعار، قاله الحسن (^٣).
وقيل: أي: أنزلنا مع آدم وحواءَ ما به صار اللباسُ، فقد رُوي أنه أُهبط معه ثمانيةُ أزواج من الجنة: من الإبل ذكرٌ وأنثى، ومن البقر كذلك، ومن الغنم كذلك،
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٧٩)، و"التيسير" (ص: ١٠٩).
(٢) في (ر): "السعيد. . . والشقي".
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢١٣).
[ ٦ / ٣١٣ ]
ومن المعز كذلك (^١)، وأتاه جبريل بالجلمَينِ (^٢) وأمره أن يجزَّ الشاة ففعل، فغزَلته حواءُ وحاكه آدمُ، فاتَّخذ عباءتين إحداهما لآدم والأخرى لحواء.
ووجهُ ذكر هذه الآية بعد الآية الأولى ما ذكر: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراةً بتزيين الشيطان لهم ذلك، فبيَّن اللَّه تعالى بهذه الآية أنَّ إبليس سعى في إعراء آدم وحواء عن اللباس، ثم إن اللَّه تعالى ألبسهما ترغيمًا للشيطان، ثم سعى في إعرائكم عند الطواف، وقد أنزل اللَّه لكم اللباس فلا تنزعوه ولا تُطيعوا الشيطان (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَرِيشًا﴾ قال ابن زيد الريش: ما فيه الجَمال (^٤)، ومنه ريشُ الطائر.
وقيل: اللباس: ما وارَى العورة، والريش: ما وراء (^٥) ذلك مما يجمِّل الهيئة.
وقيل: اللباس من القطن، والريش: التوزيُّ (^٦) والقصب والملابس النفيسة، قال النَّبي -ﷺ-: "الإيمان عُرْيان، لباسُه التقوى، وريشه الحياء، وماله العفَّة" (^٧).
_________________
(١) إلى هنا رواه ابن المنذر عن ابن جريج كما في "الدر المنثور" (١/ ١٣٨).
(٢) تحرفت في (أ) و(ف) إلى: "بالحكمين". والجلمان بلفظ التثنية مثل الجَلَم بلفظ المفرد، وهو المقراض، كما يقالُ فيه: المِقْرَاض والمِقراضان ويجوزُ أنْ يُجعلَ الجَلَمَانِ اسمًا واحدًا على فَعَلَان كالسَّرَطانِ والدَّبَرَان، وتُجعل النون حرفَ إعرابٍ، ويجُوز أنْ يَبْقَيا على بابهما في إعراب المثنَّى فيقالُ: شَرَيْتُ الجَلَمَينِ. وجَلَمْتُ الشيءَ جَلْمًا من باب ضَرَب: قطَعْتُه، فهو مجلوم، وجَلَمْتُ الصوفَ والشعرَ قطَعتُه بالجَلَمَيْنِ. انظر: "المصباح" (مادة: جلم).
(٣) ذكر هذا المعنى الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٢٠) ورواه عن مجاهد.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٢٤).
(٥) في (ر): "وارى"، وسقطت الجملة من (ف).
(٦) في (ر): "التوري" وفي (ف): "التواري". والتوزي: ثياب تنسب لتوز بلد بفارس. انظر: "المصباح" (مادة: توز).
(٧) في (أ): "الفقه"، وكذا جاءت في بعض المصادر، وفي البعض الآخر كالمثبت. وهذا الحديث رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ١٤٦)، والديلمي في "الفردوس" (٣٨٠)، عن ابن مسعود =
[ ٦ / ٣١٤ ]
وقال القُتَبي: الريش والرِّياش: ما ظهر من اللِّباس؛ مثل: اللِّبس واللِّباس، والحِرْم والحِرام، والدِّبغ والدِّباغ (^١).
وقيل: الرِّيش: الأثاث من متاع البيت؛ من فِراشٍ ودثارٍ ونحوِ ذلك.
وقال ابن الأعرابيِّ: الرياش: المال المستفاد.
وقيل: الرياش: الخِصْب والمعاش.
وقيل: هو المأكول والمشروب.
وقيل: هو اجتماع كلِّ ما يحتاج إليه الإنسان من أسباب حياته.
ورُوي: أن النَّبي -ﷺ- أعطى النابغة الجعديَّ مئة ناقةٍ بريشها (^٢)؛ أي: بجميع ما يُصلحها من آلاتها.
_________________
(١) = ﵁ مرفوعًا، وذكره الصغاني في "الموضوعات" (ص: ٣٦). ورواه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (١٠٣)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ١٤٦) عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا، وفيه عند الخطيب: "وكنزه التفقه" ولم ترد العبارة في رواية ابن أبي الدنيا. ورواه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٩٧)، الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ٢٠٧)، وابن عساكر في "تاريخه" (٦٣/ ٣٨٩)، عن وهب بن منبه قوله، وذكره عن وهب أيضًا الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٢٦)، والمزي في "تهذيب الكمال" (٣١/ ١٤٨)، والذهبي في "السير" (٤/ ٥٥٠)، وغيرهم، وعندهم جميعًا: (وزينته الحياء)، بدل: "وريشه الحياء"، فلعل الريش من تحريف النساخ.
(٢) انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (٢/ ٨٩)، و"غريب القرآن" له (ص: ١٦٦).
(٣) لم أجده حديثًا، إنما هو كلام لحسان ﵁ كما في "الصحاح" (مادة: عصفر)، قال الجوهري: عصافير المنذر: إبل كانت للملوك نجائب، قال حسان بن ثابت: فما حسدت أحدًا حسَدي للنابغة حين أمر له النعمان بن المنذر بمئة ناقة بريشها من نوق عصافيره.
[ ٦ / ٣١٥ ]
وقد تريَّش فلانٌ؛ أي: صار له ما يعيش به، وقال الشاعر:
وريشي منكمُ وهَوَايَ معكمْ وإنْ كانت زيارتُكم لِمَامَا (^١)
ولما كان سترُ العورة أهمَّ ذكَرَه أولًا، ثم ذكَر ما يَستر كلَّ البدن، أو ذكَر اللباسَ ثم سائرَ أسباب المعاش.
وقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: قرأ نافع وابن عامر: ﴿ولباسَ التَّقوى﴾ نصبًا عطفًا على لباسًا ﴿وَرِيشًا﴾، والباقون بالرفع على الابتداء (^٢).
وقال زيد بن عليٍّ: اللباس: هذا الذي تلبسونه (^٣) يواري سوآتكم، وريشًا: الجَمال الذي تتجمَّلون به من الثياب، ولباس التقوى: الدرع والمِغْفَر والساعدان والساقان يُتوقَّى بها في الحروب (^٤).
وقال قتادة والسُّدِّي وابن جريج: هو الإيمان (^٥).
وقال الكلبيُّ: هو التوحيد والعفاف (^٦).
وقال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير ﵃: هو العمل الصالح (^٧).
_________________
(١) البيت للراعي كما في "الكتاب" لسيبويه (٣/ ٢٨٧)، وليس في ديوانه، وهو في "ديوان جرير" (١/ ٢٢٥)، ودون نسبة في "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٢٨)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ٢٥٠)، و"مقاييس اللغة" (٢/ ٤٦٧).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٠)، و"التيسير" (ص: ١٠٩). والنصب قراءة الكسائي أيضًا.
(٣) في (ر) و(ف): "تلبسون".
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (ط: دار التفسير) (١٢/ ٣٢٧).
(٥) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٢٥).
(٦) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٨٢)، وزاد: (لأن المؤمن لا تبدو له عورة وإن كان عاريًا من الثياب، والفاجر لا يزال تبدو له عورة وإن كان كاسيًا).
(٧) ذكره عنهما الواحدي في "البسيط" (٩/ ٨١)، ورواه عن ابن عباس الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٢٥).
[ ٦ / ٣١٦ ]
وقال الحسن: هو الحياء (^١).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾: أي: هذا أنفعُ لكم من التعرِّي.
وقيل: لباس التقوى هو الاكتفاء بالصوف والخشِن من الثياب، وهو خيرٌ من التجمُّل بالملابس الفاخرة.
وقال الإمام القشيري ﵀: لباسُ الظاهر يَقِي آفَات الدنيا، ولباسُ التَّقوى (^٢) يقي الآفَات التي توجِب سَخَط المولى، ولباسُ التقوى يجمعُ ظاهر العبد وباطنه، فلباسُ التقوى للنفس: لزومُ الزهد بحقيقة الورع، ولباسُ التقوى للقلب: صدقُ القصد بنفي الطمع، ولباسُ التقوى للروح: تركُ العلائق وحذفُ العوائق، ولباس التقوى للسرِّ: الإنقاء من المساكَنات، والتصوُّن عن الملاحظات.
ويقال: للعوامِّ التقوى، وللخواصِّ التَّقوى عن شهود التقوى (^٣).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: تحصيلُ اللباس من الذي يَنبت بالماء من آيات وحدانية اللَّه تعالى ودلالات على كمال قدرته، واتِّصالُ منافع السماء بالأرض مع بُعْدِ ما بينَهما دليل على أن مُنشئهما ومدبِّرهما واحد، ومعرفةُ الناس كيفيةَ اتخاذ الملابس من ذلك لا يكون إلا ببيان الرسل، فدلَّ ذلك على إثبات الرسالات، أشار إلى ذلك كلِّه الإمامُ أبو منصور ﵀ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: أي: يتَّعظون بالتفكُّر في هذه الآيات.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٢٥) عن معبد الجهني.
(٢) في (ف): "الباطن".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢٨).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٩٥).
[ ٦ / ٣١٧ ]
(٢٧) - ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: لا يُضلَّنكم (^١)، وقيل: أي: لا يُزِلَّنكم؛ أي: تحرَّزوا عن الوقوع في فتنته.
وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾: أي: سبَّب ذلك بالاستزلال، فيُسبِّب أيضًا لكم الوقوعَ في المخاوف بالاستزلال إنْ لم تتحرَّزوا عن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾: أي: نَزَع بطريق التسبُّب (^٢)، كما في قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ أي: وإذ قلتَ، مستقبلٌ بمعنى الماضي.
وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾: أي: قصَد ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾: أُظهر قوله: ﴿هُوَ﴾ ليصح عطفُ الاسم الذي هو بعده عليه، ويكونَ عَطْفَ اسمٍ على اسمٍ.
وقبيله عند الحسن: نَسْلُه، وكذا قال ابن زيد (^٣)، كما قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ٥٠].
وقال أبو عبيدةَ: أمَّته (^٤). وقال قطربٌ: جموعه. وقال المبرِّد: أشياعه (^٥).
_________________
(١) ذكره عنه الواحدي في "البسيط" (٩/ ٨٤).
(٢) في (ف): "التسبيب".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٣٦).
(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٢١٣)، ولفظه: وجيله الذي هو منه.
(٥) ذكر قول قطرب وقول المبرد الواحدي في "البسيط" (٩/ ٨٥).
[ ٦ / ٣١٨ ]
وقال الزَّجَّاج: أعوانه (^١). وقال القُتبي: أصحابه (^٢). وقال الكسائي: جندُه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: صَدْرُ الإنسان له مسكنٌ، ويجري منه مجرى الدم.
وقال مالك بن دينار: وإنَّ عدوًّا يراك ولا تراه لشديدُ المؤنة، إلا مَن عصمه اللَّه تعالى.
وقال يحيى بن مُعاذِ: الشيطان قديمٌ وأنت حديثٌ، والشيطانُ كيِّس وأنت سليمٌ، والشيطان يراك وأنت لا تراه، والشيطانُ لا ينساك وأنت تنساه، ومن نَفْسك له عونٌ وليس لك منه عونٌ، وأنت لا تقاومه إلا بعون اللَّه تعالى. وفيه يقول:
ولا أَراه حيث ما يَراني وعندما أَنساهُ لا يَنساني
فسيِّدي إنْ لم تُغِثْ سَبَاني كما سَبَى آدمَ من جِنَانِ (^٣)
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قالوا: كيف كلِّفنا محاربتَهم ونحن لا نراهم وليس في وسعنا ذلك؟
قلنا: لم (^٤) نكلَّفْ محاربةَ أعيانهم بل دفعَ وسوستهم، ويمكن الوقوف على ذلك بما وُضع للفرق بين الإلهام والوسوسة فيما يقع في القلب، وقد علَّمَنا كيفيةَ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٩٧). وفي "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٨٣): يقال لِكل جماعة مِن وَلدٍ قبيلة، وكذلك يقال لكل جمع على شيء واحد: قبيل، قال اللَّه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾.
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٦٦).
(٣) انظر الشعر مع الأقوال في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٢٧).
(٤) في (ف): "لا".
[ ٦ / ٣١٩ ]
دفع ذلك بقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] وقولهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨] (^١).
وقال ذو النون المصريُّ: وإن كان هو يراك من حيث لا تراه فإن اللَّه يراه من حيث لا يرى اللَّهَ، فاستعن باللَّه عليه ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: خذَلْنا الكفار فاتَّخذوا الشياطين أولياء يطيعونهم ويتَّبعونهم ويجعلونهم بمنزلةِ مَن يتولَّى مصالحهم، وفيه إثبات خَلْق أفعال العباد.
* * *
(٢٨) - ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: قال الزَّجَّاج: الفاحشة: ما عظُم قُبْحُه (^٣).
وقال الحسن: هم عبدة الأوثان، والفاحشة: الشرك (^٤).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾: وقال الحسن: قالوا: لو كَره اللَّه ما نحن فيه لنَقَلنا عنه، فهو أمرٌ منه لنا به (^٥).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٩٧)، وفي كلامه بعض اختلاف مع زيادة.
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (٩/ ١٨٩ - ١٩٠)، وذكره الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٩٩) هكذا: كانوا يقولون: لو كره اللَّه منا ما نفعله لنقلنا عنه، وعن الحسن: إن اللَّه تعالى بعث محمدًا -ﷺ- إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على اللَّه، وتصديقه قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٣٠).
(٤) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (٢/ ٢١٦).
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٢٧).
[ ٦ / ٣٢٠ ]
وقيل: توهَّموا أن آباءهم كانوا عليه بأمرِ اللَّه تعالى.
وقال ابن عبَّاس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والسُّدِّي: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ هي إبداء السوءات في الطواف (^١).
قال الشاعر منهم -وقيل: هو من قول امرأةٍ منهم-:
اليومَ يبدو بعضُه أو كلُّه وما بدا منه فلا أُحِلُّه (^٢)
وقال الكلبيُّ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: هي (^٣) تحريمُ البَحيرة والسائبة والوَصيلة والحامي، قالوا: هو دين آبائنا وأجدادنا نتَّبعها واللَّهُ أمرنا بها.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾: هي الفاحشة (^٤)، وهي الفعلة التي ثبت قبحُها من كلِّ وجهٍ عقلًا وسمعًا، ودلَّ على ثبوت قبح الأشياء قبل ورود السمع، ولو كان القبح لا يثبت قبل ورودِ السمع لكان ما يُؤمر به لا يكون قبحًا، فلا معنى لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ولو أَمر به لم يكن فاحشةً.
وقوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: أتدَّعون أن اللَّه أمَر بها، وأمرُ اللَّه تعالى يُعرف ببيان رسله أو الذِّكرِ في كتابه، وأنتم لا تُقرُّون برسولٍ ولا كتاب، فكان هذا دعوَى بجهلٍ، وهذا استفهامٌ بمعنى التوبيخ.
وقال القشيريُّ ﵀: استَرْوَحوا في التعلُّل إلى سلوكِهم نهجَ أسلافهم،
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٣٧ - ١٣٨).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٧٧)، و"تفسير الطبري" (١٠/ ١٣٧)، "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٣٢)، قال السهيلي: ويُذْكَرُ أنَّ المرأةَ ضُبَاعةُ بنتُ عامرٍ مِن بني عامرِ بنِ صَعْصَعةَ، ثم من بني سَلِمةَ بنِ قُشَيْرٍ. انظر: "الروض الأنف" (٢/ ٢٩١).
(٣) في (ف) و(أ): "هو".
(٤) في (أ): "كالفاحشة".
[ ٦ / ٣٢١ ]
فاستمسكوا بحبلٍ واهٍ، فزلَّت بهم أقدامُ الغرور، فوقعوا في هذه المحنة (^١).
* * *
(٢٩) - ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: أي: بالعدل، وهو التوحيدُ، لا بما قلتُم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾، ولمَّا كان الشركُ ظلمًا بالنصِّ كان التوحيد عدلًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: أي: وجِّهوها إلى اللَّه تعالى دون الأصنام، ومنه قول المصلِّي: إني وجَّهتُ وجهي للذي فطَر السماوات والأرضَ حنيفًا.
قوله: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أي: موضعِ سجودٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: أي: واعبدوه؛ كما قال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]، وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧].
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: بلا إلهَ إلا اللَّهُ ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى الكعبة حيث صلَّيْتُم.
وقال الضَّحَّاك: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالتوحيد (^٢).
﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أي: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجدٍ فصلُّوا فيه، ولا يقولَنَّ أحدكم: أصلِّي في مسجدي، وإذا لم يكن عند مسجد فليأتِ أيَّ مسجدٍ شاء ولْيصلِّ فيه ﴿وَادْعُوهُ﴾؛ أي: واعبدوه مخلِصين له العبادة.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢٩).
(٢) انظر القولين في "تفسير الثعلبي" (١/ ٢٢٧).
[ ٦ / ٣٢٢ ]
وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: أي: خلقكم. ابْتَدَأ وبَدَأ وأَبْدَأ بمعنًى؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧].
واتصالى هذا بما قبله: أنه يقول: أخلِصوا الطاعةَ له فإنكم مبعوثون مَجْزِيُّون على أعمالكم، ثم ذكر الحجة على الإعادة وهو قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.
* * *
(٣٠) - ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾: قيل: نصب ﴿فَرِيقًا. . . وَفَرِيقًا﴾ على الحال للعَود، ولذلك قال ابن عبَّاس ﵄: كما بدأكم تعودون سعيدًا وشقيًّا (^١).
وفي رواية قال: مؤمنًا وكافرًا كما بدأكم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] (^٢).
وقال السُّدِّي: تعودون ضُلَّالًا ومهتدين (^٣). وقيل غيرُ ذلك.
وقال قتادة: بدأهم من التراب ويعودون إلى التراب، ثم يبعثون من التراب (^٤).
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢١٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٤٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٦٢). ولعل هذا القول والذي قبله واحدٌ، لكن الماوردي ذكره بالمعنى تأئرًا بما قدم له الطبري حيث قال: (قال بعضهم: تأويله: كما بدأكم أشقياء وسُعَداء، كذلك تبعثون يوم القيامة، ذكر من قال ذلك. . .)، ثم رواه عن ابن عباس بهذا اللفظ الثاني.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٤٤).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٢٨)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٤٦) بلفظ: (بَدَأ خَلْقَهم =
[ ٦ / ٣٢٣ ]
وقال الربيع بن أنس: كما بدأكم عُريًا تعودون إليه عُريًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] (^١).
وقال الحسن: كما بدأكم أحياءً تعودون أحياءً بالبعث (^٢).
وقيل: ﴿فَرِيقًا. . . وَفَرِيقًا﴾ نُصبا بقوله: ﴿بَدَأَكُمْ﴾.
وقيل: تم الكلام بقوله: ﴿تَعُودُونَ﴾ ثم قال: ﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ فنصَبه بـ ﴿هَدَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ نُصب بتقديرِ فعلٍ متأخِّر عنه وهو: أَضَلَّ، فإنَّ قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ معناه: أضلَّهم، وهو كقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨] ﴿مَنْ﴾ نُصب بـ ﴿يُدْخِلُ﴾، ثم قال: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] نصَبه لتقدير أحد الفعلين؛ إما: يدخل الظالمين في عذابه، أو: يعذِّبُ الظالمين عذابًا أليمًا، وإنما حُمل على الفعل المقدَّر دون الظاهر تصحيحًا للمقابَلة، وهي من أقسام البلاغة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يطيعونهم ويتولَّونهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: هم عند أنفسهم مهتدون، وليسوا كذلك وذُمُّوا بذلك، فدلَّ أن الحجة والدليلَ يلزم وإنْ لم يُعْرف بعدُ أن يكون العبد بسبيلٍ من الوصول إلى ذلك (^٣)، وهذا يردُّ قولَ مَن يقول: إن فرائض اللَّه تعالى لا تلزمُ العبدَ إلا بعد العلم بها (^٤).
_________________
(١) = ولم يكونوا شيئًا، ثم ذهبوا ثم يُعيدُهم).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٢٨)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٦٣) بلفظ: (كما خَلَقناكم كذلك تَعودون، تَخرجون من بطون أمهاتكم).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٤٥).
(٤) في "التأويلات": (وإن لم يُعرف بعد أن كيف يكون سبيل الوصول إلى ذلك).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٠٤).
[ ٦ / ٣٢٤ ]
وقال في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: اجعلوا عبادتكم للَّه ولا تشركوا به شيئًا.
وقيل: أي: أقيموا دِينكم للَّه، ومنه قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢]؛ أي: يخلِصْ دِينه.
ويجوز أن يكون الوجه عبارةً عن النفس، ومعناه: أقيموا أنفسَكم للَّه، وقيل على هذا في قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: ومَن يجعلْ نفسَه سالمًا للَّه (^١).
والآية حجة على المعتزلة في مسألة الهداية والإضلال.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ إشارةٌ منه إلى استدامة شهوده في كلِّ حالة، وأنْ لا ينساه لحظةً في كلِّ ما يأتيه ويَذَرُه ويقدِّمه ويؤخِّره.
وقال في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: مَن كانت قِسمتُه منه ﷾ له بالسعادةَ (^٢) كانت فطرتُه على السعادة، ومن كانت فطرتُه على السعادة كانت حالتُه بنعت السعادة، ومن كانت حالته بنعت السعادة كانت عاقبته إلى السعادة. ومَن كانت قسمتُه بالضدِّ فالحالةُ (^٣) بالضد.
وقال: جملةُ العلم بالقضاء والقَدر: أن (^٤) يتحقَّق أنه عَلِم ما يكون أنه كيف يكون، وكما عَلِم الحادثات أن تكون أراد به (^٥) أن تكون كما عَلِم بأنْ تكون (^٦)، وما
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٠٢).
(٢) في (ف): "من كانت قسمته على السعادة".
(٣) في (أ): "كانت حالته".
(٤) في (ر): "أنه".
(٥) في (ف): "أراد بها" وفي (أ): "وأراد به".
(٦) في (أ): "أن تكون"، وليست هذه العبارة في (ف).
[ ٦ / ٣٢٥ ]
عَلِم أنه لا يكون مما جاز أن يكون أراد أن لا يكون، وكما أراد أن يكون أو لا يكون أخبر أنه يكون أو لا يكون، وعلى الوجه الَّذي أخبر قضى على العبد وقدَّر (^١).
* * *
(٣١) - ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: أي: لباسَكم، في المساجد كلِّها مع المسجد الحرام، وكانوا يتعرَّون عنده في الطواف، فنُهوا عن ذلك وأُمروا بأخذ اللباس للصلاة في المواضع كلِّها.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾: أي: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ما أَحلَّ اللَّه ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: ولا (^٢) تجاوزوا حدَّ الشرع بتحريمِ ما أَحلَّ اللَّه من البَحيرة والسائبة ونحوِ ذلك.
وقال طاوسٌ: لم يأمرهم بالحرير والديباج، ولكن كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم بالبيت عُريانًا ويَدَع ثيابه وراء المسجد، فإن طاف وهي عليه (^٣) ضُرب وانتُزعت منه، فنزلت الآية (^٤).
وقال الكلبيُّ: إن بني عامر من أهل الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت عراةً؛ الرجالُ بالنهار والنساءُ بالليل (^٥)، وكانوا إذا قدِموا مسجدَ منى طرح أحدهم ثيابه في رَحْله،
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٢٩ - ٥٣٠)
(٢) في (ر) و(ف): "أي لا".
(٣) في (ف): "وهو لابس".
(٤) انظر: "الوسيط" للواحدي (٢/ ٣٦٣).
(٥) في النسخ: "الرجال والنساء بالنهار"، والمثبت من المصادر. انظر: "تفسير الطبري" (١٠/ ١٥٠) =
[ ٦ / ٣٢٦ ]
وهم قريشٌ وكنانةُ وخُزاعةُ (^١)، وكانوا لا يصلُّون في ثيابهم، ويقولون: لا نصلِّي في ثيابٍ (^٢) أذنبنا فيها، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتًا، ولا يأكلون دسِمًا في أيام حجِّهم يعظِّمون بذلك حجَّهم، فقال المسلمون: يا رسول اللَّه، نحن أحقُّ بذلك أن نفعل (^٣)، فنزلت الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وكلوا اللحم والدسم ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أحلَّ اللَّه الأكلَ (^٤) والشرب ما لم يكن في سرفٍ ولا مَخِيلةٍ (^٥).
_________________
(١) = رواية عن ابن عباس، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٤٦١) رواية عن محمد بن كعب القرظي، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٢٩) نقلًا عن المفسرين، وكذا جاء في "تفسير السمعاني" (٢/ ١٧٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٢٢)، وغيرهما.
(٢) قوله: "وهم قريشٌ وكنانةُ وخُزاعةُ"، كذا وضع هؤلاء ضمن مَن يطوفون عراة، والصواب عكسه، فقد روى البخاري (١٥٨٢)، ومسلم (١٢١٩) عن عروة قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابًا، فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء. وكذا جاء في "تفسير السمعاني" (٢/ ١٧٤) عن الزهري: كانت العَرَب يطوفون كذلك عُرَاة إلَّا الحمس، وهم قريش وأحلاف قريش، كانوا يطوفون في ثيابهم، وسموا حمسًا؛ بشدتهم في دينهم، ومنه الحماسة لشدتها. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٥٤)، وروى (٣/ ٥٢٥) عن عروة قال: والحمس: ملة قريش وهم مشركون، ومن ولدت قريش في خزاعة وبني كنانة.
(٣) في (ف): "أثواب".
(٤) في (ف): "فنحن نفعل كما يفعلون" بدل: "نحن أحق بذلك أن نفعل".
(٥) في (أ): " ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ فيما أحل اللَّه من الأكل".
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٢٩) عن الكلبي بلفظ: (كانت بنو عامر لا يأكلون من الطعام إلّا قوتا، ولا يأكلون دسمًا في أيام حجِّهم يعظِّمون بذلك حجَّهم، فقال المسلمون: يا رسول اللَّه، نحن أحق أن نفعل ذلك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَكُلُوا﴾ يعني: اللحم والدسم ﴿وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ يعني: الحرام). ومثله في "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٢٦)، لكن أوله: (كان أهل الجاهلية. . .).
[ ٦ / ٣٢٧ ]
وقيل: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾: هو التجمُّل بأجودِ ما يكون، وهو أجودُ (^١) ما يجد إذا قصَد المسجد؛ تعظيمًا له، ولذا سُنَّ التجمُّل (^٢) في الجُمع والأعياد.
وعن عطية العوفي وأبي رَوق: أن الزينة هي المشط (^٣)، وهو ضربٌ من الزينة.
وقيل في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: إنه نهى عن الأكل والشرب في وقت الحظرِ، ومِن مال الغير بدون الإذن، وتناولِ ما وراء الحاجة.
وقال ابن عبَّاس ﵄: كُلْ ما شئتَ، والْبَسْ ما شئتَ، ما أخطأتكَ خصلتان: سَرَفٌ ومَخِيلةٌ (^٤).
وقيل: الإسراف: الإنفاقُ في المعصية.
وقال مجاهد: لو أنفقتُ مثلَ أحدٍ في طاعة اللَّه تعالى لم يكن سرفًا، ولو أنفقتُ درهمًا أو مدًّا في معصية اللَّه لكان إسرافًا (^٥).
وقيل لبعض السلف: لا شَرَف في السَّرَف، فقال: لا سَرَف في الشَّرَف.
وقيل: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: لا تُشركوا باللَّه غيرَ اللَّه وأنتم تأكلون وتشربون من رزق اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: لأنه لا يحب الإسراف، فإنْ حُمل هذا على إسراف المسلم فإن اللَّه لا يحبُّه لإسرافه ويحبُّه لإسلامه، وإنْ حُمل على الشرك فإنه لا يحبُّ المشرك مطلَقًا بل يبغضه مطلقًا.
_________________
(١) "ما يكون وهو أجود" من (ف).
(٢) في (أ): "التزيين"، وفي (ف): "التزين".
(٣) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٢٩).
(٤) علقه البخاري قبل الحديث (٥٧٨٣)، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٤٨٧٨).
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٦٥).
[ ٦ / ٣٢٨ ]
وحُكي أن الرَّشيد كان له طبيبٌ حاذقٌ نصرانيٌّ، فقال لعليِّ بن الحسين بن واقدٍ: ليس في كتابكم من علم الطبِّ شيءٌ، والعِلم عِلمان: علمُ الأديان وعلمُ الأبدان، فقال له علي بن الحسين: قد جمع اللَّه الطبَّ في كلمةٍ واحدةٍ من كتابه، قال: وما هي؟! قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ فقال النصراني: ولا يُؤْثَر عن رسولِكم في الطبِّ شيء؟ فقال: قد (^١) جمع رسول اللَّه -ﷺ- الطبَّ (^٢) في خبرٍ واحد، قال: وما هو؟! قال: "المعدةُ بيتُ الدَّاء (^٣)، والحميةُ رأسُ كلِّ دواء، وأعطِ كلَّ بدنٍ ما عوَّدْتَه"، فقال النصرانيُّ: ما ترك كتابُكم ولا نبيُّكم لجالينوس طبًّا (^٤).
وقال النَّبي -ﷺ-: "أَقِلُّوا التَّعَرِّيَ، فإنَّ معكم مَن لا يفارقكم إلا عندَ الغائطِ، وحين يُفضي الرجلُ منكم إلى أهله، فاستَحْيُوهم وأكرِموهم" (^٥).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ
_________________
(١) "قد" من (ر).
(٢) بعدها في (ر): "كله"، وليست في المصادر.
(٣) في (ف) و(أ): "الأدواء".
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٣٠)، و"غرائب التفسير" للكرماني (١/ ٤٠٢)، و"الكشاف" (٢/ ١٠٠)، و"زاد المسير" (٣/ ١٨٨). قال ابن الجوزي: (هكذا نقلتُ هذه الحكاية، إلا أن هذا الحديث المذكور فيها عن النبي -ﷺ- لا يثبت). وقال الحافظ في "تخريج أحاديث الكشاف" (ص: ٦٤) عن القصة: (لم أجد لها إسنادًا) وعن المرفوع: (لم أجده). وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٨٩): (لا يصح رفعه إلى النبي -ﷺ-، بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب أو غيره). وجالينوس فيلسوف يوناني له كتب في صناعة الطب وغيرها، وكان -كما ذكر المسعودي- بعد المسيح بنحو مئتي عام، وبعد بقراط بنحو ست مئة سنة. انظر: "أخبار العلماء" للقفطي (ص: ٨٦).
(٥) ذكره الديلمي في "الفردوس" (٣٤٥) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٦ / ٣٢٩ ]
مَسْجِدٍ﴾؛ أي: صلُّوا في كلِّ مسجدٍ ولا تخصُّوا بالصلاة مسجدَ حيِّكم، والزينةُ نفسُ الصلاة، فإن العبادة زينةُ كلِّ عابدٍ (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: زينة العبدِ بحضور الحضرة، ولزومِ السُّدَّة، واستدامةِ شهود الحقيقة.
قال: ويقال: زينةُ نفوس العابدين آثارُ السجود، وزينة قلوب العارفين أنوارُ الوجود، فالعابد على الباب بنعتِ العبودية، والعارف على البساط بحُكم الحُرمة (^٢).
* * *
(٣٢) - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: استفهام بمعنى الجحدِ، ثم أمَر رسولَ اللَّه -ﷺ- أن يوبِّخهم على الإسراف الذي نهَى عنه في الآية الأولى، وهو تحريم ما أحَلَّ اللَّه من الطعام واللباس، والزينةُ بمعنى: المزيَّن، كالشهوة تذكر ويراد بها المشتهى.
و﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾: ما جعله زينةً لعباده وإباحهُ في شرعه.
و﴿أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾؛ أي: أَوجَد، وقيل: أَظهر.
وقيل: هو على حقيقته؛ لأنَّه كان في السماء أو في الأرض فأخرجه منهما لهم.
وجواب هذا السؤال متروكٌ؛ لأنَّه لا جواب لهم يصحُّ؛ لأنَّهم إن أضافوا التحريم إلى آبائهم، فليس إليهم ذلك، وإن أضافوه إلى اللَّه فلا دليلَ لهم عليه؛ إذ لا تحريم من اللَّه في كتابٍ ولا على لسانِ رسولٍ.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٣٠)، وفيه: (بحكم الحرية).
[ ٦ / ٣٣٠ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ﴿هِيَ﴾ ترجع إلى الزينة والطيبات جميعًا لأنها للجمع؛ أي: هي للمؤمنين على الأصالة، وللكفار بطريق التبَعيَّة، كما قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، ثم هي في الجنة على الخلوص للمؤمنين لا يَشْركهم فيها غيرُهم وذلك قوله تعالى:
﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قرأ نافع: ﴿خالصةٌ﴾ بالرفع بـ ﴿هِيَ﴾، وقرأ الباقون بالنصب على الحال (^١).
وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ صلةُ قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: المؤمنون في الدنيا لهم الطيباتُ على الخلوص في العُقبى، يقول للمشركين: استَبيحوا ما أخرجتُ لكم من ذلك في الدنيا واشكروا لي على النعم ولا تحرِّموها، فإنْ خالفتم أمري استباحها المؤمنون في الدنيا ثم يَخْلص ذلك لهم في العُقبى ولا شركة لكم معهم فيها.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: أي: كما نبيِّن لكم هذه الأحكامَ في الحلال والحرام (^٢)، نبين لكم جميعَ ما بكم حاجةٌ إليه من شرائع الإسلام.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال ابن كيسانَ (^٣): ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ هي اللباس، كما مر في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
وقال الحسن: هي المراكب، كما في قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: ألبانُها ولحومُها، وكانوا يحرِّمون ركوبها وأكلَها والشربَ من لبنها (^٤).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٠)، و"التيسير" (ص: ١٠٩).
(٢) "في الحلال والحرام" ليس في (أ).
(٣) كذا قال، والذي في "التأويلات": (أبو بكر الأصم).
(٤) في (ف) و(أ): "والشرب منها".
[ ٦ / ٣٣١ ]
قال: وقال بعض أهل التأويل: الزينة هي النبات (^١) وما يخرج من الأرض رزقًا للبشر والدوابِّ، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: ٧] وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤] (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: زينةُ القاصدينَ تركُ العادة، وزينةُ العابدين حسنُ العبادة، وزينةُ اللسان الذِّكرُ، وزينة القلب الفِكرُ، وزينة الظاهر السجود، وزينة الباطن الشهود، وزينة النفس حُسن المعاملة، وزينة الروح دوامُ المواصلة (^٣).
* * *
(٣٣) - ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: أي: لم يحرِّم الزينةَ والطيبات، وإنما حرَّم القبائح كلَّها ظاهرَها وباطنها.
قال ابن عبَّاس ﵄: كانوا لا يَرَونَ بالزنا سرًّا بأسًا، وكانوا يستقبحونه علانيةً، فنُهوا عنهما جميعًا (^٤).
وقال قتادةُ ومجاهدٌ: الظاهر نكاحُ الدوابِّ، والجمعُ بين الأختين والأمِّ وابنتِها ظاهرًا، والباطن الزنا (^٥).
_________________
(١) في (ف): "الثياب".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٠٧).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٣٠)، وفيه: (بحكم الحرية).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٦٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٦٩).
(٥) رواه عن مجاهدٍ ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٧٠)، والنحاس في "معاني القرآن" (٣/ ٢٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥١٨ و٦٦١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا =
[ ٦ / ٣٣٢ ]
وقال الكلبي: الظاهر الزنا، والباطن المُخالَّة.
وقال مجاهد الظاهر التعرِّي في الطواف، والباطن الزنا (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَالْإِثْمَ﴾: أي: الذنبَ بينك وبين اللَّه تعالى فيما دون الزنا مما لا يُوجب الحدَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: أي: الاستطالةَ على الناس بغيرِ انتصافٍ يكون من الظالم (^٢).
وقال الحسن: الإثم: الخمر، من قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، والبغي: الاعتداء (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: أي: حجةً؛ أي: الشركُ يكون بهذه الصفةِ بكلِّ حالٍ -إلا أنْ يكون من الشرك ما به سلطانٌ؛ أي: حجةٌ، وهو كما يقال: اجتنِب الخمر المذهِبةَ للعقل- ليس هو للتمييز بل هو للتحقيق أنه أبدًا كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: من تحريم هذه الأشياء التي تحرِّمونها من الحرث والأنعام.
وقال عطاء: هو قولهم: الملائكةُ بنات اللَّه (^٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿الْفَوَاحِشَ﴾: الكبائر؛ لظهور قبحها عقلًا
_________________
(١) = الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١].
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٦٣).
(٣) في (ر) و(ف): "من المظالم".
(٤) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٢٦).
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ١٠٩) من طريق عطاء عن ابن عباس.
[ ٦ / ٣٣٣ ]
وشرعًا ﴿وَالْإِثْمَ﴾: الصغائر ﴿وَالْبَغْيَ﴾: هو أخذُ ما عُصم من مالٍ أو نفسٍ، وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هو كقولهِ -ﷺ-: "فإذا قالوها عصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقها" (^١)، وقولُه: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾؛ أي: عذرًا وهو الإكراه ونحوُه، فإنه قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: ما ظهر منها: الزلةُ، وما بطن منها: الغفلةُ.
ويقال: ما ظهر منها: ارتكاب المنهيِّ، وما بطن منها: خُطورُها بالبال.
ويقال: ما ظهر منها: هو ما كان ببيان الشريعة، وما بطن منها: هو ما كان بإشارة الحقيقة.
ويقال: فاحشةُ الخواصِّ: تتبُّعُ ما لأنفسهم فيه نصيبٌ.
ويقال: فاحشةُ المحبِّ: الصبرُ عن المحبوب.
ويقال: فاحشةُ قومٍ أن يلاحظوا الغيرَ بعينِ الاستحسان، وقال قائلهم:
يا قرةَ العين سَلْ عيني هل اكْتَحلَتْ بمنظرٍ حَسَنٍ مُذْ غِبْتَ عن عيني (^٣)
ويقال: فاحشةُ قوم أن تَبقَى لهم قطرةٌ من الدمع لم يسكبوها للفُرقة، أو يبقَى لهم نفَسٌ ولم يتنفَّسوا [به] في حسرة، وفي معناه أنشدوا:
لئن بقِيَتْ (^٤) في العينِ مني دمعةٌ فإني إذًا في العاشقِينَ دخيلُ (^٥)
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩٤٦)، ومسلم (٢١)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤١١ - ٤١٢).
(٣) في (ر): "بصري"، والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٤) في (أ): "نفيت".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٣٢)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٦ / ٣٣٤ ]
(٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾: أي: ولكلِّ أمةٍ مكذِّبةٍ للرسل مشرِكةٍ باللَّه مدةٌ معلومة عند اللَّه (^١) يوقِع بها العقوبة عندها.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون، فكذلك أهلُ عصرك يا محمدُ.
ودلَّت الآية أنَّ الأجَل واحدٌ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقيل: أجلُهم أن يبعث إليهم رسول فيكذبوه معاندِين، فيَهْلكون عند ذلك ويعذَّبون، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: لكل أمةٍ (^٣) مدةٌ، فإذا تناهَت تلك المدةُ زالت تلك الحالة راحةً كانت أو شدةً، وإذا سقط قرصُ الشمس زال سلطانُ النهار، فلا يزداد بعده إلا تراكمُ الظُّلمة، وإذا ارتحل عسكرُ الظلام لطلوع الشمس، فبعد ذلك لم يبق لتعالي النهار تهمة (^٤).
* * *
(٣٥) - ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "عنده".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤١٢).
(٣) في (ف) و(أ): "قوم".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٣٢)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٦ / ٣٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾: (إمَّا) كلمتان: (إنْ ما) (^١)، (إنْ) للشرط و(ما) للتأكيد، والنون في آخره تأكيدُ الشرط على وجه القسم.
قيل: هذا معنى قوله لآدم ومَن معه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]؛ لأن خطابه يومئذٍ كان خطابًا لآدم وذريتِه، ولذلك جمعهم في الذكر.
وقيل: هذا كان خطابًا لهم حين أَخْذ الميثاق.
وقال مقاتل: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ هذا خطاب لمشركي العرب ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ يعني محمدًا وحده، وسماه باسم الرسل تشريفًا له، وقوله: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾؛ أي: يتلون عليكم القرآن (^٢).
وعلى القولين الأوَّلين قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ معناه: وإن يأتكم ومتى يأتكم أنبياءُ من جنسكم ومن عشيرتكم -وهو أدعى إلى الألفة (^٣)، وأبلغ في الثقة- وهم يحدِّثونكم بآياتي التي أوحيتُ إليهم.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾: أي: اتَّقى الشركَ والمعاصيَ وأصلحَ العمل في الإسلام.
وقيل: أصلح ما كان أفسده قبلَ ذلك؛ أي: جاء بها على ما يَصلح في الدين دون ما لا يَصلح؛ أي استَبدل النِّكاحَ بالسِّفاح، وأكلَ الحلال بأكلِ الحرام، والعقود الصحيحة بالفاسدة، والصلاةَ بأركانها وآدابها دون الصلاةِ بالمكَاء والتَّصْديَة ونحوِ ذلك.
_________________
(١) "إن ما" ليس في (أ) و(ف).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٥).
(٣) في (ف): "وهو إلى الألفة أقرب".
[ ٦ / ٣٣٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: من الوقوع في العقوبات (^١) ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفواتِ الثواب، وهذا لا يبطل مخافات القيامة (^٢) لأن المراد به العاقبة وهو كقول الطبيب يقول (^٣) للمريض: لا بأس عليك ولا خوفَ، وإن كان في وجعٍ وضعف.
* * *
(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: خلافَ مَن اتَّقى وأصلح ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾: أي: تعاظَموا عن قبولها ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وهذا وعيدُ المخالفين، والأول وعدُ الموافقين، و(لا خوفٌ عليهم) ذُكر على الجمع -مع أن الشرط في الواحد- لأن معناه الجمع.
* * *
(٣٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: ثم أخبر عن هؤلاء الذين يخلَّدون (^٤) في النار أنهم هم الذين أَوردوا أنفسهم النار بظُلمهم.
وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا أظلمُ ممن افترى -أي: اختَلق- على اللَّه كذبًا.
_________________
(١) في (ف): "العقاب".
(٢) في (ف): "المخالفات" بدل: "مخافات القيامة".
(٣) "يقول" من (أ).
(٤) في (أ) و(ر): "خلِّدوا".
[ ٦ / ٣٣٧ ]
قال الكلبي: أي: جعل له صاحبة وولدًا.
وقيل: أضاف إليه تحريمَ ما لم يحرِّمه أو إحلال ما لم يحله.
وقيل: قال: إن اللَّه أمرنا بها، ونحو ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ قال الكلبي: بمحمدٍ والقرآن.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي: هؤلاء مع نهايةِ ظلمهم -وهو وضعُ الشيء غير موضعه، ووصفُ اللَّه تعالى بما لا يليق به، والإضافةُ إليه ما ليس منه- لا يَحرِمُهم في الدنيا ما كتب لهم في الكتاب (^١)، بل يَصلُ إليهم حظُّهم بما كتب لهم من الرزق، فيمتَّعون في الدنيا بما كُتب لهم في الكتاب السابق، حتى إذا انقضت آجالهم وحضَرهم ملائكة قبض الأرواح وذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾، وهو بسطُ قول الربيع بن أنس: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما كتب لهم من الرزق (^٢).
وفيه أقاويلُ أُخَرُ للمفسرين:
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما كتب (^٣) من الأعمال والأعمار والأرزاق (^٤).
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أنهم يعملون من خيرٍ أو شرٍّ ويُجزون بكلِّ ذلك (^٥).
_________________
(١) "في الكتاب" من (ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٧٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٧٤).
(٣) "ما كتب" ليس في (أ) و(ف).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٧٥).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٧١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٧٣).
[ ٦ / ٣٣٨ ]
وقال مجاهد: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما وُعدوا في الكتاب من خيرٍ أو شرٍّ (^١).
وعن مجاهد في رواية: الأعمال التي لم يعملوها بعد لا بد لهم من أن يعملوها (^٢).
وقال عطيةُ العوفي: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: من السعادة والشقاوة، قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] (^٣).
وقال الكلبي: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: من العذاب (^٤).
وقال السدِّي: زرقةُ العيون وسوادُ الوجوه، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] (^٥).
وقال الزجَّاج: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما أخبر اللَّه تعالى من جزائهم: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] (^٦).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾: ملك الموت وأعوانُه من الملائكة ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾؛ أي: يقبضون أرواحهم ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: تعبدون من الأصنام ترجون شفاعتهم ومعونتَهم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٧٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٧١).
(٣) ذكره بهذا اللفظ الواحدي في "البسيط" (٩/ ١١٥). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٧٠) بلفظ: (ما سبق لهم في الكتاب). وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٧٤).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ١١٣).
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ١١٤)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٢٧). ووقع بعدها في (ف): "وكذا قال الكلبي".
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
[ ٦ / ٣٣٩ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: أي: افتقدناهم فما نرى لهم أعيانًا، ولا نرجو منهم مودة (^١) ولا أعوانًا.
وقيل: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: الأكابرُ الذين كنتم تستعينون بهم ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾؛ أي: شُغلوا عنا بأنفسهم.
وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾: أي: اعترفوا بكفرهم بلفظة الشهادة التي هي لتحقيق الخبر.
* * *
(٣٨) - ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾: أي: يقول اللَّه تعالى لهم على ألسنة ملائكته يوم القيامة مُعْلِمين لهم بما يقعون فيه: ادخلوا (^٢) في جملةِ مَن كان قبلَكم من كفَّار الجن والإنس الذين هم (^٣) في النار.
وقال مقاتل: ﴿فِي أُمَمٍ﴾؛ أي: مع أمم؛ كما في قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ (^٤).
والإمام أبو منصور ﵀ يقول في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾: يحتمِلُ أنه أراد به خزنة جهنم، ومعنى ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾؛ أي: يعذِّبونهم
_________________
(١) في (ف) و(أ): "معونة".
(٢) في (أ): "فيما دخلوا" بدل: "فيه: ادخلوا".
(٣) "الذين هم" ليس في (ف).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٤١) و(٤/ ٢٢).
[ ٦ / ٣٤٠ ]
بما فيه شدائدُ الموت (^١) وإن كانوا لا يموتون؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] (^٢).
فعلى هذا تكون الآيتان جميعًا في ذكر حالهم يومَ القيامة، وعلى التأويل الأول تكون الأولى في الدنيا والأخرى في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ﴾: أي: دخلت النار ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾؛ أي: الأمَّةَ التي هي مثلُها في الدين ممن سبق إليها، وهي مجاز كما في قوله: ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨].
وقال مقاتل: يلعن المشركون المشركين، واليهودُ اليهودَ، والنصارى النصارى، ويَلعن الأتباعُ القادة (^٣).
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾؛ أي: دَعَت على الأمة التي دخلت قبلها النارَ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾: أصله: تدَاركوا، وتفسيره: تلاحَقوا، ومعناه: اجتمعوا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾: أي: المتأخِّرون للمتقدمين: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾؛ أي: هم كذَّبوا الأنبياء فاتَّبعناهم في ذلك، فلو صدَّقوهم لصدَّقناهم.
ويقولون أيضًا: إنهم دَعَونا إلى ذلك وأمرونا به، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣].
_________________
(١) في (ر): "العذاب".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤١٧)
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٦).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ١٢١).
[ ٦ / ٣٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾: أي: يا ربنا أضعِفْ لهم العذاب؛ أي: عذِّبهم عذابًا مكرَّرًا زائدًا على عذابنا بضلالهم وإضلالهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾: أي: لكلٍّ منكم ومنهم عذابٌ مضاعَفٌ مكرَّر لا ينقطع؛ لاشتراككم في الكفر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر بياء المغايبة (^١)، ومعناه ما قال مجاهد: لكلٍّ ضعف من القادة والرؤساء على عذابِ السَّفِلة والأتباع، ولكن لا يعلمُ الأتباع، ولو علموا لكان لهم فيه تسلٍّ وخفَّةٌ ونوعُ سرور (^٢)، وليس لهم شيءٌ من ذلك.
وقال الكلبي: إن أهونهم عذابًا يَرى أنه ليس في النار أشدُّ عذابًا منه.
وقرأ الباقون بتاء المخاطبة لهؤلاء المعذَّبين، ومعناه: لا علم لكم به في الحال.
وقال عطاء: لا علمَ لكم به في الدنيا حتى يَحلَّ بكم ذلك في الآخرة.
وقيل: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا عذرَ لكم ولا حجةَ ولا خفَّة بسبب تقدُّمهم وتأخُّركم؛ إذ الحجةُ قائمة عليكم كلِّكم.
وقيل: أي: لا تعلمون أنتم ما عليهم لشدَّة ما عليكم.
* * *
(٣٩) - ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٠)، و"التيسير" (ص: ١١٠). وقرأ الباقون بالتاء كما سيأتي.
(٢) في (أ): "وخفة وسرور".
[ ٦ / ٣٤٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾: أي: في عقلٍ وتدبُّرٍ، فإنكم سمعتُم ما نزل (^١) من المثُلات فلم تعتبِروا.
وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: من الكفر كما نحن نذوقُه بكَسْبنا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الأُولى والأخرى يحتمِلُ أن يكون المراد به: في الزمان؛ أي: في الأمم المتقدِّمة والمتأخرة، ويحتمِل أن يكون المراد بالأولى: القادةَ الذين دخلوا النار أولًا، والأخرى: الأتباعَ الذين دخلوا آخِرًا، وقوله: ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ دليلٌ على أن الكفار إخوةٌ بعضُهم لبعض كما أن المؤمنين إخوة بعضهم لبعض (^٢).
* * *
(٤٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾: فسَّرناه في هذه السورة.
وقوله تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿تُفْتَحُ﴾ بتاء التأنيث مخفَّفًا؛ لأن أصل الفعل الفتحُ والأبوابَ جمع.
وقرأ حمزة والكسائي بياء التذكير مخفَّفًا لتقدُّم الفعل.
وقرأ نافعٌ وعاصمٌ وابن عامر (^٣) [وابن كثير] بتاء التأنيث والتشديد (^٤)، من
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ترك".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤١٨ - ٤١٩).
(٣) في (ر) و(ف): "وقرأ الباقون".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٠)، و"التيسير" (ص: ١١٠)، وما بين معكوفتين منهما.
[ ٦ / ٣٤٣ ]
التفتيح وهو التكريرُ والتكثير، ومعناه: لا تفتَّح لهم أبواب السماء المعروفةِ لأرواحهم إذا ماتوا.
وروَى البراءُ بن عازب وأبو هريرةَ ﵄ عن رسول اللَّه -ﷺ- في حديثٍ طويلٍ: أن روح الكافر يُستفتحُ لها في السماء فلا يُفتح وتردُّ إلى سجِّينٍ (^١).
وقيل: أي: لا تُفتح لهم أبواب السماء لرفع الأعمال كما تُفتح للأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] بل يُردُّ عملُه (^٢) إلى سجِّين، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]، وقال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، وهو قول ابن عبَّاس والكلبي ﵃ (^٣).
وجمع بينهما أبو العالية فقال: لا تُفتح (^٤) أبواب السماء لأعمالهم ولا لأرواحهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعضهم: أراد بها أبواب الجنان، فإن الجنة في السماء قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]؛ أي: في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ لا ينفي هذا التأويلَ، ولا يكون للتكرير فإن معناه: لا تفتح لهم أبوابها ولا يدخلونها.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٧٢) من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (١٨٥٣٤) من حديث البراء ﵁.
(٢) "عمله" من (ف).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٧١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٧٣)، من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواه الطبري أيضًا من طريق عطاء عن ابن عباس. وكلاهما رواه من طريق الضحاك عن ابن عباس بالوجه الأول، ولفظه عندهما: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ قال: عنى بها الكفار، أنّ السماء لا تفتح لأرواحهم، وتفتح لأرواح المؤمنين.
(٤) بعدها في (ف): "لهم".
[ ٦ / ٣٤٤ ]
وقيل: تمثيل لرِفعةِ القَدْر (^١)؛ قال النابغة الجَعْدي:
بلَغْنا السماء مجدُنا وفعالُنا (^٢) وإنَّا لنرجو فوقَ ذلك مَظْهرا (^٣)
وقال أبو تمَّامٍ الطائيُّ:
فتحٌ تفتَّحُ أبوابُ السماء له وتَبْرُزُ الأرضُ في أثوابها القُشُبِ (^٤)
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ قال ابن عباس: أي: حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة (^٥).
والسَّمُّ بفتح السين وضمِّها: ثقب (^٦). وقرأ ابن سيرين بالضم (^٧)، والعامة بالفتح.
والخِيَاط: المِخْيَط؛ قاله الفرَّاء (^٨).
وهو تخييبٌ لهم عن دخول الجنة؛ أي: هذا لا يكون أبدًا كما لا يدخل الجملُ في سَمِّ الإبرة أبدًا، والجمل بحاله والسَّمُّ بحاله.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٢٠)
(٢) في (أ): "رفعًا لنا".
(٣) البيت في "ديوانه" (ص: ٥١ و٦٨)، و"جمهرة أشعار العرب" (ص: ٣٧ و٦٢٩)، و"الشعر والشعراء" (١/ ٢٨٠)، و"الزاهر" لابن الأنباري (١/ ١٧٥)، و"العقد" لابن عبد ربه (١/ ٣٠٨)، و"الموشح" للمرزباني (ص: ٣١٠)، واختلفت روايات صدره في المصادر مع بقاء محل الشاهد فيه.
(٤) البيت من قصيدته المشهورة في فتح عمورية.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٩١).
(٦) في (أ): "خرق"، وفي (ف): "خرم".
(٧) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨ - ٤٩) عن أبي السمال.
(٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٧٩).
[ ٦ / ٣٤٥ ]
وقرأ ابن عبَّاس ﵄: (الجُمَّلُ) بضم الجيم وتشديد الميم (^١)، وهو حبلُ السفينة، وهو كبيرٌ غليظ.
وقيل: هو الحبلُ الذي يُصعَد به النخلُ.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: أي: وهكذا نُعاقِبُ المشركين.
* * *
(٤١) - ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ قال الحسن: ﴿مِهَادٌ﴾: فِراشٌ، و﴿غَوَاشٍ﴾: ظُلَلٌ (^٢)، جمعُ غاشيَةٍ وهي المغطِّيَةُ، وهو كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] وقولهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥].
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: أي: الظالمين أنفسَهم بالشرك باللَّه ووضعِهم الشيءَ غيرَ موضعه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كما أحاطت بهم الذنوب في الدنيا فتدَنَّس بالزَّلة ظاهرُهم وبالغفلة باطنُهم، كذلك أحاطت العقوبات غدًا بجوانبهم، فمِن فوقهم عذابٌ ومن تحتِهم عذابٌ، وفي قلوبهم استيلاءُ الوحشة وغلبةُ الدهشة (^٣).
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٨) عن علي وابن عباس، ورواها الطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٩٢) من طريق مجاهد عن ابن عباس، وزاد: (وقال: هو حبل السفينة)، وزاد في رواية عكرمة عنه: (قال: الحبل الغليظ). ونسبها أبو حيان في "البحر" (١٠/ ٩٠) لجمع منهم ابن عباس ومجاهد وأبو مجلز وابن يعمر والشعبي وغيرهم.
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٢٣).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٣٤).
[ ٦ / ٣٤٦ ]
(٤٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ذكر ثواب المصدِّقين بعد عقابِ المكذِّبين.
و﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قيل (^١): هو اعتراضُ الكلام قبل التمام، و﴿أُولَئِكَ﴾ جواب: ﴿وَالَّذِينَ﴾.
وقيل: بل هو جوابٌ بعد جوابٍ، وتقديره: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسًا منهم إلا طاقتها من الأعمال الصالحات في الدنيا وأولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون في العقبى.
* * *
(٤٣) - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾: أي: حقد؛ أي: لا حقد لهم ولا حسد ولا تنافُس.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾: أي: هم في مواضعَ في غاية النزاهة والطِّيب، وقد زال عنهم الحسدُ فلا يتنافسون بتفاوت المنازل، ولم يبقَ ما كان بينهم في الدنيا من خشونةٍ وأذًى.
_________________
(١) "قيل" ليس في (ف).
[ ٦ / ٣٤٧ ]
قال قتادة: قال عليٌّ ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمانُ وطلحةُ والزبير من أهل هذه الآية (^١).
وقال ابن عبَّاس ﵄: هم المؤمنون من الصحابة وغيرِهم؛ يكونُ بينهم العداوةُ في الدنيا فيموتون على ذلك فيغفرُها (^٢) اللَّه لهم، فإذا أَدخلهم الجنة نزع ما كان في قلوبهم من غلٍّ فصاروا إخوانًا على سُررٍ متقابلين (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ قال سفيان الثوري: أي: لعملٍ هذا ثوابُه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾:
قيل (^٥): أي: بالصِّدق.
وقيل: أي: بما هو حقٌّ في العقول وصوابٌ.
وقيل: أي: بالدِّين الحقِّ الذي يستحقُّه على عباده، وهذا بيانٌ منهم لاعتقادهم، وشكرٌ (^٦) للَّه تعالى على إرشادهم.
وقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: تناديهم الملائكة: أنْ تلك الجنة التي أُخبرتم عنها في الدنيا هي هذه أَوْرثَكُموها اللَّه؛ أي: أعطاكم بأعمالكم، وهي إيمانُهم وطاعاتهم، وسمَّاها ميراثًا لأنه ليس مما يُستحق
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٠١)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٩٨ - ١٩٩).
(٢) في (ف): "فيغفر".
(٣) ذكره أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٥٣٢).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٣٤)، والواحدي في "البسيط" (٩/ ١٤٠).
(٥) "قيل" من (أ).
(٦) في (ف): "وشكرهم".
[ ٦ / ٣٤٨ ]
بالعمل، بل هو محضُ فضل اللَّه تعالى وَعَدهم على (^١) الطاعات؛ كالميراث من الميت لا يكون عوضًا مستحَقًّا عن شيء بل هو عطيةٌ خالصة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعض الناس: إن المعتزلة خالفوا اللَّه تعالى فيما أَخبر، وخالفوا الرسلَ فيما أَخبروا عن اللَّه تعالى، وخالفوا أهل الجنة والنار، وخالفوا إبليس:
اما مخالفةُ اللَّه: فإنه قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
وأما مخالفة الرسل: فقد قال نوح ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤].
وأما مخالفة أهل الجنة: فقولهم: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وأما مخالفة أهل النار: فقوله تعالى: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١].
وأما مخالفة إبليس: فقول إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] فهو أعلم باللَّه من المعتزلة (^٢).
وقال مقاتل ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾: وذلك أن أهل الجنة لمَّا انتهوا إلى باب الجنة إذا هم بشجرةٍ تنبع من ساقها عينان، فيميلون إلى إحداهما فيشربون منها، فيُخرج اللَّه تعالى ما كان في أجوافهم من غلٍّ وقَذَر فيُطهِّر أجوافهم بذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ثم يميلون إلى العين الأخرى فيغتسلون منها، فيطيِّب (^٣) اللَّه تعالى أجسادهم من كلِّ
_________________
(١) في (ر): "وعده من".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٢٧)
(٣) في (أ): "فيطهر"، والمثبت موافق لما في "تفسير مقاتل".
[ ٦ / ٣٤٩ ]
دَرَنٍ، وجَرت عليهم النُّضرة فلا تَشعَّثُ رؤوسُهم ولا تَغْبرُّ (^١) وجوههم ولا تَشْحبُ أجسادهم، ثم تبشرهم خزنةُ الجنة قبل أن يدخلوها فينادونهم: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فلما استقروا في منازلهم قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾؛ أي: لدِينه ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: بأنَّ هذا اليوم حقٌّ، فصدَّقناهم (^٢).
وقيل: لمَّا لم ينظروا إلى أعمالهم بل ذكروا منَّة (^٣) اللَّه تعالى بالهداية، ذكر اللَّه أنهم وَرِثوها بأعمالهم فحصل (^٤) لها قيمة.
* * *
(٤٤) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾:
قرأ الكسائي: ﴿نَعِم﴾ بكسر العين (^٥)؛ لِمَا رُوي عن أبي عثمان النهديِّ: أن عمر ﵁ سألهم عن شيء، فقالوا: نَعَم، فقال: إنما النَّعَم الإبل، فقولوا: نَعِم (^٦).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تتغير"، والمثبت موافق لما في "تفسير مقاتل".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٧ - ٣٨).
(٣) في (ف): "نعمة".
(٤) في (ر) و(ف): "فجعل".
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨١)، و"التيسير" (ص: ١١٠). وقرأ الباقون بفتح العين كما سيأتي.
(٦) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٤٠٣). وعزاه ابن عطية لكتاب أبي حاتم، وأبو حاتم هو سهل بن محمد السجستاني، قرأ كتاب سيبويه على الأخفش مرتين، وروى عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي =
[ ٦ / ٣٥٠ ]
وقرأ الباقون: بفتحها، وهي لغةُ أهل الحجاز وعامةِ العرب.
ومعنى الآية: أن أهل الجنة ينادُون يومئذ أهلَ النار -لأنهم مشرِفون عليهم، فإن الجنة عالية وجهنمَ متسفِّلة- فيقولون لهم: إنَّا وجدنا ما وَعدنا اللَّه من الثواب حقًّا، فهل وجدتُم ما وَعد ربكم (^١) من العقاب حقًا؟ قالوا: نعم.
وإنما يكون هذا تشفِّيًا لقلوب المؤمنين وزيادةَ تعذيب للكافرين، فإنهم كانوا يؤذونهم ويعيِّرونهم كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾: أي: نادى منادٍ، وهو ملك أو مَن شاء اللَّه:
﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: قرأ ابن عامر وحمزةُ والكسائي وابن كثير بتشديد النون، والباقون بالتخفيف (^٢).
قال أبو حاتم: التخفيفُ أولى؛ ليكون موافقًا لقوله: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ ﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
وقال الأخفش: التشديد أولى؛ لأنها يليها الاسم.
﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: حصَلت على الكافرين دون المؤمنين، وهو إخبارٌ.
وقيل: هو ابتداءُ لعنٍ منهم لهم (^٣).
_________________
(١) = زيد وغيرهم، له مصنفات كثيرة منها كتاب في القراءات، توفّي سنة خمسين -أَو خمس وخمسين، أو أربع وخمسين، أو ثمان وأربعين- ومئتين، وقد قارب التسعين. انظر: "بغية الوعاة" (١/ ٦٠٦). قلت: ولعل كثيرًا مما ينقله الناس عن أبي حاتم هو من كتابه في القراءات، لكنهم لا يعيّنونه.
(٢) "ربكم" ليس في (أ) و(ف).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨١)، و"التيسير" (ص: ١١٠). وقراءة ابن كثير هذه هي من رواية البزي عنه.
(٤) بعدها في (ر): "من اللَّه".
[ ٦ / ٣٥١ ]
(٤٥) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يمنعون عن دِين اللَّه بالنهي وإدخال الشُّبَه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: أي: يطلبون لها (^١) تغييرًا وإمالةً إلى الباطل.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾: أي: كانوا بها جاحدِين.
كلُّه نعتُ الظالمين الذين عليهم اللَّعنةُ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قالوا: ذكَر نداءَ أهلِ الجنة أهلَ النار، ونداءَ أهلِ النار أهلَ الجنة، ونداءُ بعضهم بعضًا لا يكون إلا بحيث يكون بعضهم قريبًا من بعض، وقد جاء في وصف الجنة أن أقلَّ ما يكون لواحدٍ من أهل الجنة مثلُ عَرْض الدنيا، وجاء أن الحور العين لو نظرت واحدةٌ منهنَّ إلى (^٢) الدنيا نظرةً لامتلأت الدنيا من ضوئها وعِطرها، وجاء في وصف النار أن شرارةً لو وقعت في الدنيا لأحرقتْها، فإذا كان (^٣) بعضُهم مِن بعضٍ بحيث يَسمع من بعض (^٤)، ألَا يتأذَّى أهل الجنة بأهل النار (^٥)، ولا يتنعمُ أهلُ النار بنعيم أهل الجنة؟
قلنا: إن اللَّه قادر على أن يُوقع نداء هؤلاء بمسامعِ هؤلاء مع بُعْدِ ما بينَهما، ويُسمعَ كلَّ فريق نداءَ الفريق الآخر، أو يكونُ اللَّه جعَلَ بِنْية هذا الخَلْق غيرَ هذه البِنية
_________________
(١) "لها" ليس في (ف).
(٢) بعدها في (ف): "أهل".
(٣) بعدها في (ف): "نداء".
(٤) في "التأويلات": (فإذا كان بعضهم من بعض بحيث يسمعون بعضهم نداء بعض).
(٥) في (أ): "بالنار"، بدل: "بأهل النار".
[ ٦ / ٣٥٢ ]
مع ارتفاع الآفَات (^١) والحجُب، فيَسمعُ بعضهم نداءَ بعضٍ مِن بُعدٍ، ويُبصِرُ بعضُهم بعضًا؛ لأن في الدنيا المانعُ هي الآفَات والحجبُ وقد ارتفع ذلك، أو تُقرَّب الجنة من النار [والنارُ من الجنة] بحيث يُسمعُ بعضُهم بعضًا ما ذُكر من النداء (^٢).
* * *
(٤٦) - ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾: قال بعض أهل التفسير: هو السورُ المذكور في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ الآية [الحديد: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾: هي جمع عُرف، وهو المكان المرتفع، ومنه: عُرف الديك، وذلك لأنه بظهوره أَعْرفُ مما انخفض منه.
وقيل: سمي بذلك لأن أصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة من أهل النار.
وقيل في معنى الآية: أي: وعلى أعالي الحجاب -وهو السورُ- رجال.
قيل: هم ملائكةٌ موكَّلون بأعالي هذا السور يميِّزون المؤمنين من الكافرين (^٣) قبلَ إدخالهم الجنةَ والنار، واسم الرجال وإن كان في الأظهر لذكورِ بني آدم، فغيرُ منكَرٍ أن يقع على الملائكة كما وقع على الجن في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ وسُمُّوا رجالًا لأنهم في صورة الرجال.
_________________
(١) في (ف): "الآلات".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٢٩)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) في (ف): "الكفار".
[ ٦ / ٣٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: أي: الكفارَ بسوادِ الوجوه وزُرقة العيون، والمؤمنين بنَضرة النعيم ونورِ الوجوه.
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: يبشِّرونهم بالسلامة من كلِّ مَخوف، وبسلامِ التحية في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾: أي: أهلُ الجنة بَعْدُ (^١) ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾؛ أي: يرجُون، وهو طمع اليقين كما في قول الخليل: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وهذا هو قولُ الحسنِ وأبي مجلزٍ (^٢).
* * *
(٤٧) - ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾: أي: أبصار هؤلاء الملائكةِ ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾؛ أي: حِذاءَهم، وهي جهة اللقاء.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: قال هؤلاء الملائكةُ هذا بطريق الدعاء حين أَشرفوا على حال (^٣) أهل النار، وهم متعبَّدون مكلَّفون كبني آدم، فلا يُنْكر أن يدعوا اللَّهَ لأنفسهم بالأمن.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: هم أهلُ كرامة اللَّه، أكرمهم بذلك فرفَعهم على السور لينظروا إلى حُكم اللَّه في الخلق وعدلِه فيهم، وينظروا إلى إحسان اللَّه تعالى فيمَن يُحسن إليه (^٤) [وعدلهِ فيمَن يعاقبهم].
_________________
(١) "بعد" ليس في (ف).
(٢) انظر ما رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٦ و٢٢٧).
(٣) "حال" من (أ) و(ف).
(٤) في (ف): "إليهم".
[ ٦ / ٣٥٤ ]
قال: وقيل: هم الأنبياء، والأشبهُ أن يكونوا (^١) الأنبياءَ، يكونون على الأعراف يَشهدون على الأمم، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] (^٢).
وروى عبد الرحمن المزنيُّ قال: سُئل النَّبي -ﷺ- عن أصحاب الأعراف قال: "ناسٌ قُتلوا في سبيل اللَّه، منَعَهم الجنةَ معصيتُهم آباءَهم، ومنَعَهم النارَ قتلُهم في سبيل اللَّه ﷿" (^٣).
وقال مجاهد: هم أقوام رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم، وأمهاتُهم دون آبائهم، فلم يدخلهم اللَّه الجنة لأن آباءهم أو أمهاتِهم غيرُ راضين عنهم، ولم يدخلهم النار لرضا آباءهم أو أمهاتهم عنهم، فيُحبَسون على الأعراف إلى أن يقضيَ اللَّه تعالى بين الخلق ثم يدخلهم اللَّه الجنة (^٤).
وقال الكلبي: استوت حسناتُهم وسيئاتهم فوُقفوا عليه.
وقال حذيفةُ: هم قوم كانت لهم حسناتٌ وسيئاتٌ، فخالفت بهم حسناتهم عن
_________________
(١) في (أ) و(ر): "يكون"، وليست في (ف)، والمثبت من "التأويلات" (٢/ ٢٣٤) (ط: الرسالة).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٣١)، وما بين معكوفتين منه.
(٣) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٩٥٤ - تفسير)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١١٢٣)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢١٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٨٤). وفي إسناده أبو معشر، وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه كما في "الإصابة" (٤/ ٣١١). ورواه الطبري بإسناد آخر لكنه ضعيف جدًّا لتسلسله بالمبهمين. وانظر كلام الشيخ أحمد شاكر على الحديث في تحقيقه لـ "تفسير الطبري" (١٢/ ٤٥٨). ورواه الطبراني في "الأوسط" (٣٠٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه محمد بن مخلد الرعيني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهما ضعيفان.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٣٦)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٦ / ٣٥٥ ]
النار، وقصَّرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فكانوا كذلك حتى قضى اللَّه فيهم ما قضى (^١).
وعلى هذه الأقاويل المتأخِّرة: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أصحابُ الأعراف، وكذلك: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ الآية.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني (^٢): أصحاب الأعراف هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدِّلوا دينهم.
وقيل: هم أولاد المشركين.
* * *
(٤٨) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: رجالًا من الكفار يعرفونهم بسوادِ الوجوه ونحوِه: ما نَفَعكم جماعاتكم؟
وقيل: جَمْعُكم الأموالَ، وتكبُّركم عن الإيمان، أو تعَظُّمكم على الناس بالرياسة ونحوها.
وهذا توبيخ للكفار.
* * *
(٤٩) - ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢١٣)، والبيهقي في "البعث والنشور" (١١٠) و(١١١).
(٢) في النسخ: "عبد الرحمن بن يحيى الكتاني"، وفيه خطأ وتحريف، والتصويب من "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٣٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٣٣)، و"زاد المسير" (٣/ ٢٠٦). وقد تكرر النقل عنه في هذا التفسير.
[ ٦ / ٣٥٦ ]
قوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾: وهم ضعفاءُ المسلمين كان الكفار يستخفُّون بهم، فيقول أصحاب الأعراف: أهؤلاء الذين حلَفتم ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾؛ أي: لا يصيبهم اللَّه بكرامة؟ فانظروا إلى حالهم.
وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: أي: يقول أصحاب الأعراف للضعفاء من المؤمنين ردًا على الكافرين ما أقسموا به: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾.
وقيل: يقال لأصحاب الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
وقال الكلبيُّ: إنهم ينادُون وهم على السور: يا أبا جهل، يا وليدَ بنَ المغيرة، ويا فلان، يعرفونهم بسيماهم، ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ في الدنيا المالَ والولد، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان باللَّه؟ ثم ينظرون إلى أهل الجنة فيَرون فيها الضعفاء والمساكين ممن كانوا يستهزؤون بهم مثلَ سلمانَ وصهيبٍ وخبَّابٍ وأشباههم، فنادَوهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ يعني: الضعفاء والمساكين ممن (^١) حلفتم وأنتم في الدنيا ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ يعني: بالجنة، يقول اللَّه تعالى لأصحاب الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ حين يخاف أهل النار ﴿وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ حين يحزن أهل النار (^٢).
وقال أبو العالية: يقول لهم أصحاب الأعراف: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ فأَقْسَم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، فيقول اللَّه تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ يا أصحاب الأعراف.
وقال ابن مسعود ﵁: يحاسَبُ الناس يومَ القيامة، فمَن كانت حسناتُه
_________________
(١) "ممن" من (ف).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٣٧)، و"البسيط" (٩/ ١٥٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٣٣).
[ ٦ / ٣٥٧ ]
أكثرَ من سيئاته بواحدةٍ دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآيةَ، وإن الميزان يخفُّ بمثقالِ حبةٍ أو يَرجَح، ومَن استوت حسناتُه وسيئاتُه كان من أصحاب الأعراف، فوُقفوا على الصراط ثم عَرفوا أهل الجنة والنار، فإذا نظروا إلى يمينهم فرأوا (^١) أهل الجنة قالوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وإذا نظروا إلى يسارهم فرأوا (^٢) أصحابَ النار قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فأما أصحابُ الحسنات فيعطَون نورًا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويُعطَى كلُّ عبد يومئذ نورًا وكلُّ أَمَةٍ نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلَب اللَّه نورَ كلِّ منافقٍ ومنافقةٍ، فلما رأى أهلُ الجنة ما لقي المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]، وأمَّا أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم، فلم يُنزع النور من أيديهم، ومنعتْهم سيِّئاتهم أن يَمضوا بها، فبقي في قلوبهم الطمع إذ لم يُنزع النور من أيديهم، فذلك قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ ثم أُدخلوا بعد ذلك، وكانوا آخِرَ أهل الجنة دخولًا.
وقال ابن مسعود ﵁ وهو على المنبر: إنَّ العبد إذا عمِل حسنةً كتبت له بها عشرٌ، وإذا عمل سيئةً لم يُكتب عليه إلا واحدةٌ، ثم يقول: وقد هلَك مَن غلَب آحاده عشَراته (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: أصحاب الأعراف أصحابُ الأشراف، خُصُّوا بأنوار (^٤) البصائر اليومَ فأشرفوا على مقادير الخلق بأسرارهم، وأشرفوا غدًا على
_________________
(١) "يمينهم فرأوا" من (أ)، ولم ترد في "تفسير الطبري".
(٢) في (ر): "فنظروا".
(٣) رواه بتمامه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢١٣)، وفي إسناده أبو بكر الهذلي؛ قال عنه الحافظ في "التقريب": أخباري متروك الحديث.
(٤) في (ف): "بأنواع".
[ ٦ / ٣٥٨ ]
مقامات الكلِّ بأبصارهم وعرفوهم بسيماهم التي وجدوهم عليها في دنياهم، فأقوامٌ موسومون بأنوار القُرب، وآخرون موسومون بآثار الحَجْب، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سَلِموا اليوم عن النكرة والجحود، وأُكرموا بالعرفان والتوحيد، وسلموا غدًا عن فنون الوعيد، وسُعدوا بلطائف المزيد (^١).
* * *
(٥٠) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾: فلا صبر لنا على العطش ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الطعام فلا قرار لنا على الجوع.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أي: الطعامُ والشرابُ هاهنا كثير، ولكن اللَّه تعالى حرَّمهما في هذه الدار على الكافرين، وهو تحريم منعٍ لا تحريمُ تكليفٍ، كما في قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] قال تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
وفي "تفسير المشافَهات" (^٢): أن أهل النار ينادُون أهل الجنة بأسمائهم، فينادي
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٣٧).
(٢) في (أ): "المشابهات". والمثبت من (ر) و(ف)، ولعله كتاب "المشافهات" لعلي بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي السمرقندي، كما في "الأنساب" للسمعاني (٢/ ٢١٠). وسماه بذلك كما في "المغرب" للمطرزي (مادة: شفه) لأنه زَعَم أنَّ ما ذُكِرَ من التفسير كلُّه مسندٌ إلى رسولِ اللَّه -ﷺ- فكأنَّه شافهه به. وتوفي علي بن إسحاق الحنظلي سنة مئتين وسبع وثلاثين كما في "الأنساب" (٥/ ٩٢). وكذا ذكر وفاته ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤٦٦) وقال: يروي عن بن المبارك ثنا عنه الحسن بن سفيان. وذكره ابن حجر في "التهذيب" تمييزًا، ونقل عن الدارقطني قوله في "العلل": علي بن إسحاق ثقة.
[ ٦ / ٣٥٩ ]
الرجلُ أباه وأمَّه وأخته وأخاه، فيقولون: إن النار قد أَعْمت أبصارنا، إن النار قد أَصمَّت أسماعنا، إن النار قد أَنضجت جلودَنا، إن النار قد اطَّلعت على قلوبنا، وإنا خرجنا من الدنيا عطاشًا، وسكنَّا القبور عطاشًا، وخرجنا من القبور عطاشًا، وقد قطع العطش اليومَ حلوقَنا، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللَّه، فيقول أهل الجنة: إن اللَّه حرَّمهما على الكافرين.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: انظر كيف لا يسقيهم قطرةً، مع استغنائه عن تعذيبهم، وقدرته على أن يعطيَهم ما يريدون، ولكنْ قهرُ (^١) الربوبية، والعزَّةُ الأحدية، وأنه فعَّال لِمَا يريد؛ فكما لم يرزقهم اليوم من عرفانه ذرة، لا يسقيهم غدًا في تلك الأحوال قطرة، وفي معناه أنشدوا:
وأَقْسَمْنَ لا يَسقيننا الدَّهرَ قطرةً ولو زخَرت (^٢) من أرضهنَّ بحورُ
قال: ويقال: إنما الْتَمسوا الماء ليبكُوا به؛ لأنَّه نفدت دموعهم، وفي هذا المعنى أنشدوا:
يا نازحًا نَزَحَتْ (^٣) دَمْعي قَطِيعتُه هَبْ لي من الدَّمع ما أبكي عليك به
وفي معناه أنشدوا أيضًا:
نَزَف البكاءُ دموعَ عينك فاسْتَعِرْ عينًا لغيرك دمعُها مِدْرارُ
مَن ذا يُعيرك عينَه تبكي بها أرأيتَ عينًا للبكاء تُعار (^٤)
_________________
(١) أي: (ولكن هو قهرُ. . .)، فكلمة "قهر" خبر لمبتدأ محذوف، ولفظ "اللطائف": (ولكنه قهر).
(٢) في (ر): "زحرت"، وفي "اللطائف": (فجرت).
(٣) في (أ): "قرحت"، وفي "اللطائف": (نزفت).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٣٨).
[ ٦ / ٣٦٠ ]
(٥١) - ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾: وهو نعتُ الكافرين.
وقيل: هو قولُ أهل الجنة في وصفهم.
وقيل: هو قولُ اللَّه تعالى في حقِّهم (^١) بعد ذكر أهلِ الجنة ذلك في خطابهم.
ومعنى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾؛ أي: على متابعةِ أهوائهم يحرِّمون ما شاؤوا ويُحلُّون ما شاؤوا، غير دائنين للَّه ولا متَّبعِين أمره.
وقيل: كان دينُهم دينَ إسماعيل فغيَّروه.
وقال أبو رَوقٍ: أي: عيدَهم لهوًا ولعبًا (^٢)؛ أي: باطلًا وفرحًا، وكذا أهلُ كلِّ دِينٍ، والمسلمون اتَّخذوا عيدَهم صلاةً وطاعةً.
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: خدعهم ما كانوا فيه من عزِّ الدنيا وسَعتها، وظنُّوا أن ذلك من كرامتهم على اللَّه تعالى، وأن لهم مثلَ ذلك في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾: يقول اللَّه تعالى: فهذا اليومُ الذي يستغيثون بأهل الجنة نتركهم في النار كالمنسيِّين؛ ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾؛ أي: كما تركوا التفكُّر في الآخرة والجزاءِ على الأعمال كالمتناسِين لها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: عطفٌ على ﴿كَمَا نَسُوا﴾؛ أي: وما كانوا يجحدون بآياتنا فلا يصدِّقون أنها مِن عندنا.
_________________
(١) "في حقهم" ليس في (ف).
(٢) انظر: "زاد المسير" (٣/ ٢٠٩).
[ ٦ / ٣٦١ ]
وقال الحسن ومجاهد وابن عبَّاس والسدِّي: نتركُهم كما تركوا لقاء يومهم هذا (^١).
وقال القشيريُّ ﵀: كما تركوا الطاعة تركتُهم في العقوبة، فتأتي عليهم الأحقابُ فلا كشفَ عذابٍ، ولا بردَ شراب، ولا حُسن جواب، ولا إكرامَ خطاب، ذلك جزاء مَن لم يعرف قَدْر الوُصلة في أوقات المهلة (^٢).
* * *
(٥٢) - ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: نسُوا أمرنا وجحدوا بآياتنا، ولقد كنَّا آتيناهم كتابًا فصَّلناه؛ أي: جعلناه فصولًا: أمرًا ونهيًا، وتحريمًا وتحليلًا، ووعظًا وضربَ أمثالٍ، بلسانٍ عربيٍّ مُبين، على علمٍ منا بإيضاحه وتقريبه إلى الأفهام، وعلى علمٍ منا بما أَوْدعْناه، وعلى علمٍ منا بمَن يتَّبعه وبمن لا يتَّبعه، وجعلناه هدى ورحمة لمن صدَّقه وعمل به.
وقال القشيري ﵀: ولقد أنزلنا إليهم من الكتاب، وأوحينا إليهم من فصل الخطاب، ما لو قابَلوه بحُسن الإصغاء، وتلقَّوه على قَدَم الاستواء، لتخلَّصوا به من محنةِ البِعاد، ولسُعدوا برتبةِ الوداد، ولوصلوا به في الدنيا والآخرة إلى المراد (^٣).
* * *
_________________
(١) ذكره عنهم الواحدي في "البسيط" (٩/ ١٦١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨) عن ابن عباس ومجاهد، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٩٢) عن ابن عباس والسدي.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٣٩).
(٣) المرجع السابق الموضع نفسه.
[ ٦ / ٣٦٢ ]
(٥٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾: استفهام بمعنى النفي؛ أي: ما ينتظرون إلا عاقبتَه وما يؤول إليه الأمر.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾: يرجع إلى الكتاب؛ أي: عاقبةُ تصديقه وتكذيبِه، وهو يومُ القيامة.
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: تركوا العملَ بالكتاب في الدنيا ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالصدق في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾: حُذف النونُ للنصب بالفاء جوابًا للتمنِّي ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ بالرفع؛ لأن معناه: وهل نردُّ إلى الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ﴾ نصبٌ بالفاء جوابًا للتمني أيضًا ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فنصدِّقَ ونتَّبع.
فآيسهم اللَّه تعالى من هذا التمنِّي فقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: قد غُبنوا وصاروا إلى النار ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: ما كانوا (^١) يكذِبون، وهو قولهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥].
وقيل: أي: بطَل عنهم ما كانوا يعبدونه من الأصنام ثم (^٢) يرجون الانتفاع بها بالشفاعة والتقريب إلى اللَّه زلفى.
وقال السدِّيُّ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وقعةُ بدر (^٣).
_________________
(١) "ما كانوا" من (ف).
(٢) "ثم" ليس في (أ).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٤٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٩٤). كلاهما بلفظ: =
[ ٦ / ٣٦٣ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: إذا كُشف لهم عن أستار الغيب، وتشقَّقت (^١) عن قلوبهم أغطيةُ الرَّيب، فهناك لا دعاء لهم يُسمع، ولا بكاء لهم يَنفع، ولا شكوَى لهم تُدفع، ولا بَلْوَى عنهم تُقْطع (^٢).
* * *
(٥٤) - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: أي: ليس ربُّكم ومالكُكم وخالقُكم ومدبِّرُكم وحافظُكم الأصنامَ ولا الملائكةَ ولا الجنَّ ولا الذين (^٣) تزعمون، بل كلُّ ذلك مربوب مخلوق، بل ربُّكم وخالقُكم ومالكُكم ومدبِّرُكم وحافظُكم اللَّهُ الَّذي خلَق السماوات والأرض وما بينهما ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وإنْ لم يذكر في هذه الآية (وما بينهما)، ولكنَّ ذكر السماوات والأرض يدل على ذلك، وقد نصَّ عليه في الآية التي في أول سورة يونس (^٤)، وفي آخر سورة الفرقان (^٥)، وفي سورة ق (^٦).
_________________
(١) = (أما تأويله: فعواقبه، مثل وقعة بدر، والقيامة، وما وعد فيها من موعد).
(٢) في (ف): "وانشقت".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٣٩).
(٤) في (أ): "ولا الجن الذين"، وفي (ف): "والجن الذي".
(٥) كذا قال، ويريد الآية الثالثة منها، وليس فيها: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
(٦) هي قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الآية: ٥٩].
(٧) هي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [الآية: ٣٨].
[ ٦ / ٣٦٤ ]
قوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: قيل: من يوم الأحد إلى يوم الجمعة.
وقيل: هي كأيام الدنيا.
وقيل: هي كأيام الآخرة كلُّ يوم ألفُ سنة.
وكان قادرًا أن يخلقها كلَّها في أقلَّ من لحظة فـ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، لِمَا قال (^١) سعيد بن جبير ﵁: إنما فعَل ذلك تعليمًا لخلقه التأنِّيَ والتثبُّت في الأمور (^٢).
وقيل: ذكرُ المدةِ عبارةٌ عن إحكام خَلْقهما وإتقانِ صُنْعهما، على ما تعارفه الناس فيما بينهم في الإخبار عن إحكام الشيء بإضافته إلى وقتٍ ممتدٍّ.
وقيل: هو دلالةٌ على تركه معاجَلة العصاة بالعقاب، لا لعجزٍ (^٣) عن ذلك، لكن إظهارًا لحكمه (^٤)، وتنبيهًا للعباد على الرجوع إلى بابه، وإمهالًا للعبد ليتمكَّن من إصلاح أمره.
وقيل: فعَل ذلك لاعتبارِ الملائكة بخَلْق شيءٍ بعد شيء.
وقيل: تدبيرُ الحوادث على إنشاء شيءٍ بعد شيءٍ على ترتيب هو (^٥) أدلُّ على عالِمٍ مدبِّر مريدٍ يصرِّفه على اختياره، ويجريه على مشيئته.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: أي: الملك، يقال: ثُلَّ عرش فلان؛ أي:
_________________
(١) أي: لكن لم يفعل ذلك لما قال. . .
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٣٨)، والواحدي في "البسيط" (٩/ ١٦٧)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٥).
(٣) في (أ): "لا العجز"، وفي (ف): "لا لعجزه".
(٤) في (ف): "لحكمته".
(٥) "هو" ليس في (أ).
[ ٦ / ٣٦٥ ]
زال ملكه، والاستواء: ظهور التمام، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] ومعناه -واللَّه أعلم- فيما أشار إليه الإمام أبو منصور ﵀: أن خلق السماوات والأرض كان في ستة أيام، ثم في اليوم السابع خلق الممتحَنين؛ أي: الذين يتوجَّه عليهم خطابُ التكليف، ولهم فضيلةُ العقل والتمييز، وظهر لهم تمام ملك اللَّه وعظمته وجلاله، وقبلَ ذلك لم يكن مَن له معرفةُ ذلك، وهم المقصودون بالتخليق، وغيرُهم خُلق لهم وجُعل لهم بالتسخير، فكان بهم ظهَر تمامُ الملك، ومعرفةُ النعم، والوقوفُ على الحجج.
قال: ووجهٌ آخر ما قال بعض أهل التفسير: إن ستة أيام هي ستة أيام الآخرة كلُّ يومٍ ألفُ سنة، فجائز أن يكون تدبير هذا العالم إلى ستة أيام بمعنى ستةِ آلافِ سنة، ثم يكون يومُ السابع يومَ القيامة، وفيه ظهورُ تمام الملك، فيمِرُّ كلُّ ممتحَن فيه بأن الملك للَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] وقال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦] وقال: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] وقال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] وقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] وقال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] فيجوز أن تكون الآية إشارةً إلى ذلك (^١).
وهذا ألطفُ ما قيل (^٢) فيه، وقد بيَّنا له وجوهًا أُخَرَ في سورة البقرة في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، فأما حملُ الاستواء على التمكُّن والاستقرار، وتفسيرُ العرش بالسرير، وتجويزُ الانتقال على اللَّه على ما يقوله المشبِّهة، فهو باطلٌ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وظاهره متشابهٌ، وحملُ المتشابه على
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٤٣).
(٢) "قيل" ليس في (أ).
[ ٦ / ٣٦٦ ]
المحكم واجبٌ، وإجراؤه على ظاهره بدعةٌ، وتأويلُه على وفق الأصول لازمٌ (^١)، وباللَّه المعونة.
وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ قرأ أبو عمرٍو وأهلُ المدينة بالتخفيف من الإغشاء كما في قوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [يونس: ٢٧] وقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾
_________________
(١) واضح من كلام المؤلف ﵀ أنه على مذهب الخلف القائلين بالتأويل في آيات الصفات، والذي لجؤوا إليه بعد ظهور الفرق الضالة من المشبهة والمعطلة وغيرهم، أما الذين ذهبوا مذهب السلف فقالوا: إذا وردَت صفةٌ من صفات اللَّه تعالى موهمةٌ بمشابهةِ المخلوقين؛ كورودِ لفظ اليد والعين ونحوهما، فإننا نُؤمِنُ بها مع القطعِ بأنَّه تعالى ليس كمثلِه شيءٌ في صفاته ولا ذاته، ونُوْكِلُ معرفةَ كيفيَّتها وكيفيَّةِ تعلُّقِها به تعالى إلى اللَّه، ونجريها على ما أجراها اللَّه تعالى ورسوله عليه من غير تأويلٍ ولا تكييفٍ، وهو مذهبُ سلفِ الأمَّة، ويقال له: الطريقُ الأسلمُ، وطريقةُ المتأخِّرين في التأويل يقال لها: الطريقُ الأعلمُ. والحقُ أن الأَولى بالمؤمن هي الطريقُ الأُولى، فإنَّه لا يحيطُ بالصفة وكيفيَّتها إلا مَن أحاط بكيفيَّة ذات الموصوف، وقد ثبت فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وطريقةُ التأويل غايتُها الحملُ على المجازِ، وكونُه المرادَ أمرٌ غيرُ مقطوعٍ به، وإنَّما هو ظنٌّ وتخمينٌ. وقد ذكر أبو حيان ﵀ في "البحر المحيط" (١٠/ ٥٢٦) عند تفسير هذه الآية قصة الإمام مالك التي تبين منهج السلف في هذا الأمر، وذلك حين جاءه رجل فسأله: كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليًّا وعلَتْه الرحضاء [عَرَق يغسل الجلد كثرةً] ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالًا. ثم أمر به فأُخرج. روى القصة البيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٦٧). وللزيادة في هذه المسألة يراجع كلام ابن القيِّم في شرح قول صاحب "منازل السائرين" في الصفات: إنه لا بدَّ من إثباتها باسمها من غير تشبيه، ونفيِ التشبيهِ عنها من غير تعطيلٍ، والإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها. انظر: "منازل السائرين" لأبي إسماعيل عبد اللَّه بن محمد بن علي الأنصاري الهروي (ص: ١٣٩)، و"مدارج السالكين" لابن القيم (٣/ ٣٤٥).
[ ٦ / ٣٦٧ ]
[يس: ٩] وقرأ أهلُ الكوفة غيرَ حفصٍ عن عاصم بالتشديد (^١) كما في قوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤].
ثم لمَّا ذكر الاستواء على العرش وهو إخبارٌ عن نفاذِ أمره وكمالِ ملكه واطِّراد تدبيره، بيَّن ذلك في عيانٍ فقال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: يُلبِس الليل النهارَ بظُلمته فيُذهب نورَه.
وقيل: هذا مختصرٌ، وتمامه تقديرًا: ويغشي النهارَ الليل؛ أي: يُلبس النهارَ الليلَ بنوره فيُذهب ظلمته، وهو كقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] وقوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، وهذا ا لاختصار كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحر والبرد.
وقوله تعالى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾: أي: يَتْبعه سريعًا على ذلك، جعَل اللَّه تعالى تعاقُب الليل والنهار إلى آخِر مدة الدنيا، ولو انقطعتِ الحركاتُ المتعاقِبة المتواصلةُ لانتقَض العالم، وهو قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: يُظهِر النورَ في ابتداء النهار في طرفٍ من أطراف السماء والظلمةَ في أول الليل، ثم يَنشُر ذلك في جميع أطراف السماء والأرض وما بينهما في قَدْر لحظةٍ، ما (^٢) لو أُريد تقديرُ ذلك بجميع ما في الخَلق من المقادير ما قدروا عليه، ليُعلم أن اللَّه على ما يشاء قدير (^٣).
وقوله: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ ليس على حقيقةِ الطلب، لكنْ لمَّا كان من كلِّ واحد
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٢)، و"التيسير" (ص: ١١٠). ويريد بالكوفيين هنا حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وقرأ باقي السبعة بالتخفيف.
(٢) في (ف) و(أ): "مما".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٥٨).
[ ٦ / ٣٦٨ ]
منهما للآخَر ما لو كان ممن يكون له الطلب كان طلبًا سمَّاه طلبًا (^١)؛ كما قال: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠] ولا غرور لها، لكن معناه: لو كان هذا ممن يكون منه الغرور كان غرورًا، فهذا كذلك.
وقال الإمام القشيري ﵀: تعرَّفَ اللَّه إلى العوامِّ بآياته الظاهرة الدالَّةِ على قدرته وهي أفعالُه، وتعرَّف إلى الخواصِّ منهم بآياته الدالةِ على نصرته التي هي أفضالُه وإقبالُه، وظهر لأسرار خواصِّ الخاصِّ بنعوته الذاتية التي هي جمالُه وجلاله، فشتَّان بين قومٍ وقومٍ.
ثم كما يَدخل في الظاهر الليلُ على النهار والنهارُ على الليل، فكذلك يَدخلُ (^٢) القبضُ على البسط والبسطُ على القبض، ومنه الإشارةُ إلى ليل القلوب ونهارها، فمِن عبدٍ أحوالُه أجمعُ قبضٌ، ومن عبدٍ أحوالُه أجمعُ بسطٌ، ومن عبدٍ يكون مرةً بعينِ القبض ومرةً بعين البسط، كما أن في (^٣) العالم في بعضِ الأقطار نهارًا بلا ليلٍ، وفي بعضها ليلٌ بلا نهار، وفي بعضها ليلٌ يدخل على نهارٍ، ونهار يدخل على ليلٍ، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وبيده الخير والشرّ، والنفعُ والضرّ ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾: قرأ ابن عامر الكلَّ بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب عطفًا على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ (^٥)؛ أي: ذلَّل هذه الأشياءَ لِمَا خُلِقْن له.
_________________
(١) "سماه طلبًا" ليس في (ف). وفي هامش (أ): "لما كان أحدهما لا ينفك عن الآخر قال: ﴿يَطْلُبُهُ﴾ وهو حال من أحدهما، ﴿حَثِيثًا﴾ حال أيضًا؛ أي: سريعًا".
(٢) "يدخل" ليس في (ف).
(٣) "في" ليس في (ف).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٤٠).
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٢)، و"التيسير" (ص: ١١٠).
[ ٦ / ٣٦٩ ]
وقوله تعالى: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ قيل: أي: بتسخيره.
وقيل: أي: بأمر اللَّه يجرِيْنَ ويَنفعن الخَلْق.
وقيل: هو أمر التكوين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: له الخلائق ملكًا، وله أن يأمرهم بما شاء قطعًا.
﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾؛ أي: تعالى اللَّه. وقيل: تعظَّمَ اللَّه.
وقيل: كثُر خيره ودام بِرُّه، أثنى على نفسه بما فعَل في خلقه، ودلَّ بذلك على أنه يَلزمُ العبادَ الثناءُ عليه بذلك، ثم صرح ذلك بما بعدَه وهو قولُه تعالى:
* * *
(٥٥) - ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾: أي: اعبدوه علانيةً وسرًا، وارفعوا إليه حوائجكم ﴿تَضَرُّعًا﴾؛ أي: تذلُّلًا وتخشُّعًا، والضَّراعة: الذِّلة، من حدِّ عَلِم ﴿وَخُفْيَةً﴾؛ أي: إخلاصًا؛ لأن الخفيَّ لا يدخله رياءٌ؛ قال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: أي: المشركين؛ إذا جُعل الدعاء بمعنى العبادة، فأما على الدعوة والسؤال فمعناه: أي: المجاوزِين الحدَّ في الدعاء وفي غيره، وهو نهيٌ عن الجهر في غير موضعه.
وروى أبو موسى الأشعريُّ: أنهم كانوا مع النَّبي -ﷺ- في غزاةٍ، فأشرفوا على وادٍ فجعلوا يكبِّرون ويهلِّلون رافعي أصواتهم، فقال: "أيها الناس! اربَعوا على أنفسكم، لستُم تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم لتَدْعون سميعًا قريبًا إنه لمعَكم" (^١).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٢٠٥)، ومسلم (٢٧٠٤). وفي هامش (أ): "الربع: الكف".
[ ٦ / ٣٧٠ ]
وقال الكلبيُّ: ﴿تَضَرُّعًا﴾: علانيةً ﴿وَخُفْيَةً﴾: سرًّا في حوائجكم.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾؛ أي: أطيعوه سرًّا وعلانيةً (^١).
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: الذين دعاؤهم دعاءُ الأبرار وعملُهم عمل الفجَّار.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل أن يكون الاعتداءُ في الدعاء (^٢) هو أن يسألَه ما لا يستحقُّه من كرامة الأنبياء والأولياء (^٣).
وقال القشيري ﵀: الاعتداء في الدعاء: ترك الدعاء، ومن غايةِ ما يتقرَّر للعبد مِن وَصْفِ كرمه: أن جَعل إمساكه عن الدعاء -وهو حاجتُه الذي لا بد له منه- اعتداءً منه، وإن اللَّه علَّمهم الأدب في الدعاء، ومن آدابه أن يدعوَ بوصف الافتقار ونعتِ الانكسار ونشرِ الاضطرار (^٤).
* * *
(٥٦) - ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾: قال الحسن: الإفساد في الأرض قتل المؤمنين والاعتداءُ على الخلق (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٤٨) بلفظ: (سرًّا).
(٢) "في الدعاء" ليس في (أ).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٦٢).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٤١).
(٥) انظر: "النكت والعيون" (٢/ ٢٣١) بنحوه.
[ ٦ / ٣٧١ ]
وقيل: هو العملُ فيها بالمعاصي، والإصلاحُ فيها: العمل بالطاعات.
وقيل: هو الكفر، والإصلاح: الإيمان.
وقيل: أي: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بتكذيب الأنبياء ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾؛ أي: بعد أن أصلحها اللَّه بانبعاثهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ قيل: بعد ما خلقها اللَّه تعالى طاهرةً عن الإفساد وسفكِ الدماء وغيرِ ذلك (^١).
وقال عطيةُ العَوْفيُّ: أي: لا تَعْصوا في الأرض فيمسكُ اللَّه المطر ويهلكُ الحرثَ بمعاصيكم (^٢)، فذلك فسادُها بعد إصلاحها.
وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: ادعوه خوفًا منه وطمعًا فيه، إن إجابة اللَّه سريعٌ إلى المطيعين (^٣).
وقال الكلبي: خوفًا من عذابه وطمعًا في ثوابه (^٤).
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المؤمنين (^٥).
وقوله: ﴿قَرِيبٌ﴾ على التذكير؛ قيل: لأن الرحمة مصدر بمعنى: الرحم (^٦).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٦٣).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٤٠)، والواحدي في "البسيط" (٩/ ١٨١)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٨).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ١٨١) دون قوله: "إن إجابة اللَّه سريعٌ إلى المطيعين"، ولفظه: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا﴾ من عقابه، ﴿وَطَمَعًا﴾ في ثوابه.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٤٠).
(٥) في (أ): "إن جنة اللَّه قريب من المؤمنين"، وفي (ر): "إن جنة اللَّه قريب من المحسنين".
(٦) بضم الراء وسكون الحاء، وبضمهما، بمعنى الرحمة. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٤/ ١٧٥).
[ ٦ / ٣٧٢ ]
وقيل: لأن تأنيثه غيرُ حقيقي.
وقال أبو عبيد ﵀: القريب والبعيد إذا كانا اسمين استوَى فيهما المذكَّر والمؤنث (^١)، وإن بَنَيْتَهما على قَربَتْ وبَعدَتْ قلت: قريبة وبعيدة (^٢).
وقيل: معناه: بمكانٍ قريبٍ من المحسنين.
وقال القشيري ﵀: من الإفساد بعدَ الإصلاح: إهمالُ النفس عن المجاهدات بخلع عِذارها حتى تنهمِك في هواها بعد كبح لجامها عن الركض في ميدان الخلاف، ومن ذلك: تفريقُ القلب في أودية المنى بعد جمعه على (^٣) أوصاف الإرادة، ومن ذلك: الرجوعُ إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، ومن ذلك: الاستشعارُ بحبِّ المخلوق بعد تأكيدِ العقد مع المحبوب بأن لا يحبَّ سواه، ولا يُؤثرَ رضا غيره على رضاه، ومن ذلك: الجموحُ إلى تتبُّع الرُّخَص بعد حمل النفس على ملازمةِ الأشق، ومن ذلك: الرجوعُ عن حُكم الإرادة إلى ما عليه أهلُ العادة.
وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المحسنين عملًا والمحسنين أملًا، أما الأول ففي الموفِين والثاني في المقصِّرين (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ف): "الذكر والأنثى".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٤٢) عن أبي عبيدة، وهو بنحوه في "مجاز القرآن" (١/ ٢١٦ - ٢١٧)، وفيه: (. . . فإذا جعلوها صفة فى معنى مقتربة، قالوا: هي قريبة وهما قريبتان وهن قريبات).
(٣) في (ف): "في". وفي "اللطائف": (بعد إمساكه على).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٤١)، وفيه: (المحسنين عملًا والمحسنين أملًا، فالأول العابدون والثاني العاصون).
[ ٦ / ٣٧٣ ]
(٥٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ (^١): متَّصل بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿نشرًا﴾ (^٢): قرأ عاصم: ﴿بُشْرًا﴾ بضم الباء وتسكينِ الشين منوَّنًا جمع بشيرة؛ أي: مبشِّراتٍ، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿نَشْرًا﴾ بفتح النون وله معنيان:
قال الفراء: هي الريحُ الطيِّبة الليِّنة التي تُنشئ السحابَ (^٣)، ومنه قولهم: جاريةٌ طيِّبةُ النَّشْر.
والثاني: أن يكون مصدرًا من نَشَر الذي هو خلافُ طَوَى؛ أي: يَنْشُرها اللَّه نَشْرًا.
وقرأ ابن كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرٍو: ﴿نُشُرًا﴾ بضم النون والشين (^٤)، وقرأ ابن عامر: ﴿نُشْرًا﴾ بضم النون وتسكين الشين (^٥)، جمع نَشور وهو المنتشِر في النواحي.
وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: أي: قدَّام مطَره.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا يُفهم من قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾
_________________
(١) في (ف): "وهو الَّذي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نشرًا".
(٢) في (أ): "بشرًا"، وهما قراءتان كما سيأتي.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٨١).
(٤) في (أ): "بضم النون مثقلة".
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٣)، و"التيسير" (ص: ١١٠). و(نُشُرًا) بضم الشين مثل (نُشْرًا) بسكونها، حيث سكنت الشين تخفيفًا.
[ ٦ / ٣٧٤ ]
ما يُفهم من قولك: بين يدي فلانٍ (^١)، وكذا في قوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وكذا في قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وقولهِ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا﴾: أي: حملت سحابًا، جمع سحابة ﴿ثِقَالًا﴾: جمع ثقيلة؛ أي: بالماء.
وقوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ﴾: أي: ما حملته (^٣) السحاب من الماء، كنايةٌ عن المعنى دون اللفظ.
وقيل: أي: سُقنا السحاب، ولفظُه لفظُ (^٤) واحدٍ فوحَّد الكناية، ومعناه جمعٌ فوصفه بالثقال، وهو كقوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] بالهاء، و﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] بدون الهاء.
وقوله تعالى: ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾: أي: إلى أرضٍ هَمدتْ فلا تتحرَّك بنبات.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾: أي: بالسحاب، وقيل: أي: بالبلد.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾: أي: بالماء ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾؛ أي: الحبوبِ والفواكه، فإنها مما تُثمره الأرض ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾: أي: نُحييهم فنبعثُهم، كما أحيينا الأرض فأخرجنا الثمرات.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: أي: تتذكرون البعثَ بما تشاهدونه من إحياءِ الأرض.
_________________
(١) بعدها في (ف): "كذا".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٦٤).
(٣) في (أ): "حملت".
(٤) "لفظ" من (ف).
[ ٦ / ٣٧٥ ]
قال الكلبي ﵀: وذلك إذا مات الناس (^١) كلُّهم مَطَرت السماء أربعين يومًا كمَنيِّ الرجال، فيَنْبُتون في قبورهم بذلك المطر كما يَنبتون في بطونِ أمَّهاتهم، ثم يَخرجون في النفخة الثانية (^٢)، وبينهما أربعون سنة.
وقال الإمام القشيري ﵀: في الآية إشارةٌ إلى أنه رُبَّ مهجورٍ تمادَى به الصدّ، وبَرَّحَ به الوَجْد، حتى أَنْحلَ جسمَه بل أَبطَلَ كلَّه البُعد، وحتى ظَنَّ أنه لا يستقبلُه حيث ما تَوجَّه إلا الطرد، فبينما هو كذلك إذ أتاه بَشيرُ القُرْب، وهبَّت له (^٣) رياح الوَصل، فيعود عُودُ إقباله طريًّا، ويصير دارسُ حاله بعد الرثاثة قويًّا، كما قال قائلهم:
كنتُ كمَن أُلبسَ أكفانَه وقُرِّبَ النَّعشُ من المَلْحَدِ
فجال ماءُ الروح في جسمه فردَّه الوصل (^٤) إلى المَولدِ
تبارَكَ اللَّهُ وسبحانَهُ ما كلُّ همٍّ هوَ بالسَّرْمدِ (^٥)
* * *
(٥٨) - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾: أي: الأرض الحُرَّةُ الطين؛ أي: الخالصةُ الطين (^٦).
_________________
(١) في (أ): "الإنسان".
(٢) في (أ): "الأخرى"، وفي (ف): "الآخرة".
(٣) في (ر): "به"، وهذه الجملة ليست في مطبوع "اللطائف".
(٤) في النسخ: "الأصل"، والمثبت من "اللطائف".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٤٢). والبيت الأخير ليس فيه.
(٦) "أي: الخالصة الطين" ليس في (أ) و(ف).
[ ٦ / ٣٧٦ ]
وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: أي: بحُكم ربِّه، وقيل: بعِلْم ربِّه، وقيل: بتيسير ربِّه.
وقال قتادةُ: هو مَثَلُ المؤمنِ سمع كتاب اللَّه فعقَله ووعاه وانتَفَع به كمَثَل هذه الأرضِ أصابها الغيثُ فأنبتت وانتُفع بها.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ قال: هو مَثَلُ الكافر يسمعُ القرآن، فلم يَعْقِله ولم يَفهمه ولم يَنتفِعْ به، وقوله: ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾؛ أي: عسِرًا على قول قتادة (^١).
وقال السُّدِّي: أي: قليلًا لا يُنتفَع به (^٢).
وقال أهل اللغة: النَّكِد: الرجل الممتنِعُ من إعطاء الخير بخلًا ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ هو السَّبخةُ ونحوُها.
وقال الحسين بن الفضل ﵀: شبَّه اللَّهُ المؤمنَ والكافر بالأرض، وشبَّه نزول القرآن بالمطر، فعلى قَدْرِ طِيْبة التربة وخُبْثِها ورداءتها زكاءُ النَّبْت وزيادتُه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾: أي: كما بيَّنَّا المثَل في المؤمن والكافر نبيِّن سائرَ ما بالناس حاجةٌ إليه، وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: يَنتفع به الشاكرون للَّه بالإيمان والطاعات على ما رزقهم من العقول وسائر النعم.
* * *
_________________
(١) قول قتادة في تفسير هذه الآية رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩١٠)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٥٩)، كلاهما بلفظ: (هذا مثل ضربه اللَّه في المؤمن والكافر). فما ذكره المؤلف هو بسطه ومعناه كما في "البسيط" للواحدي (٩/ ١٩٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٥٩).
(٣) انظر: "البسيط" (٩/ ١٩٣).
[ ٦ / ٣٧٧ ]
(٥٩) - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: أي: كما أرسلناك إلى قومك، وهو النَّظمُ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: وحِّدوه وأفرِدوه بالعبادة لتفرُّده بالإلهية (^١).
وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: قرأ الكسائي: بالخفض نعتًا لقوله: ﴿إِلَهٍ﴾ وقرأ الباقون بالرفع (^٢)؛ لوجهين:
أحدهما: ما لكم غيرُه من إلهٍ.
والثاني: أن (مِن) للتأكيد، وتقديره: ما لكم إلهٌ غيرُه، فرُفع على المعنى.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أي: أخاف عليكم (^٣) من الإصرار على الشرك عذابًا من اللَّه يأتيكم في يومٍ من أيام دنياكم عظيمِ الشأن يُذكر خبرُه في الآخِرين، وهو يوم تُستأصَلون فيه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هو عذابُ يوم القيامة (^٤).
* * *
(٦٠) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
_________________
(١) في (ف): "لتفردوه بالألوهية".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٤)، و"التيسير" (ص: ١١٠).
(٣) في (أ): "إني أخاف عليكم"، وليس في (ف).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٦٨).
[ ٦ / ٣٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾: أي: الأشراف، وهم الذين يملؤون المحافل، وقيل: يملؤون الصدور مهابة.
وقيل: هم المِلاءُ بتنفيذ الأمور؛ جمعُ مَليءٍ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: من رؤية القلب وهي العلم، وقيل: من رؤية البصر، وقيل: من الرأي، وهو غالبُ الظنِّ.
والضلال: الخطأ والميل عن الصواب.
أي: تدعُونا إلى عبادة إلهٍ واحدٍ وهو خطأٌ بيِّن؛ لأنَّا وَجدنا آباءنا يعبدون آلهةً فقد ضلَلْت أنت عن هذا الطريق.
* * *
(٦١) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾: أي: عدولٌ عن طريق (^١) الحق، ولم يقل: ليست؛ لتقدُّم الفعل، ولأن الضلالة في معنى الضلال، ولأنه ليس بمؤنثٍ حقيقيٍّ.
وهذه اللفظة في (^٢) جوابهم تلطُّفٌ وترفُّقٌ، وهكذا كان خطاب الأنبياء أممَهم، وهو أنجعُ في القلوب وأدعَى إلى القبول.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: خالقِ الخلائق أجمعين، أسلُك طريقَه الذي هداني له.
* * *
_________________
(١) "طريق" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "وهذا في"، وفي (ف): "وهذا اللفظ في".
[ ٦ / ٣٧٩ ]
(٦٢) - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ مخفَّفًا (^١)، من قوله: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٧٩]، وقولهِ: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨].
وقرأ الباقون: مشدَّدًا، من قوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
والرسالة: جملةٌ من البيان يحملُها القائم ليؤدِّيها إلى غيره.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لم يبيِّن فيما إذا (^٢) كانت الرسالة في كتابٍ أَنزله إليه، أو وحيٍ في غيرِ كتابٍ أُوحي إليه (^٣) وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجةٌ سوى تصديقِه فيما بلَّغ إليهم (^٤).
ومعنى جمعِ الرسالات: هو تفصيل ذلك في الزمان المديد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: النصيحة هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهيُ عما فيه الفساد، ومنه قولُ النَّبي -ﷺ-: "ألَا إنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ" (^٥)، والنصحُ كذلك، وخلافُه الغِشُّ.
قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: قيل: من نزول العذاب بكم إذا دُمتم على ما أنتم عليه.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٤)، و"التيسير" (ص: ١١١)، وهي قراءته هنا في الموضعين، وفي الآية (٢٣) من سورة الأحقاف.
(٢) "إذا" ليس في (ف).
(٣) في (ف): "أو يوحى إليه في غير كتاب"، وعبارة "التأويلات": (أو بوحي في غير كتاب يوحى إليه).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٠).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٠). والحديث رواه مسلم (٥٥) عن تميم الداري ﵁.
[ ٦ / ٣٨٠ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن اللَّه آتَى الرسل العلمَ بأشياءَ لم يؤتِ ذلك غيرَهم، وهو كقول إبراهيم ﵇ لأبيه آزر: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي﴾ [مريم: ٤٣] (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: أي: أعلمُ أني وإنْ بالغتُ في تبليغ الرسالة، فمَن لم تسبق له القسمةُ بالسعادة لا ينفعُه نصحي ولا يؤثِّر فيه قولي، فإنَّ مَن أَسقطَتْه القسمةُ لم تنعشه النصيحة.
وقال: في قوله: ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾: إن نوحًا ﵇ نُسب إلى الضلالة فتولَّى إجابتهم بنفسه فقال: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾، ونبيُّنا ﵊ نُسب إلى ما نُسب إليه فتولَّى اللَّه الردَّ عنه فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] فشتَّان بين مَن دَفع عن نفسه وبين مَن دَفع عنه ربُّه (^٢).
* * *
(٦٣) - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: الألِف للاستفهام بمعنى التوبيخ، والواو للعطف، والعَجَب: تغيُّر النَّفْس بما خَفِي سببُه، وخرج عن العادة مِثْلُه، ولمَّا كان الشيطان زيَّن لهم عبادةَ الأصنام عَجِبوا من نهي نوحٍ ﵇ إياهم عنها، فقال: أتعجَّبْتم (^٣) أنْ جاءكم وعظٌ من ربِّكم وتذكير.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: من جملتكم.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٠).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٤٣).
(٣) في (ف): "أعجبتم".
[ ٦ / ٣٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أي: ليخوِّفكم العذابَ، ولتَحذروا أنتم فتتَّقوا الشرك والمعصية، ولتُرحموا إذا اتَّقيتم، وليس هذا مما يُتعجَّب منه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كانوا ينكرون أن تكون رسلُ اللَّه من البشر، فقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤] وما ينبغي لهم أن ينكروا؛ لأنَّهم كانوا رأوا تفضيل بعضِ البشر على بعضٍ، ووضعُ الرسالةِ في الرسل تفضيلٌ لهم، وللَّه تفضيلُ بعضِ خلقه على بعضٍ؛ إذ له الخلقُ والأمر، على أن ما قالوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ لو كان ذلك في غير جوهرهم (^١) كان فيه لَبسٌ واشتباه.
وقيل: في اختلاف الجنس التنافُرُ والتَّباعُد، وفي التجانُس السكونُ والتآلُف (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: عجِبوا من كون رجلٍ منهم رسولًا للَّه تعالى، ولم يتعجبوا مِن جعلِ الصنم شريكًا للَّه، هذا فَرْطُ الجهالةِ وغايةُ الغباوة (^٣).
* * *
(٦٤) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾: أي: السفينةِ، واشتقاقُ ذلك من قولهم: فَلَّك ثديُ المرأة: إذا استدار، وفَلْكةُ المِغزل وفَلَكُ السماء من
_________________
(١) في (ف): "وجوههم".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٠ - ٤٧١).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٤٤).
[ ٦ / ٣٨٢ ]
ذلك أيضًا، سُميت السفينة فُلكًا لأنها تدور على الماء كيف أدارها (^١) صاحبها.
يقول: فدامُوا على تكذيب نوحٍ ﵇، فخلَّصنا نوحًا والذين آمنوا معه إذ حملناهم في السفينة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي: بالطوفان ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾؛ أي: جاهلين. وقد (^٢) عَمِي بعينه يَعْمَى عَمًى فهو أَعْمَى، وعَمِي بقلبه فهو عَمٍ (^٣): وهو الذي لا يُبصر بقلبه وعقله.
وقيل: هو الَّذي خَفِيتْ عليه طرقُ الهدى، من قوله: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص: ٦٦] وجهلوا معالم الحق لإلفِهم الباطلَ وتقليدِهم الآباءَ، ووقع (^٤) اليأس من إيمانهم.
وقال وَهْب بن منبِّهٍ ﵁: هو نوح بنُ لَمْكِ بنِ مَتُّوشَلَخ بن أَخْنوخ -وهو إدريسُ النَّبيُّ ﵇- بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم (^٥).
وقيل: كان كلُّهم مسلمين، وكان نوحٌ أطولَ الأنبياء عمرًا، قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، واختُلف في تمامِ عمره، والأصحُّ أنه ألفٌ وأربعُ مئةٍ وخمسون سنةً، مئتان وخمسون سنةً قبل الوحي، ومئتان وخمسون بعد هلاك قومه بالطوفان، وتسعُ مئة وخمسون سنة بين قومه، وكان أهل عصره
_________________
(١) في (ف): "أرادها".
(٢) في (ر): "وقيل".
(٣) في (أ): "عمي".
(٤) بعدها في (ر): "لهم".
(٥) ذكره عن وهب الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٨٣)، وفيه: (. . . بن يرد بن مهلائيل). فزاد في الآباء (يرد) قبل (مهلائيل).
[ ٦ / ٣٨٣ ]
كلُّهم كفارًا، وكانت الدنيا في عصره عامرةً، فكانت الأراضي لا تفي بالمزارع، فكانوا ينقلون التراب إلى رؤوس الجبال فيبسطونها ويزرعون فيها، وكان نوحٌ ﵇ يسكنُ الكوفة، وكان مَن خرج منها إلى مكة مضى في ظلِّ الأشجار وكان يدعو الناس إلى الإيمان طولَ هذه المدة، وكانوا يضربونه حتى كان يُغشَى عليه.
وقال ابن عبَّاس ﵄: كان يُضرب فيُلَفُّ في لبدٍ ويُلْقَى في بيته يُرون أنه قد مات، ثم يُفيق فيخرج فيدعوهم، وجاءه رجل يومًا ومعه ابنه وهو يتوكَّأ على عصًا فقال: يا بنيَّ، انظر (^١) هذا الشيخ لا يغرَّنك، فقال: يا أبتِ، مكِّنِّي من العصا، قال: فأخذ منه العصا، قال: ضعني بالأرض، فوضعه، فمشى إليه فضربه بالعصا فشجَّه شجةً مُوضحة في رأسه، وسالت الدماء، فقال نوح: يا رب، قد تَرى ما يَفعل بي عبادُك، فإن يكن لك في عبادك حاجةٌ فاهدِهم، وإنْ يكُ غيرَ ذلك فصبِّرني إلى أن تحكُم وأنت خيرُ الحاكمين، فأوحى اللَّه تعالى إليه وآيَسه من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبقَ في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمنٌ، وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ الآية [هود: ٣٦]، وقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]، قال: يا رب! وما الفُلك؟ قال: بيتٌ من خشبٍ يجري على وجه الماء، وأُغْرق أهلَ معصيتي، وأطهر أرضي منهم، قال: يا رب! فأين الماء؟ قال: يا نوح، إنِّي على ما أشاء قدير، قال: يا رب! وأين الخشب؟ قال: اغْرِسِ الشجر، قال: فغرس الساجَ عشرين سنة، وكَفَّ عن الدعاء فلم يَدْعُهم، وكفُّوا عنه إلا الاستهزاء، وكانوا يسخرون به، فلما أدرك الشجرُ أمره ربُّه فقطعها وجفَّفها ولفَقها (^٢)، فقال: يا رب! كيف أتَّخذ هذا البيت؟ قال: اجعله على ثلاثِ صورٍ، رأسُه كرأس الدِّيك،
_________________
(١) في (ف): "احذر".
(٢) "ولفقها" ليس في (ف).
[ ٦ / ٣٨٤ ]
وجُؤْجُؤُه كجؤجؤ الطير، وذنَبه كذنَب الدِّيك، واجعلها مُطبَّقةً، واجعل لها أبوابًا في جنبيها، وشُدَّها بدُسُرٍ -يعني مساميرَ الحديد- وبعث اللَّه تعالى جبريلَ يعلِّمه صنعةَ السفينة (^١)، قال: فكانوا يمرُّون به ويسخرون منه ويقولون: ألا تَرون هذا المجنون يتَّخذ بيتًا يسير به على الماء، وأين الماء؟! ويضحكون منه، فذلك قوله: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨]، فأوحى اللَّه تعالى إليه: أن عجِّلْ صنعة السفينة فقد اشتدَّ غضبي على مَن عصاني، فانطلق نوحٌ فاستأجر أجيرين نجَّارين يعملان معه، وسامٌ ويافثُ وحامٌ معه ينحتون السفينة، فجعَل السفينة ستَّ مئة ذراع طولها وستين ذراعًا في الأرض، وعرضَها ثلاثَ مئة ذراعٍ وثلاثةً وثلاثين ذراعًا، وطولَها في السماء ثلاثةً وثلاثين ذراعًا، وأمره بطليه بالقار من داخله وخارجه، ولم يكن في الأرض قارٌ، ففجر اللَّه تعالى عينَ القارِ حيث يَنحت السفينة تغلي غليانًا حتى طلاها، فلمَّا فرغ منها جعل لها ثلاثة أبوابٍ، وأطبقها، وجعل في طَبَق منها السباع والدوابَّ، وألقى اللَّه على الأسد الحمَّى وشغله بنفسه عن الدوابِّ أن لا يتحرك (^٢)، وجعل الوحوش والطير في الباب الثاني ثم أطبق عليها، وجعل الذَّرَّة (^٣) معه في الباب الأعلى لضعفها أن لا يطأها الدوابُّ، وقال: يا رب! ما علامة ما بيني وبين الماء؟ فقال: إذا فار التنور (^٤).
_________________
(١) في (ر): "الفلك"، والمثبت من (أ) (ف)، وكلا اللفظين وردا في المصادر.
(٢) "أن لا يتحرك" ليس في (أ).
(٣) في هامش (ر): "الذرة: النملة الصغيرة".
(٤) رواه إسحاق بن بشر كما في "الدر المنثور" (٤/ ٤١٩)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٦٢/ ٢٤٨)، وذكره الثعلبي في "عرائس المجالس" (ص: ٧٦)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٠٢)، والقرطبي في "تفسيره" (١١/ ١٣٠). وإسحاق بن بشر هو صاحب كتاب "المبتدأ"، قال الذهبي في ترجمته من "الميزان": تركوه، وكذبه علي بن المديني، وقال الدارقطني: كذاب متروك.
[ ٦ / ٣٨٥ ]
قال مجاهد: فار التنُّور بأرض الجزيرة (^١).
وقيل: فار بالكوفة في مسجد الكوفة مما يلي أبواب كندة (^٢).
وقال جعفر بن محمد: فار التنور في دارِ نوح من تنُّورٍ تخبزُ (^٣) [فيه] ابنته، وكان نوح ﵇ يتوقَّع ذلك، إذ جاءته ابنته فقالت: يا أبتِ، قد فار الماء من التنُّور، فأعطَى النجارين أجورهم إلا نجارًا، قال له: أعطني أجري، فقال: أعطيك أجرك على أن تركب معنا، قال: أيها المجنون أعطني أجري فإن ودًّا وسواعًا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا سيُنجونني مما يريد إلهك، فأخذ نوحٌ صلوات اللَّه عليه فضةً من أصحاب السفينة ودفعها إليه، وقال له: ستعلم أيُّنا المجنون إذا حلَّ العذاب غدًا، وأوحى اللَّه تعالى إليه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، فكان ممن سبق عليه القولُ امرأتُه والقةُ وابنه كنعانُ، فقال: يا رب، هؤلاء قد حملتُهم فكيف لي بالوحوش والبهائم والسباع والطير؟ قال: أنا أحشرهم عليك، فبعث اللَّه جبريل فحشرهم، فجعل يضرب يديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيدخله السفينة، حتى أدخل (^٤) فيها عِدَّةَ ما أَمر اللَّه تعالى به.
_________________
(١) كذا ذكر عن مجاهد، والذي في المصادر عنه أن ذلك كان بالكوفة. كذا رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٠٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٦٨)، والواحدي في "البسيط" (١١/ ٤١٥)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٧٦)، والقرطبي في "تفسيره" (١١/ ١١٥). والذي ذكره المؤلف رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٢٩) عن ابن عباس وقتادة: أنه العين التي بالجزيرة عين الوردة. قلت: وعين الوردة هو رأس عين المدينة المشهورة بالجزيرة. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٤٧ و١٨٠).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٢٨) عن علي ﵁، وقال: ورُوي عن حذيفةَ والشعبيِّ ومجاهدٍ نحوُ ذلك.
(٣) في (أ): "بخبر"، وفي المصادر: (تختبز)، وما بين معكوفتين بعدها من المصادر.
(٤) في النسخ: "حتى إذا حمل"، وهو خطأ، والمثبت من المصادر.
[ ٦ / ٣٨٦ ]
قال: فلمَّا جمعهم في السفينة (^١) رأت البهائم والوحوش والسباع العذاب، فجعلت تلحَس قدم نوح وتقول: احملنا معك، فقال: إنما أُمرت أن أَحملَ (^٢) من كلّ زوجين اثنين (^٣).
قال قتادة ﵀: فانفَجرتِ الأرض أربعين يومًا وليلةً، والسماءُ تنهمِرُ مثلَ ذلك، فكان ما خرج من الأرض وما نزل من السماء مقدارًا واحدًا، وجرت السفينة مئة وخمسين يومًا بعد الأربعين التي مطرت وكان في السفينة مع نوح ﵇ بنوه سام وحام ويافث ونساؤهم الثلاث وكانت السفينة مطبَّقةً.
وقال ابن عبَّاس ﵄: وكان آخِرُ ما حمل نوحٌ ﵇ الحمارَ، وتعلَّق إبليس بذنَب الحمار، وقد دخلت يداه السفينة ورجلاه خارجتان ولا يستطيع أن يدخل، فجعل الحمار يضطرب، فصاح نوح: ادخل، ويلك ادخل (^٤) ولو كان معك الشيطان، فدخل الحمار ودخل معه إبليس، فقال نوح: يا عدو اللَّه! ما أدخلك؟ قال: ألستَ قلتَ للحمار: ادخُل ولو كان الشيطان معك (^٥)؟
_________________
(١) "قال: فلما جمعهم في السفينة" ليس في (ف).
(٢) "أن أحمل" ليس في (أ).
(٣) رواه ابن إسحاق كما في "الدر المنثور" (٤/ ٤٣٠)، ورواه ابن عساكر في "تاريخه" (٦٢/ ٢٥٢) من طريق إسحاق (وهو ابن بشر) عن ابن إسحاق قال: وسمعت من حدثني عن جعفر بن محمد بإسنادهم أنه قال. . .، وإسحاق بن بشر تقدم قريبًا الكلام عليه. والراوي عن جعفر مبهم، والخبر مرسل، والأظهر أنه من أقاصيص أهل الكتاب.
(٤) في (ر): "ونوح يقول ويحك ادخل".
(٥) ذكره عن ابن عباس الثعلبي في "عرائس المجالس" (ص: ٧٨)، ورواه عنه بنحوه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٤/ ٤٢٨)، ورواه ابن عساكر في "تاريخه" (٦٢/ ٢٥٧) من طريق إسحاق بن بشر عن مقاتل. وكل هذا من الإسرائيليات واللَّه أعلم. انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" (ص: ٢١٧).
[ ٦ / ٣٨٧ ]
وجاءه عُوجٌ وقال لنوح (^١): أدخلني معك، قال: اخرج يا عدو اللَّه فإني لم أؤمر بك، قال: وطبَّق الماءُ على وجهِ الأرض وما بلغ ركبتي عوج (^٢).
قال ابن عبَّاس ﵄: وعاش عُوجٌ ثلاثة آلاف سنة، وكان عسكرُ موسى ﵇ فرسخًا في فرسخٍ، فجاء عوجٌ حتى نظر إلى عسكره، ثم أتى الجبلَ فقوَّر منه صخرةً قَدْرَ العسكر، ثم حملها ليُطْبِقها على عسكر موسى، فبعث اللَّه تعالى الهدهد ومعه هذا الماسُ حتى قوَّر الصخرة، فانتَقَبتْ ووقعت في عُنق عوجٍ فطوَّقته وصرعته، فقتله موسى ﵇ (^٣).
_________________
(١) في (ف): "يا نوح".
(٢) ذكره عن ابن عباس الثعلبي في "عرائس المجالس" (ص: ٨١)، وليس بأحسن مما قبله، وانظر التعليق الآتي.
(٣) ذكره الثعلبي في "عرائس المجالس" (ص: ٣٣٠)، وفي "تفسيره" (٤/ ٣٦)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٩)، والخازن في "تفسيره" (٢/ ٢٢)، ولم يذكروا له سندًا ولا راويًا. وقد تعقب العلماء المحققون هذه القصص عن عوج بن عنق وردوها، فمن ذلك قول ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢]، قال: وقد ذكر كثير من المفسرين ها هنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأنه كان فيهم عوج بن عنق، بنتِ آدم ﵇، وأنه كان طوله ثلاثةَ آلاف ذراع وثلاثَ مئة وثلاثة وثلاثين ذراعًا وثلث ذراع، تحرير الحساب! وهذا شيء يُستحى من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيح: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن اللَّه تعالى خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن". ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافرًا، وأنه كان ولد زِنْية، وأنه امتنع من ركوب السفينة، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذب وافتراء، فإن اللَّه ذكر أن نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠] وقال تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ =
[ ٦ / ٣٨٨ ]
وقيل: إن عوجًا إنما لم يهلك بالطوفان لأنه كان أعان نوحًا على حمل خشب السفينة، فأُمهل مجازاةً له على ذلك.
وقيل: بقَّاه مدةً ليُخبر الآخَرين عما شاهد ليعتبِروا به.
وقيل: إن الذين معه في السفينة كانوا ثمانين، وقيل: أربعين، وقيل: سبعة نفرٍ.
* * *
(٦٥) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾: عطفٌ على قوله: ﴿نُوحًا﴾؛ أي: وأرسلنا إلى عاد -وهم قومٌ سُمُّوا باسم أبيهم، وهو: عادُ بنُ عَوْصِ بنِ إرم بن سامِ بن نوحٍ النَّبيِّ -ﷺ- أخاهم؛ أي: نسيبَهم هودًا ترجمة له وهو هود بن عبد اللَّه بن رباح بن الخلود (^١) بن عاد بن عَوْص بن إِرَم بن سام بن نوحٍ.
_________________
(١) = [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوح الكافرُ غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر وولد زنية؟! هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له: عوج بن عنق نظرٌ، واللَّه أعلم. ومما قاله ابن القيم في "المنار المنيف" (ص: ٧٦): من الأمور التي يعرف بها كون الحديث موضوعًا أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه؛ كحديث عوج الطويل، وليس العجب من جرأةِ مَن وَضَعَ هذا الحديثَ وكَذَب على اللَّه تعالى، إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره ولا يبين أمره. ثم قال: ولا ريب في أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء والسخرية بالرسل وأتباعهم.
(٢) قوله: "رباح بن الخلود" تحرف في النسخ إلى: "تارح بن حاوث"، والمثبت من المصادر. انظر: "الطبقات" لابن سعد (١/ ٤٥)، و"تاريخ الطبري" (١/ ١٣٣)، و"عرائس المجالس" (ص: ٨٥)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٤٥)، و"تاريخ اليعقوبي" (١/ ٢٢)، و"المنتظم" (١/ ٢٥٢)، و"تاريخ ابن خلدون" (٢/ ٢٣)، و"الدر المنثور" (٢/ ٧٤٨). وهذه رواية الكلبي، وروي في نسبه عن ابن =
[ ٦ / ٣٨٩ ]
قال السدِّي: كان عادٌ قومًا من أهل اليمن بالأحقاف، وهي الرمال.
وقال محمد بن إسحاق ومقاتلٌ وجويبرٌ وسعيد بن جبير: إن عادًا كانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون اللَّه، وذلك أن العرب عبَدت أصنام قومِ نوح بعد نوحٍ، فتفرَّقوا في عبادتهم الأوثان (^١)، وفرَّقوا أصنام قوم نوحٍ بينهم، وكانت هُذيل بن مُدْرِكة بن خِنْدِفَ (^٢) اتَّخذوا سُواعًا إلهًا يعبدونه بدُومة الجَندل، وكانت أنعمُ من طيِّئٍ وأهلُ جُرَش من مَذْحِجٍ من أهل اليمن اتَّخذوا يغوثَ إلهًا يعبدونه بجُرَش، وكانت خَيْوان (^٣) بطنٌ من هَمْدان اتَّخذوا يعوقَ إلهًا يعبدونه من دون اللَّه بأرض همدان من اليمن، وكانت ذو الكَلَاع اتخذوا بأرض حِمْيَرَ نَسرًا إلهًا يعبدونه من دون اللَّه، وكان قوم هودٍ وهم عادٌ أصحابَ أوثانٍ يعبدونها من دون اللَّه تعالى، فاتخذوا أصنامًا على مثال وَدٍّ وسُواعٍ ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا، واتَّخذوا صنمًا يقال له: صمود، وصنمًا يقال له: الهبار، فبعث اللَّه إليهم هودًا، وكان هودٌ من قبيلة يقال لها: الخُلُود، فبعثه اللَّه تعالى إليهم وكان من أوسطهم نسبًا (^٤)، وأفضلهم موضعًا، وأشرفهم نَفْسًا (^٥)، وأصبَحهم وجهًا، وكان أبيضَ جَعْدًا باديَ العَنْفَقة (^٦)، طويلَ اللحية، فدعاهم إلى اللَّه تعالى، وأمرهم أن يوحِّدوا اللَّه وأنْ لا يجعلوا مع اللَّه إلهًا آخَرَ، وأن يكفُّوا عن ظلم
_________________
(١) = إسحاق غير ذلك، ذكره الثعلبي. والخلود بضم الخاء واللام كما ذكر صاحب "المنتظم".
(٢) في (ر): "الأصنام".
(٣) في (أ): "حدف".
(٤) في النسخ: "حيوان"، والصواب المثبت. انظر: "اللباب في تهذيب الأنساب" (١/ ٤٧٩).
(٥) في (ف): "حسبًا".
(٦) في (ف): "نسبًا".
(٧) العنفقة: شعرات من مقدمة الشفة السفلى، ورجل بادي العنفقة: إذا عري موضعها من الشعر. انظر: "اللسان" (مادة: عنفق).
[ ٦ / ٣٩٠ ]
الناس، قالوا: ولم يأمرهم بغير ذلك من صلاةٍ أو شريعةٍ، فأبوا ذلك (^١) فكذبوه، فذلك قوله تعالى:
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: مرَّ تفسيرُه كما مرَّ في قصة نوحٍ صلوات اللَّه عليه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: استفهام بمعنى الأمر؛ أي: اتَّقوا اللَّه.
* * *
(٦٦) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾: قال الكلبيُّ: أي: في جَهالةٍ.
وقال مقاتل ﵀: أي: في حُمق (^٢)، وفي اللغة: هي خفَّة العقل.
وقوله تعالى: ﴿لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: قال الحسن ﵀: كان تكذيبهم على الظن لا على اليقين (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل أنهم قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ﴾ في ابتداء ما دعاهم؛ لأنَّه كان صدوقًا أمينًا عندهم قبل ذلك، فلما أقام الدلالات وأثبت
_________________
(١) "فأبوا ذلك" ليس في (ف).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٥).
(٣) انظر: "البسيط" للواحدي (٩/ ٢٠٤).
[ ٦ / ٣٩١ ]
عيبَ آلهتهم عاندوا (^١) فقالوا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] (^٢).
وقيل: في تفسير الظن: إنه قوةُ المعنى في النفس من غيرِ بلوغ حالة الثقة (^٣) التامة، وليس كالشك الَّذي هو وقوفٌ بين النقيضين من غير تقويةٍ لأحدهما على الآخر.
وقيل: معناه: وإنَّا لنَعْلَمُك، قال الشاعر:
فقلتُ لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدجَّجٍ سراتُهم في الفارسيِّ المسرَّد (^٤)
أي: اعلموا.
قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ قال الكلبي ﵀: أي: في ادِّعائك النبوة (^٥).
وقال مقاتل ﵀: أي: فيما تقول من نزول العذاب بنا (^٦).
* * *
_________________
(١) في (ف): "عادوا".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٣).
(٣) في (ف): "البينة".
(٤) البيت لدريد بن الصمة. انظر: "الأصمعيات" (ص: ١٠٧)، و"جمهرة أشعار العرب" (ص: ١٨٠)، و"خزانة الأدب" للبغدادي (١١/ ٣٠١). قال البغدادي: المدجج بفتح الجيم وكسرها: الكامل السلاح، وقيل: بالكسر للفارس وبالفتح: الفرس، وإنهم كانوا يدرعون الخيل. و(سراتُهم) بالفتح: أشرافهم، مبتدأ و(بالفارسي) خبره، والباء بمعنى في. والدرع الفارسي يصنع بفارس. والمسرد: المُحكم النسج، وقيل: هو الدَّقيق الثقب.
(٥) انظر: "البسيط" (٩/ ٢٠٤).
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٥)، و"البسيط" (٩/ ٢٠٤).
[ ٦ / ٣٩٢ ]
(٦٧) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: هو كجواب نوح وقد فسَّرناه.
* * *
(٦٨) - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾: أي: ناصحٌ لكم أمينٌ على وحي اللَّه تعالى، وقد فسَّرنا سائره في قصة نوح ﵇، ومعنى الأمين على الوحي: أن لا يغيِّره ولا يَكذِب فيه؛ كما قال موسى ﵇: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥].
* * *
(٦٩) - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ قد فسرناه.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾: أي: سكانَ الأرض بعدَهم.
و﴿خُلَفَاءَ﴾: جمعُ خَليف، فأما الخلائف فهي جمعُ خليفة.
وقوله تعالى: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾: قيل: هي بسطةُ (^١) اليدين بالتصرُّف، وقيل: بالمال، وقيل: هي بسطةُ الجسم في الخِلقة.
_________________
(١) في (ف): "بسط".
[ ٦ / ٣٩٣ ]
وقال مقاتلٌ: ﴿بَسْطَةً﴾؛ أي: في الطول، وكان طول كلِّ واحد منهم اثني عشر ذراعًا [ونصفًا] (^١).
وقال الكلبي: ﴿بَسْطَةً﴾؛ أي: فضيلةً في الطول، وكان أطولُهم مئةَ ذراع وأقصرُهم ستين ذراعًا (^٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿بَسْطَةً﴾؛ أي: شدة (^٣)، يعني: قوةً على قوةِ الخلق.
وقال الشَّرْقيُّ بن القُطَامي (^٤): كانوا يتكلَّمون بالعربية، وكان اللَّه أعطاهم بسطةً في الخَلق لم يُعطِ غيرهم، وكان طولُ الرجل منهم ستين ذراعًا، وهذا أطولُهم، وكان أقصرُهم ستَّ عشرةَ ذراعًا، وقال اللَّه تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وكان لهم أموالٌ جمَّةٌ، وقد قال اللَّه تعالى في قصة قارون: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨]؛ أي: بالمال، وهم عاد.
وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾: أي: نِعَمَ اللَّه، جمعُ إلًى على وزن مِعًى، قال الشاعر:
أبيضُ لا يرهَبُ الهزالَ ولا يقطعُ رَحِمًا ولا يخونُ إلًى
وقيل: ألًى، بفتح الألف على وزن رحًى.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٥)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٤٦)، و"البسيط" (٩/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥١٠).
(٤) هو الوليد بن الحسين، والشرقي لقبه والقطامي لقب والده، كان عالمًا بالنسب وافر الأدب، ضم المنصور إليه المهدي ليأخذ من أدبه. انظر: "ميزان الاعتدال" (٢/ ٢٤٨)، و"الأعلام" (٨/ ١٢٠).
[ ٦ / ٣٩٤ ]
وقيل: إِلْيٌ على وزن حِسْيٍ.
يقول: اذكروا بألسنتكم وقلوبكم آلاء اللَّه؛ أي: (^١) إنعام اللَّه باستخلافكم في الأرض بعد إهلاك قوم نوح، وبإعطائكم عظَم الأجسام وكثرةَ الأموال، فاذكروا نِعَم اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: لتفوزوا بكلِّ مأمولٍ، وتُوَقَوا كلَّ محذور.
* * *
(٧٠) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾: أي: على توحُّده.
وقوله تعالى: ﴿وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: أي: نتركَ ما عبده آباؤنا (^٢) من الأصنام.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قرَّر اللَّه سفَههم بهذا تعريضًا، فإنه أخبر عنهم بأنهم عجِبوا بمجيء رسولٍ من البشر، وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فلم يرضَوا برسالة البشر (^٣) ورضُوا بإلهية الخشب والحجر، ثم قلَّدوا آباءهم في عبادة الأصنام التي لا تَعقل ولا تضُر ولا تنفع، ولم يقلِّدوا المؤمنين من قوم نوح الذين آمنوا به فنجَوا معه، واتَّبعوا الكفار الذين أُهلكوا بالطوفان، فكان في حق هؤلاء أيضًا ما كان (^٤).
_________________
(١) "آلاء اللَّه أي" ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (ف): "نترك ما كانوا عليه".
(٣) في (ر): "برسالته".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٥ - ٤٧٦).
[ ٦ / ٣٩٥ ]
وقال القشيريُّ: إنهم طاحوا في أودية التفرقة، واستطابوا صحبةَ الأغيار، فشَقَّ عليهم حين طولبوا بهجران العادة والقرار في ساحات التوحيد حتى قالوا ما قالوا (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: بما تُوْعِدنا به من العذاب إن كنت صادقًا في هذه الأخبار.
* * *
(٧١) - ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾: أي: قال هود (^٢): قد وجَب عليكم من ربكم عذاب وجوبًا لا خُلف فيه، فكأنه قد وقع، وهو كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١].
والرِّجس أصله: النَّجَس، وهو المستقذَر، فالرجس عذابٌ يتجنَّبه أولو الألباب.
وقيل: الرِّجس هو زيادة الكفر بالرَّين على القلوب؛ كما في قوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥].
والغضب: السخط، وقيل: هو إرادة الانتقام، وقيل: هو إحلال العقوبة بمن يستحقُّها.
وقوله تعالى: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: أصنامٍ هي جماداتٌ سمَّيتُموها بأسماءٍ لم يَجعل اللَّه لها شيئًا من
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٤٥).
(٢) في (ر): "أي قد قالوا هو".
[ ٦ / ٣٩٦ ]
معاني تلك الأسماء، ولم يُنزل حجةً من استحقاقها تلك الأسماء لا عقلًا ولا شرعًا.
وقيل: السلطان: العذر.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ (^١) قال الحسن: أي: مواعيدَ الشيطان ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾؛ أي: مواعيدَ اللَّه (^٢).
وقيل: قالوا: نَنتظر موته، فقال لهم: انتظروا ذلك أنتم فإنَّا ننتظِر هلاككم بوعد اللَّه.
* * *
(٧٢) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل: برحمةٍ منا هديناهم، ويحتمل: أنه كان لهم ذنوب لكنْ برحمتنا أنجيناهم، ولأن النجاة لا تكون إلا برحمة اللَّه، قال النَّبي -ﷺ-: "لا ينجو أحدٌ إلا برحمةِ اللَّه" قيل: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمَّدني اللَّه برحمته" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي: استأصلناهم، يقال: دَبَر فلانٌ القومَ يَدْبُرهم فهو دابِرُهم؛ أي: الجائي بعدهم، وقطعُ ذلك يكون باستئصالِ الكل.
_________________
(١) " ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ فانتظروا" من (ف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٧). وذُكر هذا القول عن الحسن أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢]. انظر: "تأويلات أهل السنة" (٧/ ٣٢٤)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٥٣)، و"البسيط" (١٠/ ٤٨٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٨)، وذكره الثعلبي (٥/ ١٢٦) أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠].
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٧). ولفظ الحديث فيه: "لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة اللَّه. . . ". وبنحو هذين اللفظين رواه البخاري (٥٦٧٣) و(٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦).
[ ٦ / ٣٩٧ ]
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ لم يبيِّن آياته التي أعطاها هودًا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فليس بنا إلى معرفة ذلك من حاجةٍ سوى ما أَخبر أنَّ ما حل بهم من العذاب كان بتكذيبهم الرسلَ والآيات (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: تأكيد قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
وقيل: أي: لم يكونوا ليؤمنوا وإنْ تأخَّر عنهم العذاب.
وقال محمد بن إسحاق: فلمَّا عتى عادٌ وتجبَّروا وأَفسدوا في الأرض كلِّها، وقهروا أهلها، أمسك اللَّه تعالى عنهم المطر ثلاث سنين، فبعثوا وفدًا إلى مكة ليَستسقوا لهم.
وكان أهل مكة يومئذ العماليقَ أولادَ عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيدُهم إذ ذاك معاويةُ بن بكر، وكان أبوه حيًّا ولكنه كبر.
فلما قُحطوا بعثوا قَيلَ بنَ عترٍ (^٢)، ولقيم بن هزَّال بن هزيل بن عُتيل (^٣)، ومَرثد بن سعد بن عفير وكان مسلمًا يكتم إيمانه، وجُلْهُمة بن الخيبريِّ خالُ معاوية بن بكر، ثم بعثوا لقمانَ بن عادٍ الأكبر، فانطلق كلُّ رجل من هؤلاء القوم برَهْطٍ من قومه حتى بلغ عددُهم سبعين رجلًا، فلمَّا قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجَ الحرم، فأكرمهم وأنزلهم وكانوا أخوالَه وأصهاره، فلمَّا نزلوا عليه أقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر وتغنِّيهم الجرادتان قَيْنَتان كانتا لمعاوية.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٨).
(٢) في (ر) و(ف): "عثر"، والمثبت من (أ)، ومثله في "تاريخ الطبري" (١/ ١٣٤)، و"البداية والنهاية" (١/ ٢٩٥)، وجاء في المصادر أيضًا: (عنز) و(عير).
(٣) "ولقيم بن هزال بن هزيل بن عُتيل" كذا في "تاريخ الطبري" (١/ ١٣٤) وزاد: بن صد بن عاد الأكبر، وفي "تفسيره" بتحقيق الأستاذ محمود شاكر (١٢/ ٥٠٩): (ولقيم بن هزّال بن هزيل، وعتيل بن صُدّ بن عاد الأكبر).
[ ٦ / ٣٩٨ ]
فلما رأى معاويةُ طولَ مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوَّثون من البلاء الذي أصابهم، شقَّ عليه ذلك، وقال: هلك أخوالي وأصهاري وهم ضيفي نازلون (^١) عليَّ، واللَّهِ ما أدري كيف أصنعُ؟ وإني لأستحيي أن آمُرَهم بالخروج إلى ما بُعثوا له، وشكا إلى قَيْنتيه فقالتا له: قل شعرًا نغنِّيهِم به ولا يدرون مَن قاله، لعل ذلك أن يحرِّكهم، فقال معاوية بن بكر في ذلك أبياتًا غنَّتهم (^٢) بها الجرادتان، فلما سمع القوم ما غنَّتا به قال بعضهم لبعض: إنما بعثكم قومكم يتغوَّثون بكم من هذا البلاء، وقد أبطأتم عليهم، فقال قَيلٌ سيدهم: الخمر عليه حرام حتى يذهب فيستَسقيَ لقومه (^٣).
فقال مرثد بن سعد بن عُفير (^٤): إنكم واللَّه لا تُسقون بدعائكم، ولكنكم إنْ أطعتُم نبيَّكم وأَنَبتم إليه سُقيتم، وأظهر إسلامه عند ذلك، فقال له جلهمةُ: إنك من قَبيلِ عادٍ، وأمُّك (^٥) من ثمودَ، فكيف تأمرنا أن نترك دينًا هو دين آبائنا ودين آبائك؟! ثم قالوا لمعاوية بن بكر: احْبِسْ عنا مرثدَ بن سعد لا يَقْدَمن مكة معنا، فإنه قد اتَّبع دين هود، فخرجوا دونه.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "نزلوا".
(٢) في (ر): "تغنيهم".
(٣) في (ر): "الخمر علي حرام حتى أذهب فأستقي لقومي".
(٤) في (أ): "عقير".
(٥) في (ف) و(أ): "وإنك"، والمثبت من (ر)، وهو الصواب، وقد جاء عند الطبري جواب جلهمة لمرثد شعرًا، وهو كما في "تفسير الطبري": أبا سَعْدٍ فإنَّكَ مِن قَبِيلٍ ذَوِي كَرَمٍ وأُمُّكَ من ثَمُودِ فإنَّا لن نُطِيعَكَ ما بقِينا وَلَسْنَا فَاعِلِينَ لِمَا تُرِيدُ أَتَأْمُرنَا لِنَتْرُكَ دِينَ رِفْدٍ ورَمْلٍ والصُّدَاءَ مع الصَّمودِ وَنَتْرُكَ دِينَ آباءٍ كِرَامٍ ذَوِي رأيٍ ونَتْبَعَ دِينَ هودِ
[ ٦ / ٣٩٩ ]
ثم إنه خرج خلفهم، فأتوا مكة وصعدوا الصفا، فقال قَيل بن عترٍ: يا إله هود، إن كان هودٌ صادقًا فاسقنا فإنَّا قد هلكنا، وإنَّا لم نأتكَ (^١) لمريض تشفيهِ، ولا لأسيرٍ نُفاديه، فأنشأ اللَّه ثلاث سحابات بيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ، ثم نادى منادٍ: يا قَيل، اختر لنفسك ولقومك من هذه السحابات، قال قَيل: أما البيضاء فلا ماء فيها، وأما الحمراء فعارِض، وأما السوداء فهي مُظلمةٌ وهي أكثرها ماءً، فقال: اخترت السوداء، فناداه منادٍ فقال: قد اخترتَ رمادًا رمددًا (^٢) لا يُبقي من آل عادٍ أحدًا.
وساق اللَّه تعالى السحابة السوداء بما فيها من النقمة إلى عاد، فخرجت إليهم من وادي، فلما رأوا السحابةَ السوداء مقبلةً استبشروا بها وقالوا: قد جاءنا وفدُنا بالمطر، وقالوا لهود: أين ما كنتَ تُوْعِدنا؟ ما قولك إلا غرورٌ، هذا عارضٌ ممطرُنا، قال اللَّه تعالى لهود: قل لهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] (^٣).
وأوحى اللَّه تعالى إلى الريح العقيم وهي في الأرض الرابعة، فخرجت بغيرِ كيلٍ على قَدْر مَنْخِر الثور، حتى رجفت الأرض ما بين المشرق والمغرب، فقال الخُزَّان: يا رب، لن نُطيقها، ولو خرجت على حالها لأهلكت الأرض، فأوحى اللَّه تعالى إليها أن ارجعي، فرجعت وخرجت على قَدْر خَرْتِ (^٤) الخاتم، وأوحى اللَّه تعالى إلى هودٍ أن يعتزل بمن معه من المؤمنين في حظيرةٍ، فاعتزلوا وخطَّ عليهم خطًّا، وأقبلت الريح فكانت لا تدخل حظيرةَ هود ولا تُجاوز الخطَّ، وإنما يدخل عليهم منها ما تَلَذُّ
_________________
(١) بعدها في (ف): "أي لبابك".
(٢) في (أ): "رمدًا".
(٣) رواه عن ابن إسحاق مع بعض الزيادة الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٦٩)، وفي "تاريخه" (١/ ١٣٤).
(٤) في (ر): "خرث"، وفي (ف): "جوف". والخرت: الثقب.
[ ٦ / ٤٠٠ ]
به أنفسهم، فأوحى اللَّه تعالى إلى الحيَّات والعقارب بأن يأخذوا عليهم الطرق، فلم تَدَعْ عاديًا يجاوزها، وكانت الريح تحمل الماشية برُعاتها فتقذفُها في البحر، وكانت تدمغهم بالحجارة (^١).
فلما عاينوا ما تصنع بهم الريحُ حازوا أهاليَهم وأموالهم وأولادهم ومواشيَهم، ثم قام فيهم رجال لهم شرفٌ فتآمروا على حبس الريح أنْ تصل إلى داخل الشعب (^٢)، وتحالفوا على أن لا يفترقوا حتى يموتوا، وأن لا يفارقوا دين قومهم، واستيقنوا بالعذاب.
وكان أول ذلك يومَ الأربعاء، فهبَّت عليهم إلى اليوم الثامن، ولم يبق من رؤساء القوم إلا خلجان وهو رئيسهم، وأتاه هود ﵇ وقال له: يا خلجان، إنه لم يبق من أصحابك غيرُك، وقد رأيتَ ما صنع اللَّه بمن أطاعك (^٣) وعصاه، والتوبةُ مقبولةٌ منك فيدفع اللَّه بها عن بقية قومك، فقال: كيف بمن مضى منهم وهلكوا؟ قال: يُعْقبك اللَّه مكان كلِّ رجل هلك مئةَ رجل، فقال خلجان: لا وأبيك يا هود، لا يجدني ربك أضعفَ أصحابي، وما كنت لأجمع بين اثنين: الغدرِ بالأغيار (^٤)، وتركِ المواساة للأصحاب.
ثم قال: يا هود أخبرنا عن هذه الإبل التي تأتينا في الريح، قال: تلك الملائكة
_________________
(١) رواه إسحاق بن بشر كما في "الدر المنثور" (٣/ ٤٨٧) عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، ولعله إن صح يكون مما رواه عبد اللَّه عن أهل الكتاب، لكن إسحاق بن بشر متروك، ورواه ابن عساكر في "تاريخه" (٧٤/ ٨٦) عن كعب الأحبار.
(٢) في (ف): "الحصن".
(٣) في (ف): "أطاعه".
(٤) في (ف): "بالأغياب".
[ ٦ / ٤٠١ ]
يوكِّلها اللَّه بمن شاء، فقال الخلجان: تلك التي تفعل بنا الأفاعيل، ثم قال: هل ربُّك مُقِيْدُنا منهم إن تابعناك؟ قال هود: وكيف يُقِيُدُ اللَّه من أهل الطاعة لأهل المعصية؟! لا، ولكنه يُعْقِب مَن بقي منكم بكلِّ رجل هَلَك منكم مئة رجل، فقال الخلجان: إذا لم يُقِدْنا منهم لم أفعلْ.
فلما سمع هودٌ قوله انصرف عنه، وأقبلت الريح والخلجان قائم وحده على فم الشِّعب آخذٌ بجانبيه، وهو يقول:
لا خيرَ في فرعٍ أُصيب أسُّه لو لم يجئني جئته أَحُسُّه
يا لك من يوم دهاني أَمْسُه
فانتهت الريح إليه فقلبته على وجهه في الأرض ثم حملته وطرحته ميتًا كأنْ لم يكن شيئًا، ودخلت الشِّعب فجعلت تَقْصِفهم (^١) وتُزلزلهم وتقتلهم (^٢)، فأمسَوا وقد هلكوا جميعًا (^٣).
وقال الضَّحَّاك ﵀: صَفُّوا صفوفًا، وحفَروا تحت أرجلهم إلى الرُّكب، وأوثقوها بالثَّرى كي لا تزيلَهم الريحُ، وقالوا: مَن أشدُّ منَّا قوةً، فأمهلهم اللَّه تعالى ثمانيةَ أيام ليعتبرَ عبادُه، فكانت الريح تقصفهم (^٤) وتضرب بعضَهم على بعضٍ ولا (^٥) تلقيهم، فلما كان في اليوم الثامن دخلت من تحت أرجلهم فاحتملتهم فضربت بهم الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقوله:
_________________
(١) في (أ): "تعصفهم".
(٢) في (ف): "وتقلبهم".
(٣) رواه الطبري في "تاريخه" (١/ ١٣٧)، وفي "تفسيره" (٢٢/ ١٣٦)، عن ابن إسحاق.
(٤) في (أ): "تعصفهم".
(٥) "لا" ليس في (أ).
[ ٦ / ٤٠٢ ]
﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] أي: باردة، فكانت تقع على الجلد فتُحرقه (^١) بردًا حتى ينكشطَ عن اللحم، ثم يصير اللحمُ كقطع النار.
وقال وهب: ما أتت الريح على شيءٍ من النبات والشجر إلا جعلته كالرميم، ونجَّى اللَّه تعالى هودًا، وعاد أصحاب هود على أحسنِ ما كانوا عليه من الخصب، وأتاهم مرثدُ بن سعد فأخبرهم بخبر الوفد بكلِّ شيء كان من أمرهم في مسيرهم، وما كان من أمر السحاب، وزاد المؤمنين إيمانًا ويقينًا واغتباطًا، وحمدوا اللَّه تعالى على ما أكرمهم (^٢).
* * *
(٧٣) - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ عطفٌ على قوله: ﴿نُوحًا﴾ و﴿هُودًا﴾؛ أي: أرسلنا صالحًا إلى قومه ثمودَ، وهو صالح بن عبيد بن جابر بن ثمود بن جابر بن سام بن نوحٍ النَّبيِّ ﵇، وكان رجلًا أحمرَ (^٣) إلى البياض، سَبط الشعر، وكان أعزَّ قومه نفرًا، فحماه اللَّه تعالى به وشدَّ ظهره، وكذلك الأنبياءُ يبعثهم اللَّه تعالى في أشرف (^٤) قوم وأعزِّهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: فسَّرناه في القصتين
_________________
(١) في (ف): "فتخرقه".
(٢) في (ر): "على إكرامهم".
(٣) بعدها في (ر): "يضرب".
(٤) في (ر): "أشراف".
[ ٦ / ٤٠٣ ]
قبلها، وكانوا يعبدون الأصنام، وكان يدعوهم إلى التوحيد ويبالغُ في ذلك، فكان يدخل عليهم في بيوتهم ويقوم عليهم في مجالسهم وأفنِيَتهم، ويقعد لهم على قوارع الطرق، ويقصد جماعاتهم وَيهجم عليهم في يوم عيدهم، فلا يزدادون إلا طغيانًا وبُعدًا، فقالوا له: أرِنا آية؟ قال: إن أُريتم (^١) آيةً فلم تؤمنوا بها نزل عليكم العذاب.
وكان لهم عيد يجتمعون فيه بأصنامهم، فقالوا له: تخرج معنا إلى العيد فتدعو وندعو، قال: أفتدَعون عبادة الأصنام إن استُجيب لي ولم يُستجب لكم؟ قالوا: نعم، فخرج القوم إلى عيدهم وخرجوا بأصنامهم، وخرج معهم صالح، فاجتمعوا على أن يتمنَّوا عليه أمنيةً وهم يُرون أنه سيعجز عنها، وأن ربَّه لا يُسعفه (^٢) فيها، فقالوا له: إن آيةَ ما بيننا وبينَك أن تدعوَ ربَّك فيخرجَ لنا من هذه الصخرة ناقةً من الإبل غرَّاء سوداءَ ذاتَ عُرفٍ وناصيةٍ وشعرٍ ووبرٍ، عُشَراء نَتوجًا، فإنْ فعلتَه (^٣) آمنَّا بك وصدَّقناك واتَّبعناك، وإن عجزتَ عن ذلك فاكْفُف عنا فإنَّا نكره أذاك وشتمك، وقد كنتَ فينا مرجوًّا قبل هذا، وأنت في شرفنا (^٤) وعزِّنا وحسَبنا.
فلما سمع قولهم ضاق به ذرعًا، وخاف أن لا يكون، وأَعظمَ اللَّهَ وأجلَّه أن يسأله ذلك، ويتمنَّى عليه مثلَ أماني القوم الذين لا يؤمنون بقدرته، فلم يبرحوا من مجلسهم الَّذي سألوا فيه ذلك حتى تزلزلت (^٥) الصخرة، فنظروا إليها تتمخَّض وتَزْحَر (^٦) كما
_________________
(١) في (ف): "أريتكم".
(٢) في (أ): "يشفعه".
(٣) في (أ): "فعلت".
(٤) في (ف): "فنائنا".
(٥) في (ر): "زلزلت".
(٦) الزحير: الصوت، والنفَس بأنين. انظر: "القاموس" (مادة: زحر).
[ ٦ / ٤٠٤ ]
تفعل الأنثى للولادة، فما لبثوا أن تفرَّجت عن أمنيتهم التي سألوا بعينها لم تغادر قليلًا ولا كثيرًا (^١)، فجاءت بناقة غرَّاءَ سوداء ذات شعرٍ ووبر وعُرف وناصية عُشَراء، وسعةُ ما بين جنبيها مئة واثنان وعشرون ذراعًا، ثم أقبلت تمشي حتى توسَّطتهم، ثم بركت للنَّتاج فلم تقُم حتى وضعت سقبًا قريبًا منها في العِظم وليس مثلَها في العظم (^٢)، ثم انبعثت تطلب الكلأ.
فشاركتهم في الماء والشجر، ورعت السهل والجبل، ورعت المَشْتَى (^٣) والمَصيف، وكانت تَرِدُ الماء غِبًّا (^٤) فتَستوعبُ الماء في يوم وِردها، وتسلُك الفجَّ واردةً فيسعُها، ثم ترجع فيه صادرةً قد تملَّأت من الماء فيضيق عنها الفجُّ حتى يَسْحَج (^٥) جنبَها، ثم تَرِد فتَصْدُر وأخلافُها (^٦) تَشْخُب لبنًا، فتُلقى بالمحالب والآنية والأسقية فتفرِّغ لهم من اللبن مثلَ ما شربت من الماء.
وكان لهم ركيٌّ عميق في الأرض، فإذا جَمَّ (^٧) ارتفع الماء حتى يبلغ رأسه، فتَشرع فيه وهو ممتلئٌ يفيض، فلا تزال تشربه وتُدْلي فيه رأسها وعنقَها حتى يغيبَ وحتى تستوعبَه، وطولُ الجبِّ عشرون قامةً.
وكان الشِّرب (^٨) مقسومًا بينهم وبين الناقة لهم يومٌ ولها يومٌ، وكانوا يشربون
_________________
(١) في (ر): "صغيرًا ولا كبيرًا".
(٢) "وليس مثلها في العظم" ليس في (ف).
(٣) "ورعت المشتى" ليس في (أ).
(٤) الغب في سقي الإبل: يوم ويوم.
(٥) أي: يَقْشر.
(٦) في (ف): "وتصدر وأحقافها".
(٧) أي: كثر.
(٨) الشَّرب -بكسر الشين-: الحظ من الماء.
[ ٦ / ٤٠٥ ]
يومَ الناقة من رؤوس الجبال والمغارات، فشقَّ ذلك عليهم، ولو صبروا لفجَّر اللَّه لهم الأنهار والعيون، ولكنهم استعجلوا وعصَوا ربهم، وقد كانوا يكتفون من الماء ما يُصيبون منه في يومهم الذي كان لهم فيه الشِّرب، وإنما حمَلهم على ما صنعوا الحسدُ والبغي والبغض لناقة اللَّه ولرسوله.
فلبثت بين أظهُرهم زمانًا، فكسَر حدَّهم ما يرون فيها من العُجب وقَطَع ألسنتَهم، وهي شَعْراءُ وَبْراءُ يتحاتُّ عنها الوَبر إذا صافت فتُوْسِعُهم لُحفًا، ويتحاتُّ عنها الشعر إذا شتَت فتُوْسِعهم بيوتًا، فلبثت فيهم (^١) ما شاء اللَّه.
وكانت الناقة تَصِيف في الجبل فتهرب منها المواشي أغنامُهم وإبلهم وبقرهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجُدوبته، وكانت تهرب من الناقة لعظَمها، وكانت تَشْتو في (^٢) السهل فتهرب المواشي منها إلى الجبل، فأَضَرَّ ذلك بمواشيهم للبلاء الذي كتبه اللَّه عليهم.
وكان في ثمود يومئذ امرأتان موسومتان بالجمال الفائق (^٣)، غنيَّتان لهما مالٌ كثير من الشاءِ والبقر والنَّعَم، إحداهما تسمَّى: صَدُوف (^٤)، والأخرى: عُنَيزة، وكان لهما خِطْبان من قومهما يألفانهما ويتحدَّثان إليهما، أحدهما يقال له: قُدَارُ بن سالفٍ، والآخر يقال له: مِصْدَع بنُ مَهْرَج.
_________________
(١) "فيهم" ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (ف): "وكانت تستوفي".
(٣) في (أ): "بجمال فائق".
(٤) في (ف): "صدوق" وكذا وقع في باقي المواضع الآتية، ومثله في بعض المصادر. انظر: "عرائس المجالس" (ص: ٩٣)، و"روح المعاني" (٩/ ٢١١)، وكذا في نسخة من "البداية والنهاية" (١/ ٣١٣)، والمثبت من (أ) و(ر)، وهو الموافق لما مصادر أخرى. انظر: "تفسير الطبري" (١٠/ ٢٨٧)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٥٣)، و"تفسير ابن كثير" (٣/ ٤٤١).
[ ٦ / ٤٠٦ ]
وكان قدارٌ رجلًا أحمرَ أمعرَ أشقرَ أزرق سُناطًا (^١) قصيرًا، وهو خِطْب صَدوف، وكان مصدعٌ عزيزًا منيعًا في قومه، وكان رجلًا نحيفًا طويلًا أهوجَ مضطربًا وهو خِطْب عنيزة (^٢)، وكانت هاتان المرأتان أشدَّ قومهما عداوةً لصالح وأعظمَهم كفرًا بما جاء به صالح من اللَّه، وكانتا تحرِّضان قومهما على عقر الناقة لِمَا قد ضرَّت لهما من المواشي.
ثم إن خِطْبَيهما زاراهما يومًا من الأيام، فقالت صدوف: لو كان لنا مزاجٌ لأسقيناكما (^٣) خمرًا، ولكن هذا يوم ورد الناقة فلا سبيل إلى الماء، وقالت عنيزة: بلى واللَّه، إن إلى الماء سبيلًا واسعًا لو كانت رجالنا رجالًا، وهل هذه الناقة إلا واحدة من الإبل تُطرد ولضرب وجهها كما تُضرب الغريبة من الإبل، ولكن لا رجال في الوادي.
قال قُدار: فماذا لي عليك يا صَدوف إنْ أنا فعلتُ ما قالت عُنيزة، فكفيتُكِ الناقة اليومَ وخلا لك الشِّرب، فأوردتِ ماشيتكِ وتروَّيتِ وأصبتِ من الماء حاجتَك؟ قالت: لك إذًا نفسي، وسفَرت عن وجهها فإذا هي أحسنُ النساء.
_________________
(١) في (ر): "سباطًا" وفي (ف): "كوسج سناطًا". والسناط هو الكوسج، كما في "غريب الحديث" لابن قتيبة (٢/ ٧٦)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (١٢/ ٢٣٧)، و"غريب الحديث" للخطابي (١/ ٣٠٣). وقال في "القاموس": والسِّنَاطُ، بالكسر وبالضم: كَوْسَجٌ لا لحيةَ له أصلًا، أو الخفيفُ العارِضِ ولم يَبْلُغْ حالَ الكَوْسَج، أو لحيتُه في الذَّقَن، وما بالعارضينِ شيءٌ.
(٢) كذا ذكر عن عنيزة، ونحوه في "درج الدرر" للجرجاني (١/ ٦٧٣)، والذي روي عن ابن إسحاق وغيره: أن عنيزة كانت امرأةَ رجل من أشراف ثمود يسمى: ذؤاب بن عمرو، وكانت عجوزًا مسنة، وكانت ذات بناتٍ حسان، وأنها دعت قدارَ بن سالف فقالت: أعطيك أيَّ بناتي شئتَ على أن تعقر الناقة. انظر: "تفسير الطبري" (١٠/ ٢٨٧)، و"عرائس المجالس" (ص: ٩٣)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٤٩).
(٣) في (أ): "لأوسعناكما".
[ ٦ / ٤٠٧ ]
ولما سمع مصدعٌ قولها طمع في صاحبته (^١) فقال: ما لي عليك يا عُنيزة إن أنا شاركت قُدارًا فيما قال، فشاركتِ في الماء صاحبتَك؟ قالت: لك إذًا نفسي، وسفَرت عن وجهها ووجوهِ بناتها فقالت: اختر فينا، فإذا هو حسنٌ لا يعلمه إلا اللَّه.
قالا: فإن كنتُما تريدان ذلك فأَميلا علينا الخمر، فأمالتا عليهما الخمر صِرفًا بغير مِزاجٍ، حتى إذا سَكِرا خرجا إلى أخدانٍ لهما من سفهاء ثمودَ فاستغوياهم (^٢)، فأجابهما منهم سبعةٌ فكانوا تسعةً، منهم: قُدَار بن سالف ومِصْدَع بن مهرج، ورباب بن مهرج، والهذيل (^٣) بن عثروك، وعيم بن عيم، وعفير (^٤) بن كَرْدمٍ، وعاصم بن مَخْرَمةَ، وسَلِيط بن صدقة (^٥)، ونشيط بن نفيق (^٦).
ثم انطلقوا ومعهم النَّبْلُ (^٧) والسيوف حتى قعدوا للناقة على باب الفجِّ، فلما وردت حملوا عليها ليضربوا بسيوفهم فشدَّت عليهم فانهزموا، وكَمَن قُدارٌ من خلفها فتعاطى عرقوبَها الأيمنَ بالسيف فعقرها، وفوَّق (^٨) مصدعٌ سهمًا للعرقوب
_________________
(١) في (أ): "صاحبتها".
(٢) في (أ): "فاستغويا".
(٣) في (ر): "والهزيل"، وفي (ف): "والهديل".
(٤) في (أ): "وعقير".
(٥) في (ر): "صدفة".
(٦) في (أ): "شفيق". وانظر: "التيجان في ملوك حمير" (ص: ٣٩٢) لابن هشام، وفيه عن وهب بن منبه: أن اسم الرهط الذين تحالفوا على عقرها: قدار بن سالف، ومصدع بن مهرج، وذؤاب بن مهرج، والهزيل بن متروك، وغنم بن غنم، وعفير بن كردم، وعاصم بن مخرمة، وسليط بن حدقة، وبسيط بن نعيق.
(٧) في (ف): "النصل".
(٨) فوَّق السهمَ: جعل له فُوْقًا، والفُوْق: موضع السهم من الوتر، ولعله هنا بمعنى: أَفَقْتُ السهم =
[ ٦ / ٤٠٨ ]
الأيسر فخرَّت عَقيرةً، ووجَأ قُدار لَبَّتها (^١) بالسيف فنحرها، فلما رأى الفصيل ما فُعل بأمه ولَّى هاربًا منهم حتى (^٢) صعد جبلًا، ثم رغا رغاءً تقطَّعت منه قلوبُ القوم.
فلما سمع الناس بذلك تبادروا عليها فانتسَلوا (^٣) لحمها، وصالحٌ نازحٌ عنها في دار قومه ولا عِلمَ له بها، حتى بلغه الخبر وقيل له: هل علمتَ أن ناقة ربِّك قد عُقرت وتقسَّمت وغلتْ بلحمها المراجلُ؟! فخرج نحوها سريعًا في عُصبة من قومه، فوجدها كذلك، فأَوْعدهم العذاب فشتموه.
وتفاقَم الشرُّ بينهم، ونَشبت العداوة، وقال لهم صالح: التمِسوا الفَصيل، فإنْ أنتم وجدتُموه وإلا فاعلموا أن العذاب نازلٌ بكم، فانطلَقوا يطلبون الفصيل في الجبل، فكلما أرادوا أن يصعدوا على الجبل ازداد الجبل طولًا في السماء فلم يقدروا عليه، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالعذاب، وقال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، وذلك عند مساء يوم الأربعاء، قال: وآيةُ ذلك أن تصبحوا غدًا ووجوهُكم مصفرَّةٌ، وبعد غدٍ محمرَّةٌ، واليومَ الثالث مسودَّةٌ، ثم ينزل بكم العذاب.
فلما قال لهم ذلك تآمروا في قتله، فانتَدب له أصحابُ الناقة التي عقروها وهم تسعةٌ، وتعاهدوا على بياته ليقتلوه وأهلَه، ثم انطلقوا يسيرون إليه في بعض الليل، فلما انتهَوا إلى داره لقيَتْهم الملائكة فدمغوهم فأصبحوا قتلى مصروعين، فلمَّا بلغ قومَهم قتلُهم ظنُّوا أن صالحًا هو الذي قتلهم، فخرجوا في جمعٍ عظيم يريدون صالحًا، فلما انتهَوا إليه لقيَهم قوم صالح فقالوا لهم: ماذا تريدون؟ قالوا:
_________________
(١) = وأَوْفَقْتُه؛ أي: وضعت فُوقه في الوتر. انظر: "القاموس" (مادة: فوق).
(٢) في (أ): "لبها".
(٣) في (ر): "ثم".
(٤) في (ف) و(أ): "فانتشلوا".
[ ٦ / ٤٠٩ ]
نريد نقتل صالحًا وثمانيةً من قومه بمَن قتل منَّا، قال لهم قوم صالح: لا تستعجلوا حتى تستدبِروا الموعد الذي وعدكم ربُّكم (^١)، فإن كان حقًّا فلا تزيدوا ربَّكم عليكم غضبًا، وإن كان ما وعدكم باطلًا فأنتم مِن وراء أمركم. فانصرفوا وتركوهم.
فأصبحوا يومَ الخميس ووجوهُهم مصفرةٌ، ثم أصبحت محمرةً يومَ الجمعة، ثم أصبحت مسودَّةً يوم السبت، فلما نظروا إلى وجوههم مسودَّةً خدُّوا لهم أخدودًا وتزمَّلوا بالأنطاع والقباء (^٢)، وسدُّوا أبوابهم، ولزموا قُعور البيوت، فلما صيحَ بهم همَدوا، ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [الشمس: ١٤]: أرسل عليهم عذابًا فأهلكهم بذنوبهم ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤] الصغيرَ والكبيرَ أجمع، لم يَبق منهم أحدًا أخذتهم الصيحة بياتًا من ليلة الأحد ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨].
ويقال: إن قُدارًا لم يكن لرِشْدةٍ (^٣).
ولم يُفلت منهم غيرُ جارية مقعدةٍ، وكانت شديدةَ العداوة لصالحٍ ولمن آمَن به (^٤)، شديدةَ الكفر باللَّه تعالى، فلما أهلكهم اللَّه أطلقَ لها رجلها ليَعتبر الناس بها (^٥)، ولتحدثَهم بالذي رأت من العذاب، فخرجت تسعى حتى إذا انتهت إلى وادي القرى أخبرتهم الخبر، واستسقت من الماء فسقَوها، فلما شربت ماتت.
_________________
(١) "ربكم" من (ف).
(٢) "والقباء" ليس في (ف).
(٣) أي: كان ابن زنى، وفي خبر ابن إسحاق: (يزعمون أنه كان لزنْيَةٍ، من رجل يقال له: صهياد، ولم يكن لأبيه سالف الذي يُدعى إليه، ولكنه قد ولد على فراش سالف، وكان يدعى له وينسب إليه). انظر: "تفسير الطبري" (١٠/ ٢٨٧).
(٤) في (ف) و(أ): "معه".
(٥) في (أ): "ليشعر بها الناس" وفي (ف): "ليعتبر لها الناس".
[ ٦ / ٤١٠ ]
وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "يحشرُ صالحٌ على ناقته يوم القيامة" (^١).
وقال صالح لقومه: يا قوم، إن هذه دارٌ قد سخط اللَّه عليها وعلى أهلها، فاظْعَنوا عنها فإنها ليست لكم بدار، فقالوا: رأيُنا لرأيك تبعٌ فأْمُرنا نفعل (^٢)، قال: تلحقون بحرم اللَّه وأمنه، لا أرى لكم قرارًا دونه، فأهَلُّوا من ساعتهم بالحج، وأحرموا في العَباء، وارتحلوا قِلاصًا حمرًا مخطمةً بحبالٍ من ليفٍ، ثم انطلقوا يلبُّون آمِّين حرم اللَّه حتى وردوا مكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا، فتلك قبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة والحِجر (^٣).
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: علامةٌ تفصِل بين الحقِّ والباطل.
قوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾: هي الأنثى من الإبل، وإضافتُها إلى اللَّه تشريفٌ لها؛ لأنَّها لم تخرج من ناقةٍ بل من صخرةٍ بإخراج اللَّه تعالى معجزةً لصالح.
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ آيَةً﴾: أي: علامةً ظاهرةَ على رسالتي، ونصبُها على القطع لأنها نكرة وُصفت بها معرفةٌ.
وقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾: أي: ذروها (^٤) ترع في أرض اللَّه لا مؤنة عليكم في رعيها وسقيها.
_________________
(١) رواه الطبراني في "الصغير" (١١٢٢)، و"الكبير" (٢٦٢٩)، من حديث أبي هريرة ﵁. قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٣٣): رواه الطبراني في "الصغير" و"الكبير"، وفيه أبو صالح كاتب الليث وهو ضعيف وقد وثق، وعثمان بن يحيى بن صالح المصري كذلك، وبقية رجالهما رجال الصحيح.
(٢) في (ف): "بفعل".
(٣) رواه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٧٣) عن وهب بن منبه.
(٤) في (ف): "دعوها".
[ ٦ / ٤١١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: أي: لا تصيبوها بمكروهٍ من عَقر ونحوه.
قوله تعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: وجيعٌ، وهو في الدنيا، وقد قال في سورة أخرى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤] (^١).
* * *
(٧٤) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾: أي: سكانَ الأرض بدلًا عن عاد ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: مكَّنكم من منازلَ تأوون إليها.
وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾: السهلة: الأرض الليِّنة، والأرض هي الحِجْر، وهو ما بين الحجاز والشام.
وقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾: أي: تجعلون في الجبال بيوتًا بخرقها ونقبها، وكانوا يتخذون القصورَ للصيف وبيوتَ الجبال للشتاء.
قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾: فسَّرناه ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؛ أي: لا تُبالِغوا في الإفساد فيها بالكفر، وقيل: بالمعاصي.
* * *
(٧٥) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ
_________________
(١) بعدها في (ف): "وهو في الدنيا".
[ ٦ / ٤١٢ ]
آمَنَ مِنْهُمْ﴾: هو بدلٌ عن الأول، وهو بدلُ البعض عن الكلّ؛ لأن من المستضعَفين مَن لم يؤمن باللَّه.
وقوله تعالى: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: سألوهم عن العلم فأجابوهم عن الإيمان، وهو خلافُ جوابهم في الظاهر.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وله وجهان:
أحدهما: أن معنى قوله: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: أتؤمنون؟ لأنه استفهام بمعنى الاستنكار، وإنما يُستنكر على الإنسان صنعُه، والعلم قد يقع له بغيرِ صُنعه، لكن معناه: أتعلمون ذلك بقلوبكم (^١) وتعتقدونه وتُقِرُّون به، فأجابوا بالإيمان لأن السؤال كان عنه معنًى.
والثاني: أن في الجواب إضمارًا، وتقديره: إنَّا عالمون بذلك ومؤمنون به (^٢).
* * *
(٧٦) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: أَخبروا أنهم مخالفون لهم.
وقال القشيري ﵀: أجرى اللَّه تعالى سنَّته أنه لا يختصُّ بإفضاله، وجميلِ صُنعه وإقباله، في الغالب من عباده، إلا مَن لا يَسْموا إليه طَرْفٌ بالإجلال، ولا يُوضع له قَدْرٌ بين الأضراب (^٣) والأشكال، فأنصارُ كلِّ نبيٍّ إنما هم ضعفاءُ وقته، ثم
_________________
(١) "بقلوبكم" ليس في (أ).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٨٢).
(٣) في (أ): "الأقران"، والمثبت موافق لما في "اللطائف".
[ ٦ / ٤١٣ ]
إن مَن لاحظهم من أهل الغفلة بعين الاحتقار، فليس كما يذهب إليه الأوهام (^١)، ولا كما يَعتقد فيهم الأنام، بل الجواهر مستورةٌ في معادنها، وقيمة المحالِّ بساكنها (^٢)، قال قائلهم:
وما ضَرَّ نَصْلَ السيفِ إخلاقُ غِمْدِه إذا كان عَضْبًا حيث وجَّهْتَه بَرَى
وقال -ﷺ-: "رُبَّ أشعثَ أَغْبرَ ذي طِمْرين لا يؤبَهُ له، لو أقسم على اللَّه لأبرَّه" (^٣).
* * *
(٧٧) - ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: عقرُ الناقة (^٤): هو قطعُ العرقوب، والمراد به القتل.
قال الإمام أبو منصور ﵀: ذكر ها هنا ﴿فَعَقَرُوا﴾ على الجمع، وقال في آيةٍ: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] على الواحد، وقال: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] على الواحد، والتوفيق: أنه عَقَرها واحدٌ بعونِ الجمع فكأنهم عقروا، ولذلك أوجَبْنا القصاص على الجماعة إذا عاونوا واحدًا، وكذلك حدُّ قطَّاع الطريق إذا قَتلوا واحدًا أن يُقتلوا لذلك (^٥).
_________________
(١) في (ف): "الأفهام".
(٢) في (ف): "تشاكلها".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٤٨). والحديث رواه الترمذي (٣٨٥٤) من حديث أنس ﵁. وقال: حسن غريب.
(٤) "عقر الناقة" من (ف).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣).
[ ٦ / ٤١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: قال مجاهد: العتوُّ: الغلوُّ في الباطل (^١).
وقيل: هي مجاوزةُ الحدِّ في الفساد.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هو النهاية في التمرُّد، ومعناه ها هنا: خالَفوا أمر اللَّه تعالى متهاوِنينَ به مستكبرينَ عن قبوله (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: بالعذاب الَّذي تهدِّدُنا به، والوعد يذكر في الخير والشر ويُعرف بالقرينة، وإذا أُطلق فهو في الخير.
* * *
(٧٨) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: قال مجاهد والسدِّي: أي: الصيحة (^٣)، وكذا ذكر في سورة هود: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] وقال أيضًا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً﴾ [القمر: ٣١].
وقيل: الرجفة هي الزلزلة المحرِّكة، والأخذُ ضدُّ الترك.
وقال مقاتل: أي: العذابُ من صيحة جبريل (^٤)، فيحتمِلُ أنهم أُرجفوا بالصيحة،
_________________
(١) انظر: "البسيط" للواحدي (٩/ ٢١٣)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥١٥) بلفظ: (غَلَوْا في الباطلِ)، وكذا رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٠١) لكن فيه: (علوا) بالعين بدل الغين، وعقبه الطبري بقوله: وهو من قولهم: جبّار عاتٍ، إذا كان عاليًا في تجبُّره.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٨٣ - ٤٨٤).
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، وعن مجاهدٍ ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥١٦).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٧).
[ ٦ / ٤١٥ ]
ويحتمِل أنه أصابهم صيحةُ جبريل وزلزلةُ الأرض أيضًا، فذَكر أحدهما في موضعٍ والآخرَ في موضع (^١)، وذكر الصاعقة في موضعين: في ﴿حم﴾ السجدة وفي الذاريات.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا﴾: أي: بكرةَ يوم السبت ﴿فِي دَارِهِمْ﴾؛ أي: في بلدهم، ولذلك وحِّد.
وقيل: معنى ﴿فِي دَارِهِمْ﴾؛ أي: منازلهم، ووحِّد لأنه جنس؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢].
وقوله تعالى: ﴿جَاثِمِينَ﴾: قيل (^٢): باركِين على ركبهم موتى، من جثوم الطير.
وقال المبرِّد: ﴿جَاثِمِينَ﴾: ساكنينَ، وأنشد لجرير:
عَرَفْتُ المُنتأَى وعرفتُ فيها مطايا القِدْرِ كالحِدَأ الجُثُومِ (^٣)
وقال الكلبيُّ ﵀: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أي: الزلزلة، واحترقوا بالصاعقة، فأصبحوا ميِّتين قد همَدوا رمادًا لا يتحرَّكون (^٤).
وقيل: أتتهم نارٌ من الهواء.
وقيل: خرجت من تحت أرجلهم.
وقيل: ﴿جَاثِمِينَ﴾: لازقِين بالأرض.
* * *
_________________
(١) "والآخر في موضع" ليست في (أ).
(٢) في (ر): "أي".
(٣) انظر: "ديوان جرير" (١/ ٢١٧)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ٢١٨)، و"الكامل" للمبرد (٣/ ١٢٠)، و"تفسير الطبري" (١٠/ ٣٠٣)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٥٢)، و"البسيط" للواحدي (٩/ ٢١٥). وفي جميع المصادر: (. . وعرفت منها. .).
(٤) انظر: "البسيط" للواحدي (٩/ ٢١٦).
[ ٦ / ٤١٦ ]
(٧٩) - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: أي: أَعرَضَ عنهم وفارقهم لمَّا أُوحي إليه أنه يَنزل بهم العذابُ بعد ثلاثٍ.
﴿وَقَالَ﴾ عند فراقهم ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ ويَثقل النُّصح على مَن اتَّبع الهَوى واجتنَب الهُدى، قال قائلهم:
وكم سُقْتُ في آثارهم من نصيحةٍ وقد يَستفيدُ البُغضةَ المتنصِحُ (^١)
وقال الكلبيُّ ﵀: فتولَى عنهم صالح؛ أي: خرج هو ومَن آمن معه من بينهم قبل نزول العذاب -وهم مئةٌ وعشرةٌ- وهو يبكي، فالتفت فأبصر الدخانَ ساطعًا، فعرف أن القوم قد هلكوا، وكانوا ألفًا وخمسَ مئة دارٍ، فلما هلكوا رجع صالح ومَن آمن معه فسكنوا الديار حتى توالَدوا وتناسلوا وماتوا فيها.
وقال مقاتل: كان مؤمنو قوم صالحٍ سبعين رجلًا، ومؤمنو قوم هودٍ كذلك، فتفرقوا بعد موت صالحٍ وهودٍ، فوقع مؤمنو قوم صالح بجابلقا ومؤمنو قوم هود بجابلسا فهم فيهما، إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، وأهل هاتين المدينتين أكثرُ من يأجوجَ ومأجوجَ، وإن يأجوج ومأجوج تسعةُ أضعافٍ، وأهلَ الدنيا تسعةُ أضعافِ يأجوج ومأجوج، ووراءهما تارس ومنسك، وهما من ولد يافث، وهما تسعة أضعاف جابلقا وجابلسا، وكلُّهم أهل النار إلا ما كان من بقية قوم صالحٍ وهودٍ في هاتين المدينتين، وعلى كلِّ جانب من هاتين المدينتين ألفُ بابٍ، من بابٍ إلى بابٍ فرسخٌ، يَحرس كلَّ ليلة على كلِّ باب سبعون ألفًا لا تصل النَّوبة إليهم، ولولا
_________________
(١) أنشده الأصمعي عن الرياشي. انظر: "العزلة" للخطابي (ص: ٣١).
[ ٦ / ٤١٧ ]
بقيةُ مؤمني قوم صالحٍ وقوم هودٍ ما أنظرهم اللَّه تعالى طَرْفةَ عين (^١).
* * *
(٨٠) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾: هو عطفٌ على قوله: ﴿نُوحًا﴾ و﴿هُودًا﴾ و﴿صَالِحًا﴾؛ أي: وأرسلنا لوطًا، وهو ابن أخي إبراهيم الخليلِ صلواتُ اللَّه عليهما.
وقال القتبي: هو لوط بن هاران (^٢) بن تارَخ -وهو آزر- بن ناحور بن أشرع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ (^٣) بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: ذُكر في غيره من الأنبياء دعاؤهم إلى التوحيد أولًا، ولم يُذكر في حقِّ لوط في هذه السورة، لكن ذُكر في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] إلى أن قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠]، فيَحتمِل أن يكون منهم ما كان في سائر الأمم من تقليد آبائهم (^٥) في عبادة الأصنام: إنَّا وجدنا آباءنا على ذلك، فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: تعملون أعمالًا لم يعملها آباؤكم، فلا تقلِّدونهم في ترك ذلك (^٦).
_________________
(١) ورد نحو هذا ضمن خبر طويل رواه الطبري في "التاريخ" (١/ ٤٧ - ٥٢) من طريق أبي نعيم (واسمه: عمر بن صبح)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١١٦٣ - ١١٦٨) من طريق أبي عصمة نوح بن أبي مريم، كلاهما عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا، ولا يصح؛ فإن عمر بن صبح متروك كذبه ابن راهويه، وكذلك أبو عصمة، كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع.
(٢) في (أ): "هازن"، وفي (ر) و(ف): "هارون"، والمثبت من "المعارف" وغيره.
(٣) في (أ): "شالح"، وفي (ف): "عامر بن شالع".
(٤) انظر: "المعارف" (ص: ٣٠ - ٣١).
(٥) في (ف) و(أ): "الآباء".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٨٦).
[ ٦ / ٤١٨ ]
وقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ استفهامٌ بمعنى التوبيخ، والفاحشةُ: الفعلة القبيحة، وأراد بها اللِّواطة ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾؛ أي: لم يفعلها أحد قبلكم، قوله: ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ (مِن) لتأكيد النفي ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: من الخلائق.
وقال الكلبيُّ ﵀: أولُ مَن فعَل (^١) ذلك قومُ لوط؛ لأن بلادهم أَخصبت فانتَجَعها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس لعنه اللَّه في صورة شابٍّ ثم دعا إلى دبره فنُكح في دبره، ثم عملوا بذلك العمل، فلمَّا كثُر ذلك فيهم عجَّت الأرض إلى ربِّها، فسمعت السماء فعجَّت إلى ربها، فسمع العرش فعجَّ إلى ربه، فأمره اللَّه تعالى أن يَحصبهم وأمر الأرض أن تخسف بهم.
وقال محمد بن إسحاق: كانت الشام منازلهم، وكانت لهم قرًى وثمارٌ لم يكن في الأرض مثلُها، فقصدهم الناس فآذَوهم، فعرَض لهم إبليس في صورة شيخ فقال: إن فعلتُم بهم كذا نجوتم منهم، فأبوا، فلما ألحَّ الناس (^٢) عليهم قصدوهم فأصابوا غلمانًا صباحًا، فأَخْبَثوا واستَحكم ذلك فيهم.
وقال الحسن: كانوا لا يَنكحون إلا الغرباء (^٣).
* * *
(٨١) - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ (^٤): أَتبع التوبيخ الأولَ بمثله مبالغةً وتفسيرًا للأول.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "عمل".
(٢) في (ف): "لح" بدل من "ألح الناس".
(٣) انظر هذه الأقوال في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٥٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٥).
(٤) في (ف) و(أ): " ﴿أئنكم. . .﴾ "، وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة.
[ ٦ / ٤١٩ ]
وقال الكلبي ﵀: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾؛ أي: أدبارَ الرجال ﴿شَهْوَةً﴾؛ أي: اشتهاءً؛ أي: أدبارُ الرجال أشهَى عندكم من فروجِ النساء.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾: (بل) للإضراب، والأولُ والثاني عيبٌ، فما وجهُ الإضراب عن الأول؟
قلنا: الأول ذكرُ عيبٍ واحد، والثاني بيانُ أنهم مَعيبون بكلِّ عيب، فإن الإسراف مجاوزة الحد في كلِّ شيء.
وقال الكلبي: ﴿مُسْرِفُونَ﴾؛ أي: مشركون يتعدَّون الحلالَ إلى الحرام.
* * *
(٨٢) - ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿جَوَابَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، و﴿أَنْ قَالُوا﴾ مصدرٌ وتقديره: إلا قولُهم، بالرفع على أنه اسم ﴿كَانَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾؛ أي: لوطًا ومَن يَدِينُ بدينه، كنَى عن معلومِين غيرِ مذكورِين.
﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾؛ أي: بلدتِكم، وهي من القَرْي وهو الجمعُ، وسميت بها لأنها مجتمَع الناس في الإقامة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: أي: يتنزَّهون عن مثلِ عملنا.
قال ابن عبَّاس ومجاهدٌ وقتادةُ: عابُوهم بما يُمدح به (^١).
_________________
(١) رواه عن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٧٢)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٧). وروى الطبري عن مجاهد وابن عباس قولهما: (يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء).
[ ٦ / ٤٢٠ ]
ومعنى الآية: أنهم اعترفوا بكونها فاحشةً مبتدَعة، وقال بعضُهم لبعضٍ -أو (^١) الأشراف للأتباع-: أخرِحوا هؤلاء من هذه البلدة فإنهم يرون هذا نجاسةً ويستعملون في اجتنابه طهارةً.
* * *
(٨٣) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾: أي: خلَّصناه وأهلَ بيته وأهلَ دينه، ومنهم ابنتاه: زعورا وريثا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾: أي: زوجتَه، واسمها: واهلةُ، وقيل: واعلة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ قال الحسن وقتادة: أي: من الباقين في عذاب اللَّه تعالى (^٤). وقد غَبَر غُبورًا من حدِّ دخل؛ أي: بقي.
وقال الزَّجَّاج: أي: من الغائبين عن النجاة (^٥). يقال: غَبَر فلان عنَّا زمانًا؛ أي: غاب.
ولم يقل (^٦): من الغابرات؛ لأنَّها كانت من الرجال والنساء الباقين في الهلاك، فغلِّب التذكيرُ عند الاجتماع.
_________________
(١) في (ف): "أي".
(٢) في (أ): "رعورا وريثا"، وفي (ف): "زعورا وزيتا"، وفي (ر): "زعورا ورشا". والمثبت موافق لما في "تفسير أبي الليث السمرقندي" (٢/ ٢٥٩)، وجاء في "تفسير الطبري" (١٢/ ٤٩٦): (زغرتا وريثا)، وفي بعض المصادر غير ذلك، ولا طائل من الإطالة في تحرير ذلك.
(٣) في (أ): "والهة وقيل واعلة" وفي (ف): "والهة وقيل واغلة".
(٤) ذكره عنهما الواحدي في "البسيط" (٩/ ٢٢٣)، ورواه عن قتادة الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٩).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٥٣).
(٦) في (ر): "ولم تكن".
[ ٦ / ٤٢١ ]
(٨٤) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾: أي: حجارةً، وقد فسِّر ذلك في آية أخرى ﴿فَانْظُرْ﴾؛ أي: بعين قلبك يا محمد.
وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾: ولم يقل: كانت؛ لتقدُّم الفعل، ولأن تأنيثها غيرُ حقيقي. و(كيف) كلمة تعجيبٍ (^١)، والمجرمون: المشركون.
وقال السدِّي: إن لوطًا كانَ ابنَ عمِّ إبراهيم الخليل ﵇، أتى مدينة سَدُوم فنزلها وتزوَّج فيهم، فبعثه اللَّه تعالى إليهم نبيًّا، وكانوا ينكحون الرجال، فدعاهم إلى الإسلام وإلى ترك ما يعملون، فأبَوا، وكان لوطٌ يُضيف مَن مرَّ به من الناس، فقالوا له: لا تُضف أحدًا، فذلك قوله: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠]، وأتى الرسل إبراهيم حين بعثوا إلى قوم لوط، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود: ٦٩] سألهم إبراهيم: أين تريدون؟ وعرَف أنهم الرسل قالوا: أُمرنا أن نُهلك قوم لوط، قال إبراهيم: أرأيتم إن كان بها مئةٌ من المؤمنين أفتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: فخمسون؟ قالوا: لا، قال فعشرون؟ قالوا: لا، قال: فعشرة؟ قالوا: يا إبراهيم ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، ليس فيها إلا لوط وأهلُه ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢]، فلما خرجوا من عنده متوجهين إلى قوم لوط انتهوا إليها نصفَ النهار، فإذا هم بجوارٍ يستقين الماء، فقالوا لهن: هل ها هنا أحد يُضيف؟ قلن: لا، فقالت بنتُ لوط وهي معهن تستقي: نعم، أبي يضيف، فانطلِقوا معي حتى آتيَ بكم منزلَه، فانطلقت بهم إلى منزل أبيها، فرأى قوم لوط قومًا لم يروا مثلهم جمالًا وهيئة (^٢)، فانجفلوا
_________________
(١) في (ف) و(أ): "تعجب"، والمثبت من (ر) وهو الأنسب بالكلام.
(٢) في (ف): "وهيبة".
[ ٦ / ٤٢٢ ]
معهم حتى أتوا (^١) إلى الدار، فخرج إليهم لوط فناشدهم أن يرجعوا، فأبوا وقالوا: أخرجهم إلينا، فقال: يا قوم! ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]؛ أي: أحلُّ لكم بالنكاح، ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾؛ أي: حاجةٍ ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٧٩] فلما رأوا أن لوطًا لا يخرجهم أَمروا امرأة لوط وكانت على دينهم، فأسخنت الماء وجعلت تصبُّه عليهم (^٢) ليخرجوا فلم يخرجوا، ولم يُصِب أحدًا منهم من ذلك الماء إلا بَرَص (^٣) مكانه، فقال جبريل: افتح الباب فإنهم لا يَصلون إلينا، ففتح الباب فدخلوا فعمُوا، فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]، فقال جبريل ﵇: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية.
فلمَّا علم لوط ﵇ أنهم رسلُ اللَّه وقالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١]، قال: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] فلمَّا كان في بعض الليل خرج لوط وأهله، فلما كان السَّحَرُ ضَرب جبريل بجناحه ثم حملها ومَن فيها بجناحه (^٤) حتى صعد بها إلى السماء، فسمع أهل السماء أصوات الديكة والكلاب، ثم قلَبها فجعل أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها فهوت، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]، ورُموا بالحجارة وتتبَّعت الحجارة الشذَّاذ (^٥) حتى إنْ كان الرجل في بلدٍ بعيدٍ أتاه
_________________
(١) في (ف) و(أ): "انتهوا".
(٢) في (أ): "عنهم".
(٣) في (أ): "برض"، والمثبت من (ر) و(ف)، والبَرَص معروف، أما البَرْض فهو القليل، وبَرَض الماءُ: خرج وهو قليل. انظر: "القاموس" (مادة: برض).
(٤) في (ف): "على جناحه".
(٥) في النسخ: "الشدان" وفوقها في (ف) علامة الاستفهام، والمثبت من المصادر. انظر: "تفسير أبي الليث السمرقندي" (٢/ ٥٨٨)، و"تفسير السمعاني" (٥/ ٢٥٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٩٤)، =
[ ٦ / ٤٢٣ ]
الحجر فقتله، ورُموا بالحجارة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي: مختومة ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]؛ أي: من ظالمي العرب إن لم يؤمنوا بمحمد -ﷺ-.
وقال محمد بن إسحاق: كانت المدائن خمسًا: سدوم وصبواييم ودادوما وغامورا وزُغَر (^١)، فأهلكوا إلا زُغَر لم يصنعوا صنيعهم، وهي المؤتفكات.
وقال وَهْبٌ: أَمطر اللَّه عليهم الكبريت والنار (^٢).
وقال: كان رسولًا إلى أهل المؤتفكات وهي خمسُ مدائن، أعظمُها سدوما، ثم غمورا، ثم أدوما (^٣)، ثم صعورا، ثم صابورا، وكان أهلها أربعةَ آلافِ ألفِ إنسان، ونزل لوط سدوما فلبث فيها بضعًا وعشرين سنة (^٤)، وهي غربيَّ بحيرة التي تلي أريحا في بطن الأردن.
وذُكر أنه لم يكن مع لوط من المؤمنين إلا بناتُه وهنَّ اثنتا عشرةَ، وأوصى لوطٌ
_________________
(١) = وغيرها. وكذا روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٠٩) عن ابن عباس ﵄ قال: فلمَّا كان في جوفِ الليل إذ أَدْخَل جبريلُ جناحَه تحتَ القرية فرفَعها، حتى إذا كانت في جوِّ السماء حتى إنهم ليَسمعون أصواتَ الطَّيرِ، قلَبَها ثم تَتَبَّعَ الشُّذَّاذَ ومَن خَرَج منهم بالحجارةِ.
(٢) روى الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٣٧) عن ابن إسحاق عن كعب الأحبار أنها: صَنْعة، وصَعْوَة، وعَثْرَة، ودُوما، وسَدُومَ. وفي أسماء هذه القرى اختلاف بين المصادر.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨١٠).
(٤) في (ف) و(أ): "أذوما".
(٥) إلى هنا رواه الحاكم في "المستدرك" (٤٠٥٨) عن الواقدي. وفي قوله في عددهم: (أربعة آلاف ألف إنسان) مبالغة لا تخفى، وإن كان قد روي عن غيره، فقد رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٢٢) عن قتادة، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٩٠) عن معمر، و(١٢/ ٤٩٢) عن ابن جريج، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥١٧) عن مجاهد.
[ ٦ / ٤٢٤ ]
ببناته إلى إبراهيم، فزوَّجهن رَهْطًا ممن معه من المؤمنين آمنوا به يوم أُلقي في النار ثم صحبوه، فكلُّ نبي بعد إبراهيم وقبل (^١) بني إسرائيل فمن نسل أولئك الرهط: أيوبُ وشعيبٌ وبلعمُ (^٢)، وقد حجَّ لوط قبل أن يموت.
وقال الإمام أبو منصور: قال ها هنا: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ﴾ وقال في سورة أخرى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] فيحتمِل أن يكون الأولُ جوابَ بعضهم لبعضٍ، والثاني جوابَهم لِلُوط، أو كان ذلك الجوابُ في مشهدٍ والثاني في مشهد آخر، وكلاهما لكلام لوط (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: إن الحق سبحانه أباح في الشرع ما أزاح به العُذرَ، فمَن تخطَّى حدَّ الأمرِ، وجَرَى على مقتضَى هوى النَّفْسِ، استَوجَبَ إذلالَه، واستَجْلَب باختياره صغره ونكالَه (^٤).
* * *
(٨٥) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "وقيل".
(٢) كذا قال، وبلعم لم يكن نبيا، وستأتي قصته عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٨٩ - ٤٩٠).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٤٩).
[ ٦ / ٤٢٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ عطفًا على ﴿نُوحًا﴾؛ أي: وأرسلنا إلى أهل مدين شعيبًا، ومدينُ بينها وبين مصرَ ثماني ليالٍ، ومدينُ في الأصل اسمُ رجل وهؤلاء أولاده، وهو مدين بن مُديان بن إبراهيم، وشعيب هو ابن نُويب؛ قاله قتادة (^١)، ويقال: ابن يثروب (^٢).
وقال محمد بن إسحاق: هو شعيب بن ميكيل، وأمُّ ميكيل بنتُ لوط النَّبي ﵇ (^٣).
وقال عطاء: شعيب بن توبةَ بنِ مدينَ بنِ إبراهيم (^٤).
وقال محمد بن إسحاق: إنه من ولد مديان، واسمه بالسُّريانية: يثروب (^٥).
قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: قد فسرناه ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي شرائعُ ظاهرةُ المصالح؛ من التوحيد والإخلاص وإيفاء حقوق الناس.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٦٠). وقوله: "نويب"، وقع في (أ): "ديويب"، وفي (ف): "يويب"، وسقط من (ر). والمثبت من "تفسير الثعلبي"، ومثله في "تفسير مقاتل" (٢/ ٢٩٣) و(٣/ ٢٧٨ و٣٨٢)، وفي مصادر أخرى: (ثويب)، قال أبو حيان: وقال الشَّرْقي بن قُطامي: شعيب بن عَنْقا بن ثويب بن مدين بن إبراهيم، وقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي الطَّلْحيّ الأصبهاني في كتاب "الإيضاح في التفسير" من تأليفه: هو شعيب بن ثويب بن مدين بن إبراهيم. انظر: "البحر المحيط" (١٠/ ١٨٦)، وقيل في اسمه غير ذلك كما جاء في الموضع المذكور من "البحر".
(٢) في (ف): "يتروب".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٦٠)، و"عرائس المجالس" (ص: ٢٢٦)، وفيهما: (. . . وأمه ميكيل. . .).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٦٠)، و"البسيط" (٩/ ٢٢٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٦)، ووقع في النسخ: ". . . بن يوبه. . . "، والمثبت من المصادر. ووقع عند الواحدي: عطاء عن ابن عباس.
(٥) في (ف): "يثرون"، ومثله في "تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٦)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٦٠)، وفي المصادر غير ذلك، وهذه أسماء يصعب ضبطها.
[ ٦ / ٤٢٦ ]
وقيل: أي: بيانٌ.
وقيل: أي: معجزةٌ، وإن لم يبلُغنا ماذا كانت.
قوله تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾: قد بينَّاه في سورة الأنعام: أن الميزان يُحمل على الوزن (^١)، والكيلَ يحمل على المكيال (^٢)؛ ليستويا.
أمرهم بإيفاء الحقوق التي عليهم من هذين الجنسين.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾: أي: لا تَنْقُصوا الناس الحقوقَ التي تصير لهم عليكم بالعقود.
وقال قتادة: أي: لا تظلموا (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾: قال الكلبي (^٤): أي: لا تَنْقُصوا الكيل والوزن فإنه فساد في الأرض.
قال ابن عبَّاس ﵄: كانت الأرض قبل أن يُبعث إليها شعيبٌ رسولًا يُعمل فيها بالمعاصي، ويُستحل فيها المحارم، ويسفك فيها الدماء بغيرِ حقِّها، فذلك فسادُها، فلما بعث إليها شعيب ودعاهم إلى عبادة اللَّه تعالى صلحت الأرض، وكلُّ نبيٍّ بُعث إلى قومه فهو صلاحُهم (^٥).
وقال ابن عبَّاس ﵄: كان شعيبٌ رسولًا بعد يوسف ﵇،
_________________
(١) في (ف): "الموزون".
(٢) في (ف): "المكيل"، وانظر تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣١١).
(٤) "قال الكلبي" ليس في (ف).
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٢/ ٤٤١) (ط: دار التفسير)، و"تفسير القرطبي" (٩/ ٢٨٢).
[ ٦ / ٤٢٧ ]
وكان من خيرِ قومه، وكان أهل مدين أهلَ شركٍ وبَخْسٍ في مكايلهم وموازينهم (^١).
وقال السُّدِّي وعكرمةُ: ما بَعث اللَّه نبيًّا مرتين إلا شعيبًا، بعثه إلى مدين مرةً فأخذهم اللَّه تعالى بالصيحة، ومرة أخرى إلى أصحاب الأيكة فأخذهم اللَّه تعالى بعذابِ يوم الظُّلَّة (^٢).
وقال إسحاقُ وجويبرٌ وجماعةٌ: هما واحدٌ (^٣).
ولما دعاهم إلى التوحيد وتركِ الظلم كذَّبوه وردُّوا نصيحته، وقالوا: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ الآية، وكان أكثرَ الأنبياء صلاةً ﴿أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنام ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ من الإيفاء وترك البَخْس ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]؛ أي: الأحمقُ السفيه.
قال الضَّحَّاك: كانوا إذا دخل عليهم الغريبُ يأخذون دراهمه ويقولون: دراهمك هذه زُيوفٌ، فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبَخس؛ أي: النقصان (^٤).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: الإيفاءُ خيرٌ لكم من البَخْس ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إن كنتم ممَّن همُّه وقصدُه الإيمانُ بالحق؛ إذ ورد البيان وقام البرهان.
وقال وهبٌ: كان على أهل مدين ملكٌ جبَّار، وكانوا في سعة من العيش ورفاهيةٍ، فأرسل الملك إلى أهل مملكته يأمرهم باحتكار الطعام ونقصِ مكائلهم وموازينهم وقرض الدراهم، وهو أول مَن قرضها، وكانوا يبخسون الناس حقوقهم، فنهاهم عن ذلك شعيب.
_________________
(١) رواه عنه إسحاق بن بشر وابن عساكر كما في "الدر المنثور" (٣/ ٥٠١).
(٢) رواه عنهما إسحاق بن بشر وابن عساكر كما في "الدر المنثور" (٣/ ٥٠٢).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٥٠٢) من طريق جويبر عن الضحاك.
(٤) رواه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس -﵄- كما في "الدر المنثور" (٣/ ٥٠١).
[ ٦ / ٤٢٨ ]
وكان لهم فسادٌ آخر نهاهم عن ذلك، وهو قوله تعالى:
* * *
(٨٦) - ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾: أي: لا تجلسوا في كلِّ طريقٍ، و﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ و(في كلِّ صراطٍ) و(على كلِّ صراط) تتقاربُ معانيها: الباء للإلصاق، و(في) للظرف، و(على) للاستعلاء.
و﴿تُوعِدُونَ﴾؛ أي: تهدِّدون، وهو على معنى الحال.
قال ابن عبَّاس والحسن وقتادة ومجاهد: كانوا يقعدون على طريقِ مِن قصد شعيبًا للإيمان به فيخوِّفونه بالقتل (^١).
قوله تعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: تَصْرِفون عن طريق الإسلام ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾؛ أي: مَن أراد أن يؤمن باللَّه ﷿ ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾؛ أي: تطلبون للسبيل تعويجًا وتحريفًا؛ أي: يقولون: هي سبيلٌ باطلٌ لا حقٌّ.
والعِوَج بكسر العين في الدِّين وفيما لا يُرى، وبالفتح في العُود والحائط وما يرى (^٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: كانوا يجلسون في الطرق فيُخبرون مَن أتى عليهم أن شعيبًا كذَّاب (^٣).
_________________
(١) رواه عنهم -عدا الحسن- الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣١٣ - ٣١٤).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٥٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣١٣).
[ ٦ / ٤٢٩ ]
وقال أبو رَوق -ورواه عن النَّبيِّ -ﷺ-: كانوا عشَّارين يَبخسون الناسَ أموالَهم بأخذ (^١) العشر، وهم أولُ مَن سنَّ ذلك (^٢).
وقال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يَقطعون الطرق (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾: قال الزَّجَّاج: يحتمِلُ هذا ثلاثةَ أوجهٍ: كثَّرَ عددَكم، و: كثَّركم بالغنى بعد الفقر، و: كثَّركم بالمقدرة بعد الضعف (^٤)، فإن الفقراء والضعفاء بمنزلة القليل في كثرة الغنى؛ أي: اذكروا نعمة اللَّه تَشكروا.
قوله تعالى: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي: العصاةِ الذين كانوا قبلكم.
وقال الكلبي: هم قوم لوط.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أَمر (^٥) بالنظر في الأسباب التي صار مَن تقدَّمهم بها أهلَ فسادٍ ونزل بهم الهلاك؛ ليَنزجِروا عن مثل صنيعهم، وإلا كانوا عند أنفسهم أهلَ صلاحٍ لا أهلَ فساد (^٦).
* * *
_________________
(١) في (ف): "يأخذون".
(٢) لم أجده مرفوعًا، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٢/ ٤٤٢) (ط: دار التفسير) عن أبي روق والسدي بلفظ: (كانوا عشارين)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣١٤) من قول السدي مختصرًا بلفظ: (العشارون).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٦١).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٥٥).
(٥) في (ف): "أمروا".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٩٩).
[ ٦ / ٤٣٠ ]
(٨٧) - ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾: يقول لقومه: لا يمنعْكم عن الإيمانِ بي اختلافُ الناس عليَّ وكثرةُ مَن لم يؤمِن بي، فإن العاقبة المحمودةَ للحق وأهله وإنْ قلَّ عددهم.
﴿فَاصْبِرُوا﴾: ليس هذا أمرًا لهم بالمقام على الكفر، لكن معناه: فانتظروا العاقبةَ حتى يحكم اللَّه بيننا بنصرنا وإهلاككم.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: خيرُ مَن حكَم بين العباد؛ لأنَّه يحكم بالحق والعدل.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يجوز أن يكون ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أمرًا للمؤمنين، فإنهم كانوا لم يُؤمروا بقتالهم، ويجوز أن يكون أمرًا للكفار، وكانوا يقولون: الحقُّ ما نحن عليه، فإنَّ اللَّه أمرنا بذلك، وهم شفعاؤنا ومقرِّبونا إلى اللَّه زُلفَى، فقال: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ في القيامة ﴿بَيْنَنَا﴾ فيتبيَّنَ الحق من الباطل (^١).
* * *
(٨٨) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾: قال وهبٌ: ولما نهاهم عن التطفيف والبَخس أَرسل إليه ملكُهم وقال له: ما تقول فيما أَمرتُ أنا الناسَ به من
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٠٠).
[ ٦ / ٤٣١ ]
الاحتكار ونقصِ المكيال والميزان لمصلحة الناس؟ فقال شعيب ﵇: إن في كتاب اللَّه المنزل: أن الملِك إذا كان بمنزلتك وصنع مثلَ ما صنعتَ يقال له: ملك تاجر ملعون فاجر، فقال الملك:
﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾؛ أي: آمنوا باللَّه مع إيمانك ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾؛ أي: ديننا.
وإنما ذكروا العَوْدَ مع أن شعيبًا لم يكن في دِينهم قطُّ لوجوهٍ:
منها: أن هذا خطابٌ لقومه وهم كانوا كذلك، ولئن كان شعيب في الخطاب فالغلبة لهم.
ومنها: أنهم توهَّموا أنه كان فيه.
ومنها: أن العود في معنى الصيرورة، ويذكر في غير تحقيق الرجوع، قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]؛ أي: صار، وقال الشاعر:
لئن كانتِ الأيامُ أحسنَّ مرةً إليَّ فقد عادت لهنَّ ذُنوبُ (^١)
أي: صارت.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الألفُ للاستفهام، وهو بمعنى الاستنكارِ، والواو للعطف؛ أي: أتخرجوننا من قريتنا ونحن كارهون لمفارقة الأوطان من غيرِ ذنبٍ منَّا، وهو أمرٌ منكر، وهو كقوله تعالى: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨].
وقيل: أي: أولو كنا كارهِين للدخول في ملَّتكم مع ذلك تَحمِلوننا على ذلك.
_________________
(١) البيت لكعب بن سعد الغنوي كما في "جمهرة أشعار العرب" (ص: ٢١٢)، و"أمالي القالي" (٢/ ١٥١)، و"العقد" لابن عبد ربه (٣/ ٢٣٤)، و"تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٣٨)، و"خزانة الأدب" (١٠/ ٤٦١)، ونسب في "الأصمعيات" (ص: ٩٩) لغريقة بن مسافع العبسي.
[ ٦ / ٤٣٢ ]
(٨٩) - ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾: هذا جزاءٌ تقدَّم على الشرط، والعودُ هو الصيرورةُ دون الرجوع، على ما قدَّرنا، ودليله قولُ الشاعر:
تلك المكارمُ لا قَعْبانِ من لبنٍ شِيْبا بماءٍ فعادا بَعْدُ أبوالا (^١)
والمِلَّة: الديانة التي يتكرَّر العمل بشرائعها، من قولهم: طريق مَليل: يتكرَّر سلوك المارَّة فيها، والمللُ من تكرُّر الشيء على النفس حتى تسأمَ، وخبز المَلَّة: ما يُنضَجُ في الرماد الحارِّ لتكرُّر الحَمْي عليه.
وتقدير الآية: فإنْ دخلنا في دِينكم بعدما خلَّصنا اللَّه تعالى منه إلى حِفظنا عنه بإقامة البراهين وإراءة الحق، فقد افترينا على اللَّه الكذب حيث قلنا من حيث الدلالةُ إِنَّه لم يبصِّرْنا الحق ولم يُقِم لنا الدليل، وكونُ الإنجاء بمعنى الحفظ نظيرُ قوله ﷿: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ أي: يَحفظهم من الظلمات ويُبقيهم في النور.
وقال الإمام القشيري: كما أن أهل الخير لا يميلون إلا إلى أشكالهم، فأهلُ الشر لا يرضَون إلا بمن ساعدهم على أحوالهم، والأوحدُ في بابه مَن بايَنَ نهجَ أضرابه (^٢).
_________________
(١) نسب لأمية بن أبي الصلت في "تفسير الثعلبي" (٢/ ٢٦٢)، وهو في ديوانه (ص: ١٧٩)، ونسب لأبي الصلت بن ربيعة الثقفي والدامية في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٥)، و"الشعر والشعراء" (١/ ٤٦٢)، وورد أيضًا في "ديوان النابغة الجعدي" (ص: ١١٢).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٥٠).
[ ٦ / ٤٣٣ ]
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾: قد ذكر أهل التأويل له وجوهًا، والإمام أبو منصور ردَّها واعتمد على هذا القول: أن معناه: ولا يكون منَّا دخول في ملتكم إلا أن يكون اللَّه تعالى شاء ذلك منا، خاف شعيب أن يكون سبق منه زلةٌ أو تقصيرٌ يقع منه الاختيار لذلك فشاء اللَّه تعالى له (^١) ذلك، وكذا الأنبياء كلُّهم خافوا ذلك، وكان خوفهم أكثر من خوف غيرهم (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: ونحن لا نعلم إلى (^٣) ماذا يصير أمرنا.
قوله تعالى: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾: أي: اعتمدنا في دفع شرِّكم وكفايةِ أمركم.
ثم دعَوا ربهم، وذلك قوله تعالى:
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾: أي: اقضِ بيننا ﴿وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بحُكمك الذي هو الحقُّ، وهو وصفُ تحقيقٍ لا وصفُ تمييزٍ، كما مر في قوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤].
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾: أي: القاضِين، فلا محاباةَ في حُكمك، ولا ميلَ ولا زللَ ولا رشوةَ ولا شفاعة، والقضاءُ بالحق يفتح الأمرَ المنغلِق، ولذلك سمي فتحًا.
* * *
(٩٠) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾: أي: في الأمر بإيفاء الكيل والوزن ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾؛ أي: حينئذ -هو اسم زمان- ﴿لَخَاسِرُونَ﴾ الأموالَ.
_________________
(١) "له" من (ف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٠٤). وفي كلامه نظر ظاهر، فكيف يعقل أن يفكر نبي أو يخطر بباله أو بال مؤمن أن اللَّه قد يشاء له المصير إلى ملة الشرك.
(٣) "إلى" من (ف).
[ ٦ / ٤٣٤ ]
وقيل: أي: اتَّبعتموه في دينه خسرتُم بتركِ الدِّين الحقِّ بالباطل، كذا كان زعمهم.
* * *
(٩١) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: أي: الزلزلة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ فسرناه في قصة صالح.
وقال في سورة الشعراء: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، قيل: هما قصتان وعقوبتان، وقيل: هما واحدة.
وقال ابن عبَّاس ﵄: إن جبرائيل ﵇ نزل فوقف عليهم فصاح صيحةً رجفت منها الجبالُ والأرض، فقاموا قيامًا وفزعوا، فرجفت بهم الأرض فرمتهم، وخرجت منهم أرواحهم فوقعوا جاثمين (^١).
وقال وهب: سلَّط اللَّه عليهم الحرَّ والغُمَّةَ حتى أَنضجهم، فلبثوا فيه سبعةَ أيام ولياليها، ودخل الحرُّ عليهم (^٢) في بيوتهم ومظالِّهم، وفي الأودية وظلالِ الأشجار، وصار ماؤهم حميمًا لا يستطيعون شربهُ، فانطلقوا يسوقون ذرارَيهم ونساءَهم ودوابَّهم حتى انتهَوا إلى غَيضةٍ وهي الأيكةُ كثيرةُ الشجر، وقد جاءهم سَمومٌ من جهنم، فسلَّط اللَّه عليهم الشمس من فوق رؤوسهم حتى تقلقلت (^٣) جماجمُهم، والرمضاءَ من تحتهم حتى تساقطت لحوم أرجُلهم، ثم أُنشئت لهم ظُلَّةٌ من سحابةٍ سوداء، فابتدروها يستغيثون ببردها، فلما صاروا تحتها أَطبقت عليهم فهلكوا فيها، وقيل: أحرقتْهم (^٤).
_________________
(١) رواه ابن عساكر في "تاريخه" (٢٣/ ٧٤).
(٢) "عليهم" ليس في (ف).
(٣) في (ف): "تغلقت".
(٤) رواه ابن عساكر في "تاريخه" (٢٣/ ٧٦) عن ابن عباس ﵄.
[ ٦ / ٤٣٥ ]
(٩٢) - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: أي: لم يقيموا، وقد غَنِيَ بالمكان؛ أي: أقام، من حدِّ عَلِم، والمغاني: المنازل.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ كرَّر لتغليظ الأمر في تكذيبهم شعيبًا.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾: لا المؤمنون بشعيب الذين قالوا لهم: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ فإنهم خسروا أنفسَهم وأموالَهم ودينَهم ودنياهم وآخرتَهم.
وقال الإمام القشيري ﵀: كانت لهم غلبة في وقتهم، ولكنْ لمَّا اندَرست آثارهم سقط صِيتُهم، وخمل ذكرُهم، وتقشَّع سحاب مَن توهَّم أن فيهم شيئًا.
قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ الحقُّ غالب في كلِّ أمرٍ، والباطل زاهقٌ بكلِّ وصفٍ، وإذا كانت العزةُ نعتَ مَن هو أزليُّ الوجود، والجلالُ حقَّ مَن هو الملِك المعبود، فأيُّ أثر للفطرة مع القدرة، وأيُّ خطرٍ للعلل مع الأزل (^١)؟
* * *
(٩٣) - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: أي: أَعرَضَ إعراض يأس (^٢) عن إيمانهم، ﴿وَقَالَ﴾ عند الإعراض: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾؛ أي: فلم تقبلوا، ثم قال: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾؛ أي: أحزنُ ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ إذ كيف أُظهِر الحزنَ على هلاك قومٍ انقطعت بيني وبينهم الولاية لكفرهم باللَّه.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٥١).
(٢) في (ف): "يائس".
[ ٦ / ٤٣٦ ]
(٩٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾: يعني: لم نرسل في قريةٍ من هذه القرى التي قصَصْنا أخبارها وذكَرْنا إهلاكها نبيًّا ينذرهم إلا ضمَمنا إلى إنذارهم بالعذاب المستأصِل ما دون ذلك من الامتحان بالبأساء وهي الجوع والضراءِ وهي المرض.
وقيل: البأساء: الشدةُ في الأنفس، والضَّراء: الشدة في المال.
وقال ابن عبَّاس ﵄: البأساء: الفقر، والضرَّاء: السَّقَم (^١).
ليتضرعوا إلى اللَّه وينقادوا لشرعه، قال ابن عبَّاس ﵄: ليستكينوا فيتوبوا (^٢).
* * *
(٩٥) - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾: أي: مكان الجَدْبِ الخِصْبَ، ومكان المحنهَ النعمةَ ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾؛ أي: كثروا، كذا قال ابن عبَّاس ﵄ ومجاهد والسُّدِّي وابن زيد (^٣)، وكذا هو في اللغة.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾: أي: أصاب أسلافَنا الأحوالُ الضارَّة والأحوال السارة؛ أي: هذا من الاتفاقات التي تقع للناس من تلوُّن الأحوال، ولم يحملوه على التنبيه فلم ينتبهوا ولم ينتهوا.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٢٤).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٢٤٣).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٠ - ٣٣١).
[ ٦ / ٤٣٧ ]
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾: أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: بوقته، وقيل: بنزوله، وقد كان أنذرهم به رسلُهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١].
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾؛ أي: كثروا وكثرت أموالهم (^١).
وقال مجاهد: حتى كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم (^٢).
وقال المبرِّد: ومنه الحديث: "أَحْفوا الشوارب وأعْفُوا اللِّحى" (^٣).
وقال مقاتل بن حيان: حتى أَشِروا وبَطِروا (^٤).
* * *
(٩٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: خيراتٍ ناميةً من الأمطار والنبات.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾: أي: الأنبياءَ.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: يعني: ولو أن القرى وحَّدوا اللَّه واتَّقوا الشرك والمعاصي لأنزلنا عليهم بركات من السماء بالرزق والمطر والنبات والثمار والخصب، ولكن كذَّبوا الرسل فعاقبناهم بالقحط وغلاء السعر بأعمالهم (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٠ و٣٣١).
(٣) رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٢٧) عن عكرمة.
(٥) ذكره بنحوه الواحدي في "البسيط" (٩/ ٢٤٣)، و"الوسيط" (٢/ ٣٨٩).
[ ٦ / ٤٣٨ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: ليست العبرةُ بكثرة النعمة إنما العبرةُ بالبركة في النعمة، ألا ترى أن اللَّه تعالى لم يقل في هذا الآية: لضاعَفْنا عليهم النِّعَم، لكن يقول: لباركنا عليهم فيما أعطيناهم (^١).
* * *
(٩٧) - ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾: استفهام بمعنى الاستنكار.
قال ابن عبَّاس ﵄: أي: عذابنا ليلًا وقتَ مبيتهم (^٢).
﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ الواو للحال، وأكثر ما يكون نزولُ المحنة في حالة الغفلة، قال قائلهم:
يا راقدَ الليل مسرورًا بأوَّله إن الحوادث قد يَطْرُقْن أسحارًا (^٣)
* * *
(٩٨) - ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: نهارًا وهم في شغلِ الدنيا فإنه لعبٌ.
والضحى: وقتُ ابتداءِ الأعمال التي يُطلب بها الانتفاعُ ويُرجى بها الاستمتاع.
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٥٣).
(٢) انظر: "الوسيط" (٢/ ٣٨٩).
(٣) البيت لمحمد بن حازم الباهلي كما في "معجم الشعراء" للمرزباني (ص: ٣٧١)، ولعدي بن زيد العبادي كما في "التمثيل والمحاضرة" للثعالبي (ص: ٥٣).
[ ٦ / ٤٣٩ ]
(٩٩) - ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾: أي: أَخْذَهم بغتةً، والمكر أصلُه: إظهارُ المحبوب وإخفاءُ المكروه، وإذا بَسط اللَّه تعالى نعمةً على عبدٍ استدعاءً للشكر فلم يفعل، ثم أخذه بغتةً، فقد ظهرت له نعمة وكانت خفيتْ له محنة.
وقيل: هو على الجزاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وهذا جزاءٌ من اللَّه على مكرهم بالأنبياء كما ذكر في الخداع والاستهزاء.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: المكرُ في الشاهد: أن يراقب من عدوِّه حالَ غفلةٍ فينتقمَ منه، فسمَّى ما ينزل من العذاب بهم في الغفلة مكرًا مجازًا، وعلى هذا: الامتحانُ بين الخلق هو استظهارُ ما خفي على بعضهم [من بعضٍ] فيأمرون بذلك وينهَون، فسمَّى اللَّه ذلك امتحانًا لمعنى الأمر والنهي، وإن كانت الخفياتُ عن الخلق ظاهرةً له باديةً عنده (^١).
قوله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أي: لا يأمن أَخْذَ اللَّه بغتةً إلا الخاسرون.
قال ابن عبَّاس: أي: إلا الكافرون الذين خسروا أنفسَهم حتى صاروا إلى النار.
وقال علي ﵁: لا تُنزِلوا الموحِّدين العارفين المخبِتين الجنةَ حتى يكونَ اللَّه هو يحكُم فيهم؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ولا تُنزلوا الموحِّدين العارفين المذنبين النار حتى يكون اللَّه هو يحكم فيهم؛ لأن اللَّه يقول: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] (^٢).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥١١)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) لم أجده، لكن ذكر الإمام أبو حنيفة في "الفقه الأكبر" (ص: ١٣٨) أحاديث في معناه، فقال: حدثت =
[ ٦ / ٤٤٠ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀ الآيتان في المعتزلة؛ لأنَّهم يأمنون مكرَ اللَّه في الصغائر فيقولون: ليس له أن يعذبهم عليها، وييأسون من روح اللَّه أي من رحمة (^١) اللَّه في الكبائر فيقولون ليس له أن يعفو عنها (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: مَن عَرَف علوَّ قَدْره [سبحانه] خشيَ خفيَّ مكره، ومَن أمِن خَفيَّ مكره نسيَ عظيمَ قَدْره (^٣).
وقال الحسن: قوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ هذه الآيات في الأمم السالفة، وفيه تحذير هذه الأمة عن مثل صنيعهم؛ لئلا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك (^٤).
وقال آخرون: هي في أهل القرى من هذه الأمة.
* * *
_________________
(١) = عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تقولوا أمتي في الجنة ولا في النَّار دعوهم حتَّى يكون اللَّه يحكم بينهم يوم القيامة". قال: وحدثني أبان عن الحسن قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يقول اللَّه ﷿: لا تُنزلوا عبَادي جنَّة ولا نارًا حتَّى أكون أنا الَّذي أحكم فيهم يوم القيامة وأُنزلهم منازلهم". وحدثت عن أبي ظَبْيان قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ويل للمتألين من أمتي" قيل: يا رسول اللَّه وما المتألون؟ قال: "الذين يقولون فلان في الجنَّة وفلان في النَّار". قلت: والأخير رواه مسدد كما في "المطالب العالية" (٣٠٠١) من حديث جعفر العبدي.
(٢) في (ف): "رحمته" بدل: "من رحمة".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥١١ - ٥١٢).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٥٣)، وما بين معكوفتين منه.
(٥) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥١١).
[ ٦ / ٤٤١ ]
(١٠٠) - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾: أي: أولم يُبيِّن (^١)، استفهام بمعنى الإثبات، وفاعلُه المكرُ المذكور في الآية الأولى؛ أي: أولم يبيِّن ما نزل بالأولين من مكر اللَّه بهم.
وقيل: الفاعل هو اللَّه ﷿؛ أي أولم يبين اللَّه تعالى.
قال مقاتل: أولم يبيِّن لكفار مكة الذين قد ورثوا الأرض من بعد هلاك أهلها الماضين (^٢).
قوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: لعذبناهم بذنوبهم كما عذبنا الأولين.
قوله تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: هذا ابتداءٌ، كذا قاله الزَّجَّاج والفرَّاء (^٣)؛ أي: ونختم على قلوب هؤلاء ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ الوعظ؛ لعِلمنا بأنهم يختارون الإصرار على الكفر والاستكبار.
وقيل: أي: لا يجيبون، كما في قوله: سمع اللَّه لمن حمده؛ أي: أجاب اللَّه مَن حمده.
* * *
_________________
(١) في (ف): "يتبين".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥١).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٦١)، "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٨٦). قال الزجاج: المعنى: ونحن نطبع على قلوبهم، لأنه لو حمل على ﴿أَصَبْنَاهُمْ﴾ لكان: ولطبعنا، لأنه على لفظ الماضي وفي معناه.
[ ٦ / ٤٤٢ ]
(١٠١) - ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾: أي: قصَصنا عليك أخبارَها فيما كان منا إليهم من الإعذار، وما كان منهم من الإصرار.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: المعجزات التي اقترحوها.
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: فما كان من صفتهم الإيمانُ بها، وكانوا كذَّبوا بمثلها من قبل ذلك، وكانوا إنما التمسوها عنادًا لا استرشادًا.
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾: لمَّا علم منهم أنهم يختارون الثبات على الكفر.
وقال الإمام القشيري ﵀: تلك القرى سلكوا طريقًا واحدًا في التمرُّد، واجتمعوا في خطةٍ واحدة في الجَحْد والتبلُّد، فلا إلى الإيمان جَنحوا ولا من العدوان رجعوا، وكذلك صفةُ مَن سبق بالشقاء قسمتُه، وحقَّ بالعذاب عليهم كلمتُه (^١).
* * *
(١٠٢) - ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: من وفاءٍ فيما أُمروا به، وهو العهد الأول الَّذي أخذ عليهم يوم الميثاق (^٢).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٥٤)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٢٥٨)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٠) عن أبي بن كعب ﵁.
[ ٦ / ٤٤٣ ]
وقال مقاتل: إن اللَّه ﷿ أخذ ميثاق ذرية آدم على المعرفة فأقروا بذلك، فلما عقلوا نقضوا العهد فكفروا (^١).
وقال ابن مسعود: ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾؛ أي: إيمان، كما قال: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] (^٢).
وقال الضَّحَّاك: هو عهد العقل والفهم.
وقيل: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾: الأممِ المعذَّبين ﴿مِنْ﴾ أمانةٍ ووفاءٍ بـ ﴿عَهْدٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾: أي: ما وجدنا أكثرهم إلا متهتِّكين مجاهِرين بالمعاصي مع كفرهم وشركهم، كما قال في أهل الكتاب: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] وقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾؛ أي: لتاركين ما أمروا به من الحلال والحرام (^٣).
وقال الضَّحَّاك: لناقضين العهد (^٤).
وقال ابن مسعود ﵁: ﴿لَفَاسِقِينَ﴾؛ أي: لكافرين، وهو تصديقُ ظنِّ إبليس فيهم: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥١)، وليس فيه: "فكفروا".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٢٥٩).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٢٥٩) بلفظ: لعاصين. وروى عنه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٤١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٣١) قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ وذلك أن اللَّه إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به.
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٢٥٩).
[ ٦ / ٤٤٤ ]
وقال الإمام القشيري: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ نَجَم في الغدر طارقُهم، وأفَلَ من سماء الوفاء شارقُهم، وعُدِم أكثرهم رعايةَ العهد، وحَقَّ من الحقِّ فيهم قسمةُ الردّ.
قال: ويقال: شكا عن أكثرهم إلى أقلهم، فالأكثرون من ردَّتهم القسمة، والأقلون من قبلتهم الرحمة (^١).
* * *
(١٠٣) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾: أي: أرسلنا ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: بعد الأنبياء الذين (^٢) مرت قصصُهم ﴿مُوسَى﴾ هو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇
قوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أولها العصا وآخرُها الطَّمس (^٣)، وهو تسعٌ: العصا واليدُ البيضاء والسِّنون والطُّوفان والجرادُ والقمَّل والضفادعُ والدمُ والطَّمس.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: هو الوليد بن مصعب بن ريان، وكنيتُه أبو مُرَّة.
وقال أهل الكتابين: اسمه قابوس بالسُّريانية، وكان من القِبْط، وعُمِّر أكثر من أربع مئةِ سنة.
وقال ابن عبَّاس ﵄: إن فرعون موسى ملَك مصر واستعبد بني
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٥٤)، وفيه: (الوصلة) بدل: "الرحمة".
(٢) في (ف): "التي".
(٣) لم أجده عن ابن عباس، وقاله مقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٥٣).
[ ٦ / ٤٤٥ ]
إسرائيل أربعَ مئة سنة، وذلك بعد يوسف بن يعقوب، وبدء دخول بني إسرائيل مصر حين مَلَك يوسف مصر وضمَّ إليه أبويه وإخوتَه وأهلَ بيته، فمكثوا بمصر، فلمَّا قَبض اللَّه يوسف ﵇ وهلَك ذلك الملك الذي كان يوسفُ معه وهو ريان بن الوليد، توارثت الفراعنة من العماليق ملكَ مصر، فرعون بعد فرعون، وبشَّر اللَّه تعالى بني إسرائيل بمصر.
وقال محمد بن إسحاق: ملك فرعونُ مصر وهو شابٌّ أخضرُ الشارب، ومكث أربع مئة سنة لا يُصْدَع له رأس ولا يصيبه همٌّ ولا يناوئه (^١) عدوٌّ، سلطانُه فيهم ماضٍ وأمرُه جائز.
قوله تعالى: ﴿وَمَلَئِهِ﴾: أي: الأشرافِ من قومه، وكان مبعوثًا إلى غير فرعون وملئه من أهل زمانهم، لكنهم كانوا أتباعًا لهم.
قوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: فجحدوا بالآيات (^٢).
وقيل: ظلموا أنفسَهم بجحدها.
وقيل: جعلوا بدل (^٣) الإيمان بها الكفرَ، فإن الظلم وضعُ الشيء في غير موضعه.
وقيل: كفروا وأشركوا بها.
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ﴾: أي: بعين قلبك يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: كيف كان آخرُ أمر الذين أَفسدوا في الأرض ببثِّ الكفر فيها.
قال الضَّحَّاك: كانت عاقبتُهم الغرقَ.
_________________
(١) في هامش (أ): "أي: يعاديه".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٢٦٠) بلفظ: (فكذبوا بها).
(٣) في (ف): "بعد".
[ ٦ / ٤٤٦ ]
وقال الإمام أبو منصور: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾؛ أي: سمَّوا الآيات سحرًا، فوضعوها غيرَ موضعها.
ويحتمِل: ظلموا النعم بكفرانها وعبدوا غير اللَّه، فصرفوا الشكر إلى غير المنعم.
ويحتمِل: ظلَم الملأُ الأتباعَ بمنعهم عن اتِّباع الرسل والتأمُّل في الآيات.
ويحتمِل: ظلموا أنفسَهم بجحودها (^١).
ثم إنَّ قصة موسى أطولُ قصص الأنبياء في القرآن، وهي مكرَّرة في سور منها، وقد قالت عائشة ﵂: يا رسول اللَّه، إن اللَّه تعالى أكثرَ ذكرَ موسى في القرآن، فقال: "يا عائشة، مَن أحبَّ شيئًا أكثرَ ذكرَه" (^٢) أشار إلى قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.
وفي هذه السورة فصولٌ من قصته، والبداية ها هنا بذكر مجيئه فرعونَ وأدائه الرسالة، ولم يُذكر ها هنا قصةُ ولادتِه وتربيتِه وغربتِه وتزوُّجِه بنتَ شعيبٍ وعودِه إلى مصر، وقد ذُكر ذلك كلُّه في غير هذا الموضع، فأخَّرنا نحن بيان قصصها إلى مواضعها، ونذكر ها هنا ما روي في قصة مجيئه فرعونَ لعنه اللَّه، ودعوتِه إلى الإسلام، وإظهارِ المعجزة، وما كان من معارضة السحرة إياه، وغلبتِه إياهم وإسلامهم.
وقال الإمام القشيري ﵀ في الآية: لمَّا انقرضت أيامهم، وتقاصَرت عن بساط الإجابة أقدامهم، بَعَث موسى نبيَّه وضم إليه هارون صفيَّه، فقوبلا بالتكذيب، فسَلك بهم مسلكَ إخوانهم في التعذيب (^٣).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥١٦).
(٢) المرفوع منه رواه أبو نعيم والديلمي من حديث مقاتل بن حيان عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة به مرفوعًا، كما في "المقاصد الحسنة" للسخاوي (ص: ٦١٩).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٥٤ - ٥٥٥).
[ ٦ / ٤٤٧ ]
ذكر وهبٌ: أن موسى وهارون صلوات اللَّه عليهما لمَّا دخلا دار فرعون لعنه اللَّه ووقفا بين يديه، لقَّن اللَّه تعالى موسى دعوةً دعا بها فقال: لا إلهَ إلا اللَّهُ الحليمُ الكريم، وسبحان اللَّهِ ربِّ السماوات السبعِ وربِّ العرش العظيم، والحمدُ للَّه ربِّ العالمين، اللهمَّ إني أدرأُ بك في نحره، وأعوذ بك من شرِّه، وأستعينُ بك عليه، فاكفِنيه بما شئتَ، فتحوَّل ما في قلب موسى من الخوف أمنًا، وتحوَّل ما في قلب فرعون من الأمن خوفًا، فمَن دعا بهذا الدعاء وهو خائفٌ أمَّنه اللَّه تعالى ونفَّس كربته، وخفَّف عنه كُرَب الموت، فتأمَّلَهما فرعون ساعةً حتى عرف موسى ﵇، فقال له: مَن أنت؟ قال: أنا رسول ربِّ العالمين، قال: أسألك عن اسمك ونسبك؟ قال موسى صلوات اللَّه عليه: عبدُ اللَّه وابنُ عباده وابنُ إمائه، أذلُّ عباده وأفقرُهم إلى ربٍّ خلقني من تراب، ثم يعيدني فيه، ثم يُنشرني منه يومَ الحساب، وهذا النسبُ المعروف الذي إليه تصير يا فرعون، ومنه خُلقتَ وفيه تعود ومنه تُنشَر، وإليه يصير الأولون والآخِرون، وقال فرعون لعنه اللَّه: لَغيرُ هذا النسبِ وهذا الاسمِ أولى بك وألزمُ لك، أَوَلا تقول: عبدُ فرعون وابنُ عبيده وابن إمائه، الكافرُ لنعمه، الناسي لإحسانه، الغادرُ بسيده، اللصُّ القاطع القاتل؟ قال موسى ﵇: تبارك اللَّهُ ربُّ العالمين، هو أعزُّ وأجلُّ وأعظم من أن يكون معه إلهٌ، أو لعباده ربٌّ غيرُه، بل أنت يا فرعون أحقُّ بما تقول، وهذا أشبه بك، قال فرعون: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] وصرتَ بغَدْرتك أجيرًا ذليلًا خائفًا فقيرًا طريدًا؟ وأجابه موسى بما أجاب على ما نبيِّن في سورة الشعراء إن شاء اللَّه تعالى (^١).
_________________
(١) لم أجده، وروى أوله ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٠٧٨) عن مجاهد قال: كان موسى -ﷺ- قد مُلئَ قلبُه رعبًا مِن فرعون، فكان إذا رآه قال: اللهمَّ أَدْرأُ بك في نحره وأعوذُ بك من شرِّه، ففَرَّغ اللَّه ما كان في قلب موسى وجعَله في قلب فرعونَ، فكان إذا رآه بال كما يبولُ الحمارُ.
[ ٦ / ٤٤٨ ]
(١٠٤) - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: مُرسَلٌ إليك من ربِّ (^١) الخلائق.
ولا يقال: إن هذا خرج مخرج التمدُّح وهو منهيٌّ عنه.
لأنَّا نقول: هو بيانُ المنَّة من اللَّه تعالى عليه بإرساله، والتمدُّحُ يكون من المرء بأفعاله، لا بما ناله بكرم اللَّه ﷻ وأفضاله، ولأنه عرَّفه ذلك لأنَّ من عادة الملوك أنهم لا ينالون رسلَ غيرهم إليهم بمكروهٍ، فبدأ به لئلا يناله بمكروه.
* * *
(١٠٥) - ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ قرأ نافع: ﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ﴾ بتشديد الياء (^٢)، ومعناه: واجبٌ عليَّ، من قولك: حقَّ الشيءُ يَحِقُّ حقًّا فهو حاقٌّ وحَقيقٌ؛ أي: وجَب.
وقرأ الباقون: بالتخفيف، ومعناه: جديرٌ بأنْ لا أقول على اللَّه إلا الصدقَ.
نعتٌ للرسول، و﴿عَلَى﴾ بمعنى الباء؛ قاله الفرَّاء، يقال: جئتُ على حالةٍ حسنةٍ وبحالةٍ حسنة، ورميتُ على قوسٍ وبقوسٍ (^٣)؛ أي: أنا خليقٌ بأنْ لا أكذبَ على اللَّه تعالى؛ لمكاني من كرامته ورسالته، وعلمي بأنه ربِّي وربُّ العالمين.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "ملك".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٧)، و"التيسير" (ص: ١١١).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٨٧).
[ ٦ / ٤٤٩ ]
وقالوا: بين الآيتين مضمر؛ أي: أنه لمَّا قال: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كذَّبه فرعون، فقال: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: بما يبيِّن وحدانية اللَّه وألوهيتَه، ويحتمِلُ بيِّنة الرسالة؛ أي: ما يبيِّن أني رسولٌ من ربِّ العالمين غيرُ كاذبٍ عليه (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: أطلِقْهم ودَعِ استعبادهم وخلِّهم معي لأخرجَ بهم إلى أرض الشام التي وعدَها اللَّه لهم، وقال مقاتل: إلى فلسطين (^٢).
* * *
(١٠٦) - ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: قال فرعون: إن كنت صادقًا في قولك: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فهات بيِّنتَك.
قال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآية على أن اللَّعين عرَف عبوديةَ نفسه وأنه ليس بإلهٍ، حيث طلب منه الآيةَ على صدق ما ادَّعى من الرسالة، ولو كان عنده أنه إلهٌ لقال: متى أرسلتُك؟ ولم يَطلب منه الآية (^٣).
* * *
(١٠٧) - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: (إذا) كلمةُ مفاجأةٍ، وقيل: معناه: ظهَر.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥١٩).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٢).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥١٩).
[ ٦ / ٤٥٠ ]
وقال أبو عَوْسجةَ: الثعبان: الحية (^١).
وقال ابن عبَّاس ﵄: الحيةُ الذَّكرُ (^٢).
وقال الفرَّاء: أعظمُ الحيات (^٣).
وقيل: الحية الضَّخم العظيم، مأخوذٌ من ثَعَب الماءَ: إذا فجَره، والمثعَبُ: موضعُ انفجارِ الماء، سُمي به لأنه يجري كعينِ الماء عند الانفجار.
وقوله تعالى: ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: يبين (^٤) أنه حيةٌ لا لبسَ فيه.
قال ابن عبَّاس ﵄: فأوقع موسى العصا وكان جبريل دفعها إليه حين توجَّه إلى مدين (^٥).
وقالوا: كانت من الجنة حملها آدم منها إلى الدنيا، وهي من الآس.
فإذا (^٦) العصا حيةٌ أصفرُ أشعرُ ذكرٌ أعظمُ الحيَّات، فملأت دار فرعون، فإذا فتحت فاها صار شدقُها ثمانين ذراعًا، ثم شدَّت على فرعون لتبتلعه، فوثب فرعون عن سريره فهرب منها، وهرب الناس فصاحوا، واستغاث فرعون بموسى ﵇، فأخذها موسى فإذا هي عصًا كما كانت.
وقال وَهْبٌ: صار أعظمَ ثعبانٍ نظر إليه الناظرون، أسودَ مدلهمًّا يَدبُّ على
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥١٩). وأبو عوسجة اسمه مسلم، له صحبة روى عنه ابنه. انظر: "أسد الغابة" (٥/ ١٨١)، و"الإصابة" (٧/ ٢٩٤).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٧٥)، وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٢٠).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٨٧)، ولفظه: هو الذكر وهو أعظم الحيات.
(٤) في (ر) و(ف): "بين".
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٤٧).
(٦) في (ر): "فأجاء".
[ ٦ / ٤٥١ ]
قوائم غلاظٍ قصارٍ شدادٍ في (^١) مثلِ بدن البُختيِّ العظيم، إلا أنه أطولُ منه بدنًا وعنقًا ومشفرًا، وإن له ذنَبًا طويلًا غليظًا يقوم عليه فيُشرف على حيطان المدينة برأسه وعنقه، ثم يقع (^٢) على الأرض فلا يأتي على شيء إلا حطَمه، وخدَش بقوائمه الصخرَ والرخام والحيطان والبيوت، حتى يرمي بعضها على بعضٍ، يتنفَّس في البيوت والخزائن فيشتعلُ كلُّ شيء منها نارًا، وله عينان تتوقَّدان نارًا، ومنخران يخرج منهما الدخان، وقد صار له المحجَن عُرفًا على ظهره، وشعورًا سودًا غلاظًا مثل الرماح الطِّوال لا يصيب منها شيئًا (^٣) إلا قطعه، وقد جعلت الشعبتان له فمًا مثل القَليب الواسع (^٤) يخرج منه رياح السَّموم لا يصيب أحدًا منه نفخةٌ (^٥) إلا صار أسودَ مثل الليل المظلم، في فيه أضراسٌ وأنياب، في أعلى شدقه اثنان وسبعون ضرسًا، وفي أسفله مثلُ ذلك، له صريرٌ يصمُّ مَن سمعه، ما يسمع (^٦) الرجل كلام جليسه إذا ضرب أضراسَه بعضَها على بعضٍ، وإنه ليَهدر مثلَ البعير يتزبَّد شدقاه زبَدًا أبيض، يتطاير لعابه فلا يقع منه قطرةٌ على أحدٍ إلا اشتعل برصًا، فأدخل الثعبان أحدَ شدقيه تحت سرير فرعون والآخر فوقه وفرعونُ -لعنه اللَّه- على سريره، فسَلَح في
_________________
(١) "في" ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (ف) و(أ): "يقوم"، والمثبت من (ر) و"تاريخ دمشق".
(٣) قوله: "وشعورًا سودًا غلاظًا. . . لا يصيب منها شيئًا"، كذا في النسخ، وفي "تاريخ دمشق": (وشعره أسود غلاظ. . . لا يصيب منه شيء). وانظر التعليق الآتي.
(٤) رواه بنحوه مختصرًا إلى هنا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٧٤)، وفي آخره: (. . . وقد عاد المِحْجَنُ عُرْفًا فيه شعرٌ مثلُ النَّيَازِك وعاد الشُّعْبتانِ فمًا مِثلَ القَليبِ الواسعِ فيه أضراسٌ وأنيابٌ لها صَريفٌ، فلمَّا عايَنَ ذلك موسى ولَّى مُدْبِرًا ولم يعقب).
(٥) في (ر): "لفحة".
(٦) بعدها في (ف): "منا".
[ ٦ / ٤٥٢ ]
ثيابه، فلما عاين الناس ذلك من أمر الثعبان وكان قد اجتمع أهل المدينة بأسرهم - انهزموا وولوا ذاهبين، وتزاحموا في الأبواب، وتضاغطوا ووطئ بعضهم بعضًا، فمات يومئذ خمسةٌ وعشرون ألفًا، فقام فرعون اللعين فوقع عن سريره (^١)، وكان اللَّه تعالى قد أملى له حتى كان يمكثُ أربعين يومًا لا يخرج من بطنه شيءٌ، ولا يُحدِث إلا في كلِّ أربعين يومًا مرة، فلما كان يومئذٍ أحدَثَ في ثيابه حتى علِم به جلساؤه، وكان (^٢) يأكل ويشرب جاهدًا، ولا يبصق ولا يتمخَّط لا يتنخع (^٣) ولا تَذرِف عيناه، ولا يمرض ولا يصدع ولا يسقم ولا يهرم ولا يفتقر، شاب السن (^٤)، فكان (^٥) على هذا أربعَ مئة سنةٍ، فلما كان يومئذٍ أحدث وبصق وامتخَط وأخذه المرض والصُّداع واختلف بطنه أربعين مرةً، فلم يزل بعد ذلك يختلف حتى مات عليه (^٦).
_________________
(١) قوله: "خمس وعشرون ألفًا فقام فرعون اللعين فوقع عن سريره" من (أ) و(ف)، ووقع في (ر) بدلًا منه: "كثير من الناس وقام فرعون عن سريره".
(٢) بعدها في (أ): "لا"، والمثبت من باقي النسخ و"تاريخ دمشق".
(٣) في (ف) و(أ): "يتنحنح".
(٤) في (ف): "ولا يهرم شبابه ولا قلع له سنًا".
(٥) في (ف): "فكان أتى". وفي المصدر: (واللَّه يملي له أربع مئة سنة).
(٦) في (ف): "حتى هلك" وفي المصدر: "حتى مات". وهذا الخبر رواه ابن عساكر في "تاريخه" (٦١/ ٦٣ - ٦٤)، وفيه من المبالغات التي لا تُقبل، فهذا الحيوان بوصفه المذكور في هذه القصة يخالف نص القرآن الذي جاء فيه أنه حية تسعى وأنه ثعبان مبين، وهذا المذكور لا يشبه الحية أو الثعبان ولا حتى غيرهما من الحيوانات التي نعرفها أو نتخيلها، ثم من الذي استطاع في ذلك الموقف الرهيب الغريب العجيب أن يعد أضراسه التي في شدقه الأعلى أنها اثنان وسبعون، وإن تسنى له ذلك فكيف عرف عدد تلك التي في شدقه الأسفل، وكيف عُرف كم مرة اختلف بطن فرعون إذ ذاك، فلا شك أن هذا الخبر من أباطيل بني إسرائيل.
[ ٦ / ٤٥٣ ]
وقال الحسن ﵀: ولمَّا عاين ذلك قال: يا موسى، ارجع يومَك هذا وكفَّ ثعبانك هذا، قاله سرًا دون أصحابه، وقال لأصحابه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩]، وقال له: يا موسى، ألَا رَفَقْتَ بالأمر قتلتَ خمسة وعشرين ألفًا بهذا أمرك ربُّك الذي بعثك؟ قال: يا فرعون، أنت فعلتَ هذا، يا فرعون أسألُك واحدة وأعطيك أربعًا، قال: وما الَّذي تسألني؟ قال: أسألك أن تعبد اللَّه وحده ولا تشرك به شيئًا، وأعطيك الشبابَ لا تهرم، والملكَ لا ينازعك فيه أحد، والصحةَ لا تَسقم، والجنة خالدًا، فخضع له فرعون وقال: حتى أستأمر آسيَةَ بنتَ مزاحمٍ، فدخل عليها فقال لها: يا آسية، ألَا تَرَيْن إلى موسى إلى ما يَدْعوني وما يعطيني؟ قالت: وما هو؟ قال: يدعوني إلى أن أعبد اللَّه ولا أشرك به شيئًا وأنَّ لي الشبابَ لا أهرمُ، والملكَ لا ينازعُني فيه أحد، والصحة لا أسقمُ، والجنةَ خالدًا، قالت: يا فرعون، وهل رأيتَ أحدًا يصيب هذا فيَدعَه؟ قال: فخرج فدعا هامان -قال الحسن ﵀: وكان لا يُعرف له نسب- فذكر له ذلك واستشاره، فقال له هامان: أتَعبد بعد إذ كنت تُعبد؟! فبدا له وذكر أمرَ الشيب، فقال: أنا أردُّك شابًّا، فخضَبه بالسواد، وهو أول مَن خضب بالسواد فدخل على آسية، وقال: يا آسية، ألَا تَرَيني صرت شابًا؟ قالت: مَن فعل هذا بك؟ قال: هامان، قالت: ذاك إن لم يَنْصَلُ (^١).
_________________
(١) رواه ابن عساكر في "تاريخه" (٦١/ ٦٤ - ٦٥)، وليس هذا بأحسن من سابقه، ولعله مكذوب على الحسن، فالظاهر من قول فرعون: قتلتَ خمسة وعشرين ألفًا، أنه مبني على الخبر السابق وتابع له، ثم كيف يتصور أن يدعو موسى فرعون إلى الإيمان باللَّه على أساس تلك المرغبات التي يخالف بعضها سنة اللَّه في عباده، فمن ذا الذي يعطى الشباب بلا هرم والصحة بلا سقم؟! وأي إيمان هذ! الذي بني على زهرة الحياة الدنيا التي هي فتنة للكفار وليست طريقًا للإيمان باللَّه سبحانه؟ كما قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]، فأي ميزة لفرعون حتى يكون ما جعل لغيره فتنة سبيلًا له للإيمان؟ على أن هذا التمتيع الذي في الآية هو أقل بكثير مما وعد به موسى فرعون في هذا الخبر.
[ ٦ / ٤٥٤ ]
(١٠٨) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ لمَّا أراه (^١) آيةَ العصا قال: هل من آيةٍ غيرِها؟ فنزع يده؛ أي: أخرجها من جيبه فإذا هي منيرةٌ لها شعاعٌ كشعاع الشمس تَكلُّ منها الأبصار، يسطع نورها في السماء، قد أضاء ما حولها ودخل نُورها البيوتَ، وأضاءت منها المدينة، ورؤي من وراء الحجب، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثم ردَّها موسى ﵇ في كمِّه، ثم أخرجها فإذا هي على لونها الأول.
وقال في آية أخرى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢] قال أهل التفسير: من غير بَرَص.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: معناه عندنا: من غير أن تُستقبَح وتُستقذَر؛ لأن خروج الشيء عن خِلقته وجوهره مما يُستقبح ويُستقذر، فأخبر أنه لم يكن كذلك.
وقال: فإن قيل لنا: ما الحكمةُ في إلقاء العصا ونزعِ يده من جيبه وتغييرِهما بعد ذلك، ولم يغيِّرهما اللَّه تعالى وهما بحالهما؟
قيل واللَّه أعلم: أراهم ذلك بعد إخراجه من سلطانه وتدبيره، ليُعلَم أنهما صارتا كذلك بصُنع اللَّه ﷿ لا بفِعله، فإنها صارت حيةً بعد ما أخرجها من يده، وصارت يدُه بيضاء بعد ما غيَّبها عن بصره؛ ليُعلم أنهما صارتا كذلك باللَّه ﷿ لا به (^٢).
* * *
(١٠٩ - ١١٠) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "رأى".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٢٠).
[ ٦ / ٤٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: أي: قال الأشراف من قوم فرعون الذين كانوا حضورًا: إن موسى هذا لساحرٌ حاذقٌ في سحره، وإنما قصدُه إخراجُكم من أرضكم، وأنْ يَغلبكم على بلادكم بقومه من بني إسرائيل إذا نَفذت هذه الحيلة، فماذا تأمرون أيها الوزراء؟
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل أن يكون المراد به: ولو اتَّبعتم موسى وأَجَبْتُموه إلى ما يدعوكم إليه لأَخرجتُكم من أرضكم، فأضاف ذلك إلى موسى ﵇ بطريق التسبيب (^١).
قالوا: إن الملأ المذكور في أول الآية جماعةٌ دون الوزراء، وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ خطابٌ منهم لأصحاب الآراء من المقرَّبين والوزراء، وذكر في سورة الشعراء: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٥] فأخبر عن فرعون أنه قال ذلك للملأ، فقيل: إن من المحتمل أن يكون فرعون قال ذلك أولًا، ثم الملأُ قالوا له ذلك، فأخبر اللَّه تعالى عنهم جميعًا.
وقيل: قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ خطاب من الملأ لفرعون بصيغة الجمع تعظيمًا له، وكذا خطاب الملوك.
وقال الكلبي وأبو عبيدةَ والفراء: هذا الخطاب من فرعون للملأ، يقول: ماذا تشيرون عليَّ في أمره، وهذا على نظم سورة الشعراء ظاهر، وعلى نظم هذه السورة فيه إضمار: قال لهم فرعون (^٢).
وقال أهل التحقيق: تحيَّر هذا الملعون عند غلبة سلطان المعجزة فنسي دعوى
_________________
(١) في (ر): "التسبب". وانظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٢٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٨٧).
[ ٦ / ٤٥٦ ]
الإلهية ومرتبةَ كونه آمرًا وناهيًا لهم، فخاطبهم خطاب الأذلَّاء المقهورين المكلَّفين المأمورين: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.
* * *
(١١١ - ١١٢) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (^١) قرأ نافع -غيرَ قالون (^٢) - وحمزة وعاصم في أكثر الروايات (^٣)، والكسائي وعباس عن أبي عمرو (^٤) بغير همز إلا أن حمزة يسكن الهاء وهم يكسرونها.
وقرأ الباقون: ﴿أرجئه﴾ بهمزٍ (^٥)، وهما لغتان: أرجَيْتُ الأمر وأرجأته؛ أي: أخَّرته.
وقيل في تفسيره: احْبِسه، يعني: موسى ﴿وَأَخَاهُ﴾ يعني: هارون، وكان معه، فقد ذكرهما في موضعٍ آخر فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، و: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧].
_________________
(١) في (ف): " ﴿قَالُوا أرجئه وَأَخَاهُ﴾ "، وهي قراءة سبعية كما سيأتي.
(٢) قالون هو أحد راويي نافع واسمه: عِيسَى بن مينا، والثاني هو عُثْمَان بن سعيد الملقب بورش، فقراءة نافع غير قالون في السبعة يقصد بها قراءة ورش عنه.
(٣) "وعاصم في أكثر الروايات" ليس في (أ)، "في أكثر الروايات" ليس في (ف).
(٤) "وعباس عن أبي عمرو" ليس في (أ).
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٧ - ٢٨٩)، و"التيسير" (ص: ١١١). واختصر الداني ما فيها من قراءات سبعية بقوله: ابن كثير وهشام: ﴿أرجئه﴾ هنا وفي الشُّعراء بالهمز وضم الهاء ووصلها بواو، وأبو عمرو بالهمز والضَّم من غير صلة، وابن ذكوان بالهمز وبكسر الهاء ولا يصلها بياء، وقالون بغير همز ويختلس الكسرة، وورش والكسائيّ بغير همز ويصلان الهاء بياء، وعاصم وحمزة بغير همز ويسكِّنان الهاء.
[ ٦ / ٤٥٧ ]
ودلت هذه الآيةُ على (^١) أن قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ من فرعون للملأ، فقد ذكر في هذه الآية جوابهم له قالوا: احْبِسه وأخِّرْ أمرهما حتى ننظرَ في أمرهما، فلا تقتلهما ولا تؤمِن بهما.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿أرجئه﴾؛ أي: أخِّره، هذا يدلُّ على تقدُّم شيء، فكأنه همَّ بقتله فقالوا: أخِّر قتله واحبِسه ولا تقتله؛ ليتبيَّن سحره عند الخلق جميعًا، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦] (^٢).
وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: ﴿أرجئه﴾: أخِّره (^٣)، وهو الأصح؛ لأنَّه لا (^٤) يَثبت أنه حبَسهما، ويدل عليه قوله: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ﴾ [طه: ٥٨].
وقال القشيريُّ ﵀: توهَّم البائس أنهم بالتأخير، وتقديمِ التدبير، وبذلِ الجِدِّ والتشمير، يغيِّرون شيئًا من التقدير، ولم يعلموا أن القضاء غالب والحكمَ سابق، وعند حلول الحكم لا سلطان للعلم والفهم، كلا بل هو اللَّه الواحد القهَّار (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ وفي قراءة حمزة والكسائيِّ: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾ (^٦).
والمدائن: جمع مدينة، والحاشر: الجامع.
_________________
(١) "على" ليس في (ف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٢٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٥٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٣٣)، من طريق عطاء عن ابن عباس.
(٤) في (ف) و(أ): "لم".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٥٦).
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٩)، و"التيسير" (ص: ١١٢).
[ ٦ / ٤٥٨ ]
قال ابن عبَّاس ﵄: يعني: وابعث الشُرَط ليجمعوا السحرةَ من المدائن (^١)، وكان له مدائن فيها السحرةُ (^٢) عُدَّةً للأشياء إذا حزبه أمر.
فقال فرعون لموسى: اجعل بيننا وبينك موعدًا لا نخلفُه، فتجتمعَ أنت وهارونُ وتجتمعَ السحرة، فقال موسى: موعدكم يوم الزينة، ووافق ذلك يوم السبت في أول يومٍ من السَّنة وهو يومُ النيروز، فخرج موسى وهارون من عنده، وأرسل فرعونُ حاشرين إلى كلِّ مدينة في سلطانه، فاجتمع السحرة لميقاتِ يومٍ معلوم، فاجتمع خمسة عشر ألفَ ساحر، وقيل: كانوا اثني عشر ألفًا.
وقال الحسن ﵀: كانوا خمسةً وعشرين ألفًا (^٣)، وليس معهم ساحرٌ إلا وهو يُحسِن من السحر ما لا يُحسِن صاحبه، وكان كبراؤهم ألفَ ساحر، وهم الذين عملوا بالعصيِّ والحبال.
والساحر: الفاعل للسحر، والسحَّار: الدوَّام (^٤) على ذلك.
وقيل: الساحر: العالم به، والسحَّار: العالم (^٥) المعلِّم.
* * *
(١١٣) - ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٥١ و٣٥٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٣٤).
(٢) في (ف) و(أ): "مدائن فيها السحرة" بدل من "وكان له السحرة في المدائن".
(٣) ذكره ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦١/ ٦٦)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٣٠٠) بلفظ: كانوا خمسة وعشرين صفًا، كلُّ ألف ساحر صفٌّ.
(٤) في (أ): "المدافع"، والمثبت من (ر)، وسقطت الجملة من (ف).
(٥) "به والسحار العالم" من (أ).
[ ٦ / ٤٥٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ وها هنا مضمَرٌ: فأرسلَ الحاشرين فجمَعوهم وجاء السحرة فرعون.
قال الكلبيُّ ﵀: فأتَوه وكانوا سبعين (^١) ساحرًا غيرَ رئيسهم، وكان يعلِّمهم رجلان مجوسيان من أهل نينوى (^٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (^٣) قرأ ابن كثيرٍ ونافع وعاصم في رواية حفصٍ: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ من غير ألفِ استفهامٍ، وهو مرادٌ في المعنى، وقرأ الباقون: مع ألف الاستفهام (^٤).
وقال الكلبي: معناه: إن (^٥) لنا لَمالًا تعطينا إن غلبْنا موسى.
* * *
(١١٤) - ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: أي: في المجالس عندي، أجابهم إلى ما الْتمسوا وزادهم في الميعاد، وقال: أنتم مقرَّبون عندي في المنزلة، فتكونون أولَ مَن يدخل وآخِرَ مَن يخرج.
وقال بعض المفسرين: وعدهم أن يأذَنَ لهم في كلِّ أربعين يومًا مرة واحدة أن يدخلوا عليه.
_________________
(١) بعدها في (ف): "ألف"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٦٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٦٤)، وذكره الرازي في "تفسيره" (١٤/ ٣٣٢) عن ابن عباس.
(٣) في (ر): " ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا. . .﴾ ".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٩)، و"التيسير" (ص: ١١٢).
(٥) في (ر): "أئن".
[ ٦ / ٤٦٠ ]
وقيل: أي: حوائجُكم عندي مقضيَّةٌ، وشفاعاتُكم لغيركم مقبولة، ومراتبُكم في الدخول والخروج مرفوعة.
وقيل: هو رأس كلِّ كرامة، فإنَّ مَن قرِّب من الملِك وصل إلى كلِّ شيء.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان السحر هو الظاهرَ الغالب في ذلك الزمان، فجاء موسى من الآيات على رسالته بنوعِ ما كانوا يعملون به وجنسه؛ ليَعرفوا بخروجه عن وسعهم أن ذلك ليس بسحرٍ ولكنه آيةٌ سماوية، وكذلك ما جاء به عيسى ﵇ من الآيات كان ذلك في أيام الحكماء (^١)، وكذلك نبيُّنا محمد ﵊ جاء بالقرآن الذي أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته، وكان زمانَ بلاغة وفصاحة (^٢).
وقال وهبٌ: اجتمع السحرة وهم سبعون ألفًا، ثم ميَّزهم حتى اختار منهم سبعةَ آلاف، ثم ميَّزهم حتى اختار منهم سبعَ مئة، ثم ميَّزهم حتى اختار منهم سبعين ساحرًا من كبرائهم، فجاؤوا بالعصيِّ والحبال فعملوا بها بين يدي فرعون قبل أن يلتقُوا هم وموسى، فلما رآها فرعون تحوَّلت كأنها حياتٌ وأفاعٍ استبشر وطمع في أن يظفر بموسى (^٣).
وقال الضحاك: وخرج موسى وهارون وبيد موسى عصًا وعليه عباءةٌ، حتى انتهوا
_________________
(١) "كان ذلك في أيام الحكماء" من (ف). وعبارة "التأويلات": (كذلك ما جاء عيسى من الآيات جاء بنوع ما كان يعمله قومه، وهو الطب، فجاء بنوع الطب ليعلموا أنه باللَّه عرف ذلك).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٢٩).
(٣) ذكر أوله عن وهب ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٣٠٠) من طريق عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب. وعبد المنعم بن إدريس قال عنه أحمد بن حنبل كما في "الميزان": كان يكذب على وهب بن منبه، وقال البخاري: ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: يضع الحديث على أبيه وعلى غيره.
[ ٦ / ٤٦١ ]
إلى الصفوف وهم خمسةَ عشرَ صفًا، وخرج (^١) فرعون في عظماء قومه، فجلس في مجلسٍ له على سريرٍ له عليه خيمةُ الديباج ميل في ميلٍ، ومعه هامان وزيرُه وقارون بين يديه، واجتمع الناس في صعيدٍ واحد يقول بعضُهم لبعض: ننظر مَن الغالب فنكون معه، وقال موسى ﵇ للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية [طه: ٦١] ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: ٦٢]؛ أي: قال بعضهم لبعض سرًّا: ما هذا بقولِ ساحرٍ لكن (^٢) هذا كلامُ الرب الأعلى، ثم نظروا إلى فرعون وسلطانه وبهائه ونظروا إلى موسى وعصاه (^٣) وكسائه، فنُكسوا على رؤوسهم وقالوا: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ الآية [طه: ٦٣] (^٤).
* * *
(١١٥) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾: (إمَّا) للتخيير، وتقديره: إمَّا أن تلقيَ أنت أولًا وإمَّا أن نُلقي نحن أولًا، دليلُه ما قال في سورة طه: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥].
قيل: أظهَروا الاقتدار وقالوا: إن بدأت أنت أو بدأنا فلا خوف علينا ولا حِذارَ.
وقيل: بل احترموا، وببركة ذلك أسلموا.
* * *
_________________
(١) بعدها في (ف): "عليه".
(٢) "لكن" ليس في (ف).
(٣) في (ف): "إلى موسى وفي يده عصاه".
(٤) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦١/ ٦٦)، من طريق جويبر عن الضحاك. وجويبر متروك، ويرويه عنه إسحاق بن بشر وهو متروك أيضًا.
[ ٦ / ٤٦٢ ]
(١١٦) - ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا﴾: أي: فسترون ما يحلُّ بكم من الخِزْي، ولم يكن هذا أمرًا بتنفيذ السحر ورضًا به، ولكنه تهديد.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾: أي: قلبوا أعين الناس عن صحة الإدراك.
وقيل: حيَّروا الأعين.
﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾؛ أي: حملوهم على الرهبة وهي الخوف، وسين الاستفعال للطلب والسؤال، وذلك لمَّا رأوها تسعى؛ قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].
قال الحسن: ألقى كلُّ رجل منهم ما كان في يده من حبلٍ أو عصًا، وكانوا أخرجوا ثلاثَ مئة وستين وسقًا من الحبال والعصي، فلما ألقوا قالوا: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]؛ أي: القاهرون (^١).
وروي أنها كانت عصيًّا جُوفًا فيها الزئبقُ، فلما أصابها حرُّ الشمس تحركت وخيِّل إلى موسى أنها تسعى إليه، وخاف مَن حضر أن بعضها يسعى إليهم فرَهِبوا فهَرَبوا (^٢) إذ كان سحرًا عظيمًا؛ أي: هائلًا كثيرَ العدد والملقين.
وقال الحسن ﵀: ملؤوا الدنيا في أعينهم حياتٍ، وكان أولُ مَن خطفوا بسحرهم بصرَ موسى وهارون، ثم فرعون والناس، وامتلأ الوادي
_________________
(١) قطعة من الخبر السابق عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦١/ ٦٦).
(٢) "فهربوا" ليس في (أ).
[ ٦ / ٤٦٣ ]
منها، فركب (^١) بعضُها بعضًا، وهرب الناس عنهم وانكشفوا، ﴿فَأَوْجَسَ﴾ موسى ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ (^٢).
قيل: هو خوفُ طبعٍ.
وقيل: ظنَّ أن عصيَّهم صارت حياتٍ حقيقةً كعصاه.
وقيل: وهو قول الإمام أبي منصور ﵀: خاف أن سحرهم يمنع أولئك عن رؤية حقيقة ما جاء به (^٣).
فأوحى اللَّه تعالى إليه: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨]، وجاء جبريل صلوات اللَّه عليه حتى وقف عن يمينه وقال له: ألق عصاك، وذلك قوله تعالى:
* * *
(١١٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾: وأضمر ها هنا: فألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفص بالتخفيف، ومعناه: تبتلع، من حدِّ عَلِمَ.
وقرأ الباقون: ﴿تَلَقَّفُ﴾ بالتشديد (^٤)، وأصله: تتلقَّف، وهي للتكلُّف والتكرُّر، وأُسقطت إحداهما تخفيفًا.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ تقديره: ما يأفكون به، أو: فيه. أي: يكذبون فيقولون: هي حياتٌ حقيقةً، أو: هي غالبةٌ معجزةَ موسى.
وقيل: ﴿يَأْفِكُونَ﴾؛ أي: يصرفونه عن حقيقته بالتخييل، من قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: يُصرفون.
_________________
(١) في (ر): "يركب".
(٢) قطعة من الخبر السابق عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦١/ ٦٦ - ٦٧).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٢٨).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٠)، و"التيسير" (ص: ١١٢).
[ ٦ / ٤٦٤ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄: ألقَى عصاه فصارت ثعبانًا رأسُه في السماء وأحدُ شدقيه (^١) بالأرض، ثم ابتلع ما كان من سحرهم حتى ما ترك في الوادي من سحرهم شيئًا، وانكشف الناس وولَّوا هاربين والثعبانُ على إثرهم، فمات بعضهم على بعضٍ بقَدْر سبعين ألفًا.
وقال عبد اللَّه بن زياد بن سَمْعانَ: حدَّثني رجال من أهل العلم: أن فرعون لعنه اللَّه كان في خيمته، إذ أقبل الثعبان في آثار الحيات حتى اقتحم على فرعون في خيمته، فقام فرعون عن سريره ونزل بالأرض، وكان أعرجَ لم يُعرف إلا يومَه ذلك، فمشى يومئذ سبعَ خطوات فعرفوا أنه أعرج.
وقال وهب: فلمَّا وقعت العصا بالأرض انكشف غطاءُ سحرهم عن أعين الناس، فنظروا إلى ما ألقت السحرة عيدانًا وحبالًا، وأكبَّ ثعبان (^٢) موسى يمضغُ حبالهم ويَقضَمُ عيدانهم حتى الْتَقَفَ ما يأفكون سبعَ مئة عودٍ وسبعَ مئة حبلٍ، ولم يكونوا يُلقون حبالهم وعصيَّهم بمرةٍ واحدة، ولكنهم يلقون كلَّ مرةٍ عشرةَ أعوادٍ وعشرةَ أحبُلٍ، فكلما وقع على الأرض منه شيء التقمه حيةُ موسى والناس يزدادون عبرًا.
* * *
(١١٨) - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾: قال الحسن ومجاهد: أي: ظهر (^٣)، وقيل: أي: ثبتت الحجة، وقيل: أي: جاء الحق.
_________________
(١) في (أ): "شقيه".
(٢) في (أ): "وأكب حية"، وفي (ر): "وأقبل حية".
(٣) ذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٤٦). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٦٠ - ٣٦١) عن مجاهد، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٣٦) عن ابن عباس.
[ ٦ / ٤٦٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: تلاشَى ما عملوه من العصيِّ والحبال، وقيل: أي: بطل عملُهم.
* * *
(١١٩) - ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾: أي: غُلب السحرة في ذلك الموضع ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾؛ أي: رجعوا أذلَّاء مقهورين.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: فرعون وملؤه وأتباعه، لا السحرة فإنهم آمنوا وعزُّوا بالإيمان (^١).
* * *
(١٢٠) - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾: أي: ألقاهم ما رأوا من الآية العظيمة ساجدين؛ أي: دعاهم إلى السجود للَّه تعالى والخضوعِ له.
وقيل: أي: لم يتمالكوا أنْ وقعوا ساجدين فكأن مُلْقيًا ألقاهم، وقريبٌ منه قول بعضهم: أسرعوا ساجدين فكأنهم أُلقوا.
وقيل: هو تنبيهٌ على أن اللَّه تعالى هو خالقُ أفعال العباد، وأن اللَّه تعالى هو الذي خلق فيهم ذلك، فقوله: ﴿سَاجِدِينَ﴾ إثباتُ فعلهم، وقوله: ﴿وَأُلْقِيَ﴾ إثباتُ خلق اللَّه تعالى فعلَهم ذلك.
وقال ابن عبَّاس ﵄: قالت السحرة بعضُهم لبعض: لو كان هذا سحرًا لثبتت حبالُنا وعصيُّنا، وهذا أمرٌ من اللَّه تعالى فخرُّوا ساجدين للَّه تعالى (^٢).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٣٠).
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٥٨).
[ ٦ / ٤٦٦ ]
(١٢١ - ١٢٢) - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تبرَّؤوا من كفرهم وآمَنوا بربّهم، ولمَّا سمعوا من موسى وهارون حين أتيا (^١) فرعون ما قالا: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حفظوا هذا الاسم فنفعهم يوم إلقاء العصا فتكلَّموا به، وكذا ينبغي لمن سمع علمًا أن يحفظه وإن كان لا يعمل به للحال لأنه ينفعه في المآل.
ولمَّا قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال فرعون: أنا رب العالمين، فقالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ فبُهت فرعون لردهم عليه.
وقيل: معنى قوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾؛ أي: أَرسل موسى وهارون إلينا، وهو إيمانٌ منهم بهما وتصديقٌ لهما.
وقال (^٢): مَن شرَع في شيء حقٍّ أو باطلٍ فليُتْقِنه فإنه يردُّه إلى الحق يومًا، ألا ترى أن السحرة تعلَّموا السحر وهو ضارٌ، ولمَّا أتقنوه وتناهَوا فيه وقفوا به على أن ما ظهر على يدي موسى ليس من جنسِ ما يَدخل في حيلةِ المخلوقين، وأنه مِن عندِ ربِّ العالمين، فاهتدوا إلى الإيمان ونجَوا من الخسران.
* * *
(١٢٣) - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾: أي: بغيرِ أمري وإذني.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ قال مقاتل: إن
_________________
(١) في (ف): "أنبآ".
(٢) قوله: "قال" كذا وقع في النسخ دون بيان القائل، وجاء بعده في (ر): "إن".
[ ٦ / ٤٦٧ ]
موسى ﵇ قال للساحر الأكبر: تؤمن بي إنْ غلبتُك؟ فقال: لآتينَّ بسحرٍ لا يغلبه سحرٌ، ولئن غلبتَني لأومِنَنَّ بك، وفرعونُ ينظر [إليهما ولا يفهمُ ما يقولان] فلما آمنوا، قال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١]، و﴿هَذَا﴾ منكم ﴿لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: تواطأتُم عليه لتَدخلوا في دينه، وتجتمعوا على إخراج بني إسرائيل من المدينة ليكونوا عبيدًا لكم وخدمًا وتبعًا (^١).
وقال القشيريُّ ﵀: خاطبهم معتقِدًا أنهم هم الذين كانوا (^٢)، ولم يعلم أن تلك الأسرار قد حرِّرت عن رِق الأشكال، وأن قلوبهم قد طهُرت عن توهُّم التَّفرقة، وأن شمسَ العرفان قد طلَعت في سماء أسرارهم، فشاهدوا الحقَّ بنظرٍ صحيح [و] لم يبق لتخويفات (^٣) النفس فيهم سلطان، ولا لشيءٍ من العلل فيهم جولان، واللَّه المستعان (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: هذا وعيد، وهو أبلغ تهديد.
قال مقاتل: كان رأسُ السحرة شمعون (^٥)، وقال ابن جريج: بَرْحنَّة (^٦).
* * *
(١٢٤) - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤).
(٢) بعدها في (ف): "تواطؤوا معه على هذا المقال"، وليست في "اللطائف".
(٣) في (أ): "لتحريفات".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٥٨)، وما بين معكوفتين منه، وجاء آخره هكذا: (. . . ولم يبق لتخويفات النفس فيهم سلطان، ولا لشيء من العلل بينهم مساغ).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٤).
(٦) في (أ): "برجنة".
[ ٦ / ٤٦٨ ]
وقوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ التقطيع: تكثير القَطْع بكثرة المحالِّ، والخلاف: أن يكون في اليد اليمنى والرجل اليسرى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: هو تكثيرُ الصَّلْب، وهو للتشهير. وقال في سورة طه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أي: على جذوعها.
* * *
(١٢٥) - ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾: أي: إلى جزائه، استسلَموا لذلك، وطيَّبوا أنفسهم، وقالوا: إذا كان المصير إلى اللَّه طاب المسيرُ إلى اللَّه تعالى.
وقيل: أي: إذا كان المصير إلى اللَّه فهو أحقُّ أن يُتَّقَى عذابُه منك بما تهدِّدنا به.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾: أي: ما تَعيب منَّا ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ وهذا مما لا يُعاب، بل ثبت له الإيجاب، ولا يجوز لنا عنه الانقلاب، فلا سبيل إلى إرضائك فقد استسلمنا (^١).
ثم دعَوا ربهم أن يصبِّرهم على ما ينالهم من فرعون، وذلك قوله تعالى:
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾: أي: صبَّه علينا؛ أي: وفِّره لنا.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾: أي: على دينِ موسى وهارون.
_________________
(١) "فقد استسلمنا" ليس في (ف).
[ ٦ / ٤٦٩ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: لمَّا عملوا للَّه، وأُوذوا في اللَّه، صرَفوا القصدَ إلى اللَّه، وطلبوا المعونةَ من عند اللَّه، كذا السنَّة فيمَن كان كلُّه للَّه تعالى أن يكون كلُّه على اللَّه (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ هو تمويهٌ وتلبيسٌ منه على قومه لئلا يؤمنوا، كما قال في الابتداء: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩].
وقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ هدَّدهم أولًا بأشدِّ العقوبات ثم قال هذا، وهو جهل منه لأنه أيسرُ من قطعهما من جانبٍ؛ لأن ذاك متلِفٌ وذا ليس بمتلفٍ، ولذا شُرع هذا في الحدود، وذاك يعجز عن الصعود، وهذا يقدر على الصعود (^٢).
وقوله: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ إقرارٌ منهم بالبعث، وهو ثقةٌ بالوعد، وهو تخويفٌ لفرعون: إنَّا وأنت منقلبون إلى جزاء اللَّه، فيُثيبنا على إيماننا ويعاقبُك على صنيعك بنا.
وقوله (^٣): ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ وكان الحقَّ علينا وعليكم أن نؤمن بها.
وقوله: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ قيل: أنزل علينا، إنما قالوا ذلك لخوفهم أنه لو فعل بهم ما أَوعدهم به فلعلهم لم يصبروا فيتركوا الإيمان، فسألوا الصبرَ عليه
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٥٨).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٣٣ - ٥٣٤). والمراد بالصعود: الصعود على الخشبة للصلب، وعبارة الماتريدي: (. . . أو أنه اختار القطع من خلاف ليكون مؤنة الصلب عليهم لا عليه؛ لأن المقطوع من خلاف قد يمكن له الصعود على الخشبة، والثاني: لا، واللَّه أعلم).
(٣) في (ف): "قولهم".
[ ٦ / ٤٧٠ ]
للثبات على الإيمان، وسألوا الوفاة على الإيمان، وكذا كان دعاءُ الأنبياء ﵈، وكذا يجب على كلِّ أهل الإسلام.
قال ابن عبَّاس ﵄: فصلبهم فرعون على جذوع النخل، وهو أولُ مَن قطع الأيديَ والأرجلَ من خلافٍ، وأولُ مَن صلب (^١).
وقيل: كان ذلك على شاطئ نهر مصر.
وقال وهبٌ: صلبهم في جذوع النخل، كلُّ جذعٍ أربعون ذراعًا.
وقال عطاء: كان رئيس السحرة بأقصى مدائن الصعيد، وكانا أخوين، فلما جاءهما رسول فرعون قالا لأمهما: دلِّينا على قبر أبينا، فدلَّتهما عليه، فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما، فقالا: إن الملك قد وَجَّه إلينا لنَقْدَم (^٢) عليه؛ لأنَّه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح، ولا لهما عزٌّ ولا منَعة، وقد ضاق الملك عن عزِّهما (^٣)، ومعهما عصًا إذا ألقياها لا يقومُ لها شيءٌ حتى تبتلعَ الحديد والحجر والخشب، فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما، وإنْ قدرتما أنْ تسلَّا العصا سلًّا فإن الساحر لا يعمل سحره وهو نائم، وإن عملت العصا وهما نائمان فذاك أمرُ رب العالمين ولا طاقةَ لكما بهما ولا للملك ولا لجميع أهل الدنيا، فأَتَياهما في خُفْيةٍ وهما نائمان ليأخُذا العصا، فقصدتهما العصا (^٤).
قال سعيد بن جبير: كانت العصا من العوسج (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٦٣).
(٢) في (ف): "أن نقدم".
(٣) في (أ): "من غيرهما"، وهو تحريف ظاهر، والعبارة في "تفسير الثعلبي": (وقد ضاق الملك ذرعًا من عزهما).
(٤) ذكرهما الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٧٠).
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٥٨).
[ ٦ / ٤٧١ ]
وذكرنا قبل هذا -وهو (^١) قول السُّدِّي- أنها كانت من آسِ الجنة.
وقال وهبٌ: وقال فرعون لموسى وقد انصرف والثعبان على أثره يَنظر إليه الناس حتى دخل المدينة: اعتزِلْ إلى عسكر قومك واكفُف عن الناس هذا الخوف الذي دخلهم، فقد فرَّقْتَهم وشرَّدْتهم، ولن يجتمعوا لك أبدًا، ولن يستجيبوا لك ولن يؤمنوا بك، وأنا ناظرٌ في أمرك وجامعٌ لك الجنودَ، وسوف تَعلم إذا التقى الجمعان، فلا يغرَّنَّك ما سحرتَ به أعين الناس، فقال موسى: أنا عبد مأمور أعمل بوحي اللَّه تعالى، ولا أزال مجاهدَك غيرَ مقصِّرِ حتى يحكم اللَّه بيني وبينك، وكان الرسول فيما بينهما هامان وقارون.
قال: فأوحى اللَّه تعالى إلى موسى: إنِّي أنا الحليم (^٢) الكريم، وأنا الغنيُّ الحميد، فدَعْه إلى أن يَجمع لك الجنود (^٣) وأنا مِن ورائه محيط، فأسعِفْه بحاجته واضْرِبْ بينك وبينه أجلًا، وارجع إلى عسكر (^٤) قومك أنت وأخوك.
قال: ففعل ما أمره به ربُّه، فلما خرج موسى وهارونُ إلى عسكر قومهما والحيةُ خلفه تُبَصْبِص (^٥) حوله،. . . . . .
_________________
(١) "هو" ليس في (أ).
(٢) كتب فوقها في (ر): "الحكيم".
(٣) في (ف): "الجموع" وفي هامشها: "الجنود".
(٤) في (أ): "عزك".
(٥) في (أ): "ينصنص"، ولها وجه، فإن النصنصة هي التحريك والاهتزاز، وقد روي عن أبي بكر ﵁: أنَّهُ كان يَنصْنِصُ لسانه ويقول: إنَّ ذا أوردَني المَوارِد، ومعناه: يُحرِّكُه ويُقلقِلُه، وكلُّ شيءٍ حرَّكْتَه فقد نَصْنَصْتَه. وفيه لغةٌ أخرى: (نَضْنَضْتُ) بالضاد، ومنه: الحيَّةُ النَّضْنَاضُ، وهي القَلِقَةُ. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (٤/ ١١٦)، و"الغريبين" للهروي (مادة: نصنص)، و"مجمع الغرائب" لعبد الغافر الفارسي (مادة: نصنص ونضنض).
[ ٦ / ٤٧٢ ]
وقد ملأ اللَّه تعالى الناس منها (^١) رعبًا، فلما وصل إلى عسكر قومه أخذ بشدق الحية فإذا هي عصًا يتوكَّأ عليها.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: إن سحرة فرعون لمَّا غُلبوا آمن بموسى ﵇ من بني إسرائيل ستُّ مئة ألف (^٢)، فقال الملأ من قوم فرعون: أتَدَعُ موسى وقومه من بني إسرائيل ليفسدوا في أرضك يإيقاع الفُرقة والصدِّ عن دينك والدعاء إلى مخالَفتك ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾؛ أي: يعتزلَك فلا يخدمَك ولا يعبدَك ولا يعبدَ (^٣) آلهتك التي تعبدُها.
قال ابن عبَّاس ﵄: كان فرعون اللعين صنع لقومه أصنامًا صغارًا وأمرهم بعبادتها وقال: أنا ربُّكم وربُّ هذه الأصنام (^٤).
قال سليمان التيميُّ: كان فرعون يعبدُ البقر (^٥).
_________________
(١) في (أ): "منهما".
(٢) ذكره أبو الليث في "تفسيره" (٢/ ١٢٧).
(٣) "يعبد" ليس في (ف).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٧١)، والواحدي في "البسيط" (٩/ ٢٩٢)، وفي "الوسيط" (٢/ ٣٩٦)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٢٤٤). وصرح الواحدي في "الوسيط" أنه من رواية الكلبي عن ابن عباس.
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٣٨).
[ ٦ / ٤٧٣ ]
وقال السُّدِّي: كان يَعبد ما يَستحسِن من البقر، وعلى ذلك أخرج السامري عجلًا جسدًا له خوارٌ فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨] (^١).
وقرأ ابن مسعود ﵁: (وإلاهَتَك)؛ أي: عبادتَك، فلا يعبدُك كما نعبدُك نحن، وكذا قرأ ابن عبَّاس ﵄ وبكر بن عبد اللَّه والشعبي والضحاك وابن إسحاق (^٢)، وقال مجاهد: هو الصحيح؛ لأنَّه كان يُعبَد ولا يَعبُد (^٣).
وقيل في جوابه: يحتمِلُ أنه كان يَعبد ويُعبد، وقوله تعالى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]:، و: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، هو على التخصيص؛ لأنه لم يقل: ما علمتُ من إلهٍ غيري، و: أنا الربُّ الأعلى.
وقيل: في تأويل قراءة هؤلاء: (وإلاهتَك): لم يُرَدْ به: وعبادتَك، بل الإلاهةُ اسمٌ للشمس، وهو كان يَعبد الشمس، قال الشاعر:
وأعجلنا الإلاهة أن تؤوبا (^٤)
وإنما اعترضوا عليه بهذا وعارَضوه وأنكروا عليه فعلَه مع أنهم يعتقدون أنه ربُّهم وهم عبيده؛ لأنه جرى على خلاف عادة الملوك في ترك السَّطوة عند ظهور المُعارِض الَّذي يخاف منه على المملكة.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٦٧).
(٢) تنسب لابن مسعود وابن عباس وعلي وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٠)، و"المحتسب" (١/ ٢٥٦)، و"الكشاف" (٢/ ١٤٢)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٤١)، و"البحر" (١٠/ ٢٥٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٢٢)، و(١٠/ ٣٦٨ و٣٦٩) عن مجاهد وابن عباس.
(٤) عجز بيت لبنت عتيبة بن الحارث اليربوعي. انظر: "الجيم" لأبي عمرو الشيباني (٣/ ٢٢٥)، و"تفسير الطبري" (١٠/ ٣٦٩)، وتقدم في أول الكتاب.
[ ٦ / ٤٧٤ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾: لمَّا أغرَوه على موسى وقومه، وخوَّفوه غلَبتهم وازديادهم، قال: لن يكون ما تخافون من قهرهم لنا بازدياد عددهم؛ لأني أعيدُ عليهم قتل الأبناء واسترقاقَ النساء والاستخدامَ، فيشغلهم ذلك عن المناكح (^١) فلا يزدادون، والقائمون يهلكون، فهم المقهورون ونحن القاهرون.
وذكر أنه يقتلُ أبناءهم ولم يذكر أنه يقتلُ موسى لأنه لم يطمع فيه لِمَا رأى من قوة أمره وعلوِّ شأنه.
* * *
(١٢٨) - ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عبَّاس ﵄: ولمَّا قال الملأ لفرعون ذلك أَمر أن يكلِّفوا بني إسرائيل ما لا يطيقونه، فيجيءُ الرجل من القِبْط إلى الرجل من بني إسرائيل فيقول له: انطلِقْ فاكْنِسْ حُشِّي واعْلِفْ دوابِّي واستَقِ لي، وتجيءُ المرأة القِبطيَّة إلى الكريمة من بني إسرائيل فتكلِّفها ما لا تُطيق، ولا يطعمونهم في ذلك، فإذا انتصف النهار يقولون انطلقوا فاكتسبوا لأنفسكم ما تأكلون، فشكَوا (^٢) ذلك إلى موسى ﵇، فقال لهم موسى: أستعينوا باللَّه على رفع هذا البلاء، واصبروا على الدِّين الحقِّ، إن
_________________
(١) في (ر): "التناكح".
(٢) في (ف): "فبلغ".
[ ٦ / ٤٧٥ ]
أرض مصر وكلَّ الشام للَّه يُوْرثها (^١) مَن يشاء من عباده والعاقبةُ للموحِّدين (^٢).
وقيل: معناه: الأرض كلُّها للَّه يصرِّفها كيف يشاء، ويجعلها في يدِ مَن يشاء، وفيه تسليةٌ؛ أي: هي لا تبقَى لأحد (^٣)، وتنتقِل من قوم إلى قوم، وفيه إطماعٌ أيضًا أن يُورثهم اللَّه أرض فرعون فيكونوا هم قاهرين لهم والوارثين بعدَهم بلادهم، وفيه نهيٌ عن النظر إلى الحال، وأمرٌ بالثقة بما يكون من النصر (^٤) والقهرِ للمتقين في المآل.
* * *
(١٢٩) - ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾: قال وهب: كانوا أصنافًا في أعمال فرعون، فأما ذوو القوة منهم فيسلخون (^٥) السَّواريَ من الجبال، قد قَرِحت أعناقهم وعواتقهم وأيديهم، ودَبِرت ظهورهم (^٦) من قطعِ ذلك ونَقْلِه، وطائفةٌ أخرى قد قَرحوا من نقل الحجارة والطين يبنون له القصور، وطائفةٌ يُلبِّنون اللَّبِنَ ويطبخون الآجرَّ، وطائفةٌ نجَّارون وحدَّادون، والضَّعَفة منهم عليهم الخراجُ ضريبةً يؤدُّونها كلَّ يومٍ، فمَن غرَبت عليه الشمسُ قبل أن يؤدِّيَ
_________________
(١) في (أ): "يصرفها".
(٢) في (ف): "للمتقين أي الموحدين".
(٣) في (ف): "على أحد".
(٤) في (ر): "التصرف".
(٥) في (أ): "فيصلحون"، والمثبت من (ر) و(ف)، وهو الموافق لما في "تفسير الثعلبي" و"تفسير الخازن"، وجاء في بعض المصادر: (وينحتون)، وبها يتضح المعنى.
(٦) أي: أصابتها الجروح والقروح.
[ ٦ / ٤٧٦ ]
ضريبته غُلَّتْ يمينُه إلى عنقه شهرًا، وأما النساءُ فيَغزلن الكتَّان وينسُجْنَه (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾: أي: هذا الإيذاءُ باقٍ بعد مجيئك يا موسى، بل زائدٌ.
وقال ابن عبَّاس ﵄: أي: كنا نُطعَم إذا استعملونا من قبلِ أن تجيئنا، فلما جئتنا استعملونا ولم يُطعمونا.
وقيل: كانوا يكلِّفونهم قبل ذلك ضرب اللَّبِن، وبعد ذلك كلَّفوهم (^٢) ضرب اللَّبن بالتبن من عندهم.
وهذا يدلُّ على قلَّة أفهامهم، فإن موسى ﵇ أطمَعهم في أن اللَّه يُورثهم الأرضَ وتكونُ العاقبة للمتقين، فقالوا له: أمَا تشاهدُ قهرَ فرعون إيانا (^٣)، وقتلَه أبناءنا، واستعبادَه نساءنا، وأخذَه الجزية منا كما كان قبل مجيئك منه في حقِّنا، فكيف يزول عنَّا قهره؟
وليس هذا بسؤالٍ صحيح على ما قال، فإنه قال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقد تَقْربُ مدةُ ذلك وقد تَبْعد، وقد أمرهم بالصبر إلى مجيئها.
ولمَّا تكلَّموا بهذا بان لهم وجهُ زوال قهر فرعون وكيفية العاقبة، وذلك قوله تعالى:
﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: و(عسى) إطماعٌ، وهو من الكريم إيجابٌ؛ أي: اطمعوا في أن اللَّه يهلكُهم ويجعلُكم سكانَ أرضهم (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٧٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٩١)، و"تفسير الخازن" (١/ ٤٣)، و"البحر المحيط" (٢/ ٢٣)، و"روح البيان" (١/ ١٢٩).
(٢) في (أ): "كان يكلفهم. . . وبعد ذلك كلفهم" وهي ليست من (ف).
(٣) في (أ): "آباءنا".
(٤) في (أ): "أراضيهم".
[ ٦ / ٤٧٧ ]
ثم أخبر أن اللَّه ﷿ إذا أعطاهم ذلك استأداهم شكره بطاعته، وذلك قوله تعالى:
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي: كيف تشكرون نعمه.
وقيل: أي: يمتحنكُم بما يعطيكم، فالدار الدنيا (^١) دارُ امتحان؛ ليظهر (^٢) كيف ائتمارُكم بأوامره، وانتهاؤكم بنواهيه، وشكرُكم على عطيَّته، وصبرُكم على بليَّته.
* * *
(١٣٠) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾: أي: ابتَلينا قومَ فرعون بالقحط، جمع سنةٍ، ويطلق على الجَدْب ولا يطلق على الخِصب؛ لأن الجدب نادرٌ غيرُ غالبٍ (^٣)، والنادرُ أحقُّ بالإفراد بالذكر لانفراده بالمعنى الذي ندر به، يقال: أصابتهم سنة؛ أي: جَدْب، وأسنتوا؛ أي: أَجْدبوا.
وقوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: هذا في حق الأشجار والأولُ في الزروع.
وقال ابن عبَّاس ﵄: السِّنونَ لأهل البوادي، ونقصُ (^٤) الثمرات لأهل القرى، وهما آيتان (^٥).
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: أي: ليذَّكَّروا؛ أي: ليتَّعِظوا ويرجعوا إلى الحق (^٦) فيخلصوا.
_________________
(١) "الدنيا" من (ف).
(٢) في (ف): "لينظر".
(٣) في (ر): "ليس بغالب".
(٤) "من" ليس في (ف).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٦٣٢)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٠١).
(٦) في (أ): "ويراجعوا الحق".
[ ٦ / ٤٧٨ ]
وعن الحسن: أن موسى ﵇ لمَّا اعتزل في عسكر قومه أرسل إلى فرعون أنِ اضربْ بيني وبينك أجلًا، فأرسل إليه فرعون: ما هذا الأمرُ مما أفرغُ منه في يومٍ أو يومين، فأوحى اللَّه إليه: أنْ أَنْظِره واضربْ بينك وبينه أجلًا للحجة فإنه ليس يُعجزني، فضرب أجلًا أربعين يومًا، فجعل فرعون يجمع الجموعَ ليقاتله، فكلما أراد وجهًا في مكيدة خذله ربُّه وشتَّت أمره، فلما انقفصت الأربعون ولم يصنع فرعون شيئًا تابَع اللَّه ﷿ الآيات فأخذهم بالسنينَ ونقصٍ من الثمرات، فاحتَبس عنهم القطر وأَجدَبت أرضُهم وهلكت مواشيهِم وأنعامُهم.
* * *
(١٣١) - ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾: أي: النعمةُ والخِصب والسَّعة والعافية ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾؛ أي: هذه التي نستحقُّها وقد تعوَّدْناها ولم تزل كانت لنا، ولم يروا ذلك من اللَّه ﷿ ولم يشكروا له عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: أي: جَدْبٌ وضِيقٌ وبَليَّةٌ ومرض ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ قال الحسن ومجاهد وابن زيد: أي: يتشاءموا بهم (^١).
وكانت العرب تزجرُ الطيرَ فتتشاءم بالبارح وهو الذي يأتي من جهة الشمال، وتتبرَّك بالسانح وهو الذي يأتي من جهة اليمين، فسمِّي تطيُّرًا لأنه زجرٌ بالطير.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: اللَّه هو الذي يأتي بالخير والشرِّ والنَّفع والضُّرّ، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ بمعنى: من عند اللَّه لا من جهةِ موسى ومَن معه.
_________________
(١) رواه عن مجاهد وابن زيد الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٧٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٤٣).
[ ٦ / ٤٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لا علمَ لهم أنها من اللَّه، وأنه (^١) يمتحنُ عباده بالمحن ردعًا عن المعاصي وحثًّا على الطاعات.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإنْ قيل: ذكَر أنه أخَذ آلَ فرعون بالسنين (^٢) وكان فيهم بنو إسرائيل، فما معنى التخصيص؟
قيل له: يحتمِلُ أن يكون ذلك لهم خاصةً دون بني إسرائيل، أو كان الجدب يضرُّ آلَ فرعون دون بني إسرائيل؛ لِمَا أنهم كانوا يأكلون للشهوة وبنو إسرائيل للحاجة، ومَن يأكل للحاجة كان أقلَّ حاجة ممن يأكلُ للشهوة، فإن لم يجدوا ما يأكلون للشهوة كان ذلك أضرَّ بهم، قال النبي -ﷺ-: "المؤمنُ يأكل في معاء واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: الكَفور لا يَرى فضلَ المنعِم فيلاحظَ الإحسانَ بعين الاستحقاق، ثم إذا اتَّصل به شيء مما يكرهُه تجنَّى وحملَ الأمر على ما تمنَّى:
وكذا المَلُول إذا أراد قطيعةً ملَّ الأنيسَ وقال كان وكانا
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ المنفرِدِ بالإيجاد، هو الواحدُ ولكن بصائرهم مسدودة، وعقولهم عن شهود الحقيقة مصدودة، وأفهامهم عن إدراك المعاني مردودة (^٤).
* * *
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وأن اللَّه تعالى".
(٢) "بالسنين": من (ر).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٤٣ - ٥٤٤). والحديث رواه البخاري (٥٣٩٣)، ومسلم (٢٠٦٠)، وأبو يعلى في "مسنده" (٥٦٣٣)، من حديث ابن عمر ﵁. ولفظ الصحيحين: "في معى واحد"، والمعنى واحد.
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٦٠).
[ ٦ / ٤٨٠ ]
(١٣٢) - ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ قال الخليل: يعني: أيَّ شيء، وأصله: (ما ما) الأولى اسمٌ والثانية (^١) صلةٌ، وأُبدلت الألف بالهاء لئلا يوهِم التكرير، وهو مبالغةٌ في العموم.
وقيل: (مَهْ) بمعنى: اكفُفْ و(ما) شرطٌ، قاله سيبويه (^٢).
ومعنى الآية: أن قوم فرعون قالوا لموسى: أيَّ شيءٍ أتيتَنا به من آيةٍ تدَّعي أنها من عند اللَّه فإنما هي سحرٌ تريد أن تخدعَنا به.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: فلا تشتغلْ (^٣) بإيرادها فما نحن بمصدِّقينَ لك أنها من عند اللَّه، وهذا منهم (^٤) غايةُ الجهل والضلالة؛ إذ كذَّبوه بما لم يأتِ به بعدُ، وأظهروا أنهم مُصرُّون على كذبهم وكفرهم أبدًا، غيرُ منقادين للحقِّ وإنْ ظهر وبدا.
قال الإمام أبو منصور ﵀: دلت الآية أنهم كانوا معانِدين قد علموا بكلِّ آية قد جاءتهم قبل ذلك أنها من عند اللَّه تعالى، وما كان امتناعُهم عن الإيمان لشبهة أو ريبة (^٥).
وقال الإمام القشيري ﵀: جعلوا الإصرار على الاستكبار شعارَهم، وهتكوا بألسنتهم في العتوِّ أستارهم (^٦).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "والأول اسم والثاني".
(٢) والأول قول الخليل جوابًا لسيبويه لما سأله عن (مهما). انظر: "الكتاب" (٣/ ٥٩ - ٦٠).
(٣) في (١): "تستعجل".
(٤) بعدها في (ف): "في".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٤٧).
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٦٠).
[ ٦ / ٤٨١ ]
(١٣٣) - ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾: قيل: هو السيل الشديد، وقيل: هو المطر المتتابع المُضِرُّ.
وقيل: هو الموت الذريع سَلَّط اللَّه عليهم، وقالوا: سلِّط على البكر من كلِّ شيء من النساء والبهائم.
وقال أبو قِلابة: هو الجدري، وهو أولُ عذاب بني إسرائيل وبقي في الأرض (^١).
قوله تعالى: ﴿وَالْجَرَادَ﴾: وهو معروف ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ قيل هو الدَّبَى، وهي صغارُ الجراد التي لا أجنحة لها في روايةٍ عن ابن عباس ﵄، وهو قول قتادة ومجاهد (^٢).
وقيل -وهو رواية عن ابن عباس، وهو قول سعيد-: وهو السُّوسُ التي تقع في الحنطة (^٣).
وقال ابن زيد (^٤): هي البراغيث.
وقال أبو عبيدةَ: هي الحَمْنان، وهي كبار القِرْدان (^٥).
وقال الحسن وسعيد بن جبير: هي دوابُّ سودٌ صغارٌ (^٦)، واحدتها: قُمَّلة.
_________________
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٦٩).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٨٣ - ٣٨٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٨٣) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٤) في (أ): "دريد"، والصواب المثبت، وقوله رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٨٤).
(٥) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٢٦٦).
(٦) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٨٥).
[ ٦ / ٤٨٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾: جمع ضِفْدِع بكسر الضاد والدال، وهو معروف.
﴿وَالدَّمَ﴾: معروفٌ أيضًا، قال عبد الرحمن بن زيد: سلَّط اللَّه تعالى عليهم الرُّعاف (^١). وأكثرُهم على أن النيل صار دمًا.
قوله تعالى: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ نُصب ﴿آيَاتٍ﴾ من ثلاثة أوجه:
أحدها: بوقوع (أرسلْنا) عليها.
والثاني: على الحال.
والثالث: على التفسير.
و﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ قال مجاهد: أعلامًا مبيَّنات (^٢)، يُفصَل بها الحقُّ من الباطل، أو تنفصِل عما يقدر عليه الآدميون.
وقيل: مميَّزاتٍ بعضها من بعضٍ، بين كلِّ آيتين فصلٌ ومدةٌ ليُتأمل في كلِّ واحدةٍ حقَّ التأمل.
وقيل: كان إذا أتتهم آية منها أقامت عليهم أسبوعًا ثم تُقلع عنهم شهرًا، ثم تأتيهم أخرى تأكيدًا للحجة عليهم.
يقول (^٣): قد قالوا: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لكنَّا تابعْنا لهم الآيات، ولم نقطع عنهم البراهين بما أظهروا من الجهالات.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: أي: فتعاظَموا عن الانقياد
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٩٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٤٩)، كلاهما عن زيد بن أسلم والد عبد الرحمن، وكذا ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٩٨) بلفظ: (معلومات).
(٣) في (أ): "بقول لقول".
[ ٦ / ٤٨٣ ]
للحق والإيمان بموسى، وكانوا قد اعتادوا الآثام والإجرام، واكتسابَ أنفسِهم العذابَ اللِّزام.
وقال ابن عباس ﵄: الطوفان أمرٌ من أمر (^١) اللَّه تعالى طاف بهم، ثم قرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩] (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: أَرسل اللَّه ﷿ عليهم المطرَ الشديدَ حتى كادوا يهلكون -وعن قتادة: حتى قاموا فيه قياما- وقالوا: ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فكشف اللَّه تعالى عنهم المطر، فأنبت اللَّه ﷿ حروثهم وأحيا بذلك كلَّ شيء من بلادهم، فقالوا: واللَّهِ ما نحبُّ أنَّا لم نكن مُطِرنا هذا المطرَ وإن كان لَخَيرًا لنا، فلن نرسل معك بني إسرائيل ولن نؤمن لك، فبعث اللَّه ﷻ على حروثهم الجرادَ فأكل (^٣) حروثهم وأسرع الجراد في فسادها، فقالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربَّك ليكشف عنا الجراد فإنَّا مؤمنون لك ومرسلون معك بني إسرائيل، فكشف اللَّه عنهم الجراد، وكان الجراد قد أبقى لهم من حروثهم بقيةً، فقالوا: قد بقي لنا من حروثنا ما يكفيتا (^٤)، فما نحن بتاركي ديننا، ولن نؤمن لك، ولن نرسل معك بني إسرائيل، فأرسل اللَّه تعالى عليهم القمَّل، وهي الدَّبَى الذي ليس له جَناح فاتَّبع ما بقي من حروثهم وشجرهم ونباتهم (^٥)، وكان القمل أشدَّ عليهم من الجراد، فجزعوا
_________________
(١) "أمر" من (ر).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٨١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٤٤).
(٣) بعدها في (ر): "عامة".
(٤) في (أ) و(ف): "ما هو كافينا".
(٥) في (ف): "وثيابهم".
[ ٦ / ٤٨٤ ]
من ذلك وقالوا: يا موسى، كما قالوا في الأول والثاني، فكشف اللَّه عنهم القمل (^١) فنكثوا وقالوا: لن نؤمن لك -إلى آخره- فأرسل اللَّه عليهم الضفادع فامتلأت منها البيوت، فليس لهم طعام ولا شراب إلا فيه الضفدعُ، فلقُوا منها شيئًا لم يكونوا لقُوا فيما مضى، فقالوا: يا موسى، مثلما مرَّ، فكشف اللَّه عنهم الضفادع فنكثوا وقالوا: لن نؤمن لك -إلى آخره- فأَرسل اللَّه تعالى عليهم الدم، فسالت الأوديةُ دمًا، وصارت أنهارهم دمًا، فكانوا لا يشربون إلا الدم، ولا يَطعمون طعامًا إلا صار (^٢) دمًا، فلقُوا من ذلك أمرًا شديدًا ونسوا ما كانوا لقُوا قبل ذلك من البلاء، فسألوا موسى أن يدعوَ لهم ربَّه، فدعا لهم ربه (^٣) فكُشِفَ عنهم الضُّرُّ، فنكثوا وقالوا: لن نؤمن لك -إلى آخره- وكانت آياتٍ مفصَّلات بعضُها على إثرِ بعضٍ؛ لتكون للَّه عليهم الحجةُ، فانتقم اللَّه ﷿ منهم بعد ذلك فأغرقهم في اليَم (^٤).
وقال الكلبي ﵀: كانت كلُّ آيةٍ من سبتٍ إلى سبتٍ، ثم الأخرى بعد ذلك بشهر (^٥).
وقال أبو روق: بعدها بأربعين يومًا.
وقال قتادة: كان يجتمع سبطيٌّ وقِبطيٌّ على إناء واحد، فإذا الذي يلي السبطيَّ ماءٌ صافٍ، والذي يلي القبطيَّ دمٌ (^٦).
_________________
(١) في (ر): "الضر".
(٢) "صار": ليس من (أ).
(٣) "فدعا لهم ربه": من (ف).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٨٨ - ٣٨٩ و٣٩١ و٣٩٨) عن ابن عباس وقتادة.
(٥) في (أ) و(ف): "ثم الآية الأخرى بعده بشهر".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٨٩) عن قتادة، و(١٠/ ٣٩٤) عن مجاهد.
[ ٦ / ٤٨٥ ]
وفي حديث السدِّي: كان يخرج الدمُ من الرغيف إذا كُسر.
وفي حديث مقاتل: تراكَبَ الجراد قَدْرَ ذراعٍ فلم تُر الأرض، وكان كشفُها بأنَّ اللَّه بعث ريحًا فاحتملتْها فألقَتْها في البحر، وكشفُ الضفادع بموتها، وأرسل اللَّه تعالى مطرًا جَودًا فقذَفهن في البحر (^١).
وذكر وهبٌ هذه الأشياءَ على بَسْط الكلام وتطويله، وذكَر أن الطُّوفان هو الطاعون، ووقع فيهم ومات من أبكارهم في ليلةٍ ثمانون ألفًا، ومن أبكار الدوابِّ كذلك، واحتال فرعون فجمع بين أبكارِ القِبط وأبكارِ بني إسرائيل بين كلِّ بكرين بسلسلةٍ، فمات في الليل أبكارُ القِبط دون أبكار بني إسرائيل.
وذكر في الجراد: أن اللَّه تعالى أمر موسى ﵇ فأشار بعصاه شرقًا وغربًا، فجاء الجراد حتى ظهرت في الهواء كالغمام الأسود، فسترت الشمس ثم غمرت الزروع (^٢)، فكان لا يُرى منها شيء، فأكلتها وأكلت الخشبَ من الأبواب والجذوعِ، والحديدَ من السلاسل والمسامير، وكان كشفُها بإشارته بالعصا فذهبت كلُّها.
والقمَّل خرجت من الأرض حيث نكث فيها بالعصا، وأكلت كلَّ شيء حتى السقوفَ وكلَّ رَطْبٍ ويابس.
والضفادع خرجت من النيل بإشارته بالعصا بأمر اللَّه تعالى، فخرجت ودخلت المصر، فامتلأت منها السِّكك والدُّور والطرق، فلا يوجد موضعُ قدم ولا إناءُ طعام وشرابٍ إلا قد امتلأ ذلك منها، وضيَّقت عليهم، وأنتنت الأرض من وطء الناس إياها، وكان لا يمكِنهم أكلُ طعام ولا شربُ شراب إلا معها، وكشفُها بما ذكرنا.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٥٧ - ٥٨).
(٢) في (ف): "الزرع".
[ ٦ / ٤٨٦ ]
والدم: بأنْ ضرب النيل بعصاه بأمر (^١) اللَّه ﷿، فصار دمًا عبيطًا، فإذا وردَه قومُ فرعون اختضبت أيديهم وأَسقِيَتُهم بالدم، وإذا ورده قوم موسى ﵇ استَسْقَوا منه ماءً صافيًا، وكَشْفُه كان بضربِ العصا أيضًا بأمرِ اللَّه تعالى، وكان فرعون يعتذرُ إلى موسى بعد كلِّ أربعين يومًا: أنَّا لم نتفرَّغ لجمع الجيوش لهذه الحادثة، ويَستنظر مدةً أخرى، ويأمر اللَّه تعالى موسى بأن يُنظره مدةً أخرى إلزامًا للحجة (^٢).
* * *
(١٣٤) - ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾: قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد؛ أي: العذاب (^٣).
وقال سعيد بن جبير: أي: الطاعون (^٤)، فمات من القِبط سبعون ألفَ إنسان.
وقيل: هو هذه الأشياءُ التي تقدَّم ذكرُها.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: قيل: هذا العهدُ أنه وعده الإجابة إذا دعاه.
وقيل: هو أن يكشف عنهم العذاب إذا آمنوا.
وقيل: هو بعثُه بالرسالة (^٥)
_________________
(١) في (ف): "بإذن".
(٢) روى ابن عساكر في "تاريخه" (٦١/ ٧١ - ٧٥) نحو عن وهب وابن عباس وكعب الأحبار، وكلها من طريق إسحاق بن بشر.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٠٠ - ٤٠١) عن قتادة ومجاهد وابن زيد.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٩٩).
(٥) "وقيل هو بعثه بالرسالة" من (ز).
[ ٦ / ٤٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: لئن دعوتَ اللَّه فكشف عنا بدعائك لنصدِّقنَّك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: لنطلقنَّهم ولنُخلِّينَّ عنهم.
وقال وهبٌ: قالوا له: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]؛ أي: بما أَرسل إليك على زعمك ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ فقال: لا أدعو وقد سميتُموني ساحرًا، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك، فدعا ربه فكشف عنهم.
* * *
(١٣٥) - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾: أي: إلى الوقت الذي جعَله أجلًا لهلاكهم.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾: أي: ينقضون العهد فلا يؤمنون.
وقال مجاهد: كانت الضفادع تسكن الجِحَرةَ، فلما أرسلها اللَّه تعالى عذابًا إلى فرعون وقومه كانت تجيء حتى تقذف نفسها في التنور المسجور، وفي القِدْر وهي تغلي؛ غضبًا للَّه تعالى، فشكَر اللَّه تعالى لها فأسكنها الماء، وجعل نقيقها التسبيحَ (^١).
وذكر الحسن هذا في احتمالها المياه بأفواهها حين أُلقي إبراهيم ﵇ في النار، وأنها وجَدت هذا بسبب ذلك (^٢).
_________________
(١) لم أجده عن مجاهد، ورواه بنحوه عبد الرزاق في "المصنف" (٨٤١٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٤٨)، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ موقوفًا.
(٢) لم أجده عن الحسن، ورواه عبد الرزاق في "المصنف" (٨٣٩٣)، من حديث أنس ﵁ مرفوعًا.
[ ٦ / ٤٨٨ ]
(١٣٦) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: أي: من الناكثين ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: أهلكناهم بالماء في البحر ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: بسببِ تكذيبهم بهذه الآيات بعد تتابُعها.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾: معرضين عنها كالغافلين، أو متغافلين غيرَ متأمِّلين، أو غافلين عن النعمة، أو غافلين عن وقت نزول العذاب، وقد بينَّا قصةَ الغرق في سورة البقرة، ونذكر أيضًا زيادةً على ذلك في سورة يونس وفي سورة الشعراء.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: جنَّس عليهم العقوبات لمَّا (^١) جنَّسوا ونوَّعوا فنونَ المخالفات، فلا في التفكير رَغِبوا، ولا إلى التطهير قصَدوا، وكانت عقوبتهم بصرفِ قلوبهم عن شهود الحقائق أبلغَ مما اتَّصل بظواهرهم من فنون البوائق، ونعوذ باللَّه من السقوط عن عين اللَّه تعالى (^٢).
* * *
(١٣٧) - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: أي: لمَّا أهلكنا فرعون وقومه أسكنَّا قوم موسى الذين
_________________
(١) في (أ): "كما".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٦٠ - ٥٦١).
[ ٦ / ٤٨٩ ]
كانوا يُستضعفون -أي: يُقهرون بقتل الأبناء واستحياء النساء وتكليفِ الأعمال الشاقة- أرضَ مصر.
وقيل: أرض الشام مشارقها ومغاربها؛ أي: نواحيها الشرقية والغربية، وهي الأرض التي باركَ اللَّه (^١) فيها بكثرة الماء والشجر وفنون النِّعم.
وقيل: بأنها مساكنُ الأنبياء والأولياء.
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾: أي: نَجز وعدُ اللَّه، وهي الكلمة الحسنى -تأنيث الأحسن- على بني (^٢) إسرائيل بإهلاك عدوِّهم واستخلافهم في الأرض، كما (^٣) قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (^٤) [القصص: ٥]، وسميت حسنى لأنها وعدٌ بما يحبون.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾؛ أي: بصبرهم على أذى فرعونَ وقومه، وعلى أمر اللَّه، وثباتهم على الإيمان والطاعة والعملِ بقول موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾: أي: أهلكنا ما كانوا يصنعونه من الأبنية والمزارع والكروم.
قال الحسن ﵀: يَعْرِشون الكروم؛ أي: يرفعون عرائشها (^٥).
وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد: يَبْنون من الدُّور والقصور (^٦).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "باركنا".
(٢) في (ر): "لبني"، بدل: "على بني".
(٣) في (أ) و(ر): "وما".
(٤) في (أ) و(ف): "إلى قوله: ﴿كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٧٣) بلفظ: (وما كانوا يَعْرِشُون من الثمار والأعشاب).
(٦) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٠٧).
[ ٦ / ٤٩٠ ]
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ بضم الراء والباقون بكسرها (^١)، وهما لغتان فصيحتان، وقد عَرَش يَعْرشُ عَرْشًا؛ أي: بنى بناءً من خشب، كذا قال في "ديوان الأدب" (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ قيل: كان في بني إسرائيل مَن بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو ذو القرنين وداودُ وسليمان.
وقيل: فضِّلوا على أهل مشارق الأرض ومغاربها؛ كما قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦]؛ أي: على عالَمِي زمانهم.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾: قيل: هي الجنة (^٣).
وقيل: هي نِعَم الدنيا، وهو قول ابن عباس ﵄: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: نعمة ربك.
وقال وهب: ولمَّا عبروا البحر أرسل موسى ﵇ جندين عظيمين في كلِّ جندٍ اثنا عشر ألفًا، ونَقَب (^٤) عليهم يوشعَ بنَ نون وكالبَ بن يوقنا، وهما اللذان أنعم اللَّه عليهما، إلى مدائن فرعون وخزائنه وهي يومئذ خلوٌ عن أهلها قد هلكوا فلم يبق إلا النسوان والصبيان والزَّمْنى والهَرْمى، فغنموا أموالهم من الذهب والفضة والجواهر والأمتعة ما لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، وأورثهم اللَّه ﷿ ديارهم وأموالهم، فذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (^٥).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٢)، و"التيسير" (ص: ١١٣).
(٢) انظر: "معجم ديوان الأدب" للفارابي (٢/ ١٦٤).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٥١ - ٥٥٣).
(٤) في (أ) و(ف): "وبعث".
(٥) انظر: "الكامل" لابن الجوزي (١/ ١٤٤ - ١٤٥).
[ ٦ / ٤٩١ ]
(١٣٨) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾: أي: الذي غرق فيه فرعونُ وقومه، فصاروا إلى البر ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾؛ أي: يقيمون على عبادتها.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾: أي: قالوا لفرط غباوتهم وفسادِ طبائعهم بطول العبودية لفرعون: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾؛ أي: انْصِبْ لنا شيئًا نعبده كما نصب هؤلاء لأنفسهم أصنامًا يعبدونها.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: أي: الإلهية والعبادة، ولا تعلمون ما تقولون.
* * *
(١٣٩) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾: أي: هؤلاء الذين يعبدون الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾؛ أي: مهلَكٌ مدمَّرٌ، والتَّبَار: الهلاك والدمار.
وقال أبو عوسجة: مُفْسَد (^١).
وهو خبر مبتدأ، و﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾ مبتدأ (^٢)؛ أي: هم في هلاكٍ لا ينتفعون منها بشيء.
وقوله تعالى: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: تبطُل عبادتُهم هذه الأصنامَ فيذهب تعبُهم هدرًا.
وقال الكلبي ﵀: أي: ضلالٌ ما كانوا يعبدون.
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٥٦).
(٢) "وما هم فيه مبتدأ": من (أ).
[ ٦ / ٤٩٢ ]
(١٤٠) - ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾: استفهام بمعنى الإنكار، وتقديره: أَأَطلب لكم غيرَ اللَّه معبودًا!؟
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: على عالَمي زمانكم، قاله الحسن وجماعة (^١).
وقيل: أي: جعَل فيكم النبوَّة والكتابَ والحكمةَ والملكَ، والآياتِ التي لم يكن مثلُها لغيركم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفيه تعليم أنه كيف يؤمَر بالمعروف وكيف يُنهَى عن المنكر، وكيف يُعامَل مرتكب المنهيِّ، يعامَل باللِّين والشَّفقة واللُّطف، دون الغِلظة والجَفوة والعنف، كما فعل موسى بهم مع ما استقبَلوه من الأمر المنكَر، يقول: أمَا تستَحْيُون من هذا القول مع ما مَنَّ اللَّه (^٢) عليكم من النعمة (^٣) والطَّول، ومن ذلك ما ذُكر بعده، وهو قوله تعالى:
* * *
(١٤١) - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (^٤): أي: يُذيقونكم. وقيل (^٥): يكلِّفونكم سوء العذاب؛ أي: أشدَّه وأشقَّه.
_________________
(١) ذكره عن الحسن الواحدي في "البسيط" (٩/ ٣٢٧).
(٢) في (أ) و(ر): "مع ما للَّه".
(٣) في (أ) و(ف): "المنة".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٥٥٥ - ٥٥٦).
(٥) في (أ): "أو".
[ ٦ / ٤٩٣ ]
وقوله تعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: أي: يَسْتَبْقون إناثَكم ويتركونهنَّ حيَّاتٍ.
وقيل: يسترِقُّونهنَّ؛ أي: يفتِّشون في حيائهنَّ (^١) -أي: فروجِهنَّ- هل بهنَّ حبَلٌ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: قيل: وفي هذا الإنجاءِ نعمةٌ عظيمةٌ، كما قال: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧].
وقيل: أي: في التَّقتيل والاستحياء محنة عظيمة، واسم البلاء يقع على كلِّ واحدٍ منهما، لأنه من الابتلاء وهو الاختبار، وهو يقع بكلِّ (^٣) واحد منهما، وقد ذكرنا قصةَ ذبح الأبناء واستحياءِ البنات في سورة البقرة، وهذا حديثٌ آخرُ طويل فيه.
قال وهبٌ: رأى فرعونُ في المنام أنَّ اللَّه تعالى واهبٌ لعبدٍ من عبيدك غلامًا يسلبُك مُلكَك، ويُخرجك من أرضك، ويبدِّل عليك نعمتك، ثم (^٤) يغرقُك اللَّه وجنودَك حتى تكون للخلائق حديثًا، فلما استيقظ عظُمت عليه رؤياه، فأخبر عظماء الذين حوله، فبكَوا بكاء شديدًا وقالوا: سيدَنا! حُلُمٌ باطلٌ، عشتَ دهرًا طويلًا ولا ينالُكَ عدوٌّ ولا ينالك همٌّ، فأرسِلْ إلى كهَنتك ومنجِّميك فاخْلُ بهم وعِدْهم الخيرَ من نفسكَ، ثم قُصَّ رؤياك هذه لهم فيخبروك بتأويلها.
وكان لفرعون ألفُ كاهنٍ وألفُ منجِّمٍ وألفُ ساحر، لا يموت منهم أحد (^٥) إلا استَبدل مكانه غيرَه، فأرسل إليهم وخلا بهم ووعدهم الخير ثم قصَّ عليهم رؤياه،
_________________
(١) في (أ): "أحيتهن"، وفي "ف": "أحيائهن".
(٢) في (أ) و(ف): "حمل".
(٣) في (ف): "على كل".
(٤) في (ف): "و".
(٥) في (أ): "لا يموت أحدهم".
[ ٦ / ٤٩٤ ]
وأخبرَهم أنه امتَنع من الطعام والشراب والنوم لذلك، فسجدوا له وقالوا: علينا تأويل ما رأيت فلا يهولنَّك شي، ولكنْ أجِّلْنا أجَلًا ننظُرْ في نَجْم هذا المولود، فأجَّلهم أربعين يومًا.
فخرجوا وصعدوا الجبل ونزعوا ثيابهم ولبسوا الشَّعر، وأكلوا خبزَ الشعير، ينامون على الرماد، يقومون بالليل ويصومون بالنهار، ويتضرعون إلى شياطينهم أن يخبروهم برؤيا الملك، فأوحى اللَّه تعالى إلى حمَلة العرش: أني خالقٌ مولودًا في بني إسرائيل، يولد في الإسكندرية، تحمل به أمُّه في ليلة الجمعة في شهر كذا، في ثلاث ساعات يذهبن من أول الليل، فانطلق به حملة العرش إلى السَّفَرة الكِرَام البَرَرة الذين يؤدُّون الكتبَ إلى الموكَّلين ببني آدم، فانطلق به الموكَّلون وهم الحفظةُ إلى سكان السماوات: أن اللَّه ﷻ خالقٌ بشرًا في بني إسرائيل. . إلى آخر ما ذكرنا.
وكانت عفاريتُ الجنِّ والإنس يوحي بعضُهم إلى بعض زخرفَ القول غرورًا، فكان الجن يصعدون إلى السماء ويَسمعون كلام الملائكة، ويَسترِقُون السمع ويُلْقونه إلى أهل (^١) الأرض على ألسنة الكهَنة، فلما سمع الجن ذلك من الملائكة هبطوا به إلى الكهنة فأخبروهم بأمر موسى كلِّه، ففشا ذلك ووصل إلى الكهنة والسحرة والمنجِّمين لتمام أربعين يومًا، فجاؤوا فرعون وقالوا: يا سيدنا قد أتينا (^٢) بتأويل رؤياكَ، هو عبا من عبيدك يولَد ويعطَى (^٣) ملكك، ويبدِّل دينَك، ويَقهرك ويعلوك، ويخرجك من أرضك، وإنه يولد بالإسكندرية في شهر كذا في ليلة الجمعة لثلاثِ ساعات يذهبن من أولها، قال: فما الحيلة حتى نعرف أمَّه فنقتلَها
_________________
(١) "أهل": من (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "أتيناك".
(٣) في (ر): "يولد له يعطى" وفي (ف): "يولد ولدًا فيعطى".
[ ٦ / ٤٩٥ ]
فلا تحملَ به ولا تلدَه؟ قالوا: بيننا وبين الوقت الذي تحملُه هذا الشهرُ.
فلم يأت على فرعون شهر أشدُّ عليه منه، ذاب جسمه فيه، وغلَب كَرْبُه، فلما عِيْلَ صبرُه أدخل منجِّميه وكهَنتَه، وقال: أمَا عندكم حيلةٌ ألَّا تحملَ به أمُّه؟ قالوا: نعم، تعزل النساءَ عن الرجال، فلا يَقربُ رجل امرأته، فقال: وكيف الحيلة في ذلك؟ قالوا: مُرْ أن يُخرج منبرُك، ومُرْ مناديك فلينادِ في (^١) عبيدك أن يجتمعوا إليك، فإن عبيدك لم يروك ولم ينظروا في وجهك.
قال كعب: وكان الخبيث لا يَظهر لأحدٍ منهم، وكان إذا أراد الركوب نادى مناديَه حتى يدخلوا بيوتهم، ومَن تلقَّاه في مسيره أمره أن يضع وجهَه بالأرض له.
قال وهب: فلمَّا قالت الكهنة له ذلك، قال الملك: ما (^٢) جئتُموني بأمرٍ أشدَّ عليَّ منه! قالوا: إذا أخرجتَ منبرك وأبرزتَ لهم وجهك فأَحْسِنْ إليهم القولَ، وبشرهم بالخير، وافتح لهم خزائنك، وأخرج لهم من أصناف الأموال وابذُلها (^٣) لهم، فإنك إذا فعلت ذلك بهم طمِعوا فيما عندك واجتمعوا إليك، حتى لا يتخلفُ منهم أحد، فقُم على المنبر وقُل لهم: إني قد رضيتُ عنكم وعرفتُ نصحكم ورفعتُ عنكم الجزية، ولذلك أبرزتُ لكم وجهي، وفتحتُ لكم بابي، وبذلتُ لكم خزائني، ورأيتكم له أهلًا مني، فاعرِفوا بذلك رضائي عنكم فأبشروا، وأخِّر ذلك إلى غروب الشمس، ثم قل: إني أحب أن تبيتوا هذه الليلةَ عندي فإذا أصبحتُم انصرفتم، فإنك إذا فعلتَ ذلك بهم أجابوك، فإذا باتوا مكانهم كنتَ حبَستهم عن إتيان النساء، فظفرتَ بحاجتك.
_________________
(١) في (ف): "فلينادي".
(٢) "الملك ما": ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (أ) و(ف): "ثم ابذلها".
[ ٦ / ٤٩٦ ]
فأرسل فرعون مناديَه في بني إسرائيل: أن أجيبوا فرعون الملك، فإنه نصَب لكم منبره، وأظهر لكم وجهه، وهو يريد بكم الكرامة، وقد أمر (^١) بإخراج خزائنه ليعطيَكم منها ما لم تكونوا تأملونه، فأسرعت بنو إسرائيل الإجابةَ، وخرجوا جميعًا، وخرج فرعون وخطبهم وليَّن لهم القولَ، ووعدهم الجميل، وأعطاهم الأموال من الجواهر والنقود والكسوة على مراتب الناس، وفرحوا به فرحًا شديدًا، فلمَّا أمسوا قال فرعون: أُحبُّ أن أصنع لكم أفضلَ من هذا، فبِيتوا مكانكم حتى تصبحوا فتنصرفوا، فقالوا: لو كلَّفْتنا ألَّا نبرحَ شهرًا لفعلنا فباتوا.
ثم دعا فرعون بدابَّته فركبها ليدخلَ المدينة، وركب معه هامانُ وعظماؤه، حتى إذا دنى من باب الإسكندرية أَمر هامانَ والملأَ أن يرجعوا إلى عسكر بني إسرائيل ويَبيتوا معهم ويحرسوهم لئلا ينصرفَ أحد، وكانت مفاتيحُ أبواب المدينة (^٢) حينئذٍ مع عمرانَ والدِ موسى، فدعاه ليأخذ المفاتيح منه ويُخرجَه من المدينة ويغلقَ أبوابَ المدينة دونه، وكان منزل عمران في الإسكندرية، قال عمران: يا سيدي، لا تدخل المدينة وحدك فلعلك يَمكُر بك بعضُ مَن يطمع في ملكك، قال: نعَم، ما هذا بأول نُصحك، فادخل معي فأنت أحقُّ بذلك وأوثقُ عندي من غيرك، فادخل وأغلق الأبواب.
وكان ذلك لطفًا من اللَّه تعالى لِمَا أراد من أمر موسى، فدخل مع فرعون وغلَق الأبواب، وبات جميعُ بني إسرائيل في الصحراء ومعهم جندُ فرعون، فقال فرعون لعمران: لا تَبرح من عتبةِ بابي ولا تنزعْ عنك ثيابك، قال: نعم يا سيدي، فدخل فرعون منزلَه وأغلق عمرانُ الباب دونه، ووضع عمران رأسه على عتبة الباب وعليه ثيابه، وجعل سيفه بين فخذيه فنام، حتى إذا ذهب ثلاثُ ساعات من الليل وذلك ليلةَ الجمعة.
_________________
(١) في (ف): "وقد أمرنا"، وفي (ر): "وهو يريد".
(٢) في (ف): "مفاتيح الأبواب".
[ ٦ / ٤٩٧ ]
وكان بلَغ امرأةَ عمران أن فرعون قد دخل المدينة ومعه عمران، فلمَّا احتَبس عنها عمرانُ خرجت نحو باب فرعون في طلبه، فلما دنت من الباب أبصرت عمران نائمًا، فوقعت عليه تقبِّله، فوثب عمران فإذا هو بها، فقال: ما جاء بك؟ قالت: سمعتُ أنك دخلتَ المدينة، فلما احتبَسْتَ عني خفتُ عليك سطوةَ هذا الجبَّار فأتيتُك، فضمَّها عمران إلى نفسه فلم يتمالك أن واقعها، فحملت مكانها (^١) بموسى، فقال لها عمران: إنِّي لأظنُّ هذا (^٢) الأمرَ الذي يطلبه فرعونُ وهذا المولودَ الذي يخافه ليس إلا من اجتماعنا الليلة، فاكتمي هذا حتى ننظرَ ماذا (^٣) يظهر.
فلما حملت بموسى طلَع نجمه في السماء، ولا يولد نبيٌّ إلا طلع له في السماء نجمٌ، ونظرت الكهَنة والسحرة من الليل فإذا هم بنجم موسى قد طلع، وكانت ليلةَ الجمعة، فقاموا فخمَشوا وجوهَهم وخدَشوا لحومهم ومزَّقوا ثيابهم ونتَفوا شعورهم، وولولوا جميعًا بصوتٍ شديدٍ حتى رجَّت المدينة من أصواتهم، فسمع فرعون ذلك فذُعر ثم أسرع إلى الباب وقال لعمران: ما هذا؟ قال: يا سيدي، هذه أصوات بني إسرائيل فرحوا بما أعطيتَهم وأكرمتَهم بلقائك وكلامك، فقال: لعله كما تقول، فلم يزل يختلف ليلته مقبلًا ومدبرًا كالتي أخذها المخاض.
فلما أصبح قال: يا عمران، اخرج فانظر ما بالُ صياحهم الليلةَ، فخرج فسألهم فقالوا: مكرُ عدوِّنا غلَب مكرَنا ومكرَ سيدنا، وحُمل بذلك المولودِ البارحةَ، ونظر (^٤) إلى ما فعَل السحرةُ بأنفسهم فهاله ذلك، فقال عمران: ويلكم غرَرْتم سيدي حتى
_________________
(١) "مكانها": ليست في (ف).
(٢) في (أ) و(ر): "اعلمي أني أظن"، بدل: "إني لأظن هذا".
(٣) في (ف): "ما".
(٤) في (ف): "وبصر".
[ ٦ / ٤٩٨ ]
أظهرَ (^١) للناس وجهه وفرَّق فيهم خزائنه، ثم حشرهم عمران إلى فرعون وهو يُسِرُّ في نفسه ما عَلم مما كان منه مع امرأته.
فلما دخلوا على فرعون ورآهم على تلك الصفة (^٢)، وقد جعلوا الرماد والتراب على رؤوسهم، قال: ويلكم ما لكم؟ فخرُّوا له سجَّدًا وقالوا: يا سيدنا، عشتَ دهرَ الداهرِين، قد غلَب مكرُ عدوِّنا مكرَنا، وحُمل بذلك المولود البارحةَ، وطلَع نجمه في السماء، فقال: قد استوجبتُم عقوبتي، ولأصلِّبنكم أجمعين، ولأحرقنَّكم بالنار، غرَرْتُموني -وقال كما قال عمران-، فقالوا: لا تقتلنا، فإن غلبَنا حملُه لا يغلبنا مولدُه، نعرفه بعلامته فنقتلُه، فإنْ فعلْنا ذلك وإلا فاصْلِبنا وأحرقنا. فأَنْظَرَهم إلى مولد موسى، فلم تأت عليه شهور (^٣) أطولُ ولا أكثرُ حزنًا منها.
فلمَّا وُلد وأَبصر المنجِّمون إلى (^٤) كوكبه يزهر قالوا له: قد وُلد، فلما سمع ذلك طارت روحه وتغيَّر لونُه وطاش عقله، وقال: ما الحيلة؟ قالوا: مُرْ مِنبرَك حتى يُخرج إلى ذلك الموضع، ثم مُرْ مناديك ألا تبقى امرأة من بني إسرائيل ولدت ولدًا منذ شهرٍ إلا جاءت به إلى الملك، فإنه يريد أن يُكرمهنَّ كما أكرم أزواجهنَّ، ويعطيَهنَّ الحليَّ والحلَلَ والذهبَ والفضَّةَ والجواهر، فإنهنَّ يطمعن ويخرجن، فإذا جئنَك بأولادهنَّ فأعطهنَّ شيئًا (^٥) وليِّن لهنَّ القول، ثم اجعَلْهنَّ في بعض مدائنك، ثم مُرْهنَّ فلتَخرجِ امرأةً امرأةً، فانتزعْ منها ما أعطيتَها ومُر أن يؤخَذ ولدُها، فإن كان ذكرًا ذُبح، فإذا فعلتَ ذلك ظَفِرْتَ بعدوِّك ورجع إليك مالُك.
_________________
(١) في (ف) "ظهر".
(٢) في (ف): "الحالة".
(٣) في (أ): "عليه أشهر"، وفي (ف): "عليهم أشهر".
(٤) "إلى": من (أ) و(ف).
(٥) "فأعطهن شيئًا": ليس في (أ)، و"شيئًا": ليس في (ف).
[ ٦ / ٤٩٩ ]
ففَعل ذلك، وخرجنَ، وأعطاهنَّ، ثم جعلهنَّ في بعض مدائنه، ثم أَمر بخروجهنَّ، فمَن كان (^١) ولدها ذكرًا ذبحه والأم تنظر إليه لا تملك له شيئًا إلا البكاء، فذبح يومئذ تسعين (^٢) ألف ولد، فذلك قولُه تعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٤١].
* * *
(١٤٢) - ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾: أي: لإتيان الطور وإنزالِ الكتاب ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾؛ أي: زدناها عليها ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾؛ أي: الميقاتُ الذي وقَّته له ربُّه، أُضيف إلى اللَّه لتوقيته إياه؛ كما في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]؛ لأنه ثبت بتأجيله أربعين ليلةً، وهذا التكريرُ مع استفادةِ علمه بالأول لإزالةِ الاشتباه: أن الإتمام بالعشر لم يكن من الثلاثين، فإنه قد يُتوهم ذلك.
وقال في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، وذلك يدلُّ على أن المواعَدة كانت بالأربعين جملةً، وهذا يشير إلى أنه كان بالثلاثين ثم زِيد بالعشر.
والتوفيقُ بينهما على قول ابن عباس وسعيد بن المسيِّب وأبي رَوق: أن المواعَدة (^٣) كانت بالثلاثين ثم زيدت العشرةُ (^٤)؛ لِمَا قالوا: إنه أمره بصوم (^٥) ثلاثين يومًا ثم يأتي الطُّورَ، فلما تم ثلاثون تسوَّك ليزيلَ الخلوف، فأوحى اللَّه تعالى إليه: يا
_________________
(١) في (ف): "ومن كانت".
(٢) في (ف): "في سبعين".
(٣) في (ف): "الموعده" في الموضعين.
(٤) في (ف): "زيد العشر" بدل "زيدت العشرة".
(٥) في (أ) و(ف): "إنه أمر بأن يصوم".
[ ٦ / ٥٠٠ ]
موسى، أمَا علمت أن خُلوفَ فم الصائم أطيبُ من ريحِ المسك، فلذلك زِيد عشرٌ ليصوم فيها فيأتيَ فيه (^١) الخلوف (^٢).
وما ذكر في سورة البقرة من مواعدة الأربعين فهو بيانُ الحاصل وجمعٌ بين العددين.
وقال الكلبيُّ وجماعةٌ: كانت المواعَدة بالأربعين جملةً، وإنما ذكر عددين لأنه ذو القعدة وعشرُ ذي الحِجة، فالثلاثون عددُ الشهر والزيادةُ عددُ ما اتَّصل به، قال ذلك مجاهد وابن جريج ومسروق (^٣).
وقال أبو العالية: إن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل وهم بمصر أنه إذا أهلك اللَّه تعالى عدوَّهم واستنقذهم من أيديهم أتاهم بكتابٍ يبيِّن لهم فيه ما يأتون وما يذَرون، فلما فَعل اللَّه تعالى ذلك بهم سأل موسى ربَّه الكتاب، فأمره اللَّه تعالى أن يصوم ثلاثين يومًا -وهو ذو القعدة- ليكلِّمه، فلما انسلخ ذو القعدة (^٤) أكلَ من لحاء الشجر، فأمره اللَّه بصيام عشرة أيام من ذي الحجة ليكلِّمه بخُلوف فمه، ففَعل ذلك (^٥).
ولمَّا أراد الانطلاق إلى الجبل أمره اللَّه تعالى أن يختار سبعين رجلًا من قومه من ذوي الحِجَى ليشهدوا له على ما يشاهدونه من كرامة اللَّه تعالى إياه، ففعل ذلك (^٦) واستخلف هارون أخاه على قومه، وذلك (^٧) قوله تعالى:
_________________
(١) في (ف): "وبه".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٥٦) عن ابن عباس ﵄.
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤١٤ - ٤١٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٥٦).
(٤) في (ف): "الشهر".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٧٥).
(٦) "ذلك": زيادة من (ف).
(٧) في (أ) و(ف): "وهو".
[ ٦ / ٥٠١ ]
﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾: أي: كُنْ خليفتي عليهم ﴿وَأَصْلِحْ﴾: أي: سِرْ فيهم بالسيرة الصالحة التي لا فساد فيها، وثبِّتهم على ما أخلِّفهم عليه من الإيمان به وإخلاصِ العبادة له.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي: ولا تسلك طريقةَ مَن يُفسد في الأرض بإظهار المعاصي من نفسه، أو الرضا من غيره بإظهارها، وتقريرِهم على ذلك.
وقال ابن عباس ﵄ (^١) والكلبي: مُرْهم بالصلاح ولا تتَّبع طريق العاصين (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ وهارونُ كان مبعوثًا معه رسولًا وشريكًا له في الرسالة؛ قال تعالى خبرًا عن موسى أنه قال: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣٢]، وقال خبرًا عنهما: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، وإذا كان هو رسولًا كيف يحتاج (^٣) إلى الاستخلاف.
قلنا: المأموران بشيء لا ينفرد أحدهما بفعله إلا بأمرِ صاحبه، فلذلك قال: ﴿اخْلُفْنِي﴾ أي: في الحكم بينهم ﴿وَأَصْلِحْ﴾ ذاتَ بينهم ولا تتَّبع مَن دعاك إلى سبيل المفسدين، ولأن موسى كان أصلًا فيها وهارون مُعينًا له، قال تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] ولهذا كان هو المناجَى على الخصوص، والمعطَى له
_________________
(١) بعدها في (ر): "ومجاهد".
(٢) انظر: "البسيط" للواحدي (٩/ ٣٣١) عن ابن عباس والكلبي.
(٣) في (ف): "فكيف احتاج" بدل: "كيف يحتاج".
[ ٦ / ٥٠٢ ]
الألواح (^١)، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [لأعراف: ١٤٥] وهو الذي قال: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠] وهو الذي نودي، فلذلك استخلفه (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إن اللَّه تعالى أَسمع موسى كلامه أولَ ما خاطبه بالرسالة من غير وعدٍ ولا انتظارٍ، ثم وعده أن يُسمعه كلامه مرةً أخرى، وعلَّله بالوعد معلَّقًا بثلاثين ليلةً بعدما أخذ السماعُ الأولُ بمجامع قلب موسى صلواتُ اللَّه عليه، فعلَّق قلبَه بميقاتٍ معلوم فاطمأنَّ قلبه بالميعاد، فلمَّا مضت المدَّة زاده عشرًا في العِدَّة، وتأخيرُ وفاءِ الوعد غيرُ محبوبٍ إلا في طريقةِ الأحباب، فإن المَطْل عندهم أشهى من الإنجاز، وفي معناه أنشدوا:
أَمْطِليني وسَوِّفي وعِدِيني ولا تَفِي
وأنشد الآخر في معناه (^٣):
سعادُ لعَمْركُم لا تَهْجُرينا ومَنِّينا المُنَى ثم امْطُلينا
عِدِينا في غدٍ ما شئتِ إنَّا نحبُّ وإنْ مَطَلْتِ الواعِدِينا
فإمَّا تُنجِزي عِدَتي وإمَّا أعيشُ بما أؤمِّل منكِ حينا
قال: ولمَّا أُمر بالذهاب إلى فرعون سأل اللَّه تعالى أن يُشرِكَ معه هارون، ولمَّا ذهب إلى الطور للمناجاة خلَّفه في قومه واستَخلفه، وهو موضع الاعتراض في الظاهر، ولكنْ لا اعتراضَ على الأكابر (^٤).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "والمعطى للألواح".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤).
(٣) في (أ): "وأنشدوا".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٦٣).
[ ٦ / ٥٠٣ ]
ومن الإشارة المعروفة في الآية: أن موسى صلواتُ اللَّه عليه استَخلف هارون واعتمد عليه في حفظ قومه فعبدوا العجل، ورسولُنا -ﷺ- قال: اللَّهُ خَليفتي على أمَّتي، فثبَّتهم اللَّه ﷿ على الحق.
* * *
(١٤٣) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾: قال الكلبي: أي: لميعادنا الأربعين، واللام لبيان الوقت، كما قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
قال وهب: جاء طورَ سِينا ومعه جبريلُ ﵇، فتطهَّر وطهَّر ثوبه (^١).
﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾: بلا واسطةٍ بغيرِ كيفيةٍ، فلما سمع كلامه طمع في رؤيته لغلَبة شوقه، فسأل ذلك، وهو قوله تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾: وهو حجةُ أهل السنَّة والجماعة على جواز رؤية اللَّه تعالى، فإن موسى صلوات اللَّه عليه اعتقد جوازها حتى سألها، واعتقادُ جوازِ ما لا يجوز على اللَّه كفرٌ، ومَن جوَّز ذلك على موسى أو على أحدٍ من الأنبياء فهو كافر.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾: ولم يقل: لن أُرى، ليكون نفيًا لجواز الرؤية، بل قال: لن تراني؛ أي: لن تُطيق أنت في الدنيا أن ترانيَ، وهو كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]؛ أي: لن تُطيقوا أن تفعلوا، وقال اللَّه تعالى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]؛ أي: لن نطيق أن نصبر.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ثوبيه".
[ ٦ / ٥٠٤ ]
والدليل على أنه ليس لنفي جوازِ الرؤية بل هو نفيُ طاقة موسى ما ذُكر بعده، وهو قوله تعالى:
﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾: علَّق الرؤيةَ باستقرار الجبل، وهو أمرٌ متصوَّرٌ، فدل على تصوُّر ما عُلِّق به.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾: أي: ظهَر، يقال: جَلَوْتُ الشيء جلاءً وجلَّيْتُه تجليةً؛ أي: أظهرتُه، فانجلَى وتجلَّى؛ أي: ظهر، والمراد به -واللَّهُ تعالى أعلمُ-: أعطَى الجبل رؤيتَه وجعَل له حياةً وعلمًا علِم به أنه رآه، وهو دليل آخر على أن اللَّه ﷿ جائزُ الرؤية.
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قرأ أهل المدينة وأبو عمرٍو: ﴿دَكًّا﴾ منوَّنًا غيرَ ممدودٍ هاهنا وكذا في سورة الكهف، ومعناه: مدكوكًا؛ أي: مدقوقًا، مصدر بمعنى المفعول.
وقرأ عاصم كذلك هاهنا، وقرأ الذي في سورة الكهف ممدودًا بلا تنوين.
والباقون قرؤوهما ممدودًا بلا تنوينٍ (^١)، وهو تأنيثُ الأدكِّ، يقال: ناقةٌ دكَّاءُ: إذا ذهب سنامُها؛ أي: جعَلها مستويةً بالأرض لا أكَمةَ فيها.
وقال الحسن وسفيان وأبو بكر الهذلي: ساخ في الأرض (^٢).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٣)، و"التيسير" (ص: ١١٣).
(٢) ذكره عنهم الواحدي في "البسيط" (٩/ ٣٣٧)، وعن الحسن وسفيان الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٥٨). ورواه عن سفيان الطبريُّ في "تفسيره" (١٠/ ٤٢٨)، وعن أبي بكر الهذلي بمعناه، ولفظه: (انْقَعَر فدَخل تحت الأرض فلا يَظهرُ إلى يوم القيامة). وقد روي اللفظ أعلاه مرفوعًا، رواه الترمذي (٣٠٧٤) من طريق سليمان بن حربٍ عن حماد بن سَلَمَة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قرأ هذه الآيةَ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال حَمَّادٌ: هكذا، وأَمسك سليمانُ بطَرَف =
[ ٦ / ٥٠٥ ]
وقال ابن عباس ﵄: صار ترابًا (^١).
وتأنيث الدَّكَّاء -مع أنه صفةُ الجبل وهو مذكَّرُ اللفظ- على معنى التشبيه بالناقة الدكَّاء؛ أي: مثلَ الدَّكَّاء.
وقيل: أي: جعله أرضًا دكَّاء.
وقيل: الدكَّاءُ لغةً هي الرابيةُ التي لا (^٢) تبلغ أن تكون جبلًا، وجمعُها: دكَّاوات.
وقال الحسن: صار الجبل ثلاثَ فرقٍ: ساخت فرقةٌ منها في الأرض، وطارت فرقة فوقعت (^٣) في البحر، وطارت فرقة فوقعت بعرفات، فهو شاحبٌ مقشعِرٌّ من مخافة اللَّه تعالى.
وقال أبو بكر الورَّاق: فعَذبَ إذ ذاك كلُّ ماء، وأفاق كلُّ مجنون، وبرئ كلُّ مريض، وزالت الشوك عن الأشجار، واخضرت الأرض وأزهرت، وخمدت نيرانُ المجوس، وخرَّت الأصنام لوجوههن (^٤).
وقال الحسن: أوحى اللَّه تعالى إلى الجبل: هل تطيق رؤيتي؟ فغار الجبل وساخ في الأرض وموسى ينظر، حتى ذهب أجمعَ (^٥).
وقال وهبٌ: خمَد كلُّ شيء حينئذ، وانقطعت أصوات الملائكة، وجعَل
_________________
(١) = إبهامِه على أُنمُلة إصبَعِه اليُمنَى قال: "فسَاخَ الجَبَلُ ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ لا نعرفُه إلا من حديث حمادِ بنِ سلَمةَ.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٢٧).
(٣) في (ف): "لم".
(٤) "فوقعت": من (ر).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٧٨).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٧٨).
[ ٦ / ٥٠٦ ]
الجبلُ يتهدَّم وينهار ويضطرب من تحت موسى حتى اندقَّ كلُّه.
وقيل: صار الجبل ذرَّاتٍ في الهواء، وهو الذي يُرى في الشمس إذا دخل شعاعُها في الكُوَى بتلك الكثرة.
وقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾: أي: سقط مغشيًّا عليه؛ أي: لِهَيبةِ تلاشي الجبلِ بظهور آثار القدرة عليه.
قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾: أي: من غشيته ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾.
قال الإمام أبو منصور ﵀: خرج هذا الكلام منه مخرج العادة عند رؤية الأفزاع (^١) حسَبَ ما يجري على ألسنة الناس عند الأخطار، لا عن ذنبٍ يتذكَّرونه فيتوبون عنه.
ونظيرُ هذا التسبيحِ قولُ عيسى ﵇: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقولُ الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤١]، وقول الملائكة الذين تكلَّموا في أمر آدم ﵇: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].
وذكرُ التوبة من غيرِ ذنبٍ كقول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، وقولِ النبيِّ -ﷺ- في كلِّ يوم مئةَ مرةٍ: "أستغفرُ اللَّه وأتوب إليه" (^٢).
وقيل: أي: تبتُ إليك من سؤال الرؤية في الدنيا، فإنك إنما وَعدْتَها في الآخرة.
_________________
(١) في (ر): "الأقراع"، وفي (أ): "الأفراع".
(٢) رواه بنحوه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة ﵁. ومسلم (٤٨٤) من حديث عائشة ﵁، و(٢٧٠٢) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٦ / ٥٠٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: المصدِّقين بأن رؤيتك في الآخرة بالوعد، ولا وعد في الدنيا، ومعنى الأوَّل؛ أي: أولُ أهلِ هذا الزمان؛ لإظهارك (^١) ذلك لنا الآن، وإنما أَخْفَى عليه إلى الآن أنه لا يعطي الخلقَ رؤيته في الدنيا مع جوازها؛ ليوجَد منه سؤالُ الرؤية بناءً على معرفته جوازَها؛ ليتحقَّق جواز الرؤية بسؤاله ذلك، فيصيرَ حجةً قاطعةً لأهل الحق على المنكِرين ذلك من أهل البدعة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وتَعلَّق نُفاةُ الرؤية بظاهرِ قوله (^٢): ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أنه نفَى ذلك بـ (لن) وهو للتأبيد، وحملوا سؤال الرؤية على وجوهٍ باطلة:
منها: أنهم قالوا: معنى قوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾؛ أي: أرني آيةً قاطعةً أراها.
ومنها: أنهم قالوا: لم يسأل رؤيةَ اللَّه تعالى لنفسه، بل لقومه حيث قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣].
ومنها: أنهم قالوا: خفيَ عليه أنه يُرى أو لا يُرى، فسأل ذلك ليَعلم.
والجواب: أن نقول: أمَّا (لن) فهو نفيُ قدرته على رؤية اللَّه تعالى مدةَ الدنيا؛ لأنه جواب سؤاله، وسؤالُه كان في حقِّ رؤية الدنيا، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] ثم هذا التأبيدُ في الدنيا؛ فإنهم يتمنَّونه في العقبى؛ قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]؛ أي: الموتَ، وقال: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
وقولهم: إنه سأل الآية.
قلنا: قد كان أَراه الآيات الكثيرةَ قبلها، وأَراه أيضًا في ذلك المكان دكَّ الجبلِ،
_________________
(١) في (ف): "لإظهار".
(٢) في (ف): "بقوله" بدل: "بظاهر قوله".
[ ٦ / ٥٠٨ ]
وقد نُفي بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وذلك لا (^١) يحتمِل إراءةَ الآيات، ولأنه قال: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وأجيب بـ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، وذلك لا يحتمِل إراءةَ الآيات ونفيَ رؤيتها.
وقولهم: إنه سأل ذلك لقومه. لا يستقيم؛ لأنه قالَ: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ولم يقل: أَرِهم ينظروا إليك (^٢)، وقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل: لن يروني، ولأنه لو كان لسؤال القوم فمِن حقِّه أن يزجرهم عنه ويجهِّلهم فيه كما فعَل ذلك في حقِّ الذين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ حيث جهَّلَهلم وسفَّهَهم بقوله (^٣): ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ الآيات [الأعراف: ١٣٨].
وأمَّا قولهم: خفي عليه ذلك.
قلنا: يكون هذا جهلًا باللَّه، وهو كفرٌ، ومَن ظن هذا بالأنبياء فهو كافرٌ وباللَّه (^٤) العصمةُ.
وقد رُوي في هذا أحاديثُ فيها ذكرُ نزول الملائكة والتعنيفِ على موسى ﵇ بما سأل، ولكنْ ليس ورودُها على وجهٍ يصحُّ، ولا يجوز قبولُها لأنها لا تليق بحال الأنبياء.
وأقاويل الناس في الآية أيضًا على وجوهٍ تختلف، والصحيح الموافقُ للأصول ما قلنا، وباللَّه المعونةُ.
وقال الإمام القشيري ﵀: ولمَّا جاء موسى ﵇ مجيءَ المشتاقين،
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فلا"، بدل: "وذلك لا".
(٢) في (ر): "أرهم لينظروا".
(٣) في (أ) و(ف): "وسفههم وقال تعالى" وفي (ر): "وسفههم بقوله قال".
(٤) في (ف): "فهو كافر باللَّه ونسأل اللَّه".
[ ٦ / ٥٠٩ ]
مجيءَ المغلوبين (^١)، جاء موسى بلا موسى، جاء موسى ولم يَبق من موسى شيءٌ لموسى، وآلافُ آلافِ رجال (^٢) قطعوا مسافاتٍ وتحمَّلوا مخافاتٍ فلم يذكرهم أحد، وهذا موسى خَطَا خطواتٍ وإلى القيامة يقرأ الصبيان: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾.
ولما جاء موسى باسَطَهُ الحقُّ بالكلام، فلم يتمالك أن (^٣) قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ فإن غلباتِ الوَجْد استنطقَتْه بطلَب كمال الوُصلة من الشهود، وقد قالوا:
وأَبرحُ ما يكونُ الشوقُ يومًا إذا دَنَتِ الخيامُ من الخيامِ
وقالوا: لا يؤاخَذُ المغلوب بما يقول، وقالوا: إنه لا يَشكر مَن يُنكر (^٤).
قال (^٥): و[يقال]: أشدُّ الخلق شوقًا إلى الحبيب أقربهم من الحبيب، هذا موسى وقف في محلِّ المناجاة، وحَفَّت به الكرامات، وكلَّمه بلا واسطةٍ ولا جهات، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ كأنه غائبٌ وهو شاهد، ولكنْ ما أزداد القومُ شربًا إلا ازدادوا عطشًا، ولا ازدادوا قربًا إلا ازدادوا شوقًا.
وقال: سأل موسى الرؤيةَ بالكلام فأُجيب: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ بالكلام، وأَسرَّ المصطفى في قلبه ما كان يرجُوه من تحويل القبلة من ربِّه فقيل له: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤].
_________________
(١) في "اللطائف": (المهيَّمين).
(٢) في (أ): "وألف ألف رجل". ولفظ "اللطائف": (آلاف الرجال).
(٣) في (أ): "إذ".
(٤) في (ر) و(ف): "لا يشكر ثم ينكر". ولم ترد هذه العبارة في مطبوع "اللطائف".
(٥) في (أ): "قالوا".
[ ٦ / ٥١٠ ]
وقال: إنه سأل اللَّهَ الرؤية، فقال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، وقال للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] قال له: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] فصار جوابه (لن) من الحقِّ ومن الخَلق؛ ليبقى موسى بلا موسى، ويصفوَ موسى عن كلِّ نصيبٍ لموسى من موسى (^١)، وأنشدوا:
أبَنِي أَبِينا نحنُ أهلُ منازلٍ أبدًا غرابُ البَيْنِ فينا يَنْعِقُ
قال (^٢): والبلاء الذي ورد عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أشدُّ من قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ لأنه صريحٌ في الردِّ، وفي اليأس راحةٌ، وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ هذا إطماعٌ فيما مُنعه، فلما اشتدَّ توقُّعه جُعل الجبل دكًّا، وكان قادرًا على إمساك الجبل، لكنه قهرُ الأحباب، وبه سبَق الكتاب.
وفي قوله: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ بلاءٌ شديد لموسى؛ لأنَّه مُنع عن رؤية مقصوده وأُمر برؤية غيره، ولو أُمر في أن يُغمض عينيه ولا ينظرَ إلى شيءٍ بعده لكان الأمرُ أسهلَ عليه، ولكنه قيل له: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾.
ثم أشدُّ من ذلك أن الجبل أُعطي التجلِّيَ ثم أُمر موسى ﵇ بالنظر إلى الجبل الذي قدِّم عليه في هذا السؤال، وهذا صعبٌ شديد، ولكن موسى ﵇ رضي به وانقاد لحكمه، وفي معناه أنشدوا:
أريدُ وصاله ويريدُ هَجْري فأتركُ ما أُريدُ لِمَا يُريد
_________________
(١) في (ف): "بموسى" بدل: "من موسى"، وليست في (أ)، والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٢) "قال": ليس من (ف).
[ ٦ / ٥١١ ]
وقيل: بل هو لطفٌ به، حيث لم يصرِّح بردِّه، بل علَّله عونًا (^١) له على صبره، وقد قيل (^٢):
فذريني أصبر (^٣) قليلًا قليلًا
ولمَّا مُنع النظرَ رجع إلى رأسِ الأمر فقال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (^٤) يعني: إن لم تكن الرؤية التي هي غايةُ الرتبة فلا أقلَّ من رأس الأمر وهو التوبة.
ثم هذا منه إناخةٌ بعَقْوَة (^٥) العبودية، وشرطُها: ألا تَبرح عن محلِّ الخدمة إنْ حيلَ بينك وبين وجودِ القُربة، لأن القُربة حظُّ نفسك والخدمةَ حقُّ ربك، ولَأَنْ تكونَ بحقِّ ربِّك أتمُّ من أن تكون بحظِّ نفسك (^٦).
* * *
(١٤٤) - ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾: لمَّا قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال اللَّه تعالى له (^٧): يا موسى، إني استخلصتُك على أهل عصرك.
وقوله تعالى: ﴿بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾: يعني: بأنْ أرسلتُك بما أوحيتُ إليك من
_________________
(١) في (أ): "عزمًا".
(٢) بعدها في (ر): "في معناه".
(٣) كذا في النسخ، والذي في "اللطائف": (فذريني أفنى).
(٤) بعدها في (ر): "بقولي".
(٥) العقوة: شجر، وما حول الدار والمحلة. انظر: "القاموس" (مادة: عقى).
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٦٤ - ٥٦٧).
(٧) "له": ليست في (أ) و(ف).
[ ٦ / ٥١٢ ]
الأوامر والنواهي، والوعدِ والوعيد، والأحكام والمواعظ، وبأنْ كلَّمتُك بلا واسطةٍ، وهذا يردُّ قولَ مَن يقول: إن السبعين الذين اختارهم موسى سمعوا كلام اللَّه تعالى؛ لأن في الآية بيانَ الاصطفاء، وهو تنصيص على التخصيص.
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾: أي: التَزِمْ ما أَلْزمْتُك، وقيل: أي: أَقبِلْ على ما أنزلتُه عليك، وقيل: أي: اعمَلْ به.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: إنعامي بهذه الأشياء وغيرِها، بالاجتهاد في الطاعة، وتبليغِ الرسالة، والنصيحةِ للأمة، والصبرِ على أعباء هذه الأمانة.
وقيل: أي: دُمْ على شكرك فقد كان الأنبياءُ كلُّهم شاكرين صابرين.
وقال الإمام القشيري ﵀: فيه تسكينُ قلب موسى بعد منع الرؤية، كأنه قال: إنْ منعتُك شيئًا واحدًا أعطيتُك أشياء؛ اصطفيتُك بالرسالة، وأكرمتُك بشرفِ الحالة، وكلَّمتُك بلا واسطة، فاعرِفْ هذه النِّعمَ واشكر لي (^١) عليها.
وقيل: فيه إشارةٌ لطيفة، كأنه قال: إنْ منعتُك عن مطلوبك، فلا تشكُني إلى قومك بعد رجوعك، وأنشدوا:
إنْ أَعْرضوا فهمُ الذين تَعَطَّفوا كم قد وفَوا فاصْبِرْ لهم إن أَخْلَفوا (^٢)
* * *
(١٤٥) - ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: هي جمعُ لوحٍ، وهو
_________________
(١) في (أ): "والشكر" بدل: "واشكر لي".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٦٨)، والعجز فيه: (وان جنوا فاصبر. . .).
[ ٦ / ٥١٣ ]
الصحيفةُ المهيَّأة للكتابة فيها؛ أي: أنزلنا عليه مع ذلك ألواحًا كُتب له فيها كلُّ شيء، ولأمَّته ما (^١) الحاجةُ إليه في مصالح الدِّين والدنيا، ويراد بـ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ هذا، ويراد به أيضًا تعظيمُ قَدْرِه وتفخيمُ شأنه، كما يقول الرجل: دخلتُ السوقَ فاشتريتُ كلَّ شيء، و: عند فلانٍ كلُّ شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]: إنما هو صفةٌ لسَعة ملكها ووُفور أسباب سلطانها.
وعرّف الألواح بالألف واللام لأنها مشهورة عندهم.
وقيل: هو بمعنى الإضافة، وتقديره: في ألواحه، كما قال: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]؛ أي: مأواه.
وقوله تعالى: ﴿مَوْعِظَةً﴾: هي مفعولٌ له؛ أي: ليكون تحذيرًا عمَّا لا ينبغي أن يُفعل.
وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: تبيينًا.
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾: أي: وقُلنا له: ﴿خذها بقوة﴾ أي: نشاطٍ وجِدٍّ.
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾:
قال ابن كَيْسان: أي: بالفرائض.
وقال قطربٌ: أي: بحسَنها، وكلُّها حَسَن، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: كبيرٌ.
وقال الحسينُ بن الفضل ﵀: وهو أن يكون للكلمة معنيان أو ثلاثة فتُصرفَ إلى أشبهه بالحق، وهو قولُه تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (^٢).
_________________
(١) "ما": من (ف).
(٢) ذكر هذه الأقوال الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٣).
[ ٦ / ٥١٤ ]
وقيل: فيها فرائضُ وفضائلُ، فالأحسنُ الجمع بينهما.
وقيل: أي: بالعزائم دون الرُّخص، وبالأفضلِ الأعلى دون الأنقَصِ الأدنى.
وقيل: أي: فيها بيانُ قصص الأولين وبيانُ أفعالهم، وفيها ذكر المحاسن من الأولياء والمساوئِ من الأعداء، فأُمروا بأن يعملوا بتلك المحاسنِ دونَ المساوئ.
وقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾: قيل (^١): سأُورِدكم يوم القيامة مأوَى الخارجين من الطاعة وهو جهنم، فتحمَدوا اللَّه على ما أنزلكم من الجنة.
وقيل: أي: سأريكم أرضَ الشام التي كانت للجبابرة الفاسقين وأُوْرِثكموها.
وقيل: سأريكم مصر -وهي دار فرعون وقومِه- خاليةً عنهم وأورثُكموها، قاله يمانُ بن رِئابٍ (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: الموعظة: هي التي تحمِل القلوبَ على القبول والجوارحَ على العمل.
وقيل: هي التي تنهَى عمَّا لا يَحِلُّ.
وقال ابن كيسان: هي التي تليِّن القلوب القاسية، وتُدْمع العيون الجامدة، وتصلح الأعمال الفاسدة.
قال: وعندنا: هي التي تذكِّر العواقبَ، وتحمله على العمل بها.
_________________
(١) في (ف): "قال".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٣) عن عطية العوفي، واستدل عليه بقراءة: (سأورثكم)، وهي قراءة شاذة نسبت لابن عباس وقسامة بن زهير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥١)، و"البحر" (١٠/ ٣٠٩).
[ ٦ / ٥١٥ ]
قال (^١): وقوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ دليلٌ على أن الاستطاعة مع الفعل؛ لأنَّها (^٢) لا تبقى زمانين، فلو لم تكن مع العمل لم يكن الأخذُ بقوة.
وقال في قوله ﷿: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: جهنم، ويحتمل أن يكون الخطاب للفسَقة: سأريكم يا أهل الفسقِ داركم (^٣).
وقيل: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾: ما مرُّوا (^٤) عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والماضين.
وقال السدِّي: أي: مصارعَ الفاسقين (^٥).
وقال الحسن: لمَّا أراد اللَّه أن يكتب الألواح لموسى بَعث جبريل إلى جنة عدنٍ، فقطع منها شجرةً فاتخذ منها تسعةَ ألواح، وكانت من زمرُّدٍ أخضرَ طولُ كلِّ لوحٍ عشرةُ أذرعٍ بذراعِ موسى، وكذلك عرضُه، فكَتب التوراةَ وموسى يسمع صريرَ القلم.
وقال مجاهد: كانت من زمرُّدةٍ خضراءَ (^٦).
وقال سعيد بن جبيرٍ: من ياقوت (^٧).
_________________
(١) "قال": ليس من (ف).
(٢) في (ف): "فإنها".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٦ - ٣٨). والقول المنسوب لابن عباس ﵄ رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٤١) عن الحسن.
(٤) في (ر): "يمروا"، والمثبت موافق لما في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٨٣) وعزاه للكلبي.
(٥) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٨٢) بلفظ: (مصارع الكفار).
(٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٦٠).
(٧) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٦٣). لكنه روى قبله عن سعيد بن جُبيرٍ قال: (كانوا يقولون: كانت الألواحُ من ياقوتةٍ، وأنا أقول: إنما كانت من زمرُّدٍ، وكتابُها الذهبُ. . .).
[ ٦ / ٥١٦ ]
وقال أبو العالية: من بَردي (^١).
وقال وهبٌ: قطَعها من صخرةٍ صمَّاء من الجبل الذي كان عليه موسى، وليَّنها اللَّه تعالى وسوَّاها، وكانت الألواح عشرًا وكانت على طول موسى (^٢).
وقال الحسن: فوُضعت الألواح على السماء فشكَت إلى اللَّه تعالى ولم تُطِقْ حملَها، وقالت: يا ربّ! كيف أُطيق أن أحملها، وهلَّا خلقتَ خلقًا يُطيق حملَ ذلك، فبعث اللَّه تعالى جبريل أن يحمل الألواح فيبلِّغها إلى موسى، فلم يُطِقْ حملَها، فقال: يا ربّ، ومَن يُطيقُ حمل هذه الألواح بما فيها من النُّور والبيان والعهود، وهل خلقتَ خلقًا يُطيق حملَ ذلك (^٣)؟! فأمدَّه اللَّه تعالى بملائكةٍ يحملونها؛ بعددِ كلِّ حرفٍ في التوراه ملَكٌ، فحملوها حتى بلَّغوها موسى، فوضعوا الألواح على الجبل فانصَدع الجبل وخشع، وقال: يا رب! مَن يطيق أن يحمل هذه الألواح بما فيها، وقد ضرب اللَّه تعالى لهذا القرآن مثلًا فقال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] كما أنزل التوراة على الجبل فلم يُطق حملها.
وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وِقْرَ بعيرٍ، فلم يقرأها كلَّها (^٤) إلا أربعةٌ: موسى ويوشع وعُزيرٌ وعيسى ﵈ (^٥).
وقال قتادةُ: لمَّا أخذ موسى الألواحَ قال: يا رب، إنِّي أجدُ في التوراة -أي:
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٦٣).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٢)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٨١).
(٣) في (ر) و(ف): "يطيق حملها".
(٤) "كلها": ليس من (ف).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٥٥).
[ ٦ / ٥١٧ ]
الألواح (^١) - أمَّةً هي خيرُ الأمم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمةُ محمدٍ -ﷺ- فقال: يا ربّ، إنِّي أجد في التوراة أمةً سمَّيتَهم المتقين وسمَّيتهم عابدين وصالحين؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ، إنِّي أجد في التوراة أمةً هم الآخِرون السابقون يومَ القيامة؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ، إنِّي أجدُ في التوراة أمةً يأخذون صدقاتها فيأكلونها في بطونهم فيؤجَرون عليها؟ قال: هم أمة محمد، قال يا ربّ، إني أجد في التوراة أمةً هم المستجيبون والمستجابُ لهم؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا رب (^٢)، إني أجد في التوراة أمةً يقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتِلوا الدجَّال؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ (^٣)، إني أجد (^٤) في التوراة أمةً أناجيلُهم في صدورهم؟ فقال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً الجنةُ محرَّمةٌ على الأنبياء حتى يدخلَها نبيُّهم، وعلى الأمم حتى تدخلها أمَّتُه؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً غَفرْتَ لهم قبل أن يَستغفروك، وأعطيتَهم قبل أن يسألوك؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً رضُوا عنك باليسير من الرزق ورضيتَ عنهم باليسير من العمل؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجدُ في التوراة أمةً هم الشافعون والمشفوعُ لهم؟ قال: هم أمة محمد، قال: فاجعلهم أمتي، قال: إنك لن تدركهم، فقال موسى: الوفدُ وفدي والحياءُ لأمة محمد، فاجعلني من أمة محمد، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ الآية، فرضي، وزِيدَ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] (^٥).
_________________
(١) "التوراة أي" ليست في (أ)، "أي الألواح" ليست في (ر).
(٢) "يا رب": ليست في (أ) و(ف).
(٣) "يا رب": ليست في (أ).
(٤) في (أ): "لأجد"، وكذا في المواضع الآتية حتى آخر الخبر.
(٥) رواه مطولًا ومختصرًا عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٣٩) و(٩٤٠)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٥٢ و٤٥٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٦٤). وقال أبو شهبة في "الإسرائيليات =
[ ٦ / ٥١٨ ]
وفي رواية وهب عن كعب فيه زوائدُ؛ قال: أجد أمةً مرحومة؟ قال: هم أمة محمد أُدخلهم الجنةَ بشهادةِ أنْ لا إله إلا اللَّه، قال: إني لأجد أمةً يُحشرون يوم القيامة غرًّا محجَّلين وجوهُهم على صورةِ القمر ليلة البدر؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني لأجدُ أمةً إذا همَّ أحدُهم بحسنةٍ ولم يعملها كُتبت له حسنةً، وإنْ عمِلها كتبت له عشرًا إلى (^١) ضعفِ سبعِ مئة، وإذا همَّ أحدهم بسيئةٍ ولم يعملها لم تُكتب عليه، وإنْ تركها كُتبت له حسنةً؟ قال: هم أمة محمد، قال: إنِّي لأجد (^٢) أمةً يصلُّون في اليوم خمسَ مراتٍ في خمس ساعاتٍ، تُفتح لهم أبوابُ السماء وتنزل عليهم الرحمةُ؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة (^٣) أمةً يصومون لك (^٤) شهر
_________________
(١) = والموضوعات في كتب التفسير" (ص: ٢٠٥): إن آثار الوضع والاختلاق بادية عليه، والسند مطعون فيه، وهي أمور مأخوذة من القرآن والأحاديث، ثم صيغت هذه الصياغة الدقيقة، وجعلت على لسان موسى ﵇. ثم نقل عن ابن كثير قوله: وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولًا غريبًا لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون، وأفاكون وزنادقة. قال: وصدق ابن كثير فيما قال: وأرجح أن يكون من وضع زنادقتهم كي يظهروا الأنبياء بمظهر المتحاسدين، لا بمظهر الإخوان المتحابين. . . قال: ومما يؤيد أنه من وضع الإسرائيليين الدهاة أن نحوًا من هذا المروي عن قتادة قد رواه الثعلبي وتلميذه البغوي عن كعب الأحبار ولا خلاف إلا في تقديم بعض الفضائل وتأخير البعض الآخر. قلت: سيأتي خبر كعب لاحقًا بنحو خبر قتادة مع زيادة عليه. وما ذكره من كون البغوي تلميذ الثعلبي، فهو تلميذ الواحدي -صاحب "البسيط" و"الوسيط"- وغيره من تلامذة الثعلبي.
(٢) في (أ): "في".
(٣) في (ر): "إني أجد في التوراة".
(٤) في (أ) و(ف): "إني لأجد في الألواح".
(٥) "لك": ليس من (ف).
[ ٦ / ٥١٩ ]
رمضان تَغفر لهم ما كان قبل ذلك، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة محمد (^١)، قال: فاجعل لي هذا الشهر، قال: هو لأمة محمد -ﷺ- قال موسى: يا رب! وما شهرُ رمضان؟ قال: شهر اخترتُه لنفسي وأعطيتُ فيه من الفضل لأحمدَ وأمته ما لم أعطِ أحدًا (^٢)، فلو أَذِنْتُ للسماء لشفعت لهم، ولو أَذِنتُ للأرض لشَفعت لهم في ذلك الشهر، ولو أَذنتُ لملائكتي لشفعوا لهم في ذلك الشهر، قال: يا رب، إني لأجد أمةً يحجُّون البيتَ الحرام لا يَقضون منه (^٣) وطرًا، يَعجُّون لك بالبكاء عجيجًا (^٤)، ويَرجُّون بالتلبية رجيجًا (^٥)، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد، قال: يا رب، فما تعطيهم على ذلك؟ قال: أَرُدُّهُم بالمغفرة، وأُشفِّعهم (^٦) فيمَن وراءهم، قال: يا رب، فإنَّ فيهم مَن ليست نفقتُه بزاكيةٍ ولا عملُه بصالح؟ قال: وما علمُك يا موسى، قال: لولا أنك علَّمْتني لم أعلم، قال: يا موسى، أشفِّع بِرَّهم في فاجرهم، قال: يا رب، إني أجد (^٧) أمةً يُحشرون يوم القيامة على ثلاثٍ: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلثٌ يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحَّصون، فتقول الملائكة: يا رب، هؤلاء أصحاب الدماء والأموال والفروج، غيرَ أنهم أهلُ لا إلهَ إلا اللَّه، فتدخلُهم الجنة، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد، قال: يا رب، إني أجد (^٨) أمةً
_________________
(١) في (أ): "أحمد"، وكذا في جميع المواضع الآتية.
(٢) (في) (ر): "لأحد".
(٣) (في) (ر): "فيه".
(٤) في هامش (ف): "العج رفع الصوت بالتلبية".
(٥) في (أ): "ويزجون با لتلبية زجيجًا" وفي (ف): "ويرجون حجيجًا".
(٦) في (ر): "ويشفعون".
(٧) في (أ) و(ف): "لأجد".
(٨) في (أ) و(ف): "لأجد".
[ ٦ / ٥٢٠ ]
سفهاءَ قليلة أحلامهم (^١) يلعنون البهائم ويستغفرون من الذنوب، يرفع أحدهم اللُّقمة إلى فيه فلا تستقرُّ في جوفه حتى تَغفرَ له، يفتتحُها باسمك ويختمُها بحمدك فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد، قال: يا رب، بسطتَ هذا الخير لمحمدٍ وأمَّته، اجعلني من أمة محمد، قال: فقال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ الآية [الأعراف: ١٤٤]، فرضيَ موسى وفي نفسه شيءٌ، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] (^٢).
* * *
(١٤٦) - ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: ويحتمل أنها متصلةٌ بقصة بني إسرائيل، ومعناه: خذوا بأحسنها بجِدٍّ ونشاط فإنِّى أصرفُ عنها المتكبِّرين، فلا تتكبَّروا لئلا تُصرفوا عنها فتضيِّعوها.
ويحتمِل أن يكون هذا كلامًا معترِضًا خلال هذه القصة إخبارًا للنبيِّ -ﷺ- في حقِّ آيات القرآن.
وقال سفيان بن عيينة: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾؛ أي: أَحْرِمُهم فَهْمَ القرآن (^٣).
وقال ذو النُّون: أبى اللَّه أن يُكرم قلوبَ البطَّالين بمكنونِ حكمةِ القرآن (^٤).
_________________
(١) في (ر): "أخلاقهم"، والمثبت من (أ) و(ف)، وفي هامش (ف): "أي: عقولهم".
(٢) رواه بنحوه الثعلبي في "عرائس المجالس" (ص: ٢٨٠ - ٢٨٢)، وفي "تفسيره" (٤/ ٢٨٠)، ومن طريقه البغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٧٩)، ورواه أيضًا أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٣٨٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٤٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٦٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٤) واللفظ له.
(٤) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٤).
[ ٦ / ٥٢١ ]
وقيل: أي: سأمنعهم عن الاعتراض عليها والطعنِ فيها، ويصحُّ ذلك في حق آيات موسى وآيات محمد ﵉، وهي القرآن.
وقيل: أي: سأَصرفهم عن أن يفعلوا ما يَمنع عن إبلاغها، ويصحُّ ذلك في حقِّ موسى ومحمد ﵉، قال تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]؛ أي: لا تُظهر من نفسك ضعفًا.
وقال في حق نبينا محمد -ﷺ-: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
وقيل: هي آياتُ الوحدانية، قال عبد الرحمن بن زيد: سأَصرف قلوبَهم حتى لا يتفكَّروا في خلق السماوات والأرض (^١).
وقال ابن جريج: الآيات خلق السماوات والأرض؛ أي: أصرِفهم عن الاعتبار فيها (^٢).
وقال الحسين بن الفضل: سأصرفهم عن آيات الآفاق حتى لا يتفكَّروا في خلقها ولا يَعتبروا بها، وعن الآيات في أنفسهم حتى لا يَروا فناءها ويُعجبوا بها.
وقال مقاتل: سأصرفهم عن التفكُّر في خلقِ السماوات والأرض وما فيهما من الشمس والقمر والنجوم والبحر والبَرِّ والنبات فيكون لهم عبرةً (^٣).
وفي الآية إثباتُ خلق اللَّه ﷿ الأفعالَ، وإثباتُ أفعال العباد.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يتعظَّمون عن الانقياد للأنبياء طلبًا للعلوِّ والرياسة.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بغير الاستحقاق، وقيل: أي: بغير عملٍ بالحق (^٤).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٤).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٤٣).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٦٣).
(٤) في (ف): "الحق".
[ ٦ / ٥٢٢ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: تكبَّروا على الرسل لأنهم لم يروهم أشكالًا لأنفسهم، وكذا كلُّ مَن تكبَّر على آخَر فإنما يتكبَّر لمَّا لم يره مِثلًا لنفسه، أو لما يَرى نفسه سليمةً عن العيوب ورأى في غيره عيوبًا، أو رأى لنفسه حقوقًا عليه، وإذا كان الخلق كلُّهم أكفاء بعضُهم لبعض وفيهم العيوبُ والحاجات فلا يسعُ أحدًا التكبرُ على أحدٍ، وهو للَّهِ تعالى فإنه لا مِثلَ له وهو منزَّه عن العيوب والحاجات، فلذلك كان له الكبرياء والعظمة بالحق (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾: أي: عنادًا، وكذا (^٢) قالوا: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيل﴾: أي: لأنفسهم فيسلكوه ويَدينوا (^٣) به، وهو من صفة المعاندين (^٤).
والرُّشْد والرَّشَد لغتان؛ كالبُخْل والبَخَل، والسُّقْم والسَّقَم، والحُزْن والحَزَن.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾: أي: لأنفسهم يسلكونه ويَدينون به، وهو صفة المعاندين والمتكبِّرين المذكورِين في أولها.
وقوله تعالى: ﴿ذلكَ بأنهُم كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي: ذلك الصرفُ عن قبول الحق والانقيادِ له بتكذيبهم بآياتنا.
وقوله تعالى: ﴿وكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: غفلةَ إعراض وعنادٍ، لا غفلةَ جهلٍ وسهو (^٥).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٩).
(٢) في (ف): "وكذب".
(٣) في (ف): "لأنفسهم فلا يسلكوه ولا يدينوا".
(٤) "وهو من صفة المعاندين": ليست في (أ) و(ف).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٩).
[ ٦ / ٥٢٣ ]
(١٤٧) - ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: أصل اللقاء: رؤيةُ العين، وهؤلاء كذَّبوا برؤية الآخرة؛ أي: الدارِ الآخرة استبعادًا لها وإحالةً لوجودها، و﴿حَبِطَتْ﴾؛ أي: بطَلت وتلاشَتْ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل هذا وجهين:
يحتمل أنهم كانوا مؤمنين ثم كفروا فحبِطت الطاعات التي عملوها في الإيمان.
ويحتمل أنه أراد به المعروفَ والصنائع؛ من صلةِ الرَّحِم والصَّدَقات والخيراتِ التي عملوا بها في الكفر، حبط ثوابُ ذلك حين لم يؤمنوا (^١).
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: لا يُجزون إلا بما عملوا من الكفر والمعاصي.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ التكبُّرُ: توهُّمُ استحقاقكَ الحقَّ.
ويقال: مَن رأى لنفسه قيمةً في الدنيا والآخرة فهو متكبِّر.
ويقال: مَن ظنَّ أن به شيئًا أو منه أو له أو إليه من النفي والإثبات -إلا على وجه الاكتساب- فهو متكبِّرٌ (^٢).
* * *
(١٤٨) - ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٣٩ - ٤٠).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٠).
[ ٦ / ٥٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: من بعد انطلاقه إلى الطُّور عجلًا؛ أي: أعَدُّوه ليعبدوه، والعجل: ولدُ البقرة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾: جمع حَلْيٍ بفتح الحاء وتسكين اللام، وهي الحِلْيةُ، وهي ما (^١) يُتَّخذ من الذهب والفضة للتنزيين به، والحُليُّ -بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء- جمعُه، وتقديره: الفُعول، والواو صيِّرت ياءً لأنها لا تسلَم معها، وكُسرت اللام لأن الياء أختُ الكسرة، وقد يقال: حِلِيٌّ بكسر الحاء إتْباعًا لكسرة اللام.
﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ إضافة إلى قوم موسى، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]، فأضافها إلى قوم فرعون في آية بحُكم المِلْك، وأضافها إلى قوم موسى في آيةٍ بحُكم العاريَّة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فدل أن العارية يجوز أن تُنسَب إلى المستعير، وفيه دلالةٌ على (^٢) أن مَن حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارًا له عاريةً حَنِث (^٣).
وقوله تعالى: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾: هو بدلٌ عنه وترجمة له ومعناه جسمًا.
وقال الكلبي: جسدًا مجسَّدًا ليس فيه روحٌ وله لحمٌ ودمٌ وشعر.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: أي: صوتٌ، وهو صوت البقر على الخصوص.
قيل: إن السامريَّ احتال بأن جوَّفه وقابَلَ به الريحَ حتى جاء من ذلك ما يُشبه الخوار، وأَوهمهم أنه صار كذلك.
وقيل: بل صار عجلًا له خوارٌ حقيقةً، قال ابن عباس ﵄: كانت فتنتُهم في العشر التي زادها اللَّه تعالى، فلمَّا مضت ثلاثون ليلةً، وكان السامريُّ أخذ
_________________
(١) في (ف): "وهو الحلية وهو مما".
(٢) "على": ليس في (أ).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤١).
[ ٦ / ٥٢٥ ]
قبضةً من أثرِ فرسِ جبريلَ ﵇ في البحر، فقال حين مضى ثلاثون ليلةً: يا بني إسرائيل، إنَّ معكم من حليِّ آل فرعون وهو حرامٌ عليكم، فهاتوا ما عندكم فنُحرقَها، فأَتَوه بها، فأوقد نارًا ثم أَلقى الحليَّ في النار، فلما ذاب ألقى تلك القبضةَ من التراب فيها فصار عجلًا جسدًا له خوارٌ، فخار خورةً واحدة، فقال السامري: إن موسى ذهب يطلب ربَّكم، فهذا إلهُ موسى وإلهُكم فنسي؛ أي: أخطأ موسى الطريقَ وهاهنا إلهُه.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿فَنَسِيَ﴾؛ أي: ترك السامريُّ ما كان عليه من الإسلام.
قال: ولم يكن هو من بني إسرائيل في النسبة إنما كان وقع بمصر فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام، وفي نفسه حبُّ عبادة البقر، واسمه موسى بن ظفر (^١).
وقال السدِّيُّ: جعل العجلُ يمشي كما يمشي العجلُ (^٢)، قال: واسم السامري: ميحا (^٣).
وقال وهب: لم يكن له حركةٌ ولا خطوةٌ، إلا أن الخوار كان يُسمع منه.
وقال أبو هريرة -﵁-: لمَّا قال اللَّه تعالى لموسى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ قال: يا رب! هذا العجلُ اتَّخذه السامريُّ فممَّن كان صوته؟ قال: مني، قال: يا رب! أنت فتنتَ قومي؟ فقال: إنما فعلت ذلك لأنك سلَّمتهم إلى هارون فقلتَ: اخلُفْني في قومي (^٤). وقد بينَّا بعض هذه القصة في سورة البقرة، ونذكُر تمامها في سورة طه إن شاء اللَّه تعالى.
_________________
(١) روى هذه الأقوال عن ابن عباس الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٧٢) و(١٦/ ١٤١).
(٢) قطعة من خبر طويل عن السدي رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٦٧٠) و(١٦/ ١٤٠).
(٣) لم أجده عن السدي، وذكره دون عزوٍ الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٩٤) والبغوي في "تفسيره" (١/ ٩٤)، وعزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٣١٨) للكلبي. وعندهم جميعًا: (ميخا) بالخاء.
(٤) لم أجده عن أبي هريرة، وذكر نحوه مقاتل في "تفسيره" (١/ ١٠٤)، وأبو الليث في "تفسيره" (١/ ٥٦٦).
[ ٦ / ٥٢٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾: وهذا تعجيبٌ من اللَّه تعالى عبادَه من سفَههم، يقول: مَن لا يكون له كلام يخاطِب به، ولا منه هدايةٌ يرشِد بها، كيف يكون إلهًا؟ ثم ليس فيه أنه لو كلَّمهم أو هداهم يجوز أن يعبد، قال ذلك الإمام أبو منصور ﵀.
قال: وقال في سورة طه: ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] ليس فيه أنه لو ضرَّهم أو نفَعهم جاز أن يُعبد؛ ليُعلم أن ذكر (^١) حكم الحظر في حالٍ لا يُوجب إباحةَ ذلك في حالة أخرى (^٢).
وهو معنى قول مشايخنا ﵏: تخصيص الشيء بالذكر لا يدلُّ على نفي ما عدَاه.
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾: أي: اتَّخذوه معبودًا، وكانوا ظالمين أنفسَهم وضارِّين لها بذلك، وواضعين العبادةَ غيرَ موضعها، والظلم يفسَّر بذلك كله.
* * *
(١٤٩) - ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾: أي: ندموا، وأصله: أن مَن ندِم وَضع ذقنَه في يده، فالذقن ساقطٌ واليد مسقوطٌ فيها، وليس ذلك لتعدِّي الفعل، لكنَّ طريقَه طريقُ قولك: جلس زيد على البساط، فالبساط محلُّه، ويجوز أن يقال: جُلس على البساط، فيجوز أن يقال: وسُقِط في اليد.
_________________
(١) "ذكر": ليس في (أ) و(ت).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٢).
[ ٦ / ٥٢٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾: أي: علِموا، وهو من رؤية القلب.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾: قرأ حمزة والكسائي بتاء الخطاب فيهما ونصبِ الباءِ من ﴿رَبُّنَا﴾ على النداء؛ أي: تابوا ودَعوا ربهم فقالوا: يا ربنا إن لم ترحمنا وتغفر لنا.
وقرأ الباقون بياء المغايبة فيهما ورفعِ الباء من ﴿رَبُّنَا﴾ (^١) على أنه فاعلٌ بفعله وهو ﴿يَرْحَمْنَا﴾ وعُطف عليه: ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي: الهالكين المغبونين (^٢) في الدنيا والآخرة.
وقال القشيري ﵀: قوله: ﴿لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ فيه إشارةٌ إلى مخاطبته ﷾ عبيدَه، وأن ملوك الخلق إذا جلَّت رتبتُهم أَنفوا من (^٣) مخاطبةِ خدمهم بلسانهم، قال قائلهم:
وما عَجَبٌ تَنَاسى ذكر عبدٍ على المولَى إذا كثُرَ العبيدُ
واللَّه تعالى بخلافِ هذا أجرى سنَّته مع عباده الأولياءِ والأعداء؛ فأما الأعداءُ فإنه يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وأما الأولياء فقد قال -ﷺ-: "ما من أحدٍ إلا ويكلِّمه ربُّه ليس بينه وبينه تَرْجمانٌ" (^٤) وأنشدوا:
وما يَزْدَهينا الكبرياءُ عليهم إذا كلَّمونا أنْ نُكَلِّمَهُم نزرا (^٥)
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٤)، و"التيسير" (ص: ١١٣).
(٢) في (ر): "المفتونين"، وليست في (ف).
(٣) في (ف): "عن". ولفظ "اللطائف": (استنكفوا أن يخاطبوا).
(٤) رواه البخاري (٦٥٣٩)، ومسلم (١٠١٦)، من حديث عدي بن حاتم -﵁-.
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧١).
[ ٦ / ٥٢٨ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش
المجلد السابع
دار اللباب
[ ٧ / ١ ]