(١٥٠) - ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾: أي: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى﴾ من الطور ﴿إِلَى﴾ بني إسرائيل الذين استخلَف عليهم هارونَ وقد أخبره اللَّه تعالى بما كان من ﴿قَوْمِهِ﴾ من عبادة (^١) العجل بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] رجع ﴿غَضْبَانَ﴾ من ذلك ﴿أَسِفًا﴾ متأسِّفًا على ما كان منهم.
وقال ابن عباس ﵄: حزينًا. وقال أبو الدرداء: شديد الغضب (^٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾: هي كلمة ذمٍّ؛ أي: ساء ما عملتُم خَلْفي بعد غيبتي، يقال: خَلَفه في أهله بخيرٍ وبسوء، وقد كان قال لهارون ﵇: ﴿اخْلُفْنِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وهاهنا قال: ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ لأنه كان يجب على كلِّ واحدٍ منهم أن يَحوط (^٣) صاحبه ويحميَه عن الضلال.
_________________
(١) في (ف): "عبادتهم".
(٢) رواهما الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٥٠).
(٣) في (أ): "يحفظ".
[ ٧ / ٥ ]
وقال الإمام أبو منصور -﵀-: رجع ﴿غَضْبَانَ﴾ للَّه على قومه بعبادتهم العجلَ ﴿أَسِفًا﴾؛ أي: حزينًا على قومه بما يَلحقُهم من العقوبة بذلك، وكذا ينبغي لكلِّ مؤمنٍ أن يغضبَ للَّهِ تعالى إذا رأى ارتكابَ منكرٍ ويتأسَّفَ على ما ينال العُصاة، وقد قال اللَّه تعالى في حقِّ نبيِّنا -ﷺ-: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، فدل على حزنه وتأسُّفه على ذلك.
وقال في قوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾: له وجهان:
الأول: بئسما اخترتُم من عبادتكم العجلَ على عبادة اللَّه تعالى.
والثاني: بئسما اخترتُم اتِّباعَ (^١) السامريِّ إلى ما دعاكم إليه بعد اتِّباعكم إياي وأخي رسولَ اللَّه هارونَ، وأمرِنا إياكم بعبادة اللَّه تعالى (^٢).
وقوله تعالى: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ قيل: أي: أسبَقتم أمرَ ربِّكم؛ أي: عبدتُم العجل قبل أن يأتيَ به أمر من اللَّه تعالى؛ أي: لو كان هذا مما يجوز أن يُفعل تقرُّبًا إلى اللَّه لأمَر اللَّه ﷿ به، فلِمَ فعَلْتُموه قبل أن يأتي به أمر (^٣).
وقيل: أي: أعجِلتم وعدَ ربِّكم، فقد قال في سورة طه: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦].
قال الحسن: كان موسى صلوات اللَّه عليه واعَدَهم ثلاثين ليلةً، فلما مضت الثلاثون ولم يرجع قدَّروا أنه قد مات (^٤).
_________________
(١) في (ف): "بئسما اخترتم من عبادتكم العجل اتباع"، وعبارة "التأويلات": (بئسما خلفتموني باتباعكم).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٤).
(٣) ذكر نحو هذا الواحدي في "البسيط" (٩/ ٣٦٩) و"الوسيط" (٢/ ٤١٢)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٨٤)، والرازي في "تفسيره" (١٥/ ٣٧١)، وعزوه للكلبي، ولا حاجة لمثل هذه الأقوال، فكيف يُتخيل ولو على سبيل الافتراض أن يأمر اللَّه سبحانه بعبادة العجل.
(٤) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٦٣)، والواحدي في "البسيط" (٩/ ٣٦٩)، والبغوي =
[ ٧ / ٦ ]
وقيل: كان واعَدَهم أربعين ليلةً، ولكن عدُّوا عشرين يومًا وعشرين ليلةً وقالوا ذلك.
وقيل: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: وعْدَ ربِّكم بالثواب على عبادته حتى عدَلتُم إلى عبادة غيره.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾: جاء عن قومٍ من المفسِّرين: فطرحها على الأرض غضبًا، فرُفع (^١) منها كذا وبقي كذا.
وقال ابن عباس -﵄-: كُسِر منها لوحان فتطايرا في السماء بما فيهما من النور والبيان (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لكن لا يجوز أن يُفهَم من قوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ طَرْحَها لا غير، ألَا ترى أنه قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل: ١٥] ليس يفهم منه الطرحُ، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، إذ لا (^٣) يُظن بموسى ﵇ ذلك؛ لأنَّه يُشبه الاستخفافَ، لكن يُفهم منه الوضعُ لأنه قصَد أَخْذَ (^٤) رأسِ أخيه، فكان لا يمكنه أخذُه مع أن الألواح في يده، فوضعها ثم أخذ ذلك (^٥).
_________________
(١) = في "تفسيره" (٣/ ٢٨٤)، والرازي في "تفسيره" (١٥/ ٣٧١).
(٢) في (أ): "فوقع"، وفي (ف): "فرجع".
(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وروى عنه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٥٦) أنه قال: (ألقى موسى الألواح فتكسرت، فرفعت إلا سدسها).
(٤) في (ر): "ولا" بدل: "إذ لا".
(٥) "أخذ": ليست في (أ).
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٥). ولهذا الكلام وجه، لكنه لم يبين أنه إذا كان المعنى كذلك فلمَ قال سبحانه: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ ولم يقل مثلًا: ووضع الألواح، أو: وترك الألواح؟ فلا بد أن يكون لاستعمال لفظ الإلقاء دون غيره علة لا تتحقق بغيره.
[ ٧ / ٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾: قيل: فعَل ذلك ليناجيَه وليسأله عن السبب الذي وقعوا في ذلك لأجله، وعن الذي منعه عن زجرهم وقتالهم عليه، فتصوَّر عند هارون أنه لغضبه ومؤاخَذته عليه يأخذ لحيته ورأسه يعاقبُه به، فلذلك قال: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ فيتوهَّمَ القوم أنك عاقَبْتني من غير ذنبٍ كان لي فاسمع عذري (^١).
وقيل: إنما فعل ذلك لا تغضُّبًا عليه متعنِّفًا، بل كما يفعله المتوجِّع للمصيبة بالحادث على قومه كما هو عادةُ أهل المصيبة، فإن كثيرًا من الناس يتعلَّق الواحد منهم عند المصيبة برقبةِ مَن يَحلُّ منه محلَّ المصاب، ويجعلُ الآخرُ يده في رقبته أيضًا (^٢).
قال الإمام أبو منصور -﵀-: ذكَر في هذه السورة: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾، وفي سورة طه دليلٌ على أنه أخذ برأسه ولحيته جميعًا؛ لشدة غضبه للَّه تعالى على صنيع (^٣) قومه.
قال: وفيه دليل أنه أخذ شعرَ رأسه؛ لأنَّه قال: ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾، ولو أَخذ عينَ رأسه لم يَحتجْ إلى جرِّه، ودلَّ ذلك على أن مَن مسح رأسَه فوق الشعر ثم زال شعرُه لم
_________________
(١) كذا ذكر المؤلف هذا القيل، وكأن قائله لم يقرأ الآية، فإن الذي ذكر الأخذ بالرأس والجرَّ هو اللَّه سبحانه لا هارون ﵇، وهل يقال فيمن أراد أن يناجي آخر ويسأله عن أمر: إنه أخذ برأسه يجره إليه؟ وقول هارون: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ إنما هو تأكيد للأخذ بالرأس مع بيان الأخذ اللحية كذلك، ولعله اكتفى بذكر الرأس هنا لأن اللحية منه.
(٢) في (أ): "رقبته في يده" بدل: "يده في رقبته أيضًا". وليس هذا القيل بأحسن من سابقه، فإننا لو سلمنا ما ذكر من أنه عند المصيبة يأخذ كل واحد برقبة الآخر، فإن الأخذ هنا بالرأس لا بالرقبة، ثم أين يذهب صاحب هذا القيل بقوله: ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾؟ فهل يحدث مثل ذلك أيضًا عند المصيبة، بأن يأخذ كل واحد برأس من يشاركه في المصيبة ويجره إليه؟!
(٣) في (أ): "صنع"، وفي (ف): "ما صنع".
[ ٧ / ٨ ]
يسقط عنه حكمُ المسح كما قال أصحابنا، وإذا مسح على لحيته ثم سقطت (^١) زال حكمُه ووجب غسلُ ذقنه، لما سمَّى الشَّعرَ رأسًا وسمَّى اللحية لحيةً، فسقوطُها يُسقط حكمَ المسح وسقوطُ شعر الرأس لا يُسقط.
قال: ودلَّت الآية على أن الأنبياء كانوا يعملون بالاجتهاد كما كانوا يعملون بالوحي، فإن موسى أخذ برأس أخيه بالاجتهاد إنكارًا على هارون تَرْكَ النكير على قومه، ولو كان بالوحي لم يقل له هارون: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ (^٢)، وهارونُ أيضًا عمِل ما عمِل مع قومه بعد عبادتهم العجلَ بالاجتهاد لا بالوحي، ولهذا اعتذر عنه وقال: ﴿خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ولو فعل شيئًا بالأمر لم يَعتذر منه إلى موسى (^٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وابن عامر وعاصمٌ في رواية أبي بكر بكسر الميم، وأصله: يا ابن أمي، وحُذفت الياء تخفيفًا لكثرة الاستعمال في النداء، كما في قوله: (يا قوم) وقرأ الباقون: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ بالفتح (^٤).
وقيل: كثُر استعمال هاتين الكلمتين فصارلَا كاسمين جُعلا اسمًا واحدًا، فبُنيا على الفتحة كما في حضرَموتَ وبعلَبكَّ وخمسةَ عشرَ.
وقيل: أصله: يا ابن أمَّاه، على النُّدبة، وسقطت الهاء والألفُ تخفيفًا.
وهذا (^٥) قول هارون لموسى ﵉، ومعناه: يا أخي، وكان أخاه لأبيه وأمِّه وإنما خصَّ الأمَّ استعطافًا؛ لأن ذكر الأمِّ يوجب ذلك.
_________________
(١) في (ر): "ثم زالت لحيته"، والمثبت موافق لما في "التأويلات".
(٢) "بلحيتي": ليست في (أ) و(ف).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٥ - ٤٦).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٥)، و"التيسير" (ص: ١١٣).
(٥) في (ف): "وهو".
[ ٧ / ٩ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾: أي: لم يَهابوني ولم يَستحُوا مني (^١) ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾: لكثرتهم وغلبتهم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾: أي: لا (^٢) تَسُرَّ المخالفين بما يَسوؤني؛ إذ لا شكَّ أنهم كفروا بعبادة العجل، والكافرُ يفرح بمَساءة المؤمنين، خصوصًا بوقوع التشاجُر بين أخوين رسولين؛ لِمَا في التبايُن من وقوع الوهن في الأمر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: في عدادِ هؤلاء القومِ الذين ظلموا أنفسَهم بعبادةِ العجل ووَضْعِ العبادة في (^٣) غيرِ موضعها، فأكونَ مثلهم في موجِدتك وغضبك علينا.
* * *
(١٥١) - ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾: ولمَّا سمع موسى عذرَ هارون ﵉ عرفَ أنه لم يكن منه تقصيرٌ، كفَّ غضبه ودعا لنفسه وله، فقال: ربِّ اغفر لي بما فعلتُه بأخي مما أَوهم ظاهرُه كثيرًا من الناس أنه كان موجدةً (^٤) مني عليه وعقوبةً له، واغفر لأخي تقصيرَه إن (^٥) كان منه شيءٌ من ذلك، وإن كان قد بذل جهده في الوعظ والإرشاد للقوم، وكذا ينبغي للكامل الموقَّر أن يستقصِر نفسَه فيما يجب للَّه عليه، فأولى الناس بهذه الحالة الأنبياء ﵈.
_________________
(١) في (ف): "فلم يستحيوا".
(٢) "لا": ليست في (أ).
(٣) "في": ليست في (ف).
(٤) في (أ): "موجوده".
(٥) في (ر): "إنه".
[ ٧ / ١٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾: أي: أدخلنا في جملةِ مَن ترحمهم وتُدخلهم الجنة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ترضَى بيَسير الشكر عن عظيم النِّعَم، وتقبلُ العذر الواحد في حق ذنوبٍ كثيرة.
قال الكلبيُّ ﵀: لمَّا رجع موسى إلى قومه رآهم حول العجل يرقصون ويعبدونه، فقال: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ﴾ بعبادةِ العجل قبل أن يأتيَكم أمرٌ من ربِّكم ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ وكان أخاه من أبيه وأمِّه، لكنه قال ذلك ليرفقه عليه ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ قهَروني وهمُّوا بقتلي ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ عبدةَ العجل ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا العجل ﴿قَالَ﴾ موسى: يا ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعتُ بأخي (^١) ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾؛ أي: نعمتك.
* * *
(١٥٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾: أي: معبودًا ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾؛ أي: سيصيبُهم ﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: إرادةُ عقوبةٍ لا عفوَ معها.
قيل: قال اللَّه تعالى ذلك لموسى قبل أن يتوب القومُ بقتلهم أنفسَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: قتلُهم أنفسَهم بأيديهم فإنه هوانٌ وقُبلت به توبتُهم.
_________________
(١) في (ف): "وأخي".
[ ٧ / ١١ ]
وقيل: هذا في حقِّ الذين لم يَقبلوا قتلَ (^١) أنفسهم بأيديهم فلم يتوبوا، وأُشربَ في قلوبهم حبُّ العجل، فالغضبُ -وهو الانتقام- في الآخرة لهم، ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أَخْذُ الجزية، قاله الحسن (^٢)، ويدلُّ عليه ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣].
وقال مكحولٌ: قال موسى ﵇: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآيةَ، فقال اللَّه تعالى: صدَق عبدي موسى.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾: أي: الكاذبينَ، وقال ابن عباس ﵄: هذه الآية في أهل عصر النبيِّ -ﷺ- الذين تولَّوا آباءهم الذين فعلوا هذا، لهم عذابُ النار في العُقبى وأخذُ الجزية في الدنيا (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل قولُه: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ذمَّهم بصنيعهم (^٤)، وثناءَ الشرِّ عليهم (^٥).
والمفترُون: الكاذبون، وقد كذَبوا في تسميتِهم العجلَ إلهًا ومعبودًا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قوله: ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ هذه السينُ للاستقبال، ومَن لا يضرُّه عصيانُ العاصين لا يبالي بتأخير العقوبة عن الحال، ولكن يكون للإمهال لا للأهمال، ولا ينبغي لمن ألمَّ بذنب ثم لم يؤاخَذ (^٦) به أن يَغترَّ بالإمهال (^٧).
_________________
(١) في (ف): "لم يقتلوا".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٦)، والواحدي في "البسيط" (٩/ ٣٧٩)، عن ابن عباس ﵄.
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
(٤) في (ف): "بصنعهم".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٧).
(٦) في (ف): "يؤخذ".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٣).
[ ٧ / ١٢ ]
(١٥٣) - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ يتناول عبادةَ العجل وغيرَ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: أي: بعد التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ذكَر الإيمانَ بعد التوبة، والإيمانُ الذي هو بعدها يحتمِل أنهم آمنوا بأنه يَقبل التوبة، أو آمنوا بأن الحقَّ ﷻ لا يَضرُّه عصيان، أو آمنوا بأنهم لا ينجُون بتوبتهم من دون فضل اللَّه ﷿، أو آمنوا؛ أي: عدُّوا ما سبَق منهم من نقض العهد شركًا فآمنوا من الرأس، أو استداموا الإيمان، أو آمنوا بأنهم لو عادوا إلى ترك العهد وتضييعِ الأمر لسقطوا عن عين اللَّه تعالى إذ ليس كلَّ مرةٍ تسلَمُ الجرَّةُ (^١).
* * *
(١٥٤) - ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾: أي: سكَن، ولما كان الغضبُ بفَورته دالًّا على ما في النفس للمغضوب عليه، كان بمنزلة الناطق بذلك، فإذا سكنَت تلك الفَورة كان بمنزلة الساكت عما كان متكلِّمًا به.
وقال عكرمة: أي: سكت موسى عن الغضب، على القلب (^٢).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٤).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٣٨٢).
[ ٧ / ١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾: وقد كان وضَعها ليتفرَّغ لِمَا قصَد له لا رغبةً عنها، فلما فرغ عاد إليها فأخذها.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾: أي: وفيما نُسخ له فيها من اللوح المحفوظ، والنسخ: النقل، ومنه: نسخُ الحُكم، ونسخ الشمسِ الظلَّ، فيقتضي نقلَ مكتوبٍ من أصلٍ إلى آخر، وقد يُطلق على الكتابة وإن لم يكن من أصلٍ آخرَ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾ [الجاثية: ٢٩] فعلى هذا يكون معناه: وفيما كُتب فيها هدى ورحمة.
وعن ابن عباس ﵄: أن ما انكسر منه أُعيد له في لوح آخر.
وعن عمرو بن دينار قال: صام موسى ﵇ أربعين يومًا فأُعطي الألواح، فلما ألقاها وتكسَّرت صام مثلَها فأُعيد له مثلُها (^١)، وقد بينَّا ما في أصل هذا الكلامِ من الخلل.
وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾: أي: يخشَون اللَّه تعالى، فيأخذون بهداه ويَقبلون ما فيه لينالوا رحمته.
وإنما قال: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ولا يجوز: يرهبون لربهم؛ لأن المفعول إذا تقدَّم ضعُف عملُ الفعل فيه، فصار كالذي لا (^٢) يتعدَّى في دخول اللام عليه، وهو كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
وقيل: هو في معنى: مِن أجْلِ، ويجوز فيه اللام تقدَّمَ أو تأخَّرَ، كما قال تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾؛ أي: وفيما انتَسخ بنو إسرائيل
_________________
(١) ذكر القولين الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٧)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٨٥).
(٢) "لا": من (أ) و(ف).
[ ٧ / ١٤ ]
من الألواح ﴿هُدًى﴾ من كلِّ ضلالةٍ، وبيانٌ من كلِّ عمًى وشبهةٍ، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من كل غضبٍ ولعنة، ﴿لِلَّذِينَ﴾ يخشون ربهم فيعملون به (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ يشير إلى حُسن إمهال اللَّه العبدِ إذا تغيَّر عن حاله وغلَب عليه ما لا يُطيق، وإذا كان الأنبياءُ صلوات اللَّه عليهم يَغلبهم ما يَصرفهم عن الاختيار فكيف الظنُّ بمَن دونهم (^٢).
* * *
(١٥٥) - ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: أي: من قومه، ونزعُ الخافض جائزٌ، وإذا نُزع نُصب الاسم، وقال الشاعر:
ومنَّا الذي اختيرَ الرِّجالَ سماحةً وجُودًا إذا هبَّ الرياحُ الزعازعُ (^٣)
أي: من الرجال، وقيل: ﴿قَوْمَهُ﴾ نصبٌ بوقوع ﴿وَاخْتَارَ﴾ عليه.
ثم قوله: ﴿سَبْعِينَ﴾ بدلٌ عنه، وهو بدلُ البعضِ من الكلِّ، كما في قولك: ضربتُ زيدًا رأسه.
وقال الكلبي ﵀: اختار موسى سبعين رجلًا لينطلقوا إلى الجبل معه،
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٨).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٤).
(٣) البيت للفرزدق، وهو في "الجمل" للخليل (ص: ١٢٢)، و"الكتاب" لسيبويه (١/ ٣٩)، و"شرح نقائض جرير والفرزدق" لأبي عبيدة (٣/ ٨٢٢)، و"الكامل" للمبرد (١/ ٣٢)، و"تفسير الطبري" (١٠/ ٤٧٢).
[ ٧ / ١٥ ]
فلم يُصِبْ إلا ستين شيخًا، فأوحى اللَّه تعالى إليه أن يختار من الشبان (^١) عشرةً، فاختار فأصبحوا شيوخًا، فاختار من كلِّ سبطٍ ستةَ رهطٍ فصاروا اثنين وسبعين، فقال لهم موسى: إنما أُمرتُ بسبعين رجلًا فليتخلَّف منكم رجلان، فتشاحُّوا على ذلك، فقال: إنَّ لمن قعد مثلَ أجرِ مَن خرج، فقعد رجلان أحدهما كالوب بن يوقنا والآخر يوشع بن نون، وخرج موسى بالسبعين معه إلى الجبل، وأمرهم أن ينتظروا في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبلَ، وذكر ما كان إلى أن رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا مع السبعين، فلما رأى السبعون أن بني إسرائيل اتَّخذوا العجل أتوا موسى فقالوا: إن لنا عليك حقًا فأرِنا اللَّه جهرة، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن (^٢) آخرهم، فظنَّ موسى أنهم احترقوا بخطيئةِ أصحاب العجل، فقال: يا رب ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾، فذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وقولُه (^٣): ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] (^٤).
وعن ابن عباس ﵄ بخلافه؛ قال: إن اللَّه تعالى أمَره أن يختار من قومه سبعين رجلًا، فاختارهم وبرز بهم ليدعُوا ربَّهم، فكان ممَّا (^٥) دعَوا اللَّه تعالى أن قالوا: اللهمَّ أعطِنا ما لم تُعطِ أحدًا من (^٦) قبلِنا، ولا تعطيه (^٧) أحدًا بعدنا، فكرِه اللَّه
_________________
(١) في (أ) و(ف): "الشباب".
(٢) في (أ) و(ر): "فاحترقوا من عند".
(٣) " ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وقوله": من (ف).
(٤) ذكره بنحوه أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (١/ ٥٦٨) عن ابن عباس، والثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٨) عن الكلبي، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٦٨) عن ابن إسحاق.
(٥) في (أ) و(ر): "فكانوا فيما".
(٦) "من": ليست في (أ) و(ف).
(٧) في (ف): "تعطه".
[ ٧ / ١٦ ]
تعالى ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة (^١)، فقال موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية (^٢).
وقيل في قوله: ﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ في هذه الآية: إن اللَّه تعالى وقَّت لموسى وقتًا يأتيه فيه بسبعين رجلًا من خيَار بني إسرائيل ليَعتذروا مما كان من القوم من عبادة العجل، وهذا في (^٣) غير الميقات المذكور في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فلمَّا خرج موسى معهم وكانوا في أسفل الجبل كان ما ذُكر في هذه الآية، وهو قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: أي: زلزلةُ الجبل، وقيل: زلزلةُ أبدانهم فماتوا.
ثم ليس في هذه الآية بيانُ سببها، واختُلف فيه:
قيل: هو بقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] وهي نارٌ محرِقةٌ فيها صوت فرجَفوا بصوتها، فالصاعقةُ والرَّجفة واحدةٌ، وإنما أُحرقوا (^٤) بها لكفرهم بقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ لا بسؤالِ الرؤية، أو بسؤال الرؤية جهرًا (^٥)؛ أي: مقابَلة، وهي تشبيهٌ وهو كفر، فأما أصل الرؤية فهو ثابت وليس فيه مقابَلة.
وقيل: أخذتهم الرجفة بسؤالهم ما لم يؤذَنْ لهم فيه (^٦)، وهو ما رَوينا في حديث ابن عباس ﵄: أعطنا ما لم تعطه أحدًا قبلنا، ولا تعطه أحدًا بعدنا.
_________________
(١) في (ر): "الصاعقة".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٩).
(٣) "في": من (أ).
(٤) في (أ): "احترقوا".
(٥) في (أ): "جهرة" وليس فيها: "أو بسؤال الرؤية".
(٦) في (ف): "به".
[ ٧ / ١٧ ]
وقيل: بل ادَّعَوا عند اللَّه على موسى أنه قتل هارون.
وقيل: بل كانوا من عبَدة العجل، وموسى لم يعلم بذلك.
وقيل: لم يكونوا عبدوا العجل، ولكنهم لم يفارقوهم (^١) ولم ينكروا عليهم.
وفي حديث وهب خلافُ هذا كلِّه، وأنَّ أَخْذ الرجفة لم يكن عقوبةً بل هيبةً، وهم خيارٌ ليسوا بجُناة.
قال وهب: إن بني إسرائيل قالوا لموسى ﵇: إن طائفة يزعمون أن اللَّه تعالى لا يكلِّمك، ولو كلَّمك ما قمتَ لكلامه، ألم ترَ أن طائفة منا سألوه النظر إليه فلمَّا سمعوا حسَّ جنوده ماتوا، أفلا تسأله أن يُحضركَ طائفةً منا حتى يكلِّمك فيسمعوا كلامه فيؤمنوا وتذهبَ التُّهمة، فأوحى اللَّه تعالى إلى موسى: أن اختَرْ من خيارهم سبعين، ثم ارْتَقِ بهم إلى الجبل أنت وهارونُ، واستخلِفْ على بني إسرائيل يوشعَ، فاستخلَف عليهم كما أمره اللَّه تعالى.
ثم انطلق بهم إلى رأس الجبل، فنزل الغمام (^٢) فأَلبس الجبل كلَّه، فلمَّا رأوا ما فيه من الهيبة أخذتهم الرعدة (^٣) وقَلِقوا ورجَفوا حتى كادت تَبينُ منهم مفاصلُهم وتُنقَضُ ظهورهم، فلما رأى ذلك موسى صلوات اللَّه عليه رَحِمَهم وهم يومئذٍ أحياءٌ، فدعا اللَّهَ لهم وقال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ وخاف عليهم الموتَ، واشتدَّ عليه فَقْدُهم، وكانوا له وزراءَ على الخير سامعين مطيعين، فعند ذلك قال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ فكشف اللَّه عنهم تلك الرجفةَ والرعدةَ، فسكَنوا واطمأنُّوا وسمعوا كلام اللَّه تعالى موسى، وكانوا عليه شهداء وانصرفوا (^٤).
_________________
(١) في (ف): "يوافقوهم".
(٢) "الغمام": ليس في (أ).
(٣) في (ر): "الرجفة".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
[ ٧ / ١٨ ]
وهؤلاء السبعون غيرُ السبعين الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] أولئك أحرقتهم الصاعقة ثم بُعثوا، وهؤلاء أخذتهم الرعدةُ ثم كشفت عنهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا ندري مَن أولئك السبعون (^١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾: وقال مقاتل بن سليمان: وبقي موسى يبكي ويقول: يا رب! ما أقولُ لبني إسرائيل إذا رجعتُ إليهم وقد أهلكتَ خيارَهم؟ لو شئتَ أمتَّهم وإياي معهم من قبلِ أن يَصْحَبوني (^٢).
وقيل -وهو قول ابن عباس ﵄-: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ بما كان منهم وإياي بقتلِ القِبْطي (^٣).
وقوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ قال ابن عباس ومقاتل ﵄: أي: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ عقوبةً ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾؛ أي: الجهَّال، وهم أصحاب العجل، ظنَّ موسى ﵇ أنهم إنما عذِّبوا باتخاذ بني إسرائيلَ العجلَ (^٤).
وإنما قال: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ على معنى: أن إهلاك (^٥) هؤلاء إهلاكٌ لي ولبني إسرائيل لأنهم خِيَارُنا.
وقيل: لا يجوز أن يَظنَّ موسى ﵇ أن هؤلاء أُهلكوا بفعلِ غيرهم؛ لأنه عَلم أن أحدًا لا يؤاخَذُ بذنبِ غيرِه، وقد بيَّن ذلك في كتابه، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٨]،
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٤٩).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٦٦). ورواه الطبري (١٠/ ٤٦٨) عن السدي.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٩) عن وهب، وهو تتمة الخبر الذي تقدم قريبًا عنه.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٦٦).
(٥) في (ف): "هلاك".
[ ٧ / ١٩ ]
لكن (^١) معنى قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾: أن هذا استفهامٌ بمعنى النفي كما في قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]؛ أي: إنك لا تهلكنا بما فعَل (^٢) السفهاء، وقد ذكر قبله: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ ومع ذلك لم تفعل، وذلك فضلٌ منك، ثم قال: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾؛ أي: لا تُهلكنا بفعلِ السفهاء، وهذا عدلٌ منك.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: أي: ما هي إلا فتنتُك (^٣)، قال ابن عباس ﵄: أي: بليَّتُك (^٤). وقال الكلبيُّ: عذابُك (^٥).
وقال الربيع بن أنس ومقاتل: بلاؤك (^٦). وهو كقول ابن عباس ﵄.
وقيل: هو راجع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ فقال موسى: هي (^٧) تلك الفتنة التي أخبرتَني بها، وهي ابتلاءُ اللَّهِ تعالى عبادَه بما شاء، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾: أي: مَن قال: اختارهم ثم أهلكهم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: مَن قال: إن اللَّه لا يعذِّب أحدًا من غيرِ ذنب.
_________________
(١) في (ر): "وليس"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب. انظر: "البسيط" (٩/ ٣٩٠).
(٢) في (ف): "بفعل" بدل: "بما فعل".
(٣) "أي: ما هي إلا فتنتك": ليس في (أ) و(ف).
(٤) رواه أبو صالح عن ابن عباس بلفظ: (بلاؤك). انظر: "زاد المسير" (٣/ ٢٦٩). ورواه بلفظ المؤلف الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٧٧ - ٤٧٨) من قول أبي العالية وسعيد بن جبير والربيع بن أنس. والمعنى واحد كما سيأتي.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٧٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٧٥)، عن ابن عباس.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٦٦). ورواه الطبري (١٠/ ٤٧٨) عن الربيع بلفظ: (بليتك) كما ذكرنا قريبًا.
(٧) في (ر): "هل".
[ ٧ / ٢٠ ]
وقيل: ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾: بالفتنة ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾: مَن علمتَ منهم اختيارَ الضلال، وقوله: ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾: مَن علمتَ منهم اختيارَ الهدى.
وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: أي: متولِّي مصالحِ دِيننا ودُنيانا.
وقوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: تُمْهِلُ ولا تعاجِل، وتغفر الذنب الكثير (^١) بالعُذر اليسير، ثم تجود بالعطاء الجزيل الكثير (^٢).
قال الإمام القشيري ﵀: هم قومٌ اختارهم موسى ونحن قومٌ (^٣) اختارنا اللَّه تعالى، قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وشتَّان بين قومٍ وقومٍ، أولئك قوم قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ ونحن قوم يقول اللَّه تعالى لنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] (^٤).
* * *
(١٥٦) - ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: أي: أَثْبت لنا نعمةً، وذكر الكتابة لأنها أدوم.
وقيل: أي: وفِّقْنا في الدنيا للحسنات التي تكتبُها لنا الحفظة.
_________________
(١) في (أ): "الكبير".
(٢) في (أ) و(ف): "الكبير".
(٣) في (ف): "أمة".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٥).
[ ٧ / ٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: أي: فيها حسنةً أيضًا؛ كما قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: تُبنا إليك (^١)، وأصله الرجوع.
وقيل: أي: مِلنا إليك، وليست اليهودية مشتقَّةً منه، فإنها (^٢) اسمُ ذمٍّ والهَود صفةُ مدحٍ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ الآية [آل عمران: ٦٧]، فنفى الاسم عنه، لكنها مشتقَّةٌ من يهوذا، نُسبوا إليه وغيَّرت العرب الذال في النسبة دالًا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ جوابُ قول موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ ومعناه: أصيبُ بالعذاب مَن أشاء أن أصيبَه به (^٣)، وهو الذي أشاء منه الكفرَ والمعصية، وهو الذي أَعلمُ منه اختيارَ (^٤) ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: ما من مسلمٍ ولا كافرٍ إلا وعليه من آثار رحمته في الدنيا، وبها يتعيَّشون، وبها يتوادُّون، وفيها يتقلَّبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، وذلك قوله تعالى:
﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: أي: سأجعلُها في الآخرة للَّذين يتقون الشرك والمعاصيَ، ويحتمِل أن يكون هذا جواب قولهم: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ سألوا الحسنة (^٥)؛ أي: الرحمة، فقال: هي ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (^٦).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٧٩ - ٤٨٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٧٧).
(٢) في (أ): "فإنه".
(٣) "به": من (ر).
(٤) في (ر): "أعلم أنه اختار".
(٥) في (ر): "الجنة".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٥٣).
[ ٧ / ٢٢ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: خصَّ بالعذاب مَن يشاء وعمَّ بالرحمة كلَّ شيء، وفيه مجالٌ لآمال العصاة؛ لأنَّهم إن لم يكونوا من المطيعين والعابدين والعارفين فهم شيء (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: يحتمِل الزكاة المعروفة، ويحتمِل تزكيةَ النفوس؛ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: طهرها بالتوحيد والطاعة والدِّين (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بما أنزلناه على الأنبياء قبلك وعليك وعلى الأنبياء بعدك.
وقال الإمام القشيري: الآيات ما يكاشفُهم بها في الأقطار مما يَقِفون عليها بوجوه الاستدلال، وما يلاطفُهم بها في الأسرار مما يجدونها في أنفسهم من فنون الأحوال (^٣).
* * *
(١٥٧) - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾: وخُصَّ من بينهم رسولُنا محمدٌ -ﷺ-، وهو بشارةٌ له بمجيئه.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٦).
(٢) "والدين": من (ف).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٧).
[ ٧ / ٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾: بغير همزٍ من النَّبْوة وهي الرِّفعةُ، وبالهمز من النبأ وهو الخبر، ومعناه: المخبِر عن اللَّه تعالى. والأميُّ فيه أقاويلُ:
قيل: هو العربيُّ؛ لأن الأميين هم العرب.
وقيل: لأنه كان لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسُب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وقال النبيُّ -ﷺ-: "إنا أمَّةٌ أميةٌ لا نكتبُ ولا نحسُب" (^١)، وكأنه نُسب إلى الأم؛ لأن النساء لا يَكتبن، أو لأن الولد يُولد من أمِّه غيرَ كاتب ولا قارئ ولا حاسبٍ إلى أن يتعلم.
وقيل: منسوبٌ إلى الأمَّة؛ أي: هو رأسُ الأمَّة، والهاء تسقط في النسبة كما في المكيِّ والمدنيِّ.
وقيل: لأنه كان من أمِّ القرى وهي مكة.
وقال الإمام القشيري ﵀: أظهر اللَّه تعالى أنه لم يكن شيءٌ من فضائله وكمالِ عِلمه (^٢) من قِبَل نفسه وتعلُّمِه وتكلُّفِه واجتهاده وتصرُّفه، بل من اللَّه تعالى، فإنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب (^٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾: قد روَينا في قوله: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ حديثَ ذكرِ رسولنا وأمته، وكذلك في الإنجيل.
وقال الكلبي: ولمَّا نزل: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ قال أهل الكتاب: نحن المتَّقون وأهلُ الكتاب الأول والعلمِ القديم، فلما نزل:
_________________
(١) رواه البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠/ ١٥)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) في (أ): "عقله".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٧).
[ ٧ / ٢٤ ]
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قالوا: نحن نؤتي الزكاة، فلما نزل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ قالوا: نحن آمنا بموسى والتسعِ الآيات (^١)، فأكذبهم اللَّه تعالى وأخرجهم منها بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ يعني: محمدًا، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ خاتم الأنبياء.
وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: بالتوحيد وشرائعِ الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: ما لا يُعرف في شريعته ولا سنَّته (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان مكتوبًا عندهم أنه يَأمر بما أَمر اللَّهُ ويَنهَى عما نهَى اللَّه. ويحتمِل: يأمرهم بما هو معروف في العقل وشهادةِ الخلقة (^٣) وهو التوحيد، وينهاهم عما هو منكرٌ في العقل وشهادة الخلقة وهو الكفر والمعاصي (^٤).
وقال الإمام القشيري ﵀: المعروف هو القيام بحقِّ اللَّه تعالى، والمنكرُ هو البقاءُ بوصف الحظوظ (^٥) وأحكامِ الهوى، والتعريجِ في أوطان (^٦) المنَى، وما يُظهره العبد من تزويرات الدعوى (^٧).
_________________
(١) في (أ): "بموسى والآيات".
(٢) في (أ) و(ف): "في شريعة ولا سنة".
(٣) في (ر): "الحق"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٥٩).
(٥) في (ف): "الحدود".
(٦) في (ف): "أوطار".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٧). والعبارة الأخيرة فيه: (. . . وما تصوره للعبد تزويرات الدعوى)، والمؤدى واحد.
[ ٧ / ٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾: قال يمانُ بن رِئابٍ: هو ما أَحلَّ اللَّه تعالى من اللحوم والشحوم وكلِّ ذي ظُفُرِ.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾: المَيْتةَ والدَّمَ ولحمَ الخنزير ونحوَ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾: قرأ ابن عامر: ﴿آصارهم﴾ على الجمع والباقون: ﴿إِصْرَهُمْ﴾ على التوحيد (^١)؛ لأنَّه جنس فيَصْلح للجمع (^٢).
والإصر: الثِّقْل، وهو العهدُ أيضًا.
وقيل: هو ما وُضع عليهم من الأمور الشديدة.
وقيل: هو ما جعَلوه على أنفسهم؛ قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾: قال الحسن ﵀: قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ أي: محبوسةٌ عن عقوبتنا، فقال اللَّه تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]؛ أي: غُلَّت أيديهم إلى أعناقهم في النار، فأَخبر أنَّ أمة محمدٍ لمَّا آمنوا به وصدَّقوه رفَع تلك الأغلال عنهم (^٣).
وقيل: هي الشرائعُ الشاقَّة والأحكام الغليظة، كانت الأغلالُ في أعناقهم تمنعُهم عن تخطِّيها.
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾: ما غلَّظوا على أنفسهم من قطعِ أثر البول وتتبُّع العروقِ في اللحم (^٤).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٥)، و"التيسير" (ص: ١١٣).
(٢) "للجمع": ليس من (أ).
(٣) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٦٠).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٨٣).
[ ٧ / ٢٦ ]
وقالوا: من الإصر والأغلال: تحريمُ السبت، وتحريمُ الصلاة في غير المساجد، وتحتُّمُ القصاص في القتل العمد من غيرِ عفوٍ ولا دِيَةٍ، وقطعُ موضع النجاسة، وفَرْضيةُ صلاة الليل، والزكاةُ ربعُ النِّصاب، والصلواتُ خمسون في اليوم والليلة، ووجوبُ قطع اللسان في الكذب، ووجوبُ قطع الذَّكَر في الزنا، وفَقْءِ العين في النظر إلى الأجنبية، وظهورُ الذنوب في السرِّ على أبواب البيوت.
وقال عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلِّي للَّه لبسوا المُسوحَ، وغَلُّوا أيديَهم إلى (^١) أعناقهم؛ تواضُعًا للَّه (^٢)، وخوفًا من عذابه، وطمعًا في ثوابه، فرفعها اللَّه تعالى عن هذه الأمة.
وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾: قيل: عظَّموه، وقيل: أعانوه، وقيل: حمَوه، وقيل: مدَحوه وأثنَوا عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَنَصَرُوهُ﴾: أي: على عدوِّه، وقيل: نصروا دِينه.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾: أي: القرآنَ، فعملوا به ولم يخالِفوه.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي: الفائزون بكلِّ خير، والناجُون من كلِّ شرٍّ.
وقال ابن جريج (^٣) ورَوح بن عُبادة: لمَّا نزل قولُه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال إبليس: أنا شيء، فنزل قوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآيةَ، فقالت
_________________
(١) في (أ) و(ف): "في".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٠٢) عن عطاء عن ابن عباس.
(٣) في (أ): "سريج".
[ ٧ / ٢٧ ]
اليهود والنصارى: نحن نتَّقي اللَّه ونؤتي الزكاة ونؤمِن بآيات اللَّه (^١)، فنزل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي﴾ الآيةَ، فعزَلها عن إبليس واليهود والنصارى، وجعلها لأمة محمد -ﷺ- (^٢).
وقال القشيريُّ ﵀: الذين يتَّقون أن يرَوا استحقاقَ الرحمة (^٣) بأفعالهم.
وقال في قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾؛ أي: ثِقلهم، ولا شيءَ أثقلُ من كدِّ التدبير، فمَن نُقل من كدِّ التدبير إلى رَوحِ شهودِ التقدير فقد وضع عنه كلَّ إصرٍ (^٤) كبير.
وقال في قوله ﷻ: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾؛ أي: اعتزُّوا هم (^٥) بنصرة الرسول، وإلا فالنبيُّ ﵇ كان اللَّه حسيبَه، ومَن كان استقلالُه بالحقِّ لم يقف انتعاشُه على نصرة الخلق (^٦).
وقال عَطيةُ العَوفي: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ولكنْ لا تجبُ إلا للَّذين يتَّقون، الذين هم موصوفون بما في هذه الآية، وذلك أن الكافر يُرزق ويُدفع عنه بالمؤمن لسَعةِ رحمة اللَّه للمؤمن، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبتْ للمؤمن خاصةً، كالمستضيء بسراجِ غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه (^٧).
_________________
(١) في (ف): "ونؤمن باللَّه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" عن ابن جريج وقتادة وأبي بكر الهذلي، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٧٩) عن الهذلي وقتادة. وزاد الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٩٠) عزوه لابن عباس، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٤١٦) لسفيان بن عيينة.
(٣) في (أ): "الرؤية"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر.
(٤) في (ر): "أمر".
(٥) في (أ): "أي اعتزازهم" ووقع بدلًا منها في "اللطائف": "اعترف لهم".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٦ - ٥٧٨).
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٩٠).
[ ٧ / ٢٨ ]
(١٥٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾: أي: قل يا محمد: يأيها الناس من العرب وأهلِ الكتابين وغيرِهم: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقد قال ذلك للناس كلِّهم، بعضِهم مشافهةً، وبعضِهم برسله، وبعضِهم بكتبه، وبعضِهم بنشر الدعوة حتى بلَّغ ذلك بعضُهم بعضًا، ودلَّ ذلك على أن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، وأن لسان الرسول كلسان المرسَل، وأن ظهور الدعوة كبلوغ الدعوة، وكان كلُّ نبيٍّ مبعوثًا إلى قومه، ورسولنا -ﷺ- إلى الناس كافةً، بل إلى الإنس والجن.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: صفةُ قوله: ﴿اللَّهِ﴾ في قوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: كذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ذكر إيمانَه باللَّه، وأمره بأن يأمرَ الخلق (^١) بالإيمان باللَّه وبه.
﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾ (^٢): قيل: القرآن.
وقيل: أي: الأمرُ والنهيُ والوعدُ (^٣) والوعيد والأحكام؛ لأنَّها بالكلمات.
_________________
(١) "الخلق": ليس من (ف).
(٢) في (أ): "وكلمة اللَّه"، وفي (ف): "وبكلماته".
(٣) في (ف): "الأمر والنهي وقيل أي الوعد".
[ ٧ / ٢٩ ]
وقيل: بالكتب المنزَلة على سائر الأنبياء قبلَه، وهو صفةُ النبيِّ -ﷺ- أنه يؤمن بذلك كلِّه، ومَن قرأ: (وكلمتِه) (^١) فهو عيسى ﵇؛ أي: يصدِّق هو بعيسى ﵇ أيضًا.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ صرِّحْ بما رقَّيناك إليه من المقام، وأَفْصِحْ عمَّا لقَّيناك من الإكرام، وقل: إني إلى جماعتكم مرسَل، وعلى كافَّتكم مفضَّل، وديني لمن نظرَ ذلك واعتبَرَ مفصَّل، وإلهي الذي له ملكُ السموات والأرض لا شريكَ له ينازعُه، ولا شبيهَ له يضارعُه، فله حقُّ التصرُّف في ملكه بما يُريدُ من حكمه، ومِن جملةِ ما حَكَم وقضَى، ونفذَ به التقدير وأَمضى، إرسالي إليكم لتطيعوه فيما يأمركم، وتحذَروا ارتكابَ ما يزجرُكم، وإن مما أمركم به أنه قال لكم: آمنوا بالنبيِّ الأمي لتفلحوا في الدنيا والعُقبى، وتستوجِبوا الزُّلفى والحُسنى، وتتخلصوا من البلوى والسُّوأى (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: وصفَ متَّبعيه في الآية الأولى ووعدهم بالفلاح، وأمرهم (^٣) باتِّباعه في هذه الآية ليهتدوا (^٤)، ثم ذكر جماعةً مهتدين من أمة موسى، وهو قوله تعالى:
* * *
(١٥٩) - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾: أي: يدعون الناس إلى الحق ﴿وَبِهِ
_________________
(١) نسبت لمجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٢).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٧٨).
(٣) في (أ): "وأمر"، وفي (ف): "وأمرنا".
(٤) في (أ) و(ف): "لتهتدوا".
[ ٧ / ٣٠ ]
يَعْدِلُونَ﴾ وهم يعملون بالحق والعدل أيضًا؛ أي: وأمة منهم على خلافِ ذلك، وهو تسليةٌ للنبي -ﷺ- في إجابة البعض دون البعض؛ أي: قوم موسى كانوا كذلك.
واختُلف في هؤلاء مَن هم:
قيل: هم الذين كانوا متَّبِعين لموسى ﵇ في زمانه.
وقيل: هم قوم منهم كانوا على الحقِّ في عصر محمدٍ -ﷺ-.
وقيل: هم قومٌ باقون على الحقِّ إلى يوم القيامة.
وقال ابن عباس ﵄ والكلبيُّ والسدِّيُّ: هم خلفَ الصين (^١).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٠١) من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﵄، وإسناده منقطع. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٩٤)، والواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٠٣)، عن ابن جريج والكلبي والربيع والضحاك وعطاء والسدي. وليس في الأخبار الواردة في هذه الحكاية ما يصح، قال الآلوسي في "روح المعاني" (٩/ ٤١٤): وضعَّف هذه الحكاية ابن الخازن [في "تفسيره" (٢/ ٣٠٠)] وأنا لا أراها شيئًا، ولا أظنك تجد لها سندًا يعول عليه ولو ابتغيت نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء. اهـ. قلت: يعرِّض بما جاء في بعض الأخبار: أن اللَّه تعالى فتح لهم نفقًا في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين. وقال أبو شهبة في "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" (ص: ٢٠٧ - ٢٠٨) عن قصة الصين هذه: وهي من خرافات بني إسرائيل ولا محالة. . . ونحن لا نشك في أن ابن جريج وغيره ممن رووا ذلك إنما أخذوه عن أهل الكتاب الذين أسلموا، ولا يمكن أبدًا أن يكون متلقًّى عن المعصوم -ﷺ-. . . قال: والذي يترجح عندي أن المراد بهم أناس من قوم موسى ﵊ اهتدوا إلى الحق ودعوا الناس إليه، وبالحق يعدلون فيما يعرض لهم من الأحكام والقضايا، وأن هؤلاء الناس وجدوا في عهد موسى وبعده، بل وفي عهد نبينا -ﷺ- كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه. . . أما ما ذكروه فليس هناك ما يشهد له من عقل، ولا نقل صحيح، بل هو يخالف الواقع الملموس، والمشاهد المتيقن، =
[ ٧ / ٣١ ]
وروى وهبٌ عن كعبٍ: أن هؤلاء قوم كان عندهم اسمُ اللَّه الأكبرُ، فدعوا اللَّه به فاستجاب لهم، وساروا نحو المشرق واعتزلوا بني إسرائيل، فجعل اللَّه لهم سَرَبًا في الأرض، وجعل أمامهم المصابيح تضيء لهم بالنهار، فإذا أمسَوا نزلوا وأظلم عليهم السَّرَب، فإذا أصبحوا أضاءت لهم المصابيح، ومعهم نهرٌ من ماء يجري، وأجرى اللَّه عليهم تعالى أرزاقهم، فساروا سنة ونصفًا حتى خرجوا من وراء الصين إلى أرضٍ طاهرةٍ طيبةٍ فنزلوها، وهم مختلطون بالسباع والوحوش والهوامِّ (^١)، لا يضرُّ بعضُهم بعضًا من أجْل أنه ليست لهم ذنوبٌ، ولا يخالطُ طيرُنا طيرَهم، ولا سَبُعُنا سَبُعَهم، وهم متمسِّكون بالإسلام لا يعصُون اللَّه طرفةَ عينٍ تصافحُهم الملائكة (^٢).
وكذا قال الربيع بن أنس والضحاك، وقالا: لمَّا ظهر التحاسد والتباغي في بني إسرائيل، بعث اللَّه تعالى إليهم جبريلَ ﵇، فأدخلهم في نفقٍ (^٣) من الأرض لا يوصل إليهم، وجعل لهم فيه قناديلَ معلَّقةً (^٤)، وجعل معهم نهرًا، فساروا من
_________________
(١) = وقد أصبحت الصين وما وراءها معلومًا كل شبر فيها، فأين هم؟ ثم ما هذا النهر من الشهد؟! وما هذا النهر من الرمل؟! وأين هما؟! ثم أي فائدة تعود على الإسلام والمسلمين من التمسك بهذه الروايات التي لا خطام لها، ولا زمام؟! وماذا يكون موقف الداعية إلى الإسلام في هذا العصر الذي نعيش فيه، إذا انتصر لمثل هذه المرويات الخرافية الباطلة؟! إن هذه الروايات لو صحت أسانيدها لكان لها بسبب مخالفتها للمعقول والمشاهد الملموس ما يجعلنا في حل من عدم قبولها فكيف وأسانيدها ضعيفة واهية؟! وقد قلت غير مرة: إن كونها صحيحة السند فرضًا لا ينافي كونها من الإسرائيليات.
(٢) "والهوام": من (ر).
(٣) لم أجده، وظاهر أنه من الإسرائيليات، وانظر التعليق السابق.
(٤) في (ف): "نقب".
(٥) "معلقة": من (ف).
[ ٧ / ٣٢ ]
بيت المقدس إلى مكانهم الذي هم فيه اليومَ سنةً ونصفَ سنةٍ ألفَ فرسخٍ، فهم في منقطَع من الأرض لا يوصَل إليهم كأنهم بنو أبٍ واحدٍ، وليس لأحد منهم مالٌ دون صاحبه، يُمطَرون بالليل ويَصْحون بالنهار ويَزرعون (^١).
وقال الربيع: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤] هي تلك الأرضُ ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: وعدُ الثانية وهو عيسى بن مريم ﵇ ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾؛ أي: بقوم عيسى (^٢) ومحمدٍ جمعًا (^٣) يحشرون جميعًا في أمة محمدٍ.
وفي "تفسير مقاتل بن سليمان" وهو لي (^٤) بإسناد نرويه (^٥) عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- لجبريل ﵇ ليلة المعراج: "إني أحبُّ أن أرى القومَ الذين أثنى اللَّه عليهم فقال: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ "، فقال: إن بينك وبينهم مسيرةَ ستِّ سنين ذاهبًا وستِّ سنين راجعًا، وبينك وبينهم نهرٌ من رمل يجري كجري (^٦) السهم لا يقف إلا يومَ السبت، ولكنْ سَلْ ربَّك، فدعا اللَّهَ النبيُّ -ﷺ- وأمَّن جبريل ﵇، فأوحى اللَّه تعالى إلى جبريل ﵇ أنْ أجبه إلى ما سأل، فركب البراقَ فخطا خطواتٍ فإذا هو بين أظهُر القوم، فسلَّم عليهم وسألوه: مَن أنت: قال: "أنا النبيُّ الأمي"، قالوا: أنت الذي
_________________
(١) ذكره دون عزو مكي بن أبي طالب في "الهداية" (٤/ ٢٥٩٣) وزاد: (ليس يدخر أحد منهم دون أخيه شيئًا، مقيمين على عبادة اللَّه ﷿، لا يبكون على ميت). وهو كسابقه.
(٢) في (ر): "عيسى".
(٣) في (ف): "جميعًا".
(٤) في (أ): "وبقولي" بدل: "وهو لي".
(٥) في (أ): "يرويه".
(٦) في (أ): "مجرى".
[ ٧ / ٣٣ ]
بشَّر بك موسى فمَن هذا معك؟ قال: "أو تَرونه؟ " (^١)، قالوا: نعم، قال: "هو جبريل"، قال: "فرأيتُ (^٢) قبورَهم على أبواب دُورهم، فقلتُ لهم: ولم ذلك؟ " قالوا: ذاك أجدرُ أن نَذكر الموت صباحًا ومساء، فقال: "إني أرى بنيانكم مستويةً" قالوا: لئلا يُشرفَ بعضُنا على بعضٍ، ولئلا يَسُدَّ أحدٌ على أحدٍ الريحَ والهواء، قال: "فما لي (^٣) لا أرى لكم قاضيًا ولا سلطانًا؟ " قالوا: أنصفَ بعضُنا بعضًا وأعطَينا الحقَّ من أنفُسنا، فلم نحتَجْ إلى قاضٍ يُنصِفُ بيننا، قال: "فما لي أرى أسواقكم خاليةً؟ " قالوا: نزرعُ جميعًا ونحصدُ جميعًا، فيأخذ (^٤) كلُّ رجلٍ منا ما يكفيه ويدع الباقيَ لأخيه، قال: "فما لي أرى هؤلاء القومَ (^٥) يضحكون؟ " قالوا: مات لهم ميت يضحكون سرورًا بما قُبض عليه من التوحيد، قال: "فما لهؤلاء القوم يبكون؟ " قالوا: قد وُلد لهم مولودٌ فهم لا يدرون على أيِّ دِينٍ يُقبض، قال: "فإذا وُلد لكم ذكر فماذا تصنعون؟ " قالوا: نصوم للَّه شكرًا شهرًا، قال: "فالأنثى؟ " قالوا: نصوم للَّه شكرًا شهرين، قال: "ولم؟ " قالوا: لأن موسى ﵇ أخبرنا أن الصبر على الأنثى أعظمُ أجرًا من الصبر على الذَّكر، قال: "أفَتَزْنون؟ "، قالوا: وهل يفعل ذلك أحدٌ، لو فعل ذلك أحدٌ لحصَبَتْه (^٦) السماء من فوقه، و(^٧) لخُسفت به الأرض من تحته، قال: "أفتُرْبون؟ "، قالوا: إنما يُرْبي مَن لا يؤمن برزق اللَّه تعالى، قال: "أفتمرضون؟ " قالوا: لا نمرضُ
_________________
(١) في (أ): "إذًا ترونه".
(٢) " قال فرأيت" من (أ) و(ف)، وفي (ر): "فإذا".
(٣) في (ف): "فما بالي".
(٤) في (أ): "فيأكل" بدل: "ونحصد جميعًا فيأخذ".
(٥) "القوم": ليست في (ف).
(٦) في (أ): "لخصته".
(٧) في (ف): "أو".
[ ٧ / ٣٤ ]
ولا نُذنب، إنما يُذنب أمتُكَ فيمرضون ليكون ذلك كفارةً لذنوبهم، قال: "أولكم سباعٌ وهَوَامُّ؟ " قالوا: نعم، تمرُّ بنا ونمرُّ بها ولا تؤذينا ولا نؤذيها، فعرَض عليهم النبيُّ -ﷺ- شريعته والحجَّ، قالوا: وكيف لنا بالحج وبيننا وبينه مسافةٌ بعيدة؟ فدعا النبيُّ -ﷺ- وأمَّن جبريل ﵇.
قال ابن عباس ﵄: فتُطوَى لهم الأرضُ طيًّا حتى يحجَّ مَن يحجُّ منهم مع الناس، فإذا انقضى (^١) الحج طُويت لهم الأرض فرجعوا إلى بلادهم.
فلمَّا أصبح النبي -ﷺ- أخبر مَن بحضرته من قومه وفيهم أبو بكر -﵁-، فقال أبو بكر: فإن قوم موسى بالخير، فعلم اللَّه ما في قلوبهم فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾؛ أي: من هذه الأمة أمة ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] فصام أبو بكر شكرًا للَّه تعالى وأعتق عبدًا، إذ لم يفضِّل اللَّه أمةَ موسى على أمةِ محمد -ﷺ- (^٢).
وذكر الكلبيُّ والضحاك ووهبٌ وكعبٌ ومقاتلٌ وغيرُهم: مرور النبيِّ -ﷺ- بهم ليلة المعراج وتعليمَه إياهم الصلواتِ الخمسَ والفاتحةَ وسورًا من القرآن.
وفي حديثنا للضحاك (^٣): أنهم كانوا يَسْبِتون، فأمرهم أن يتركوا ويجمِّعوا.
* * *
(١٦٠) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ
_________________
(١) في (أ) و(ف): "انقطع".
(٢) لم أجده.
(٣) في (ر) و(ف): "وفي حديث الضحاك".
[ ٧ / ٣٥ ]
أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ تنصرف الكنايةُ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾؛ أي: فرَّقناهم اثنتي عشرة أسباطًا، والتاء للتأنيث، والهاء في ﴿عَشْرَةَ﴾ كذلك، وفيه لغتان: تسكين الشين، وكسرُها في التأنيث من إحدى عشرةَ إلى تسعَ عشرةَ.
و﴿أَسْبَاطًا﴾ ليس بتفسير العدد، فإنه يُوحَّد ولا يجمع، لكن تقديره: وقطعناهم أسباطًا أممًا اثنتي عشرة قطعةً، و(قطعةً) مضمَرةٌ، وتأنيث العدد لذلك، ويدلُّ عليه: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾، ومعناه: وفرَّقناهم اثنتي عشرةَ فرقةً.
والأسباطُ: جمع سبطٍ، وهم أولاد يعقوبَ، وقد شرحناه في سورة البقرة.
و﴿أُمَمًا﴾: جمعُ أمَّة؛ أي: جماعاتٍ، وهو بدلٌ عن قوله: ﴿أَسْبَاطًا﴾ وترجمةٌ له.
والآيةُ في بيان إنعامه على بني إسرائيل، يقول: لمَّا أخرجناهم من أرض مصر وأدخلناهم البرَّ جعلناهم اثنتي عشرةَ فرقةً قبائلَ شتَّى؛ ليكون أمرُ كلِّ سبطٍ متصرِّفًا (^١) من جهةِ رئيسهم فيخفَّ الأمر على موسى فيما يَحتاج إليه من تعريف أحوالهم، ويَسهل عليه جمعُهم إذا أراد جمعَهم، ويَعلم كلُّ فريق مرجعَهم في أمورهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: وكان ذلك في التِّيه، والانبجاس: خروج الماء الجاري بقلةٍ، والانفجار: خروجه بكثرة، وكان البدءُ بقلةٍ ثم يَكثر بالاتساع.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "متعرفًا".
[ ٧ / ٣٦ ]
وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾: فسَّرنا هذه الكلمات، وبيَّنا هذه القصةَ في قوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا﴾: أي: وقلنا لهم: كلوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ مرَّ كلُّ ذلك في سورة البقرة.
* * *
(١٦١ - ١٦٢) - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: أي: قال لهم موسى بأمرنا ﴿وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ مر ذلك في سورة البقرة (^١).
_________________
(١) كل هذا مر في سورة البقرة كما قال المؤلف، لكن وقع هنا بعض الاختلاف في السياق، ولا شك أن لذلك حكمة وغاية، لأن القرآن هو كلام اللَّه المعجز، فلكل حرف فيه غاية، وأي اختلاف بين لفظين فيه فسيكون بلا شك لحكمة، فلا يصح مجرد الإحالة على المتقدم دون بيان علل الاختلاف، وقد أجمل ابن كمال باشا في تفسيره لهذه الآية بعض ما قيل في ذلك، فقال: (هناك: ﴿ادْخُلُوا﴾ وهنا: ﴿اسْكُنُوا﴾ والسكنى يتعقَّب الدخول، فأُمروا هناك بالمبدأ وهنا بما تسبَّب عنه، وهناك: ﴿فَكُلُوا﴾ بالفاء وهنا بالواو، وذلك لأن الدخول حالةٌ منقضية فحَسُنَ ذكر فاء التعقيب بعده، والسكنى حالةٌ مستمرَّة فحَسُنَ الأمر بالأكل معه لا بعده، وأثبت ﴿رَغَدًا﴾ هناك بعد الأمر بالدخول لأنها حالةُ قدوم فالأكل فيها ألذُّ، بخلاف السكنى المذكور هنا، فإنها حالة استقرار واطمئنان فليس الأكل فيها كالأكل عند الدخول، وأما تقديم الحِطَّة على الدخول وتأخُّرُها عنه فلا تفاوت فيه لأن الواو =
[ ٧ / ٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ مرَّ أيضًا.
* * *
(١٦٣) - ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾: أي: سَلِ اليهودَ يا محمدُ عن القرية التي كانت قريبةً من البحر وعلى شاطئه، وهي أَيْلةُ، وقيل: مدينُ، وكلاهما عن ابن عباس ﵄ (^١).
وقيل: طبرية.
وقال محمد بن إسحاق: هي مَقْنَا بين مدينَ وعَيْنُونا (^٢).
_________________
(١) = للجمع لا للترتيب، وأما قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ في مقام ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ على حذف الفاعل فللعلم، وأما (أنزلنا) و(أرسلنا)، و﴿يَفْسُقُونَ﴾ و﴿يُظْلَمُونَ﴾ فمن وادٍ أحد. اهـ. قلت: ولو كانت من واد واحد لما اختلف اللفظ، فلا بد من حكمة لها، واللَّه أعلم.
(٢) رواهما عنه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦١) و(١٠/ ٥٠٧ و٥٠٩).
(٣) في (أ): "وعينوتا". والصواب المثبت، وهذا القول رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٠٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٩٧)، عن ابن زيد. و(عينونا)، وتكتب أيضًا: (عينونى)، وقد تحذف الألف فيقال: (عينون)، ذكرها ياقوت في "معجمه" (٤/ ١٨٠)، وقال: من قرى باب المقدس، وقيل: قرية من وراء البثنية من دون القلزم، في طرف الشام، ذكرها كثير: إذ هُنَّ في غَلَسِ الظَّلام قوارِبٌ أَعْدَادَ عَيْنٍ من عُيُونِ أُثَالِ يَجْتَزْنَ أَوْدِيَةَ البُضَيْعِ جَوَازِعًا أجْوَازَ عَيْنُونَا، فَنَعْفَ قِبَالِ
[ ٧ / ٣٨ ]
ومعنى سلهم؛ أي: قل لهم: ألم يكن كذا (^١)؟ فإنهم يصدقونك.
وقيل: ليس هذا بأمرٍ بالسؤال، لكنه تمثيل، كأنه قال: لو سألتهم لقالوا لك كذا، وهو كقوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] أي: لو سألتهم أكان كذا؟ لأجابوك أنه كان كذا.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾: أي: يتعدَّون حدَّ (^٢) الشرع في دينهم مِن ترك الاصطياد في يوم السبت، وكانوا يكتمون هذه القصة لِمَا فيها من الشُّبه (^٣) عليهم، فأَطْلع اللَّه نبيَّه -ﷺ- على ما كتَموه وقصَّ ذلك، وهو قوله تعالى:
﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾: قال ابن عباس: أي: ظاهرةً على وجه الماء (^٤). جمعُ شارع.
وقال السدِّيُّ: كان إذا كان يومُ السبت لم يبقَ حوتٌ في البحر إلا خرج، فيُخرِجنَ خراطيمهنَّ من الماء، فإذا كان يومُ الأحد غِبْن (^٥).
وقال الحسن: ﴿شُرَّعًا﴾ على أبوابهم كأنها الكِبَاش البِيض (^٦).
وفي روايةٍ قال: إذا كان يومُ السبت جاءت الحيتان فتبطَّحت (^٧) بأفنِيَتهم كأنها المخاض، فإذا غابت الشمس ذهبت فلا تُرى إلى السبت الآخر (^٨).
_________________
(١) في (ر): "هذا".
(٢) في (ف): "حق".
(٣) في (ف): "السيئة".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٠٩).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٣).
(٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٧٢).
(٧) في (أ): "فتنطحت".
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٢٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٩٩).
[ ٧ / ٣٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾: يقال: أَسْبَتَ: إذا دخل في يوم السبت، وسَبَت؛ أي: أقام السبتَ وعَمِل فيه ما يَعمل في السبت، وعلى المقابلة بقوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ يكون قوله: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ مصدرًا ليكون مقابَلةُ الفعل بتركِ الفعل، وظاهرُه أنه اسم للوقت في الأول.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي: كانت لا تظهر لهم في غير يوم السبت، وكانوا يحتاجون إلى استخراجها عن مكامنها ومغائصها بالحيَل.
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ مستقبلٌ بمعنى الماضي؛ أي: امتحنَّاهم به تغليظًا للمحنة عليهم بفسقهم ومجاهَرتهم بالمعاصي عقوبةً لهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ابتلاهم بهذا النهي ليُريَ الخَلْقَ المطيعَ منهم والعاصيَ.
قال: وقال قائلون: ابتلاهم بذلك لما كانوا يفسقون في السرِّ؛ ليكون فسقهم وتعدِّيهم ظاهرًا عند الخلق كما كان (^١) عند اللَّه تعالى؛ لئلا يقولوا عند التعذيب: إنهم عذِّبوا بلا ظلم ولا تعدٍّ.
وقد بينَّا القصة في سورة البقرة: أنها كانت في زمنِ داودَ ﵇ في أرضٍ يقال لها: أيلة، مجاورةِ البحرِ بين المدينة والشام.
وعن ابن عباس ﵄ في رواية: كانت بين مدين والطور (^٢).
فكانت الحيتان تظهر على وجه الماء يومَ السبت ولا تظهرُ في غيره، وقد نُهوا عن الاصطياد فيه ابتلاءً حيث اختاروا السبتَ وتركوا يومَ (^٣) الجمعة، فمكثوا ما شاء اللَّه
_________________
(١) "كان": ليست في (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٠٧).
(٣) "يوم": ليست في (ف).
[ ٧ / ٤٠ ]
تعالى، ثم إن رجلًا منهم أخذ حوتًا فخرَمه بخيطٍ ثم شدَّه إلى وتدٍ بالساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغداةُ أخذه فأكله سرًّا، ففعلوا مثلَ ذلك وهم ينظرون لا يتناهون إلا بقيةً منهم يَنهونهم، حتى ظهر ذلك في الأسواق وبِيع علانية.
* * *
(١٦٤) - ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: أخبر أن أمةً منهم -أي: جماعةً- وهم الصالحون وعَظوهم، فقال لهم جماعةٌ أخرى: لمَ تَعِظون هؤلاء مع إعراضهم عن القبول منكم واستخفافِهم بوعظكم، وقد أشرفوا على أن يُهلكَهم اللَّه تعالى فيَصطَلِمَهم، أو يعذِّبَهم عذابًا شديدًا غيرَ مصطَلِم، ويحتمِل: يهلكُهم في الدنيا و(^١) يعذبُهم في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾: قرأ عاصمٌ في رواية حفص: ﴿مَعْذِرَةً﴾ نصبًا وهو مفعولٌ له؛ أي: إعذارًا إلى اللَّه، وقرأ الباقون بالرفع (^٢)، ومعناه: موعظتُنا معذرةٌ إلى اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: أي: قالوا: نكرِّر الوعظَ إعذارًا إلى اللَّه فيما يلزمُنا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأميلًا لرجوعهم واتِّقائهم وانتهائهم.
قال ابن عباس ﵄: كانوا أثلاثًا: ثلثًا نَهَوا، وثلثًا قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وثلثًا أصحابَ الخطيئة، فما نجا إلا الذين نَهَوا (^٣).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "أو".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٦)، و"التيسير" (ص: ١١٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٢٠).
[ ٧ / ٤١ ]
وقال السدِّي: فجعل الرجل يَحفر الحَفِيرة (^١) ويجعل لها نهرًا إلى البحر، فإذا كان يومُ السبت فَتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيَها في الحَفيرة فلا تطيق الخروج، فإذا كان يومُ الأحد جاؤوا وأخذوا فأكلوا وشوَوا وملَّحوا، وفشى ذلك فيهم، فقال لهم علماؤهم: أتصيدون يوم السبت (^٢)؟! قالوا: إنما نصيدها يوم الأحد، فلم ينتهوا، فقال بعض الذين ينهَون لبعضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ فأجابوا بما ذكرنا، فلما أبوا قال المسلمون: لا تُساكِنوهم في قريتهم، فقسَموا القرية بجدارٍ؛ للمسلمين بابٌ وللمعتدِين بابٌ، ولعنهم داود، فيخرج المسلمون من بابهم والمعتدُون من بابهم، فخرج المسلمون ذاتَ يوم ولم يخرج المعتدون، فلما أبطؤوا تسوَّر عليهم المسلمون الجدارَ فإذا هم قردةٌ يَثِبُ بعضُهم على بعضٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (^٣).
* * *
(١٦٥) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: أي: تركوا ما وُعظوا به تَرْكَ الناسي له، يعني: الذين أخذوا الصيد في السبت ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ خلَّصنا الذين كانوا ينهونهم عن هذا الفعل السوء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرٍو وحمزةُ والكسائي (^٤): ﴿بَئِيسٍ﴾ على وزن فعيل؛ أي: شديد، والبأس: الشدة وكذلك البؤس.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "الحفرة" في الموضعين.
(٢) في (ر): "لم تصيدون" وفي (ف): "لم تصيدون يوم السبت".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦٣).
(٤) وهي أيضًا قراءة عاصم بخلاف عن أبي بكر، وسيأتي الوجه الآخر لأبي بكر.
[ ٧ / ٤٢ ]
وقرأ نافع: ﴿بِيسٍ﴾ على وزن بئر غير مهموز.
وقرأ ابن عامر كذلك مهموزًا.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿بَيْئَس﴾ على وزن فَيْعَل (^١).
وعن مجاهدٍ: (بائس) على وزن فاعل (^٢)، وفيه قراءاتٌ أُخَرُ شاذةٌ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي: بخروجهم عن الطاعة (^٤).
* * *
(١٦٦) - ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: أبوا أن يرجعوا عن المعصية (^٥). وقيل: أي: تمرَّدوا.
وقوله: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: أي: جعلناهم قردةً أذلَّاءَ مُبْعدينَ عن الناس، وقد شرحناه في سورة البقرة.
وقال عكرمةُ: أتيتُ ابنَ عباس ﵄ يومًا وهو يبكي والمصحفُ في حِجره، قلتُ: ما الذي يبكيك؟! قال: هذه الورقات، فإذا هو في سورة الأعراف، قال: أتعرفُ أيلةَ؟ قلتُ: نعم، قال: كان بها حيٌّ من يهودَ سيقتْ إليهم الحيتانُ يوم
_________________
(١) هي قراءة أبي بكر بخلاف عنه، والوجه الآخر عنه: ﴿بَئِيسٍ﴾. انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٦)، و"التيسير" (ص: ١١٤).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٩٨)، وذكرها ابن جني في "المحتسب" (١/ ٢٦٥) عن أبي رجاء.
(٣) وقد ذكر فيها أبو حيان ﵀ في "البحر" (١٠/ ٣٧١) اثنتين وعشرين قراءة بسط ضبطها ثم لخصها، وقد خرجناها جميعًا في تحقيقنا له، فلتراجع فيه.
(٤) في (ف): "الطاعات".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٩٨)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٤).
[ ٧ / ٤٣ ]
السبت ثم غاصت فلا يقدرون عليها حتى يغوصوا عليها بعدَ كدٍّ، فكانت تأتيهم يومَ السبت شُرَّعًا بيضًا سِمانًا، فكان كذلك برهةً من الدهر، ثم إن الشيطان وَسوس إليهم فقال: إنكم نُهيتم عن أكلها في يوم السبت، فخذوها فيه وكلوها في غيره، وقالت طائفةٌ: بل نُهيتم عن أخذها وأكلها وتنفيرها في يوم السبت، وكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة الأخرى، فقال الأيمنون: اللَّهَ اللَّهَ ويلكم لا تتعرَّضوا لعقوبة اللَّه، واعتزلت ذاتَ اليمين وسكتت، وقال الأيسرون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ فقال الأيمنون: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (^١)، فإن انتَهَوا فهو (^٢) أحبُّ إلينا أنْ (^٣) لا يصابوا ولا يُهلكوا، وإن لم ينتهوا فقد أَعْذرنا (^٤)، فمضَوا على الخطيئة، فقال الأيمنون: واللَّه ما نبايتكم (^٥) الليلةَ في مدينتكم، وما نُرى أن تصبحوا حتى يصيبَكم اللَّه بخسفٍ أو قذفٍ أو ببعضِ ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضَربوا الباب عليهم ونادَوهم فلم يجيبوا (^٦)، فوضعوا سلَّمًا وأعلَوا سورَها رجلًا، فالتفت إليهم فقال: يا عباد اللَّه! قرود واللَّه تَعَاوى لها أذناب، ففتح الباب ودخلوا، فعرفت القرود [أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنسُ أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي] نسيبَها من الإنس فجعلت تبكي وتشمُّ ثيابه، فيقولون: ألم ننهكم عن كذا؟ فيقولون برأسها: نعم ثم قرأ ابن عباس ﵄: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ فأسمعُ ذكر الذين نَهَوا ولا أسمعُ ذكر الذين سكتوا،
_________________
(١) في (ر): "ينتهون"، بدل: "يتقون".
(٢) في (أ): "فإنه".
(٣) في (ر): "إذ".
(٤) في (ف): "عذرنا".
(٥) في (أ) و(ف): "لا نأتيكم".
(٦) في (أ) و(ف): "يجابوا".
[ ٧ / ٤٤ ]
ونحن نرى أشياءَ ننكرُها فلا نقول فيها، فقال عكرمة: فقلتُ: جعلني اللَّه فداك! أوَلَا تراهم قد كرهوا ما هم عليه فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾؟ -وفي رواية: قال لابن عباس ﵄: إن (^١) لم يقل اللَّه: أنجيتُهم، لم يقل أيضًا: أهلكتهم- قال: فرضيَ وأمر بي فكُسيت بُردين (^٢).
فصار عن ابن عباس ﵄ ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أنه أهلكهم كما أهلك المعتدين.
والثاني: أنه أنجاهم كما أنجى الناجين (^٣).
والثالث: أنه توقَّف فيهم.
وقال الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان (^٤).
وقال الحسن: وأيُّ نهيٍ يكون أشدُّ من إثبات الوعيد، والتخويفِ بالإهلاك والعذاب الشديد، بقولهم: ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لسنا نَعلم أنهم كانوا مهلَكين أو ناجين، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولو كان لنا إليه حاجةٌ لبيَّنه (^٥) لنا، سوى أنه بيَّن مَن نجا منهم بالنهي وعذَّب مَن أَخذ الحيتان بالظلم والفسق (^٦).
_________________
(١) في (ف): "إذ".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٥٣)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥١٥)، وما بين معكوفتين منهما. والرواية الأخرى ذكرها الواحدي في "البسيط" (٩/ ٤١٧)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٤). وفي رواية للطبري أيضًا (١٠/ ٥١٤) أن عكرمة قال: (فلَمْ أَزَلْ به حتى عرَّفْتُه أنهم قد نجَوا، فكساني حُلَّةً)، وفي أخرى: (فما زلت أبصِّره حتى عرف أنهم نجوا، وكساني حُلَّةً).
(٣) في (ف): "الناهين".
(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٢/ ٤٢١)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٤).
(٥) في النسخ: "لبين"، والمثبت من "التأويلات".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٧٣).
[ ٧ / ٤٥ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: إذا انتهت مدةُ الإمهال فليس بعده غيرُ الاستئصال، وإذا سقط العبد عن عين اللَّه لم ينتعِش بعده أبدًا، ومَن أسقطه حكمُ الملوك فلا قبولَ بعد الرد، وفي معناه أنشدوا:
إذا انصَرفَتْ نفسي عن الشيءِ لم تَكَدْ إليه بوجهٍ آخِرَ الدَّهر تُقبِلُ (^١)
* * *
(١٦٧) - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ قال الحسن ﵀: أي: أعلمَ (^٢)، وهو قول الزجَّاج (^٣).
وقيل: أَسْمعَ وأَقْسمَ.
وقوله تعالى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: أي: ليسلِّطنَّ عليهم؛ أي: اذكر يا محمد إذ أَعْلَمَ اللَّه أسلافهم على ألسنة أنبيائهم أنهم إن غيَّروا وبدَّلوا ولم يؤمنوا بالنبيِّ الأميِّ سلَّط اللَّه عليهم العرب يقاتلونهم إلى أن يُسلموا أو يُعطوا الجزية صاغرين، وهو من سوء العذاب؛ أي: أشدِّه وأشقِّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾: لا يحتاج إلى إحضارِ أسبابه وإعداد آلاته.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: مع هذا لمن تاب وأناب، وقد حقَّق اللَّه
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٨١).
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٧٣)، والواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٢٢ - ٤٢٣).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٨٧).
[ ٧ / ٤٦ ]
ذلك بما كان من رسول اللَّه -ﷺ- من إجلائهم عن أوطانهم، وقتلِهم وسبي نسائهم وولدانهم، ثم إنهم إلى الآن مقموعون، وكذا يكونون إلى يوم القيامة.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾؛ أي: قال ربك (^١).
وقال عطاء: وإذ ختَم ربك.
* * *
(١٦٨) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾: أي: فرَّقناهم في البلاد فِرقًا.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾: أي: دون الصالح.
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾: أي: اختبَرْناهم، ومعناه: عامَلْناهم معاملةَ المختبِر، وإن كان لا يَخفى على اللَّه شيء لكن ليُظهر للناس ما كان عَلِمَه منهم.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾: أي: الأحوالِ الحسنة من السَّعةِ والخِصب، والأحوال السيئة من الضِّيق والجَدْب؛ أي: صرَّفناهم على أحوال شتى.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: ليرجعوا عن الباطل إلى الحق؛ أي: فلم يرجعوا.
وقال الكلبي: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾: هم الذين وقعوا وراء الصين، وهم الذين ذكرناهم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أي: مَن هاهنا من اليهود (^٢).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٩٠)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٥). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٠٣) عن مجاهد وسفيان الثوري.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٢٧)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٥). وقد ذكرنا أن قصة الصين ليست سوى خرافة لا أصل لها في هذا الدين.
[ ٧ / ٤٧ ]
وقال عطاء ومجاهد: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ الذين آمنوا بمحمد وعيسى ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ مَن لم يؤمِن (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ يحتمِل تفريقَهم في وقتٍ واحد في أماكن، ويحتملُ تفريقَهم في الأهواء، ويحتمِل: وقطعناهم في الأرض أممًا أمةً بعد أمةٍ وعصرًا بعد عصرٍ، ولذلك قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: هذا يخرَّج على وجوه:
اختبرناهم بالنعم ليرجعوا إلينا بالشكر والثناء، وبالمحن ليعرفوا قدرتنا فيرجعوا إلينا بالتضرُّع والدعاء.
ويحتمل: وبلوناهم بهذا وبهذا (^٢) ليتقرَّر عندهم أن غيرهم أملكُ بهم من أنفسهم، فيرجعوا إليه بتسليم النفوس لأمره وحكمه.
ويحتمل: وبلونا المؤمن والكافر بالحسنات والسيئات، [حتى إذا رأوا الاستواء] في الدنيا وفي الحكمة التفريقُ بينهم، فيضطروا إلى الإيمان بالبعث لذلك.
ويحتمل: أنه إنما جعَل النعيمَ في الدنيا ليعرفوا لذةَ الموعود (^٣) في الآخرة، وكذلك الشدة ليعرفوا به (^٤) ألم العذاب في الآخرة، فابتلاهم بالأمرين ليرغبوا في نِعَم الجنة ويَحذروا عقوبات النار (^٥).
_________________
(١) ذكره دون عزو لقائل ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٢٧٩).
(٢) في (ف): "وهذا".
(٣) في (ف): "اللذة الموعودة"، والمثبت من باقي النسخ و"التأويلات".
(٤) "به": ليست في (ف).
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٧٦ - ٧٧)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٧ / ٤٨ ]
(١٦٩) - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا﴾: أي: قومُ سوءٍ يَخْلُفون الأوَّلينَ، ويستعمل الساكن في الذَّم، والخَلَف بفتح اللام: قوم أخيارٌ يخلُفون الأوَّلينَ، ويستعمل هذا في المدح (^١).
قال لبيد:
وبقيتُ في خَلْفٍ كجِلْدِ الأجربِ (^٢)
وقد جاء بالتسكين في المدح في شعرِ حسان -﵁-:
لنا القدمُ الأولى إليك وخَلْفُنا لأوَّلنا في طاعةِ اللَّه تابعُ (^٣)
وقوله تعالى: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ، وهم علماء اليهود ورِثوه من أسلافهم، يقول: جاء بعد هذه الطبقة الذين كان فيهم الصالحون ومنهم دون ذلك قومٌ أردياءُ مذمومون (^٤).
_________________
(١) وقد يستعمل هذا في الذم عند البصريين، قال الآلوسي ﵀ في "روح المعاني" (٩/ ٤٤٠): وعن البصريين أنه يجوز التحريك والسكون في الرديء، وأما الجيد فبالتحريك فقط، ووافقهم أهل اللغة إلا الفراء وأبا عبيدة.
(٢) عجز بيت في "ديوان لبيد" (ص: ٢٤ و٢٦)، و"الأمثال" لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص: ٢٧٦)، و"إصلاح المنطق" (ص: ١٧)، و"تفسير الطبري" (١٠/ ٥٣٥)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٧٢)، و"البحر المحيط" (١٠/ ٣٧٧)، وكلهم أنشدوه في مجيء الساكن في الذم، لكن الآلوسي ﵀ في "روح المعاني" (٩/ ٤٤٠) أورده في مجيء المتحرك في الذم، وصدر البيت: ذهب الذين يُعاش في أكنافهم
(٣) انظر: "ديوان حسان" (ص: ٣١٠).
(٤) في (ف): "مذنبون".
[ ٧ / ٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾: العَرَض: حطام الدنيا، وما يصيبُ الإنسانَ منها فهو شيءٌ يَعرِضُ فيزول ولا يبقى، و﴿هَذَا الْأَدْنَى﴾ بمعنى: هذه الدنيا، وإنما ذُكر لأنه لم يذكر الدار أو الحياة، فكأنه جعله صفة للمكان أو للشيء، يعني: يأخذون الرُّشى لتغيير الأحكام وتعطيلِ الحدود من العِلْية والسِّفلة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: أي: إذا عوتبوا على ذلك اعتذروا بما (^١) يرجونه من سعة رحمة اللَّه، ويقولون: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾: أي: يصرُّون على ذلك ولا يمتنعون، بل إذا وجدوا شيئًا (^٢) مثلَه لم يتركوه.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾: استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: قد أُخذ عليهم الميثاقُ في كتابهم أن لا يقولوا على اللَّه إلا الحق؛ أي (^٣): الصدق وقرُّوا (^٤) ذلك، واللَّه تعالى ما وعدهم في التوراة المغفرةَ مع الإصرار.
وقال مالك بن دينار ﵀: يأتي على الناس زمانٌ إنْ قصَّروا عما أُمروا به قالوا: سيُغفر لنا لم نُشرك باللَّه شيئًا، كلُّ أمرهم إلى الطمع، خيرهم فيهم (^٥) المداهنُ، فهم من هذه الأمة أشباهُ الذين ذكرهم اللَّه تعالى ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
_________________
(١) في (أ): "مما".
(٢) في (أ): "إذا أمكنهم".
(٣) "الحق أي": زيادة من (ف).
(٤) في (ر): "وقرأوا".
(٥) في (أ): "فيه".
[ ٧ / ٥٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: أي: خير من أخذِ العَرَض للَّذين يتَّقون الشركَ والمعاصيَ.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: بما في كتابهم أنه كذلك.
* * *
(١٧٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر بالتخفيف، والباقون بالتشديد (^١).
والإمساكُ والتَّمسيك والتمسُّك والاستمساك كلُّه: الاعتصام والتعلُّقُ بالشيء.
ذكَر الممدوحين بعد المذمومين، فقال: والذين يعتصمون بالتوراة، قال مجاهد ومقاتل بن حيان والكلبي: هم مؤمنو أهل الكتاب: عبدُ اللَّه بن سلام وأصحابه، أحلُّوا حلالَه وحرَّموا حرامه، ولم يتخذوه مأكلةً ولم يحرِّفوه ولم يكتُموه (^٢).
وقال عطاء: هم أمة محمد ﵇، والكتابُ: القرآن (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: ويقيمون الصلاة التي تنهَى عن الفحشاء والمنكر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾: في معنى جوابِ أول الآية؛ لأن معناه: نوفيهم أجورهم لأنَّا لا نُضيع أجرَ المحسنين، وهو تعليل فيُغني عن إظهار ذكر المعلول.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٧)، و"التيسير" (ص: ١١٤).
(٢) ذكره بهذا اللفظ عن مجاهد البغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٧)، ورواه عنه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٤٢) بلفظ: (﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ مِن يهود أو نصارى).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٠١)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٧).
[ ٧ / ٥١ ]
وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: من أمارات الاستدراج ارتكابُ الزَّلة، والاغترارُ بزمان المهلة، وحملُ تأخير العقوبة على استحقاقِ الوُصلة.
وقال في قوله: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾: يعني: التعرُّضُ لنفَحات فضله سبحانه خيرٌ لمن أمَّل جودَه من مقاساةِ التعب لمن بذَل في تحصيل هواه مجهودَه.
وقال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: التمسُّك بالكتاب إيمان، وإقامةُ الصلاة إحسانٌ، فبالإيمان وجَدوا الأمان، وبالإحسان وجدوا الرِّضوان.
ويقال: التمسُّك بالكتاب نجاةٌ، وإقامةُ الصلاة مناجاةٌ، والمناجاة في الحال والنجاةُ في المآل.
وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾: مَن نقَل إلى بابه قدمَه لم يُعدم في الآجل نعمَه، ومَن رفع إلى ساحات جُوده هممَه نال في الحال كرمَه (^١).
* * *
(١٧١) - ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾: الآيةُ في تمرُّدهم أيضًا كالتي مضت، ومعناه: وإذ قلعْنا الجبلَ من الأصل وحرَّكناه ورفعناه فوق رؤوسهم، وقد نتَق ما في الجِراب: إذا اقتَلعه عن أصله ونثَره، ونَتَقتِ المرأةُ تَنْتُق نُتوقًا -من حدِّ دَخَل- وهي مِنْتاقٌ: إذا كثُر ولدها، وأصله: الزعزعةُ والنَّقْض، ونَتَقتِ الدابَّة صاحبَها حين تَعْدوا به؛ أي: حرَّكته ورفعَته.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٨٣).
[ ٧ / ٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾: أي: علموا أنه واقع عليهم إن لم يقبَلوا ما في التوراة قاله الحسن (^١). وقيل: غلَب ظنُّهم بذلك.
وقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾: أي: قُلنا لهم: اقبلوا، وذلك حين جاء موسى بالتوراة وفيها أحكامٌ شاقَّة فامتنعوا عن قبولها، ووعَظهم موسى ﵇ فلم يقبلوا، فأمر اللَّه تعالى برفع الطور عليهم.
وقيل: هو الطورُ الذي سمع موسى وهو عليه كلامَ اللَّه تعالى وأُعطي الألواح.
وقيل: هو جبلٌ من جبال فلسطين فَرسخًا في فرسخٍ.
وقيل: هو الجبل الذي عند بيت المقدس.
وقيل لهم: إنْ قبلتُم وإلا وقع عليكم فرضَخكم، فقبلوا.
وقوله تعالى: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يدلُّ على أن قوةَ الفعل مع الفعل، فقد ذكرها مع الأخذ.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: وقد بينَّا القصة وفوائدَها مستوفاةً في سورة البقرة عند قوله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.
قال القشيري ﵀: قصارى مَن أتى جبرًا أن يَنكص على عقبيه طَوعًا، كذلك أهل الكتاب لمَّا قبلوا الكتاب بإجبارِ التكليف ما لبثوا حتى قابَلوه بالتحريف (^٢).
* * *
(١٧٢) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٧٦).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٨٤).
[ ٧ / ٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية: قال القشيري ﵀: أخبر بهذه الآية عن سابق عهده وصادق وعده، وتأكيدِ ودِّه بتعريف عبده، وفي معناه أنشدوا:
أَفديكَ والأيامُ أيضًا كلُّها يَفْدِينَ أيامًا عرَفْتُكَ فيها (^١)
وقال الإمام أبو منصور ﵀: تكلم الناس في تأويل هذه الآية، فمنهم مَن يقول: ذلك عندما خلَق آدم أَخرج مَن يكون من ذرِّيته مثلَ الذرِّ فعرَض عليهم قولَه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ لكنهم اختلفوا.
فمنهم مَن يقول: جُعلوا بالمبلغ الذي يجري على مثله القلم، وهو قول الحسن.
ومنهم مَن يقول: عرَض ذلك على الأرواح دون الأبدان.
ومنهم من يقول: [بلا عَرْضٍ] إنه خلَق صنفين فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار (^٢) ولا أبالي.
ومنهم مَن يقول: عرَض الكلَّ على ما عليه أحوالُهم وآجالُهم في الدنيا.
واللَّه أعلمُ كيف كانت القصة، أو (^٣) كيف ترى أحوال الفقر والغنى في الذر، أو (^٤) كيف قال: هؤلاء في كذا ولا أبالي، مع اجتماعهم على القول بـ ﴿بَلَى﴾؛ لقوله تعالى (^٥): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾.
وقد رأينا في تلك الأخبار ما كان حفظُ الناس -وبخاصةٍ حفظُ العوام وأهلِ
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٨٥).
(٢) في (أ) و(ف): "هؤلاء للجنة. . . وهؤلاء للنار".
(٣) في (أ) و(ف): "و".
(٤) في (ف): "و".
(٥) في "التأويلات": (لما عرض عليهم قوله)، بدل: "لقوله تعالى".
[ ٧ / ٥٤ ]
الضعف عن تبليغها- ألزمَ وأعظمَ في النفع وأبعدَ عن الشبهة من روايتها وتكلُّفِ الكشف عنها، فنسأل اللَّه العصمة عمَّا به الهلاكُ، والتوفيقَ للنُّصح بما به نجاةُ كلِّ سامع، ودفعُ كلِّ شبهةٍ وحيرةٍ، فإنه لا قوة إلا به.
ومنهم مَن ذهب في تأويل الآية إلى أن المعروف من أمرِ ذرية آدم هو الأخذُ عن الأصلاب والأرحام على ما يكون إلى يوم القيامة، وطوَّل وبيَّن على وجهٍ يتعذَّر ضبطُه على أكثر أهل العلم (^١).
لكن ذكر الشيخ أبو بكر القفَّالُ الشاشيُّ ﵀ في (^٢) معنى ذلك ما فهمه وحفظه، والوقوفُ على حاصله أسهلُ وأقرب، قال: ذكر اللَّه تعالى في هذه الآية والآياتِ التي قبلها أن اللَّه ﷿ بالَغ في إلزام الحجةِ وإبلاءِ العذر بما جمع لهم من دلائل السمع ودلائلِ العقل، وذكَر بعد أخذِ الميثاق على بني إسرائيل أخذَ الميثاق على الكلِّ بالعقول التي ركَّبها فيهم وأشهدَهم بها على أنفسهم بقوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: أخرجهم من أصلاب آبائهم ونقلهم إلى أرحام أمهاتهم، إلى أن بلغوا بتقليب الأحوال عليهم من نطفةٍ ثم علقةٍ ثم مضغةٍ مخلَّقةٍ وغيرِ مخلَّقةٍ إلى أن بلَّغهم إلى الحال التي يصدُحون فيها للتكليف بكمالِ عقولهم، وأَشْهَدهم بما شاهدوه (^٣) من آثار الصنعة فيهم وفي غيرهم على أنفسهم (^٤) أن لهم صانعًا قادرًا حكيمًا عالمًا فردًا قد ابتدأهم بالنعمة، وأن له بحكم ملكه أن يستأديَهم الشكرَ على نعمه بالطاعة فيما يأمرهم به، ثم أَتبع ذلك إرسال الرسل وإنزال الكتب
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٨٢ - ٨٣).
(٢) في (ر): "أن"، بدل: "في".
(٣) في (ف): "شهدوه".
(٤) "أنفسهم": ليست في (أ).
[ ٧ / ٥٥ ]
بما فيها من أوامره ونواهيه، وقال لهم تقديرًا: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أنت ربُّنا، بما ظهر عليهم من آثار الصنعة، وهو كما يُتأول عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقولُه تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١] على معنى: أنه ما من شيء إلا وهو بما عليه من آثار الصنعة ينزِّه اللَّه تعالى عن الأضداد والأنداد، فأقيمت شهادة الآثار مقامَ شهادة النطق؛ كما قال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وقال تعالى: فجعَل لِمَا لا لسان له نطقًا وكلامًا، وهكذا جعل ما يُوجد كلُّ إنسان عليه في نفسه مِن تعاقُب الأحوال كالشهادة منه على نفسه، وما أجراه اللَّه تعالى عليه من ذلك كالتقرير له به، وكأنه قال لهم بما أجراه عليهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وكأنهم قالوا بلسان أحوالهم: ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ وتمَّ الكلام هاهنا، ثم قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ عن أنَّ لنا ربًا وصانعًا إذا حُوسبتم يوم القيامة على التوحيد.
وعامةُ المفسرين وجمهورُ الصحابة والتابعين على إخراج ذريةِ آدمَ من ظهره وأخذِه الميثاقَ عليهم في عصره.
وقد رُوي عن عمر -﵁- أنه قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول -وقد سئل (^١) عن هذه الآية فقال-: "خلَق اللَّه تعالى آدمَ ثم مسحَ ظهرَه فاستخرج منه (^٢) ذرِّيته فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريته فقال: خلقتُ هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون"، فقال رجل: يا رسول اللَّه! ففيم العملُ؟ فقال: "إن اللَّه تعالى إذا خلق الرجل للجنة استعمله بعملِ أهل الجنة حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنة فيُدخلَه الجنة، وإذا خلق العبدَ للنار استعمله
_________________
(١) في (أ): "سئل"، وفي (ف): "يسأل"، بدل: "يقول وقد سئل".
(٢) "منه": ليست في (أ) و(ف).
[ ٧ / ٥٦ ]
بعملِ أهلِ النار حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل النار فيُدخلَه النار" (^١).
وذكر هذه القصةَ على البسطِ والاختصار والإقلالِ والإكثار: ابن عباس وابن مسعود وأبيُّ بن كعبٍ والكلبيُّ والحسن وعطاءٌ وأبو العاليةِ وسعيد بن جبير وابن جريجٍ ومَعْمَرٌ وعبد العزيز بن يحيى والسدِّي وعوفٌ ومقاتلٌ ومجاهدٌ وأبو مسلمٍ الخَوْلانيُّ وعطاء بن يسارٍ (^٢) وعكرمةُ وأبو قِلابةَ وداودُ بن أبي هندٍ -﵃-.
قال أبو العالية: جمَعهم جميعًا يومئذٍ، فجعلهم أزواجًا (^٣)، ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم وأخذ عليهم الميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قال: فإني أُشهِد عليكم السماواتِ السبعَ والأرضينَ السبعَ، وأُشهد عليكم أباكم آدمَ أن تقولوا يوم القيامة ما لم تعلموا، اعلموا أنه لا إلهَ غيري فلا تشركوا بي شيئًا، وإني سأرسل إليكم رسلًا يذكِّرونكم عهدي، وأُنزل عليكم كتبي، قالوا: نشهد أنك إلهُنا لا إلهَ غيرُك، فأقروا يومئذ بالطاعة ورَفع إليهم أباهم آدم فنظر إليهم فرأى منهم الغنيَّ والفقير وحسَنَ الصورة ودون ذلك، فقال: يا رب لو شئتَ لسوَّيت بين عبادك؟ فقال: إني أحب أن أُشكر، ورأى منهم الأنبياءَ مثل السُّرج، وخُصُّوا بميثاق
_________________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩)، والإمام أحمد في "المسند" (٣١١)، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، وصححه ابن حبان (٦١٦٦). لكن أعله ابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٣) بجهالة الراوي عن عمر، ثم قال: لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي -ﷺ- من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها، من حديث عمر وغيره. اهـ. قلت: وثمة حديث آخر عن عمر -﵁- في هذا المعنى أورده الآلوسي (٩/ ٤٦٧) هنا، ورواه الحاكم في "المستدرك" (١٦٨٢)، والبيهقي في "الشعب" (٤٠٤٠)، وأعله بأبي هارون العبدي، وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك": أبو هارون ساقط.
(٢) في (أ): "السائب".
(٣) في (ر) و(ف): "أرواحًا".
[ ٧ / ٥٧ ]
آخر في الرسالة والنبوة، قال: وفي هذا الميثاق قولُه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقولُه تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦] وقوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] (^١).
وفي رواية ابن جريج: خرجتْ كلُّ نفس خُلقت للجنة نقيةً بيضاء، وكلُّ نفس خُلقت للنار مظلمةً سوداءَ، وهم أمثالُ الخردل في صوَرِ الذر، فقال: يا عباد اللَّه أجيبوا، يا عباد اللَّه (^٢) أطيعوا، فقالوا: لبيك اللهم لبيك، فأخذ عليهم العهد بالإيمان به وبأمره (^٣).
واختلفت الروايات في مكان ذلك:
قال ابن عباس ﵄: بدَحْناءِ الطَّائف (^٤).
وقال سعيد بن جبير: بنَعْمانِ السَّحابِ عند عرفات (^٥).
_________________
(١) رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائده على "المسند" (٢١٢٣٢)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٥٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥١٦)، والآجري في "الشريعة" (٤٣٥)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٥٥)، والبيهقي في "القضاء والقدر" (٦٦)، والضياء في "المختارة" (١١٥٨)، جميعهم من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب -﵁- موقوفًا.
(٢) في (ف): "يا عبادي" في الموضعين.
(٣) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٥٦) من طريق ابن جريج بعضه عن ابن عباس وبعضه عن مجاهد.
(٤) رواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٢٩) دون كلمة: "الطائف"، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٤٥) لكن بلفظ: (بدحناء أرض بالهند)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٢٥) (ت: محمود شاكر) بلفظ: (بدهنا أرض بالهند).
(٥) رواه الفاكهي في "أخبار مكة" (٢٩١١). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٥٦) بلفظ: (بنَعْمانَ ونَعْمانُ مِن وراءِ عرفةَ). ورواه (١٠/ ٥٥٠) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بلفظ: (ببطن =
[ ٧ / ٥٨ ]
وقال الكلبي: بين مكة والمدينة والطائف.
وعن ابن عباس ﵄ في رواية أخرى: بحراءَ خلفَ جبلِ عرفة (^١).
وروي أنه كان بعدما رفع إلى السماوات على باب الجنة في صحراء عرضُها مسيرةُ ثلاثين ألف سنة.
وقال مقاتل: إن اللَّه تعالى مسح صفحةَ ظهرِ آدم اليمنى فأخرج منه ذريةً بيضاءَ كهيئة الذرِّ يتحرَّكون، ثم مسح صفحةَ ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداءَ كهيئة الذرِّ وهم ألفُ أمَّة، فقال: يا آدم هؤلاء ذريتُك آخُذ (^٢) ميثاقَهم على أن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئًا وعليَّ رزقُهم، فقال: نعم يا رب، فقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ثم أفاضهم إفاضةَ القِدَاح فقال للبِيض: هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين وأصحابُ الميمنة، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال وأصحابُ المشئمة، ثم أعادهم جميعًا في صُلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلُّهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمَن مات منهم صغيرًا دخل الجنة بمعرفته [بربه]، ومَن بلغ العقل منهم أَخذ ميثاقه أيضًا للمعرفة بربِّه والطاعةِ له، ومَن لم يؤمن إذا بلغ العقل لم يُغنِ عنه الميثاقُ الأول شيئًا، وكان العهد الأول حجةً عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ (^٣).
* * *
_________________
(١) = نعمان، واد إلى جنب عرفة). ونعمان السحاب: جبلٌ بالقُرْبِ مِن عَرَفةَ، يقال: إنَّه يتَّصلُ بوادي القُرَى ونواحِيهِ، وهما جَبَلانِ، ونَسَبه إلى السَّحابِ لأَنَّه مُشْرفٌ عالٍ، والسَّحابُ يَرْكُدُ دونَ أعلاه. انظر: "مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: دحن).
(٢) لم أقف عليه، وانظر ما تقدم من روايات عن ابن عباس.
(٣) في (ف): "أخذت".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٧٢ - ٧٤)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٧ / ٥٩ ]
(١٧٢) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ تقديرُها: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم، وما رَويناه أنه أخذ من ظهر آدم، فالتوفيق بينهما: أن الأخذ من ظهر آدم: أنَّ اللَّه أخرج ذرية آدم بعضَهم من بعضٍ إلى آخَر الدنيا على ما يتوالدون، فكان ذلك أخذًا من ظهره، وكان ذلك في أدنى مدةٍ كما يكون في موت الكلِّ بالنفخ في الصور وحياةِ الكل بالنفخة الثانية، وكما في تعليم أسماء الأشياءِ لآدم: وما ذكر في الحديث: "مسَح اللَّه ظهره (^١) بيده" فهو مسحُ ملَكٍ بأمره.
وعلى هذا ما روي: "خلقَ اللَّهُ تعالى جنةَ عدن بيده" (^٢) و"غرس شجرةَ طوبى بيده" (^٣) وهو كما يقال: ضرب الأمير فلانًا؛ أي: ضربه ضاربٌ بأمره.
وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أي: ذريةَ بني آدم، وهم ذريةُ آدم.
قال ابن عباس ﵄ وأبي بن كعب: فجعلهم سامعينَ ناطقينَ عقلاءَ مختارين، فإنه أَشهدهم ولا يصحُّ الإشهاد إلا على الموصوفِين بهذه الصفات، ولأنه خاطبهم فدلَّ على سماعهم، وأجابوا فدل على كلامهم، وقالوا: ﴿شَهِدْنَا﴾ فدل على علمهم وعقلهم، وقال: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فدلَّ على اختيارهم (^٤)، وليس
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ظهر آدم".
(٢) رواه الطبراني في "الأوسط" (٥٥١٨) و"الكبير" (١٢٧٢٣) من حديث ابن عباس ﵄، وجوَّد إسناده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٩٧). ورواه الحاكم في "المستدرك" (٣٤٨٠) من حديث أنس -﵁-.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٢٨) من حديث معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعًا، وإسناده ضعيف جدًا.
(٤) روى معناه عن ابن عباس وأبيٍّ الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٥٦ - ٥٥٧).
[ ٧ / ٦٠ ]
بمستبدَعٍ مستبعَدٍ وضعُ هذه الأشياءِ في الذرِّ الصغارِ من قدرة اللَّه اعتبارًا بنمل سليمان وهُدهده، وكلامِ عيسى في المهد، وشهادةِ الرضيع ليوسف ﵇.
وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾: أي: فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى التقرير، كما في قول الشاعر:
ألستُم خيرَ مَن ركب المطايا وأندَى العالمين بطونَ راحِ (^١)
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى﴾: وهو في سؤال النفي إثباتٌ فكان إقرارًا، وكان من الكلِّ فكان إيمانًا منهم، لأنه إقرارٌ وتصديق، والإقرار قولهم: ﴿بَلَى﴾ والتصديق ثبت بمقتضَى قوله: قالوا: ﴿شَهِدْنَا﴾ لأن الإقرار بدون الاعتقادِ لا يكون شهادةً، ولهذا رد اللَّه تعالى على المنافقين قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] فقال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وقولُهم: هو رسول اللَّه، لم يكن كذبًا، لكن ذكروا أنهم يشهدون به ولم يكن لهم اعتقادٌ، فلم تكن لهم شهادةً، فكانوا كاذبين في دعوى الشهادة.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾: أي: فعلنا هذا لئلا تقولوا يوم القيامة، قرأ أبو عمرو يقولوا بياء المغايبة، وكذا بعده: ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ (^٢)؛ أي: لئلا يقولَ هؤلاء.
وقرأ الباقون بتاء المخاطبة خطابًا لهؤلاء؛ أي: لئلا تحتجُّوا فتقولوا: إنَّا كنا غافلين عن أن لنا ربًا وصانعًا.
* * *
_________________
(١) البيت لجرير، وهو في "ديوانه" (١/ ٨٩).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٨)، و"التيسير" (ص: ١١٤).
[ ٧ / ٦١ ]
(١٧٣) - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: لئلا تقولوا يا معشر المشركين من العرب: إنما أشرك آباؤنا من قبلِ خَلْقِنا وكنَّا أولادًا صغارًا من بعدهم فاتَّبعناهم، ولم يكن لنا علمٌ بهم (^١) بأنهم على الباطل وأن الحق في غيره.
وقوله تعالى: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾: أي: آباؤنا والعيبُ لهم لا لنا، يقول: سدَدْتُ عليهم (^٢) هذا البابَ بأَخْذ هذا الميثاق، على قول عامة المفسرين، وبنصب الدلائل العقلية والسمعية على قولِ القائلين (^٣).
* * *
(١٧٤) - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: أي: كما بينَّا هذا نبيِّن جميعَ ما يحتاجون إليه قطعًا لعذرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: وليرجعوا عن الشرك إلى التوحيد، والواو زائدة عند بعضهم، ومقرِّرة عند آخرين بتقدير إضمارٍ قبلها أو بعدها.
فإنْ قالوا: ما وجهُ إلزامِ الحجة بقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ونحن لا نذكر هذا الميثاق وإن تفكَّرنا.
_________________
(١) "بهم": من (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "عليكم".
(٣) في (أ): "القابلين".
[ ٧ / ٦٢ ]
قلنا: اللَّه تعالى أنسانا ذلك ابتلاءً؛ لأن الدنيا دارُ غيب وعلينا الإيمانُ بالغيب، ولو تذكَّرنا ذلك زال الابتلاء، وليس ما يُنسى تزول به الحجة ويَثبت به العذر؛ قال اللَّه تعالى في أعمالنا: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] وأَخبر أنه سينبئنا به وقال: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق: ٢٢]، ولأن اللَّه تعالى جدَّد هذا العهد وذكَّرنا هذا المنسيَّ بإرسال الرسل وإنزال الكتب بعده، فلم يَثبُت العذر.
وقال الإمام القشيري ﵀: وَسَم بالجهل قومًا فألزمهم بالإشهاد الحجةَ، وأَكرم بالتوحيد آخرين فأشهدهم واضحَ المحَجَّة.
وقال: أَسمَعهم وفي نفسِ ما أسمحهم أحضرهم لِمَا أسمعهم، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم، وقام عنهم فأنطقهم بحُكم التصريف (^١)، وحَفِظ عليهم بحُسن التولِّي أحكامَ التكليف، فكان ﷾ لهم مكلِّفًا، وعلى ما أراد مصرِّفًا، وبما استخلصهم له معرِّفًا، وبما رقَّاهم إليه مشرِّفًا.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: إذا سدَّت عيونُ البصيرة فما ينفع وضوح الحجة (^٢).
* * *
(١٧٥) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾: اتِّصالُها بما قبلها
_________________
(١) كذا في النسخ، وفي "لطائف الإشارات": (التعريف).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٨٥ - ٥٨٧).
[ ٧ / ٦٣ ]
أنه ذكر إيمان الكلِّ يومَ الميثاق، ثم ذكَّر اليوم بكفر بعضهم، فبيَّن (^١) أن ذلك الإيمان ليس بمبقٍ على الإيمان، فإن إيمان بلعم مع الآيات لم يكن مُبْقيًا له على الإيمان.
واختلف المفسرون فيمَن نزلت فيه (^٢) هذه الآية على أقوال:
قال ابن عباس ﵄ وابن مسعود ومقاتلٌ والكلبي ومجاهدٌ ووهبٌ وعطاءٌ وعبد الكريم بن أبي المخارق والضحَّاك: هو بلعم (^٣)، واختلفوا في نسَبه:
قال ابن عباس والكلبي: هو ابن باعوراء (^٤).
وقال ابن مسعود ومجاهد: هو ابنُ أَبر (^٥).
وقال عطاء: هو ابن باعر (^٦).
وقال مقاتل: هو بلعم بن باعورا بن مان بن لوط (^٧).
وقال ابن عباس ﵃: كان من مدينة الجبارين (^٨) التي مرَّت قصتهم في سورة المائدة.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ثم بين".
(٢) "فيه": من (أ) و(ف).
(٣) رواه الطبري (١٠/ ٥٦٦ - ٥٦٩) عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٦٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٧) عن ابن عباس.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٦٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٦) عن ابن مسعود، وقيده الطبري في إحدى الروايات عن ابن مسعود (أبُر) بضم الباء، ولعل فيه إشارة إلى أن باقي الروايات بالفتح.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٦٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٨) عن ابن عباس.
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٢/ ٥٨٩) (ط: دار التفسير)، وفيه: (مأب)، بدل: "مان". وفي "تفسير مقاتل" (٢/ ٧٤): بلعام بن باعورا بن ماث بن حراز بن آزر.
(٨) رواه الطبري (١٠/ ٥٦٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٦ - ١٦١٧).
[ ٧ / ٦٤ ]
وقال مقاتل: كان من مدينةِ بلقاءَ، وسميت بلقاءَ لأن رجلًا ملَكها يقال له: بالقٌ (^١).
وكان من قصته: أن موسى ﵇ أراد أن يغزوَ ملكًا، فقال الملِك لبلعم: إن موسى رجلٌ حديدٌ، ومعه جندٌ كثير، فإن ظهر علينا أهلكَنا، فادْعُ اللَّه تعالى أن يردَّه عنا، فقال: إن فعلتُ ذلك ذهبتْ دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، قالوا: فوقع موسى وبنو إسرائيل في التِّيه بدعائه، فلما انقضت المحنة قال موسى: يا رب! بأيِّ ذنب وقعتْ لنا هذه المحنة؟ قال: بدعاء بلعم، قال: فكما سمعتَ دعاءه عليَّ فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى عليه فسلخه اللَّه مما كان عليه، ونزع منه معرفته فخرجت من صدره كحمامة بيضاء، وذلك قوله ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (^٢).
وهذا كلامٌ مختلٌّ، واحتباسهم في التِّيه كان بقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] لا بدعاء بلعم، وكيف يُستجاب دعاءُ بلعم وقد انسلخ من الآيات، ولأنه قد دعا على موسى وقومه بالباطل، وكيف دعا موسى على بلعم بزوال الإيمان وكان مبعوثًا إلى الناس ليدعوَهم إلى الإيمان (^٣).
وقال مقاتل: قال له ملك بلقاءَ: ادع اللَّه على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنَصب خشبةً ليَصلبه، فلما رأى ذلك خرج على أتانٍ له ليدعوَ عليه،
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٧٤)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٠٤).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٠٦) عن مقاتل، وسياقه في "تفسير مقاتل" مختلف وسيأتي.
(٣) وقد رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٦) عن ابن عباس بسند جيد وسياق لا إشكال فيه، ولفظه: هو رجل من مدينةِ الجَبَّارِين يقال له: بَلْعَمُ، وكان يَعْلَمُ اسمَ اللَّه الأكبر، فلمَّا نَزَل بهم موسى أتاه بنو عمِّه وقومُه، فقالوا: إن موسى رجلٌ حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه إنْ يظهر علينا يهلكنا، فادع اللَّه أن يردَّ عنَّا موسى ومن معه. قال: إني إنْ دعوت اللَّه أن يردَّ موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي! فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه اللَّه مما كان عليه، فذلك قوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
[ ٧ / ٦٥ ]
فلما عاين عسكرَهم قامت به الأتان ووقفت فضربها، فقالت: لمَ تضربُني وهذه نار قد منعَتْني أن أمشي، فرجع فأَخبر الملك بذلك، فقال الملك: لتدعوَنَّ عليه وإلا (^١) لأَصْلبنك، فدعا على موسى ﵇ بالاسم الأعظم أن لا يدخل المدينةَ، فاستُجيب له، وبلغ ذلك موسى صلوات اللَّه عليه فدعا اللَّه تعالى أن ينزع منه الاسمَ الأعظمَ فنزعه، فذلك قولُه تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (^٢).
وقال وهبٌ: لمَّا نزل موسى أرضَ كنعان من الشام بين أريحا وبين أردنَّ وجبلِ البلقاء، والتيهُ بين هذه المواضع، أرسل بالق إلى بلعم بن باعوراء (^٣) وكان يسكن قريةً من قرى البلقاء (^٤)، فقال: إنَّا رهبنا هؤلاء القومَ لأنه قد جاز البحرَ ليُخرجنا من بلادنا ويَنزلها ببني إسرائيل، ونحن قومُك وليس لك بقاءٌ بعدنا، ولا خير لك في الحياة بعدنا، وأنت مجابُ الدعوة، فاخرج وادْعُ عليهم، فقال بلعم: ويلكم، نبيُ اللَّه معه الملائكةُ والمؤمنون! كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من اللَّه ما أعلم؟ فلم يزالوا يترفَّقون به ويتضرَّعون إليه، وكانت له امرأةٌ أشبُّ منه وكان (^٥) يحبُّها ويطيعها، فدسوا إليها هدايا فقبِلتها، ثم أتوها فقالوا لها: قد نزل بنا ما ترَين فكلِّمي بلعم في هذا، فقالت لبلعم: إن لهؤلاء القومِ حقًّا وجوارًا وحرمةً، وليس مثلُك أسلمَ جيرانَه عند الشدائد، وقد كانوا محسِنين إليك، وأنت جدير أن تكافئهم وتهتمَّ بأمرهم، فقال لها: لولا أني أعلم أن هذا الأمر من عند اللَّه لأجَبْتُهم، فقالت: انظر في أمرهم، فلم
_________________
(١) في (أ) و(ف): "أو".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٧٤ - ٧٥).
(٣) في (أ): "باعور".
(٤) في (ف): "بلقاء" هنا وفي الموضع السابق.
(٥) "وكان": من (ف).
[ ٧ / ٦٦ ]
تزَل به حتى ضلَّ وغوى، وكان اللَّه تعالى عزَم له في أول أمره على الرشد ففتنَتْه، فركب حماره فوجَّهها إلى الجبل الذي يُطلعه (^١) على بني إسرائيل، فلما (^٢) سار غير بعيد ربَضت أتانُه، فنزل عنها فضربها فقامت، فلم تَسِرْ إلا قليلًا حتى ربَضت، ففعل بها مثلَ ذلك، فلم تَسِرْ إلا قليلًا حتى ربَضت، فضربها فأذن لها فكلَّمته (^٣) فقالت: يا بلعم! إني مأمورة فلا تظلمني، انظرْ إلى ما بين يديك، ألا ترى أن الملائكة أمامي يردُّوني عن وجهي هذا، يقولون: أتذهبين إلى نبيِّ اللَّه والمؤمنين يدعو عليهم بلعم؟ فخلَّى سبيلها ثم انطلق حتى أشرف على رأس جبلٍ مشرفٍ على بني إسرائيل، فجعل يدعو عليهم، فلا يدعو بشيءٍ من السوء إلا صرف اللَّه به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف اللَّه لسانه به إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري ما تصنع؟ فقال هذا مما لا أملك، وهذا شيء قد غلبه اللَّه على لساني (^٤).
وفي رواية: فجاءته لمعةٌ فذهبت ببصره فعمِيَ، فقال لهم: قد ذهبت الدنيا والآخرة (^٥).
وفي رواية: فلما وقفت الأتان وكلَّمته قالت له: انظر أمامك، فإذا بملَكٍ قد قطع عليه الطريق، فخرَّ ساجدًا حتى انكشف عنه الملك، فانطلق لوجهه حتى قدم على القوم، فقرَّب قربانًا فتقبَّل اللَّه تعالى منه، وأوحى إليه: أن موسى خِيْرَتي فانصرِفْ، فرجع فما زالوا به حتى فتنوه فقال: لم يبق إلا المكر والحيلة، اعلموا أنهم أهل كتاب
_________________
(١) في (أ): "يطالعه".
(٢) في (ف): "فما".
(٣) في (ف): "حتى كلمته".
(٤) رواه ابن عساكر في "تاريخه" (١٠/ ٤٠٣ - ٤٠٥).
(٥) ذكرها ابن عساكر في "تاريخه" (١٠/ ٤٠٥).
[ ٧ / ٦٧ ]
فإذا أذنب مذنبهم ولم يغيِّر عامَّتهم عمَّهم البلاء، فدُسُّوا في عسكرهم النساء فإني لا أعلم فتنةً أَوشَكَ صرعةً للرجل من المرأة، فانظُروا نساءً لهنَّ جمالٌ فأعطوهن السِّلع ثم أرسلوهن إلى العسكر يَبِعْنها فيه، ولا تَمنعِ امرأ نفسَها عن رجلٍ أرادها، فإنه إنْ زنى (^١) منهم رجل كُفِيتُموهم، ففعلوا، فمرت كشي بنت صورا على زمريِّ بن شَلوم (^٢) من سبط شمعون بن يعقوب، فأعجبته فأخذ بيدها فأدخلها قبَّته فوقع عليها، فأظهر اللَّه تعالى عليهما كاهن (^٣) بن هارون، وكان أعطي بسطةً في الخَلْق وقوةً في البطش (^٤)، فأخذ حَربته فدخل عليهما وهو فوقها فطعنهما بحربته حتى أنفذهما، ثم رفعهما كذلك في الهواء وأقبل الناسُ وأنكروا وغيَّروا، فوقاهم اللَّه العذاب، وأقبل موسى وقومُه وحاربوا أهل بلقاء وغلبوهم وقتلوا منهم وأسروا، وأتوا ببلعم أسيرًا فقتل، فجاؤوا بما قَبِل من الهدايا وهي عشرُ صحافٍ ذهبًا مملوءةٌ ورِقًا وغَنِموها، وذلك قوله تعالى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ (^٥).
قيل: هي اسم اللَّه (^٦) الأعظم.
_________________
(١) في (أ): "يزني".
(٢) في (أ) و(ر): "مري بن شولا"، وفي (ف): "موسى بن شولا". والمثبت من المصادر. انظر: "تفسير الطبري" (١٠/ ٥٨٠)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٠٥)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (١٠/ ٤٠٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٢).
(٣) في (أ): "كاهز". والذي في المصادر السابقة أن اسمه: (فنحاص بن العيزار بن هارون).
(٤) في (أ): "الجسم".
(٥) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠/ ٤٠٣ - ٤٠٦) عن وهب، وبنحوه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٧٩ - ٥٨١) من طريق ابن إسحاق عن سالم بن أبي النضر، ونسب في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٠٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٢) لابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم.
(٦) في (ف): "هو الاسم".
[ ٧ / ٦٨ ]
وقال ابن عباس ﵄: العلم (^١).
وقال الحسن: الدِّين الحقُّ.
وما يذكر في بعض الروايات أنها الوحي والكتاب وكان نبيًّا، فما ينبغي أن يقال ذلك أو يُقبل؛ لأن أنبياء اللَّه تعالى (^٢) مختارون على العلم، قال اللَّه تعالى ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقال تعالى ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ فمن المحال أن يكون منهم الانسلاخ عن الدين.
وقيل: الآيات: صحف إبراهيم وكان يحفظُها.
وقيل: هي الكرامات، وكان إذا نظر إلى السماء رأى إلى العرش، وإذا نظر إلى الأرض رأى إلى ما تحت الثرى، وكان وليًّا له كرامات.
قوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾؛ أي: ترك الآيات وفارقها، فكان كالمنسلِخ الخارج من الشيء.
قال وهب: الآيات:
أولهن: أنه دعا اللَّه تعالى في المرة الأولى فعزم له على رُشده أن لا يفعل.
والثانية: كلام الأتان.
والثالثة: مقام (^٣) الملَك.
والرابعة: الإخبارُ بأن موسى ﵇ خيرةُ اللَّه تعالى من خلقه (^٤) وما ينبغي أن يُدْعى عليه وعلى قومه.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٧٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٨).
(٢) في (ف): "لأن الأنبياء".
(٣) في (أ) و(ف): "كلام".
(٤) في (أ): "خيَّره اللَّه".
[ ٧ / ٦٩ ]
فانسلخ منها كلِّها.
وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾: أي: لَحِقه فغَرَّه.
قال الأخفش: (أَتْبَعه) بقطع الألف: صار معه وتَبِعه، و(اتَّبعه) بالتشديد: أخذ (^١) في أثره أَدركه أو لم يُدركه؛ قال تعالى في الأول بمعنى الإدراك: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]؛ أي: أدركوهم.
وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ﴾؛ أي: فصار، كما في قوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]، وقولهِ تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] أو: كان في علم اللَّه تعالى أنه ينسلخ من آياته فيكونُ من الكافرين حين ينسلخ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: أي: لأَعْلَينا درجتَه في الناس بتلك الآيات.
وقال مجاهد: لرفعنا الكفر عنه (^٣).
وقال عطاء: لعصمناه من المعاصي (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال سعيد بن جبير والسدِّي: أي: ركَن (^٥).
_________________
(١) في (أ): "أخذه".
(٢) "حين ينسلخ": ليس في (أ).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٠٨)، و"النكت والعيون" (٢/ ٢٨٠)، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٨٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٩).
(٤) انظر: "البسيط" (٩/ ٤٦٥).
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٨٤)، وعن سعيد بن جبير ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٩).
[ ٧ / ٧٠ ]
وقال مقاتل: أي: رضي بالدنيا (^١).
وقيل: أي: أحبَّ الجاه في الدنيا، وقد خَلَد؛ أي: دام، وأَخْلَد؛ أي: سكَن واطمأن.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: أي: ترك هداهُ واختار (^٢) ما دعَتْه إليه نفسُه وهواه من حبِّ دنياه.
وقال أبو رَوقٍ: أي: اختار الدنيا على الآخرة.
وقال الكلبيُّ: أي: اتَّبع مَسافلَ الأمور وترَك معاليَها.
وقال يمان بن رِئاب: أي؛ اتَّبع امرأته؛ لأنها حملتْه على الخيانة (^٣).
وقال عطاء: أي: أطاع شيطانه (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾: اللَّهْث من حدِّ عَلِمَ (^٥)، وهو التنفُّس الشديد الذي قد يَلحق الإنسان من شدة الإعياء، وهو في الكلاب طبعٌ، وقد يكون من العطش؛ أي: إن حمَلْتَ عليه لتطرده لَهثَ وإن تركتَه لَهث، فسواءٌ عنده الطردُ وتركُه، فكذا هذا الخبيثُ سواءٌ وَرَدَتْ عليه زواجرُ (^٦) آيات اللَّه أو لم تَرِدْ فهو بحاله.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٧٥).
(٢) في (ر): "واتبع".
(٣) في (أ): "الجناية".
(٤) انظر هذه الأقوال جميعها في "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
(٥) وفي "مختار الصحاح": بابه قطَع، ومثله في "القاموس" قال: لَهَثَ كمنع لَهْثًا ولُهاثا: أخرج لسانه عطشًا أو تعبًا أو إعياءً. وذكر أنه يكون من باب سمع بمعنى العطش.
(٦) في (ر): "واردات".
[ ٧ / ٧١ ]
وقال ابن عباس ﵄: الكلب منقطِعُ الفؤاد فهو يلهث إن حُمل عليه أو (^١) لم يُحمل عليه، كذلك مَثَلُ الذي يترك الهدى لا فؤاد له (^٢).
وقال عطاء: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ ينبح، وإن لم تحمل عليه فكذلك (^٣).
وقال القتبي: كلُّ شيء يَلهث فإنما يَلهث من إعياءٍ أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في الكَلال والراحة، والمرض والصحة، والعطش والرِّي، ضرب اللَّه مثلًا للَّذي كفر (^٤) بآياته أنه ضالٌّ وُعظ أو لم يُوعظ، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] (^٥).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: ليتَّعظوا.
وقوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ دليلٌ على أن شقاوته كانت من جهته، وهو أنه انسلخ من الآيات، وكانت مراعاتُه إياها (^٦) حافظةً له، فلمَّا ترَكها أَتْبعه الشيطانُ، وهو كاللصِّ لا يصل إلى العِير (^٧) ومعهم الرعاةُ، فإذا فارَقوهم وصل إليهم اللصُّ، ولمَّا جَهِل قَدْرها واستخفَّ بها حُرمها وتغيَّرت عليه أحواله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
_________________
(١) في (ف): "وإن".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٨٦) عن ابن جريج.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٠٩).
(٤) في (ر): "مثلًا للذين كفروا".
(٥) انظر: "تأويل مشكل القرآن" (ص: ٢١٦)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٠٩).
(٦) في (ر): "لها".
(٧) في (ف): "الغنم".
[ ٧ / ٧٢ ]
وكان انسلاخُه عنها بسبب طاعته امرأتَه في الميل إلى الدنيا، وأخذِ الحطام من أهل الزمان، ولا شيء أضرُّ بالعالم من الطمع؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقال الأنبياء: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩].
وقوله: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ لم يسوِّه بالكلب، بل جعَل مَثَلَه كمَثَلِ الكلب في المعنى الذي ذُكر، ولا مساواة بينهما، بل كلبٌ واحدٌ خيرٌ من ألفٍ أو (^١) أكثرَ من بلعم، فإن الكلب عارفٌ باللَّه موحِّدٌ للَّهِ لا يعاقَب بالنار، وبلعم كافرٌ باللَّه خالدٌ في عقوبة اللَّه تعالى.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: إنما ضَرب المثَلَ بالكلب لأن من عادة الكلب أنه (^٢) يَذلُّ ويَخضع لكلِّ أحد؛ لِمَا يطمع أن ينال منه أدنَى شيءٍ، ولا يبالي ما يصيبه من الذلِّ والهوان، وكذا المكذِّب بالآيات لا يبالي بما يَلحقه من الذلِّ بعد أن يصيب من الدنيا شيئًا.
ويُشْبِهُ أن يكون وجهُ ضربِ هذا المثل: أن مِن عادة الكلب أنه إذا ظَفر بالجيَف ينكبُّ لها (^٣)، حتى إذا دُعي إلى غيرها لم يلتفت، فكذا الكافر (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إن الحق ﷾ قد يُظهر الأعداء في لباس الخلَّة ثم يردُّهم إلى سابق القِسمة، ويُبرز الأولياءَ بنعت الخلاف والذِّلَّة ثم تغلب عليهم مقسومات الوُصلة.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "و".
(٢) في (ف): "أن".
(٣) في (ف): "عليها".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٩٢).
[ ٧ / ٧٣ ]
(١٧٦) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقال في قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: لو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تَلحقه الشقاوةُ الأبدية، ولكن مَن قصَمَتْه السوابق لم تُنعشه اللواحق.
وقال في قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾: إذا كانت مساكنةُ آدم الجنةَ وطمعُه في الخلود فيها أوجب خروجَه عنها، فالرُّكون إلى الدنيا متى يُوجب البقاء فيها (^١)؟
هذا كلُّه تمشية مَن قال: إنها في بلعم.
وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيِّب وزيدُ بن أسلم وأبو روقٍ: إنها نزلت في أمية بن أبي الصَّلْت (^٢).
وكان ابتداء أمره أنه كان قد قرأ الكتب، وعلِم أن اللَّه يُرسل رسولًا في ذلك الوقت، وظن أنه يكون ذلك الرسولَ، فلما أُرسل إلى محمد -ﷺ- حسَده، وكان قصَد بعضَ الملوك، فلما رجع مرَّ على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيًّا ما قتل أقرباءه، فلما مات أميةُ فأتت أختُه فارعةُ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فسألها عن وفاة أخيها فقالت: بينا هو راقد أتاه آتيان (^٣) فقعد أحدهما عند رجليه والآخر
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٨٧).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٣). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٥٨)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٧٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٦).
(٣) في (ف): "اثنان".
[ ٧ / ٧٤ ]
عند رأسه، فقال الذي عند رجله للَّذي عند رأسه: أَوَعَى؟ قال: وَعَى، قال: أَزكَى؟ قال: أبَى (^١).
وفي رواية الكلبيِّ: كَشَطَ سقفَ البيت آتيان (^٢)، فنزل أحدهما وشقَّ بطنه، وناداه الذي على ظهر البيت: أَوَعَى؟ قال: وعى، قال: أزَكَى؟ قال: أبى، ومعه ابنتاه فذكَرتا له فقال: خير أُريد بأبيكما فلم يقبله (^٣).
وفي رواية: نزل طيرانِ فشقَّ أحدُهما بطنه وأخرج قلبه وشمَّه، ثم سأله الآخر ذلك فقال ذلك (^٤).
وذكرت فارعةُ من شعره لرسول اللَّه ﵇ قصيدةً ثم قصيدةً، ثم (^٥) أنشدت هذه:
عند ذي العرشِ يُعرَضون عليه يَعلمُ الجهرَ والسِّرارَ الخفيَّا
يومَ نأتي الرحمنَ وهو رحيمٌ إنه كان وعدُه مَأْتيّا
_________________
(١) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/ ٢٨٢) من طريق إسحاق بن بِشرٍ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن الزهريِّ عن سعيدِ بن المُسَيِّبِ، وعثمانَ بنِ عبدِ الرحمن عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيِّب، قال: قدمَتِ الفارِعةُ أختُ أُميةَ بنِ أبي الصَّلْتِ على رسولِ اللَّه -ﷺ- بعدَ فتحِ مكَّةَ. .، فذكره. وإسحاق بن بشر متروك والخبر مرسل. ورواه من طريق آخر عن ابن إسحاق ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٤/ ١٨٩٠) ولم يسقه بتمامه، وفي سنده إلى ابن إسحاق ضعف كما في "الإصابة" (٨/ ٥١). ورواه صاحب "الأغاني" (٤/ ١٣٤) من طريق آخر عن الزهري، ولم يذكر ابن المسيب. وجاء في هذه الروايات: طائران، بدل: آتيان.
(٢) "آتيان": ليس من (ف).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٥٩). وفيه: (نسران)، بدل: "آتيان".
(٤) هي رواية إسحاق بن بشر. وقد ذكرناها قريبًا.
(٥) "قصيدة ثم": من (أ) و(ف).
[ ٧ / ٧٥ ]
يومَ نأتيه مثلَ ما قال فردًا ثم لا بدَّ راشدًا أو غَوِيّا
أسعيدًا سعادةً أنا أرجو أو مُهانًا بما اكتسبتُ (^١) شَقِيّا
إن يؤاخِذْ بما اجترمْتُ فإني سوف ألقَى من العذاب فَرِيّا
ربِّ إن تَعْفُ فالمعافاةُ ظنِّي أو تعاقِبْ فلمْ تُعاقِبْ بَرِيّا
فقال النبيُّ -ﷺ-: "آمن شعره وكفر قلبه" (^٢).
وفي روايةٍ ذكرت أنه أتاها خبر موته قالت: فانطلقت إليه (^٣) فوجدتُه منعوشًا قد سجِّي عليه، فدنوت منه فشهَق شهقة وشَقَّ بصرُه ونظر نحو السقف ورفع صوته فقال: لبَّيكما لبَّيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو مال فيغنيَني، ولا ذو أصل (^٤) فيحميَني، ثم أُغمي عليه فشهَق شهقةً فشقَّ بصرُه ورفع صوته فقال: لبَّيكما لبَّيكما ها أنا ذا لديكما لا ذو براءةٍ فأعتذرَ ولا ذو عشيرةٍ فأنتصرَ، ثم أُغمي عليه وشهق (^٥) شهقةً ونظر نحو السقف فقال: لبَّيكما لبَّيكما ها أنا ذا لديكما:
ربِّ إن (^٦) تغفرْ تغفرْ جمّا وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا
ثم أغمي عليه، ثم شهق شهقة فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، ثم قال:
_________________
(١) في (ف): "كسبت".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٠٧)، والشعر في "ديوان أمية" (ص: ١٥٥ - ١٥٦). والمرفوع منه رواه ابن عبد البر في "التمهيد" (٤/ ٧) من حديث ابن عباس ﵄. وروى مسلم (٢٢٥٥) من حديث الشريد بن سويد عن النبي -ﷺ- قوله: "فلقد كاد يسلم في شعره".
(٣) في (ر): "فأتيته".
(٤) في (أ): "أهل".
(٥) في (أ) و(ف): "ثم شهق".
(٦) المشهور في رواية هذا الشطر هو: "إن تغفر اللهم"، وبه يستقيم وزن البيت.
[ ٧ / ٧٦ ]
كلُّ عيشٍ وإنْ تطاوَلَ يومًا صائرٌ مرَّةً إلى أنْ يَزولا
ليتني كنتُ قبلَ ما قد بدا لي في قلالِ الجبالِ أرعى الوُعولا
إنَّ يوم الحساب يومٌ عظيمٌ شابَ فيه الصغيرُ يومًا ثقيلا
ثم مات، قال النبي -ﷺ-: "كان مَثَلُ أخيكِ كمَثَلِ الذي آتاهُ اللَّه آياته فانْسَلخ منها" الآية (^١).
وفيه قولٌ آخرُ: روى أبو الجوزاء عن ابن عباسٍ ﵄: أن الآية نزلت في البَسوس (^٢)، وكان من قصته: أن رجلًا أُعطي له ثلاثُ دعوات مستجابات، وكانت له امرأة يقال لها: البَسوس، وكان له منها ولد فقالت له: اجعل لي منها دعوةً واحدة، فقال: لك منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادعُ اللَّه لي أن يجعلني أجملَ امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجُعلت أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أنه ليس فيهم مثلُها رغبت عنه، فغضب الرجل ودعا عليها فصارت كلبةً نبَّاحةً فذهبت فيها دعوتان، فجاء أولاده (^٣) فقالوا: ليس بنا على هذا قرار، قد صارت أمُّنا كلبةً نبَّاحةً والناسُ يعيِّروننا بها (^٤)،. . . . . . .
_________________
(١) قطعة من خبر سعيد بن المسيب الذي رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/ ٢٨٢)، وقد تقدم قريبًا. ورواه دون المرفوع صاحب "الأغاني" (٤/ ١٣٤) عن الزهري، وقد تقدم أيضًا. ورواه دون المرفوع أيضًا العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٢١) من طريق محمد بن إسماعيل بن طريح الثقفي عن أبيه عن جده عن جد أبيه، قال العقيلي: لا يتابع عليه. ورواه الفاكهي في "أخبار مكة" (١٩٧١) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي متروك.
(٢) في (أ): "الموسوس"، ولعله تحريف.
(٣) في (أ) و(ف): "بنوها".
(٤) في (أ): "بهذا".
[ ٧ / ٧٧ ]
ادع اللَّه أن يردَّها إلى (^١) الحال التي كانت عليها، فدعا اللَّه تعالى فعادت كما كانت، فذهبت الدعواتُ وبقيت البسوس (^٢).
وقال عكرمة: نزلت في اليهود والنصارى ممن آتاه اللَّه كتابه وآياته فانسلخ منها (^٣).
وقيل: نزلت في أبي عامر بن النعمان (^٤) الراهب، الذي سماه النبيُّ -ﷺ-: الفاسق، وكان ترهَّب في الجاهلية ولبس المسوح، فقدم المدينةَ فقال للنبيِّ -ﷺ-: ما هذا الذي جئت به؟ قال: "جئتُ بالحنيفيةِ (^٥) دينِ إبراهيم" قال: فأنا عليها، فقال له النبيُّ -ﷺ-: "لستَ عليها، ولكنك أدخلتَ فيها ما ليس منها" فقال أبو عامر: أمات اللَّه الكاذبَ طريدًا وحيدًا، فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين: استعدُّوا بالقوة والسلاح وابنوا لي مسجدًا فإني ذاهب إلى قيصر وآتي بجندٍ وأُخرِجُ محمدًا وأصحابه من المدينة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧] يعني: انتظارًا لمجيئه، فمات بالشام طريدًا وحيدًا، فاستجاب اللَّه دعاءه على نفسه (^٦).
_________________
(١) في (ر): "على".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٧) من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄. والراوي عن عكرمة أبو سعد الأعور -واسمه سعيد بن المرزبان- وهو ضعيف.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٨). وروى عنه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٦٩) قوله: (هو بلعام)، وفي رواية: (هو بلعم).
(٤) هو أبو عامر بن صيفي بن النعمان بن مالك بن أمية بن ضبيعة، ويقال: بن صيفي بن زيد بن أمية بن ضبيعة، واسمه: عمرو، ويقال: عبد عمرو. انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (١/ ٣٨٠).
(٥) في (ف): "دين الحنيفية" بدل: "جئت بالحنيفية".
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٠٧).
[ ٧ / ٧٨ ]
وقال عبادة بن الصامت: هي في قريش، آتاهم اللَّه آياته، فانسلخوا منها فلم يقبلوها فأهلكهم اللَّه، فحذَّر هؤلاء أن يكونوا أمثالهم (^١).
وقال قتادة: هذا مثلٌ ضربه اللَّه تعالى لمن عُرض عليه الهدى فأبى أن يقبَله (^٢).
وقال الحسن: هو المنافق لا يُنيب إلى الحق دُعي أو لم يُدْعَ، وُعظ أو لم يُوعَظْ، كالكلب يلهثُ طُرد أو تُرك (^٣).
وقال ابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي -ﷺ- كما يعرفون أبناءهم (^٤).
* * *
(١٧٧) - ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾: ﴿سَاءَ﴾ بمعنى: بئس، و﴿مَثَلًا﴾ نصبٌ على التفسير فإنها تَنصب النكرات، تقول: بئس رجلًا زيدٌ، و﴿الْقَوْمُ﴾ اسمه المعرفةُ، ومعناه: وما أسوأ هذا المثَلَ الذي ضربناه للَّذين كذَّبوا بآياتنا، وإنما استوجبوا هذا المثل لتقبيحِ (^٥) الحال بتكذيبهم بآياتنا، وظلمِهم أنفسَهم إذ جَنَوا عليها بما يوجبُ الذمَّ في الدنيا والعقوبةَ في العُقبى.
وقيل: لا سوء في المثل، إنما السوء في الممثَّل، ومعناه: ساء القومُ الذين مثَلُهم
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٠٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٨٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦١٧).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٠٩)، والواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٦٩). ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٥٨٧).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٠٨)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٠٤).
(٥) في (أ): "القبيح".
[ ٧ / ٧٩ ]
كمثَل الكلب، وهو كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ الآية [الجمعة: ٥].
وقال الإمام القشيري ﵀: أيُّ صفةٍ أدنى من صفةِ مَن بُلي بالإعراض الأزليِّ، وأيُّ نعتٍ أعلى من نعتِ مَن أُكرم بالقَبول الأبدي، وأيُّ حيلة تنفع مع مَن يخلق الحيلة، وكيف تصحُّ الوسيلة إلا بمن منه الوسيلة (^١).
* * *
(١٧٨) - ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾: أي: مَن يهدِه اللَّهُ ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾؛ أي: ومَن يضلِلْهم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ كهؤلاء الذين كذبوا بآياتنا وانسلخوا عنها، وحَّد ﴿الْمُهْتَدِي﴾ وجمع (الخاسرين) لأنَّ مَن لفظُه لفظُ الواحد (^٢) ومعناه جمعٌ فيجوز التوحيد للَفظه والجمعُ لمعناه.
والآية نصٌّ على إثبات الهداية والإضلال من اللَّه تعالى، وهو فيمَن عَلِم أنه يختار ذلك.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فهو المهتدي في الآخرة، والخاسر في الآخرة (^٣).
* * *
(١٧٩) - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٨٨).
(٢) في (أ): "واحد".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٩٣).
[ ٧ / ٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾: أي: خلَقْنا (^١) ﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ وهم الكفار المعرِضون عن تدبُّر آيات اللَّه، واللَّهُ تعالى عَلِم منهم اختيارَ ذلك فشاء منهم ذلك، وخلق منهم ذلك (^٢)، وجعل مصيرَهم إلى جهنم لذلك.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾: أي: لا يفهمون بها الحقَّ ولا يتفكَّرون فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾: أي: الحقَّ، ولا ينظرون إلى الآيات في الآفاق والأنفُسِ نظرَ اعتبارٍ واستدلال (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: أي: لا يُصغون إلى ما يُتلى عليهم من آيات اللَّه والمواعظِ، فهم لتركهم استعمالَ هذه الآلات (^٤) فيما خُلقت لها كأنهم عُدِموها.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾: أي: كالبهائم في أنها لا تعقِلُ ولا تميِّز.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾: عن الطريق المستقيم منها؛ لأنَّها مع عدم العقول تجتنِب مَضارَّها، والكفارُ لا يجتنِبون مضارَّهم بل يقفون على الكفر مع علمهم بأنه يُوردهم النار.
وقال الكلبي ومقاتل (^٥): ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأن الأنعام تَعرف ربَّها وتذكره وتطيعه والكافر لا يعرفه ولا يذكره ولا يطيعه (^٦).
_________________
(١) في (ف): "أي خلقًا كثيرًا".
(٢) "وخلق منهم ذلك": ليس من (أ).
(٣) في (ف): "الاعتبار والاستدلال"، وفي هامشها ما يوافق المثبت.
(٤) في (أ) و(ف): "الآيات".
(٥) "ومقاتل": زيادة من (أ) و(ف).
(٦) ذكره عنهما الواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٧٧)، وهو في "تفسير مقاتل" (٢/ ٧٦). ووقع هنا في (ر): "وكذا قال مقاتل".
[ ٧ / ٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: أي: المتغافلون عمَّا أَعَدَّ اللَّه لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأنهم لا يهتدون وإنْ هُدوا، والأنعام تهتدي إذا هُديت، أو هم أضلُّ لأنهم يَضلون ويُضلون غيرَهم والأنعامُ لا تُضل غيرَها، أو لأنهم لا يُنتفَع بهم والأنعامُ يُنتفَع بها ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾؛ أي: عن فهم ما ألقي إليهم وأُمروا به، وغافلون عما أُوعدوا (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: مَن خَلَقه اللَّه لجهنَّم متى يَستوجِبُ الجِنَانَ؟ ومَن أهَّله لسخطه أنَّى يستحق الرضوان؟ هم اليوم في جحيمِ الجحود والكفران، مقرَّنين في أصفاد الخذلان، مُلْبَسين ثيابَ (^٢) الحرمان، طعامهم ضريعُ الوحشة، وشرابُهم حميمُ الفُرقة، كما فصَّل (^٣) في الكتاب شرح تلك الحالة.
وقال في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾؛ أي: ليس لهم تمييز بين خواطر الحق وهواجس النفس ووساوس (^٤) الشيطان، لا ينظرون إلا من حيث الغفلة، ولا يسمعون (^٥) إلا دواعي الفتنة، ولا ينخرطون إلا في سلك ركوب الشهوة ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأن الأنعام رُفع عنها التكليف فإن لم يكن لها وفاقُ الشرع فليس منها خلافُ الأمر (^٦).
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٩٨).
(٢) في (أ): "بنار"، وفي (ف): "بثياب".
(٣) في (ر): "فسر".
(٤) في (أ): "ووسواس".
(٥) في (أ): "يستمعون".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٨٩ - ٥٩٠).
[ ٧ / ٨٢ ]
(١٨٠) - ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾: قال مقاتل: إن رجلًا من الصحابة دعا اللَّه في صلاته ودعا الرحمن، فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه (^١) أنهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربَّين اثنين؟! فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، فدعا النبيُّ -ﷺ- [الرجلَ] وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] رغمًا لأنوف المشركين، فإنك ما دعوتَ من هذه (^٢) الأسماء ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^٣).
وقيل: ﴿الْحُسْنَى﴾ هي الدلالاتُ على معانيها حقيقةً، دون أسماءِ الأصنام التي هي ألقابٌ لا معانيَ لها ولا حقيقةَ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل أنهم ظنوا أن في إثبات عدد الأسماء إثباتَ عدد من الذات، فأَخبر أنه ليس كذلك، فإنه تُسمَّى الحركة: حركةً، عَرَضًا، شيئًا، خَلْقًا، ولا يوجب ذلك إثباتَ عددٍ فيها.
ويحتمِل أنهم وصَفوا اللَّه تعالى بما لا يَحسُن أن يوصف به (^٤)، وأضافوا إليه أشياء لا يصلُح أن تُضاف إليه، نحو قولهم: يا خالقَ الخنازير، و: يا خالق الخبائث، و: يا إلهَ القِرَدة، ونحوه، فأمرهم أن يَدْعُوه بأسمائه الحسنى التي فيها تعظيمُه، كما يقال: يا رحمن، يا رحيم، يا كريم، يا جواد، يا لطيف، يا هادي، يا مرشد، ونحو ذلك.
_________________
(١) في (ر): "أليس محمد وأصحابه يزعمون".
(٢) في (أ): "فإنك إذا دعوت من هذه"، وفي (ر): "فإنك إذا دعوته بهذه"، وفي (ف): "لأنك إذا دعوت من هذه"، والمثبت من "تفسير مقاتل".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٧٦ - ٧٧)، وما بين معكوفتين منه.
(٤) في (ف): "لا يحسن وصفه به"، وفي هامشها ما يوافق المثبت.
[ ٧ / ٨٣ ]
ويحتمِل أنه أراد بها أنَّ الأسماء الحسنى للَّه لا للأصنام، فادعوا اللَّه (^١) بها لا الأصنام (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: قرأ حمزة: ﴿يَلْحَدون﴾ بفتح الياء والحاء، من قولهم: لَحَد؛ أي: مال، والباقون: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بضم الياء وكسرِ الحاء من أَلْحد (^٣)؛ أي: أمال (^٤)، والإلحاد في أسماء اللَّه تعالى: تسميةُ الأصنام بأسمائه، كما سمَّوا اللاتَ من اللَّه، والعزى من العزيز، ومناةَ من المنَّان.
ومن الإلحاد: تحريفُ معاني أسمائه، وتغييرُها، وتفسيرُها (^٥) على خلاف حقيقتها.
ومن الإلحاد فيها: تسميةُ اللَّه تعالى بما لم يَرِدْ به الشرع؛ كالجوهر والجسم والعقل والعلة وما يقوله المبطلون.
ومعنى ذرهم؛ أي: دَعْهم فلا تكافئهم بصنيعهم، ولا تُجازِهم بإيذائهم إياك، فإن اللَّه تعالى هو يجزيهم، وذلك قوله تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقال الإمام القشيري ﵀: الإلحاد هو الميلُ عن القصد، وذلك على وجهين: بالزيادة والنقصان: فأهلُ التشبيه زادوا فأَلحدوا، وأهلُ التعطيل نقَصوا فأَلحدوا، فالمشبِّهةُ وصفوه بما لم يَأذن فيه، والمعطِّلة سلَبوه ما اتَّصف به (^٦).
_________________
(١) (ف): "وادعوه".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٩٨ - ٩٩).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٨)، و"التيسير" (ص: ١١٤).
(٤) في (أ): "مال"، وسقطت الجملة من (ف)، والمثبت من (ر)، وكلاهما صواب.
(٥) في (ف): "على تفسيرها".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٩١).
[ ٧ / ٨٤ ]
وسئل أبو الحسن البوشنجي (^١) عن التوحيد، فقال: إثباتُ ذاتٍ غيرِ مشبَّهةٍ بالذَّوات، ولا معطَّلة عن الصِّفات.
* * *
(١٨١) - ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: أي: وممن خلقْنا للجنة، في مقابَلة الآية الأولى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ قال النبي -ﷺ- فيما روى ابن جريج: "هذه أمَّتي بالحقِّ يأخذون ويعطون" (^٢).
وقد روَينا قبل هذا أنه لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾ تمنَّى أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- مدحًا في حقِّ هذه الأمة، فنزلت هذه الآية.
وقال الإمام القشيري ﵀: هدايتُهم بالحق: أنهم يَدْعون إلى الحق، ويَدلُّون على الحق، ويتحرَّكون بالحق، ويسكنون للحق بالحق، فهم قائمون بالحق، يَصرِفهم الحقُّ للحقِّ بالحقِّ، أولئك هم غياث الخلق (^٣).
* * *
(١٨٢) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) واسمه عليّ بن أحمد بن سهل، كان أوحد فتيان خُراسان، لَقِي أبا عثمان وصَحب بالعراق ابن عطاء والجريري، وبالشام طاهرًا وأبا عَمْرو الدِّمشقي، وتكلم مع الشبلي في مسائل، وهو من أعلم مشايخ وقته بعلوم التَوحيد وعلوم المعاملات، وكان ذا خلق متديِّنًا متعهدًا للفقراء، مات سنة (٣٤٨ هـ) وأَسندَ الحديث. انظر: "طبقات الصوفية" للسلمي (ص: ٣٤٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٠٠).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٩١ - ٥٩٢).
[ ٧ / ٨٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: وقال الخليل بن أحمد: أي: سنطوي عمرهم في اغترار منهم (^١).
وقال الضحاك: كلما جدَّدوا لنا معصيةً جدَّدْنا لهم نعمة (^٢).
وقال النبيُّ -ﷺ- "إذا رأيتَ اللَّه تعالى أنعَم على عبده وهو مقيمٌ على معصيته فاعْلم أنه مستدرج" ثم تلا هذه الآية (^٣).
والاستدراج استفعالٌ من الدَّرْج؛ أي: يُدْنيه إلى الهلاك درجةً فدرجةً في كتمانٍ وخُفيَةٍ، وقد دَرَج الكتابَ؛ أي: طواه شيئًا بعد شيء، ودَرَج القوم: إذا (^٤) مات بعضهم في (^٥) إثر بعضٍ، ودَرَج الصبيُّ: إذا قارَبَ بين خُطاه في المشي.
وقال عطاء: نزلت الآية في المستهزِئين (^٦).
وقال الإمام القشيري ﵀: الاستدراج أن يُلقى في أوهامهم أنهم من أهل الوُصلة، وفي الحقيقة سبقت لهم في القسمة الفُرقة (^٧).
وقيل: الاستدراج: انتشارُ الصِّيت بالخير في الخَلْق، والانطواءُ على الشرِّ في السرِّ مع الحق.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣١٢)، و"زاد المسير" (٣/ ٢٩٤)، و"البحر" (١٠/ ٤١٧).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣١٢)، و"البسيط" للواحدي (٩/ ٤٨٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٨)، و"زاد المسير" (٣/ ٢٩٤).
(٣) لم أجده مسندًا.
(٤) في (ف): "أي".
(٥) في (ر): "على".
(٦) ذكره دون عزو الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣١٢)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٠٨)، وعزاه الواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٨٨) للمفسرين.
(٧) في (ر): "سبقت لهم الفرقة في القسمة"، وفي "اللطائف": (السابق لهم من القسمة حقائق الفرقة).
[ ٧ / ٨٦ ]
وقيل: الاستدراج: الرجوع من توهُّم صفاءِ الأحوال إلى ركوب قبيحِ الأعمال.
وقيل: الاستدراج: دعاوى عريضة صدرت عن أحوالٍ مريضة.
وقيل: هو اتِّساع (^١) البِرِّ مع إنساء (^٢) الشكر (^٣).
* * *
(١٨٣) - ﴿أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾: قال الكلبي (^٤): أي: أُمْهِلهم، والملاوة بفتح الميم وضمها وكسرها: القطعة من الدهر؛ أي: أؤخِّر عنهم العذابَ مدةً وهم يتوهَّمون أنه توسعةٌ عليهم وإكرامٌ لهم.
وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قال الكلبي: أي: إن أخذي شديد، وقد قتلهم اللَّه كلَّ رجلٍ منهم بغيرِ قتلِ صاحبه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، ونفسِّر ذلك في تلك الآية إن شاء اللَّه تعالى.
قال عطاء: قتَلهم في ليلة واحدة (^٥).
والكيدُ: الأخذ على خفاءٍ أو مجازاة كيدهم مع رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه ﵃. والمتين: القويُّ، والمتانة: القوة.
* * *
_________________
(١) في (أ): "إيشاع"، وفي "اللطائف": (إفاضة).
(٢) في (أ): "إنساع" وفي (ر): "انتشاء". وبُيض لها في مطبوع "اللطائف" لاشتباهها في نسخته الخطية.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٩٢).
(٤) "قال الكلبي": ليس من (أ) و(ف).
(٥) ذكره دون عزو الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣١٢)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٠٨)، وعزاه الواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٨٨) للمفسرين. وقاله مقاتل في "تفسيره" (٢/ ٧٧).
[ ٧ / ٨٧ ]
(١٨٤) - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾: وهذا تعجيبٌ من اللَّه تعالى عبادَه من مقام الكفار على التكذيب بالنبيِّ -ﷺ-، وتسميتِهم إياه مجنونًا مع علمهم ما الجنون ووجودِهم إياه منزَّهًا عنه، وسماه صاحبَهم لأنه نبيُّهم يصحبهم ويخالطهم.
قال قتادة: كان رسول اللَّه -ﷺ- كثيرًا ما يحذِّرهم عقوبةَ اللَّه تعالى، فقام على الصفا ليلًا وجعل يدعو قريشًا فخذًا فخذًا: (يا بني فلان، يا بني فلان) إلى الصباح، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوِّت إلى الصباح! فنزلت الآية (^١).
وقوله: ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾؛ أي: جنونٍ، من مسِّ الجنِّ.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: أي: ما هو إلا مخوِّفٌ ظاهر.
* * *
(١٨٥) - ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هو (^٢) نظرُ القلب بالتفكُّر. والملكوتُ: الملكُ الأعظم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ عطفٌ على ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معناه: في جميع مخلوقات اللَّه تعالى من الأشياء.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٠٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٢٤) عن قتادة قال: (ذكر لنا أن نبي اللَّه -ﷺ- كان على الصَّفا فدعا قريشًا، فجعل يفخِّذُهم فخذًا فخذًا. .). وانظر: "الكشاف" (٢/ ١٨٢)، و"تفسير البيضاوي" (٣/ ٤٤)، وفيهما: (.. بات يهوت. .)، ومعناه: يصيح.
(٢) في (أ): "هذا".
[ ٧ / ٨٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾: أي: وفي أن يكون أجلُهم لعله اقترب.
وهذا تعجيبٌ من اللَّه تعالى على عباده (^١) من مقام الكفار على التكذيب بالساعة والجزاء والحساب، يقول: أو لم ينظروا نظرَ استدلالٍ في السماوات والأرض وغيرهما، الدالَّةِ على قدرة اللَّه تعالى وملكه، فيعلموا أنه لم يخلقْها عبثًا، ولا يترك عبادَه سُدًى، وأنه جعلها قِوامًا لهم مدةَ كونهم في الدنيا ليعملوا بطاعة اللَّه، ثم ينقلهم إلى دار الجزاء فيَمِيز بين المطيع والعاصي، وأن مَن مات فقد قامت قيامتُه، وأن آجالهم لعلها قد قربت، وإذا كان كذلك فقد أشرفوا على الهلاك، وإذا هلكوا فلا رجعةَ، ولا تمكِنُ التوبة فيتوبوا.
وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بأي كلامٍ بعد أجَلهم يؤمنون؛ أي: ليس بعد الموت مستعتَبٌ، ولا إيمانٌ نافعٌ دافعٌ للعذاب.
وقال عطاء: ﴿قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني: يومَ بدر وأحد (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ بعد القرآن يصدِّقون (^٣)، يعني: أنه كلام اللَّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفِه، ولو اجتمعت الخلائقُ لم يأتوا بمثله، فإذا لم يقبلوا هذا فماذا يقبلون؟
ويحتمل أن يكون المراد: أنهم يقبلون الحديث، فإذا لم يقبلوا حديثَ رسول اللَّه -ﷺ- فبأيِّ حديثٍ يقبلون.
_________________
(١) "على عباده" ليست في (ر).
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٩٢) عن ابن عباس ﵄.
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٤٩٢).
[ ٧ / ٨٩ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ دليل على أن الحقَّ يلزمُ وإن كان لا يُعلم إلا بالتدبُّر والتفكُّر؛ لِمَا أنه أُلحق به (^١) التهديد والوعيد الشديد (^٢).
وقال القشيري ﵀: ألاح اللَّه لقلوب الناظرين حقائقَ التحصيل، فمَن لم يعرِّج في أوطان التَّقصير أنزلته مراكبُ السير بساحات التحقيق.
وقال في قوله: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾: الناس في مغاليط آمالهم ناسون لوشيك (^٣) آجالهم، فكم ناسجٍ لأكفانه، وكم بانٍ لأعدائه، وكم زارعٍ لا يحصدُ زرعَه (^٤).
* * *
(١٨٦) - ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وحفصٌ عن عاصم بياء المغايبة، وجزمِ الراء عطفًا على موضع الفاء في جوابِ الشرط، وتقديره: لا يَهده أحد ويذره اللَّه فِي طُغيانِه، وقرأ أبو عمرو بالياء ورفعِ الراء على الابتداء، وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو بكر عن عاصم بالنون والرفع (^٥).
قوله تعالى ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: أي: في إفراط ترفُّعهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾: أي: يتردَّدون متحيِّرين.
_________________
(١) في (ف): "بهذا".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٠٣).
(٣) في (أ): "لوشك".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٩٣).
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٩)، و"التيسير" (ص: ١١٥). وقراءة حفص عن عاصم فيهما برفع الراء، كقراءة أبي بكر عنه.
[ ٧ / ٩٠ ]
والبداية بالوحدان والختمُ بالجمع؛ لِمَا مرَّ: أن (مَن) لفظه واحدٌ وأريد به الجنسُ، فصلح لذا وذا، يقول: مَن علِم اللَّه منه اختيارَ الضلالة أضلَّه، ومَن أضلَّه لم يهتدِ بالنظر والتفكُّر.
* * *
(١٨٧) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: أي: متى ثبوتُها وقيامُها؟ وقد رسا يرسو رَسْوًا؛ أي: ثَبَت.
وقيل: هو استقرارُ الشيء الثقيل، ومنه: الجبال الراسيات، وأرساه غيرُه إرساءً ومُرْسًى؛ كقوله: إدخالًا ومُدْخلًا، وحقيقتُه: متى إثباتُها وتقديرُها؟
وكان النبيُّ -ﷺ- يدعوهم إلى الإيمان والطاعة، وينهاهم عن الكفر والمعصية، ويحذِّرُهم قيامَ الساعة، فقالوا: متى هي؟
قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾: أي: لا يكشفها ولا يُظهرها إلا هو، فهو الذي يُقيمها وعنده عِلمُها.
وقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: خَفِيَ علمُها على كلِّ أهل السماوات والأرض، وكلُّ ما خفيَ علمه ثقُل على الفؤاد، رُوي معناه عن السدِّي وغيره (^١).
وقيل: ثقُل مجيئُها على السماوات والأرض؛ لِمَا يَرِدُ على السماء بقيامها من الانشقاق وانتشارِ النجومِ وسقوطِ الشمس والقمر، وعلى الأرض من ذهاب بحارها
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣١٣)، ورواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٠٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٢٧).
[ ٧ / ٩١ ]
وزوالِ جبالها؛ أي: يَستعظِم قيامَها أهلُ السماوات والأرض لهذه الأمور الهائلة وأنتم تسألون عنها مستعجلين لها غافلين عما يكون عليكم فيها؟ كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى: ١٨].
وقيل: أي: عظُم وصفُها على أهل السماوات والأرض.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾: أي: فجأة.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: أي: كأنك ألحَحْتَ في طلب علمِها واستقصيتَ السؤال عنها فعَلِمْتَها، وقد أَحْفَى فلانٌ؛ أي: ألحَّ في المسألة، قال تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٧].
وقال الفرَّاء: كأنك فَرِحٌ به، يقال: حَفِيتُ به حفاوةً وتحفَّيتُ تحفِّيًا؛ أي: فرحتُ به وبَشَشْتُ (^١): وتقديره: يسألونك عنها كأنك حفيٌّ به (^٢).
وقيل: الحفيُّ: البَرُّ اللطيف، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وتقديرها: يسألونك عنها كأنك حفىٌّ بهم؛ أي: برٌّ لطيف، وروي أنهم قالوا: إن بيننا وبينك قرابةً فأخبِرْنا عن وقتها إكرامًا منك لنا وعطفًا علينا لقرابتنا، وإنْ كنت تكتمُها عن غيرنا (^٣).
_________________
(١) في (أ): "وتشبثت" بدل: "به وبششت".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٩٩)، وفيه: (كأنك حفي بها). وذكره عنه الواحدي في "البسيط" (٩/ ٥٠٠) بلفظ: (بهم)، وعبارته: (كأنك حفيّ بهم إذا سألوك حين يسألونك عنها؛ أي: فرح بهم، فعلى هذا التقدير: يسألونك عنها كأنك حفيٌّ بهم؛ أي: بارٌّ بهم لطيف). قلت: وعلى ما قاله الواحدي فهذا الوجه كالذي بعده.
(٣) رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٦٧)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٠٤ و٦١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٢٧).
[ ٧ / ٩٢ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: يتوهَّمون أنه موجودٌ علمُها عند غيرِ اللَّه، قطَع اللَّه أطماعَهم عن معرفتها بخبرٍ من النبيِّ -ﷺ- وإنما أعاد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ بعدما قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن ختم الآية بأن الناس لا يعلمونه فقدَّم عليه إثباتَ علمه، ولأن الأول علمُ وقتِها والثاني علمُ كُنْهها.
وقالت عائشة ﵂: كانوا يعاودون رسول اللَّه -ﷺ- في هذا السؤال إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ فكفُّوا (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنْ كان هذا السؤال عن المكذِّبين لها فهو سؤالُ استهزاءٍ، وإن كان عن المصدِّقين فهو سؤالُ استعلامٍ وإشفاقٍ ليتأهَّبوا لها، فإنهم لمَّا سمعوه يقرأ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] ويقول: "بعثتُ أنا والساعةُ كهاتين" (^٢) و: "كادت الساعة تَسبقُني" (^٣) حملهم الخوف على هذا السؤال ليعلموا فيستعدوا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: أنها كائنة، أو: لا يعلمون أنك لا تعلم متى تكون، أو: لا يعلمون ما لهم وما عليهم فيها (^٤).
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وروى ابن راهويه في "مسنده" (٧٧٧)، والبزار في "مسنده" (٢٢٧٩ - كشف الأستار)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٩٩)، والحاكم في "المستدرك" (٧) و(٣٨٩٥) وصححه، عن عائشة ﵂: قالت: لم يزل النبيّ -ﷺ- يسأل عن الساعة، حتى أنزل اللَّه ﷿: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾. قلت: وعلى هذا يكون السائل هو النبي -ﷺ- بدليل ما جاء في بعض الروايات في آخره: (قال: فانتهى).
(٢) رواه البخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١)، من حديث أنس ﵁.
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٩٤٧) من حديث بريدة ﵁.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٠٦ و١٠٨).
[ ٧ / ٩٣ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: السائل عنها رجلان: منكِرٌ يتعجَّب لفَرْطِ جهله، وعارفٌ مشتاقٌ يستعجلُ لفَرْط شوقه، والمتحقِّق بوجوده ساكنٌ في حاله (^١).
* * *
(١٨٨) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: أي: إنما يعلمُ الغيب من قيامِ الساعة وغيرِها مَن يملك النفع والضرَّ على الإطلاق، وهو اللَّه تعالى، وأنا لا أملك الأمرين إلا ما ملَّكني (^٢) اللَّه تعالى منهما.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾: قال الزجاج: أي: ولو كنت أعلمُ الغيب لاستكثرتُ من معرفته حتى لا يخفَى عليَّ شيء ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾: أي: التكذيب (^٣).
وقال الكلبي: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: متى أموتُ ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾؛ أي: العمل الصالح.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا ليس بقويٍّ؛ لأنه وإن كان لا يعلم
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٩٤).
(٢) في (ف): "ملكنيه".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٩٤)، وقد ذكر قولين: الأول -وابتدأ به-: لادَّخَرتُ زمن الخِصْبِ لزمن الجَدْب. والثاني -وقدم له بقوله: قيل-: لو كنتُ أعلم ما أسأل عنه من الغيب في الساعة وغيرها [لأجبت عنه] ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾؛ أي: لم يَلْحَقْني تكذيبٌ. ولعل مراد المؤلف هو القول الثاني، وقد نقله عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٣٠٠) ولم ينقل غيره، وما بين معكوفتين منه.
[ ٧ / ٩٤ ]
متى يموت كان يَستكثر من (^١) الخير ولا يقصِّر (^٢).
وعن ابن عباس ﵄ أن أهل مكة قالوا: يا محمدُ! ألا يخبرُكَ ربُّك بالسعر الرخيص قبل أن يغلوَ فتشتريَه فتربحَ به، أو يخبرُك بالأرض التي يريد أن تُجدِب فترتحلَ منها إلى ما أخصبَتْ، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٣).
وروى حيان عن الكلبي: ولو كنتُ أعلم جدوبةَ الأرض وقحطَ المطر لهيَّأت لسنةِ القحط ما يكفيها ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾؛ أي: الضرُّ والفقر (^٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا أيضًا ليس بقويٍّ (^٥)؛ لأنَّه -وإن كان يعلم ذلك- لا يستكثِر المال، ولكن التأويل الصحيح واللَّه أعلم: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ﴾ قيام الساعة متى يكون وأخبرتُكم به فصدَّقْتُموني وآمنتُم بي لاستكثرتُ الثواب بإيمانكم عند اللَّه تعالى ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾؛ أي: تكذيبُكم.
_________________
(١) "من": زيادة من (ف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٠٩).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣١٣)، و"البسيط" للواحدي (٩/ ٥٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٥٦)، و"زاد المسير" (٢/ ١٧٦) عن ابن عباس، و"تفسير أبي الليث" (١/ ٥٧٣)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٢٨)، عن الكلبي، ولعل الوارد عن ابن عباس هو من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه.
(٤) الظاهر أن هذا من تتمة الخبر السابق، فقد ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٠٩) معه، ولفظه: (وقال ابن عَبَّاسٍ في قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: وذلك أن أهل مكة قالوا: ألا يخبرك ربك يا مُحَمَّد بالتجارة المربحة فتتجر فيها فتربح، أو لا يخبرك بسنة القحط والجدوبة، أو يخبرك بوقت السعة والخصب؟! فقال عند ذلك: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ من جدوبة الأرض والقحط؛ ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ يقول: لتهيأت لذلك ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ من الضر والشدة).
(٥) في (أ) و(ف): "غير قوي" بدل: "ليس بقوي".
[ ٧ / ٩٥ ]
أو: ولو كنت أملك لكم نفعًا وضرًّا؛ نفعَ ما غاب ودفع ما غاب (^١) اتبعتُموني، فكثر بذلك ثوابي.
أو: ولا أعلم الغيب إلا قَدْرَ ما أُوحي إليَّ، ولو كنت أعلم أكثرَ مما أُوحي إليَّ لاستكثرت من الخير.
أو: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: مَن يصدِّقني ومَن يكذِّبني، اشتغلتُ بدعوةِ مَن يجيبُ دون مَن لا يجيب، فاستكثرتُ الأتباع والمطيعين.
قال: وقيل في قوله: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾: أي: الجنون، جوابًا لقولهم: إنه مجنون (^٢)، وقد مر ذكره في قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: هم المنتفِعون بإنذاري وتبشيري، واتصال هذا بما قبله: أني لستُ بعالمِ الغيب بل أنا رسولُ عالمِ الغيب أرسلني نذيرًا وبشيرًا.
* * *
(١٨٩) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: بيَّن الإنذار وهو للمشركين، وذكر في آخر هذه الآية شركَ الكافرين.
وقوله: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؛ أي: من آدم.
_________________
(١) في (أ): "عاب".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٠٩ - ١١٠).
[ ٧ / ٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: أي: حواء ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾؛ أي: ليستأنس بها.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾: أي: وَطِئها، وأصله: التغطية، والرجلُ لباسٌ للمرأة والمرأةُ لباسٌ للرجل (^١)، فكان اجتماعهما تغشِّيًا.
وقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾: أي: حين كان نطفةً ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾؛ أي: مضت بالماء على الخفة، أو بالحمل تقوم وتقعد وتمشي على سهولةٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: أي: صارت ذات ثقلٍ بكبر الولد في البطن ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾؛ أي: سألا اللَّه وقالا: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾؛ أي: ولدًا سوي الأعضاء.
وقيل: صالحًا في الدين.
وقيل: أي: له صلاحيةُ كلِّ شيء مما يرجوه الآباءُ والأمهات من الأولاد.
وقوله تعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: لك على نعمائك (^٢).
وقرأ يحيى بن يَعْمَرَ: (فمَرَتْ به) بتخفيف الراء (^٣)، من مَرَى يَمْري؛ أي: شكَّت أنها حملت أم لا.
وقيل: أي: شكَّت أن في بطنها بشرًا مثلَهما أو بهيمةً.
* * *
(١٩٠) - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "له".
(٢) في (أ) و(ف): "إنعامك".
(٣) نسبت لابن عباس وأبي العالية ويحيى بن يعمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٣)، و"المحتسب" (١/ ٢٦٩)، و"الكشاف" (٢/ ١٨٦)، و"المحرر الوجيز" (٢/ ٤٨٦)، و"البحر" (١٠/ ٤٤٠).
[ ٧ / ٩٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾: أي: ولدًا سويًّا ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكرٍ بكسر الشين (^١)، ومعناه: نصيبًا؛ كما في قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾؛ أي: نصيب.
وقرأ الباقون: ﴿شُرَكَاءَ﴾ بضم الشين ومدِّ الآخِر، وهو جمع شريك.
وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: تَنَزَّه اللَّه تعالى عن الشريك.
قال الكلبي: إن إبليس -لعنه اللَّه- أتى حواءَ حين أَثْقَلت (^٢) في صورة رجل فقال: ما هذا الذي في بطنك؟ فقالت: ما أدري، قال: إني أخاف أن يكون بهيمةً، وذلك أولَ ما حملت، فقالت ذلك لآدم، فلم يزالا في همٍّ من ذلك، ثم عاد إليها فقال: إني من اللَّه ﷿ بمنزلةٍ، فإن دعوتِ اللَّه تعالى فولدْتِ إنسانًا أُتُسَمِّينَه بي؟ قالت: نعم، قال: فإني أدعو اللَّه تعالى، قال: فأتاها وقد ولدت غلامًا، فقال: سمِّيه باسمي، قالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، فسمَّتْه: عبدَ الحارث (^٣).
_________________
(١) أي: ﴿شِرْكًا﴾. انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٩)، و"التيسير" (ص: ١١٥).
(٢) في (ف): "انقلب" بدل: "حين أثقلت".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣١٥)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١١١ - ١١٢)، ورده الماتريدي كما سيأتي. وهذا الخبر وأمثاله مما دخل على كتب التفسير من الإسرائيليات، وقد فندها وبين حقيقتها ابن كثير في "تفسيره" عند هذه الآية، وكذا أسهب في ردها وبيان خطأ مَن تناولها من المفسرين العلامة أبو شهبة في "الإسرائيليات والموضوعات" (ص: ٢٠٩ - ٢١٥) ثم خلص إلى أن التفسير الصحيح لها على وجهين -أحدهما لابن كثير- فقال: والمحققون من المفسرين منهم مَن نحا منحى العلامة ابن كثير فجعل الآية الأولى في آدم وحواء، وجعل قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ الآيةَ في المشركين من ذريتهما؛ أي: جعل أولادهما شركاء للَّه فيما أتاهما، والمراد بهم الجنس؛ أي: جنس الذَّكَر والأُنْثى، فمِن ثَمَّ حسُن قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالجمع، ويكون هذا الكلام من الموصول لفظًا المفصول معنى، ومنهم من جعل الآيتين في ذرية =
[ ٧ / ٩٨ ]
وقد ذُكر في هذه القصة زوائدُ وكلُّها باطلة.
وقد ردَّ الإمام أبو منصور ﵀ وغيرُه من أئمة الحق هذا القولَ، وأبوا أن يكون آخرُ الآية المذكورة في الشرك في حقِّهما، ولئن ثبتَ أنهما سمَّياه عبد الحارث فهو ليس بشرك فإن المملوك يسمى عبد مالكه وهو ليس بشرك (^١).
والتأويل الصحيح للآيتين ما قاله الحسن البصري ﵀: أن أول الآية في حق آدم وحواء ﵉، وهو كالكلام المعترِض، والآيةُ الثانية المتَّصلة بها في حقِّ المشركين (^٢)، وسياقهما على قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهي آدمُ ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ حواءَ ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ فلما تَغشَّى آدمُ حواءَ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ دعا آدم وحواءُ ربَّهما لئن أعطيتَنا ولدًا سويًّا صالحًا في الدِّين؛ لأن آدم رأى حين أَخْذِ الميثاق على ذريته (^٣) جميعَ أولاده:
_________________
(١) = آدم وحواء؛ أي: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهي نفس الذَّكَر ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾؛ أي: من جنسها ﴿زَوْجَهَا﴾ وهي: الأنثى، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾؛ أي: بشرًا سويًّا كاملًا، ﴿جَعَلَا﴾؛ أي: الزوجان الكافران ﴿لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾، وبذلك أبدلا شكر اللَّه كفرانًا به وجحودًا، وعلى هذا: لا يكون لآدم وحواء ذكر ما في الآيتين. قلت: وسيأتي من كلام المؤلف في رد هذه القصة نحو هذا.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١١٢).
(٣) روى الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٢٩) عن الحسن قوله: (﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم)، وفي رواية: (عني بهذا ذرية آدم، مَن أشرك منهم بعده) يعني بقوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾، وفي رواية ثالثة: (كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم اللَّه أولادًا فهوَّدوا ونصَّروا). وساق هذه الروايات ابن كثير عن الطبري بأسانيدها وعقبها بقوله: وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية.
(٤) بعدها في (ف): "وهم".
[ ٧ / ٩٩ ]
منهم السَّويُّ ومنهم غيرُ السَّويِّ، ومنهم التقيُّ ومنهم غيرُ التقيِّ، فسألا أن يكون هذا الولدُ سويًّا تقيًّا، وقالا: لئن آتيتَنا ذلك لنشكرنَّ لك، فأعطاهما اللَّه تعالى ذلك فشكَرا؛ لأن آدم وحواء لم يكونا ليَعِدَا من أنفسهما ذلك ولا يفعلا، وهذا مفهومٌ وإن لم يذكر، وتمَّ الكلام.
ثم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾؛ أي: فلمَّا أعطى مَن بعدَهما مِن أولادهما كلَّ والدٍ ووالدةٍ من أهل الشرك ولدًا صالحًا سويَّ الأعضاء جعَل هذان الأبوان للَّه شركاءَ فيما أعطاهما، وذلك على وجوه:
منها: أنهم كانوا يسمُّون الأولاد: عبدَ العُزَّى، وعبدَ اللَّات، وعبد مناةَ، وعبد يغوثَ، ونحو ذلك.
ومنها: أنهم كانوا يأتون بالأولاد حالما وُلدوا فيمسحونها بالأصنام، ويسجدون لها شكرًا على هذه النعمة.
ومنها: أنهم كانوا يعلِّمون أولادهم الشركَ ويحمِلونهم عليه.
وإنما صحَّ صرفُ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ على هذين الأبوين لأن أول الآية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهو خطابُ الجمع، فتناولَ كلَّ الناس، فكان هذان الأبوان فيهم، ويدلُّ عليه ما بعده، وهو قوله ﷻ: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهو جمع، فدل على أنه على المشركين دون آدم وحواء.
وفيه أقاويلُ كثيرةٌ ووجوهٌ مختلفةٌ، وما ذكرناه أصحُّها وأسلمُها.
* * *
(١٩١) - ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾: أي: الأصنامَ، وإنما أدخل
[ ٧ / ١٠٠ ]
فيها الواوَ والنون وذلك فيما يَعقل والأصنامُ جمادٌ؛ لأنَّهم كانوا يعظِّمونها وينزلونها منزلةَ الفاعلين (^١) المختارين، فألحقوها بهم كما في قوله: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
* * *
(١٩٢) - ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾: قال مقاتل: أي: ولا تقدر الأصنام منعَ السوء إذا نزل بعبَدتها، ولا تمتنِعُ الأصنام ممن أراد بها سوءًا مِن كسرٍ ونحوِه، فكيف يعبدون مَن هذا حالُه ويتركون عبادةَ اللَّه (^٢).
وهو عطفٌ على قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ وهو استفهامٌ بمعنى التوبيخ.
* * *
(١٩٣) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾: قرأ نافع بالتخفيف على الثلاثي، وقرأ الباقون بالتشديد على الافتعال منه (^٣).
ومعناه: وإن تدعوا (^٤) أنتم هؤلاء المشركين إلى الهدى لم يتابعوكم عليه.
وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾: أي: ساكتون، وهو كقوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وهو في قوم معاندين علِم اللَّه منهم ذلك.
_________________
(١) في (أ): "وينزلونها كفاعلين".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٨٠).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٩)، و"التيسير" (ص: ١١٥).
(٤) في (أ) و(ف): "تدعوهم".
[ ٧ / ١٠١ ]
وقيل: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾؛ أي: الأصنامَ التي تدعونها آلهة (^١) -فقد مر ذكر ذلك في الآيات التي قبلها- لم يكن منها جواب، لأنها لا تعقل، فدعاؤها والصمتُ عنها واحد (^٢).
* * *
(١٩٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: أي: الأصنام التي تَدْعونها آلهةً عبادٌ للَّه أمثالكم، وإنما جعلها عبادًا له وهي جمادٌ؛ لأنَّها مخلوقة للَّه تعالى، وكلُّ مخلوقٍ للَّه فهو ذليلٌ للَّه تعالى كالعبد.
وقيل: في قوله: ﴿عِبَادٌ﴾ ألفُ الاستفهام مضمَرةً، وتقديره: أعبادٌ أمثالكم، وإضمارُها جائز كما في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]؛ أي: أيخادعون اللَّه، وقولهِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ أي: أهذا ربي، وهذا استفهام بمعنى النفي؛ أي: ليسوا بعبادٍ أمثالكم بل هي دونَكم، ودليلُه ما ذكر في الآية التي بعدها: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآيةَ؛ أي: ألَا تأنَفون من عبادةِ ما هو دونكم في أنها ليست لها جوارحُ عاملةٌ ولكم ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُمْ﴾: هذا الدعاء غيرُ الدعاء المذكور في أول الآية؛ أي: هذا دعاء السؤال؛ أي: سَلُوا حوائجَكم هذه الأصنام.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: فليُجيبوكم إن كنتم صادقين (^٣) أنها آلهة، وهو على وجه التوبيخ والإنكار.
_________________
(١) بعدها في (ر): "من عباد اللَّه أمثالكم وإنما جعلها عبادًا له وهي جماد مضمرة عاجزة".
(٢) في (ر): "والصمت منها سواء".
(٣) "أي: فليجيبوكم إن كنتم صادقين": ليس في (أ) و(ف).
[ ٧ / ١٠٢ ]
(١٩٥) - ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: ليست لهم صفاتُ هذه الآلات، ولهم صورُ (^١) هذه الجوارح بلا صفاتٍ، ولكم الجوارح والصفات، فهي دونكم، فمحالٌ منكم عبادتُكم إياهم، وهذا تسفيا لهم، وهو كقول إبراهيم لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾: أي: أصنامَكم، فإنهم جعلوها شركاءَ للَّه، وأضافها إليهم لادِّعائهم ذلك.
وقيل: أي: الذين شاركوكم (^٢) في الكفر.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾: أي: قد ذَمَمتُ أصنامكم، وسفَّهْتُ عقولكم وأحلامكم، فاقْصِدوني بما شئتُم من الكيد ولا تمهلونِ، فإني لا أخافكم في اللَّه، وهذا مِن صِدْق توكُّله على اللَّه، وهكذا كان سائرُ رسل اللَّه؛ قال تعالى خبرًا عن نوح ﵇: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]، وقال تعالى خبرًا عن هود ﵇: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦]، بعد قوله تعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥]، وقال تعالى خبرًا عن إبراهيم ﵇: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ [الممتحنة: ٤].
_________________
(١) في (ف): "صورة".
(٢) في (ف): "شاركوهم".
[ ٧ / ١٠٣ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: صدقُ التوكُّل على اللَّه يوجبُ تركَ المبالاةِ بغير اللَّه، وكيف لا يكون كذلك والمتفرِّدُ (^١) بالقدرة على النفع والضرِّ والخير والشرِّ هو اللَّه تعالى (^٢).
* * *
(١٩٦) - ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾: يقول: كيدوني فلا تنظرون، فإنَّ ناصريْ وحافظيْ اللَّهُ الذي أكرمني بإنزال القرآن عليَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾: أي: يكفي مُهمَّات جميعِ الصالحين أيضًا.
وقال الإمام القشيري ﵀: مَن قام بحقِّ اللَّه تولَّى اللَّه أموره على وجه الكفاية فلم يُحْوِجْه إلى أمثاله، وأجرى أمورَه على ما يريده بأفضاله، فإنْ لم يَفعل ما يهواه جعَله راضيًا بما قضاه، فيكون روح الرضاء أتمَّ له من نفع العطاء (^٣).
* * *
(١٩٧) - ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾: كرر هذا لأن الأول للتقريع والثاني للتقرير؛ أي: وليي اللَّه الذي ينصرني ومعبودُكم لا ينصركم.
* * *
_________________
(١) في (ر): "والمنفرد".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٩٧).
(٣) المصدر السابق.
[ ٧ / ١٠٤ ]
(١٩٨) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾: قيل: أي: الأصنام، وقيل: أي: عبدة الأصنام (^١)، كما في قوله: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾، وكذا قوله تعالى:
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: يحتمل الوجهين، فإنْ حُمل على الأصنام فمعنى النظر: المقابلة، كما يقال: دُور بني فلانٍ تتناظر؛ أي: تتقابل.
وقيل: معناه: كأنهم ينظرون إليك وليست لهم أعينٌ باصرة.
وإن حمل على المشركين فمعناه: ينظرون (^٢) إلى صورتك وهم لا يبصرونك على صفاتك بحقيقتك، ولو رأوك كما أنت لآمنوا بك واتَّبعوك.
* * *
(١٩٩ - ٢٠٠) - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: أَمرَ محمدًا -ﷺ- بعد تعريف المشركين أن كيدهم لا يضرُّه - بمكارم الأخلاق الداعيةِ إلى الألفة والاتفاق فقال: خذ من الناس -أي: اقبَلْ منهم- ما عفا لك من أخلاقهم؛ أي: تيسَّر وسهُل، ولا تكلِّفهم الجهد، من قولك: أخذت حقي عفوًا؛ أي: بسهولة.
وروي أنه سأل جبريل (^٣) ﵉: "ما الأخذُ بالعفو؟ فقال: أعطِ مَن
_________________
(١) "وقيل أي عبدة الأصنام": زيادة من (أ).
(٢) "إليك وليست لهم أعين باصرة وإن حمل على المشركين فمعناه ينظرون": ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (ف): "قال لجبريل" بدل: "سأل جبريل".
[ ٧ / ١٠٥ ]
حرَمك، وصِلْ مَن قطَعكَ، واعفُ عمَّن ظلَمك، وأحسِنْ (^١) إلى مَن أساء إليك" (^٢).
وعن ابن عباس ﵄: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾؛ أي: خذ فضلَ أموال الناس، من قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ وذلك قبل فرض الزكاة (^٣).
وقال الضحاك: أي: خُذ ما عفا لك من أموال الناس ولا تسألهم ما وراء ذلك، وهو قبل فرضِ الزكاة (^٤)، وبعد ذلك أُمر أن يأخذ منهم طوعًا وكرهًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: أي: بالمعروف (^٥)، وهو ما عرفه العقل والشرع، وهو كالنُّكْر بمعنى المنكَر، وقالوا: من العُرف تقوى اللَّهِ، وصلةُ الأرحام، وصونُ اللسان عن الكذب ونحوِه، وغضُّ البصر عن المحارم، وكفُّ الجوارح عن المآثم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: هو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وهو تحمُّل الأذى، والعفوُ عمَّن جنَى، والحِلمُ عمَّن جفا.
_________________
(١) في (ف): "وتحسن".
(٢) رواه بنحوه ابن مردويه من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، كما في "الدر المنثور" (٣/ ٦٢٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٤٣) من طريق سفيان بن عيينة عن رجل قد سماه، ومن طريق سفيان عن أُميٍّ الصيرفي، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٣٨) من طريق سفيان عن أميٍّ عن الشعبي، وكل هذه مرسلات كما قال ابن كثير عند تفسير الآية، وزاد: (وقد روي له شواهد من وجوه أُخر). قلت: له شاهد من حديث عقبة بن عامر ﵁ عند أحمد (١٧٤٥٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٤١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٣٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٤١).
(٥) "أي: بالمعروف": ليس في (ف)، وفي (أ): "وأمر بالمعروف".
[ ٧ / ١٠٦ ]
وقال عطاء: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (^١): بلا إلهَ إلا اللَّه (^٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]؛ أي: الأنبياء أرسلوا بلا إلهَ إلا اللَّه.
وقال مقاتل: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني: أبا جهل وأصحابَه، ونسخه آيةُ السيف (^٣).
وقال عبد الرحمن بن زيد: لما نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه -ﷺ-: "كيف يا رب والغضب" فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (^٤).
(إما) كلمتان: (إنْ) التي هي للشرط، و(ما) التي هي صلةٌ زائدة.
والنون في ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ للتأكيد، والنَّزْغ: الإزعاج بالحركة إلى الشر.
وقال مقاتل: يعني: وإما يفتننَّك من الشيطان فتنةٌ (^٥).
وقال عطاء: وإما يَعْرِضنَّك من الشيطان عارضٌ (^٦).
ومعناه: إن اعترض لك الشيطان بإفسادِ شيء من هذه الأخلاق التي أمرتك بها ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: فاستعصِم (^٧) به من الشيطان الرجيم يَعصِمْك ويثبِّتْك، هذا الجواب مضمرٌ في آخره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: سميعٌ لكلامك عليمٌ بمرادك.
_________________
(١) في (أ): "وأمر بالمعروف".
(٢) ذكره عن عطاء الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣١٨)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٣١٦)، وذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٥٤٤) من طريق عطاء عن ابن عباس.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٨١)، وانظر المصادر السابقة، فقد ذكروه من تتمة قول عطاء.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٤٦) وهو مرسل.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٨٢).
(٦) ذكره الواحدي في "البسيط" (٩/ ٥٤٦) من طريق عطاء عن ابن عباس.
(٧) في (ف): "فاعتصم".
[ ٧ / ١٠٧ ]
(٢٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزةُ: ﴿طَائِفٌ﴾ بالألف، والباقون: ﴿طَيْفٌ﴾ بغيرِ ألفٍ (^١).
وقرأ سعيد بن جبير: (طَيِّفٌ) بتشديد (^٢) الياء (^٣)، وهما واحد عند بعضهم كالميْت والمائت والميِّت.
وقيل: الطيْف مصدرٌ، والطائف نعتٌ.
وقال الزجَّاج: طاف الخيال يَطيف بالياء، وطاف عليهم يطوف -أي: دار- بالواو (^٤).
ومَن جعل هذا من الطَّوف الواوي قال: (طَيْفٌ) أصله: (طيِّفٌ) بالتشديد ثم خفِّف، وهو كالهَيْن والهَيِّن.
والطَّيْف والطائف: ما ألمَّ بالإنسان من عوارضِ (^٥) الشيطان.
يقول: إن المؤمنين المتقين اللَّهَ إذا نالهم طيفٌ من الشيطان؛ أي: وسوسةٌ بإغراء وتنفيذِ غضبٍ ﴿تَذَكَّرُوا﴾؛ أي: مواعظَ اللَّه ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾: قيل: أبصروا قبحَ ذلك، وقيل: أي: أبصروا الرُّشدَ فسلكوا طريقَه فسلِموا من نَزْغه، وإن ارتكبوا مأثمًا ثم تذكَّروا وتابوا فغفر لهم؛ أي: يا محمد فكذلك فكنْ.
وقال الإمام القشيري ﵀: وفيه دليلٌ أنَّ المتقين قد ينالهم ذلك، وهو في
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٠١)، و"التيسير" (ص: ١١٥).
(٢) في (أ) و(ف): "بتثقيل".
(٣) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٣)، و"البحر" (١٠/ ٤٦٣). وزاد ابن خالويه نسبتها لابن عباس.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٩٦).
(٥) بعدها في (ر): "من".
[ ٧ / ١٠٨ ]
حال غفلتهم عن ذكر اللَّه تعالى، والذاكر قد يغفلُ، فلكلِّ صارمٍ نَبْوةٌ، ولكلِّ عالمٍ هفوة، ولكلِّ جوادٍ كبوة، ولكلِّ عابد غفوة (^١)، ولكلِّ قاصدٍ فترة، ولكلِّ سائرٍ وقفة، ولكلِّ عارفٍ حَجْبة، قال النبي -ﷺ- "وإنه ليغانُ على قلبي" (^٢)، وقال النبيُّ -ﷺ- "إن الحِدَّة لتعترِي خيارَ أمَّتي" (^٣)؛ أي: قد يعتريهم ذلك مع علوِّ رتبتهم فيُخرجهم عن دوام الحِلْم (^٤).
* * *
(٢٠٢) - ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾: أي: وإخوانُ الشيطان، وهم الغُواة.
وقوله تعالى: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾: أي: الشياطين يُديمونهم (^٥) في الغي.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾: أي: لا يَكفُّون بعدما مدَّهم الشياطينُ في غيِّهم.
أي: مَن عمِل بما يأمر (^٦) به الشياطين، فإن الشياطين يزيدون في غيِّهم ويلحُّون
_________________
(١) في (أ): "ولكل عادم شره"، في (ر): "ولكل عايد شره"، والمثبت من (ف). وفي "اللطائف": (ولكل عابد شدة).
(٢) رواه مسلم (٢٧٠٢) من حديث الأغر المزني ﵁.
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" (١١٣٣٢) و(١١٤٧١)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٤٥٠)، وابن الجوزي في "العلل" (١٢٢٢)، من حديث ابن عباس ﵄. قال ابن الجوزي: لا يصح، وفيه آفات سلام الطويل. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٦): فيه سلام بن سلم الطويل وهو متروك. ورواه ابن أبي شيبة في "مسنده" (٦١٦) من حديث أبي منصور الفارسي، وهو مختلف في صحبته، وقال البخاري: حديثه مرسل. انظر: "الإصابة" (٧/ ٣٨٨).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٥٩٩).
(٥) في (ر): "يدعونهم"، وفي (ف): "يمدونهم".
(٦) في (ف): "ما يأمر" وفي (ر): "ما تأمره".
[ ٧ / ١٠٩ ]
عليهم بالإغراء (^١)، ثم لا يمسكون عن ذلك حتى يُهلكوهم، فـ ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ صفةُ الشياطين على هذا.
وقيل: صفةُ الغواةِ المشركين؛ أي: لا ينتهون عن الغي.
وقال ابن عباس ﵄: في هذه الآيات تقديمٌ وتأخيرٌ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ -أي: هلَّا اختلقتها من تلقاء نفسك- الآيةَ، ثم بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ الآية (^٢).
* * *
(٢٠٣) - ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾: أي: إن الشياطين ليَمدُّونهم في الغيِّ، ومن ذلك أنهم يحملونهم على أن يطالبوك بالآيات المقترَحة، فإذا سألوك إحياءَ ميت (^٣) يكلمهم ونحوَ ذلك فلم تأت (^٤) به، قالوا لك: هلا اخترتَ هذا الذي سألناك وأتيتَ به وأنت رسولُ اللَّه بزعمك، وللرسول معجزةٌ، فهلا تأتينا بالمعجزة التي نطلبها (^٥) منك.
وقال الكلبي ﵀: أي: وإذا لم تأتِ أهلَ مكة بآية سألوكها تعنُّتًا قالوا:
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ف): "من عمل".
(٢) لم أجده.
(٣) في (أ): "ميتة".
(٤) في (ف): "تأتهم".
(٥) في (ف): "طلبناها".
[ ٧ / ١١٠ ]
هلا تلقَّيتها فأتيتَنا بها من قبلِ أن نسألَكها ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ (^١).
وقيل: إذا لم تأتهم بآية اقترحوها قالوا: إنما أنت تتقوَّله فهلا اختَرْتَ شيئًا تقرأه علينا من عند نفسك، وما اعتذارُك بإبطاء الوحي عنك وليس ما تأتي به وحيًا؟! ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ ولا أَختلِقُه من عند نفسي.
وقال مجاهد: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾؛ أي: هلا ابتدَعْتَها (^٢).
وقال الفرَّاء: تقول العرب: اجتَبيتُ الكلام واختلقْتُه وارتجلْتُه؛ أي: افتعلْتُه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لهذا القرآن حججٌ ظاهرةٌ يبصَرُ بها الحقُّ، وهادي إلى الطريق المستقيم، ويرحمُ اللَّه مَن عمل به فيدخلُهم الجنة، وهذا نفعٌ يختصُّ به المؤمنون.
* * *
(٢٠٤) - ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: ويتصل بقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ يعني: القرآن.
وقال الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم حين يسمعون ذكرَ الجنة والنار، فنزلت هذه الآية (^٤).
_________________
(١) انظر: "الوسيط" (٢/ ٤٣٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣١٨).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٤٤)، وبنحوه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٥٥).
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (١٠/ ٦٥٦)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٢٠)، و"البسيط" (٩/ ٥٥٩)، و"زاد المسير" (٣/ ٣١٢)، و"البحر المحيط" (١٠/ ٤٦٨)، وكلمة: "افتعلته" تحرفت في النسخ إلى: "اقتلعته"، والتصويب من المصا در. وانظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٠٢)، ولفظه: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾: هلا افتعلتها، وهو من كلام العرب جائز أن يُقال: اختار الشيء، وهذا اختياره.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٧٨)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٢١)، والواحدي في =
[ ٧ / ١١١ ]
وقال قتادة: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسلِّم ويسألهم: كم صلَّيتم؟ وكم بقي؟ فنزلت هذه الآية (^١).
وقال ابن عباس ﵄: كان المسلمون يتكلمون في الصلاة، فحرم الكلام في الصلاة بهذه الآية (^٢).
وقال ابن مسعود وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وعمرو بن دينار وزيد بن أسلم والقاسم بن مخيمرة: هذا في الخطبة (^٣).
وقال مجاهد: في الخطبة والصلاة (^٤).
وعن ابن عباس ﵄: أن النبيَّ -ﷺ- قرأ في المكتوبة وقرأ أصحابه خلفه، فنزلت هذه الآية (^٥).
وكذلك رُوي عن أبي العالية وعلباءَ بن أحمرَ (^٦)، وهو نصٌّ على أنه لا قراءةَ على المقتدي، وأن قراءة الإمام قراءةٌ له.
* * *
_________________
(١) = "البسيط" (٩/). ووقع بعدها في (ر): "وقال ابن عباس ﵄"، ولا وجه لها.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٧٧)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٦٢).
(٣) لم أجده عن ابن عباس بهذا اللفظ، ورواه بنحوه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨٣٨٠)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٥٩)، عن أبي هريرة ﵁.
(٤) ذكره عنهم -عدا ابن مسعود- الواحدي في "البسيط" (٩/ ٥٦٥)، والقرطبي في "تفسيره" (٩/ ٤٣١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٦٤) عن مجاهد.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٦٤ - ٦٦٦) عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٦٤).
(٧) ذكره عنهما الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٢٧). وقوله: "علباء بن أحمر" تحرف في (أ) و(ف) إلى: "علي بن أحمر"، وفي (ر) إلى: "علي بن أحمد".
[ ٧ / ١١٢ ]
(٢٠٥) - ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: قال ابن عباس ﵄: عنَى بالذكر القراءةَ في الصلاة، ﴿تَضَرُّعًا﴾: جهرًا باللسان ﴿وَخِيفَةً﴾ (^١): سرًّا في القلب ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: لا جهرًا مفرطًا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: أي: العشيات، وهي جمع أصيل، وهي ما بين العصر والمغرب؛ كاليمين والأيمان.
وقيل: الأصيل واحدٌ، وجمعه: الأُصُل، وجمع الأُصُل: الآصال، فهي جمعُ جمعٍ.
وقيل: الأُصُل اسم للواحد أيضًا.
وقيل: التضرُّعُ: الاستكانة، والخيفة: الخوف، والذكر: هو ذكر اللسان، والغدوُّ والآصال في حق الصلاة تخصيصٌ لهذين الوقتين بالذكر، كما في قوله تعالى: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وسائرُها ثبتت (^٣) بغيرها من الآيات.
وقيل: الغدوُّ والآصال عبارةٌ عن الليل والنهار، وأراد به الذكرَ على الدوام.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ خاطبه وأراد به أمته؛ أي: لا تقتدوا بالغافلين، لكنْ بالملائكة الذين لا يغفلون، وذلك قوله تعالى:
_________________
(١) في (أ): "خفية".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٢٢). وروى عنه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٦٦٤) أنه كان يقول في هذه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾: هذا في المكتوبة، وأما ما كان من قصص أو قراءة بعد ذلك فإنما هي نافلة.
(٣) في (ف): "يثبت".
[ ٧ / ١١٣ ]
(٢٠٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: هم الملائكة، و﴿عَنْدَ﴾ بيان قربِ الكرامة دون المكان، فإن اللَّه تعالى يتعالى (^١) عن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾: أي: فكونوا أنتم كذلك.
وقال الإمام القشيري ﵀: أثبت لهم عنديَّةَ الكرامة، وحفظ عليهم أحكامَ العبودية؛ لئلا ينفكَّ حالُ جمعهم عن نعتِ تفرقتهم، هذه سنَّةُ اللَّه تعالى مع خواصِّ عباده (^٢)، يلقِّنهم خصائصَ (^٣) عين الجمع ويحفظُ عليهم حقائق عين التفرقة؛ لئلا يُخلُّوا بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة (^٤).
والحمدُ للَّه ربِّ العالمين، حمدًا لا يشوبُه ريب ولا يخالطه عيب، حمدًا لا لكثرته يُؤنَف ولا لجمَّته يُستنكَف، حمدًا لا يحصَى عددُه ولا ينتهِي أمدُه، حمدًا لا يَضجر عنه الجَلَد ولا يَفتُرُ عنه كلُّ أحد، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآلهِ وصحبه أجمعين (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ف): "نزه".
(٢) في (ف): "عباد اللَّه".
(٣) في "اللطائف": "يلقاهم بخصائص".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٠١).
(٥) من قوله: "حمدًا لا يشوبه ريب. . . " إلى قوله: "ولا يَفتُرُ عنه كلُّ أحد" من (أ) و(ف). وقوله: "وصلى اللَّه على سيدنا محمد واه وصحبه أجمعين" من (ر).
[ ٧ / ١١٤ ]
سورة الأنفال
[ ٧ / ١١٥ ]