بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلق السَّماوات والأرض، وجعل النُّور والظُّلمات، الرَّحمن الذي أنزلَ من السَّماءِ ماءً، فأخرجَ به من النَّباتِ، وأكثرَ به الثَّمرات، وأنشأَ به جنَّاتٍ معروشاتٍ وغيرَ معروشاتٍ، الرَّحيم الذي جعلنا خلائفَ الأرضِ، ورفعَ بعضنا فوقَ بعضٍ درجات.
وسورةُ الأنعام مكِّيَّة إلَّا ثلاثَ آياتٍ نزلَتْ بين مكَّة والمدينة: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ إلى قوله: ﴿تَتَّقُونَ﴾ [١٥١ - ١٥٣].
وهي مئةٌ وخمسٌ وستُّون آيةً، وقيل: ستٌّ، وقيل: سبعٌ، وقيل: ثمانٌ، والاختلافُ في أربع آيات: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦]، ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧].
وكلماتُها ثلاثةُ آلافٍ واثنتان وأربعون، وحروفُها اثنتا عشرةَ ألفًا وأربعُ مئةٍ وثلاثةٌ وثلاثون.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: سورة الأنعام كلُّها مكِّيَّة إلَّا ستَّ آياتٍ منها نزلت بالمدينة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] إلى آخر ثلاث آياتٍ
[ ٦ / ٧ ]
نَزلَت في ردِّ مقالةِ (^١) اليهود لعنهم اللَّه، وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاث آيات (^٢).
ونزلت هذه السورة جملةً بمكَّة ليلًا، وشيَّعَها سبعون ألف ملك، ولهم زَجَلٌ بالتَّسبيحِ والتَّحميد، حتَّى كادت الأرضُ ترتجُّ، فقال النبيُّ -ﷺ-: "سبحان اللَّه"، وخرَّ ساجدًا، ثم دعا بالكتَّاب، وأمرَ بكتابتِها من ليلتِه تلك (^٣).
وقال سعيدُ بنُ جبير: لم يَنزل مِن الوحي شيءٌ إلَّا ومع جبريل أربعةٌ مِن الملائكة يحفظونَه مِن بين يديه ومن خلفه، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧]، إلَّا سورة الأنعام؛ فإنَّها نزلَت ومعها سبعون ألف ملك (^٤).
وقال مجاهد: نزلَتْ معها خمسُ مئة ألف ملكٍ يحرسونَها (^٥).
وقال كعبُ الأحبار: فُتحت التوراة بأوَّل سورة الأنعام إلى قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾، وخُتِمت في آخر سورة بني إسرائيل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] إلى آخر السُّورة (^٦).
_________________
(١) في (أ): "مقالات".
(٢) لم أقف عليه مسندًا عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٣١) دون نسبة، وأورد نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ١) من طريق أبي صالح عن ابن عباس، وأخرج النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (٢/ ٣١٦) (٤٦٥) عن ابن عباس قال: سورة الأنعام نزلت بمكة جملة واحدة، فهي مكية إلا ثلاث آيات منهن نزلن بالمدينة: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ إلى تمام ثلاث آيات.
(٣) رواه ابن الضريس في "فضائل القرآن" (٢٠١)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (٧٨٢). وفي إسناده أبان بن أبي عياش، وهو متروك، وشهر بن حوشب، وهو ضعيف.
(٤) رواه المستغفري في "فضائل القرآن" (٧٨٨)، وأورده الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٣١ - ١٣٢).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٧٧٠).
(٦) رواه ابن الضريس في "فضائل القرآن" (١٩٧)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ١٤٧).
[ ٦ / ٨ ]
وقيل: خُتِمَت بآخرِ سورة هود.
وعن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأ ثلاثَ آياتٍ مِن أوَّل سورةِ الأنعام إلى قوله: ﴿يَكْسِبُونَ﴾ حين يصبح (^١)، وكَّلَ اللَّهُ به أربعين ألف (^٢) ملك، يَكتبون له مثلَ عبادتِهم إلى يوم القيامة، ونزلَ ملكٌ مِن السَّماء السابعة، ومعه مِرزَبَةٌ مِن حديد، فإذا أرادَ الشيطان أنْ يُوسوِسَ في قلبهِ، ضربَهُ بها ضربةً، كان بينه وبينه سبعون حجابًا، فإذا كان يومُ القيامة يقول اللَّه تعالى له: امشِ في ظلِّ عرشي، وكُلْ مِن ثمارِ جنَّتي، واشرب مِن ماءِ الكوثرِ، واغتسل مِن ماء السَّلسبيل، وأنت عبدي وأنا ربُّك" (^٣).
وفي حديث أبيِّ بن كعبٍ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "أُنزِلَ عليَّ سورةُ الأنعام جملةً واحدةً، يُشيِّعُها سبعون ألف ملكٍ، لهم زَجَلٌ بالتَّسبيحِ والتَّحميد، ومَنْ قرأ سورةَ الأنعام -ﷺ- (^٤) واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعددِ كلِّ آيةٍ من سورة الأنعام يومًا وليلة" (^٥).
وانتظامُ هذه السُّورة بسورةِ المائدة:
_________________
(١) قوله: "حين يصبح" من (ف).
(٢) لفظ: "ألف" من (ف).
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٢/ ١٦ - ١٧) (١٣٤٠) (طبعة دار التفسير) من حديث جابر ﵁، وضعف محققوه إسناده بأن فيه انقطاعًا بين الحجاج بن محمد وأبي الزبير محمد بن مسلم، وبأن أبا الزبير مدلس وقد عنعن، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ١٠) للسلفي عن ابن عباس ﵄، ووهى إسناده.
(٤) "وسلم": زيادة من (ف).
(٥) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٢/ ١٤ - ١٥) (١٣٣٩)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٧ - ٨) لأبي الشيخ، وفي إسناده عند الثعلبي أبو عصمة نوح بن أبي مريم، متروك، وهو واضع الحديث الطويل في فضائل القرآن. انظر: "ميزان الاعتدال" (٥/ ٤٠ - ٤١).
[ ٦ / ٩ ]
أنَّ تلك السُّورةَ في ردِّ مقالات أهلِ الكتاب، وهذه السُّورة في ردِّ مقالات المشركين.
والثاني: أنَّ تلك السُّورةَ في بيان الأحكام، وهذه السُّورة في بيان التَّوحيد، وبهما تعبَّدَ اللَّهُ ﷿ كلَّ خلقِه.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السُّورةِ بآخرِ تلك السُّورة أنْ ختمَ تلك السُّورةَ بالملك، وفتح هذه السُّورةَ بالحمد، وقد قال تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن: ١]، وتقديرُه: أنَّ اللَّه الذي له ملكُ السَّماوات والأرض هو المستحقُّ للحمد.
* * *
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ بسطنا الكلامَ فيه في أوَّلِ سورةِ الفاتحة، ومختصره هاهنا: الثَّناءُ للَّهِ تعالى على أفعاله كلِّها، والشُّكرُ للَّهِ تعالى على نعمِهِ كلِّها، والرِّضا منَّا له بقِسَمِه كلِّها، وهو الممدوحُ بالصِّفاتِ التي يَستحقُّها، ودلَّ على ذلك كلِّه الألفُ واللَّامُ في أوَّله، وهما لاستغراقِ الجنس.
قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: بغيرِ عَمَدٍ مِن تحتِها، ولا عِلاقةٍ مِن فوقها، ولا سلسلةٍ مِن جوانبها، قوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: الأرَضين (^١)، وقد قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، واسمُ الجنس يَقعُ على الجمع.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾؛ أي: خلقَ ذلك كلَّهُ، وهو ردٌّ على الثَّنويَّةِ
_________________
(١) "أي الأرضين": ليس من (ف).
[ ٦ / ١٠ ]
في إضافتِهم خلقَ النُّور إلى يَزدان، وخلقَ الظُّلماتِ إلى أهرمن، وعلى ذلك خلقُ كلِّ خيرٍ وشرٍّ.
وقال الحسنُ البصريُّ: ﴿الظُّلُمَاتِ﴾: الكفر، ﴿وَالنُّورَ﴾: الإيمان (^١)، ودلَّ ذلك على أنَّ اللَّه تعالى خالقُ كلِّ أفعالِ العباد.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾؛ أي: خلقَ اللَّيلَ والنَّهار.
وقال عليُّ بنُ الحسين: كلُّ ما في القرآن ﴿الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ فهو (^٢) الكفر والإيمان، إلَّا في هذه الآية؛ فإنَّه يريدُ بهما اللَّيلَ والنهار، وكذا قال السُّدِّيُّ (^٣).
وقال قتادة: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾؛ أي: النَّارَ والجنَّةَ (^٤).
وروى عبدُ اللَّه بنُ عمرو بنِ العاص، عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "إنَّ اللَّه تعالى خلقَ خلقَهُ في ظلمةٍ، ثمَّ ألقى عليهم مِن نورِه، فمَن أصابَهُ مِن ذلك النُّور يومئذٍ (^٥) اهتدى، ومَنْ أخطأَهُ ضَلَّ" (^٦).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: خلقَ اللَّهُ تعالى الظُّلمة قبل النُّور.
وقال قتادة: خلق اللَّه السَّماوات قبل الأرض، والظُّلمةَ قبل النُّور، والجنَّة قبل النار (^٧).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "التفسير البسيط" (٨/ ٨).
(٢) من قوله: "الليل والنهار وقال علي" إلى هنا وقع مكانه في (ف): "ذلك كله وهو".
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٤٤ - ١٤٥)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٥٩، ١٢٦٠) (٧٠٨٢)، (٧٠٨٥).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٣٢).
(٥) بعدها في (ر): "فقد".
(٦) رواه الترمذي في "سننه" (٢٦٤٢)، وقال: هذا حديث حسن.
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٤٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٥٩) (٧٠٧٩)، (٧٠٨٣).
[ ٦ / ١١ ]
قالوا: خلق اللَّه السَّماواتِ أوَّلًا؛ لأنَّها أشرفُ مِن الأرض، وخلقَ الظُّلمةَ أوَّلًا؛ لأنَّها مِثالٌ للشَّكِّ والحيرة، ثمَّ يُجلِّيها البيانُ والبرهان.
وفي بعض التفاسير: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾؛ أي: وقد جعلَ الظُّلماتِ والنُّور؛ لأنَّ خلقَهُما كان قبل خلقِ السَّماوات والأرض.
وقال وهبُ بنُ منبه: أوَّل ما خلقَ اللَّه تعالى مكانٌ مظلم، ثمَّ خلق جوهرةً، فأضاءَ بها ذلك المكان، ثمَّ نظر إلى الجوهرةِ نظرَ الهيبةِ، فذابَت فصارَتْ ماءً (^١).
وقيل: إنَّما جمعَ الظُّلمات، ووحَّد النور؛ لأنَّه مصدرٌ كالطُّول والهُون، فيَستوي فيه الواحد والجمع.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ كلمةُ تعجيبٍ، يقول الرجل لآخر: إنِّي قد فعلتُ لك كذا وكذا، ثمَّ تَجفوني! أي: مِن العَجب هذا، ونظيره من القرآن: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢]، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا﴾ [المدثر: ١٥ - ١٦]، ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ومعنى الآية: ثمَّ المشركون مع إقرارِهم بأنَّ اللَّه خلقَهما يَعدلون بِربِّهم سواه؛ أي: يُسوُّون به الأوثان، قاله (^٢) قطرب، يُقال: عدلَ الكافرُ بربِّه عدلًا وعدولًا، إذا سوَّى به غيرَه فعبدَه، والعدلُ: التَّسويةُ، عدلَ الشَّيءَ بالشَّيء، إذا سوَّاهُ به (^٣).
وقال النَّضرُ بنُ شُمَيل: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: عن ربِّهم يَميلون ويَنحرفون (^٤)، وهو كقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]؛ أي: منها.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٣٣).
(٢) في (ر): "وقال". وانظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٣٣).
(٣) من قوله: "يقال عدل الكافر" إلى هنا ليس في (أ).
(٤) انظر: المصدر السابق.
[ ٦ / ١٢ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يُسَفِّهُهم ﷿ بما جَعلوا له من الشُّركاء، على إقرارٍ مِنهم أنَّه (^١) خالقُ السَّماوات والأرض، ولم يجعلوا له شركاءَ في تخليقِهما، وعلى علمٍ منهم بتَعلُّقِ منافعِ الأرض بمنافع السماء، مع بعدِ ما بينَهما؛ أي: كيف جعلوا له شركاءَ يُشرِكونَهُم في العبادة (^٢) والربوبيَّة، وهم يَعلمون أنَّه المتفرِّدُ بذلك كلِّه؟!
وقال: النُّور: ما يَكشِفُ عمَّا استترَ مِن أبصارِ الوجوه والقلوب، والظُّلمة: ما تَستُر (^٣) وتُغَطِّي على أبصار الوجوه والقلوب (^٤).
وقال الرَّبيعُ بنُ أنس: من أوَّلى السَّورة إلى قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في التَّوراة ستُّ مئة آية (^٥).
* * *
(٢) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾؛ أي: هو اللَّه الذي خلق السَّماوات والأرضَ، والظُّلماتِ والنُّور: خلقَكُم مِن آدم، وآدمَ مِن تراب، وخلطَ ترابَهُ بالماء، فصارَ طينًا، ثمَّ صار حمأً مسنونًا، ثمَّ صلصالًا، ثمَّ بشرًا سويًّا.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أثبتَ القوالبَ مِن الطِّين، وأودعَها عجائبَ السِّرِّ، وأظهر عليها ما لم يَظهر على مخلوقٍ، فالعبرة بالوَصْل لا
_________________
(١) في (ف): "بأنه".
(٢) بعدها في (ف): "له".
(٣) في (أ): "ما تستتر"، وليست في (ر).
(٤) من قوله: "والظلمة ما تستر" ليس في (ف). وانظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٥ - ٦).
(٥) رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٦/ ١١ - ١٢).
[ ٦ / ١٣ ]
بالأصل، الأصلُ تربةٌ، والوَصْلُ قُربةٌ، والأصلُ نطفة وقطرةٌ، والوَصلُ تُحفةٌ ونَضْرة (^١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾؛ أي: قَدَّرَ مُدَّةً.
قال ابنُ عباس ﵄ والحسن: هو أجلُ الدُّنيا (^٢).
وقال الضَّحَّاك: أجلُ العبدِ إلى الموت، وكذا عن ابنِ عباسٍ ﵄ في رواية، وهو قول قتادة وعطاء (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ قيل: أي: هو أجلٌ مسمًى عندَه (^٤)؛ أي: هذا الأجلُ المضروبُ معلومٌ عند اللَّه، لا يَطَّلِعُ عليه غيرُه، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، وأكثرُهم على أنَّه غيرُ الأجلِ الأوَّل؛ فإنَّه مُنكَّرٌ، ولو كان هو الأوَّلَ لعرَّفَهُ؛ فإنَّ النَّكرةَ إذا أُعيدت عُرِّفت، قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]، ثمَّ اختلفَتْ ألفاظُ المفسِّرين فيه:
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أجلُ الموت، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ السَّاعةُ والوقوفُ بين يدَي اللَّهِ تعالى (^٥).
وقال الضَّحَّاك: ﴿أَجَلًا﴾ أجلُ العبادِ إلى الموت، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ الآخرةُ والبعثُ بعد الموت.
_________________
(١) في (ر): "ونصرة". وانظر: "لطائف الإشارات" للماتريدي (١/ ٤٦٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٥١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٦٠) (٧٠٩٠).
(٣) سيأتي تفصيل أقوال الضحاك وابن عباس وقتادة وعطاء قريبًا.
(٤) قوله: "قيل: أي هو أجل مسمى عنده": ليس في (ف).
(٥) رواه الطبري (٩/ ١٥٣)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٦١، ١٢٦٢) (٧٠٩١)، (٧٠٩٦).
[ ٦ / ١٤ ]
وقال قتادة: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أجل حياتك إلى أنْ تموت، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أجلٌ بعد موتِك إلى أنْ تُبعَثَ (^١).
وقال الحسن: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أجل الدُّنيا مِن يومِ خلقِها إلى أن تَفنى، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يوم القيامة (^٢).
وقال الضَّحَّاك: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أجل الموتِ، لكلِّ نفسٍ أجل، ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١] ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أجلُ السَّاعة ذهابُ الدنيا، والإفضاءُ إلى اللَّه تعالى (^٣).
وقال عطاء: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ من مولدِه إلى موتِه، ومن موتِه إلى بعثِه (^٤).
ودلَّت الآيةُ على أنَّ الأجلَ واحدٌ، ودلَّ ذلك على بطلانِ قول المعتزلةِ في الأجلَين.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾؛ أي: وبعد هذا البيانِ أنتم تَشكُّون في البعث، و﴿ثُمَّ﴾ هاهنا للتَّرتيب وللتعقيب، وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ ليس للتَّرتيب والتَّعقيب في الوجود، بل في الإخبار؛ أي: ثمَّ أَخْبَركُم أنَّه قضى أجلًا، ولا يجوزُ أنْ يُحمَلَ على ترتيبِ الفعل؛ لأنَّه لا تَرتُّبَ في أفعالِ اللَّه تعالى؛ فإنَّ القولَ به يُوجِبُ القولَ بالحدوث، واللَّهُ سبحانه يَتعال عن ذلك علوًّا كبيرًا، ويكون هذا على ترتيب الإخبار،
_________________
(١) رواه الطبري (٩/ ١٥١)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٦٢) (٧٠٩٨).
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٥١).
(٣) رواه الطبري (٩/ ١٥١)، وسلف بنحوه قريبًا.
(٤) في (ف): "إلى مبعثه" بدل: "ومن موته إلى بعثه". وذكره الواحدي في "البسيط" (٨/ ١٢) من رواية عطاء عن ابن عباس.
[ ٦ / ١٥ ]
كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [الأعراف: ١١]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: جعلَ اللَّهُ تعالى للامتحانِ أجلًا، وللامتنانِ أجلًا، فأجَلُ الامتحانِ في الدُّنيا، وأجلُ الامتنانِ في العُقبى.
قال: ويُقال: ضربَ للطَّلبِ أجلًا، وهو وقتُ المهلة، ثمَّ عقَّبهُ بأجلٍ بعدَهُ، وهو وقتُ الوصلة، فالمهلةُ لها مدًى ومنتهى، والوصلةُ بلا مدًى ولا مُنْتهى (^١).
* * *
(٣) - ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ قال أبو روق: هو معبودٌ في السَّماواتِ، ومعبودٌ في الأرض.
وقال ابنُ عباس ﵄: هو إلهٌ واحدٌ في السَّماوات وفي الأرض، لا شريكَ له، وهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].
وقيل: أي: هو المستحِقُّ للعبادة في السَّماوات وفي الأرض، وذلك بشهادةِ السَّموات والأرض له بالإلهيَّة، كما قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحشر: ١]، فلا يُبطِل إلهيَّتَه إنكارُ مَن أنكرها.
وقيل: أي: هو المنفردُ بالتَّدبير فيهما، وهو كما يُقال: فلانٌ هو الملِكُ في بلد كذا وبلد كذا، لا يُرادُ به أنَّه فيهما بالذَّاتِ، بل بالملك والتَّدبير.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٤٦٠).
[ ٦ / ١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ قيل: هو مقدَّم في التقدير؛ أي: هو اللَّهُ الذي ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ في السَّماوات وفي الأرض.
وقيل: بل هو مُقرَّرٌ في موضعِه، وتفسيرُ الأوَّل ما قلنا.
قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ قال مقاتل: أي: يَعلمُ سرَّ أعمالِكم وجهرَها (^١).
وقيل: يَعلمُ ما تُسِرُّون مِن القولِ، وما تَجهرون به، وهو كقوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾؛ أي: ما تَعملون مِن خيرٍّ أو شرٍّ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: أي: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾؛ أي: ما تُضمِرون في القلوب، ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾ ما تَنطِقون به، ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ مِن الأفعالِ التي تُعمَلُ بالجوارح، يَعلَمُ ذلك كلَّه، فيُحصيهِ، ويُحاسِبكم به، ويَجزيكُم عليه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
قال: وقيل: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾؛ أي ما خلقَ في أعضائِكم مِن الأسرار، كالسَّمعِ في الأُذُن، والبصرِ في العين، والشَّمِّ في الأنف، والذَّوقِ في الفم (^٢)، والنُّطقِ في اللِّسان، ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾؛ أي: ظواهرَ هذه الأعضاء، والبشرُ لا يَعرفون ماهيةَ هذه الأسرار (^٣) وحقائقَها (^٤).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٤٩).
(٢) قوله: "والذوق في الفم" من (ف).
(٣) في (ف): "ذلك" بدل: "هذه الأسرار"، وفي هامشها نسخة موافقة للمثبت.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٦).
[ ٦ / ١٧ ]
(٤ - ٥) - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ في الأولى لتأكيد النَّفي وتعميمِ المذكور، وفي الثَّانية للتَّبعيض.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: يَحتمِل من آياتِ توحيدِ اللَّه تعالى (^١)، وآياتِ إثباتِ رسالةِ محمَّدٍ ﵊، ويَحتمل آياتِ إثبات البَعث بعد الموتِ، بما أخبرَ أنَّه خلقَهم مِن طينٍ، فإذا ماتوا صاروا تُرابًا، فإذا كان إنشاؤهم مِن ترابٍ، يجوزُ إعادتُهم مِن تراب.
قال: ويحتملُ آيات القرآن (^٢)، ويحتمل المعجزات.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: مُنصرِفين بقلوبِهم عن تأمُّلها، فلا يَنتفعون بها، وإنَّما يَنتفِعُ بها مَن تأمَّلها ونظرَ فيها.
وسورةُ الأنعام نَزلَتْ في محاجَّةِ المشركين؛ في إثبات الصَّانعِ وتوحيدِه، وإثباتِ البعثِ بعد الموتِ، ولو لم يكنْ له معجزةٌ أخرى، لكان القرآنُ معجزةً؛ حيث عجزَ الكلُّ عن الإتيانِ بمثله.
وفيه دليلُ وجوبِ محاجَّةِ منكري التَّوحيد، وإلزامِهم بالحجَّة.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ هي انشقاقُ القمر، وكان بمكَّة (^٣).
_________________
(١) في (ف): "الآيات التوحيد للَّه" بدل: "آيات توحيد اللَّه".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٧).
(٣) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ١٦).
[ ٦ / ١٨ ]
قوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: مُكذِّبين، ولذلك ذكرَ التَّكذيبَ فيما بعدَهُ، وهو قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: بالقرآنِ، وبمحمَّد -ﷺ-.
وقال مقاتل: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾؛ أي: أبو جهلٍ، والوليدُ وأميَّةُ بنُ خلف.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: أخبارُ ما كانوا يَسخرون به مِن آياتِ اللَّه تعالى بنزولِ العقوبةِ بمَن جحدَها.
وقيل: أي: سيَحِلُّ بهم مِن العقوبةِ ما تَنتشرُ به الأخبار، سمَّى ما يُخبِرُ به خبرًا على المجاز.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا﴾؛ أي: يَظهرُ لهم عند حلولِ العقوبةِ غلطُهم فيما كان مِنهم، وهو عقوبةُ الماضي والرَّاهن جميعًا، وقد جرى عليهم في يوم بدرٍ وغيرِه ما جرى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، ونُبيِّنُ تفصيلَ ذلك في تلك الآيةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿بِالْحَقّ﴾؛ أي: بنفسِ محمَّدٍ؛ فإنَّ نبيَّنا ﵊ مِن أوَّلِ نُشوئِه إلى آخرِ عمره (^١) عُصِمَ، فلَم يأتِ منه ما يُستقبَحُ قَطّ، فدلَّ أنَّ ذلك إنَّما كان لما جعله اللَّه آيةً في نفسِه، وموضعًا لرسالتِه (^٢)، مع ما كان له من آياتٍ عظيمةٍ، وأعلامٍ عجيبةٍ.
وقال في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كان النَّبيُّ -ﷺ- أوعدَهمُ العذابَ، فقالوا: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾
_________________
(١) في (أ): "عهده".
(٢) "لرسالته": ليس من (أ).
[ ٦ / ١٩ ]
[الحج: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، يقولُ اللَّه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ صدقُ هذا الخبر (^١).
* * *
(٦) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ نكرةٌ في موضع (^٢) النفي، فعَصَّت، وصار كقولِه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْقُرُونِ﴾ (^٣) [يس: ٣١]. والقرنُ: أهلُ كلِّ عصرٍ، سُمُّوا به للاقتران من بعضِهم ببعض.
وقال الزَّجَّاج: القرنُ: أهلُ كلِّ عصرٍ فيه نبيٌّ أو عالمٌ عظيمٌ، سُمُّوا بذلك لاقترانِهم به، وعلى هذا لا يقع الاسمُ على أهل الفترة.
وقيل: مُدَّةُ ذلك سبعون سنة، وقيل: ثمانون سنة (^٤).
وقوله تعالى: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ التَّمكينُ في البلادِ إعطاءُ المُكنة والمكانة والعُلُوِّ والغلبة (^٥).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢١ - ٢٢).
(٢) في (ف): "حال"، وفي هامشها؛ "صوابه: في موضع النفي".
(٣) من قوله: "نكرة في موضع" إلى هنا ليس في (أ).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٢٩).
(٥) في (ف): "العلو" بدل من "والعلو والغلبة".
[ ٦ / ٢٠ ]
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أعطيناكُم ما لم نُعطِ (^١)، يعني: وسَّعنا (^٢) عليكم في كثرةِ العبيد والمال والأنعام، ومكَّنتُهُ، ومكَّنتُ له، إذا قدَّرتُه على الشَّيء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾؛ أي: السحابَ دارًّا بالمطرِ، فكَثُرَت غلَّاتُهم، ونَمَت مواشيهِم.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾؛ أي: كثُرَت مياهُ الأنهارِ بكثرةِ الأمطار، وتَفجَّرت العيون.
وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾؛ أي: من تحتِ أشجارِهم.
وقيل: أي (^٣): تحت تَصرُّفِهم، وكانوا يُجرونَها حيث شاؤوا في السَّواقي إلى المزارع وإلى الحدائق.
وقيل: أي: من تحت قصورهم، وهم مشرفون عليها، يَنظرون فيها.
وقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: بتكذيبِهم أنبياءَهم، وبكفرانِهم نعمَ اللَّه، ولم يُغنِهم ذلك، ولم يَدفعْ عنهم العذابَ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ جمعَ للمعنى؛ لأنَّه اسمٌ للطَّائفة ونحوها، أي خلقنا بعدَهم قومًا آخرين، فليَحذروا أنْ يَنالَهم مثلُ ما نال أولئكَ إذا فعلوا فعلَهم.
وإنَّما قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ مع أنَّهم لم يدركوهم؛ لأنَّه عنى به أقوامًا قد تَقرَّرَ عندهم أخبارُهم؛ مِن عادٍ وثمودَ وأصحابِ مدين ونحوهم (^٤)، فصارَ كأنَّهم شاهدوهم.
_________________
(١) لم أقف عليه عن ابن عباس، رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٧٧٥)، ومن طريقه الطبري (٩/ ١٥٦ - ١٥٧)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٦٣) (٧١١٠)، (٧١١١) من قول قتادة.
(٢) في (أ): "يعط يعني وسعت" بدل من "نعط، يعني: وسعنا".
(٣) بعدها في (ر): "من".
(٤) في (أ): "وغيرهم".
[ ٦ / ٢١ ]
ثمَّ أدخل اللَّامَ في قولِه: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، ولم يُدخله في قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾؛ لأنَّهما لغتان: مكَّنهُ ومكَّن (^١) له، فجمعَ بينَهما في آيةٍ، كما جمع بين الإمهال والتمهيل -وهما لغتان- في آيةٍ، وهي قوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، ونظيرُ التَّمكين التَّبوئة، ويُعدَّي ذلك باللَّام وغيرها (^٢)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، فجمع بين اللُّغتين في آيتين.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: يقول: إنَّ مَن تقدَّمهُم كانوا أشدَّ تمكُّنًا مِن إمهالِنا، وأكثرَ نصيبًا في الظَّاهر مِن نوالنا؛ سَهَّلنا لهم أسبابَ المعاش، ووسَّعنا عليهم أبوابَ الانتعاش، فحين وطَّنوا على كواذبِ المُنى قلوبهم، وأدركوا مِن أحوال الدُّنيا محبوبَهم ومطلوبَهم، فَتحنا عليهم مِن مكامنِ التَّقدير، وأبرزنا لهم مِنْ غوامضِ الأمورِ (^٣) ما قَرعوا عليه سنَّ (^٤) الندم، وذاقوا دونَه طعمَ الألم، ثمَّ أنشأنا مِن بعدِهم قرنًا آخرين، وأورثناهم مساكنَهم، وأسكنَّا هم أماكنَهم، فلمَّا انخرطوا في الغيِّ في سلكهم، ألحقناهم في الإهلاكِ بهم، سُنّةً منَّا في الانتقام أمضيناها (^٥) على أعدائنا، وعادَّة (^٦) في الإكرامِ أجريناها لأوليائنا (^٧).
_________________
(١) في (ر): "وتمكن"، وفي (ف): "ونمكن".
(٢) بعدها في (ف): "كما".
(٣) في (ف): "العقول".
(٤) تحرفت في (ر) و(ف) إلى: "من"، ونص العبارة في مطبوع "لطائف الإشارات": "فزعوا عليه من الندم"!!
(٥) في (ف): "اقتضيناها".
(٦) بعدها في (ف): "منا".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦١ - ٤٦٢).
[ ٦ / ٢٢ ]
(٧) - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قال الكلبيُّ: أي: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾؛ أي: القرآنَ في صحيفةٍ؛ أي: مكتوبًا في بياضٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: مسُّوه (^١)، ولم يقل: عاينوه بأبصارِهم؛ لأنَّ ذلك ثابت مقتضى الإنزال، وهو مكتوبٌ معايَنٌ، وأراد به المعنَيَيْن؛ أي: عايَنوهُ بأبصارِهم، ومسُّوهُ بأيديهِم، لقالوا: ما هذا إلَّا سحرٌ ظاهرٌ.
نزلت في النَّضرِ بن الحارث، وعبدِ اللَّه بنِ أُميَّة المخزوميِّ، ونوفلِ بنِ خويلد؛ قالوا: يا محمد، لن نؤمنَ لك حتَّى تأتيَنا بكتابٍ مِن عند اللَّه جملةً، ومعه أربعةٌ مِن الملائكة يشهدون عليه (^٢) أنَّه مِن عند اللَّه، وأنَّك رسولُه، فنَزلت هذه الآيةُ (^٣).
وفيها قطعُ طمعِه عن إيمانِهم، وهو في قومٍ علمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم لا يُؤمنون، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١]، ونظير هذا الاقتراح قوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [ا لإسراء: ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: قالوا: هلَّا أُنزِلَ عليه ملكٌ يَشهدُ له بالنُّبوَّةِ، ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾ كما يَلتمسونَه ويَشهَدُ (^٤) له بالنُّبوَّةِ، ويكونُ نذيرًا معه يشاهدونه، فلم يُؤمنوا به، لفرغَ من أمرِهم
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٣٥ - ١٣٦).
(٢) في (أ): "على"، وليس في (ف).
(٣) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٧٤)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ١٣٥ - ١٣٦)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٠٨).
(٤) في (ف): "من يشهد".
[ ٦ / ٢٣ ]
بإنزالِ العذاب المصْطلِم (^١) عليهم، من غير إمهالٍ لهم، وهو كقولِه تعالى: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: حين يَحِقُّ العذابٌ عليهم ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨]، وقد أخبر اللَّهُ تعالى أنَّهم عجِبوا مِن إرسال محمَّدٍ، كما قال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤]، وأخبر أنَّهم ﴿قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وأجابَ عن ذلك، فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ [الإسراء: ٩٥] الآية.
وقال في هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾ في صورته، لماتَ النَّاسُ مِن هيبةِ رؤيةِ صورته؛ لأنَّ البشرَ لا يَحتملون رؤيةَ المَلكِ على صورتِه.
وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾ في صورتِهِ، لقامَتِ السَّاعة (^٢)، إذ إنزالُ الملائكةِ على صورَتِهم (^٣) إنَّما يكون في القيامة.
* * *
(٩) - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾؛ أي: لا يَقعُ لهم فيما سألوا؛ لأنَّا لو أنزلنا ملكًا لجعلناهُ في صورةِ رجل؛ إذ لو أنزلناهُ على صورةِ الملَك، لم يعاينوه (^٤)، على العادةِ التي أجراها للنَّاس، وإذا لم يعاينوه، لم يَثِقوا بكلامِه، ولقالوا: لا نَدري أنَّه صوتُ مَلَكٍ أو غيره، ولو جاءَهم بآيةٍ لكان لهم أن يقولوا: إنَّما عجَزْنا
_________________
(١) يعني: المستأصل. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: صلم).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٦١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٦٥) (٧١٢١)، (٧١٢٤).
(٣) في (أ): "الملك على صورته" بدل: "الملائكة على صورتهم".
(٤) في (ف): "لما عاينوه" بدل: "لم يعاينوه".
[ ٦ / ٢٤ ]
عن معارضَتِك؛ لأنَّك من غير جنسنا، لا أنَّه آيةٌ مِن اللَّه، وإذا لم يَجُز أنْ يَكونَ على صورة مَلَك، لهذا وجبَ أن يُجعَلَ في صورةِ رجلٍ، ثمَّ لهم أنْ يَسألوا الدِّلالةَ أنَّه مَلَكٌ جُعِلَ رجلًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ولوقعَ الالتباسُ هاهنا كما يَقعُ في إرسالِ البشر، واللَّبْسُ والتَّلبيسُ: تَخليطُ الأمرِ وإضافتُه إليه، على معنى أنَّهم لا يُنكِرون في محمَّدٍ أنَّه بَشَرٌ، ويُنكِرونَ أنَّه رسول، ولو أُنزِلَ مَلَكٌ في صورة رجلٍ، لأنكروا رسالتَه، وأنكروا كونَهُ مَلَكًا، وكان ذلك بإنزالنا، فيكونُ اللَّبسُ منَّا حينئذٍ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ولا يجوزُ إضافةُ اللَّبسِ إلى اللَّه تعالى ابتداءً، ويَجوزُ على وجهِ المجازاة، كما في الاستهزاءِ والمكرِ والخِداع (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: أخبرَ اللَّهُ تعالى عن كمالِ قدرتهِ في ابتداءِ ما يُريدُ لخليقتِه، وأنَّه بعد ما قضى لهم الضلال، فلو أشهدهَم كلَّ دليلٍ، وأوضحَ لهم كلَّ سبيلٍ، ما ازادوا إلَّا تماديًا في الضلال والنُّفرةِ، وانهماكًا في الجهلِ والفتنة (^٢).
* * *
(١٠) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ قال الزَّجَّاج: أي: نزلَ بهم مكروهٌ من جهةِ فعلهم، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] (^٣).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٧ - ٢٨).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٢).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٣١).
[ ٦ / ٢٥ ]
وقال مقاتل (^١): فدار بهم، وكانوا يَستهزؤون بوعيدِ العذاب فنزلَ بهم ذلك (^٢).
وفيه تسليةُ النَّبيِّ -ﷺ-، على أنَّه ليس هو المخصوص (^٣) به، فإنَّ سائرَ الأنبياء فُعِلَ بهم كذلك، وفيه وعدٌ له بنصرتِه وإهلاكِ عدوِّه.
وقوله تعالى: ﴿سَخِرُوا مِنْهُم﴾ قيل: أي: مِن الأنبياء، تعديةً لفعلِ السُّخرية.
وقيل: أي: مِن الأُمم، فإنَّ مِنهم مَنْ لم يَسخر، فهذا وعيدٌ لمن سَخِرَ مِنهم على الخصوص.
* * *
(١١) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: سافِروا، فاعتبِروا بخرابِ بُلدانِهم (^٤)، وزوالِ سلطانِهم؛ بتكذيبِهم أنبياءَهم، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: أراهم آياتٍ سمعيَّةً وعقليَّةً، فلم يَنفعهُم ذلك، فأمرَهُم بالنَّظر في الآياتِ الحسِّيَّة (^٥).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: يقول: دوخوا الأرضَ، وامسحوا الطُّولَ منها
_________________
(١) قوله: "وقال مقاتل": ليس في (أ).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٥٠).
(٣) في (أ): "مخصوص". وفي (ر): "بمخصوص".
(٤) هو في "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٧٥)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ١٣٦) دون نسبة.
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٩).
[ ٦ / ٢٦ ]
والعرضَ، ثمَّ انظروا، هل انفلت مِن حكمنا أحدٌ؟ وهل وُجدَ من أمرنا ملتحدٌ؟ (^١)
* * *
(١٢) - ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾؛ أي: قل للمكذِّبينَ والمستهزئين: لمَن مُلكُ ما في السَّماوات والأرض، وكانوا مُقِرِّين بأنَّ اللَّهَ ﷻ هو الخالقُ والمالك، فليس لهم أنْ يَجعلوا مع اللَّهِ مِن خلقِه ومُلكِه شريكًا، وكذا إذا كان ذلك كلُّه له، فهو قادرٌ على أنْ يُعاجِلَهُم بالعذاب، واتِّصالُ هذا بالأوَّل مِن هذين الوجهين.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾؛ أي: إن لم يقولوا هم: إنَّه للَّه، فقل أنت: إنَّه للَّه.
وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أصلُه: أوجب، ولكن لا يَجوزُ الإجراءُ على ظاهرِه؛ فإنَّ العبدَ لا يَجِبُ له على اللَّه شيءٌ، لكنَّ سبيلَهُ سبيلُ ما ذُكر بكلمةِ ﴿عَلَى﴾ من قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، ﴿عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، والمرادُ به: أنَّه وَعَدَ ذلك وعدًا مؤكدًا، وهو منْجِزُهُ لا محالة.
وقال الحسنُ: حكمَ على نفسِه بالرَّحمة للتَّوابين أنْ يُدخِلَهم الجنَّةَ؛ فإنَّما يَدخلونَها برحمتِهِ، لا باستحقاقِهم.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي (^٢): جعلَ لهمُ الجمعَ يوم القيامة، وفيه إثابةُ المطيعين، وتعذيبُ العاصين، وذاك
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٣).
(٢) في (ر): "أي".
[ ٦ / ٢٧ ]
داعٍ في الدُّنيا إلى التَّوبةِ، وتركِ المعصيةِ، وفعلِ الطَّاعة، وهو من الرَّحمة (^١).
وقيل: أي: من رحمتِه تأخيرُ العذابِ عنهم إلى يومِ القيامة، وهذا من رحمتِه في حقِّ هذه الأمَّةِ؛ فإنَّ الأممَ الخالية عُذِّبوا كما كذَّبوا.
وقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ هذا قسَم، وقولُه: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قيل: ﴿إِلَى﴾ زائدة.
وقيل: هي في معنى "في".
وقيل: هي بمعنى اللَّام.
وقيل: أي: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ في القبورِ إلى يوم القيامة، وهي للغاية.
وقيل: أي: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ في الدُّنيا؛ بإلحاق المتأخِّرين بالمتقدِّمين، إلى أنْ يَجمعهُم يومَ القيامة.
وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شكَّ في الجمعِ، وله وجوهٌ ذكرناها في أوَّلِ سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الخسرانُ: ذهابُ رأسِ المال؛ أي: مَنْ فاتتهُ نفسُه وهلكَتْ في الحقيقة، فهو الذي لا يُؤمِن.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سائِلهم: هل في الدِّيارِ دَيَّار، وهل للكون في التَّحقيق بعد الحقِّ مقدار، فإنْ بَقُوا على جوابٍ يَشفي، فقل: اللَّهُ في الرُّبوبيَّة يَكفي.
وقال في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾؛ أي: أخبرَ وحكمَ وأراد كما
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٠)، وقول الحسن السابق فيه.
[ ٦ / ٢٨ ]
عَلِم؛ فمَن تعلَّقَ بنجاتِهِ علمُه، سبقَ بدرجاتِهِ حكمُه، ومن عِلْمُه (^١) في آزالِه أنَّه يَشقى، فبقدرِ شقائِه في البلاءِ يَبقى (^٢).
* * *
(١٣) - ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: وله ما استقرَّ في اللَّيلِ والنَّهارِ مِن خلقٍ (^٣).
وقال أبو روق: إنَّ مِن الخلقِ ما يَستقرُّ نهارًا، ويَنتشِرُ ليلًا، ومنها ما يَستقرُّ ليلًا، ويَنتشِرُ نهارًا (^٤).
وقيل: أراد به سكونَ الأشياءِ بقدرته وعظمتِه.
وقيل: معناه: وله ما سَكَنَ وتحرَّك، لكن اكتفى بذكرِ أحدِهما؛ لعلمِ المخاطب به اختصارًا، كما في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحرَّ والبردَ.
وقيل: ﴿سَكَنَ﴾؛ أي: تمكَّن، وهو لكلِّ متحَرِّكٍ وساكن.
أخبرَ بمجموع الآيتين أنَّه خالقُ (^٥) كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وله كلُّ ما تَحويهِ الأمكنةُ والأزمنة.
_________________
(١) في (أ): "حكمه".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٣).
(٣) هذا القول رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٧٤)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٦٩) (٧١٤٦) من قول السدي.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٣٨) وتحرف "أبو روق" فيه إلى: "أبو روحي"!
(٥) في (أ): "مالك".
[ ٦ / ٢٩ ]
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾؛ أي: لما يقولونه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يفعلونَه.
وقال الكلبيُّ: إنَّ كفَّارَ مكَّةَ أتوا رسولَ اللَّه -ﷺ-، وقالوا: يا محمَّد، إنَّا قد علِمنا أنَّه ما يَحمِلُك على هذا الذي تَدعونا إليه إلَّا الحاجة، فنحنُ نَجمعُ لك مِن أموالنا ما يُغنيك، حتَّى تكونَ مِن أغنانا، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: ما استقرَّ في الليل والنَّهار مِن خلقٍ (^١).
وقال (^٢): ﴿السَّمِيعُ﴾ لمقالةِ قريش، ﴿الْعَلِيمُ﴾ من حيث يرزقهم.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أي: الحادثاتُ للَّه ملكًا، وباللَّه ظهورًا، ومِن اللَّه بَدءًا، وإلى اللَّه رجوعًا، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأنينِ المشتاقين، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحنين الواجدين (^٣).
* * *
(١٤) - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ؛ أي: قل يا محمَّدُ للمشركين: أيجوزُ أنْ يُظَنَّ بي أنْ أتَّخِذَ غيرَ اللَّه متولِّيًا لي (^٤) بالحفظِ والكفايةِ والنُّصرة، كما فعلتُم أنتم، فاتَّخذتُم مِن دون اللَّه أولياءَ، فيَحتمِلُ أنَّهم دعوهُ إلى
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٣٧). وذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص ٢٠٨) عن الكلبي عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (أ): "وهو".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٣).
(٤) في (أ): "أي" بدل: "لي".
[ ٦ / ٣٠ ]
موافقتِهم على الشِّرك، فقال لهم ذلك، ويَحتملُ أنَّه تَلَطَّفَ في الجواب، استدعاءً لهم إلى الإجابة، وأرادَ به: أتتَّخذون أنتم غيرَ اللَّه وَليًّا.
وقوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خفض؛ لأنَّه نعت قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ﴾؛ أي: هو مبتدِئ خلقِهما.
قال ابن عباس ﵄: كنتُ لا أدري ما الفاطرُ، حتَّى رأيتُ أعرابيين يختصِمان في بئرٍ، فقال أحدُهما: أنا فطرتُها؛ أي: أبتدأتُ حفرها، فعَلِمتُ أنَّه ابتداءُ الخلق (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾؛ أي: يَرزُق غيرَهُ، ولا يَرزقُه أحدٌ، يُقال: فلانٌ مطعَم للصَّيد؛ أي: مَرزوقٌ منه، وهذه طُعمةٌ فلانٍ؛ أي: رزقٌ له، قال أبو تمام:
ومُطْعَمُ النَّصْرِ لم تَكهَمْ أسِنَّتُهُ يومًا ولا حُجِبَت عن روحِ مُحْتَجِبِ (^٢)
وهو كقوله: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢].
وقيل: هو على ظاهره؛ أي: هو الذي يُغَذِّي (^٣) الخلقَ، وهو غنيٌّ بذاتِه عن كلِّ شيء، مُنزَّه عن الوصفِ بالطُّعم، فهو غنيٌّ والخلقُ فقراءُ إليه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ١٥].
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: له وَصْفُ الكرمِ، فلذلك يُطْعِمُ، ولهُ حقُّ القِدَم، فلذلك لا يُطْعَم (^٤).
_________________
(١) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٣٤٥)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ١٧٥).
(٢) انظر: "ديوان أبي تمام" (١/ ٥٨). قال شارحه: لم تكهم؛ أي: لم تَنْبُ، وأصل الكهام في السيف، وقد استعير لغيره. اهـ. يقال: سيف كهام؛ أي: كليل.
(٣) هي في النسخ الخطية مهملة الذال، ولعل المثبت هو الصواب.
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٣).
[ ٦ / ٣١ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾؛ أي: ما يكونُ لي أنْ أتولَّى غيرَ اللَّه، فقد أُمِرتُ بهذا، ومعناه: أن أكونَ أوَّلَ مَنْ خضعَ وانقادَ مِن العربِ، أو مِن أهلِ مكَّةَ، أو مِن أهل العصر، والإسلام: هو الاستسلامُ، ولا تَعلُّقَ به لمن قال: إنَّ الإيمانَ لا يَلزمُ إلَّا بالسَّماع؛ لما أوَّلنا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إنَّما صَلَح عطفُ النَّهيِ على الإخبار؛ لأنَّ تقديرَهُ: إنِّي قيل لي: أَسْلِم، ولا تَكوننَّ (^١) مِن المشركين، وقد ذكرنا معنى النَّهي عن الشِّرك في حقِّه في مواضع.
* * *
(١٥) - ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: قل يا محمَّدُ لأهلِ مكَّة: إنِّي أعلمُ إنْ عصيتُ ربي فعَبدتُ غيرَه عذابَ يومِ القيامة (^٢). ووصفَهُ بالعظيم؛ لأنَّ فيه الأمورَ العظام.
* * *
(١٦) - ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف (^٣) وعاصمٌ في رواية أبي بكر وحمَّاد وسهل ويعقوب (^٤): ﴿يَصْرِف﴾ بفتح الياء (^٥)؛ أي: مَنْ يَصْرِف اللَّهُ عنه العذابَ يومئذٍ.
_________________
(١) في (أ): "تكن".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٧).
(٣) قوله: "وخلف" من (ف).
(٤) قوله: "وحماد وسهل ويعقوب" من (ف).
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢٥٤)، و"التيسير" (ص: ١٠١)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٤٨٨)، =
[ ٦ / ٣٢ ]
وقرأ الباقون: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾ بضمِّ الياء، على ما لم يسمَّ فاعلُه؛ أي: مَن يُصْرَف عنه عذابُ يومِ القيامة، فقد ذكر العذابَ في الآية الأولى.
وقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾؛ أي: ﵀.
وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّه دائمٌ لا زوالَ له، وليس كفوزِ الدُّنيا أنَّه يَنقطِعُ.
* * *
(١٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: إنْ يُصِبكَ اللَّهُ بفقرٍ، أو مرضٍ، أو بلاءٍ، فلا كاشفَ له إلَّا هو.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾؛ أي: بغِنًى، وسَعَةٍ في الرِّزقِ، وصِحَّةٍ في الجسم، فهو مِن عندِه.
وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن السَّعةِ والضِّيق، وهو تحقيقُ قوله: ﴿أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، وأنقادَ للَّه، فأُقِرَّ له بذلك، ولا أتَّخِذَ غيرَهُ وليًّا، وهو المالكُ للنَّفعِ والضُّرِّ.
* * *
(١٨) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ القهرُ: القدرةُ على الغَلَبة،
_________________
(١) = و"النشر" (٢/ ٢٥٦).
[ ٦ / ٣٣ ]
والقهَّارُ: مبالغةٌ في صفةِ القاهر، و﴿فَوْقَ﴾ ليس بصلةٍ لقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾، بل هما كلامان تامَّان، وتقديرُه: وهو القاهر وهو فوق عباده.
و﴿فَوْقَ﴾ ليس للمكان؛ فإنَّ اللَّهَ خالقُ كلِّ مكانٍ، وقد كان ولا مكان، وهو الآن على ما كان، ولكنَّه أراد به الجلالَ والعلوَّ، وهو مستعمَلٌ في اللُّغة لذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، عنوا به العظمةَ والجلال، لا الارتفاع في المكان.
و﴿الْحَكِيمُ﴾ العالمُ بتدبير الصَّنعةِ، المانعُ عن الخّلل، و﴿الْخَبِيرُ﴾ العالمُ بسرِّ العبادِ وعَلانيتِهم، يقول: وهو القاهرُ، القادِرُ، المحكمُ في أقواله وأفعاله، العالمُ بأحوالِ عبادِه، فلا يُسَوِّي يومَ القيامة بين مَنْ أطاعَهُ ومَنْ عصاه، فلا يَنبغي أنْ يُتَّخَذَ وليٌّ غيرُه، ولا يَنبغي أن يُجعلَ له شريكٌ، ولا يَنبغي أنْ تخافَ المشركين أنْ يَنالوك بسوءٍ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه جميعُ ما يَحتاجُ إليه أهلُ التَّوحيد في التَّوحيد؛ لأنَّه القاهرُ والخلقُ مقهورون، ومِن البعيدِ أن يكونَ بين القاهر والمقهور مناسبةٌ و(^١) مشابهةٌ ومشاركةٌ، وجميعُ التَّوحيد يَدور على هذين (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الآية، إنَّما يُنجيكَ مِن البلاءِ مَن يُلقيكَ في العناء.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾: عَلَت رتبةُ الأحدِيَّة صفةَ
_________________
(١) قوله: "مناسبة و" من (ف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٨).
[ ٦ / ٣٤ ]
البشريَّة، فهذا لم يَزل، وهذا لم يَكُن فحصَل، ومتى يكونُ البقاء للحدثان مع وضوحِ هذا السُّلطان (^١).
* * *
(١٩) - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ قال الكلبيُّ: أتى أهلُ مكَّةَ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقالوا: أما وجدَ اللَّهُ رسولًا غيرَك، ما نَرى أحدًا يُصَدِّقُك لما تقول، ولقد سألنا عنك اليهودَ والنَّصارى، فزعموا أنَّه ليس لك عندَهم ذِكرٌ، فأرِنا مَنْ يَشهدُ أنَّك رسولُ اللَّه كما تَزعُم، فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ (^٢).
ودلَّ هذا على أنَّه يَجوزُ إطلاقُ اسمِ الشَّيء على اللَّه ﷿، فإنَّه عبارةٌ عن الموجود، واللَّهُ تعالى موجود، يعني: قل يا محمد للمشركين: أيُّ شيءٍ أعظمُ شهادةً في الصِّدقِ والصِّحَّة؟ فسيقولون: اللَّه؛ لأنَّ هذا قولُهم في الشِّرك.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: قل لهم بعد هذا: هو اللَّهُ شهيدٌ بيني وبينكم، على أنِّي قد بلَّغتُكم وتبرَّأتُ مِن أنْ أتَّخِذَ وليًّا غيرَهُ.
وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: وإنَّما أوحيَ إليَّ هذا الكتابُ، لأخوِّفَكُم به من عذاب اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾؛ أي: وجميعَ مَن بلغَه هذا ممَّن غابَ عن بلدِكم، أو
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٤).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٤٠)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٠٨).
[ ٦ / ٣٥ ]
تأخَّرَ عن عصرِكم، وتُحذَفُ هاءُ الكنايةِ في الموصول، يقال: مَن أكرمت أبوك؛ أي: مَن أكرمتَهُ.
وقال مجاهد: أي: ومَنْ بَلَغَه مِن الأعاجمِ وغيرِهم (^١).
وقال مقاتل: ومَنْ بلَغَهُ مِن الجِنِّ والإنس (^٢).
وقال سعيدُ بن جبير: ومن بلغَهُ القرآن، فكأنَّما رأى النَّبيَّ ﵊ (^٣)، وهو في حقِّ كلِّ الخلقِ إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ هذا إلى آخرِ هذه الآيةِ متَّصلٌ بما قبله، وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ هذا معترِضٌ.
قوله ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ استفهام بمعنى التوبيخ، وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾؛ أي: إنَّكم إنْ شهِدتُم بذلك، فإنِّي لا أشهدُ به.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾؛ معناه: سلهم: أتَشهَدون بهذا، فإنَّ مِن العجيب أنْ يَشهدوا بهذا بعد وضوحِ البيان، فإنْ لَجُّوا وشَهِدوا فقل: لا أشهدُ معكم، وحُذفَ هذا لدلالة الكلامِ عليه، وقد بيَّنهُ في موضعٍ آخر، فقال: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾، وهذه الشَّهادةُ مِن اللَّه بإقامة الدلالاتِ ونصبِ المعجزات كما بينا ذلك في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٨].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي الآيةِ دلالة على أنَّ البِشارةَ والنِّذارةِ يكونان ببعثِ آخرَ يُبشِّرُ ويُنذِر، وهو دليلٌ لقول أصحابنا ﵏: إنَّ مَن حلف: أيُّ عبدٍ مِن عبيدي بشَّرني بكذا، فهو حرٌّ، فبشَّرهُ برسولٍ أو بكتابٍ، عَتَق.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٨٣)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٧١) (٧١٦٤).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٥٤).
(٣) ذكره الزمخشري في "الكشاف".
[ ٦ / ٣٦ ]
(٢٠) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ قال الحسنُ وقتادة والزَّجَّاج: يعرفون محمدًا (^١)؛ أي: إنَّ أهلَ الكتاب الذين يَرجع إليهم هؤلاء المشركون في السُّؤال، يعرفون أن محمدًا رسولَ اللَّه حقٌّ، كما يَعرفون أولادَهم؛ لذِكْرِه في كتابِهم. وقد ذكرنا حديثَ ابنِ سَلام فيهِ في سورة البقرة.
وقال مجاهد: يعرفون أنَّ الإسلامَ دينُ اللَّهِ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه، يَجدون ذلك مكتوبًا عندهم في التَّوراة والإنجيل (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويجوز أن يكون معنى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن، وقد أُمِروا أنْ يَأتوا بمثلِه، فعجَزوا عنه، فلَزِمَتهمُ الحجَّةُ، وثَبتَت لهم به المعرفةُ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يجوزُ أنْ يكون (^٤) نعتًا لقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، ويجوزُ أن يكون مبتدأً، وخبره قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقد فسَّرنا هذا مرَّة في هذه السُّورة (^٥).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٧٨٨)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ١٨٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٧٢) (٧١٧٠) عن قتادة. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٣٤).
(٢) لم أقف عليه عن مجاهد، وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٨٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٧٣) (٧١٧١) من قول قتادة.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٤٢).
(٤) بعدها في (أ): "هذا".
(٥) عند تفسير الآية (١٢) منها.
[ ٦ / ٣٧ ]
(٢١) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: لا أحدَ أظلمُ ممَّن اختلقَ على اللَّه زورًا، فأشركَ به غيرَه، ووصفَهُ بما لم يَصِف به نفسَه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾؛ أي: بالقرآنِ وبمحمَّدٍ -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: لا يفوزُ المشركون.
وقيل: المشركون وأهلُ الكتابِ ما داموا على ظلمِهم.
* * *
(٢٢) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أي: لا يُفلِح الظَّالمون أيَّامَ الدُّنيا ويومَ نحشرُهم.
وقيل: أي: وليتَّقوا يومَ نحشُرُهم؛ أي: نَبعثُهم، ونَجمعُهم كافَّةً، ثمَّ نقولُ للمشركين: أين مَن أشركتُموهم باللَّه مِن آلهتِكم؛ رجاءَ نفعهِم إيَّاكم عند اللَّه؟
أضاف الشُّركاء إليهم في هذه الآية؛ لأنَّهم همُ الذين جعلوها شركاء، وزعموا أنَّهم شركاء، وقال في آيةٍ أخرى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [النحل: ٢٧]، فأضافَهم إلى نفسِه؛ لأنَّهم جعلوها شركاءَ للَّه، وهو كما قلنا في الأجل أنَّه قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّر﴾ [نوح: ٤]، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤]، أضاف الأجلَ إلى نفسِه في آيةٍ؛ لأنَّه هو الجاعل، وأضافَهُ إليهم في آيةٍ؛ لأنَّهم هم المجعولُ لهم.
وقوله: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أي: تقولون.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: يَجمعُهم يومَ الحشرِ والنَّشر، لكنَّه يُفرِّقُهم في
[ ٦ / ٣٨ ]
الحكمِ والأمر، فالبعثُ يَجمعُهم، لكنَّ الحكمَ يُفرِّقُهم (^١)، قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
* * *
(٢٣) - ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿يَكن﴾ بياء التذكير ﴿فتنتَهم﴾ بالنَّصب، وهو خبرُ كان، والاسم قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ لأن ﴿أَنْ﴾ مع الفعل مصدرٌ، وتقديرُه: إلا قولُهم، بالرفع.
وقرأ نافعٌ وعاصم في رواية أبي بكرٍ وأبو عمرو بتاءِ التَّأنيث، و﴿فتنتَهم﴾ بالنَّصب، وعلى هذا يكونُ تقديرُه: إلَّا مقالتُهم بالرَّفع فيكونُ اسمًا و﴿فتنتَهم﴾ خبرًا.
وقرأ ابنُ كثيرٍ في رواية شبل (^٢) وابنُ عامر وحفصٌ عن عاصم: ﴿يكن﴾ بياء التَّذكير (^٣) و﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ بالرَّفعِ (^٤)، وهو اسمٌ، والتَّذكيرُ لتَقدُّم الفعلِ عليه، ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، ولأنَّه مصدرٌ بمعنى الفِتن.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف (^٥): ﴿ربَّنا﴾ بالنَّصب على النِّداء؛ أي: يا ربَّنا، والباقون ﴿رَبِّنَا﴾ بالكسر (^٦)، نعتًا لقوله: ﴿وَاللَّهِ﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٥).
(٢) وهي الرواية المتواترة عن ابن كثير.
(٣) كذا قال، وهو وهم، والصواب أن قراءة ابن كثير وابن عامر وحفص: ﴿تَكُن﴾ بالتاء.
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٥٤ - ٢٥٥)، و"التيسير" (ص: ١٠١ - ١٠٢).
(٥) قوله: "وخلف" من (ف).
(٦) "بالكسر": زيادة من (أ). وانظر القراءة في "السبعة" (ص: ٢٥٥)، و"التيسير" (ص: ١٠٢)، و"النشر" (٢/ ٢٥٧).
[ ٦ / ٣٩ ]
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ثمَّ لم تكنْ معذِرتُهم (^١) حين قيل لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون؟ ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فكذا قال قتادة (^٢)، ووجهُه: عذرُ فتنتِهم؛ أي: شركهم في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾.
وقيل: سمَّى المعذرةَ فتنةً؛ لأنَّها صارت بليَّةً لزمتهُم بها الحجَّةُ وعذابًا.
وقال الزَّجَّاج: معناه: ثمَّ لم تكن عاقبةُ ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾؛ أي: كفرهم، إلَّا تبرؤهم عنها بقولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؛ أي: عند أنفُسِنا، بل كنا موحِّدين بإقرارِنا أنَّ الخالقَ واحدٌ والرَّازقَ واحد، وإنَّما عبدنا الأصنامَ ليقرِّبونا إلى اللَّه زُلْفى.
وقال الحسن: هذا في المنافقين، كانوا يَكذبون في الدُّنيا، ويَروجُ كذبُهم، فيَظنُّونَ في الآخرة أنَّه يَرُوج كذبهم، فيقولون ذلك (^٤)، وهو كقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨].
وقال مجاهد ومقاتل: هذا قولُ جميع المشركين إذا جمع اللَّه الخلائق، ورأى المشركون سعة رحمةِ اللَّه، وشفاعةَ الرَّسول للمؤمنين، قال بعضُهم لبعض: تعالَوا نكتمُ الشِّرك؛ لعلَّنا نَنجو مع أهل التَّوحيد، فإذا قال اللَّه تعالى لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فيَختمُ اللَّهُ على أفواههم، فتَشهدُ عليهم أيديهم وأرجلُهم (^٥).
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٧٣) (٧١٧٥) معلقًا.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٩١).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٣٦).
(٤) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٤).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٥٥)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٩٤)، وابن أبي حاتم في =
[ ٦ / ٤٠ ]
(٢٤) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل: يقولُ اللَّه تعالى حينئذٍ لمحمَّدٍ ﵊: انظر كيف كذَبوا على أنفسِهم بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: تلاشى افتراؤهم: إنَّا نعبدُهم ليَشفعوا لنا، فلم يَحصل ذلك لهم.
وقيل: أي: اشتغلَ عنهم الآلهةُ التي كانوا يَفترون على اللَّهِ بجعلِها شركاءَ للَّه، فعلى الأوَّل ﴿مَا﴾ للمصدر، وعلى الثَّاني للاسم.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هذا الذي أخبرَ عنهم غايةُ التَّمرُّد؛ حيث جَحَدوا وعلى ذلك أقسموا، ولو كان لهم باللَّه عِلْمٌ لتَحقَّقوا بأنَّه يَعلمُ سرَّهُم ونجواهم، فلا يَخفى عليه شيءٌ مِن أولاهم وأُخراهم، لكنَّ الجهلَ الغالب عليهم استنطقَهم بما رجعَ بالفضيحةِ عليهم (^١).
* * *
(٢٥) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾؛ أي: ومِنْ هؤلاء الظَّالمين مَن يَستمِعُ إليك كالمُظهرِ للقَبول والانقياد، وهو مُصِرٌّ على الجحودِ والعناد.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أي: أغطيةً، جمع كِنان، وهو الغطاء، وقد كنَّ الشَّيء إذا صانه، وأكنَّه؛ أي: غطَّاه. وقوله تعالى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾؛
_________________
(١) = "تفسيره" (٤/ ١٢٧٤) (٧١٨٢) عن مجاهد.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٥).
[ ٦ / ٤١ ]
أي: جَعلنا في أسماعِهم ثِقَلًا، وليس ذلك بإجبارٍ، بل هو عقوبةٌ لهم على اختيارِهم الكفر على إصرارهم، ويدلُّ عليه ما بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾؛ أي: كلَّ آيةٍ اقترحوها.
وقيل: الآياتُ المقترحةُ وغيرُها، وهو في قومٍ علمَ اللَّه منهم الاختيارَ للكفر على الأبد؛ أي: يُدخِلون الشُّبهَ فيها، ويَقولون: لعلَّها سحرٌ، ولعلَّها أساطيرُ الأولين.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾؛ أي: يُحاجُّونَك.
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: أحاديثُ الأوَّلينَ التي كانوا يَسطرُونَها (^١)؛ أي: يكتبونها.
وقال أبو عبيدة: واحدُها إسطار (^٢)، وهي التُّرَّهات.
وقال الأخفش: وقيل: واحدها: إسطارةٌ، كالإصبارة (^٣)، وقيل: أسطورة (^٤)، كالأضحوكة. قال: وهي عندي لا واحدَ لها، وهي كالعباديد والأبابيل (^٥).
وقال الزَّجَّاج: هو جمع جمعٍ؛ سطرٌ وأسطارٌ وأساطيرٌ (^٦).
وقال الكلبي: استمع إليه أبو سفيان بنُ حرب، والوليدُ بنُ المغيرة، والنَّضرُ بنُ الحارث، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة، وأميةُ وأُبي ابنا خلف، والحارث بن عامر: استمعوا
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٩٩ - ٢٠٠).
(٢) كذا في النسخ الخطية، وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (١/ ١٨٩): واحدتها: أسطورة، وإسطارة لغة.
(٣) كذا في (ر) و(ف)، ورسمها في (أ): "كالإحبارة"، ولعل صوابها: "كالإضبارة".
(٤) في (أ): "الأسطورة".
(٥) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ٢٩٦).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٣٨).
[ ٦ / ٤٢ ]
إلى حديثِ رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا للنَّضر بنِ الحارث: ما يقولُ محمَّد؟ قال: والذي جعل الكعبةَ بيتَهُ، ما أدري ما يقول، إلَّا آّني أراهُ يُحرِّكُ لسانَه، ويقولُ أساطيرَ الأولين، مثلما كنتُ أحدِّثُكم عن القرونِ الماضية (^١)، وكان النَّضرُ كثيرَ الحديث عن القرون، وقال أبو سفيان: إنَّي لأَرى بعضَ ما يقول حقًا، قال أبو جهل لعنه اللَّه: كلا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾؛ يعني: إلى حديثك، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾؛ أي: غطاءً وغشاوةً؛ ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أي: لئلَّا يَفقهوه (^٢).
وقال الحسنُ: أي: ألَّا يقبلوه (^٣)، كقوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]؛ أي: لا يَقبلون عن اللَّه.
وقال محمد بن إسحاق: كلُّ ما في القرآن مِن ذكرِ الأساطير، فهو من قول النَّضر بن الحارث، كان يُسافرُ إلى أرضِ العجم، فيَحفظُ حديثَ رستُم واسفنديار، ويُعارِضُ به القرآن (^٤).
* * *
(٢٦) - ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: هؤلاء الكفَّار يَنهون النَّاسَ عن اتِّباعِ النَّبيِّ -ﷺ-، وعن الاستماع منه، قاله مجاهد.
_________________
(١) بعدها في (ر): "أظن".
(٢) "تفسير الثعلبي" (١٢/ ٥٥ - ٥٦) (طبعة دار التفسير)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٦)، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٠٩) من رواية أبي صالح عن ابن عباس ﵄.
(٣) ذكره الواحدي في "التفسير البسيط" (٨/ ٦١).
(٤) انظر: "سيرة ابن هشام" (١/ ٣٠٠)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٩٩ - ٤٠٠) من طريق ابن إسحاق بإسناده عن ابن عباس ﵄.
[ ٦ / ٤٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: يتباعدون بأنفسِهم عنه.
وقيل: ﴿يَنْهَوْنَ﴾ عن القرآن والإصغاءِ إليه، ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ عن العملِ به، فقد سبقَ ذكرُه عند قوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، وذلك كنايةٌ عن القرآن، وهذا قول قتادة (^١).
وقال الكلبيُّ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ عن محمَّدٍ مَن سألَهم عنه؛ أنْ يَقربوهُ ويتَّبعوهُ، ويَتباعدون عنه، فلا يتَّبِعونه (^٢).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نَزلت في أبي طالب؛ كان يَنْهى أن يُؤذَى رسولُ اللَّه -ﷺ-، ويَنأى عمَّا جاءَ به (^٣).
ورويَ أنَّ قريشًا لمَّا همَّت بقتلِ النَّبيِّ -ﷺ-، وعَلِم به أبو طالب، قال للنَّبيِّ -ﷺ-: أعلمْتَ أنَّ قريشًا همت بقتلك؟ قال: "نعم"، قال: ومن أنبأكَ به، وهذا أمرٌ خفيٌّ؟! قال: "أنبأني به ربي، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٣٠] "، فقال أبو طالب: نِعْمَ الرَّبُّ ربُّك يا محمَّد، فأوصيك به (^٤)، ثم خرج أبو طالب وقال للملأ وهُمْ مجتمِعون: يا قوم، إنَّ محمدًا ابنُ أخي وولدي، ومَن همَّ به فأنا مُزهِقٌ روحَه، فطمعَ رسولُ اللَّه -ﷺ- في إيمانِه، فجاءَ يُحَرِّضُه على الإسلام، فقال أبو طالب:
ودَعَوتَني وزعمتَ أنَّك ناصِحي ولقد صَدَقتَ وكنتَ قبلُ أمينَا
وعرضتَ دينًا لا محالةَ أنَّه مِن خيرِ أديانِ البَرِيَّةِ دِيْنَا
لولا الغضاضَةُ أو تكونَ مَسبَّةٌ لوجدَتني سَمحًا بذاك مبينَا (^٥)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٠٣).
(٢) انظر: "التفسير البسيط" (٨/ ٦٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٠٤).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣٣ - ١٣٤)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٨٨) (٨٩٩٨).
(٥) في (ر): "متينا".
[ ٦ / ٤٤ ]
واللَّه لن يَصِلوا إليك بجمعِهم حتَّى أوسَّدَ في التُّرابِ دَفينَا
فاصْدَع بأمرِكَ ماعليكَ غضاضَةٌ وابْشِرْ وقَرَّ بذاكَ منْكَ عيونَا
فنزلَتْ فيه هذه آيةُ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: وما يُورِدونَ مواردَ العذابِ إلَّا أنفسَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: وما يَنتفعون بعلمِهم.
وقيل: وما يَعلمون ما عليهم مِن العذابِ في الآخرة، وهو نفيُ العلمِ بقَدْرِ ذلك، وهو إعظامٌ له (^٢).
* * *
(٢٧) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾؛ أي: حُبِسوا، وهو متعدٍّ؛ وقفتُه وقفًا.
قال الأصمعيُّ: قال أبو عمرو: ما سمعتُ أحدًا من العرب يقول: أوْقَفْتُ الشَّيءَ؛ بالألف، إلا أنِّي لو رأيتُ رجلًا بمكانٍ، فقلت له: ما أوقفك هاهنا؟ لرأيته حسنًا (^٣)؛ أي: ما عرَّضك للوقوف.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ ابنُ عامر (^٤) وحمزةُ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ﴾ بالنَّصبِ فيهما على
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٥٦)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ١٤١ - ١٤٢)، والأبيات في "ديوان أبي طالب" (ص: ٩١).
(٢) في (أ): "لهم".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٠٧)، وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٩/ ٣٣٣).
(٤) قرأ أبن عامر بالرفع في (نكذب) والنصب في (نكون) كما سيأتي. انظر: "البدور الزاهرة" (ص ١٠١).
[ ٦ / ٤٥ ]
جواب التَّمنِّي بالواو، وكما في الجواب بالفاء، وتقديرُه: حتَّى لا نُكذِّب وحتَّى نكونَ، وعلى الصَّرف (^١) أيضًا، ومعناه: أنَّ قوله: ﴿نُرَدُّ﴾ على التَّمنِّي، وما بعدَهُ ليس على ذلك، بل على الإخبارِ قطعًا، فصرف عن الأوَّلِ بالنَّصب.
وقرأ الباقون بالرَّفع (^٢) فيهما على الإخبار ابتداءً، وتقديره: ولسنا نُكذِّبُ بآياتِ ربِّنا، بل نكونُ مِن المؤمنين.
وقرأ ابنُ عامر في رواية: ﴿وَلَا نُكَذِّبُ﴾ رفعًا، وهو يكونُ إخبارًا واقعًا بين التَّمنِّي وجوابِه، ﴿وَنَكُونَ﴾ بالنصب (^٣) جوابًا للتَّمنِّي بالواو، ومعنى الآية: ولو ترى يا محمَّد إذْ وُقِفَ هؤلاءِ على النَّار.
وقال الزَّجَّاج: أي: على شفير النار، فتكونُ النَّارُ تحتَهم، وهو قبل أن يَدخلُوها (^٤)، كما في قوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣].
وقيل: أي: اطَّلعوا عليها، كما يقال: وقفتُ على حقيقةِ هذا الأمر، وأوقفني عليه غيري، وذلك حين قَرُبوا منها، فرأَوها وعرفوها، ويكون أيضًا بعدما دخلوها وعرفوها (^٥)، فقالوا: يا ليتنا نَرجِعُ إلى الدَّنيا فنؤمنَ ولا نكفر، لرأيت أمرًا عظيمًا، هذا محذوفٌ، وهو مقدَّرٌ في جواب ﴿وَلَوْ﴾.
* * *
_________________
(١) الصرف هنا بمعنى الالتفات. انظر: "معجم البلاغة العربية" لبدوي طبانة (ص: ٣٤٠ - ٣٤١).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٥٥)، و"التيسير" (ص: ١٠٢).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٥٥)، و"جامع البيان" (ص: ٤٨٨).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٣٩).
(٥) هذا الرأي ذكره الزجاج أيضًا، وجوده.
[ ٦ / ٤٦ ]
(٢٨) - ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿بَلْ﴾ ردٌّ للأوَّل، ومعناه: ليس ما يتمنَّونه مِن الرَّجعةِ رغبةً في الإيمان، لكن أظهرَ اللَّهُ أعمالَهم السيِّئةَ على رؤوسِ الأشهادِ يومَ القيامة، ففضحَهم، كما قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٤٨].
وقيل: ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾ هذا من أهل النِّفاقِ، وقد سبقَ ذِكرُهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾.
وقيل: أي بدا للأتباعِ ما كان الرؤساءُ يُخفونَ مِنهم؛ مِن صدقِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، ومِن حقيَّةِ (^١) البعثِ يوم القيامة.
وقيل: هو إخفاء الضَّمائر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، وقال: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠].
وقيل: ظهرَ لهم عقابُ ما كانوا يُخفونَهُ مِن سيِّئاتِ أعمالِهم، كقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٣٥]؛ أي: عقابُ ما كَنزتُم.
وقيل: كان مِن المشركين مَنْ إذا خوَّفهُ رسولُ اللَّه -ﷺ- العذابَ بكفرِه، دخلَهُ خوفٌ على سبيلِ الشَّكِّ، فيُخفيه ولا يُبديه، فيَبدو له ذلك في القيامة.
وقيل: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾؛ أي: لمشركي العرب ما كان أهلُ الكتاب يُخفونَه عنهم مِن قبل، وقد سبق ذِكرُهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: ولو رُدُّوا إلى الدُّنيا لرجَعوا إلى ما نُهوا عنه مِن الشِّرك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: في قولهم: ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) في (ر): "حقيقة".
[ ٦ / ٤٧ ]
وقال أبو روق: إذا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وختمَ اللَّهُ على أفواهِهم، وأنطقَ جوارحَهم، فشَهِدَت بما كتموا، فذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ (^١).
وروى مكحولٌ عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: يَعتذرُ اللَّهُ إلى آدمَ ثلاثةَ معاذير؛ أي: يلاطِفُه ثلاثَ ملاطفات:
أولاهنَّ أنْ يقول: يا آدم، لولا أنِّي لعنتُ الكذَّابين، وأبغض الخُلْفَ والكذِبَ، لرحمتُ ذُرِّيَّتكَ اليوم من شِدَّةِ ما أعددتُ لهم، ولكن حقَّ القولُ منِّي لمن كذَّب رسلي، وعصى أمري، أنْ أملأَ جهنَّم منهم أجمعين.
ويا آدم، إنِّي لا أُدخِلُ النَّار إلَّا مَنْ عَلِمتُ أنِّي لو رددتُه إلى (^٢) الدُّنيا لم يَتُب ولم يُراجِع عمَّا نهيتُه عنه، ثم قرأ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
ويا آدم، كن أنتَ اليومَ بيني وبين ذُرِّيَّتِك، فقُم عند الميزان، فانظُر إلى ما رُفِعَ إليَّ مِن أعمالِهم، فمن زادَتْ حسناتُه على سيِّئاتِه مثقالَ حبَّةٍ مِن خردلٍ، فأدْخِلهُ الجنَّةَ؛ لتعلمَ أنِّي لا أُدخِلُ النَّار إلَّا كلَّ ظالمٍ، ومَن هو أهلٌ لها (^٣).
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: تَعلَّقت الخوارجُ بظاهرِ هذه الآية: ﴿وَإِنَّهُمْ
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٢/ ٦١) (طبعة دار التفسير).
(٢) بعدها في (ف): "دار".
(٣) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٩٢٦)، والطبراني في "المعجم الصغير" (٨٥٥ - الروض الداني)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٤٥١ - ٤٥٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧/ ٤٥٣ - ٤٥٤) من طريق الفضل بن عيسى الرقاشي عن الحسن عن أبي هريرة ﵁. والفضل كذاب.
[ ٦ / ٤٨ ]
لَكَاذِبُونَ﴾ أنَّ المؤمنَ إذا قال: لا أُذنب ثمَّ أذنبَ، ظهر أنَّه كاذب في قوله الأوَّل، وقالوا في قوله: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢]: إنَّهنَّ إذا سرقنَ، أو زَنينَ، ظهرنَ أنَّهنَّ بايعن على الكذب، فلم يكن إيمانًا ولا بيعةً، وقالوا: لمَّا عَلِم اللَّهُ تعالى من هؤلاء ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ سمَّاهم بذلك كاذبين للحال، ثبتَ ما قلنا، لكنَّا نقول: ليس كذلك، بل الكذِبُ: هو الإخبارُ عن الشَّيء على خلافِ ما هو به، وإذا كان اعتقادُ المخبر على ما يخبِرُ به، لم يكن على خلافه، فأمَّا الآيةُ فلها وجوهٌ:
أحدها: أنَّهم أضمروا بخلافِ ما أظهروا، وهو كقوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
والثاني: أنَّ معناه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: ليَكذبون في العاقبةِ، ويُخالِفون ما قالوا، كما يُقول: إنَّه فاعل كذا غدًا.
والثالث: أنَّه سمَّاهم كاذِبين بكذبِهم القديم، كما سَمى أهلَ النَّارِ كفَّارًا بكفرِهم القديم (^١).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ غدًا تُهْتَك (^٢) الأستارُ، وتَظهرُ الأسرار، فكم مِن متجلِّلٍ بثوبِ تقواهُ، حكمَ له معارِفُه أنَّه زاهد في دنياهُ، راغبٌ في عقباهُ، مُحِبٌّ لمولاه، مفارِقٌ لهواه؟ يُكشَفُ الأمرُ عن (^٣) خلافِ ما توهَّموهُ، وافتُضِحَ عندهم بغير ما ظنُّوه، وكم مِن متهتِّكٍ، سُتِرَ بما أُظهِر عليه، ظنَّ الكُلُّ أنَّه خليعُ العِذار،
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٦٤ - ٦٥).
(٢) في (ر): "تنهتك".
(٣) في (أ) و(ف): "على".
[ ٦ / ٤٩ ]
مشوَّشُ الأسرار، وظهرَ لذوي البصائرِ طهارتُه، وبرزَ مِن خفايا السِّرِّ حقيقتُه (^١).
* * *
(٢٩) - ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾؛ أي: قال هؤلاء الكُفَّار: ما الحياةُ إلَّا حياتُنا القربى؛ أي: الحاليَّة، ولا نُبعثُ بعدَ الموتِ أحياءَ للجزاء.
* * *
(٣٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: حُبِسوا على حسابِ ربِّهم، أو على عذابِ ربِّهم، أو "على" بمعنى اللام، وتقديرُه: وقفوا لربِّهم، كما قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].
وقيل: أي: حُبِسوا على ما يكونُ مِن أمرِ اللَّه فيهم، قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، ويُقال: هذا الأمرُ موقوفٌ على فلانٍ، وعلى مجيء فلان، وجواب ﴿وَلَوْ﴾ مضمرٌ؛ أي: لرأيتَ أمرًا عظيمًا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: قال اللَّهُ تعالى، أو قال الملَكُ (^٢) بأمرِه: أليسَ البعثُ بحقٍّ.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ اعترفوا به مُحقَّقًا بالقسم بعدما كانوا يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٧).
(٢) في (أ): "قالت الملائكة" بدل: "قال الملك".
[ ٦ / ٥٠ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أي: فلا نفعَ لكم في هذا الإقرار، فدُوموا في هذا العذابِ بذلك الإنكار.
* * *
(٣١) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ الخسران: الهلاكُ وذهابُ رأسِ المال، وقد فاتَ هؤلاءِ خلاصُ أنفسِهم، ولزمَهُم هلاكُها.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾؛ أي: بالبعثِ للحساب والجزاء، ويكونُ أيضًا برؤية اللَّه التي وعدَها للمؤمنين، وقد كشَفنا معنى الكلمةِ عند قوله: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾؛ أي: حتَّى إذا أتتهم القيامةُ فجأةً، وسُمِّيَت القيامةُ ساعةً؛ لسرعة الحساب فيها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]، كأنَّه قيل: وما هي إلَّا ساعةٌ حتَّى يحصلَ أهلُ الجنَّة في الجنَّة، وأهلُ النَّارِ في النَّار.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾؛ أي: يا ندامَتنا على ما قصَّرنا في حقِّها؛ أي: في حقِّ القيامةِ مِن الاستعداد لها، وتقديمِ الأعمال الصَّالحةِ لأجلِها، وحقيقةُ ﴿فَرَّطْنَا﴾ جعلنا غيرَنا الفارِطَ؛ أي: السَّابقَ إلى طاعة اللَّه، فحَصلنا مُتخلِّفين.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾؛ أي: وهم مع هذا التَّحسُّر يَحمِلون أثقالَ آثامِهم على ظهورِهم، وهو عبارةٌ عن لزومِ تلك الآثام لهم، وكونِهم مثقَلِين بها، مرتَهَنين بعذابِ اللَّه تعالى.
[ ٦ / ٥١ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾؛ أي: يَحمِلون.
قال قتادة: يأتي الكافرَ عملُه الخبيثُ في أقبحِ صورةٍ، وأنتنِ ريحٍ، فيقول له: طالما رَكِبتني في الدُّنيا، فهلمَّ أركبكَ، فيركبُ (^١) ظهرَه (^٢).
ونظيرُ الحملِ على الظَّهر ما ذُكِر مِن جعله في العنق، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، وما روي (^٣): يأتي أحدُكم بالشَّاة في عنقه (^٤)، وقوله -ﷺ-: "من غصبَ شبرًا من أرض طَوّقَهُ اللَّه إلى سبعِ أرضين يوم القيامة" (^٥)، وكلُّ ذلك له وجهان:
أحدُهما: معنى اللُّزوم.
والثاني: أن يُجعلَ يوم القيامة صورةً، فيُحمَل على ظهرِه، أو يُطوَّق في عنقِه تعذيبًا له.
_________________
(١) بعدها في (ر): "على".
(٢) أورده عن قتادة الواحديُّ في "التفسير الوسيط" (٢/ ٢٦٤)، و"البسيط" (٨/ ٩٠)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢١٦ - ٢١٧) عن عمرو بن قيس الملائي وعن السدي.
(٣) بعدها في (ف): "كما".
(٤) لعله يشير إلى حديث ابن اللتبية الذي استعمله رسول اللَّه فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقال -ﷺ-: "لا يأخذ أحد منه شيئًا إلَّا جاء به يوم القيامة يحملُه على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرةً لها خوار، أو شاةً تَيْعَر" رواه البخاري في "صحيحه" (٢٥٩٧)، ومسلم (١٨٣٢) من حديث أبي حميد الساعدي ﵁.
(٥) رواه البخاري في "صحيحه" (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد ﵁، ورواه البخاري في "صحيحه" (٢٤٥٣)، ومسلم (١٦١٢) من حديث عائشة ﵂، وروي عن غيرهما.
[ ٦ / ٥٢ ]
(٣٢) - ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ يَرجِعُ إلى قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾؛ أي: وما الحياةُ (^١) التي دعوتُم النَّاس إلى التَّمتُّع فيها، وقلتُم لا حياةَ غيرها؛ في قِصَر مدَّتها وسرعة انقضائها في جنب الحياة الآخرة، إلَّا كلَعِبِ الصِّبيان، ولهْوِ الفُرسان.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: أي: الحياةُ الدُّنيا للدُّنيا خاصَّة (^٢) لعبٌ ولهو، واللَّعب: هو الذي لا حقيقةَ له، ولا مقصدَ فيه، واللهو: ما يُقصَدُ به قضاءُ الشهوة، وهو كالعبثِ المذكورِ في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، يقول: لو لم تَكن هذه الحياةُ (^٣) لدارٍ أُخرى يُرجى بها الثَّوابُ، ويُخشى بها العقاب، لم يكن فيها حكمةٌ، بل كانت لهوًا ولعبًا، وكذلك خلقُ البشرِ، لو لم يكن للبعثِ والجزاءِ على العمل كان عبثًا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ قرأ ابنُ عامر: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ بلامٍ واحدة على الإضافة (^٥)، ومعناهُ: ولَدارُ الحياةِ الآخرةِ، أو ولَدارُ النَّشأةِ الآخرةِ، على ما فسَّرناهُ عند قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].
وعلى القراءةِ الظاهرة ﴿الآخِرَةُ﴾ نعتٌ للدَّار، ومعنى الآية: إنَّ نعيمَ الآخرةِ خيرٌ مِن نعيم الدُّنيا؛ لأنَّه لا يَزولُ ولا يَحول، ولا يُنتقص ولا يَتنغَّص، وخصَّ به المتَّقين؛ لأنَّهم هم المنتفعون به، والصَّائرون إليه.
_________________
(١) بعدها في (ف): "الدنيا".
(٢) في (ف): "خالصة".
(٣) بعدها في (أ): "الدنيا".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٦٩).
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢٥٦)، و"التيسير" (ص: ١٠٢).
[ ٦ / ٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (^١) قرأ نافع وأبو جعفر، وابنُ ذكوان عن ابنِ (^٢) عامر (^٣)، وعاصمٌ في رواية حفص، وسهلٌ ويعقوب (^٤)؛ بتاء المخاطبة، والباقون بياء المغايَبة (^٥)؛ أي: أفلا يَعقِلُ المشركون هذا فيعملوا به؟ وهي كلمةُ استبطاء.
* * *
(٣٣) - ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ ﴿قَدْ﴾ في الكلام في مثل هذا النَّظم (^٦) لثلاثة أوجه:
أحدها: التوقُّع، كقولك: قد ركبَ الأمير، لقومٍ يَتوقَّعون ذلك (^٧)، ولمَّا سمعَ النَّبيُّ -ﷺ- حجَّةَ اللَّهِ عليهم، تَوقَّع ما يُخاطب به في أمورهم (^٨)، فقيل هذا.
والثاني: التَّقريبُ من الحال، كقولك: إنْ كان القومُ قد أتَوا فعرِّفني، ويكون معناه هاهنا تقريبَ حالِ الحزنِ من حالِ الخطاب.
والثالث: بمعنى التَّقليل في الأحيان، كقولِك: قد يكون كذا، ويكونُ معناه هاهنا: تقليلَ حزنِه بذلك؛ لتسليةِ اللَّه ﷿ إيَّاه.
_________________
(١) في (ر): "يعقلون".
(٢) قوله: "أبو جعفر وابن ذكوان عن ابن" من (ف).
(٣) لم يختلف على ابن عامر هنا.
(٤) قوله: "وسهل ويعقوب" زيادة من (ف).
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢٥٦)، و"التيسير" (ص: ١٠٢)، و"النشر": (٢/ ٢٥٧).
(٦) في (أ) و(ر): "النظام".
(٧) في (أ): "ركوبه".
(٨) في (أ): "أمرهم".
[ ٦ / ٥٤ ]
وقوله: ﴿لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ قال الحسنُ ﵀: قولُ قريشٍ: إنَّك ساحرٌ كذَّابٌ مجنون.
وقيل: هو ما سبق ذكره: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: يَحتملُ أنَّه كان يُحزِنُه افتراؤهم وكذبُهم على اللَّه، أو كان يحزِنهُ تكذيبُ أقاربِه، فإذا كذَّبوه انتهى الخبرُ إلى الأبعدين، فكذَّبوهُ أيضًا، فيَحزنُ لذلك، أو يحزنُ حزنَ طبعٍ؛ لأنَّ طبعَ كلِّ أحدٍ يَنفِرُ عن التَّكذيب، أو كان يَحزنُ إشفاقًا عليهم لما يَنزِلُ عليهم مِن العذاب، وذلك (^١) قولُه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، والآيةُ إخبارٌ مِن اللَّه ﷿ أنَّه على علمٍ منه بتكذيبِهم إيَّاه بعثَهُ إليهم رسولًا، وأنَّه لا عذرَ له بتركِ التَّبليغِ وإن كذَّبوه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ قرأ نافعٌ والكسائيُّ بالتَّخفيف (^٣)؛ مِن قولك: أكذَبتُ فلانًا؛ أي: وجدتُه كاذبًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يقول: لا يَجِدونكَ كاذبًا فيما تقول، لكنَّ الكافرين الظَّالمين أنفسَهم، الواضعين الشَّيءَ غيرَ موضعِه، يُنكِرون الحقَّ مع علمِهم به.
وقرأ الباقون: ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بالتشديد، ومعناه: لا يَنسبونكَ إلى الكذب، وهذا مُشكِلٌ مع بقيَّةِ الآية، لكن له وجوهٌ صحيحة.
_________________
(١) في (ر): "كما في" بدل: "وذلك".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٧٠).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٥٧)، و"التيسير" (ص: ١٠٢).
[ ٦ / ٥٥ ]
قال ابن عباس ﵄: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ من تكذيبهم إياك في العلانية؛ فإنَّهم لا يُكذِّبونك في السِّرِّ، وقد علموا أنَّك صادقٌ، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بمحمَّدٍ والقرآنِ في العلانية (^١).
وقال أبو ميسرة: مرَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- على أبي جهلٍ لعنه اللَّه، فقال: يا محمَّد، ما نُكذِّبُك، وإنَّك عندنا لمصدَّقٌ؛ أي: لا نَصِفُكَ بأنَّك رجلٌ كاذبٌ، بل نُسمِّيك أمينًا في سائر الأشياء، ولكنَّنا نُكذِّبُك فيما (^٢) جئتنا به، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٣).
وقال أبو يزيد المدني: لقيَ رسولُ اللَّه -ﷺ- أبا جهلٍ، فصافحَهُ، فلقيَهُ بعضُ شياطينه، فقال له: رأيتُكَ تُصافِحه، فقال: واللَّهِ إنِّي لأَعْلَم إنَّه لصادقٌ، ولكنَّا متى كنا تبعًا لبني عبد مناف، فنزلَت الآية (^٤).
وقال السُّدِّيُّ: لمَّا كان يومُ بدرٍ الْتقى الأخنسُ بن شريق وأبو جهل، فقال الأخنسُ: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمَّدٍ، أصادقٌ هو أم كاذب؟ فإنَّه ليس هاهنا أحدٌ يَسمعُ كلامي غيري وغيرُك، فقال أبو جهلٍ لعنه اللَّه: واللَّه إنَّ محمَّدًا لصادقٌ، وما كذبَ محمَّدٌ قطّ، ولكن إذا ذهبَ بنو قُصَيٍّ باللِّواء والسِّقاية والحِجابةِ والنَّدوةِ والنُّبوَّة، فماذا يكونُ لسائرِ قريش (^٥).
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ١٠٧) من قول الكلبي، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٢٦٥) عن ابن عباس وقتادة والسدي ومقاتل.
(٢) في (أ) و(ف): "ولكنا نكذب ما" بدل من "ولكننا نكذبك فيما".
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٢/ ٢٦٥)، و"البسيط" (٨/ ٩٧ - ٩٨)، و"أسباب النزول" (ص: ٢١١)، وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، كما في "الدر المنثور" (٦/ ٤٠).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٨٣) (٧٢٣٩).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٢٢).
[ ٦ / ٥٦ ]
وقال مقاتل: نزلَت في الحارثِ بنِ عامر بنِ نوفلَ بن عبد مناف بن قصي، كان يُكذِّبُ النَّبيَّ -ﷺ- في العلانية، فإذا خلا به مع أهل بيته (^١) قال: ما محمَّدٌ مِن أهل الكذب، ولا أحسبُه إلَّا صادقًا، وقال للنبيِّ -ﷺ-: إنَّا لنَعلمُ أنَّ الذي تَقولُهُ حقٌّ، وإنَّه لا يَمنعُنا أن نتَّبع الهُدى معك إلَّا المخافةُ مِن أنْ يتخطَّفنا النَّاسُ مِن أرضِنا، فنزلَت الآيةُ (^٢).
وقال الحسنُ ﵀: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بأنَّ اللَّهَ ليس بخالقهم ولا برازقِهم، ولكنَّ المشركين بدينِ اللَّه الإسلامِ يَجحدون.
وقال الضَّحَّاك: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾؛ أي: لا يُمكنهم إثباتُ الكذبِ عليك، ولا يَقدِرون ألَّا يكونَ الرَّسولُ رسولًا، وعلى ألَّا يكونَ القرآنُ قرآنًا، وإنَّما يُكذِّبونَك بألسنتِهم (^٣).
وفي تفسير مالك بن سليمان: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾؛ يعني: المؤمنين، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الكافرين ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، وهو نظيرُ قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩].
وقيل: أي: فإنَّ الكفَّار لا يُكذِّبونكَ بحُجَّةٍ، فلا تَعتدَّ بتكذيبِهم؛ فإنَّه لا حقيقةَ له، وهو كنَفي الرَّمي في قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧].
وقيل: أي: لا يُكذِّبونك في ردِّ الوحي، وإنَّما يُكذِّبونَني؛ لأنَّك تُخبِرُ به عنِّي.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قد نَعلمُ ما قالوا فيك، وإنَّما قالوا ذلك بسبِبنا ولأجلِنا، وقد كنتَ عظيمَ الجاهِ فيهم قبل أن أوقعنا عليك هذا الرَّقم، وكانوا
_________________
(١) نص العبارة في "تفسير مقاتل": "فإذا خلا مع أهل ثقته".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٥٨).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٨٢) (٧٢٣٦) عن الضحاك عن ابن عباس ﵄.
[ ٦ / ٥٧ ]
يُسمُّونك محمَّدًا الأمين، وإنَّما أصابَك ما أصابكَ لأجلِ حديثنا؛ أي: لإرسالنا (^١)، فغيرُ ضائعٍ لك هذا عندنا، وحالُك فينا كما قيل:
أشاعوا لنا في الحيِّ أشنعَ قِصَّةٍ وكانوا لنا سِلْمًا فصاروا لنا حَرْبًا (^٢)
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ وقال الكلبيُّ: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كذَّبهم قومُهم كما كذَّبتك قريشٌ، ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ في أبدانِهم، ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾؛ أي: عدتنا بهلاكهم (^٣)، ﴿وَلَا مُبَدِّلَ﴾؛ أي: لا مغيِّرَ ﴿لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: المواعيد في القرآنِ أنَّه سيَنصرُك والذين آمنوا معك، كما نصرَ الأنبياءَ قبلَك، ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ مِن خبرِهِم في القرآن كيف أنجيناهُم، ودمَّرنا قومَهم (^٤).
وكان النبي -ﷺ- منهم إذا أتى قومًا فكذَّبوهُ وأُهلكوا ونجا هو؛ أتى مكَّةَ، فتَعبَّد فيها حتَّى يأتيَهُ الموتُ.
وقال عكرمة: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ يعني قولَه تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا
_________________
(١) قوله: "أي لإرسالنا" من (ر).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٩).
(٣) في (أ): "لهلاكهم".
(٤) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٤٨٢)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ١٤٥).
[ ٦ / ٥٨ ]
لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية [الصافات: ١٧١]، وقولَه تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] (^١)، وقولُه: ﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ هو للتبعيض.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يقول: لستَ بأوَّلِ مُكذَّبٍ مِن الرُّسُل، بل كُذِّبَ إخوانُك قبلَك فصبروا، ولم يتركوا تبليغَ الرِّسالة، فعلى ذلك لا عذرَ لك في تركِ تبليغِها، ثمَّ وعدُهُم بالنَّصر يَحتمِل وجوهًا؛ فيحتمل نَصرَهُم بالحُجَج والبراهين، ويحتمل بالغلبة والقهر، ويحتمل بإهلاك الأعداء (^٢).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: يقول: إنَّ مَن سلكَ سبيلَنا؛ صبرَ (^٣) على ما أصابَه في حديثنا، فلا خَسِرَت فينا صفقتُهم، ولا خفيَت علينا حالتُهم، وما قابلَ حكمَنا مَنْ عرفَنا إلَّا بالمُهَج، وما حملوا ما لقُوا فيه إلَّا على الحدق.
إن الأُلى ماتُوا على دينِ الهَوى وَجَدوا المنيَّة منهلًا معسولًا (^٤)
* * *
(٣٥) - ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾؛ أي: ثَقُلَ.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٤٥).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٧١ - ٧٢).
(٣) في (ف): "صبرناه".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٦٩)، والبيت نسبه الوشاء في "الموشى" (ص: ٧١) لعمرو بن قنان.
[ ٦ / ٥٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سَرَبًا (^١)، وقال القتيبي: مدخلًا (^٢)، وقال أبو عوسجة (^٣): غارًا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ قال قتادة: درجًا، وقال السُّدِّيُّ: مصعدًا (^٥).
وقوله تعالى: ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾؛ أي: ممَّا يَقترحون ذلك فافعل، وهذا مضمَرٌ، يقول: قد ذكرنا أنَّ سائرَ الرسل صبروا، فاصبرْ لتُنصَرَ كما نُصِروا، فإنْ تَعذَّر عليك ذلك، واستعجَلتَ النَّصْرَ، فإن قَدرت على أنْ تأتيَ بذلك مِن الأرضِ أو مِن السَّماء، فافعل، وهذا بيانُ أنَّه ليس بيدِه ذلك، فلا معنى لاستعجالِه وقِلَّةِ صبرِه.
ويُقال هذا الكلامُ لمَن يُنبَّهُ للصَّبر، وأنَّه لا يَنفعُه الاضطراب، وكان النَّبيُّ -ﷺ- موصوفًا بالصَّبر، والأمرُ به في حقِّه كالأمرِ بالتَّقوى، والنَّهيِ عن الشِّرك (^٦)، وسائرُ مخاطباتِه بالأوامرِ والنَّواهي لحكمٍ قد بيَّنَّاها مرَّاتٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: جعلَهم جميعًا بحيث يختارون الهُدى (^٧)، ولكن لمَّا علمَ أنَّهم يَختارون الكفرَ على الهُدى، لم يشأ أنْ يَجمعهُم على ذلك، ولا يجوزُ أنْ يُحملَ على مشيئة الجبرِ والقهر؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ هدًى (^٨).
_________________
(١) قاله ابن عباس، أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٢٦، ٢٢٧).
(٢) تنظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٥٣).
(٣) بعدها في (أ): "أو".
(٤) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٧٤).
(٥) قولا قتادة والسدي أخرجهما الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٢٦ - ٢٢٧).
(٦) في (ف): "المنكر".
(٧) بعدها في (ر): "أي".
(٨) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٧٤ - ٧٥).
[ ٦ / ٦٠ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أنَّ اللَّهَ لو شاء لجمعَهم على الهُدى.
وقيل: ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أنَّ بعضَهم يُؤمِنُ دون بعض.
قال ابنُ عبَّاس ﵄: كان النبيُّ -ﷺ- يَحرِصُ على أنْ يؤمِنَ جميعُ النَّاس ويتابعوه على الهدى، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (^١).
وهذا وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يجوزُ خطابُه -ﷺ- به؛ لِما عُرِفَ أنَّه وإنْ كان معصومًا، ولكنَّ العِصمةَ لا تُزيلُ المِحْنةَ على ما عُرِف.
* * *
(٣٦) - ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ القولَ (^٢)، يقول: إنَّما يَستجيبُ دعاءَك الذين يَسمعون دعاءَك للقَبول والانقياد، فأمَّا مَن ألِفَ الشِّركَ وتمادى في الطُّغيان، فلا.
وقيل: ﴿يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: يَنتفعون بالسَّماع.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ قال مقاتل: ﴿وَالْمَوْتَى﴾ يعني: كفَّار مكَّة، يَبعثُهم اللَّهُ في الآخرةِ، ثمَّ إليه يُردُّون، فيَجزيهم بأعمالِهم (^٣).
وقيل: هو (^٤): ابتداءٌ، وهو على حقيقة الموت.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٨٤ - ١٢٨٥) (٧٢٥٠).
(٢) لفظ: "القول" من (ف).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٥٩).
(٤) "هو": من (أ) و(ف).
[ ٦ / ٦١ ]
(٣٧) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: وقال هؤلاء الكفَّارُ: هلَّا نُزِّلَ عليه آيةٌ يَقترحُها، كآيات الأنبياءِ الماضين، مثل: فلق البحرِ لموسى، والناقةِ لصالح؛ مِنْ تَسيير الجبال، وتصيير الصَّفا ذهبًا، وتفجيرِ الينابيع، وإسقاطِ السَّماءِ كِسَفًا، والرُّقيِّ في السَّماء وإنزالِ الكتاب (^١)، ونحو ذلك، قل (^٢) يا محمد: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ﴾ الآيةَ التي اقترحوها، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قال مقاتل: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما لهم في نزولِها (^٣).
وقال القفال ﵀: أي: لا علمَ لهم بوجهِ تخصيص كلِّ نبيٍّ بمعجزةٍ، وإنَّ موسى خرجَ في زمن السَّحرةِ، فأتى بمعجزةٍ مِن جنسِ ذلك، وعرفوا أنَّ ما أتى به ليس ممَّا يَدخلُ في وِسْع البشر، وعيسى خرجَ في زمنِ الأطبَّاء، فأتى بمعجزةٍ مِن جنس ذلك، وعرَفوا أنَّه لا يدخل (^٤) في وِسْعهم ذلك، فلَزِمتهُم به الحُجَّةُ، ومحمَّدٌ -ﷺ- خرجَ في زمنِ البُلغاء والفُصحاء، فأتى بالقرآنِ، وعَجَزوا عن معارضتِه، ولزِمَتهمُ الحُجَّةُ، ولو أتى بما كان مِن جنسِ معجزاتِ سائرِ (^٥) الأنبياء، لكان لأهلِ عصرِهِ أنْ يَقولوا: ليس هذا من جنسِ عملنا، فلا نَقدر على معارضتِك، ولغيرِنا أنْ يُعارِضَكَ بمثلِه.
_________________
(١) في (ف): "الكتب".
(٢) في (ف): "وقال".
(٣) نص قول مقاتل في "تفسيره" (١/ ٥٥٩): لا يعلمون بأن اللَّه قادر على أن ينزلها.
(٤) في (ر): "أن ما أتى به ليس" بدل: "أنه لا يدخل".
(٥) في (ر): "بجنس ما كان من المعجزات لسائر" بدل: "ما كان من جنس معجزات سائر".
[ ٦ / ٦٢ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّه إذا أُنزِلت الآيةُ الاقتراحيَّةُ ولم يُؤمنوا، استؤصلوا، ومحمَّدٌ -ﷺ- نبيُّ الرَّحمةِ، فلا استِئصالَ في زمانِه.
ويَحتمل ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ لا يُنزِلُ الآية إلَّا عند الحاجةِ بهم إليها، ولا حاجة إليها، فقد نَزلَت الآياتُ العقليَّةُ والسَّمعيَّةُ والحِسِّيَّةُ؛ أي: القرآنُ، والإخبارُ عن الكائنات، وتكثيرُ الطَّعامِ والشَّراب.
وقيل: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لا يَطلبون ذلك للعلمِ، بل للتَّعنُّتِ (^١).
* * *
(٣٨) - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: حيوانٍ يَدِبُّ على وجه الأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ هو للتَّأكيد والتَّحقيق، فإنَّ الطَّيران قد يُستعمَلُ للسُّرعةِ مجازًا، فذِكرُ الجناحين لإثباتِ حقيقةِ الفعل.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾؛ أي: أصنافٌ، وقد ذكرنا وجوهَ الأُمَّة عند قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقوله تعالى: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: قال أبو هريرة ﵁: أي: سيحشرون (^٢) يومَ القيامة كما تُحشرون أنتم (^٣)، ثمَّ يُقتَص
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٧٨).
(٢) في (أ) و(ر): "ستحشر"، والمثبت موافق للمصدر.
(٣) "أنتم": ليس من (أ).
[ ٦ / ٦٣ ]
للبهائمِ بعضِها من بعض، ثمَّ يُقال لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] (^١).
قال: وقيل: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾؛ أي: يفقهُ بعضُها مِن بعض كما يَفقهُ بعضُكم مِن بعض.
قال: وقيل: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ في معرفةِ ما يُؤتى وما يُتَّقى.
ويَحتمل: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في الكثرةِ والعددِ والخَلْقِ والصُّنوفِ، تُعرَفُ بالأسامي كما تعرفون أنتم، وهذا قولُ مجاهدٍ ﵀ (^٢).
وقيل: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ (^٣)؛ أي: مسخَّرةً لكم، وليس يكون مِنهم ما يكونُ مِنكم، مِن العنادِ، وتكذيبِ الرُّسلِ، والخروجِ عليهم.
قال: ويحتمل ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في معرفةِ وحدانيَّةِ اللَّهِ تعالى وألوهيَّتِه، وفي حقَّ الطَّاعة له، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] (^٤)، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وعطاء (^٥).
وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄:
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٧٨٦)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٨٦) (٧٢٦٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٣١). وروى مسلم في "صحيحه" (٢٥٨٢) نحوه عن أبي هريرة مرفوعًا، ونصه: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٣٣)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٨٥) (٧٢٥٦).
(٣) بعدها في (ف): "أي في الوجود".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٧٩ - ٨٠).
(٥) ذكر الواحدي في "البسيط" (٨/ ١١٢) نحوه من رواية عطاء عن ابن عباس ﵄.
[ ٦ / ٦٤ ]
ما تركنا مقَصِّرين ذكرَ شيءٍ مِنهم في اللَّوح المحفوظ من أعدادِهم وأرزاقِهم وآجالِهم (^١).
وقيل: ﴿الْكِتَابِ﴾: القرآن، وعلى هذا التَّاويل قولُه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ هو معترِضٌ هاهنا، وموضعُه بعد تمام آيتين إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٢)؛ يعني: كلُّ ما خلقَ في الأرضِ مِن ذي روحٍ يَدِبُّ على وجهِ الأرض، ويطير في الهواء، فهي أصنافٌ مزدوجةٌ ومختلفةٌ، وكلٌّ مِنها مُسَخَّرٌ لمَا خُلِقَ له، يَجري عليه مِن غير امتناع، وبنو آدمَ مخلوقون لعبادةِ اللَّهِ وتوحيدِه، وميَسَّرون (^٣) له، ومُقَرُّونَ عليه، ثمَّ أكثرُهم لا يَجرون على ما خُلِقوا له، بل يَتخبَّطون في الظُّلمات، وهم الكفَّار، فهم صُمٌّ وبكمٌ، ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾؛ أي: ما تركنا ذكرَ شيءٍ في القرآن بالخَلقِ حاجةٌ إليه، مجمَلًا (^٤) أو مفصَّلًا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قيل: أي: يُبعثون للحسابِ والجزاء، وهم بنو آدم، ولذلك جمع بالواو والنُّون.
وقيل: الحشرُ لكلِّ الأمم، لكن رويَ عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: حشرُ الحيوانات موتُها (^٥).
وقال عامَّةُ الصَّحابةِ والتَّابعين؛ منهم أبو ذرٍّ وأبو هريرة والحسن: حشرُها:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٣٤)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٨٦) (٧٢٥٩).
(٢) "إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ " من (ر).
(٣) في (ف): "ومبشرون".
(٤) بعدها في (ر): "أو جاحدًا منكم". وهي مقحمة.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٣٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٨٦) (٧٢٦١).
[ ٦ / ٦٥ ]
بعثُها يومَ القيامةِ للقِصاصِ بين الجمَّاء والقرناءِ ونحو ذلك، ثمَّ تصيرُ ترابًا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] (^١).
والدَّليلُ على أنَّ الحشرَ هو البعثُ دون الموت قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (^٢) ونظائرها، كقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ (^٣) [الصافات: ٢٢].
* * *
(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: بالقرآنِ، وبمحمَّدٍ، وبالبعثِ بعد الموت.
وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾؛ أي: يَتصامُّون عن سماعِ الحقِّ، ويَتباكمون عن القولِ بالحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: هم في ظلماتِ الكفر.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: من عَلِمَ منه اختيارَ الضَّلالِ، شاء ضلالَهُ، وخلقَهُ فيه، ومَن عَلِمَ منه اختيارَ الاهتداء، شاءَ اهتداءَه، وخلقَه فيه.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٧٨٧)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٣٦) عن أبي ذر مرفوعًا، وقول أبي هريرة سلف قريبًا.
(٢) في النسخ: "للملائكة" بدل: "للذين أشركوا"، والمثبت هو الصواب.
(٣) قوله: "كقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ " من (ر).
[ ٦ / ٦٦ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ تساوَت المخلوقاتُ، وتَماثلتِ المصنوعاتُ في الحاجةِ إلى المنشِئ في حالة الابتداء، وكذا في حالةِ البقاء، وكذا في جميع الصِّفاتِ النَّفسيَّةِ، والنُّعوتِ الذاتيَّة، فما مِن شيءٍ، مِن عينٍ وأثرٍ، ورَسْمٍ وطَلَلٍ، إلّا وهو على وحدانيَّتِه شاهدٌ، وعلى كونه في نفسهِ مخلوقًا دليلٌ ظاهر، والذين فاتَتهمُ العنايةُ الأزليَّةُ، سَدَّ الحرمانُ أسماعَهم وغَشَّى الخذلانُ أبصارَهم، والإرادةُ لا تُعارَضُ، والمشيئةُ (^١) لا تُزاحَم، والحقُّ سبحانه غالِبٌ (^٢).
* * *
(٤٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ هذه كلمة استفهام، وعند البصريِّين يجري التَّوحيدُ والجَمع والتَّذكيرُ والتَّأنيثُ والتثنية على الكاف وما بعدها، والتاءُ على حالةٍ واحدةٍ، مفردةً مفتوحةً (^٣): أرأيتَكَ، أرأيتكما، أرأيتكُم، أرأيتَكِ بفتح التَاءِ وكسر الكاف، أرأيتَكن.
وعند الكوفيين: يَجري في التَّاء أيضًا، فيقال: أرأيتُك، وأرأيتُماكما (^٤)، وأرأيتُموكم، وأرأيتُكِ بكسرها، وأرأيتُنَكُنَّ بنونين مشدَّدتين.
وعلى الطَّريقة الثَّانية: التَّاءُ رفع؛ لأنَّه فاعل، والكاف نصب؛ لأنَّه مفعولٌ به، وعلى الطَّريقة الأولى: الكافُ كالتَّاء رفع على أنَّه فاعل.
_________________
(١) بعدها في (ف): "لا تنازع و"، والمثبت موافق للمصدر.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٧٠ - ٤٧١).
(٣) بعدها في (ر): "نحو".
(٤) في (ر): "وأرأيتماكم". وفي (ف): "وأرأيتكما".
[ ٦ / ٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: قل يا محمَّدُ لهؤلاءِ المشركين الذين يَعدِلون بربِّهم: أخبروني عنكم، وعمَّا تَرون عليه أنفسَكم ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ -قيل: هو ما أتاهم (^١) يوم بدرٍ وأُحُدٍ والأحزاب- أو أتتكم القيامةُ بأهوالِها، أإلى غيرِ اللَّه تلتَجئون من الأصنام التي تعبدون؟ أم إلى اللَّه؛ تُقِرُّون أنَّه خالقُكم ورازِقُكم؟
* * *
(٤١) - ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: بل اللَّهَ تَدعون، فيَكشِفُ اللَّهُ عنكم البلاءَ الذي تَدعونَ اللَّهَ إليه، وهي كلمة غاية؛ أي: إلى أن يَتِمَّ الفرج.
وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾؛ أي: إنَّما يَكشِفُ بمشيئتِه لا بطَلبِكم؛ إذ لا إكراهَ عليه، ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ وتتركونَ ما كنتُم تشركونَه باللَّه؛ أي: فما معنى عبادتِكم الأصنامَ بعد هذا، وهي لا تُفرِّجُ عنكم الشَّدائدَ، ولا تَستجيبُ دَعواتِكم بالمقاصد (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: إن تَرددتُم بنفوسِكم، وأطَلتم الفِكرةَ بقلوبِكم، لم تَجدوا منِ دونِه أحدًا، ولا عَن حكمِه مُلْتَحدًا، فتَعودون إليه في استكشافِ الضُّرِّ، واستعطافِ البِرّ، كما قيل:
إلى بابي تَعودُ وإنْ تَناءَتْ دياري بعدَ معرفةِ الرجالِ
_________________
(١) في (أ): "أتاكم".
(٢) في (ف): "بالقيامة".
[ ٦ / ٦٨ ]
وكما قيل:
قد تركناكَ والذينَ تُرِيدُ فعَسى أنْ تَملَّهم وتَعودُ
فإذا جرَّبتَ الكُلَّ، وذُقتَ الحلوَ والمُرَّ، أفضى بك الضُّرُّ إلى بابِه، فإذا رجعْتَ بنعتِ الانكسار، وشواهدِ الاضطرار، فإنَّه يَفعلُ ما يُريدُ، إنْ شاءَ أباح (^١) اليُسر، وأزاحَ العسرَ، وإنْ شاءَ ضاعفَ الضُّرَّ، وأدامَ المرَّ، فله الخَلقُ والأمر (^٢).
* * *
(٤٢) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾؛ أي: أرسلنا إليهم رُسُلًا، فخالفوهم، وصحَّ الحذفُ لوضوح المراد.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قال الحسن ﵀: أي: بالفقرِ والمرض (^٣).
وقيل: ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: شدَّة (^٤) البطشِ، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: الأوجاع.
وقيل: الجوع والقحط.
فعلنا بهم ذلك ليَتضرَّعوا، وهو لطفٌ في الدُّعاء إليه، و"لعلَّ" كلمةُ ترجٍّ، ومعناه: كان الأنبياءُ صلوات اللَّه عليهم يَترجَّون منهم ذلك.
* * *
_________________
(١) في "لطائف الإشارات": "أتاح".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٧١).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٨٨، ١٢٨٩) (٧٢٧٤)، (٧٢٧٩) غير أنه فسر البأساء بالبلاء.
(٤) بعدها في (ف): "المرض و".
[ ٦ / ٦٩ ]
(٤٣) - ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾؛ أي: فهلَّا تذلَّلوا ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾؛ أي: بلاؤنا وشدَّةُ الأمر منا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: غَلُظَت، فلم تركن (^١) للاتِّعاظ بسبب إصرارِهم على سوء اختيارهم.
وقيل: ما جفَّتِ العيونُ إلَّا بقسوةِ القلوب، ولا قسَتِ القلوبُ إلَّا بكثرةِ الذُّنوب.
وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: حسَّن إليهم أعمالَهم، فلم يَتوبوا عنها، فقد ذكرَ هاهنا أنَّهم لم يَتضرَّعوا، وقال قبلَه: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، وقال في آيات: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢] ولا اختلافَ بينهما؛ لأنَّ تضرُّعَهم كان عند إحاطةِ البلاء بهم، كما قال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وكانوا يضطرُّون إلى مثل هذا التَّضرُّع، فأمَّا عند نزولِ القحط والغلاء، والمرض والبلاء، فكانوا يقولون: هذا أمرٌ معتادٌ بين العباد، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف: ٩٥]، فليس هذا ببلاءٍ نزلَ لأجلِ ذنبٍ، وليس علينا فيه مِنْ عَتَب.
* * *
(٤٤) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أي: لم يتَّعِظوا بما وعِظوا، ولم يتضرَّعوا وقد امتُحِنوا.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "تكن"، ولعها محرفة عن: "تلن".
[ ٦ / ٧٠ ]
وقوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: وسَّعنا عليهم النِّعمَ؛ ليَشكروا، فلم يشكروا.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾؛ أي: أشِروا وبَطِروا، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأةً بالعذابِ المستأصِل، ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾؛ أي: فحينئذٍ هم آيِسون مِن كلِّ خير (^١).
وقيل: الإبلاس: انقطاعُ الحُجَّة.
وقيل: الحيرةُ عند حلولِ البليَّة.
وقيل: هو الإطراقُ مِن الحزنِ.
وقيل: هو تغيُّرُ اللَّون.
وقيل: هو شِدَّةُ الحسرةِ.
وقيل: هو الاستسلامُ للهلاك.
* * *
(٤٥) - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: أُهلِكوا جميعًا؛ لأنَّ دابرًا مِن قولهم: دَبَره يَدْبُرُه؛ أي: أتى بعده، فإذا قُطِعَ الجائي بعدَهم، فقد أُهلِكوا (^٢) كلُّهم.
وقوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قيل: حَمِدَ نفسَه بنفسه؛ إذ نصرَ أولياءَهُ، وقهرَ أعداءَه.
_________________
(١) في (ف): "الخير" بدل: "كل خير".
(٢) في (أ): "هلكوا".
[ ٦ / ٧١ ]
وقيل: بل أمرَ محمَّدًا -ﷺ- بأنْ يَحمَدَ اللَّه على ذلك.
وقال الحسن: إذا سمعتَ بموتِ ظالمٍ فاحمَدِ اللَّهَ بهذه الآية.
وقيل: أي: اللَّهُ محمودٌ على كلِّ حالٍ بما كرَّر مِن المواعظِ والأذكار، ولم يُنزِل بهم البوارَ إلَّا بعد الإعذار والإنذار.
* * *
(٤٦) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ ذَكرَ إهلاكَ الماضين، وأوعد الحاليِّين (^١)، فقال: أعلمتُم، وهو تقرير (^٢) حجاجٍ، فيه معنى الإنكار؛ إنْ أصمَّكمُ اللَّهُ، وأعماكم، وشدَّ قلوبَكم، فلم يصل إليها فهمٌ.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: فلا إلهَ سوى اللَّهِ يأتي بالمأخوذ، وإنما وحَّد ﴿بِهِ﴾ (^٣) لهذا، والفعلُ يَدلُّ على المفعول، وهو كقولك: مَن كذبَ كان شرًّا له؛ أي: فإذا لم تكن آلهتكم تَقدِرُ على ذلك، والقدرةُ على (^٤) الكمالِ للَّه ذي الجلال، فما العذرُ في الإشراكِ والضَّلال؟!
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾؛ أي: انظر يا محمَّدُ،
_________________
(١) في (أ): "الخاليين"، وفي (ر): "الحالتين".
(٢) في (ف): "تقديره".
(٣) في (أ): "وحده" بدل: "وحد به".
(٤) بعدها في (ف): "ذلك و".
[ ٦ / ٧٢ ]
كيف نُبيِّنُ (^١) ونكرِّرُ لهم الشواهدَ على بُطلان الشِّرك وعلى حَقِّيَّة (^٢) الإسلام، ثمَّ هم يُعرِضون عنها؛ أي: عن تدبُّرها وقَبولها، و﴿ثُمَّ﴾ كلمةُ تعجيب.
* * *
(٤٧) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله (^٣) تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال الحسن: ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: ليلًا ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾؛ أي: نهارًا (^٤)؛ أي: قل يا محمَّد: أخبروني ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ فجأةً مِن حيث لا تَعلمون، أو علانيةً مِن حيث تَعلمون، فلا يُمكنكُم أنْ تَردُّوه عن أنفسِكم، فهلكتُم به، هل يكون ما نزلَ بكم مِن ذلك إلا هلاكًا نزلَ بقومٍ ظلَموا أنفسَهُم بكفرِهم بربِّهم.
* * *
(٤٨) - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ قال الكلبيُّ: أي: ﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ المؤمنينَ بالجنَّة، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ الكافرين بالنَّار، ليس إليهم إلَّا هذا، وليس بأيديهم إنزالُ الآياتِ التي تقترحونها.
_________________
(١) بعدها في (ف): "لهم".
(٢) في (ر) و(ف): "حقيقة".
(٣) في (ف): "وهو قوله".
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (٨/ ١٥٠)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ١٤٥) عن الحسن وابن عباس.
[ ٦ / ٧٣ ]
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي ﴿فَمَنْ آمَنَ﴾ باللَّه، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أعمالَهُ، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بدخولِ النَّار، ولا حزنٌ بفوتِ الجنَّة، وهذا من تبشيرِهم.
* * *
(٤٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يُصيبُهم فلا يُفارِقُهم.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أي: يَخرجون مِن طاعة اللَّه بالكفرِ، وهذا مِن إنذارِهم.
* * *
(٥٠) - ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ولمَّا اقترحَ المشركون -لعنهم اللَّه- على رسول اللَّه -ﷺ- مِن الآياتِ ما ليس في مقدور البشر، أمرَ اللَّهُ نبيَّهُ أنْ يُخبِرَ الكفَّارَ عن نفسِه بهذه الجملة، فقال قل لهم: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ -جمع خِزانة وخَزينة، وهي ما يَخزِنُ؛ أي: يحرِزُ بحيث لا تناله الأيدي ويَحفظُ- فأملكَ إنزالَ ما تقترحونَه مِن الآيات، أو آتيكم بكنوزِ الأموالِ، وأفجِّرَ لكم الأنهارَ في الجنان، كما قلتم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [الفرقان: ٧ - ٨]، ولا أقولُ لكم: إنِّي أعلمُ الغيبَ، فأخبرَكُم بكلِّ ما تَسألون عنه ما لم
[ ٦ / ٧٤ ]
يُعلِّمنيهِ اللَّهُ ﷿، أو أعلمَ الأمرَ الذي إذا جئتُكم به آمنتُم، وأعلمَ عواقبَ الأمور.
وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أقوى على ما لم يقوَ عليه البشرُ فأقهرَكم على ما أُريدُ (^١) منكم بقوَّتي، وإنَّما أنا عبدٌ مربوبٌ، بشرٌ مثلُكم، أتَّبعُ ما يُوحي إليَّ ربِّي، فأبلِّغُكم.
وقيل: أي لا أنزِلُ نفسي فوقَ ما أنزَلنيهِ اللَّهُ تعالى، فلا أقولُ عندي خزائنُ اللَّه، ولا أعلمُ الغيبَ، ولا لي قوَّةُ الملَك، بل أنا رسولُ مَن له الخزائنُ، وله عِلْمُ الغيبِ، وله الملائكةُ وسائرُ الخَلْق.
وقيل: معنى هذه الثلاثة يَرجِعُ إلى شيءٍ واحدٍ، وهو التَّبرِّي عن العِلم بالوقت الذي يَأتيهم فيه العذابُ الذي أنذروا به، بقوله: (ليست عندي خزائن اللَّه)؛ أي: ما خزنَهُ اللَّهُ مِن العذابِ (^٢) في الغيب؛ أي: لم (^٣) يُطلِعني اللَّهُ على ما خزنَه مِن هذا، ولستُ أعلمُ الغيبَ بنفسِي، فأخبرَكُم به، ولستُ ملكًا فأشاهدَ ما تشاهِدُ الملائكة إذا نزلَ العذابُ مِن السَّماء، ما أتَّبع في (^٤) العلمِ إلَّا ما يَأتيني به الوحيُ، ولم يأتني الوحيُ بوقتِ عذابكم، وهذا كلُّه جوابُ قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتملُ أن يكونَ معناه: لا أقولُ شيئًا مِن هذا، ولو قلت: عندي خزائن اللَّه، وأنا أعلمُ الغيبَ، ولي قوَّةُ الملَك، كان ذلك أشدَّ
_________________
(١) في (ف): "أريده".
(٢) بعدها في (ر): "الأليم".
(٣) في (أ): "ما"، وفي (ف): "لا".
(٤) في (ف): "من".
[ ٦ / ٧٥ ]
لاتِّباعِكم لي وطاعتِكم (^١)، لكن أقولُ: أنا بشرٌ مثلُكم يوحى إليَّ، ما أتَّبعُ إلَّا الوحيَ، لتَعلموا أنِّي صادقٌ في قولي، مُحِقٌّ في دعواي (^٢).
وتعلَّقت المعتزلةُ بظاهرِه في تفضيلِ الملَك على البشر، وليس لهم به متعلَّقٌ لما قلنا: إنَّه أرادَ (^٣) قوَّةَ الملَك في البطش، أو اختصاصَهُ بمشاهدةِ ما في السَّماء، دون الفضلِ والقَدْر.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: فأبصروا رشدَكم بقبول إنذاري؛ فإنَّه لا يَستوي الأعمى عنِ الرُّشد والبصيرُ بالرُّشد، أفلا تتأمَّلونَ بقلوبِكم ما فيه رُشدُكم؟
قال قتادة: ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: الكافرُ والمؤمن (^٤).
وقال سعيد بن جبير ومجاهد: الضَّالُّ والمهتدي (^٥).
وقال مقاتل: أفلا تتفكرون أنهما لا يستويان (^٦).
وقيل: هذا استفهامٌ بمعنى الأمر؛ أي: فتفكروا.
وقال الإمام القشيري ﵀: أي: لا أتخطَّى خطِّي، ولا أتعدَّى حدِّي، ولا أثبتُ شيئًا مِن ذات نفسي، وما أتَّبع إلَّا أمرَ ربِّي (^٧).
_________________
(١) بعدها في (ر): "منا".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٨٩).
(٣) بعدها في (ر): "به".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٥٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٩٦) (٧٣٢٣)، (٧٣٢٥).
(٥) ذكره عنهما الواحدي في "البسيط" (٨/ ١٥٤)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٥٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٩٦) (٧٣٢٢)، (٧٣٢٤) عن مجاهد.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٦٢).
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٧٤).
[ ٦ / ٧٦ ]
(٥١) - ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: خَوِّف بالقرآن، فقد سبق ذكره: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ وهم المؤمنون؛ أي: إنَّ الكفَّار المقتَرحين ليسوا بقابِلين إنذارَك، فاصرفِ الآن إدامةَ الإنذارِ إلى المؤمنين الذين يخافون البعثَ والحسابَ والجزاء.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾؛ أي: لا ناصرَ لهم غيرُ اللَّه، ولا شافعَ يستوهِبُ ذنوبَهم؛ أي: الشفعاءُ إنَّما يَشفعونَ بإذن اللَّه، فهو مِن اللَّه تعالى في الحقيقة.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: ليَتَّقوا في المستأنَفِ، ويَثبتُوا على الإيمان.
وقال مقاتل: هم الموالي وفقراءُ العرب، ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ﴾: قريبٌ ينفعُهم، ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ في الآخرةِ يَشفعُ لهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي (^١). وهم جماعةٌ مسمَّون، يذكرون في الآية التي تليها قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾.
وقيل: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ الكلَّ، وإنَّما ينتفع به ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]، ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾؛ أي: للكفَّار، وكانوا يقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت: ٤١].
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٦٢).
[ ٦ / ٧٧ ]
(٥٢) - ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قال مقاتل: نزلت الآيةُ في الموالي؛ عمَّار، وبلال، وصُهَيب، وخبَّاب، وسالم، ومِهْجَع، وسعدِ بن مالك، وسلمان الفارسي، وعامر، وابن مسعود، ونحوهم، وذلك أنَّ أبا جهلٍ وأصحابَهُ -لعنهم اللَّه- قالوا: انظروا إلى هؤلاءِ الذين اتَّبعوا محمَّدًا مِن موالِينا وخدمِنا، رذالة النَّاس، وأوباش كلِّ حي، فذكروا ذلك لأبي طالب، فقال أبو طالبٍ لرسول اللَّه -ﷺ- (^١): لو طردتَ هؤلاءِ عنك، لعل سراةَ قومِك يتَّبِعونك، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٢).
وقال السُّدِّيُّ: جاء الأقرعُ بنُ حابس، وعيينةُ بنُ حصن، فوجدا رسولَ اللَّه -ﷺ- مع بلالٍ وصُهيبٍ وخبَّابٍ وناسٍ مِن ضُعفاءِ المسلمين، فحَقَروهم، فخلَوا به، فقالوا: نُحِبُّ أنْ تجعلَ لنا منك مجلسًا، تَعرِفُ به العربُ فضلَنا؛ فإنَّ وفودَ العرب تأتيكَ، فنَستحي أنْ ترانا مع هؤلاء الأَعبُد، فإذا نحنُ جئناكَ، فاطردهُم عنك، فإذا نحن فَرَغْنا، فاقعد معهم، قال: "نعم"، قالوا: فاكتب لنا بذلك كتابًا، فدعا عليًّا ليكتُبَ ونحن قعودٌ في ناحيةٍ، فنزلَ جبريلُ ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ الآية، ثمَّ ذكرَ الأقرعَ وعيينةَ، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية (^٣).
_________________
(١) بعدها في (ر): "ذلك وقال".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٦٢ - ٥٦٣).
(٣) رواه ابن ماجه في "سننه" (٤١٢٧)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٩٧) (٧٣٣١) من طريق السدي عن أبي سعد الأزدي عن أبي الكَنود عن خباب ﵁. وضعف إسناده محقق "سنن ابن ماجه".
[ ٦ / ٧٨ ]
وقال جُبير بنُ نفير: إنَّ قريشًا أتوا رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقالوا: إن كُنت أُرسِلتَ إلينا، فاطرُد هؤلاء السُّقَّاط عنك، فنكونَ مِن أصحابِك، فركن إليهم، فأنزل اللَّه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية، وأنزل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ الآية (^١).
وقال الكلبيُّ: قال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: "نهاني اللَّه عن طرد هؤلاء"، فقالوا: اجعل لنا يومًا ولهم يومًا، فقال: "لا أفعل"، قالوا: فاجعل المجلسَ واحدًا، وأَقْبِل علينا، ووَلِّ ظهرَكَ إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذهب عامَّةُ أهلِ التَّاويل إلى أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- همَّ بطرد هؤلاء، فعاتَبهُ اللَّهُ في ذلك، ولكنَّه بعيدٌ سمِجٌ؛ يَنسِبون النَّبيَّ -ﷺ- إلى أقبحِ فعلٍ وأوحشِه، ولا يَحتمِلُ أن يكون النَّبيُّ -ﷺ- يُقرِّبُ الأعداءَ، ويُبعِدُ الأولياء، ولو فعلَ ذلك لوجدَ الكفرةُ عليه مطعنًا، يقولون: يَدعو النَّاسَ إلى الإيمانِ به والتَّوحيدِ والاتِّباع له، فإذا فعلوا ذلك وأجابوهُ، طردَهُم، وأبعدَهم (^٣)، هذا لعَمري مدفوعٌ في عقلِ كلِّ عاقلٍ، ولكن يَجوزُ أن يكونَ طلبَ ذلك منه أولئك، فأمَّا أنْ يَهُمَّ هو بذلك، فلا يجوزُ، إلَّا أنْ يكونَ هذا مِن اللَّه ابتداءَ تأديبٍ وتعليمٍ له في صُحبة أصحابِه ومعاملتِهم، وإخبارًا عن عظيم قدرهِم عنده (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾؛ أي: لا تُبعِد.
_________________
(١) أورده الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٥٠).
(٢) انظر: المصدر السابق، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٤٦).
(٣) في (أ): "أو بعَّدهم".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٩١ - ٩٢).
[ ٦ / ٧٩ ]
قال ابنُ عباسٍ ﵄: يَعبدون (^١) ربَّهم بالصَّلاة المكتوبة، وكذا قال الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك (^٢).
وقال إبراهيم النَّخعيُّ: هو الذكر (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ يُشبِهُ أنْ يكونوا مجتمعِين إلى النَّبيِّ -ﷺ- في كلِّ غداةٍ وعشيٍّ، فيستمعونَ منه، ثمَّ يتفرَّقون كما هو المعتادُ مِن الاجتماعِ عند الفقهاءِ.
ويَحتملُ أنْ يكونَ المرادُ به الليلَ والنَّهارَ، كما في قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢].
وجائزٌ أن يكونوا أصحابَ مكاسِبَ، يَجتمعون عنده بالغداةِ والعشِيِّ، ثمَّ يَتفرَّقون للكسبِ.
وجائزٌ أن يكون المرادُ به صلاةَ الغداةِ والعشيِّ؛ فإنَّه لا يَشهدُهما إلَّا أهلُ الإيمان، فأمَّا أهلُ النِّفاقِ (^٤)، فكانوا يَشهدون غيرَهما مِن الصَّلوات (^٥).
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾؛ أي: يَطلبون بدعائِهم وذِكْرِهم وصلاتِهم وعبادتِهم رضاهُ.
_________________
(١) في (ف): "يدعون".
(٢) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٦٣ - ٢٦٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
(٤) يشير إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٥٧)، ومسلم في "صحيحه" (٦٥١) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٩٢ - ٩٣).
[ ٦ / ٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: إنَّ حقائقَ أمورِ العباد إنَّما تَرجعُ إلى الأعمال التي يُحاسِبهم اللَّه عليها يوم الحشر، لا إلى حسبٍ ورياسة، وضَعةً ودناءةً، بل الجميعُ سواءٌ في حكم اللَّه تعالى، وإنَّما عليك اعتبارُ أحوالِ النَّاسِ في إيمانِهم بك وكفرِهم، وهو كما أخبرَ عن نوحٍ ﵇ أنَّ قومَه قالوا له: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١١ - ١١٤].
وقيل: أي: أرادَ بالحسابِ الجزاءَ.
وقيل: أرادَ به المؤنة.
وقوله تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جوابُ الجحد بالفاء، وهو قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جوابُ النهي بالفاء، وهو قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾؛ أي: إنْ فعلتَ ذلك، كنتَ وضعْتَ التَّقريب والتَّبعيدَ غير موضعهما.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ويجوزُ أنَّ أولئك (^١) لم يَكونوا أهلَ الحكمة، وقد قال النبيُّ -ﷺ-: "مَن وضعَ الحكمةَ في غيرِ أهلِها فقد ظلمها، ومن مَنعَها مِن أهلِها فقد ظلمهم" (^٢).
وقد ذكرنا معنى النَّهي عن هذا ونحوه أنَّه تعليمٌ لغيرِه، ويجوزُ أن يكون له وإن كان معصومًا؛ لأنَّ العصمةَ لا تُزيلُ المِحْنةَ، ولا تَرفعُ النَّهيَ.
_________________
(١) في (أ): "هؤلاء" وفي (ر): "أن يكون أولئك" بدل: "أن أولئك".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٩٣)، ولم يرفع الحديث إلى رسول اللَّه -ﷺ-، بل قال: روي في الخبر، وأورد الديلمي في "الفردوس" (٤٦٣٣) عن ابن عباس قال: قام عيسى بن مريم فقال: يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها، ألا أخبركم بشراركم؟ من نزل وحده. . .
[ ٦ / ٨١ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هذه وصيةٌ للنَّبيِّ -ﷺ- في بابِ الفقراء والمستَضعفين، وذلك لمَّا قصُر لهم لسانُ المعارضةِ واستدفاعِ ما عرضَ لهم مِن إخلاءِ الرَّسولِ مجلسَه عنهم، سكتوا متصدِّعينَ (^١) بقلوبهم بين يدي اللَّه ﷿، داعين له بحسنِ الابتهال، فتولَّى الحقُّ سبحانَه خصومتَهم، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، لا تَنظر يا محمَّد إلى خرقتهم على ظواهرِهم، وانظر إلى حُرْقَتِهم في سرائرِهم، كانوا مستورين، فشهرَهُم اللَّهُ في بحبوحةِ الهِداية، بإرسالِ جبريلَ إلى محمَّدٍ بهذه الآية، ولولا أنَّه ﷾ قال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فشهدَ لهم بالإرادة، وإلَّا فمَن كان يَتجاسرُ أنْ يقولَ: إنَّ مخلوقًا يُريدُ الحقَّ ﷾.
وقد تكلَّموا في الإرادة فأكثروا، وتحقيقُها: اهتياجٌ يَحصلُ في القلب، يَسلبُ القرارَ مِن العبدِ حتَّى يَصِلَ إلى اللَّه، فصاحبُ الإرادةِ لا يَهدأُ ليلًا ولا نهارًا، ولا يَجدُ مِن دون وصولِه إليه سكونًا ولا قرارًا، والمريدُ حمول، كما قال قائلُهم:
ثمَّ قطعتُ اللَّيلَ في مهْمَهٍ لا أسدًا أخشى ولا ذيبَا
يَغلِبُني شَوقي فأَطْوي السُّرى ولم يَزلْ ذو الشَّوقِ مغلوبا
وقيَّد دعوتَهم بالغداةِ والعشيِّ دون الإرادة؛ لأنَّها مِن الأعمالِ الظَّاهرةِ، وهي مؤقتَّةٌ، وأدامَ إرادَتهم، فاستغرقَت جميعَ أوقاتِهم؛ لأنَّها مِن الأحوال الباطنة، وهي مؤبَّدةٌ، أصبحوا لا سؤلَ لهم في دنياهم، ولا مطلوبَ لهم في عُقباهُم، ولا همَّ لهم سوى حديثِ مولاهم (^٢).
_________________
(١) في "لطائف الإشارات": "متضرعين".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦).
[ ٦ / ٨٢ ]
(٥٣) - ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قال الحسن وقتادة: أي: امتحنَّا وابتلينا بعضَ هؤلاءِ القومِ ببعض (^١)، فامتحنَّا الرؤساءَ منْهم بالصَّبرِ على قربِ منازلِ الضُّعفاءِ مِن النَّبيِّ -ﷺ-، وامتحنَّا الضُّعفاء بالصَّبرِ على الضَّعفِ والفقر، وعلى أذى الرؤساء، وهو كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠]، ثمَّ أخبرَ عمَّا انكشفَت عنه هذه الفتنةُ، وهو أنَّ الفقراءَ صبروا، والرؤساءَ اضطربوا، فقالوا: وهو:
قوله تعالى: ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قال قتادة: قال الوليدُ بنُ المغيرة، والأسودُ بنُ عبد المطلب، والأسودُ بن عبدِ يَغوث، والعاص بنُ وائل، والحارثُ بنُ قيس، وعبدُ العُزَّى بنُ عبد المطلب، وعتبةُ، وشيبةُ، والأسودُ بنُ عبد الأسد، والنَّضرُ بنُ الحارث، وأبو جهل بنُ هشام -لعنهم اللَّه-: أي: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ الفقراء والضعفاء ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أنعمَ اللَّه عليهم من بيننا، فأعطاهم الإيمانَ والتوحيد، ولم يُعطِنا؟!
قال الكلبي: كان الشريفُ مِنهم إذا نظرَ إلى الوضيعِ قد آمنَ قبلَهُ، حميَ أنفًا أنْ يُسلِمَ، ويقولُ: هذا سبقَني بالإسلام، فلا يسلم (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ بالفهم والحفظ؛ يَفهمُ هؤلاء منه، ولا نَفهمُ نحن، ويَحتمل: ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٨٠٠)، والطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٧٠) عنة قتادة.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٥١).
[ ٦ / ٨٣ ]
بَيْنِنَا﴾ بالتَّقريبِ في المجلسِ، وجعلِهم مَتبوعين مِن بيننا، بعد أنْ كانوا أتباعًا لنا (^١).
* * *
(٥٣) - ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ المطيعينَ للَّه، الذين شكروا إنعامي؛ بإرسالِ الرسول، وإنزالِ الكتاب، فهم أولى بإعطاءِ الإسلام ممَّن يَرجعُ إلى حسبٍ رفيعٍ، ومالٍ كثيرٍ، ولا يَنقادُ لأمري، ولا يؤمِنُ بي.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أمَّا الفاضلُ فلْيَشكُر، وأمَّا المفضولُ فلْيَصبِر.
ويقال: سبيلُ المفضولِ على لسان أهل (^٢) المحبَّةِ الشُّكرُ، ولا يَتقاصر شكرهُ عن شكرِ الفاضل، وقال قائلٌ (^٣) في معناه:
أتاني مِنكِ سبُّك لي فسُبِّي أليس جرى بفيكِ اسمي فحسبي (^٤)
وقال آخر:
وأنَّ فؤادًا رُعْتَهُ لك شاكرٌ وأنَّ دمًا أجريتَهُ لكَ حامِدُ (^٥)
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٩٥).
(٢) لفظ: "أهل" ليس في (ر) و"لطائف الإشارات".
(٣) في (ر): "قائلهم".
(٤) البيت لأبي نواس، وهو في "ديوانه" (٤/ ١٦).
(٥) "لطائف الإشارات" (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧)، والبيت للمتنبي، وهو في "ديوانه" (٣/ ٢١٢) (شرح المعري)، وروايته فيه: وأنَّ دمًا أجريتهُ بك فاخرٌ وأنَّ فؤادًا رُعْتَهُ لكَ حامدُ
[ ٦ / ٨٤ ]
(٥٤) - ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: وإذا أتاكَ المؤمنون بالقرآنِ وسائرِ الآيات؛ مِن العُربِ والعَجَم، والرُّؤساءِ والأتباع، فابدأهم بتحيَّةِ الإسلام، وكلمةِ السَّلام، وقل: سلامٌ عليكم، وهو الدُّعاءُ بالسَّلامة من الآفاتِ كلِّها، في الدِّينِ والنَّفسِ والمال.
وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾؛ أي: وعدَكم بالرَّحمةِ وعدًا مؤكَّدًا.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف (^١): ﴿إنَّه﴾ ﴿فإنه﴾، كلاهما بالكسرِ على الاستئناف فيهما، أو على إضمارِ القولِ في الأوَّل.
وقرأ عاصم وابنُ عامر وسهلٌ ويعقوب (^٢) بالفتح فيهما؛ ترجمةً عن الرَّحمة؛ أي: كتب ﴿أَنَّهُ﴾ ﴿فَأَنَّهُ﴾.
وقرأ نافعٌ وأبو جعفر (^٣): ﴿أَنَّهُ﴾ بالنَّصب ﴿فإنَّه﴾ بالكسر (^٤)، وأوقع: كتبَ على الأوَّل، واستأنفَ الثَّاني، و"إنَّ" كلمةُ تأكيد، وإنَّما كرَّرَ مبالغةً في التَّاكيد، ولأنَّه حالَ بين الأولى وخبرِها حائلٌ، فأُعيدَت في موضعِها، كما في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥].
_________________
(١) قوله: "وخلف" من (ف).
(٢) قوله: "وسهل ويعقوب" من (ف).
(٣) "وأبو جعفر": من (ف).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٥٨)، و"التيسير" (ص ١٠٢)، و"النشر" (٢/ ٢٥٨).
[ ٦ / ٨٥ ]
والجهالة: هي جهلُ عاقبةِ الأمر، والتَّوبة: الرُّجوعُ عن الذَّنب، والإصلاحُ: تحقيقُ التَّوبةِ بإصلاح الأعمال، وقيل: هو قضاءُ الفوائتِ وردُّ المظالم.
وقيل في نزول الآية: لمَّا نزل قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ قال الرؤساء: اجعل لهم يومًا ولنا يومًا، نؤمنْ بك، ونَتَّبِعْك، ونأتيك، وكان النبيُّ -ﷺ- حريصًا على إسلام المشركين، فشاورَ عمرَ في ذلك، فأشارَ إليه بالإجابة، فواعدَهم أن يأتيَهم يومًا، فتَهيَّئوا ولبسوا وتعطَّروا وتجمَّلوا (^١) وزيَّنوا الدَّار، فخرجَ رسولُ اللَّه -ﷺ- يَقصِدُهم، وقد قام الفقراءُ على الطَّريقِ في ثيابِهم الرَّثَّة، وقد جاء جبريلُ ﵇ وتَزيَّا بزِيِّهم، وقال: يا محمَّدُ، إلى أين؟ فقال: "إلى ملأ (^٢) من قريش؛ واعدتُهم رغبةً في إسلامهم"، فوضع يدَهُ على صدرِهِ وصَرَفَه (^٣)، وقرأ عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية، فانصرفَ، وخَجِلَ عمرُ ﵁، ودخلَ المسجدَ باكيًا، وفارقَ موضعَهُ المعروف؛ حياءً مِن رسولِ اللَّه -ﷺ-، ونزل في شأن عمرَ وأصحابه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (^٤).
وقال عكرمةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: الذين يَدعونَ ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ، وكان النَّبيُّ -ﷺ- إذا رآهُم بدأَهم بالسَّلام، وقال: "الحمدُ للَّه الذي جعلَ في أمَّتي مَن أمرَني أن أبدأَهم بالسَّلام" (^٥).
_________________
(١) بعدها في (ف): "وتزينوا".
(٢) في (أ): "الملأ".
(٣) في (أ): "ورقه".
(٤) روى الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٦٢ - ٢٦٣) نحوه عن عكرمة. وهو خبر منكر سبق من المصنف نقل كلام الماتريدي في إنكار أمثاله قريبًا.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٥١ - ١٥٢)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ٢١٤)، وهو مرسل.
[ ٦ / ٨٦ ]
وقال أنسٌ ﵁: أتى رسولَ اللَّه -ﷺ- رجالٌ، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّا أصبنا ذنوبًا كثيرةً وعظيمة، فسكتَ عنهم رسولُ اللَّه -ﷺ-، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية (^١).
وقيل: نزلَتِ الآيةُ في وحشيٍّ قاتلِ حمزةَ ﵁، لمَّا جاءَ يُسلِّم، كان يستحي مِن الدُّخولِ على رسول اللَّه -ﷺ- لِما جنى في حقِّ عمه، فأمرَهُ اللَّهُ تعالى أن ابتَدِئهُ بالسَّلام؛ تَسكينًا لقلبه.
وقال أهل المعاني (^٢): السَّلامُ كلمةُ أمانٍ، فأمرَ النَّبيَّ -ﷺ- بأن يبدأَ بالسَّلام مَن أتاه للإسلام؛ إثباتًا لأمانِه عند إيمانِه، ولمَّا قرُبَ خروجُ النَّبيِّ -ﷺ- مِن الدُّنيا، كان يَهتم لانقطاع سلامِه عن أمَّتِه، فقيل له: إنَّ جبريلَ يَنزلُ كلَّ ليلةِ قدرٍ مع الملائكةِ، فيُسلِّم على كلِّ مسلمٍ، وملكُ الموتِ وأعوانُه إذا نزلوا لقبضِ روحِ المؤمن سلَّموا عليه، قال تعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وفي القيامة يَستقبلُ الملائكةُ المؤمنين، فيَقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وعند دخول الجنَّة يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، ويقول اللَّه تعالى بلا واسطةٍ: سلامٌ عليكم أحبابي وأوليائي، وذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].
* * *
(٥٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو وابنُ عامرٍ، وسهلٌ ويعقوب (^٣)، وعاصمٌ في رواية حفص بتاءِ التَّانيث،
_________________
(١) ذكره عن أنس ﵁ الثعلبيُّ في "تفسيره" (٩/ ١٥٢)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٣٠٠) (٧٣٤٥) عن ماهان الحنفي، وكذا أورده عنه الواحدي في "أسباب النزول" (ص ٢١٤).
(٢) في (ف): "المعنى".
(٣) قوله: "وسهل ويعقوب" من (ف).
[ ٦ / ٨٧ ]
و﴿سَبِيلُ﴾ بالرَّفع؛ لأنَّها فاعلةٌ وهي مؤنَّثةٌ سماعًا، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، ومعناه: ولتَظهرَ.
وقرأ حمزةُ والكسائيَّ وخلف (^١)، وعاصمٌ في رواية أبي بكر، وحمَّاد (^٢) بياء التذكير، و﴿سَبِيلُ﴾ بالرفع، وهو مذكَّرٌ أيضًا في لغة بني تميم، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، والتأنيث لغة أهل الحجاز والمدينة (^٣) والقرآن نزل بهما.
وقرأ نافعٌ وأبو جعفر (^٤) بتاء المخاطبة ﴿سبيلَ المجرمين﴾ بالنَّصب (^٥) على أنَّه مفعولٌ، ومعناه: لِتَعلم يا محمَّدُ سبيلَ المجرمين.
يقول: وكذلك نُبيِّنُ الآياتِ ونفتِنُ البعضَ بالبعضِ، ونخاطبُك بمعاملة الرُّؤساءِ والفقراء؛ ليظهرَ أنَّ كفرَ الكافرين؛ لعنادِهم، لا لخفاءِ الحقِّ.
ومعنى الواو في قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ إضمارُ فعلٍ قبلَه، ثمَّ العطفُ عليه، وتقديرُه: ليَظهرَ الحقَّ، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، وفي آخرِه إضمارٌ أيضًا: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ مِن سبيل المؤمنين، وإنَّما حذفَ اختصارًا لوضوحه بدلالة الحال، كما في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحرَّ والبرد.
وقيل: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: كما فصَّلنا لكمُ الآياتِ نُفصِّلُها لغيرِكم.
_________________
(١) قوله: "وخلف" من (ف).
(٢) قوله: "وحماد" من (ف).
(٣) قوله: "والمدينة" من (ف).
(٤) قوله: "وأبو جعفر" من (ف).
(٥) انظر: "السبعة" (ص ٢٥٨)، و"التيسير" (ص: ١٠٣)، و"النشر" (٢/ ٢٥٨).
[ ٦ / ٨٨ ]
وقيل: كما فصَّلنا لكم الآياتِ في مُحاجَّة المشركين، نُفصِّل لكم الآياتِ في كلِّ ما بكم إليه حاجةٌ مِن أمور الدين.
وقيل في قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾: فتَجتنبوه، من سبيلِ المؤمنين فتَلزموهُ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يَحتمِل: نُبيِّنُ الآياتِ مع ما يَعرِفُ السَّامِعون أنَّها آيات مِن عند اللَّه غيرُ مخترعةٍ مِن عند الخلق.
ويَحتملُ: نُبيِّنُ مِن الآياتِ ما يَفصِلُ بين المجرمين وبين المهتَدين، فيَتبيَّنُ سبيلُ هؤلاء مِن هؤلاء (^١).
* * *
(٥٦) - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال بعضُ المشركين لرسول اللَّه -ﷺ-: استلم بعضَ آلهتِنا حتَّى نؤمِنَ بإلهك، فقال اللَّه تعالى له: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: الأصنامَ، والملائكة، والشَّياطينَ والجِنَّ.
و﴿تَدْعُونَ﴾؛ أي: تَدعونه إلهًا، وقيل: أي: تعبدون، وقيل: أي تَدعونهُ في مُهمَّاتِ أمورِكم للإجابة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾؛ أي: في هذا، وفي طرد الذين يَدعون ربَّهم، وفي كلِّ شيء.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٩٦).
[ ٦ / ٨٩ ]
وقوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: لو فعلتُ ذلك لكنتُ ضَلَلتُ طريقَ الحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: إلى طريقِ الحقِّ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾؛ أي: صرِّح بالاعترافِ بجميل (^١) ما خصصناكَ به؛ مِن وجوهِ العِصْمَة، وأنواعِ النِّعمة، وأخبِرهم أنَّك في كَنَفِ الإيواء تَتقلَّب، وفي قبضة الصَّونِ تتصرَّف، فلا للهوى عليك سلطانٌ، ولا لك عن محلِّ التَّحقيقِ تباعدٌ، ولا عن الحضورِ غيبةٌ (^٢).
* * *
(٥٧) - ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾؛ أي: على بيانٍ فاصلٍ بين الحقِّ والباطل، وهو النُّبوَّةُ ونزولُ الوحي.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنِّي (^٣) على حجَّة، تخبِر أنَّ ما يعبدُ هؤلاء، يعبدون اتِّباعًا لهوى أنفُسِهم، وهو يَعبدُ اللَّه اتِّباعًا للحُجَّةِ والعقل، وما (^٤) يُتَّبع بالهوى يَجوزُ أن يتركه صاحبُه، ويتَّبعَ غيرَه لما تهوى نفسُه هذا بعد الأوَّل، فأمَّا ما يُتَّبعُ بالحجَّة والعقلِ والسَّمع، [فإنَّه] لا يَجوز أن يَتركَ اتِّباعَه،
_________________
(١) في (ر): "بجميع".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٧٨).
(٣) في (ر): "أي".
(٤) في (ف): "بخلاف ما" بدل: "وما".
[ ٦ / ٩٠ ]
ويتَّبِعَ غيرَه، وفيه تسفيهُهم على التَّعريض، ولهذا قال: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي﴾ قال الزَّجَّاج: البيانُ والبَيِّنةُ واحدٌ، فلذلك ذكَّرَ (^٢)، وهو كقوله: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨]؛ لأنَّه (^٣) بمعنى الإنعام.
وقيل: أي: كذَّبتُم بمدلولِ البيِّنةِ.
وقيل: أي: كذَّبتُم بربِّي؛ لأنَّه قد سبقَ ذِكرُه.
وقوله تعالى: ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ أي: مِن العذاب.
وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ما القضاءُ إلَّا للَّه في إنزالِه وتأخيرِه وفي كلِّ شيء.
وقوله تعالى: ﴿يَقُصُّ (^٤) الْحَقَّ﴾؛ أي: يُتِمُّ الحقَّ، وقيل: يَحكُم بالحقِّ.
ومعنى قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ مع أنَّ القُضاةَ لهم أحكامٌ نافذةٌ: أنَّ الحكمَ الذي يَفصِلُ الحقَّ (^٥) مِن الباطل على الحقيقة هو للَّهِ ﷿ وحده.
وقرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو جعفر (^٦) وعاصمٌ: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ بالصَّاد (^٧)، من: قَصَّ يَقُصُّ؛ أي: يُخبِرُ بالحقِّ، ولا خُلْفَ في وعدِه ووعيده (^٨).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٩٧)، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٥٦).
(٣) في (ف): "الآية" بدل: "لأنه".
(٤) كذا في النسخ، وهي قرأءة أبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي، وستأتي قراءة الباقين قريبًا.
(٥) في (ر): "الحقيقة".
(٦) قوله: "وأبو جعفر" من (ف).
(٧) انظر: "السبعة" (ص: ٢٥٩)، و"التيسير" (ص: ١٠٣)، و"النشر" (٢/ ٢٥٨).
(٨) قوله: "ووعيده" ليس في (ف).
[ ٦ / ٩١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾؛ أي: القاضين بين عبادِه؛ لأنَّه لا يَخفى عليه الحقُّ والصَّواب.
* * *
(٥٨) - ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ أي: مِن العذاب، قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [العنكبوت: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لأتمَّ الأمرَ بيني وبينكم بتعجيلي ذلك لكم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ وهو يُنزِلُ عليكم العذابَ للوقتِ الذي يَعلمُه أردعَ وأمنع.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نزلت هذه الآية والتي قبلها في: النَّضرِ بن الحارث ورؤساءِ قريش، كانوا يقولون: ائتنا بالعذابِ الذي تَعِدُنا، وقام النَّضرُ بنُ الحارث في حَطيمِ الكعبة، فقال: اللهمَّ إنْ كان ما يقولُ محمَّدٌ حقًّا فأتنا بالعذاب، فوقع ذلك به يومَ بدر (^١).
قال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلَت في النَّضر بن الحارث ثماني آيات: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]، ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾
_________________
(١) أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٥١) من رواية أبي صالح عن ابن عباس، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢١٤) من قول الكلبي.
[ ٦ / ٩٢ ]
[الحج: ٤٧]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦]، ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٨]، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي قل: إنَّ اللَّهَ تعالى لم يغادرني في فقر التَّطلُّب والتباسِ التَّحيُّر، وأغناني عن كدِّ الاستدلال، ولوَّحَ لي شموسَ التَّحقيق، ولئن بَقيتُم في ظُلمةِ الالتباس، فليس لي (^٢) قدرةٌ على إزالةِ ما مُنِّيتُم (^٣) به مِن التَّحيُّر، ونفيِ ما امتُحِنتُم به من التَّردُّد، ولو أنَّ عندي تعجيلَ ما طلبتم، لأجبتُكم إلى ما سألتُم، لكنَّ المنفردَ بالحكم اللَّهُ الحميدُ، ولا يُعارَضُ فيما يُريد (^٤).
* * *
(٥٩) - ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (^٥) مفاتح: جمعُ مِفْتَح، بكسر الميم، وهو الإقليدُ الذي يَفتح، وفي قوله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ هي جمع
_________________
(١) لم أقف عليه يهذا السياق، ورواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" (١/ ٣٠٠) لكنه ذكر من الآيات قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥]، وأجمل البقية بأنها كل ما ذكر فيه الأساطير في القرآن، وكذا رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٩٩ - ٤٠٠) من طريق ابن إسحاق.
(٢) في (ر) و(ف): "عندي".
(٣) في (أ): "منعتم".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٤٧٨ - ٤٧٩).
(٥) بعدها (أ): "هو"، وفي (ر): "لا يعلمها إلا هو".
[ ٦ / ٩٣ ]
مَفتَح بفتح الميم، وهي الخزانةُ التي فيها المال، تُفتَح وتُغلق.
ويتَّصِلُ هذا بالآية الأولى: ليس عندي علمُ وقتِ العذاب، وعند اللَّه ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾؛ أي: عند اللَّه الأشياءُ التي يُفتَح بها المنغلِقُ مِن الأمور التي يَغيبُ علمُها عن الخلق.
وقيل: أي: هو العالِمُ بكلِّ شيءٍ مِن مبتدئِه إلى منتهاه.
قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ لا يَعلمُ الأشياءَ على حقائقها جملةً وتفصيلًا ﴿إِلَّا هُوَ﴾.
وقال عطاء: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: ما غابَ عنكم مِن الثَّواب والعقاب، وما يَصيرُ إليه أمري وأمرُكم (^١).
وروى ابنُ عمر ﵄ عن رسولِ اللَّه -ﷺ- أنَّه قال: "مفاتحُ الغيب خمسة لا يَعلمها إلا اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ والعبادُ يَعلمون أنَّ في البحرِ ماءً وحيتانًا، وفي البرِّ رملًا وحصًى وأشجارًا وأوراقًا وأغصانًا، واللَّهُ يعلم مقاديرَها، وظواهرَها وبواطنَها، وما أودعَ فيها.
وقوله تعالى ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: ما مِن شجرةٍ في برٍّ ولا بحرٍ إلَّا بها ملكٌ موكَّلٌ يَكتبُ ما يَسقطُ من ورقِها (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٥٤).
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" (٤٦٢٧).
(٣) رواه سعيد بن منصور (٨٨١ - تفسير)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٠٤) (٧٣٦٩).
[ ٦ / ٩٤ ]
وقال كعب: وُكِّل بها ملكان؛ يَكتبُ أحدُهما ما يَسقطُ مِنها، ويَكتبُ الآخرُ ما يطلع.
وقال أبو بكر بن عبدش (^١): ما تسقطُ مِن ورقةٍ إلَّا يَعلمُ كم انقلبَت ظهرًا لبطن، إلى أن سقطت على الأرض.
وفي التأويلات: قال بعضُ الحكماء: ما مِن ورقةٍ أو نباتٍ إلَّا وتُقدَّرُ بثلاثة أشياء، بالهواء، والأرضِ، والماء، فلو اجتمعَ حكماءُ العالم، لم يدركوا أنَّ الورقَ أو النَّبات؛ كم مقدارًا يأخذُ مِن الهواء، وما يأخذُ من الأرض، وما يأخذُ من الماء؟ ولم يُدرِكوا المعنى الذي به الحياةُ والتَّربيةُ، واللَّهُ تعالى يَعلمُ ذلك كلَّه، وكيف لا يَعلم، وبه أخذَ ما أخذ، وبه اجتمعَ وتَضمَّن وتَربَّى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ قال مجاهدٌ: أي: في جوف الأرض.
وقال سعيدُ بنُ جبير: ما مِن حبَّةٍ إلَّا مكتوبٌ عليها: هذا رزقُ فلان (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾؛ أي: إلَّا يعلمُها، وهذا للتَّعميم.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ هو اللَّوحُ المحفوظ.
_________________
(١) كذا وقع في أصل خطي لـ "تفسير الثعلبي" كما ذكر محققوه (١٢/ ٩٨) (طبعة دار التفسير) وفي مطبوعه نقلًا عن نسخة خطية أخرى: "عبدوس"، في (ر): "أبو بكر بن عبدس" وتحرف في (ف) إلى: "عبد اللَّه بن عباس"، ويروي الثعلبي الخبر عن شيخه أبي القاسم بن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦ هـ) عن ابن عبدش هذا، وفي "الأنساب" للسمعاني (٣/ ٣٢٧) "طبقات المفسرين" للداودي (٢/ ١٩٣ - ١٩٤): محمد بن عبدوس بن أحمد بن الجنيد أبو بكر المقرئ، المفسِّر، الواعظ، النيسابوري، إمام فاضل في القراءات، عالم بمعاني القرآن، سمع منه الحاكم، وأثنى عليه. ومات سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة. فالظاهر أنه هو، واللَّه أعلم.
(٢) لم أقف عليه عن سعيد، وأخرج الثعلبي في "تفسيره" (١٢/ ١٠٠ - ١٠١) (طبعة دار التفسير)، والخطيب البغدادي في "تاريخه" (٥/ ٢١٣)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٢٨١) نحوه من حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا، وضعف السيوطي إسناده في "الدر المنثور" (٦/ ٦٥)
[ ٦ / ٩٥ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: هو محفوظٌ كلُّه عند اللَّه، ويَحتمِلُ أن يكون معناه: ﴿فِي كِتَابٍ﴾؛ أي: في تقديرٍ وحكم.
وقيل: هو اللَّوحُ المحفوظ.
وقيل: هو ما يُكتبُ ليلةَ القدر -أو ليلة البراءة- مِن النسخ، ويُدفَعُ إلى الملائكة (^١).
و﴿إِلَّا﴾ بعد ﴿إِلَّا﴾ ليس للاستثناء من الاستثناء (^٢)، بل للجمع بمعنى الواو، كقولك: ما زيد إلَّا عند عمرٍو، إلَّا في دارِه.
وقال الحسن: إنَّما ذكرَ إثبات هذه الأشياءِ في اللَّوح المحفوظ؛ ليَعلمَ ابنُ آدمَ أنَّ عملَه أولى بالإحصاءِ؛ لأنَّه للحسابِ والجزاء (^٣).
ونظيرُ قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٨]، وكذا قوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣]، ومَن عنده المفاتحُ فله الخزائنُ، وله الملكُ والعِلْمُ والتَّصرُّفُ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: وعندَك مفاتِحُ الغيب، فمَنْ آمنَ بغيبِه، أسبلَ اللَّهُ السِّترَ على عيبِه (^٤).
* * *
(٦٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٠٠ - ١٠١).
(٢) قوله: "من الاستثناء" من (ر).
(٣) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ١٩٣).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٧٩).
[ ٦ / ٩٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾؛ أي: يُنيمُكم، وهو كقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، والتوفِّي في اللُّغةِ: هو قبضُ الشَّيء على تمامه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾؛ أي: كسبتُم، وجوارحُ الصَّيدِ: كواسِبُها، قولُه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] من ذلك، والاجتراحُ: الاكتساب، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، والجوارحُ: الأعضاء؛ لأنَّها كواسب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليس فيه أنَّه لا يَعلمُ ما جَرحْنا باللَّيل، ولا أنَّه لا يتوفَّانا بالنَّهار، فدلَّ أنَّ تخصيصَ الشَّيء في حالٍ بالذِّكرِ لا يَدلُّ على سقوطِ ذلك في حالةٍ أخرى (^١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: يُوقِظُكم من منامِكم في النَّهار.
وقوله تعالى: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ أي: ليُتِمَّ مدَّة الحياةِ.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: بالبعثِ بعد الموت.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا وعدٌ ووعيد.
* * *
(٦١) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قد فسَّرناه في هذه السُّورةِ مرَّة (^٢)؛ أي:
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٠٣ - ١٠٤).
(٢) عند تفسير الآية (١٨).
[ ٦ / ٩٧ ]
يُصرِّفُهم كيف يشاء، مِن يقظةٍ إلى نومٍ، ومِن نومٍ إلى يقظة، ومِن حياةٍ إلى موت، ومن موتٍ إلى حياة، لا كالأصنام التي اتَّخذتموها آلهةً، وهي لا تَضرُّ ولا تَنفع.
وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾؛ أي: ملائكةً كرامًا كاتبين، يَكتبون أعمالَكم وأقوالَكُم، فيحفظونها عليكم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذكر إرسالَ الحفظَةِ بعد قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾؛ ليُعلَمَ أنَّ إرسالَهم لم يكن لحاجته إلى ذلك؛ لأنَّ المُحتاجَ لا يكونُ قاهرًا، بل لحكمةٍ، وهي امتحانُ الحفَظة بما أمرَهُم به، وللَّه أنْ يَمتحِن عبادَه بما شاء، وأُخرى لتكونَ العبادُ على حذرٍ، وهذا أبلغُ في الزَّجرِ؛ لأنَّ مَن علِمَ أنَّ عليه رقيبًا كان أجدرَ بالحذرِ والنَّظر، وإن كان يَعلمُ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عليه بدونِه.
والحَفَظةُ هم كتبَةُ الأعمالِ عند بعضِهم، وظاهرُ نظمِ الآيةِ يَدلُّ على أنَّهم هم الذين يَحفظون أنفاسَ الخلقِ ويَعدُّونَها إلى وقتِ انقضائِها، ثمَّ يَقبِضون الرُّوح (^١)، ويدلُّ عليه ما بعده وهو قوله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾؛ أي: قَبضَتْ روحَهُ ملائكةٌ أرسلناهم غيرُ هؤلاء، وهم أعوانُ ملكِ الموت، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]؛ أي: هو الموكَّل به وحدَه، وهو الذي يَلِي ذلك وهؤلاء يُعينونه، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]؛ أي: هو المقدِّرُ ذلك.
وقال ابنُ عباس ﵄: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾: قبضَهُ ملكُ الموت، وأعوانُه سبعة مِن ملائكةِ الرَّحمةِ، وسبعةٌ مِن ملائكة العذاب، فإذا قبضَ ملكُ الموتِ نفسًا
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٠٦ - ١٠٧).
[ ٦ / ٩٨ ]
مؤمنةً، دفعَها إلى ملائكة الرَّحمة، وإذا قبضَ نفسًا كافرةً دفعَها إلى ملائكةِ العذاب (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يؤخِّرونهُ طرفةَ عين (^٢) ومعناه في اللُّغة: لا يُقصِّرون، والمرادُ به: لا يُقدِّمون ولا يؤخِّرون.
* * *
(٦٢) - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾؛ أي: رُدَّ المتوفَّون بردِّ الملائكة.
وقيل: بردِّ اللَّهِ بالبعثِ والحشر.
﴿مَوْلَاهُمُ﴾؛ أي: مالكهم، ﴿الْحَقِّ﴾ لا كموالي الدُّنيا المتغلِّبين.
وإن جُعلَ هذا في حقِّ الكفَّار فقوله: ﴿مَوْلَاهُمُ﴾ مع قوله: ﴿الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾: أنَّ المولى هاهنا هو المالكُ والسيِّدُ، وهناك: المعينُ والنَّاصر.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾؛ أي: يَنفُذُ حكمُه، لا حكم غيرِه فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾؛ أي: الرَّدُّ إليه للحساب والجزاء، ولا يَشغلُهُ حسابُ أحدٍ عن حساب غيره، ولا يكونُ فيه لبثٌ، ولا يَدخلُه غلطٌ، ولا من العبدِ لجاجٌ، فيُسرِّعُ حسابَهم، ويُعجِّلُ جزاءَهم.
_________________
(١) ذكره الرازي في "تفسيره" (٣٠/ ٧٣٤)، والقرطبي في "تفسيره" (٨/ ٤١٠) عن الكلبي. وأخرج الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٩١) عن ابن عباس ﵄ أنه قال في تفسير ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾: هم الملائكة أعوان ملك الموت.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" (ص: ١١١)، وأخرج الطبري في "تفسيره" (٩/ ٢٩٣) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٠٧) (٧٣٨٨) عن ابن عباس ﵄ أنه قال في تفسيرها: لا يضيعون.
[ ٦ / ٩٩ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ردَّهم إلى نفسِه، وما غابوا عن قبضتِه لحظةً (^١)، ولا خرجوا عن مشيئته خطرةً ولا لفظة، والرَّدُّ إلى مَن ربَّاك خيرٌ مِن البقاءِ مع مِن آذاك.
* * *
(٦٣) - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي، وظلماتٌ البرِّ والبحر: شدائدُهما، ويقالُ لليوم الذي فيه شِدَّةٌ: يومٌ مظلم، ويومٌ ذو كواكب، وأنشد:
بني عمِّنا هل تَذكرونَ بلاءَنا إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أشهَبُ (^٢)
ويجوزُ أنْ يُرادَ بها عينَ الظُّلمات، فقد يقعُ ذلك في البرِّ والبحرِ في أوقات النكبات.
ويجوزُ أنْ يُراد بها عينَ الظُّلماتِ في اللَّيل في البرِّ والبحرِ في السَّفر.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٠).
(٢) لم يرد البيت في (ف). ولم أقف عليه بهذه الرواية، وذكر نحوه سيبويه في "الكتاب" (١/ ٤٧)، ونسبه لعمرو بن شأس، وروايته عنده: بني أسدٍ هل تعلمون بلاءنا إذاكان يومًا ذا كواكبَ أشنعَا وذكر سيبويه قبله لمقَّاس العائذي: فدًى لبني ذهلِ بن شيبان ناقتي إذا كان يومٌ ذو كواكب أشهبُ وروى الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٢١٦) عن بعضهم: بني عمنا هل تذكرون بلاءنا عليكم إذا ما كان يومٌ قُماطِرُ
[ ٦ / ١٠٠ ]
وقوله تعالى: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: علانيةً وسرًّا.
وقال الحسنُ: التَّضرُّع: ما يُرفَعُ به الصَّوتُ، والخفيةُ: ما يُدعى سرًا (^١).
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أنجيتنا (^٢) مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾؛ أي: يقولون هذا، وأضمر فيه هذا؛ لدلالة ﴿تَدْعُونَهُ﴾ على ذلك.
وقرأ أهلُ المدينة وأبو عمرو: ﴿أنجيتنا﴾ (^٣) خطابًا للَّه تعالى، والباقون (^٤): ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ بالألف، أي أنجانا اللَّه ﴿مِنْ هَذِهِ﴾؛ أي: مِن هذه الظُّلمات.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: هي (^٥) الأهوال والكربات، وقوله: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾؛ أي: المؤمِنين المؤدِّين شكرَ اللَّهِ على نعمِه بطاعتِه.
* * *
(٦٤) - ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: سلهُم: مَنْ يُنجيكم منها؟ وإذا أقرُّوا بذلك فقل: هو كما قلتُم؛ اللَّهُ يُنجيكُم مِن تلك الظُّلماتِ، فتَهتدوا للطريق وهو يُنجيكم. وقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾؛ أي: غمٍّ يأخذُ بالنَّفْسِ، وكذلك الكُرْبةُ.
_________________
(١) انظر: "التفسير البسيط" (٨/ ٢٠٠).
(٢) كذا في النسخ، وسيأتي بيان ما فيها من قراءات قريبًا.
(٣) هي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيين، وقرأ بها أيضًا ابن كثير المكي، وابن عامر الشامي، وأبو عمرو ويعقوب البصريين. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٩)، و"التيسير" (ص: ١٠٣)، و"النشر" (٢/ ٢٥٩).
(٤) في (أ): "وقرأ أهل الكوفة" بدل: "والباقون". وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم وخلف الكوفيين.
(٥) في (ف): "من هذه".
[ ٦ / ١٠١ ]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: لا تُخلِصونَ حين (^١) تَتخلَّصون، ولا تَشكرون، بل تُشرِكون.
* * *
(٦٥) - ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾؛ أي: اللَّهُ الذي قَدَرَ على إنجائِكم، هو قادر على إهلاكِكم بأنواعِ العذاب؛ إن شاءَ بعثَ عليكم العذابَ مِن فوقِكم بالطُّوفان والصواعق والقذف بالحجارة والرِّيح والصَّيحة.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ وهو الخسفُ والزَّلزلةُ والإغراقُ.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾؛ أي: يَخلِطَكُم فِرَقًا، وأرادَ به الأهواءَ المختلفة.
وقوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾؛ أي: الشِّدَّةَ والقتلَ.
وقال الضَّحَّاك ﵀: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ مِن قبل كباركم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ ممَّن هو أسفل منكم، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾؛ أي: يجعَلَكم فَرَقًا، ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: يُسلِّطَ بعضَكم على بعضٍ بالقتل.
وقال مجاهدٌ: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: السَّلاطين الظَّلمة، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: العبيدُ السُّوء (^٢).
وفي "تأويلات" الإمام أبي منصور ﵀: قال أبو بكر بن كيسان:
_________________
(١) في (أ): "حتى".
(٢) قولا الضحاك ومجاهد في "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٥٦).
[ ٦ / ١٠٢ ]
الآيةُ في مشركي العرب؛ لأنَّ الآياتِ التي قبلَها وبعدها فيهِم، والسُّورةُ في محاجَّة المشركِين (^١).
وقال أبيُّ بن كعب: هي في أهلِ الإسلام، وقد جاء اثنانِ بعد وفاة النبيِّ -ﷺ-؛ ألبِسوا شِيَعًا، وأُذيقَ بعضُهم بأسَ بعضٍ، وبقيَ اثنان لا بدَّ واقعان.
وقال الحسنُ ﵀: ثنتان في أهلِ الإسلام؛ الأهواءُ المختلفة، والقتلُ، وثنتان في أهل الشِّرك مِن أهل الكتاب، وهما الخسفُ في الأرض، والحجارةُ مِن السَّماء.
وقال في قولِه: ﴿أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: يَحتملُ إسقاطَ السَّماءِ عليهم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ طيَّ الأرضِ من تحتِكم وخسفكم (^٢).
والآية حجَّةٌ في خلقِ أفعال العباد.
ورويَ أنَّ خبابَ بنَ الأرتِّ قال: رأيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- ليلةً يُصلِّي، فلمَّا فرغَ قال: قلتُ له وقت الصُّبح: لقد رأيتُك تُصلِّي صلاةً ما رأيتُكَ صلَّيتَ (^٣) مثلها! قال: "أجل، إنَّها صلاةُ رغبةٍ ورهبة؛ سألتُ ربِّي فيها ثلاثًا، فأعطاني ثِنتين، وزوى عنِّي واحدةً؛ سألتُه ألَّا يُسلِّطَ على أمَّتي عدوًّا مِن غيرِهم، فأعطاني، وسألتُه ألَّا يُرسِلَ عليهم السَّنةَ فتَقتلَهُم جوعًا، فأعطاني، وسألتُه ألَّا يَجعلَ بأسَهم بينَهم، فزواها عني" (^٤).
وقال الكلبيُّ: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ، شَقَّتْ على النَّبيِّ -ﷺ- مشقَّةً شديدةً، فقال: "يا جبريل، ما بقاء أمتي على ذلك؟ " فقال: إنَّما أنا عبدٌ مثلُك، فادع ربَّك، وقام
_________________
(١) القول في "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١١١) عن أبي بكر الأصم.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١١١ - ١١٣، ١١٦).
(٣) في (ف): "تصلي".
(٤) رواه الترمذي في "سننه" (٢١٧٥)، والنسائي في "سننه" (١٦٣٨)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٠٤).
[ ٦ / ١٠٣ ]
رسولُ اللَّه -ﷺ-، فتوضَّأ وصلَّى، وسألَ ربَّه ألَّا يبعثَ على أمَّتِه عذابًا مِن فوقِهم، ولا مِن تحتِ أرجلِهم، ولا يَلْبِسَهُم شِيَعًا، ولا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعض، فنزلَ جبريلُ ﵇ وقال: إنَّ اللَّهَ تعالى سمعَ مقالتَكَ، وإنَّه أجارَهُم مِن خصلتين، ولم يُجِرهم مِن خِصلتين؛ أجارَهم ألَّا يبعثَ عليهم عذابًا من فوقهم، ولا مِن تحتِ أرجلِهم، ولم يُجِرهم مِن أنْ يَلبِسَهم شِيَعًا، ويذيقَ بعضَهم بأسَ بعض. فقال: "يا جبريل فما بقاء أمتي" قال: سلِ اللَّه لأمَّتِك، فقام رسولُ اللَّه -ﷺ-، فتوضَّأ وصلَّى، وسأل ربَّه، فنزل جبريل ﵇ فقال: إنَّ اللَّه تعالى يقول: إنَّا أرسلنا مِن قبلِكَ رُسلًا إلى قومِهم، فصدَّقهم مُصدِّقون، وكذَّبهم مُكذِّبون، ولم يمنعْنا أنْ نبتليَ الذين زَعموا أنَّهم مؤمنون مِن بعد قبضِ أنبيائِهم ببلاءٍ يعرف فيه صدقُهم مِن كذبهم، ثمَّ نزل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ الآيات [العنكبوت: ١ - ٢] (^١).
وروى عبد اللَّه بن عمرو (^٢) ﵄ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "إنَّ بين يدَي السَّاعةِ لهَرْجًا"، قلنا: وما الهَرْجُ؟ قال: "القتلُ والكذبُ" ثلاث مرات، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، أكثرَ مِن قتلِنا الكفَّار، فواللّه إنَّا لنَقتلُ في العامِ الواحدِ كذا وكذا، قال: "ليس بقتلِكم الكفَّار، ولكن قتلٌ يكونُ بينكم يا معشَرَ أهلِ الإسلام، حتَّى يَقتلَ الرَّجلُ جارَهُ، ويَقتُلُ صاحبَهُ وأخاه وأباه" فقلنا: يا رسول اللَّه، ومعنا عقولنا؟! وفينا
_________________
(١) رواه البغدادي في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، والكلبي متروك، وأبو صالح ضعيف كما سلف غير مرة. وذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٥٣٠) (في مطلع سورة العنكبوت) عن الكلبي.
(٢) في (ر) و(ف): "عمر".
[ ٦ / ١٠٤ ]
كتاب ربنا؟! قال: "تُنْتَهَبُ عقولُ أكثرِ أهلِ ذلك الزَّمان، حتَّى يَروا أنَّهم على شيءٍ، وليسوا على شيء" (^١).
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: كيف نُورِدُ عليهم المواعظَ المختلفةَ، مِن بيانِ الحقِّ، وإجابةِ الدُّعاءِ، والإنجاءِ مِن الظُّلمات، وتصريفِ اللَّيلِ والنَّهار، والأمرِ والنَّهي، والوعدِ والوعيدِ، مِن أوَّل السُّورةِ إلى هاهنا؛ ليَستنبطَ هؤلاء المشركون مِنها بُطلانَ قولِهم، وتناقضَ مذاهبِهم.
وقال الإمامُ القشَيريُّ ﵀: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ لا طعمَ أدوى (^٢) مِن طعمِ الإنسان؛ إنْ شئتَ في الولايةِ والمحبَّةِ، وإن شئتَ في العداوةِ والبُغضة، فمَن مُنيَ بالمصيبة (^٣) مع أشكالِه تَنغَّصَ عليه عيشُه في الدُّنيا، ومَن مُني بمحبَّةِ أمثالِه، تَكدَّرَ عليه حاله مع المولى، ومن صانَهُ اللَّهُ عن الخلقِ فهو المحفوظُ المعافى (^٤).
* * *
(٦٦) - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ قال الحسنُ والسُّدِّيُّ: أي: بالقرآن (^٥)، وقيل: أي: بتصريفِ الآيات.
_________________
(١) لم أقف عليه من حديث عبد اللَّه بن عمرو ولا من حديث ابن عمر ﵃، وأخرج أحمد في "مسنده" (١٩٦٣٦) نحوه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) في "لطائف الإشارات": "أردأ".
(٣) في "لطائف الإشارات": "بالبغضة".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨١).
(٥) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (٢/ ١٢٨)، والأثر رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣١١)، وابن أبي حاتم (١/ ١٣١٣) (٧٤٢٠) عن السدي.
[ ٦ / ١٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الصِّدقُ والكائنُ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: بحافظِ أعمالِكم حتَّى أجازيَكُم عليها، بل اللَّه يَجْزيكم بها.
قال الحسن: وقيل: لستُ عليكم بمُسلَّطٍ أمنعكم جبْرًا أنْ تكفروا، بل إليَّ الدَّعوةُ والتَّبليغ (^١).
قال ابنُ عباس ﵄: نسخَها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٢).
وقيل: ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أملكُ تَصريفَكم على ما أُريد، وأنْقلُكم عن أهوائِكم.
* * *
(٦٧) - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: لكلِّ خبرٍ استقرارٌ وموضعُ اسْتقرار، فإنَّ اللفظةَ تَصلحُ للمصدر والمكان، ومعناه: لكلِّ خبرٍ قرارٌ على غايةٍ يَنتهى إليها، فيَتبيَّنُ حينئذٍ صدقُه مِن كذبِه، وحقُّه مِن باطله.
وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ حقيقةَ خبرِ ما كذَّبتم به، وهي كلمةُ وعيد،
_________________
(١) لم أقف عليه عن الحسن، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ١٢٨)، ونسبه لبعض المتأخرين.
(٢) رواه النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (٢/ ٣١٧ - ٣١٨) (٤٦٦)، وعقب عليه فقال: هذا خبر لا يجوز أن ينسخ. . . اهـ. قلت: وإسناده ضعيف جدًا، فيه عاصم بن سليمان الكوزي، وهو معدود في الوضاعين، انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي (٢/ ٣١٩)، وفيه أيضًا جويبر بن سعيد الأزدي، وهو ضعيف جدًا كما في " التقريب".
[ ٦ / ١٠٦ ]
فقيل: إنهم قد علِموا بذلك يومَ بدر، ويجوزُ أن يكون بعضُ وعيدِهم يَتحقَّقُ في الآخرةِ، أو (^١) يتحقَّقُ كلُّه يومئذٍ.
وقيل: أي: لكلِّ وعدٍ ووعيدٍ مِن اللَّه وقوعٌ واستقرارٌ، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا نزلَ، وهو كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣].
وقال الحسن: أي لكلِّ عملٍ جزاءٌ، فمَن عملَ خيرًا جُوزِيَ به الجنَّةَ، ومَن عملَ سوءًا جُوزيَ به النَّار، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يا أهلَ مكَّة (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يَحتملُ أن يكون هذا صلةَ قوله: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾، لكن ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: لم أسلَّط على قتالِكم الآن، ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ في أن أغنمَ أموالَكم، وأسبيَ ذراريكم إذا وردَ الأمرُ بالقتال (^٣).
* * *
(٦٨) - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ قال الحسنُ وقتادةُ ومجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبير: هو خوضُ تكذيبٍ واستهزاء (^٤).
وقال ابنُ عبَّاس: أمرَ اللَّهُ رسولَه: إذا رأيتَ المشركين يُكذِّبون بالقرآن وبك،
_________________
(١) في (ف): "أي".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٥٦).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١١٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣١٣ - ٣١٤) عن قتادة ومجاهد وسعيد بن جبير.
[ ٦ / ١٠٧ ]
ويَستهزِؤون بذلك، فاترُك مجالستَهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾؛ أي: حتَّى يكون خوضُهم في غيرِ القرآن (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ "إن" شرطٌ، و"ما" صلةٌ، والنُّونُ للتَّأكيد، ومعناه: وإنْ يُنسِك الشَّيطانُ بعد النَّهيِ فقَعدتَ معهم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: المشركين، فقُم إذا ذكرتَ.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ولمَّا قدِمَ رسولُ اللَّه -ﷺ- المدينةَ، جعلَ المنافقون إذا رأوا المسلمين جلوسًا أتَوهم، فجلَسوا معهم، ثمَّ استَهزؤوا برسول اللَّه -ﷺ- وبالقرآن، وآذوهم، فنزلَ عليه بالمدينة: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: بمكَّة، ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: القرآن، ﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، إنْ رضيتُم بخوضِهم، إشارةً إلى هذه الآية.
* * *
(٦٩) - ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ولمَّا كان قولُه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ خطابًا لرسولِ -ﷺ- والمرادُ به أمَّتُه، ردَّ الكلامَ (^٢)
_________________
(١) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٢١٠).
(٢) في (ر): "الخطاب".
[ ٦ / ١٠٨ ]
إليهم، فقال (^١): ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفرَ والمعاصي مِن حسابِ الكفَّار الخائضين (^٢) شيءٌ.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ قال الحسنُ والفرَّاءُ والزَّجَّاج: أي: ولكن عليهم أنْ يُذَكِّروهم (^٣) ﴿ذِكْرَى﴾؛ أي: يعظوهم.
وقيل: أي: يَعرضون ذِكرى؛ لأمرِ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: لعلَّ الخائضين يتَّقون الدَّوامَ على الخوض.
وقيل: أي: ليُذكِّروهم أنَّ خوضَهم يَسوءُهم؛ ليَتَّقوا مساءَتَهم.
وقيل: أي: وذَكِّرِ المؤمنين؛ ليَدوموا على تقواهم.
وقيل: هذه الآية تتَّصل بقوله: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾: وما على المتَّقين حسابٌ، فإنَّما ذكَّرَهمُ اللَّهُ الحسابَ؛ ليتَّقوا المعاصي.
* * *
(٧٠) - ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
_________________
(١) في (أ) و(ر): "فقيل".
(٢) بعدها في (ف): "من".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٣٩)، و"معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٦١).
[ ٦ / ١٠٩ ]
وَذَكِّرْ بِهِ﴾ يتَّصل بقوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾، ويُبيِّنُ أنَّ التَّذكيرَ يجبُ أن يكون بالقرآن، وهو كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾.
وقوله: ﴿وَذَرِ﴾؛ أي: اترك محاجَّةَ هؤلاء بإيرادِ الحُجَجِ عليهم؛ لأنَّها إنَّما تَنفعُ لمَن تدبَّر وتَفكَّر، وطلبَ الحقَّ بدلائلِه، وهؤلاء الخائضونَ اتَّخذوا دينَهم عبثًا، لا يَقصِدون طلبَ الحقِّ، ولا يطلبونَ دلائلَه، ولا يُفكِّرون في معادٍ ولا جزاءٍ ولا حساب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتملُ التَّقديمَ والتَّأخير: وذرِ الذين اتَّخذوا اللهوَ واللَّعِبَ دينًا، حتَّى لا يفارقون ذلك (^١)، كالدِّين الذي يُتَّخذُ للأبد.
ويحتمل ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾: ما هويَتهُ أنفسُهم، ودعَتْهم إليه الشَّياطين، ومَن فعلَ ذلك فهو عابثٌ لاعب (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أوهمَهم الشَّيطانُ أنَّ ما أُعطوا فيها مِن رئاسةٍ على الضَّعفة، ووُسِّع لهم فيها مِن الرِّزق، وأُطيل لهم في البَسطة، إنَّما هو لكرامتِهم على اللَّه.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ وعيدًا؛ لقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أي: وعِظْ بالقرآن.
وقيل: خوِّف بالحساب، فقد سبقَ ذِكْرُه.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: خوفَ الإبسال.
_________________
(١) بعدها في (أ): "كله".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٢١).
[ ٦ / ١١٠ ]
وقيل: أي: لئلَّا تُبسلَ، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
و﴿تُبْسَلَ﴾: قال الفرَّاء: أي: تُرتهن (^١).
وقال الحسنُ ومجاهدٌ والسُّدِّيُّ: أي: تُسلمَ للهَلكة (^٢).
وقال قتادة: تُحبس (^٣).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: تُفضَح (^٤).
وقال الضَّحَّاك: أي: تُنضَج وتُحرَقَ (^٥).
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ في روايةٍ: تُهلك (^٦).
وظاهرُه عند أهلِ اللغة: تُسلَم للهَلَكة، وقال عوف بن الأحوص الكلابي:
وإبْسالي بَنيَّ بغيرِ جُرْمٍ بعَوْناهُ ولا بِدَمٍ مُرَاقِ (^٧)
أي: إسلامي.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٣٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٢٠ - ٣٢١) عن الحسن ومجاهد، وعلقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣١٨) عقب الأثر (٧٤٥٢) عن مجاهد وعكرمة والحسن والسدي.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٢١)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٣١٨) (٧٤٥٤).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٢٢)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٣١٨) (٧٤٥٣).
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٥٨)، وتحرف في مطبوعه: "تنضج" إلى: "تحرق"، وهي على الصواب في طبعة دار التفسير (١٢/ ١١١).
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٥٨).
(٧) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة" (١/ ١٩٤)، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة (٢/ ١١١٤)، و"تفسير الطبري" (٩/ ٣٢٣).
[ ٦ / ١١١ ]
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾؛ أي: للنَّفس وليٌّ يَنصرُها، ولا شافعٌ يَستوهِبُ ذنوبَها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾؛ أي: وإن تُفدَ كلَّ فديةٍ لا تُقبَل منها.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: أولئك الخائضون، و﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ ارتُهِنوا وأُسلِموا للهَلَكة، وحُبِسوا وفُضِحوا بما كسَبوا مِن الشِّركِ والخوض في الباطلِ والمعاصي.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ أي: ماءٌ حارٌّ شديدُ الحرارةِ، يصهَرُ به ما في بطونِهم وتقطَّع أمعاؤهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بكفرهم.
وقيل: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ بما شَرِبوا من القهوات (^١)، ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بما تَناولوا من الشَّهوات.
وقال الإمامُ القُشيريُّ ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: مَن كان نقيَّ الثَّوبِ عن ارتكابِ الآثام، كان بمعزلٍ يوم النَّشر عن ملاقاةِ تلك الآلام.
وقال في قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾؛ أي: كِلْهم إلى ما اختاروا، فإنَّا اعتدنا لهم مِن خفيِّ المكرِ ما إذا أحللنا [هـ] بهم كسرنا عليهم خِمارَ الغفلةِ، وكشَفنا عنهم خِمار الوَهْمِ والجهلة (^٢).
_________________
(١) القهوة: الخمر. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: قهو).
(٢) في "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٢): "والغفلة" بدل: "والجهلة".
[ ٦ / ١١٢ ]
(٧١) - ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾؛ أي: أنطلَبُ النَّجاحَ ممَّن لا يَملِكُ لنا نفعًا ولا ضرًّا، وهي الأصنام.
وقيل: أي: أنَعبدُ، مِن قوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ويَرجع إلى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]، والأقرب إلى قوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾، وكان الكفَّارُ -لعنهم اللَّه- يتَّخِذون الأصنامَ أولياءَ وشُفعاء.
وقيل: أي: لا يَنفعُنا إنْ أطعناهُ، ولا يَضرُّنا إنْ عصيناهُ.
وقوله تعالى: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ عطفٌ على الأوَّل، والاستفهامُ بمعنى الإنكار.
وقال المبرِّد: إذا قلت: ردَّ على عقبِه، فمعناه: جاءَ لينفذَ، فسُدَّ سبيلُه.
وقيل: أي: نرتدَّ عن دينِنا، ونرجعَ إلى ورائِنا، وهو عبارةٌ عن الإدبار والخيبةِ والدَّمار، وهو كقوله: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾؛ أي: إلى الدِّين الحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾؛ أي: جرَّتهُ إلى المهاوي، وهي المساقطُ والمهالك، كما يقال: استزلَّتهُ واستَغْوتهُ؛ أي: جرَّتهُ إلى الزَّللِ والغِواية (^١).
_________________
(١) في (ف): "أو الغواية".
[ ٦ / ١١٣ ]
وقرأ حمزة: ﴿استهواه﴾ (^١) لتَقدُّم الفعلِ؛ أي: إنْ فعَلنا كذلك كنَّا كرجلٍ (^٢) ذهبَت به الشَّياطينُ في الفلاةِ متَحيِّرًا لا يَهتدي لطريقٍ يَتخلَّص (^٣) منه، ويأمنُ به السُّقوط، وذلك قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾؛ أي: لهذا الرَّجلِ أصحابٌ مشفقون عليه، يريدون الخيرَ به، يدعونه إلى الصِّراطِ المستقيم، ويقولون: ﴿ائْتِنَا﴾ أضمرَ القولَ لدلالة ﴿يَدْعُونَهُ﴾ على ذلك؛ أي: يقولون له: دع طريقَ الضَّلالِ وعُد إلينا.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾؛ أي: الطَّريقُ الذي هدى اللَّهُ إليه، فهو الطَّريقُ المستقيم.
وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: أمرنا اللَّهُ تعالى أنْ ننقادَ له، ونُسلِّمَ أنفسَنا إليه، فهو خالقُ العالمين وحافظُهم ومدبِّرُ أمورِهم.
* * *
(٧٢) - ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾؛ أي: وقيل لنا ذلك، أو هو عطفٌ على قوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ باعتبار المعنى؛ فإن تقدير قوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾؛ أي: قيل لنا: أسلموا، فيجوزُ أنْ يُعطَفَ عليه، و﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: تذلَّلوا لهُ بالعبادة، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ ولا تخالفوا أمره ونهيَه بالمعصية.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٠)، و"التيسير" (ص: ١٠٣).
(٢) في (أ): "كالرجل".
(٣) في (ف): "مخلص".
[ ٦ / ١١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: للحسابِ والجزاء أيُّها العادِلون باللَّه.
قال الكلبيُّ: نزلت في عبد الرَّحمن بنِ أبي بكر، وقد دعا أباهُ وهو (^١) في حالِ كفرِه إلى دين آبائه (^٢).
وقال ابنُ عبَّاس والسُّدِّيُّ ﵃: هو مثلٌ، يقول: مثلُ مَن يُدعَى إلى الكفرِ كضالٍّ في الطَّريق يَدعوه الغيلان في المفاوز باسمِه ونَسبِه، وأصحابُه يَدعونَهُ إلى الطَّريقِ السَّويِّ، فإن اتَّبعَ الغولَ هلكَ، وإن أجابَ أصحابَه اهتدى (^٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي قل يا محمَّدُ: أنؤثِرُ الضَّلالَ على الهدى بعدَ طلوعِ شموس البُرهان؟ ونَدَعُ الطَّريقةَ المُثلى بعد ظهور البيان؟ ونترك عَقوَةَ (^٤) الجنَّة، وقد نزلناها، ونطلبُ مُتبوءًا في الجحيم (^٥) وقد كُفيناها؛ إنَّ هذا بعيد مِن العقول، محالٌ مِن الظُّنون، وكيف يُساعِدُ أتباعَ الشَّياطين مَن وجدَ الخلاصَ مِن صُحبتِهم، فأبصرَ الغيَّ في صفتهم؟!
﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾؛ أي: أُمِرنا بملازمةِ الصَّلاة، وهي محلُّ المناجاة، ولسانٌ تعوَّد نجوى السُّلطان، متى يَنطقُ بمكالمةِ أخِسَّةِ أهلِ الزَّمان (^٦).
_________________
(١) "وهو": ليس من (ف).
(٢) ذكر سبب النزول هذا أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٤٩٤) من رواية أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٥٩) دون نسبة.
(٣) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٢٨ - ٣٣٠).
(٤) العقوة: الساحة. انظر: "الصحاح" (مادة: عقا).
(٥) في النسخ الخطية: "الجنة" والمثبت من "لطائف الإشارات".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٣).
[ ٦ / ١١٥ ]
(٧٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: للحقِّ، ولم يَخلقهُما (^١) باطلًا.
وقيل: أي: لمنافعِ العباد، ولاستبداءِ الشُّكرِ منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ متَّصلٌ بقوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ يومَ، أو هذا ابتداءٌ، وأضمرَ فيه: واحذروا يومَ يقولُ لذلك اليوم: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: يُكَوِّنهُ سريعًا، وعلى هذا تمَّ هذا، ثمَّ قولُه تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأٌ وخبر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ كذلك، وهما كلامان تامَّان مطلقان.
وقيل: هذا يتَّصِلُ بالأوَّل ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: يوم القيامة، يكونُ (^٢) ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾؛ أي: يَتحقَّقُ قولُه الصِّدقُ، ويَقعُ حكمُه الفصل، ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ يومئذٍ، كما قال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ هو تقرير قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ هو موصولٌ بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، وهو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: عالمُ ما غابَ علمُه عن الخلقِ، وعالمُ ما يشهَدُه الخلقُ، ويَحتملُ: عالمُ السِّرِّ والعلانية.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ المصيبُ في أقوالِه وأفعالِه؛ مِن الإماتةِ والإحياء، والإيجادِ والإفناء.
_________________
(١) في (أ): "يجعلهما".
(٢) في (ر): "يقول".
[ ٦ / ١١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿الْخَبِيرُ﴾ بأعمالِ عبادهِ؛ ظاهرِها وباطنِها، والعالمُ بجزائِها.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀ في الآية (^١): أي: لا يَعتاصُ على قدرته حدوثُ مقصودٍ، ولا يَتقاصَرُ حكمُه عن تصريفِ موجود (^٢).
* * *
(٧٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾؛ أي: اذكرْ لهؤلاءِ العادلينَ بربِّهم قصَّةَ إبراهيم، وهو أبو العرب، وهم أولى النَّاس بالاقتداء به؛ لأنَّهم ذرِّيَّتُه، وبه مفاخرتُهم، إذ قال إبراهيمُ لأبيه آزرَ منكرًا عليه، ومتعجِّبًا منه.
قوله تعالى ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾؛ أي: أتجعلُ الأصنامَ معبودةً لك تَعتقِدُها (^٣) آلهةً.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بعبادتِكم ما دونَ اللَّه.
ومن قال: إنَّ اسمَ والد إبراهيم تارح (^٤) في الرِّوايات المشهورة في نسبه، لا آزر؛ فإنَّه يُقالُ له: يجوزُ أن يكون له اسمان، أو أحدُهما اسمًا له، والآخرُ لقبًا له عُرِفَ به، فيُنسَبُ إليه، ومَن قال: ﴿آزرُ﴾ بالرَّفع، وهو في بعض القراءات (^٥)، فله وجوه:
_________________
(١) بعدها في (ر): "الأولى".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٣).
(٣) في (ر): "تتخذها".
(٤) في (ر) و(ف): "تارخ". وهما روايتان، قال الآلوسي في "روح المعاني" (٨/ ٢٤٩): بتاء مثناة فوقية وألفٍ بعدها راءٌ مهملة مفتوحة وحاءٌ مهملة، ويروى بالخاء المعجمة.
(٥) هي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر" (٢/ ٢٥٩).
[ ٦ / ١١٧ ]
قيل: هو نداءٌ بمعنى (^١): يا آزر.
وقيل: معناه: يا شيخ.
وقيل: معناه: يا عوج (^٢)؛ أي: معوجٌّ عن الدِّين.
وقيل على قراءة النصب: إنَّه اسمُ صنمٍ لهم، وتقديره: أتعبدُ آزرَ، أتتَّخِذُ أصنامًا آلهة.
وقال وهب: هو إبراهيمُ بنُ تارح بنِ ناحور بن أشرع بن أرغو بن فالغ بن عابر (^٣) بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وفي التَّوراة: شاروع مكان أشرع (^٤).
* * *
(٧٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قيل: أي كما أريناهُ ضلالَ أبيه وقومِه حتَّى قال: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، أريناهُ ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، و﴿نُرِي﴾ مستقبلٌ بمعنى الماضي، كما في قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ أي: وإذ قلتَ.
وقيل: أي: وكما أريناكَ ملكوتَ السَّماوات والأرض والآيات، كذلك أرينا إبراهيم.
و﴿مَلَكُوتَ﴾ بمعنى الملك، وهو السُّلطان، وتقديرُه: ملكوتَنا في السَّماوات والأرض.
_________________
(١) في (أ): "يعني".
(٢) في (ر): "أعوج".
(٣) في (أ): "عامر".
(٤) انظر: "المعارف" لابن قتيبة (ص: ٣٠).
[ ٦ / ١١٨ ]
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: عُرِجَ بإبراهيمَ إلى السَّماء، فرأى عبدًا على فاحشةٍ، فدعا اللَّهَ تعالى عليه، فأهلكَه، ثمَّ رأى عبدًا آخرَ على فاحشةٍ، فدعا اللَّه عليه، فقال اللَّهُ تعالى (^١): يا إبراهيم، اكفُف دعوتَك عن عبادي، فإنَّ عبدي بين خِلالٍ ثلاثٍ؛ إمَّا أنْ أُخرِجَ منه ذُريَّةً طيِّبةً، أو يتوبَ فأغفرَ له، أو النارُ من ورائه، أوَما علمتَ أنَّ مِن أسمائي الحليم؟ (^٢)
وقال مجاهد: فُرِجَت له السَّماوات السَّبعُ، فنظرَ إلى ما فيهنَّ، حتَّى انتهى نظرُه إلى العرش، وفُرِجَت له الأرضون السَّبع، حتَّى نظرَ إلى ما فيهنَّ (^٣).
وقال الضَّحَّاك: أُقيمَ على صخرةٍ، وفُتِحَت له السَّماواتُ فنظرَ إلى مُلْكِ اللَّهِ تعالى في السَّماوات، حتَّى نظرَ إلى مكانِه في الجنَّة، وفُتِحَت له الأرضون، حتَّى نظرَ إلى أسفلِ الأرضين، فذلك قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]؛ أي: أُريَ مكانَه في الجنَّة (^٤).
وقال قتادة: أراهُ اللَّه تعالى ملكوتَ السَّماوات والأرض؛ ملكوت السَّماوات: الشمسُ والقمرُ والنجوم (^٥)، وملكوتُ الأرض: الجبالُ والأشجارُ والبحار (^٦).
_________________
(١) بعدها في (ر): "له".
(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس ﵄، وروى الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٥٠) نحوه عن سلمان ﵁.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٤٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٢٦) (٧٥٠١).
(٤) لم أقف عليه من قول الضحاك، وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٢٦ - ١٣٢٧) (٧٥٠٢).
(٥) في (ر): "والكواكب".
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٨٢١)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٢٧) (٧٥٠٥).
[ ٦ / ١١٩ ]
وقيل: نظرَ في المصنوعات، فرأى ما فيها من الدّلالةِ على وحدانيةِ (^١) اللَّه تعالى، والشهادةِ له بالحكمةِ والتَّعالي عن الأضداد والأنداد، وإبطالِ أن يُعدَلَ به شيءٌ سواه.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾؛ أي: وليكون مِن الموقنين أريناهُ الملكوت.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الإيقانُ بالشَّيء: هو العلمُ بحقيقتِه بعد النَّظرِ والاستدلال فيه، ولذلك لا يوصَف اللَّه تعالى باليقين (^٢).
ثمَّ ليس هذا دلالةَ الشَّكِّ في الابتداء أو الجهلِ للحال، لكن لبيان إيقاعِ العلمِ له ابتدأ بهذه الدلائل، كقوله: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]، ليس هذا رفعًا عن وضعٍ، وقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ليس هذا إخراجًا عن إدخال، وقوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ٣٧]، ليس هذا تركًا بعد شروع، بل هذا كلُّه إثباتُ ابتداءٍ فكذلك هاهنا (^٣).
* * *
(٧٦) - ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: إنَّ إبراهيم ولد في زمن نمرود بن كنعان بن كوش بن حام بن نوح، وكان جبَّارًا، وكان له كهَّان يخبرونَه بما يكونُ في الأرض، فقالوا له: إنَّه يولدُ في هذه السَّنة غلامٌ يُفسِدُ
_________________
(١) لفظ: "وحدانية" من (أ).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ١٣١).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ١٣٦ - ١٣٧).
[ ٦ / ١٢٠ ]
آلهةَ الأرض، ويَدعو النَّاس إلى غير دينِهم، ويكونُ هلاكُ ملكِك على يديه (^١).
وقيل: إنَّهم وجِدوا ذلك في كتبِ الأنبياء.
وقيل: قالت المنجِّمةُ ذلك.
وقيل: إنَّ نمرود رأى ذلك في المنام، فهالَه (^٢)، وقال: الأمرُ في هذا أنْ يعزل الرِّجال عن النِّساء، وينظر كلُّ حبلى في مملكتي، فإذا ولدَت غلامًا قتل، وإذا ولدَت جاريةً تركت، إلى أن تمضيَ هذه السنة التي قلتم، فعمد فعزلَ الرِّجال عن النِّساء، وجعلَ على كل عشرةٍ رجلًا، فإذا طهُرَت امرأة حيلَ بينها وبين زوجِها إلى أن تحيض، فرجعَ آزرُ أبو إبراهيم إلى أهله فوجد امرأتَه قد طهُرت مِن الحيض، فوقعَ عليها في طُهرها، فحملَت (^٣).
فقال الكهَّان: إنَّ الغلامَ الذي أخبرناك به قد حملتة (^٤) أمُّه الليلة، قال نمرود -لعنه اللَّه-: كلُّ امرأةٍ قد استبانَ حملُها خلوا سبيلها، واحبسوا اللَّواتي لم يَستبِن حملُهن، وكلُّ مَن ولدَت غلامًا فاقتلوه، فلمَّا دنت ولادةُ إبراهيم وأخذَها الطَّلقُ خرجَت هاربةً؛ مخافةَ أن يُطَّلعَ عليها، فيقتل ولدها، فوضعَتهُ في نهرٍ يابسٍ، ثمَّ لفَّتهُ في خِرقةٍ، ووضعَتهُ في حَلْفاء، ورجعَتْ وأخبَرَت زوجَها بأنَّها ولَدَت، وأنَّه في موضعِ كذا (^٥)، فانطلقَ أبوه، فأخذَهُ مِن ذلك المكان، وحفر له سَرَبًا عند نهرٍ، فواراه
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٦١ - ١٦٢) ونسبه للمفسرين.
(٢) بعدها في (ر): "ذلك".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٦٢) من قول السدي.
(٤) في (ف): "حملت به".
(٥) بعدها في (ف): "وكذا".
[ ٦ / ١٢١ ]
فيه، وسدَّ عليه بصخرةٍ؛ مخافة السباع، وكانت أمُّه تَختلِفُ إليه وتُرضِعُه، فأرضعَتهُ وفطمَتهُ حتَّى شبَّ، فإذا رجَعَت مِن عنده مصَّ إبهامَهُ (^١).
وقال أبو روق: كلمَّا دخلَت أمُّ إبراهيمَ عليه وجدتهُ يَمَصُّ أصابعَهُ، فقالت ذات يوم: لأنظُرَنَّ إلى أصابعِه، فوجدَتهُ يَمَصُّ مِن أصبعٍ ماءً، ومن أصبعٍ لبنًا، ومِن أصبعٍ عسلًا، ومن أصبعٍ تمرًا، ومن أصبع سمنًا (^٢).
وفي حديث السُّدِّيِّ: لما عظُم بطنُها، وخشيَت عليه، انطلقَ بها آزرُ إلى أرضٍ بين الكوفةِ والبصرة، فأنزلَها في سَرَبٍ مِن الأرضِ، وجعلَ عندها ما يُصلِحُها، فولدَت إبراهيمَ في ذلك السَّرَب، وشبَّ، وكان وهو ابنُ سنةٍ كابنِ ثلاث سنين (^٣).
وفي حديث محمَّد بن إسحاق: لمَّا بلغَ إبراهيمُ خمسةَ عشر شهرًا، قال لأمِّه: أخرجيني انظر، فأخرجَتهُ عِشاءً، وذكر حديث رؤية الكوكب (^٤) والقمرِ والشَّمس (^٥).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٦٢) من قول ابن عباس ﵄. قال الإمام ابن كثير في كتابه "تفسيره" عند تفسير الآيات (٥١ - ٥٥) من سورة الأنبياء: وما يذكر من الأخبار عن إبراهيم ﵇ في إدخال أبيه له في السَّرب وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام فنظر في الكوكب والمخلوقات، فتبصر فيها، وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة، لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب منها فقد ترخَّص كثير من السلف في روايتها، وكثير من ذلك مما لا فائدة ولا حاصل له مما ينتفع به في الدين، ولو كانت فيه فائدة تعود على المكلفين في دينهم، لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٦٣).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٦٢).
(٤) في (ف): "الكواكب".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٥٦ - ٣٥٩) مطولًا.
[ ٦ / ١٢٢ ]
وفي حديث ابن عباس ﵄: قال لأمِّه ذاتَ يومٍ: مَن ربِّي؟ قالت: أنا، قال: فمَن ربُّك؟ قالت: أبوك، قال: فمَن ربُّ أبي؟ قالت له: اسكُتْ، فسكتَ، ثمَّ رجعَت إلى زوجِها فأخبرَتهُ بذلك، فأتاهُ أبوه، فقال لأبيه: مَن ربِّي؟ قال: أمُّك، قال: فمَن ربُّها؟ قال: أنا، قال: فمَن ربُّك؟ قال: نمرود، قال: فمَن ربُّ نمرود؟ فلطمَه لطمةً (^١).
وقال مقاتلٌ ﵀: انطلق آزرُ بإبراهيمَ ﵇ حين غابَت الشَّمسُ، فنظرَ إبراهيمُ إلى الإبل والخيل والغنم، فسأل أباه: ما هذه؟ قال: إبلٌ وخيلٌ وغنم، فقال في نفسه: ما لهذه بدٌّ مِن أن يكون لها ربٌّ وخالق، وطلعَ المشتري، وكانت تلك الليلةُ آخرَ الشَّهر، فرأى الكوكبَ (^٢) قبل القمر، فـ ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ (^٣)، فلم يمكث أنْ سقطَ الكوكبُ، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾؛ يعني (^٤) يقول: لا أحبُّ ربًّا يَغيبُ (^٥)، ثمَّ طلعَ القمرُ، فرآهُ أعظمَ وأضوأ مِن الكوكب، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، وأصبحَ وطلعَت الشَّمسُ، فرآها أعظمَ وأضوأ مِن القمر (^٦)، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ونودي: أن أسلم لربِّ العالمين، فأسلمَ، وكان لا يَرى شيئًا إلَّا قال: ما لهذا بدٌّ مِن أن يكونَ له رَبٌّ، وأخذَ في طعنِ آلهتهم، وجعلَ أبوه يزيِّنها له، فلا يزداد لها إلا بُغضًا، ومنها بعدًا.
_________________
(١) ذكره عن ابن عباس ابنُ الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٧٣)، وانظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٦٣).
(٢) في (ف): "الكواكب".
(٣) لم أقف عليه في "تفسير مقاتل"، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٦٣) دون نسبة.
(٤) لفظ: "يعني" من (أ).
(٥) بعدها في (ف): "فلما رأى القمر بازغًا أي".
(٦) بعدها في (ف): "وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ ".
[ ٦ / ١٢٣ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: رُوي في التَّفسير (^١) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه رُبِّيَ في السَّرَب، ولم يكن نظرَ إلى شيءٍ مِن خلق السَّماء، فنظرَ عند باب السَّرب في أول الليلة، فرأى الزُّهرةَ بضوئها وتلألئها، وكان في علمِه أنَّ له ربًّا، وأنَّه يَرى، فلم يرَ أضوأَ منها ولا أنور، فـ ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ علمَ أنَّ الرَّبَّ دائمٌ لا يَزول، فقال: لا أحبُّ هذا؛ يعني: ليس هذا بربٍّ، والأفول الغروب عند أهل التفسير، وهو عندنا على غيبوبته في (^٢) سلطان القمر (^٣)، وقَهرَ سلطانَ القمر (^٤) سلطانُ النَّجم، والرَّبُّ لا يُقهَر وسلطانُه لا يَزول.
قال: وقال جماعةٌ مِن أهل الكلام: كان هذا منه في وقتٍ لم يَكن جَرى عليه القلمُ، سمعَ الخلقَ يقولون: اللَّهُ خالقُ السَّماوات والأرض، وللَّه (^٥) ما في السَّماواتِ وما في الأرض، ثمَّ رآهُم عَبَدوا الأصنامَ، وسمَّوها آلهةً، فتأمَّلَها، فوجدَها لا تَسمعُ ولا تُبصِرُ، ولا تَنفعُ ولا تَضرُّ، وعلمَ أنَّ مثلَها لا يحتملُ أنْ يكون يخلق (^٦) ما ذكرت، وأنَّ الذي ذلك فعلُهُ عليٌّ عظيمٌ، يجبُ طلبُ معرفتِه مِن العُلُوِّ بما كان يَسمعُ نسبةَ الملائكةِ إلى السَّماءِ، ونزولُ الغيثِ منها، ومجيءُ النُّورِ والظُّلمةِ، وكلُّ (^٧) أنواعِ البركات وغيرِها منها، فصرفَ تدبُّر طلبِ الذي نُسِبَ [إليه] الخلقُ إليها (^٨).
_________________
(١) في (ف): "بعض التفاسير".
(٢) بعدها في (ف): "قص".
(٣) بعدها في (ر): "سلطان النجم".
(٤) قوله: "سلطان القمر" ليس في (ف)، وبعدها في (ر): "في".
(٥) في (ف): "فعلم أن للَّه" بدل: "للَّه".
(٦) في (أ): "لخلق".
(٧) بعدها في (ف): "نوع من".
(٨) في (ف): "إليه". وما سلف بين حاصرتين من "تأويلات أهل السنة".
[ ٦ / ١٢٤ ]
ثمَّ أوَّل ما أخذَ في التَّأمُّل والنَّظر، لم يقع بصرُه على أحسن وأبهى مِن الزُّهرة، فظنَّ ذلكَ، ثمَّ لمَّا قُهِرَ، علمَ أنَّه ليس هو، وكذلك القمرُ والشَّمسُ؛ إذ رأى في الكل آثارَ التَّسخير، فرجعَ إلى ما سمعَ أنَّه خلقَ السَّماوات والأرض، فوجَّه نفسَهُ إليه بالعبوديَّة، واعترف له بالربوبيَّة، فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾، وكان ذلك أوَّلَ أحوال الاستدلال.
قال: وقال الحسنُ: كان بالغًا قد جَرى عليه القلمُ، وقد كان رأى ما ذكرَ غيرَ مرَّة، لكنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا أرادَ أنْ يَهديَهُ، ألهمَهُ ذلك، فألقى في نفسه، فانتبهَ انتباهَ الإنسانِ لشيءٍ كان عنه غافلًا، فرأى كوكبًا أحمرَ يَطلُع عند غروبِ الشَّمس، فراعاهُ إلى أنْ أفلَ، فعلمَ أنَّ ربَّه لا يزولُ ولا يَتغيَّر، ففزعَ إليه، وقال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، وكذلك في القمر والشمس، إلى أنْ تَبرَّأَ ممَّا كانوا يُشرِكون، ووجَّهَ التَّوحيدَ والعبادةَ إليه (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ونحن نَتبرَّأُ إلى اللَّه تعالى أنْ نَجعلَهُ رجلًا بالغًا جرى عليه القلم، وهو عن اللَّهِ تعالى كان بهذه الغفلة، حتَّى يَتوهَّم ذلك في نجمٍ أو قمرٍ أو شمسٍ، مع ما يرى فيها (^٢) الظهورَ بعد أن لم يكن، والأفولَ بعد الطلوع، ثمَّ آثارَ التَّسخيرِ والعجز عن التَّدبير، ثمَّ نقولُ ذلك مع ما قال اللَّه تعالى في حقِّه: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]، وقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فنقول: إنَّ إبراهيمَ كان مؤمنًا في ذلك الوقتِ، عارفًا بربِّه حقَّ المعرفةِ، ولكن كلَّمَ قومَه كلامَ مستدرِجٍ؛ بإظهارِ المتابعة لهم؛ ليكونوا به أوثقَ، وإليه أميل، وذلك أبلغُ في الحِجاجِ، وألطفُ في المكيدة، فبدأَ بتعظيمِ ما عظَّموه؛ إذ هم قومٌ كانوا يُعظِّمون
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٣٤ - ١٣٥).
(٢) بعدها في (ر): "من".
[ ٦ / ١٢٥ ]
النُّجوم، وبالعلمِ بأمرِها أخبروا نمرودَ بولادةِ مَن يَهلِكُ على يديه هو ويزولُ ملكه، ولذلك قال: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨]؛ أي: في مقايسِها وعلمِها، لا أنَّه نظرَ إليها. قال: وإلى هذا ذهب القتبيُّ (^١).
ثمَّ ذكرَ وجوهًا لذلك، ونحن نذكرُ بعضَها وبعضَ ما ذكرَ غيرُه مِن الأقاويل الصَّحيحة فيها إن شاء اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ يقال: جنَّهُ اللَّيلُ، وجنَّ عليه، وأجنَّه، وأجنَّ عليه؛ أي: ستره.
وقيل: جنَّه؛ أي: سَتَرهُ، وجنَّ عليه؛ أي: أظلمَ عليه، قال الهذلي:
وماءٍ وَردتُ قُبيلَ الكَرى وقد جنَّهُ السَّدفُ الأدهَمُ (^٢)
ومنه اشتقاق الجَنَّة والجُنَّة والجِنَّة، والجِنان، والجنين، والجنون، والجَنن.
قوله: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ قيل: الزُّهرة، وقيل: المشتري.
قوله: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ قيل: في أوَّله ألفُ الاستفهام، وهو بمعنى الإنكار، وحَذْفُ ألفِ الاستفهام في كلام العربِ سائغ، قال الشاعر:
رفوني وقالوا يا خُويلِدُ لا ترع فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ (^٣)
_________________
(١) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٣٧ - ٣٣٨)، وانظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٣٦ - ١٣٨).
(٢) هو للبُريق بن عياض الخُناعي أو لعامر بن سدوس. انظر: "شرح أشعار الهذليين" (٢/ ٧٥٢، ٨٣١)، وفيه: "الصباح" بدل: "الكرى"، وهو بمثل رواية المصنف في "تفسير الطبري" (٩/ ٣٥٥). والسدف: السواد في آخر الليل.
(٣) البيت لأبي خراش الهذلي. انظر: "شرح أشعار الهذليين" (٣/ ١٢١٧). قال شارحه: رفوني: أي: سكنوني.
[ ٦ / ١٢٦ ]
أي: أهم هم. ونظيرُه في القرآن: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]؛ أي: أيُخادِعون اللَّهَ، ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]؛ أي: أعبادٌ، ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]؛ أي: أوَتلكَ نعمةٌ.
وقيل: أضمرَ فيه القولَ؛ يعني: يقولون: هذا ربِّي، وإضمارُ القول في القرآن كثيرٌ، منها: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧]؛ أي: يقولون: ربَّنا.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾؛ أي: غاب، قال ذو الرُّمَّة:
مصابيحُ ليسَت باللَّواتي يَقودُها نجومٌ ولا بالآفلاتِ الدَّوَالكِ (^١)
وصدف (^٢) مِن باب ضرب (^٣) ودخل جميعًا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾؛ أي: لا أُثني على الذي يَتعاقب عليه الأحوالُ، ويَعتريه التغيُّر والزَّوال باستحقاق الربوبيَّة، ولا أعطيهِ المحبَّة التي تَجِبُ للَّه الذي يَستحيلُ عليه الزِّيادةُ والنُّقصان، والذَّهابُ والإتيان.
* * *
(٧٧) - ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾؛ أي: طالعًا بارزًا، وثَمَّ قوم يَعبدون القمرَ،
_________________
(١) انظر: "ديوان ذي الرمة" (٣/ ١٧٣٤).
(٢) في (أ) و(ر): "والصرف".
(٣) في (ف): "صرف". ولم يظهر لي وجه ارتباط هذه العبارة بالكلام!!
[ ٦ / ١٢٧ ]
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾؛ أي: أهذا (^١) ربِّي؟ على وجه الإنكار؛ أي: ليس هذا ربِّي، وأضمرَ القولَ لما مرَّ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: لئن لم يُثبِّتني اللَّهُ تعالى على هدايتِه، لأصيرنَّ مِن الذين ضلُّوا السَّبيل، ولا يجوزُ ذلك على الأنبياء؛ فإنَّهم معصومون، لكنَّه تنبيهٌ لغيرِه، والهدايةُ هي التَّثبيت هاهنا، كما في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦].
* * *
(٧٨ - ٧٩) - ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾؛ أي: فلمَّا أصبحَ ورأى الشَّمسَ طالعةً بارزةً -وهناك قوئم يَعبدون الشَّمس- أرادَ أن يُنبِّهَهم، ويُبطِلَ اعتقادَهُم.
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾؛ أي: أهذا الطَّالعُ؟ أو أهذا النُّور؟ أو أهذا (^٣) الشَّخصُ؟ وذلك لأنَّ الإشارةَ تقعُ إلى (^٤) الشَّخص لا إلى الاسم، وهو استفهامٌ بمعنى النَّفي أيضًا.
قوله تعالى ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أشارَ إلى الشَّخصِ أيضًا، وأراد أنَّه أكبر (^٥) شخصًا ونورًا من القمر والكواكب (^٦).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "هذا".
(٢) "لما مر": ليس من (ف).
(٣) في (ر) و(ف): "هذا" في المواضع الثلاثة.
(٤) في (ر) و(ف): "على".
(٥) في (ر): "أعظم".
(٦) في (أ): "والكوكب".
[ ٦ / ١٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: فلمَّا غابَت، وعرضَ لها ما عرض للأوَّلين تبرَّأ منها ظاهرًا، ونبَّههم بهذا أنَّ الصَّانعَ هو الذي لا يجوزُ عليه شيءٌ مِن علامات الحدوث.
وقال الإمام القشيري ﵀: إنَّ إبراهيمَ ﵇ كان يلاحظُ الآثارَ والأغيارَ باللَّه، ثمَّ كان يرى الأشياء للَّه تعالى ومن اللَّه، ثمَّ طالعَ الأغيار محوًا في اللَّه، فصح منه قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ إشارةً إلى اللَّه.
وقال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ يعني: أحاطَ به سجوفُ (^١) الطَّلب، ولم يَتجلَّ له صباحُ الشُّهود، وطلعَ له نجمُ العقل، فشاهدَ الحقَّ بسرِّه بنورِ البرهان، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾، ثمَّ زيدَ في ضيائه، فطَلعَ له قمرُ العلمِ، فطالعَهُ بحقيقةِ البيان، فـ ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾، ثمَّ أسفرَ الصُّبح ومتعَ النهار (^٢)، وطلعَتْ شموسُ العِرفان، فلم يبقَ للطَّلبِ مكانٌ، ولا للتُّهَمة قرارٌ، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾؛ إذ ليس بعد العين ريبٌ ولا بعد الظُّهورِ سترٌ (^٣).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان يَنظرُ إلى هذا كلِّه وهو في السَّرب، فلما أفلَت الشَّمسُ أتى باب السَّرب، فرفعَ الصَّخرةَ عن بابِه، وخرجَ وهو ابنُ سبعِ سنين، فنظِرَ إلى السَّماء والأرض، ثمَّ قال: ربِّي الذي خلقَ هذا، ثمَّ مضى حتَّى أتى قومَهُ فإذا هم يَعكفون على أصنامٍ لهم، فلمَّا رآهم قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ فقالوا: فمَن تعبُدُ أنت؟ فقال، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾؛ أي: أخلصتُ دِيني، وسَلَّمتُ نفسي.
_________________
(١) السجوف جمع سَجْف، وهو الستر. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: سجف).
(٢) في (ف): "وظهر النهار". يقال: متع النهار متوعًا: ارتفع قبل الزوال. "القاموس المحيط" (مادة: متع).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٥).
[ ٦ / ١٢٩ ]
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: خلقَها جميعًا، مُبتدِئًا خلقَهما.
وقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مستقيمًا، وقيل: مُخلِصًا، وقيل: حاجًّا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: باللَّهِ شيئًا من خلقه.
وقال الكلبيُّ ومحمَّدُ بن إسحاق: كان ذلك لمَّا أتت عليه خمسَ عشرة سنة.
وقال الإمام القشيريُ ﵀: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾؛ أي: أفردتُ قصدي للَّه، وطهَّرتُ عقدي عن غير اللَّه، وحفظتُ عهدي في اللَّه للَّه، وخلَّصتُ وجدي باللَّه، فأنا للَّه وباللَّه بل محوٌ في اللَّه، فاللَّه اللَّه (^١).
* * *
(٨٠) - ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾؛ أي: خاصموه بالباطل، وجادلوهُ، وخوَّفوهُ بآلِهتهم، كما قال بعضُ المشركين لنبيهم: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، فأجابهم وذلك قولُه تعالى: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾؛ أي: بالباطل.
﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ هو لمعرفتِه، ولا تَرِدُ شبهةٌ على ما هداني له، فأمَّا الخوفُ فلستُ أخافُ آلهتكم التي تُشرِكونها باللَّه، لأنَّها لا تَضرُّ ولا تَنفع وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾؛ أي: إلَّا أنْ يُصيبَني اللَّهُ مِنها بضُرٍّ، فاللَّهُ تعالى قادرٌ على أنْ يجعلَ فيما شاء نفعًا، وفيما شاء ضرًّا، فاللَّهُ هو المالكُ للنَّفع والضُّرِّ، والقادرُ عليهما، لا الأصنام؛ فإنَّها مواتٌ لا فعلَ لها.
وقالوا: كان القوم يعبدون النجوم والأصنام.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٥).
[ ٦ / ١٣٠ ]
وقيل: كانوا صوَّروا أصنامًا على هيئات النُّجومِ السَّبعة في السَّماء، وبنَوا لكلِّ واحدٍ مِنها هيكلًا يحاكي ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فلا يصيبُ عبدًا شيءٌ مِن ضُرٍّ أو نفعٍ إلَّا وقد علمَه، فهو إنْ شاءَ عصمَني عن كلِّ (^١) ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: أفلا تتَّعِظون بما أقولُ، وتَتفكَّرون أحوالَ أصنامِكُم، فتعلمون أنَّها لا تَستحِقُّ العبادة.
وقيل: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾: هو استثناءٌ منقطِعٌ، بمعنى "لكن"؛ أي: لكن لو شاءَ ربِّي أنْ يُصِيبَني ضررٌ، فذاك الذي أخافُه.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ فقال لهم: أتَرومون سَتْرَ الشَّمسِ بإسبالِ أكمامِكم عليها، أو تريدون أنْ تَجرُّوا ذيولَكم، أو تُسدِلوا سجوفَكم على ضياءِ النَّهار، وقد تعالى سلطانُه، وتوالى بيانُه (^٢).
* * *
(٨١) - ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ "كيف" هنا للإنكار.
قال ابنُ عباس ﵄: خاصمَهُ قومُه، وخوَّفوهُ أصنامَهم (^٣)، فقال: وكيف
_________________
(١) لفظ: "كل" من (أ).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٥).
(٣) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٢٥١).
[ ٦ / ١٣١ ]
أخافُ الأصنام، ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ عذرًا في كتابِ اللَّه.
وقيل: أي: لا حجَّة معَكم على جوازِ إشراكِه؛ إذ لا حجَّةَ لهم في عبادةِ الجمادِ الذي لا يَقدر على ضرٍّ ولا نفعٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾؛ أي: أهل الدينين أنا وأنتم ﴿أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فقالوا: أما تخافُ آلهتَنا وأنت تشتِمُها؟ قال إبراهيم: ولا تَخافون أنتم منها، قالوا: ولم ونحن نعبدُها؟ قال: لأنكم تُسوُّونَ بين الصَّغيرِ والكبير، والذَّكرِ والأُنثى، أما تَخافون الكبيرَ إذا سوَّيتموهُ بالصَّغير، أما تخافونَ الذَّكر إذا سوَّيتموهُ بالأنثى، ثم قال لهم: أمَن يَعبدُ إلهًا واحدًا أحقُّ أن يأمنَ، أمَّن يَعبدُ آلهةً شتَّى، فقالوا: مَن يعبدُ إلهًا واحدًا، قال: فأنا أعبدُ إلهًا واحدًا لا شريكَ له، وأنتم تَعبدون آلهةً شتَّى، فقَضوا له على أنفسِهم.
وقيل: وكيف أخافُ الأصنامَ وهي لا تضر ولا تنفع؟ ولا تَخافون أنتم إلهي الذي خلقَكُم فأشركتُم به؟ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أنا من آلهتِكُم، أم أنتم من إلهي؟!
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾؛ يعني: أيُّ خوفٍ يَقعُ على قلبي ظِلُّهُ ولم أُلْمِم بشركٍ، ولم أجنَحْ قطُّ إلى جَحدٍ؟ وأنتم ما شممتُم رائحةَ التَّوحيدِ في طول عمركم، ولا ذقتُم طعْمَ الإيمانِ في سالفِ دهرِكُم، ثمَّ بسوءِ غفلتِكم تجاسرتُم وما ارعويتُم، وخسِرْتُم (^١) فما باليتُم، فأيُّنا أوْلى بأنْ يُلاحظَ بعينِ سرِّه ما هو بِصددِه مِن سوءِ مكرِهِ وعاقبةِ أمره (^٢).
_________________
(١) "وما ارعويتم وخسرتم": ليس من (ف).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٦).
[ ٦ / ١٣٢ ]
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ هذا مبتدأ، واختُلِف في أنَّه ممَّن، قال ابنُ زيدٍ وابنُ إسحاق: هو مِن اللَّهِ على فصلِ القضاء بذلك بينَ إبراهيمَ وبين قومِه (^١).
وقال ابنُ جريجٍ ﵀: هذا جوابُ قومِه لمَّا سألَهم: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾، فقالوا هذا (^٢).
وقال الزجاج ﵀: وهو جواب إبراهيم كما يسأل العالم ويجيب بنفسه (^٣).
وعن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ قالوا: يا رسولَ اللَّه، وأيُّنا لم يَظلم؟! فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنما هو كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] " (^٤).
ورويَ أنَّه -ﷺ- سُئِلَ عن هذه الآية، فلم يُجِبهم، حتى جاء رجلٌ فأسلمَ، فلم يَلبث قليلًا حتَّى جاهدَ فاستشهد، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "هذا مِنهم" (^٥).
وعن أبي بكرٍ الصِّديقِ ﵁: أنَّه كان يُفسِّرهُ بالشِّرك (^٦).
وعن عمرَ ﵁: أنَّه كان يُفسِّره بالذَّنب.
والظُّلمُ يَقعُ على ذلك كلِّه، فعلى تفسيرِ الصِّدِّيق معناه: أولئكَ لهم الأمنُ
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٦٨ - ٣٦٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٦٩)
(٣) لم أقف عليه في "معاني القرآن" للزجاج، وذكره الواحدي في "البسيط" (٨/ ٢٥٤) من قول ابن عباس ﵄.
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" (٦٩٣٧)، ومسلم في "صحيحه" (١٢٤).
(٥) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٨٨٥ - تفسير) عن إبراهيم التيمي، وهو مرسل.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٧٢).
[ ٦ / ١٣٣ ]
من العذابِ المؤبَّدِ، وعلى تفسير الفاروق معناه: أولئك لهم الأمنُ مِن بعد العذابِ المؤقَّت.
وقال الحسنُ والكلبيُّ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ في الآخرة، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ في الدُّنيا.
وقال أبو روق: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ مِن العذاب، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحُجَّة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: الذين أشاروا إلى اللَّه، ثمَّ لم يَرجِعوا إلى غير اللَّه؛ فإنَّ مَن قال: اللَّه، ثمَّ رجعَ بالتَّفضيلِ عند حاجاته أو مطالباتِه أو شيءٍ مِن حالاته إلى غير اللَّه، فخصمُهُ في الدُّنيا والعُقبى هو اللَّه.
والظُّلمُ في التَّحقيق: وضعُ الشَّيء في غيرِ موضعِه، وأصعبُه حسبان الحدثان ممَّا لم يَكُن فكان، فإنَّ المُنْشِئ هو اللَّهُ ﷿، والمجري اللَّه، ولا إله إلَّا اللَّه، وسقطَ (^١) ما سوى اللَّه (^٢).
* * *
(٨٣) - ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾؛ أي: وتلك الحُجَّةُ التي حاجَّ بها إبراهيمُ قومه حجَّتُنا ﴿آتَيْنَاهَا﴾؛ أي: أرشدناهُ إليها، ووفَّقناهُ للوقوف عليها، وقد ذكرَ في سورةٍ أُخرى ما حاجَّ به قومَه حين كسر أصنامَهم (^٣)، وفي سورةٍ
_________________
(١) في (ر): "وأسقط".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٦).
(٣) في سورة الأنبياء الآيات: (٥١ - ٦٧).
[ ٦ / ١٣٤ ]
أُخرى ما قال للنُّمرود -لعنه اللَّه- حين قال: أنا أحيي وأميت (^١)، فيجوزُ أنْ يكون اسمُ الحجَّة شاملًا هذا كلَّه.
وقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قرأ عاصمٌ والكسائيُّ وحمزةُ وخلف ويعقوب (^٢) بالتنوين، وهي مفعولُ ﴿نَرْفَعُ﴾، و﴿مَنْ﴾ مفعول ثان هاهنا، وقرأ الباقون بغير تنوينٍ على الإضافة وإفرادِ المفعول (^٣)، ومعناه: ﴿نَرْفَعُ﴾ مراتبَ ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ من عبادنا، فنؤتيه النُّبوَّة والملكَ والإمامة في الدِّين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: إنَّه يَضعُ الأشياءَ مواضعَ استحقاقِها، ومِن الحكمةِ إرسالُ الرُّسل، وتخصيصُ النَّبيِّين بالرِّسالة، وتأييدُ الرُّسلِ بالمعجزات، وهو أعلمُ حيث يَجعلُ رسالاته.
* * *
(٨٤) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَنَ﴾؛ أي: رزقناهُ جزاءً على نصرةِ الدِّينِ ومحاجَّةِ المشركين إسحاقَ ولدًا، ويعقوبَ نافلةً.
وقوله تعالى: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾؛ أي: هدينا كلَّ واحدٍ مِنهم للحقِّ، ومِن أجلِّ الكرامةِ، وأتمِّ السرورِ: أنْ يكونَ للمرء بعد وفاتِه ولدٌ صالحٌ، خصوصًا إذا كانوا أئمَّةً في الدِّين، فكيف وهم أنبياء؟
_________________
(١) في سورة البقرة الآية: (٢٥٨).
(٢) قوله: "وخلف ويعقوب" من (ف).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٢)، و"التيسير" (ص: ١٠٤)، و"النشر" (٢/ ٢٦٠).
[ ٦ / ١٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ قال الفرَّاء: أي: ومن ذريَّةِ نوح (^١)؛ لأنَّه نسق عليه ذكرَ يونسَ ولوط، وليسا من ذُرِّيَّة إبراهيم، بل هما من ذُرِّيَّة نوحٍ ﵇.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وهو إعطاءُ الذُّرِّيَّة الطَّيِّبةِ المهديَّةِ.
وقيل: أي: بالذِّكرِ والشَّرفِ والثَّناءِ الحسن.
وقيل: بالثَّواب والدَّرجات في الآخرة.
* * *
(٨٥ - ٨٧) - ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال الإمامُ أبو منصور ﵀: ذكر في فريقٍ أنَّهم محسِنون، وفي فريقٍ أنَّهم صالحون، وفي فريقٍ: فضَّلناهم على العالمين، وفي فريقٍ الهدايةَ والاجتباءَ، وهذا ليس على تخصيص كلِّ فريقٍ بما ذكرَ من الوصفِ، ولكنَّه على الجمع أنَّهم كذلك، ثمَّ (^٢) التفضيلُ يَحتمِلُ أنَّه بالنُّبوَّة (^٣)، ويَحتملُ أنَّهم
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٤٢).
(٢) بعدها في (ر): "هذا".
(٣) من قوله: "أنهم كذلك" إلى هنا ليس في (ف).
[ ٦ / ١٣٦ ]
كانوا مفضَّلين على العالمين بالإحسانِ والصَّلاح لو لم يكنْ رسالةٌ ولا نبوَّةٌ.
قال: وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ﴾ هم مَن تقدَّمهم، ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ مَن تأخَّر عنهم، ﴿وَإِخْوَانِهِمْ﴾ من قارنوهم (^١).
وقيل: ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ محمدٌ -ﷺ-.
وقيل: المؤمنون بعدَهم.
والاجتباءُ يكون بالرِّسالةِ، وهو خاصٌّ لهم، ويكونُ بالتَّوحيد والإسلام، وهو يَعُمُّ الأنبياءَ والمؤمنين، ويَحتملُ أنَّه برفعِ الدَّرجاتِ والفضائل. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ للتَّبعيض؛ لأنَّ مِنهم مَن لم يجتبِهم.
وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، و﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ يَنقضُ قولَ المعتزلة؛ فإنَّهم يقولون: أعطى الكلَّ مِن الهُدى ما أَعطى الأنبياءَ والرُّسل، وشاءَ لكلِّ أحدٍ أنْ يَبلغَ المبلغَ الذي إذا بلغَ ذلك، صَلَحَ للنبوَّة والرِّسالة، لكنَّهم شاؤوا ألَّا يَبلغوا ذلك المبلغَ، فيجعلون المشيئةَ في ذلك إلى أنفسهم دون اللَّهِ تعالى (^٢).
ودلَّت الآياتُ أنَّ مَن نالَ درجةً أو فضيلةً، فإنَّما نالَ بفضلِ اللَّهِ ومنَّته.
ثمَّ ذكرُ عيسى فيهم دليلٌ على أنَّ النَّسبَ يَثبتُ مِن قِبلِ الأمِّ، كما يثبتُ مِن قِبل الأب؛ لأنَّه جعلَهُ مِن ذُرِّيَّة نوحٍ، وهو لا يتَّصلُ به إلا بالأمّ.
وحكي أنَّ يحيى بنَ يَعمر كان يُناخ الحجَّاج في أنَّ العلويَّين أولادُ النَّبيِّ -ﷺ-، وكان الحجَّاجُ يَنفي ذلك، ويقول: هم أولادُ عليٍّ ﵁ لا غير، حتَّى أحضرَهُ
_________________
(١) في (ف): "قاربوهم".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٥٤ - ١٥٥).
[ ٦ / ١٣٧ ]
مقيَّدًا في يوم مظالم، وقال: لتأتيني بحُجَّةٍ ظاهرةٍ على ذلك وإلا لأقتلنك (^١)، فقرأ يحيى هذه الآية، وقال: إن عيسى ﵊ ما كان لهُ أبٌ، ومع ذلك جعلَهُ مِن ذُرِّيَّةِ نوحٍ بسبب (^٢) أمِّه (^٣)، ولذلك (^٤) احتُجَّ بقوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾؛ أنه دعا يومنذٍ الحسنَ والحسين ﵄ (^٥)، فكانا من أبنائِه، فأطلقه.
* * *
(٨٨) - ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾؛ أي: ما ذكرَ في قوله: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾، وفي قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ = هو هُدى اللَّه، ولهُ أنْ يَهدي به مَن يَشاءُ مِن عباده (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا إنباءٌ عن الحكمِ فيهم لو أشركوا، إلا أنهم لا يشركون؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى
_________________
(١) في (ف): "قتلتك".
(٢) في (ف): "بنسب".
(٣) خبر الحجاج مع يحيى بن يعمر رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٣٥) (٧٥٥٤) بنحوه عن أبي حرب بن أبي الأسود، ورواه الحاكم في "المستدرك" (٤٧٧٢) عن عبد الملك بن عمير وعاصم بن بهدلة.
(٤) في (ر) و(ف): "وكذلك".
(٥) خبر دعوة الحسن والحسين ﵄ عند نزول هذه الآية رواه مسلم في "صحيحه" (٢٤٠٤): (٣٢) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٦) بعدها في (ر): "من عباده".
[ ٦ / ١٣٨ ]
قد عصمَهُم واختارَهُم لرسالتِه، وذكر هذا ليَعلموا أنَّ الحكمَ واحدٌ فيمن أشركَ باللَّه غيرَه، وضيعًا كان أو شريفًا، وكذا قال في حقِّ الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وقولُه: ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي من الحسناتِ والخيرات قبل الإشراك (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: بيَّنَ أنَّه لولا تخصيصِه إيَّاهم بالتَّعريف، وتفضيلِه لهم على من سِواهم بغاية التَّشريف، لم يكن لهم استحقاقُ ذلك، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: لو لاحظوا غيرًا، أو شاهدوا (^٢) من دوننا شيئًا، أو نسبوا شيئًا مِن الحوادث إلى غير قدرتنا، لتلاشى ما أسلفوهُ مِن عرفانِهم وإحسانِهم؛ فإن الحقَّ لا يَغفِرُ الشِّركَ بحالٍ، وإنْ كان يَغفرُ ما دون ذلك لمن يشاء، ما يشاء من عصيانهم (^٣).
* * *
(٨٩) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾؛ أي: الكتبَ مِن الصُّحف والتَّوراةِ والإنجيل والزَّبور، ووحَّدَ لأنَّه جنسٌ؛ أي: أوحينا إليهم، وجعلناهُم الحكَّامَ على الأُمم، وأرسلناهُم بالنُّبوَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: فإن يَجحَد بهذه الأشياءِ أهلُ مكَّةَ.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٥٦).
(٢) في (أ) و(ف): "وشاهدوا".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٧).
[ ٦ / ١٣٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾؛ أي: قد هيَّأنا للإيمانِ بها قومًا ليسوا بها جاحدين، قيل: هم أهلُ المدينةِ، وهو بشارةٌ بإيمانِ الأنصار؛ لأنَّ السُّورةَ مكيَّةٌ.
وقيل: قد أقمنا لمراعاةِ النُّبوَّة والشَّرائعِ والقيام بها هؤلاء الأنبياء، وقد بشَّروا بخروجِكَ، ووَصفوا حالَك، وهذا أرفعُ لقدرِكَ مِن تصديقِ أشراف أهل مكَّة.
وقيل: الموكَّلون بها هم الملائكة.
وجملتةُ: أنَّه لا ضعفَ في حالِكَ بتكذيبِ أهل مكَّة، فقد صدَّقكَ الأنبياءُ والملائكةُ، ومن آمنَ مِن الجنِّ والإنس.
قال الزهري: هم العجمُ.
وقال مجاهد: هم الفرس، وهو كالأوَّل.
وقال أبو روق: هم علماءُ أهل الكتاب الذين أسلموا (^١).
والقولُ الأوَّل أنّهم أهلُ المدينة والأنصار: قولُ ابنِ عبَّاس ﵄ (^٢) والكلبيِّ.
* * *
(٩٠) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الاقتداءُ: الاتِّباع، وقد
_________________
(١) انظر: أقوال الزهري ومجاهد وأبي روق في "التفسير البسيط" (٨/ ٢٦٧).
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٨٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٣٩) (٧٥٧٤).
[ ٦ / ١٤٠ ]
قداهُ يَقدُوهُ؛ أي: تبِعَهُ، والقدوة بفتح القاف وضمِّها وكسرها: الأسوة، و﴿اقْتَدِهْ﴾ أمرٌ، والهاءُ للاستراحة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يعني أولئكَ الذين طهَّرَ اللَّهُ عن الجحدِ أسرارَهُم، ورفعَ على الكافَّةِ أقدارَهُم، فاقتفِ يا محمَّدُ هداهم المختار؛ فإنَّ مَن سلك الجدد (^١) أمِن العِثار (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الهدى: اسم لما يُدانُ به، وليس باسم للأفعال، لا يقال لتارك الصلاة أو الصَّوم أو الزَّكاة: ضالٌّ، ودلَّ هذا على أنَّ الأنبياءَ كانوا على دينٍ واحدٍ، والدِّينُ لا يَحتمِلُ النَّسخَ والتَّغييرَ، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، فأمَّا الشَّرائعُ فهي مختلفةٌ، تَحتَمِلُ النَّسخَ (^٣).
وقيل: معناه أنَّ الأنبياءَ كانوا صابرين صالحين، خاشعين عابِدين، زاهدين (^٤) محسنين، كما ذكروا في آياتٍ، فكن كذلك، كما قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ [الحجر: ٩٩]، ونحوها.
وقيل: أراد به ما بعدَه؛ أي: لم يكونوا يسألون الأجرَ مِن الأُمَم على التَّبليغ، فكن كذلك، وذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وكان الأنبياءُ كذلك، قال في قصَّة هودٍ: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية [هود: ٥١]، وقال في قصَّة صالحٍ: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾
_________________
(١) في (ر): "الجداد"، وفي هامشها -وكأنها ملحقة بها-: "الأرض الصلب". وكذا فسرت في هامش (أ).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٤٨٨).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٤) لفظ: "زاهدين" من (ر).
[ ٦ / ١٤١ ]
[هود: ٥١]، وقال في قصَّة نوحٍ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩]، وقال في قصَّة شعيبٍ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٨٠]، فكذلك في حقِّ نبيِّنا في هذه السُّورة، وفي سورة حم عسق (^١)، وقال في سورة الطُّور: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠].
والآيةُ دليلٌ على أنَّ أخذَ الأُجرة على تعليم القرآنِ والعلمِ وروايةِ الأحاديث ونحوها، وعلى الإمامةِ والأذانِ لا تجوزُ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: ما هو، يعني: القرآن، إلَّا عظةٌ للجنِّ والإنس، قاله ابن عباس ﵄ (^٣).
ثمَّ في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أضاف الهدى إلى الأنبياء، وفي قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ أضافَهُ إلى نفسِه؛ لأنَّ اللَّهَ هو الهادي به، والأنبياء هم المهتدون به، وهو كما قلنا في الأجل: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ٤٩]، ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤].
* * *
(٩١) - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾.
_________________
(١) يعني سورة الشورى في الآية (٢٣) منها.
(٢) اختلف في حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره من القرب. انظر تفصيل ذلك في "الموسوعة الفقهية" (٣٣/ ١٠٠ - ١٠١).
(٣) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٢٧٢).
[ ٦ / ١٤٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال مجاهدٌ ﵀: الآيةُ نزلَت (^١) في مشركي قريش؛ لمَّا قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾، قالوا: ما أرسل اللَّه رسولًا ولا أنزل كتابًا، فقال اللَّه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
وقال أبو العالية: وما وصفوا اللَّه حقَّ صفته (^٢).
وقيل: أي: وما عرفوه حقَّ معرفتِه.
وقيل: أي: وما عظَّموه حقَّ تعظيمه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾؛ أي: قل يا محمَّد للمشركين هذا الكلام، فإنَّهم وإنْ كانوا لا يؤمنون بموسى والتَّوراة، فإنَّهم يَرجعون إلى أهلِ الكتابِ في كثيرٍ مِن أمورِهم، ويُصدِّقونَهم فيها.
وقوله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ (^٣) كَثِيرًا﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو بياء المغايَبةِ فيها (^٤)، خبرًا عن أهلِ الكتاب أنَّهم يَجعلون التَّوراةَ صحفًا وكتبًا.
والقراطيس: جمعُ قِرْطاس، وهو الكتابُ والصَّحيفة، وقد قرطسَ؛ أي: كتبَ، وقال زهير:
بها أخاديدُ من آثارِ كاتبِها كما تردَّدَ في قرطاسِهِ القلمُ (^٥)
_________________
(١) لفظ: "نزلت" من (أ).
(٢) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٢٧٤).
(٣) في (أ): "تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون"، وهما قراءتان متواترتان.
(٤) وقرأ الباقون بالتاء فيها. انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٢)، و"التيسير" (ص: ١٠٥).
(٥) كذا نسبه لزهير الماورديُّ في "النكت والعيون" (٢/ ٩٥)، ولم أقف عليه في "ديوانه"، والراجح أنه لعدي بن الرقاع، وهو في "ديوانه" (ص: ١١٦)، وفيه وفي "النكت والعيون" "ساكنها" بدل: "كاتبها"، وهو الصواب.
[ ٦ / ١٤٣ ]
وقيل: أي: طوامير (^١).
وقال عبدُ العزيز بن يحيى: ﴿قَرَاطِيسَ﴾؛ أي: كتبًا متفرِّقة، وذلك ضربٌ مِن الاستخفاف والتَّهاون، ولذلك نُهي أنْ يصغَّر المصحف (^٢).
﴿ويخفون كثيرًا﴾ عن العامَّة ما فيه نعتُ محمَّدٍ -ﷺ- الإسلام، ويبدون صحفًا قد عزلوها عن الجملة في مدحِ بني إسرائيل، وتثبيتِ دين موسى ﵇، وتأكيدِ أمرهِ، ونحو هذا.
وقيل: يُبدون قراءةَ بعضها، ويُخفون قراءةَ بعضها، وهي في أحكامٍ لا يَرضون بها، كالرَّجمِ والقِصاص ونحوهما ممَّا ذكرنا.
وقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ قال مجاهدٌ: هو خطابٌ للمسلمين مِن هذه الأمَّة (^٣).
وقال الحسنُ: هو خطابٌ للعرب الكفَّار؛ أي: عُلِّمتُم بهذا القرآنِ ما لم تَعلموا أنتم، ولا عَلِمَهُ آباؤكم مِن أخبارِ ما يكون وما كان، ومِن الاحتجاجِ على الكلِّ، ولا يجوزُ أن يعلمَهُ محمَّدٌ إلَّا بوحيٍ، فمن أين جاء إنْ كان اللَّهُ لم يُنزِل على بَشرٍ مِن شيء؟
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ يعني: إذا قلت: مَن أنزلَ الكتابَ؟ فلم يجيبوا، فقل أنت: اللَّهُ أنزلَهُ، وقيل: أي: هو اللَّه، وقيل: أي: اللَّهُ الحكمُ بيننا؛ بإضمارٍ قبلَه أو بعده، والأصحُّ هو الأوَّلُ؛ فإنَّه تامٌّ بغيرِ إضمار.
_________________
(١) جمع طامور أو طومار، وهو الصحيفة. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: طمر).
(٢) روي كراهة ذلك عن عمر وعلي، رواه عنهما أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٣٩٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٠٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٤٣) (٧٦٠٦).
[ ٦ / ١٤٤ ]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: دَعهم وما هم فيه من التَّخليط والتَّكذيبِ بالكُتب على غير معرفةٍ، فإنَّهم إنَّما يَلعبون، فيَأتيهم الجزاءُ على خوضِهم ولعبِهم، وهي كلمةُ وعيدٍ.
وقيل: هو أمرٌ بالكفِّ عن القتال إلى أنْ يُؤمَر به.
قال ابنُ عبَّاس وقتادةُ ومجاهدٌ ومحمَّدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ والرَّبيعُ بنُ أنس: الآيةُ في اليهودِ والنَّصارى (^١)، والسُّورة مكِّيَّةٌ، لكنَّ هذه الآيةَ والتي تليها مدنيَّةٌ.
قال ابن عباس ﵄: كان مالكُ بن الصَّيف رأسَ اليهود، وكان سمينًا، فأتى رسولَ اللَّه -ﷺ- بمكَّة، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ: "أنشدُكَ اللَّهَ الذي أنزلَ التَّوراة على موسى، هل تجد فيما أنزلَ اللَّهُ تعالى أنَّ اللَّهَ تعالى يُبغِضُ الحبرَ السَّمين؟ " فقال: نعم، قال: "فأنت الحبرُ السَّمينُ، قد سَمِنتَ مِن مأكلَتِك التي يُطعِمُك اليهودُ" فضحِكَ القومُ، فغضبَ مالكٌ، ثمَّ التفتَ إلى عمر ﵁، فقال: يا عمر، ما أنزلَ اللَّه على بشرٍ مِن شيءٍ، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ٩١]، فلمَّا رجع مالكٌ إلى قومِه، قالوا: يا ويلَك، ما هذا الذي بلغنا عنك؟ قال: إنَّه أغضبَني، فلذلك قلتُ ما قلت، قالوا له: أو كلَّما غضبتَ كفرتَ، فنزعوهُ، وجعلوا مكانَه كعبَ بن الأشرف (^٢).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄ في روايةٍ أخرى: إنَّ اليهودَ قالوا: يا محمد، أنزلَ اللَّهُ عليك كتابًا؟ قال: "نعم"، قالوا: واللَّهِ ما أنزل اللَّهُ تعالى مِن السَّماءِ كتابًا،
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٩٥ - ٣٩٦) عن محمد بن كعب وقتادة وابن عباس.
(٢) ذكره بهذا اللفظ الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٤٤) دون نسبته لابن عباس. وكذا أورده أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٥٠٠)، وليس فيه التفاته إلى عمر ﵁. وأخرج نحوه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٤٢) (٧٥٩٧) عن سعيد بن جبير.
[ ٦ / ١٤٥ ]
فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا﴾ (^١)؛ أي: ضياءً مِن الضَّلالة، ﴿وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ (^٢)؛ أي: تكتبونه (^٣) في قراطيسَ مقطَّعةٍ، حتى لا تكونَ مجموعةً؛ لتُخفوا مِنها ما شِئتم، ولا يشعرَ بها العوام، ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ بتاء المخاطبة على قراءة الأكثر؛ لأنَّه كان يُواجِهُهم بها، قوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ على هذا التَّأويل خطابٌ لأهل الكتاب أيضًا، علموا بالتَّوراة ما لم يَعلموا هم ولا آباؤهم.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: لو كان هؤلاء أهلَ الكتاب في الحقيقة ما أنكروا الرُّسلَ، ولا الكتبَ؛ لأنَّ أهلَ الكتاب يؤمنون ببعضِ الرُّسل، وببعضِ الكُتُب، وإنْ كانوا يَكفرون ببعض، لكن هؤلاء أنْكَروا الرُّسل لمَّا كانوا أهلَ نفاقٍ؛ ويكونُ من اليهود أهلُ نفاقٍ، كما يكونُ مِن أهل الإسلام، كانوا يُظهِرونَ الموافقةَ لهم، ويُضمِرون الخلافَ لهم، والموالاةَ لأهل الشِّرك، ويُظاهِرون عليهم، كما كان يفعل ذلك منافقو أهلِ الإسلام، كانوا يُظهِرونَ الموافقةَ لرسولِ اللَّه -ﷺ-، ويُضمِرون الخلافَ له، ويُظاهِرونَ المشركين عليه، فأطلعَ اللَّهُ رسولَه على نفاقِهم؛ ليعلمَ قومُهم خلافَهم، وأنَّ ما كان من تحريفٍ وكتمانٍ كان منهم (^٤).
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٩٦)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٣٤٢) (٧٥٩٥)، (٧٥٩٦).
(٢) في (ر) و(ف): "يجعلونه"، ولم ينقط حرف المضارعة في (أ)، وسلف قريبًا ما فيها من قراءات، وأثبتها بالتاء لتوافق ما سيأتي.
(٣) في (أ): "مكتوبة"، وفي (ر) و(ف): "يكتبونه"، ولعل المثبت هو الصواب.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٦٦).
[ ٦ / ١٤٦ ]
(٩٢) - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ البرَكةُ: ثبوتُ الخيرِ على الازدياد، قال الشاعر:
ولا يُنجي مِن الغَمَراتِ إلَّا بُرَاكاءُ القتالِ أو الفرارُ (^١)
أي: الثّبوت للقتال؛ يعني: وهذا القرآنُ كتابٌ كثيرُ الخيرِ، موافِقٌ للتَّوراة التي كانَت قبلَه، وكانت ﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ وقد أنزلناهُ عليك.
قوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ أي: ولتُخوِّفَ أهلَ مكَّة، فأضمرَ الأهل، كما في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وسُمِّيَت مكَّةُ أمَّ القرى؛ لأنَّها مجتَمَعُ أهلِ القُرى، كما تَجتمِعُ الأولاد إلى الأمِّ.
وقال السُّدِّيُّ: لأنَّها أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ (^٢)، فكأنَّ القُرى تنشَّأت عنها.
وقال الزجاج: لأنَّها معظَّمةٌ عليها كتعظيم الأمِّ (^٣).
وقيل: هي من الأَمِّ، وهو القصدُ؛ لأنَّها مقصِدُ الخلقِ.
﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من البلاد والبوادي؛ أي: لإنذارِ أهل مكَّة ومَن حولَهُم مِن سكانِ كلِّ المواضع أنزلناه، دلَّت الواوُ على إضمار ذلك في آخره، كما في
_________________
(١) البيت لبشر بن أبي خازم، وهو في "ديوانه" (ص: ٧٩). والبراكاء -بفتح الباء وضمها-: الثبات في الحرب والجدّ. انظر: "لسان العرب" و"تاج العروس" (مادة: برك).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٤٥) (٧٦١٦).
(٣) نص قول الزجاج في "معاني القرآن" له (٢/ ٢٧١): سميت أمَّ القرى لأنها كانت أعظم القرى شأنًا.
[ ٦ / ١٤٧ ]
قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، أضمر: "أريناه" في آخره (^١).
وقيل: تقديره: ليُصَدِّقَ الذي بين يديهِ وليُنذِر به هؤلاء.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾؛ أي: الذين يُصدِّقون بالآخرةِ مِن (^٢) أتباعِ محمَّد ﵊، وقد تَدبَّروا هذا القراَنَ، فدلَّهم ذلك على أنَّه مُنزَّلٌ مِن عند اللَّه، فصدَّقوا به، فهم به مؤمنون، وللصَّلواتِ الخمسِ -التي هي أعظمُ العبادات بعدَ الإيمان، وأجمعُها للخضوعِ والخشوعِ وخصالِ الخير- مؤدُّون، وعليها مداومون.
وقوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ يرجِعُ إلى القرآن، وقال الفرَّاء: إلى النَّبيِّ -ﷺ- (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قيل: إنَّ أهلَ الكتابِ يُؤمنونَ بالبعثِ، ولا يؤمنون بهذا الكتاب، فما معنى هذه الآية؟ والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنَّ هذا في قومٍ مخصوصين منهم، آمَنوا بالبعثِ وآمنوا به.
والثَّاني: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ بالعلم والحُجَج، آمنوا بالقرآن؛ لأنَّ القرآن جاءَ بتأييد حججِ البعث وتأكيدِه، فلا يجوزُ أنْ يُؤمنوا بما يُؤيِّدُه القرآنُ، ولا يُؤمنوا بالقرآن.
والثالث: أنَّه إخبارٌ عن أوائِلهم أنَّهم كانوا آمَنوا بالبعثِ وبالآيات والحجج، فلمَّا جاءَ محمَّدٌ بالقرآنِ آمَنوا به (^٤).
_________________
(١) ما بين معكوفتين ليس من (ف).
(٢) في (ف): "لمن".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٤٤).
(٤) لفظ: "به" ليس في (ر)، وموضعه في (ف): "بالبعث وبالآيات والحجج".
[ ٦ / ١٤٨ ]
والرَّابع: أنَّ الآيةَ في المؤمنين، أخبرَ أنَّهم آمَنوا بالآخرةِ، وآمنوا بالقرآن.
والخامس: أنَّ معناه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يَحِقُّ لهم أنْ يُؤمِنوا بالقرآن؛ لأنَّه به يَتزوَّدُ إلى الآخرة (^١).
وقال غيره: إنَّ أهلَ الكتاب وإنْ آمنوا بالبعثِ، ولكن لا يعتدُّ (^٢) بإيمانهم؛ لأنَّ إيمانَهم بالآخرة للجزاءِ بالثَّواب والعقاب يَدعوهم إلى الإيمانِ به، والمحافظةِ على الصَّلواتِ، وسائرِ الطَّاعات.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كتابُ الأحبابِ عزيزُ الخطرِ، جليلُ الأثرِ، فيه سلوةٌ عند غَلَباتِ الوجدِ، ومن بقي عن الوصول تذلَّل للرسول، وقيل في معناه:
وكُتبُكَ حولي لا تُفارِقُ مضجعي وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتمُ
كأنّي ملحوظ من الجن نظرة (^٣) وهنَّ حواليَّ الرُّقى والتَّمائِمُ (^٤)
* * *
(٩٣) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٧٢).
(٢) في (ف): "لا يعبأ".
(٣) في (ف): "لحظة".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٩).
[ ٦ / ١٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أي: ومَن أظلمُ لنفسِه وعقلِه، وأوضعُ للشَّيء في غيرِ موضعِه، ممَّن اختلقَ على اللَّه كذبًا، وادَّعى أنَّه أرسلَهُ نبيًّا وأوحى إليه، ولم يكن أوحى إليه، كمُسيلِمةَ والعَنسيِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وممن قالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ وهو عبدُ اللَّه بنُ سعد بنِ أبي سَرْح.
قال ابنُ عباس ﵄: نزلت (^١) في مسيلمة الكذاب الحنفي. وكذا قال مقاتل (^٢)، قال: زعمَ أنَّ اللَّهَ تعالى أوحى إليه، وكان أرسلَ إلى النَّبيِّ -ﷺ- رسولين، فقال لهما رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أتشهدان أنَّ مسيلِمةَ نبيٌّ؟ " قالا: نعم، فقال -ﷺ-: "لولا أنَّ الرُّسلَ لا يُقتَلون لضَربتُ أعناقكما" (^٣).
وقال جابر ﵁: قال النبيُّ -ﷺ-: "رأيتُ في المنام كأن في (^٤) يديَّ سوارينِ من ذهبٍ، فكبُرا عليَّ، فقيل لي: انفخْهُما، فنفختُهما فطارا عنِّي، فأوَّلتُهما الكذَّابين اللذين أنا بينهما؛ كذابُ اليمامةِ مسيلمة، وكذابُ صنعاء الأسود العنسي" (^٥) قتله قيس بن مكشوح على عهدِ رسول اللَّه -ﷺ-.
_________________
(١) يعني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى. . .﴾. انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٢/ ٤٥٨)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٢٨٥).
(٢) بعدها في (ر): "مسيلمة".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٧٥ - ٥٧٦). وخبر رسولي مسيلمة رواه أبو داود في "سننه" (٢٧٦١) من حديث نُعيم بن مسعود ﵁.
(٤) في (أ): "بين".
(٥) لم أقف عليه عن جابر، وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٦٢١)، ومسلم في "صحيحه" (٢٢٧٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦ / ١٥٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وهو عبدُ اللَّه بن سعد بن أبي سرح، من بني عامر بن لؤي، أخو عثمان من الرَّضاعة، وكان تكلَّم بالإسلام، فدعاهُ النَّبيُّ -ﷺ- ليكتبَ له، فكان إذا ألقى عليه رسولُ اللَّه -ﷺ-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، كتب: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وأشباه ذلك، فلمَّا نزل قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية، أملى عليهِ رسولُ اللَّه -ﷺ- الآيةَ، فعجبَ عبدُ اللَّه مِن تفصيلِ خلق الإنسان، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقال له رسولُ اللَّه -ﷺ-: "اكتبها فهكذا نزلت (^١) " فشكَّ عبدُ اللَّه، وقال: لئن كان محمَّدٌ صادقًا، لقد أوحيَ إليَّ كما أوحيَ إليه، وإنْ كان كاذبًا لقد قلتُ كما قال، ثم ارتدَّ عن الإسلام (^٢).
وقال السُّدِّيُّ: فلحقَ بمكَّة بالمشركين، ووشى بعمَّار بنِ ياسر وبعبد ابن (^٣) الحضرميِّ، فأخذوهما وعذبوهما حتَّى كفرا باللِّسان، وجُدِعت أذن (^٤) عمار، وأنزل اللَّه تعالى فيهم: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]؛ يعني: عمارًا، ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعني: عبدَ اللَّه بنَ سعد بنِ أبي سَرْح (^٥).
_________________
(١) في (ف): "أنزلت".
(٢) بعدها في (ر): "ونعوذ باللَّه". والخبر أورده الثعلبي في "أسباب النزول" (ص: ٢١٦) من رواية الكلبي عن ابن عباس ﵄ دون ذكر تبديله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ بـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وأشباهها، وهذا المعنى أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٠٥ - ٤٠٦) عن عكرمة والسدي.
(٣) في "تفسير الطبري" (٩/ ٤٠٦): ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي.
(٤) في (أ): "أنف". والمثبت موافق لمصدر التخريج.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٠٥ - ٤٠٦).
[ ٦ / ١٥١ ]
وقال عطاء: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يريد المستهزئين، النضر بن الحارث وأصحابَه، والمقتسمين، قالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أخبرَ عمَّا يَجري على هؤلاء الظَّالمين المذكورين في أوَّلِ هذه الآية عند مولِهم، فقال: ولو تَرى يا محمَّدُ، إذ هؤلاء المشركون الظَّالمون أنفسَهم وعقولهم في شدائدِ الموتِ وسكراتِه التي تَغمرُ عقولَهم؛ أي: تُزيلُها وتَغلبُ عليها كغمرةِ الماء، ورجلٌ مغامِرٌ؛ أي: مخاطِرٌ بنفسِهِ ملقٍ لها في الغَمَرات.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الذين هم قابِضو الأرواحِ مِن ملائكة العذاب، ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ بعنفٍ وغِلْظَةٍ، يَقولون لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ القولُ هاهنا مضمَرٌ لدلالة الحال عليه؛ أي: أخرجوا أرواحَكم مِن أبدانِكم.
وقال الحسن ﵀: أي: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ مِن هذه الشَّدائدِ لو قدَرتُم، وهذا توبيخ وصيغتُه صيغةُ الأمر، ومعناه التَّقريع، كقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [الأنعام: ٣٠] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾؛ أي: الهوانِ والذُّلِّ، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: بشركِكُم، وكذبِكم على اللَّه، وتَعظُّمِكُم على الانقيادِ للحقِّ.
وجواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف، وتقديرُه في آخره: لرأيتَ أمرًا عظيمًا، ونحو ذلك.
_________________
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ١٦٩) من قول ابن عباس ﵄.
(٢) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (٢/ ١٤٥)، و"التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٢٩٠).
[ ٦ / ١٥٢ ]
وقال الحسن: هذا في النار (^١)، ومعنى قوله: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾؛ أي: في شدائد العذاب، ولم يُردْ به حقيقةَ الموت، وهو كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، وعلى هذا قوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾، وله وجهان دون إخراج الأروح:
أحدهما ما حكيناه عن الحسن: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ مِن هذه العقوبات.
والثاني: بمعنى لاقوا شِدَّة العذاب، كما يُقال للواقع في الشِّدَّة والغيظ: أخرج نفسَك، وانْزِع روحَك.
وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾: إنَّ الذين يَتنزَّلون منزلةَ المحدَّثين، ولم يلق إلى أسرارهم خصائصُ الخطاب، فالحقُّ ﷾ عنهم (^٢) بريء، والمتشبِّعُ بما لم يَنَل، كلابس ثوبَي زورٍ -كما روي (^٣) -، وأنشدوا في معناه:
إذا اشتبكت دموعٌ في خدود تبيَّنَ مَنْ بكى ممَّن تباكى (^٤)
* * *
(٩٤) - ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٢٩٠).
(٢) في (ر): "منهم".
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" (٥٢١٩)، ومسلم في "صحيحه" (٢١٣٠) من حديث أسماء ﵂.
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٩)، والبيت للمتنبي، وهو في "ديوانه" (بشرح المعري) (٤/ ٤٢١).
[ ٦ / ١٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ ويقال لهم في الآخرة هذا، أضمَرَ في أوَّله (^١)، أو ذَكرَهُ بصيغة الماضي والمرادُ به المستقبل، كما ذكر في كثيرٍ مِن أمورِ يوم القيامة؛ لقربِه وتحقُّقه؛ إلحاقًا بالماضي، كالكائن المتحقِّق.
و﴿فُرَادَى﴾ جمعُ فرد عند الفرَّاء (^٢)، وعند بعضِهم جمعُ فريد، كما يُقال: قرين وقُرانى، ورَديف ورُدافى، ولا يَنصرفُ للياء المرسلةِ الزائدة في آخره؛ أي: جئتمونا مُنفردِين (^٣) عن الأعوانِ والشفعاء، وقيل: عن الأموالِ والخدَمِ والحشَم.
وقوله تعالى: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: بهذه الصِّفة جئتُم، لا يَصحبكم ما كنتم تتكثَّرون به مِن الأعوان والأنصار والأموال، ولا معكم ما كنتم تعبدونَهُم وتزعمون أنَّهم (^٤) شركاءُ للَّه شفعاءَ لكم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ التَّخويلُ: تَمليكُ الخَول؛ أي: الخدم والأتباع، وواحدُهم خائل.
وقيل: التَّخويلُ: الإعطاءُ على غير جزاء؛ أي: خلَّفتُم في الدُّنيا ذلك، وتَركتُموهم لا تَنظرون إليهم ولا تلتفتون، كالمنبوذِ وراءَ الظَّهر، إنَّما نظرُكم إلى أعمالِكم التي قدَّمتموها.
وقيل: أي: لم تُقدِّموا ما خوَّلناكم فتَنتفِعوا به، بل تركتموه لمن يَخلُفُكم مِن الورثة.
_________________
(١) بعدها في (ف): "هذا".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٤٥).
(٣) في (أ): "متفردين".
(٤) في (ف): "أنتم" بدل: "وتزعمون أنهم".
[ ٦ / ١٥٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾؛ أي: أصنامَكم التي قلتم: إنها شفعاءُ لكم وشركاءُ لي.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرأ نافعٌ وأبو جعفر (^١) والكسائيُّ، وعاصم في رواية حفص: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ بالنَّصب؛ أي: ما بينكم، أو: تقطَّعَ الودُّ بينكم، أو السَّببُ الذي (^٢) بينكم.
وقرأ الباقون: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ برفع النُّون (^٣)؛ لأنَّه في معنى الاسم، ومعناهُ: تقطَّع وصلُكم.
وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أي: بَطَلَ ما قلتُم: إنَّها شفعاؤكم.
وقال عكرمة: قال النَّضر بن الحارث: يَشفعُ لي اللَّاتُ والعُزَّى، فنزلَت هذه الآيةُ (^٤).
والآيةُ الأولى وعيدٌ لهم عند الموت، وهذا وعيدٌ لهم بعد البعث، و﴿بَيْنَكُمْ﴾ بالرَّفع؛ أي: وصلُكم، والبينُ الفصلُ أيضًا، وهو مِن الأضداد.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ دخلتَ الدُّنيا بخِرْقَةٍ، وخرجتَ منها بخِرقَةٍ، ألا وتلك الخِرْقةُ أيضًا لبسة (^٥)، وما دَخلتَ إلَّا بوصفِ التَّجرُّد (^٦)، ولا خرجتَ إلَّا بحكمِ التَّجرُّد، ثمَّ الأثقالُ والأوزارُ والأحمالُ والأوضار
_________________
(١) قوله: "وأبو جعفر": زيادة من (ف).
(٢) لفظ: "الذي" من (أ).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٣)، و"التيسير" (ص: ١٠٥)، و"النشر" (٢/ ٢٦٠).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤١٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٥٠) (٧٦٤٤).
(٥) كذا، ولم يتبينها محقق "لطائف الإشارات" فترك موضعه نقاطًا، فاللَّه أعلم.
(٦) في (ر): "التردد".
[ ٦ / ١٥٥ ]
لا يَأتي عليها حصرٌ ولا مقدار، فلا مالُكم أغنى عنكم، ولا حالُكم يرفع منكم (^١)، ولا شفيعَ يُخاطِبُنا فيكم، لقد تَفرَّقَ وصلُكم، وتَبدَّد شملُكم، وتلاشى ظنُّكم (^٢)، وخابَ سعيُكم (^٣).
* * *
(٩٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾؛ أي: إنَّ اللَّهَ الذي أنتم أيُّها المشركونَ معترِفون به هو اللَّهُ الذي فلقَ الحبَّ؛ أي: شقَّ الحبَّ في الأرضِ، فأخرجَ منه النَّباتَ والزَّرع، وفلقَ النَّوى؛ أي: شقَّ النَّوى، فأخرجَ مِنهُ الغِراسَ والأشجار.
وقيل: أي: يَشُقُّ الحبَّ اليابسَ، فيُخرِجُ منه الورقَ الأخضرَ.
والحبُّ: جمعُ حبَّة، والنَّوى: جمعُ نواة.
وقال مقاتل: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾؛ أي: خالق البُرِّ والشَّعيرِ والذُّرة والحبوبِ كلِّها، ﴿وَالنَّوَى﴾ يعني: كلّ ثمرةٍ لها نوى؛ الخوخُ والنَّبْقُ والمشمشُ والغُبيراء والإجَّاص، وما كان من الثِّمار لها نوى (^٤).
وقيل: هو ما يُوجدُ من الشَّقِّ في الحبِّ والنَّوى، ووجودُ ذلك على هذه الهيئةِ فيه أعجوبةٌ ودلالةٌ على صنعِ صانعٍ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يدفع عنكم"، وفي (أ): "يدفع منكم"، والمثبت من "لطائف الإشارات".
(٢) في (أ): "حلفكم".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٤٩٠).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٧٩).
[ ٦ / ١٥٦ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أخبرَ أنَّه يَشقُّ النَّواةَ مع شدَّتِها وصلابتِها، ويُخرجُ منه نبتًا أخضرَ ليِّنًا، ما لو اجتمعَ كلُّ الخلائقِ على إخراجِ مثلِه ما قَدَروا عليه، وإنَّ مَن قدَرَ على هذا لقادرٌ على إعادة الخلقِ وبعثِهم بعد موتهم.
وفيه دليلٌ أنَّه فعلُ صانعٍ واحدٍ؛ لأنَّه لو كان فعلَ عددٍ لكان إذا أرادَ هذا شَقَّه منعَهُ الآخرُ.
وفيه دليلٌ على أنَّه على تدبيرٍ خرجَ، لا جُزافًا، حيث اتَّفقَ ذلك كلُّه في كلِّ عامٍ على وجهٍ واحدٍ (^١).
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: الإنسانِ من النُّطفة (^٢).
وقال الحسن: أي: المؤمنِ مِن الكافر (^٣).
وقيل: الطائعِ مِن العاصي.
وقيل: الطيرِ من البيضة.
وقيل: أي: السُّنبلة مِن الحبَّة، والشَّجرة من النَّواة.
وقوله تعالى: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾؛ أي: هو مخرجُ الميِّت من الحيِّ؛ النُّطفةِ مِن الإنسان، والبيضةِ مِن الطير، والكافرِ مِن المؤمن، والعاصي من الطَّائع، والحبَّةِ مِن السُّنبلة، والنَّواةِ مِن الشَّجرة.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٨٠ - ١٨١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٢٣ - ٤٢٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (عند تفسير الآية ٢٧ من سورة آل عمران) (٥/ ٣١٠).
[ ٦ / ١٥٧ ]
و"مخرج" موصولٌ بقوله: ﴿فَالِقُ﴾، وبينهما: ﴿يُخْرِجُ﴾؛ لأنَّه فعلٌ دائمٌ، والاسمُ المأخوذُ مِن الفعلِ يَدلُّ عليه، فتجانسا.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: القادرُ على هذه الأشياء، والمنعمُ بها هو اللَّهُ وحدَهُ، لا الأصنام.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: فإلى أين تُصرَفون عن هذا حتَّى تَعدِلوا به غيرَهُ.
* * *
(٩٦) - ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾؛ أي: هو الآتي بالنَّهار معاشًا، والفَلْقُ: الشَّقُّ، و﴿الْإِصْبَاحِ﴾: الصُّبح.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ قرأ حمزةُ وعاصمٌ والكسائيّ وخلف (^١): ﴿وَجَعَلَ﴾ وهو فِعلٌ، و﴿اللَّيْلَ﴾ نُصِبَ لأنَّه مفعول، و﴿سَكَنًا﴾ مفعولٌ ثانٍ.
وقرأ الباقون: ﴿وَجَاعَلُ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (^٢) وهو صفةٌ، كقوله تعالى: ﴿فَالِقُ﴾، و﴿اللَّيْلَ﴾ مضافٌ إليه، ﴿سَكَنًا﴾ مفعولٌ بالفعلِ الذي دلَّ عليه قولُه: ﴿وَجَاعَلُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ بالنَّصب على القراءتين المتقدِّمتين؛ أمَّا على قراءة من قرأ: ﴿وَجَعَلَ﴾ فظاهرٌ أنّهما معطوفان على قوله: ﴿اللَّيْلَ﴾، وأمَّا على قراءةِ مَن قرأ: ﴿وَجَاعَلُ اللَّيْلَ﴾ فبتأويل وقوع ﴿جاعلُ﴾ على ﴿اللَّيْلَ﴾؛ لأنَّهم
_________________
(١) قوله: "وخلف" من (ف).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٣)، و"التيسير" (ص: ١٠٥)، و"النشر" (٢/ ٢٦٠).
[ ٦ / ١٥٨ ]
يَذهبون بالفعلِ الدَّائم إذا أضافوهُ مذهبَ الماضي، يقولون: وحشيٌّ قاتلُ حمزة؛ أي: الذي قتلَ حمزة، فإذا نَسقوا على ما خفضوهُ بظاهرِ لفظة الإضافةِ، نَسقوا عليه بالنَّصبِ؛ لأنَّه عندَهم في تأويلِ منصوبٍ.
ومعنى قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ أنَّهما يَسيرانِ في الفلَكِ بحسابٍ معلومٍ، لا يَختلِفُ على مرورِ الزَّمان (^١)، وذلك قولُ الكلبيِّ (^٢)، منازلُهما بحسابٍ معلومٍ لا يُجاوزانِه، حتَّى يَنتهيا إلى أقصى منازلِهما، والحُسبان جمعُ حِساب، كالشُّهبان جمعُ شهاب.
وقيل: أي: بحساب ما يَحتاجُ إليه العبادُ في معايشِهم ومعاملاتهم؛ أما الشَّمسُ فللثِّمار والحرثِ والنَّسل، وفي ذلك قِوَامُ العالم، وأمَّا القمرُ فلآجال الدُّيون، ومواقيتِ الأشياء، كما قال في الأهِلَّة: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾؛ أي: هو تقديرُ ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي لا يُغَالَبُ، و﴿الْعَلِيمِ﴾ بمصالحِ العباد، وما يَعبدون مِن دونه عاجزٌ عن هذا كلِّه، وليس بعزيزٍ ولا عليم، فكيف يُعدَلُ باللَّه.
* * *
(٩٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال
_________________
(١) في (ف): "الأزمان".
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٥٠٣).
[ ٦ / ١٥٩ ]
قتادة: جُعِلَت النُّجومُ لثلاثة أشياء؛ ليُهتدَى بها في ظلماتِ البَرِّ والبحر، وجُعِلت زينةً للسَّماء (^١)، وليُرمى بها الشَّياطين (^٢).
وقال مقاتل: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ نورًا (^٣)؛ لتَعرِفوا بها الطَّريق ليلًا إذا سرتُم ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (^٤).
وقوله: ﴿لَكُمُ﴾ ليس للملكِ بل للانتفاع.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفيه دليلُ وحدانيَّة الرَّبِّ وتدبيرِه وحكمتِه؛ لأنَّه جعلَ في السَّماءِ أدلَّة يَهتدون بها، ويَستدِلُّون بها على معرفة الطُّرق (^٥)، مع بعدِ ما بين السَّماءِ والأرض مِن المسافة، وسوَّى أسبابَهما، وعلَّقَ منافعَ بعضِها ببعض؛ ليُعلمَ أنَّه كان بواحدٍ مدبِّرٍ حكيمٍ (^٦).
وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: قد بيَّنَّا العلاماتِ الدَّالَّات (^٧) على انتفاءِ الأضداد والأندادِ لقومٍ يَفهمون.
وقيل: تفصيلُ الآياتِ أن يُؤتَى بها فصولًا، حتَّى يُفردَ كلُّ فصلٍ بالتَّأمُّلِ، فيكون أبلغَ في الاعتبارِ، وأبعدَ مِن الالتباس.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ فلقَ صُبحَ الكونِ فأشرقَت به
_________________
(١) من قوله: "قال قتادة" إلى هنا من (ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٢٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩١٣) (١٦٥٣٦).
(٣) من قوله: "وليرمى بها الشياطين" إلى هنا ليس في (ف).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٨٠).
(٥) في (ر) و(ف): "الطريق"، والمثبت موافق لما في "تأويلات أهل السنة".
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٨٤).
(٧) في (ف): "الدالة".
[ ٦ / ١٦٠ ]
الأقطارُ، كذلك فلقَ صبحَ القلوبِ، فاستنارَت به الأنوارُ، وكما جعل اللَّيلَ سكنًا، تَسكنُ فيه النُّفوسُ مِن كَدِّ التَّصرُّف في أسباب المعاش، كذلك جعلَ اللَّيلَ سكنًا للأحبابِ، يَسكنون فيه إلى روحِ المناجاة إذا هدأَت العيونُ مِن الأغيار، كما قيل:
اللَّيلُ للعاشقين سِترٌ يا ليتَ أوقاتَهُ تَدومُ (^١)
وجعلَ الشَّمسَ والقمرَ يجريان بحسابٍ معلومٍ، على حدٍّ معلوم، فالشَّمس بوضعها (^٢) منذ خلقت لم تَنقُص، ولم تَزدَد، والقمرُ لا يَبقى ليلةً واحدةً على حالةٍ واحدةٍ، بل هو أبدًا في الزِّيادةِ والنُّقصان، فلا يَزالُ يَنمو حتَّى يصيرَ بدرًا، ثمَّ يَنقُص حتَّى لا يُرى، ثمَّ يأخذُ في الظُّهورِ، كذلك دأبُهُ أبدًا إلى أن تَنقضي العادةُ، فلا نقصانَ ولا زيادة.
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ الآية، فكما أنَّ نجومَ السَّماءِ يُهتدى بها في الفلَوَات، فكذلك نجومُ القلوبِ يُهتدَى بها في معرفةِ ربِّ الأرض والسَّماوات (^٣).
* * *
(٩٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي آدمُ صلوات اللَّهِ عليه، وقد فسَّرنا ذلك في أوَّلِ سورة النساء.
_________________
(١) من قوله: "كما قيل" إلى هنا ليس في (ف)، ولا ورد البيت في "لطائف الإشارات" وهو لأبي فراس الحمداني، انظر: "ديوانه" (ص: ٣٤٤).
(٢) في "لطائف الإشارات": "بوصفها".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٠ - ٤٩١).
[ ٦ / ١٦١ ]
وقوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو وسهلٌ ويعقوب (^١): ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ بكسرِ القاف، وهو نعتٌ، ومعناه: فمِنكم مُستَقِرٌّ، ومِنكم مُستودعٌ.
وقرأ الباقون بفتح (^٢) القاف (^٣)، وهو مصدرٌ أو موضعٌ، ومعناه: فلكم مستقَرٌ ومستودَعٌ.
واختلف فيهما، روى عوفٌ عن ابن عباسٍ ﵄ قال: كلُّ مخلوقٍ قد فُرِغَ من خلقه فهو المستَقرّ، والمستودعُ ما في الأصلاب الذي هو مودَعُ خالقِه (^٤).
وكتب حَبْرُ تيماءَ إلى ابن عباسٍ ﵄ يسألُه عن هذه الآية؟ فكتبَ إليه: المستودعُ الصُّلب، والمستقر الرحم، ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥] (^٥).
وقال ابنُ الحنفية على عكسه: المستقر: الصُّلب، والمستودعُ: الرَّحم (^٦)؛ لأنَّ في الآيةِ تقديمَ ذكرِ المستقَرِّ على المستودَع.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ويَحتمل ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ في كلِّ حال؛
_________________
(١) قوله: "وسهل ويعقوب" من (ف)، وهي رواية روح عن يعقوب، وقرأ رويس عنه بفتح الراء. انظر: "النشر" (٢/ ٢٦٠).
(٢) في (أ): "فمستقر بنصب" بدل: "بفتح".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٣)، و"التيسير" (ص: ١٠٥)، و"النشر" (٢/ ٢٦٠).
(٤) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٣٨) من رواية العوفي عن ابن عباس ﵄.
(٥) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٣١٣). ورواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٣٨ - ٤٣٩)، وفيه أن ابن عباس هو سأل حبر تيماء عن المستقر والمستوح فأجابه الحبر!!
(٦) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٥٦، ١٣٥٧) (٧٦٩٠)، (٧٦٩٧).
[ ٦ / ١٦٢ ]
لأنَّه مستقرٌّ إلى أنْ يَنتقل (^١)، ومستودع؛ لأنَّه على شرف أن يَنتقل، ويَحتمِلُ مستقرٌّ في اللَّيل، ومستودعٌ في النَّهار (^٢).
وقال مِقْسَم: المستقرُّ: حيث يَأوي، والمستودعُ: حيث يَموت (^٣).
وقيل: المستقرُّ في الدُّنيا مدَّة حياتِه، والمستودَعُ: القبرُ إلى أنْ يُبعَثَ.
ورويَ عن النَّبيِّ -ﷺ-: "إنَّ الميِّتَ إذا بُعِثَ قالت الأرض التي كان مقبورًا فيها: اللَّهمَّ هذا ما استودعتَني" (^٤).
والاستيداعُ: جعلُ الشَّيء في الشَّيء للاحتفاظِ به.
وقال سفيانُ بنُ عيينة: مستقرُّها في الدُّنيا، ومستودَعُها في الآخرة (^٥).
وقال الحسنُ وقتادة: المستقرُّ: في القبر، والمستودَعُ في الدُّنيا حتَّى يَلحقَ بصاحبِه (^٦).
وكان الحسن يقول: يا ابنَ آدم، أنت وديعةٌ في أهلِك، وأنشد قول لبيد:
وما المالُ والأهلون إلَّا وَديعَةٌ ولا بُدَّ يومًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ (^٧)
_________________
(١) في (أ): "سفل".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٨٥ - ١٨٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٣٤) عن مقسم. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١١٨٤) عن مقسم عن ابن عباس ﵄.
(٤) رواه ابن ماجه في "سننه" (٤٢٦٣) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٨٣٤) عن ابن عيينة بإسناده إلى عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وأخرجه من طريق عبد الرزاق الطبريُّ في "تفسيره" (٩/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، وابنُ أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٥٥، ١٣٥٧) (٧٦٨٤)، (٧٦٩٥).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٤٢) عن قتادة عن الحسن.
(٧) انظر قول الحسن في "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٧٣)، والبيت في "ديوان لبيد" (ص: ١٧٠).
[ ٦ / ١٦٣ ]
وعنه أيضًا أنه قال: المستقر من مات والمستودع أنتم (^١)، وأنشدَ لسليمان بن يزيد العدويِّ:
فُجِعَ الأحِبَّةُ بالأحِبَّة قبلَنا فالنَّاسُ مَفجوعٌ به ومُفَجَّعُ
مستودعٌ أو مُستَقرٌّ قد خلا فالمستقرَّ يَزورُه المستودعُ (^٢)
وقيل: المستودَعُ: ما دامَ في البطن؛ لأنَّه قليلُ اللُّبثِ، وتَختلفُ به الأحوال، فإذا خرجَ فلهُ مستَقَرٌّ في الأرض، على ظهرِها، ثمَّ في بطنِها ثمَّ في الجنَّة، أو في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]، وقال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤].
وقال كُريب عن ابن عباسٍ ﵄: المستودعُ: في الصُّلب، وفي الرَّحم، وفي القبر، والمستقَرُّ: يوم القيامة. فجعلَّ كلَّ موضعٍ لا قرارَ فيه مستودَعًا، وجعلَ المستقرَّ في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: يَفهمون (^٣).
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: الفقهُ: معرفةُ الشَّيء بمعناهُ الدالِّ على نظيرِه، ولهذا لا يقال: اللَّه (^٤) فقيهٌ، والعِلمُ ما يُعلم بنفسه، واللَّهُ تعالى عالمٌ بالأشياء بذاتِه، لا بأغيارها ونظائرها (^٥).
_________________
(١) رواه أبن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٥٦، ١٣٥٧) (٧٦٨٩)، (٧٦٩٦).
(٢) البيتان لسليمان بن يزيد في "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٧٤)، وليس فيه إنشاد الحسن لهما.
(٣) بعدها في (ف): "الشيء".
(٤) في (أ) و(ر): "للَّه".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٨٦).
[ ٦ / ١٦٤ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كما أنَّ للنُّفوسِ والأبشارِ مُستَقرًّا ومستودَعًا، فإنَّ للضَّمائرِ والأسرارِ مستقرًّا ومستودعًا، فمِن عبْدٍ مستقَرُّ قلبِه أوطانُ الشَّهواتِ والمُنى، ومِن عبدٍ مستقرُّهُ مربعُ الزُّهدِ والتُّقى، ومن عبدٍ مستقرُّهُ حيث لا مسكنَ ولا مثوى وراءَ الورى (^١).
* * *
(٩٩) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ نقلَ الكلامَ مِن المغايبةِ إلى الإخبار عن نفسِه جمعًا بخطاب الملوك، وهو متعارفُ أهلِ اللِّسان. قوله: ﴿بِهِ﴾ أي بالماء وهو المطر.
وقوله تعالى: ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ يعني: نباتَ ما تُنبِتُهُ الأرضُ مِن كلِّ شيءٍ.
وقيل: أي: غذاءَ كلِّ شيءٍ، وما يَنبتُ به ويَنمو كلُّ شيءٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾؛ أي: مِن النَّباتِ ﴿خَضِرًا﴾؛ أي: زرعًا أخضرَ أوَّل ما يَظهر.
وقوله تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾؛ أي: مِن الزَّرعِ الأخضر ﴿حَبًّا﴾؛ أي: حباتٍ كثيرةً متراكبةً بعضُها فوق بعضٍ؛ لالتفافها، والحَبُّ جمعُ حبَّة، وإنَّما لم يقل: متراكبة؛ لظاهرِ اللَّفظِ الذي هو للواحدِ في الوضع.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩١).
[ ٦ / ١٦٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾؛ أي: ومِن طلعِ النَّخل، وكرر "من"؛ لأنَّ الأُولى تقدَّمَت موضعَها، فأُعيدَت في موضعِها.
وطلعُها: أوَّلُ ما يطلُعُ من ثمرِها.
والقنوان: جمعُ قِنو، وهو الكِباسَة (^١)، وقُنوان بضمِّ القاف لغةٌ.
والدَّانية: المُتدلِّيةُ القرلِبةُ مِن المتناوَل، وهذا عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ والبراءِ بن عازب وقتادةَ والضَّحَّاك (^٢).
وقال الزَّجاج: وفيه حذفٌ، وتقديرُه: مِنها دانيةٌ، ومنها بعيدةٌ، كما في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: الحرَّ والبرد (^٣).
وقال الحسنُ: أي: متدانيةً بعضُها إلى بعض (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ بكسرِ التاء وهو نصبٌ، وهي قراءةُ العامَّة؛ أي: أخرجنا به نباتَ كلِّ شيءٍ وجناتٍ أيضًا، أو (^٥) عطفًا على قوله: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾، وبالرَّفع -وهي روايةُ الأعشى والبرجميّ (^٦). . . . .
_________________
(١) الكباسة: العذق، وهو من التمر كالعنقود من العنب. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: كبس).
(٢) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٤٦ - ٤٤٨).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٧٥).
(٤) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ١٨٨).
(٥) في (أ): "أي"، وليست في (ف)، والمثبت من (ر)، وهو الصواب.
(٦) هو أبو صالح، عبدُ الحميد بن صالح بن عجلان، البرجميُّ التَّيميُّ الكوفي، مقرئٌ ثقة، أخذ القراءة عرضًا عن أبي بكر بن عياش ثم عن أبي يوسف الأعشى بحضرة أبي بكر، توفي سنة (٢٣٠ هـ). انظر: "غاية النهاية" لابن الجزري (١/ ٣٦٠ - ٣٦١).
[ ٦ / ١٦٦ ]
عن أبي بكر (^١) عن عاصم (^٢) - هي معطوفةٌ على قوله: ﴿قِنْوَانٌ﴾، أو يُضمَرُ في أوَّله: ومنه جناتٌ، أو هناك جنات.
وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ بالنَّصبِ عطفًا على ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ على قراءة النصب، أو على قوله: ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أو ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ قال ابنُ عباس ﵄: ﴿مُشْتَبِهًا﴾ في المنظر، ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في المطعَم (^٣).
وقال قتادة: ﴿مُشْتَبِهًا﴾ ورقُه، ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ ثمرُه (^٤).
وقال مقاتلُ بن حيان: يشبهُ ورقُ الزَّيتونِ ورقَ الرُّمان (^٥).
وقيل: أي: يَتشاكلُ بعضُها في الخِلقةِ والصُّورةِ والطَّعمِ واللَّون، ويَختلفُ بعضُها.
وقيل: ﴿مُشْتَبِهًا﴾ في الألوان، ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطُّعوم، أو على العكس.
وإنَّما قال: ﴿مُشْتَبِهًا﴾، ولم يقل: مشتبهة؛ لأنَّه أرادَ به جنسَ الثَّمرِ كلِّه، أو أراد (^٦) به المذكور، وخصَّ الرُّمَّان والزَّيتونَ بالذِّكر مِن بين سائر الأشجار (^٧)؛ لقربِ مكانِهما مِن القوم المخاطَبين، وعظَمِ خطرِهما عندهم.
_________________
(١) قوله: "الأعشى والبرجمي عن أبي بكر" من (ف).
(٢) انظر: "جامع البيان" للداني (ص: ٥٠٠)، و"الكامل" للهذلي (ص: ٥٤٥)، والقراءة المشهورة عن أبي بكر عن عاصم كقراءة الجمهور.
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٩٤).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٤٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٥٩) (٧٧١٣).
(٥) وهو قول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" (١/ ٥٨١).
(٦) في (أ) و(ر): "وأراد".
(٧) في (أ): "الأشخاص".
[ ٦ / ١٦٧ ]
وقال الزَّجاج: هما شجرتان تَزعُمُ العربُ أنَّ ورقَهما يَشتمل على الغصنِ مِن أوَّلِه إلى آخره، والبركة في ورقه اشتمالُه على عودِه كلِّه (^١).
وقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف (^٢): ﴿ثُمُره﴾ بالضمِّ، وهو صيغةُ الجمع، وقرأ الباقون بالفتح (^٣)، وهو صيغةُ الفرد.
وذكرَ فعله على التَّذكير؛ لظاهر (^٤) اللفظ، وكذلك قال: ﴿ثَمَرِهِ﴾، ولم يقل: ثمرها؛ ذهابًا به إلى المذكور، أو إلى الذي سبقَ ذكره.
واليَنعُ: النُّضجُ والبلوغ، وقد يَنَع يَيْنَعُ وأينعَ، ويقال: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ هو جمعُ يانع؛ أي: انظروا إلى اليانعِ منه، وهو كالتَّاجِر، وجمعُه التَّجْر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فيما ذكرنا دلالاتٌ على أنَّ لها صانعًا عليمًا حكيمًا حيًّا، قادرًا على تتابعِ نعمه على عبادِه، وعلى البعثِ بعد الموت؛ بما تَرونَ مِن إعادةِ النَّباتِ بعد التَّلاشي، وعلى وجوب الشكرِ له، وبطلانِ إشراكِ غيرِه به، وخصَّ المؤمنين بها؛ لأنَّهم هم المنتفعون بها، كما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: في هذه الآيات بيانُ قدرتِه، وسبوغ نعمتِه، وفيه محاجَّة المشركين في إبطالِ إشراكِهم باللَّه غيرَهُ، وتوجيهِهم الشُّكرَ إلى غيرِه.
وقال في قوله: ﴿خَضِرًا﴾: إنَّ الثَّمرَ أوَّل ما يخرجُ يكون خَضِرًا، ثمَّ يَتحوَّلُ إلى لونٍ آخر، وأراد به بقاءَ النَّضرةَ بالماء، ولولاه ليبس.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٧٦).
(٢) قوله: "وخلف" من (ف).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٤)، و"التيسير" (ص: ١٠٥)، و"النشر" (٢/ ٢٦٠).
(٤) في (أ): "على ظاهر".
[ ٦ / ١٦٨ ]
وقال في قوله: ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾: هو إخبارٌ عن لطفِه وصنعِه؛ إذ ليس في وِسع البشرِ إخراجُه وتركيبُهُ على ذلك الوجه، وفيه إثباتُ إنشاءِ الشَّيء لا مِن شيء؛ لأنَّه أخرجَ مِن الحبَّةِ والنَّواةِ نباتًا أخضر، ولم يكن في الأصل ذلك.
وفيه نقضُ قولِ الدَّهريَّةِ في كون الأشياءِ في شيءٍ واحد؛ إذ لا يَحتمِلُ كونُ عشرةِ آلاف نواةٍ، أو حبَّةٍ في نواة، أو حبَّةٍ واحدةٍ، أو الشجرةِ بطولها: في النَّواة.
وقال في قوله: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾: لمَّا كان التُّرابُ والماءُ واحدًا، واختلفَ الخارجُ، عُلِمَ أنَّه بتدبيرِ اللَّه وتخليقِه، لا بالماءِ والتُّراب، وفي إخراجِ الثِّمارِ والحبوب على التَّعاقُب، وإنزالِ المطرِ على التَّفاريق، قطراتٍ لا تَختلِطُ مع كثرتها وازدحامِها وبعدها؛ ما لو اجتمعَ الخلائقُ على حفظه ما قدروا عليه = دلالةٌ أنَّه بمدبِّرٍ عليم حكيمٍ. وكذلك انتقالُ الثَّمرِ مِن حالٍ إلى حالٍ إلى ينعها، على وجؤِ مختلفةٍ؛ دليلُ ما قلنا (^١).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: تَجانسَت أجزاءُ الأرضِ، وتوافقَت أقطارُ الكون، وتباينَ النَّباتُ في الطَّعم واللَّون، فدلَّ كل مخلوقٍ بلسانٍ فصيحٍ، وبيانٍ صريح، أنَّه لا يَستقِلُّ بنفسِه، وأنَّه موجودٌ بإيجادِ ربِّه (^٢).
* * *
(١٠٠) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾؛ أي: جعلَ المشركون الجنَّ شركاءَ للَّه، وهم الذين قالوا: بيزدان وأهرمن.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ١٨٦ - ١٨٩).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٢).
[ ٦ / ١٦٩ ]
وقيل: هو ردٌّ على بني مليح؛ قالوا: إنَّ اللَّهَ صاهر الجنَّ، فولدت له الملائكة، وهم بناتُه.
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؛ أي: هو خلقَ الكُلَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾؛ أي: اختلقوا وافتروا عليه بنسبةِ البنين والبنات إليه، وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: جهلًا.
وقيل: هم الذين قالوا: عزيرٌ ابن اللَّه، والمسيح ابنُ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أمرَ عبادَهُ بتنزيهِه عن ذلك، ونصبُه على المصدر.
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَالَى﴾؛ أي: تنزَّهَ ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ أي: من الشَّريك والولد.
* * *
(١٠١) - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مبدِعُها، وقد فسَّرناه في سورة البقرة بأتمَّ مِن هذا (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ أي: أبدعَ السَّماوات والأرض، ومن فيهما، وما فيهما من الملائكةِ والجنِّ، وكلَّ ما أشرك هؤلاء باللَّه، فلا يجوزُ أنْ يُسوَّى به شيءٌ مِن خلقِه في العبادة، ولا يجوزُ أن يكون له ولدٌ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يُحتاجُ إليه للاعتضاد به، أو للخدمة منه، أو للاستئناس به، أو لبقاءِ الذِّكرِ به بعد موت الوالد، واللَّهُ تعالى يَتعالى عن ذلك كلِّه علوًّا كبيرًا.
_________________
(١) عند تفسير الآية (١١٧) منها.
[ ٦ / ١٧٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾؛ أي: زوجة؛ أي: مِن أين يكونُ له ولدٌ؟ وكيف يكون له ولد؟ فالولدُ إنَّما يَكون عن ملاقاةِ زوجةٍ، والملاقاةُ والمماسَّة والمحاذاةُ تَستحيلُ في وصف (^١) الباري جلَّ وعلا، والصاحبةُ لا تكونُ إلَّا كفؤًا، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي (^٢): الأشياء كلّها بتخليقِه وفي ملكه وحكمه، فلا كفؤَ له مِن خَلْقِهِ، ولا حاجةَ له إلى غيرِه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فله العِلمُ والقدرةُ على الكمالِ، فلا مثلَ له، ولا مثال.
* * *
(١٠٢) - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾؛ أي: الموصوفُ بكمالِ القدرةِ والعلمِ والمُلكِ، والمنزَّهُ عن شبه (^٣) المخلوقين، هو ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ وحدَه، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ يَستحِقُّ هذا، فإياه فاعبدوا.
وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛ أي: حافظٌ مُدبِّرٌ، مصرِّفٌ على إرادته (^٤)، فلا يَستحِقُّ العبادةَ غيرُه.
_________________
(١) في (ر): "حق".
(٢) بعدها في (ر): "خلق".
(٣) في (ف): "سمة".
(٤) في (ر): "ما يريد بإرادته" بدل: "إرادته".
[ ٦ / ١٧١ ]
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: تَعرَّف إليهم بآياتِه، ثمَّ تَعرَّف إليهم بصفاتِه، ثمَّ كاشفَهم بذاتِه، بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تعريفُ العوامِّ والأصاغر، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تعريفُ الخواصِّ والأكابر (^١).
* * *
(١٠٣) - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ أي: لا تحيطُ به؛ لأنَّ الإحاطةَ تكون بالمحدود والمتناهي، واللَّهُ يَتعالى عن ذلك، وحملَهُ المعتزلةُ على نفي الرؤية، وليس كذلك؛ فإنَّ الإدراكَ ليس باسم الرُّؤية، ونفيُه ليس بنفيِ الرُّؤية، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، نفى الإدراكَ مع إثبات الرؤيةِ، فصحَّ ما قُلنا.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ أي: تُحيطُ رؤيتُه وعِلْمُه بالأشياءِ كلِّها، فله كمالُ العلمِ والصِّفات، والمخلوقاتُ كلُّها تحت قدرتِه وسلطانِه ومملكتِه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾ في فعالِه (^٢) بالعباد، ﴿الْخَبِيرُ﴾ العالمُ بالعبادِ وأعمالِ العباد.
قال: وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: البارُّ الرَّحيم.
قال: وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: العليمُ بخفيَّاتِ الأشياء، و﴿الْخَبِيرُ﴾: العليمُ بظواهرِ الأشياء (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٣).
(٢) في (ف): "أفعاله".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٠٠).
[ ٦ / ١٧٢ ]
وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: الذي لا يَخفى عليه شيءٌ.
وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: العالمُ بدقائقِ الأمورِ ومشكلاتِها.
وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: الذي أَعطى فوق الكفايةِ، وكلَّفَ دون الطَّاقة.
وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: المحسِنُ المتَفضِّل الرَّفيق.
* * *
(١٠٤) - ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: حُجَجٌ ظاهرات.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أي: فمَن تَدبَّر فيها منصِفًا لا معانِدًا (^١) ولا متعصِبًا، أبصرَ الرُّشدَ، وكان نفعُه له.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾؛ أي: مَن تَعامى عنها فضَررُ ذلك على نفسِه.
وقال الكلبي: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: القرآن ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ صدق القرآن وآمن بمحمَّدٍ، ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ عَمِلَ وأحرزَ الثَّواب، ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ فلم يُصدِّق، فعلى نفسِه جنى (^٢) العذاب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾؛ أي: قل يا محمَّد: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ﴾ في هذه الحالة برقيبٍ أقهرُكم على قَبولِه، بل ذاك إلى اللَّه سبحانَه، ونسخَتهُ آيةُ القِتال.
_________________
(١) في (ف): "مقلدًا".
(٢) في (ف): "جِدّ". ولعل صوابها: "جرَّ".
[ ٦ / ١٧٣ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: أوضحَ السَّبيلَ، وألاحَ الدَّليلَ، وأزاحَ العِلل، وأنارَ السُّبلَ، ولكن قيل (^١) في معناه شعر:
وما انتفاعُ أخي الدُّنيا بمقلتِهِ إذا استوَت عندَهُ الأنوارُ والظُّلَمُ (^٢)
* * *
(١٠٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: وكما صرَّفنا الآياتِ في هذه السُّورةِ (^٣)، نُصَرِّفُها بعد هذا في سائر السُّور.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو: ﴿دارستَ﴾ بالألف، وقرأ الباقون: ﴿دَرَسْتَ﴾ بغير ألف، بفتح التَّاء على الخطاب، إلَّا ابن عامر، فإنَّه قرأ: ﴿دَرَسَتْ﴾ بتسكينِ التَّاء (^٤).
و﴿دارست﴾ معناه: ذاكرتَ به أهلَ الكتاب وقارأتهم، وهو عن ابن عباس وسعيد بن جبير (^٥).
﴿دَرَسْتَ﴾ بغير ألف؛ أي: قرأتَ عليهم، وتعلَّمتَ منهم.
و﴿درسَتْ﴾ بتسكين التاء؛ أي: هذه أخبارٌ قد دَرَسَتْ وانمحت آثارُها، لتَقادُم العهد، وهو عن الحسن (^٦).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ولكن قيل".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٣)، والبيت للمتنبي، وهو في "ديوانه" (بشرح المعري) (٣/ ٢٥٢).
(٣) بعدها في (أ): "تصرفها".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٤)، و"التيسير" (ص: ١٠٥).
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٧٤ - ٤٧٥).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٧٧).
[ ٦ / ١٧٤ ]
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نُبيِّنُ الآياتِ في القرآن، في كلِّ وجهٍ نَدعوهم بها ونُخوِّفُهم، ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ يعني: أهلُ مكَّة حين تقرأ عليهم القرآن: ﴿دَرَسْتَ﴾ يقولون: تَعلَّمتَ مِن يسار أبي فُكيهة، وجبرٍ مولى قريش، وقرأت علينا، تَزعُمُ أنَّه مِن عند اللَّه (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: واختلافُ القراءات (^٢) لاختلافِ أقوال (^٣) الكفَرة لرسول اللَّه -ﷺ-؛ من قال: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فهو تأويل ﴿دَرَسْتَ﴾، ومنهم من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، فهذا تأويل ﴿درسَتْ﴾ بالسكون، ومنهم من قال: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سبأ: ٤٣] فهذا تأويلُ ﴿دَرَسْتَ﴾ بالفتح (^٤).
ثمَّ معنى الكُلِّ عند بعضهم أنَّ فيها إضمارَ: لا، وتقديرُه: وكذلك نُصرِّفُ الآيات لئلَّا يَقولوا دارلسْتَ أهلَ الكتابِ، أو (^٥) أخذت منهم، أو هذه أخبارٌ قد مضَت، إذا تأمَّلوا في الآياتِ وعرَفوا الدِّلالات، وهذا الإضمارُ كما في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وقوله: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩].
وقيل: هو بغيرِ إضمار، وهو بيان العاقبة؛ أي: صرَّفنا الآياتِ، فعاندَ بعضهم، وقالوا ذلك، وصارَ بيانًا للعالمين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛
_________________
(١) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٣٣٨، ٣٤٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٧٥).
(٢) في (أ): "القراءة".
(٣) في (ر): "أقاويل".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٠٤).
(٥) في (أ): "أي". وفي (ف): "و".
[ ٦ / ١٧٥ ]
أي: المؤمنين العلماء؛ فإنَّ الآياتِ تقعُ بيانًا لهم، وزيادةَ علمٍ باللَّه وبدينِه، فأمَّا المعانِدون فيقولون: هذا شيءٌ أخذتَهُ مِن أهل الكتاب، أو سمعتَ الأخبارَ، فجعلتها كتابًا مِن عندِك، وأضفتَهُ إلى اللَّه كاذبًا، فإذا قالوا ذلك، حقَّ العذابُ عليهم.
ثمَّ الواو في: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ (^١) ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ إمَّا أن تكون صلةً، أويُضمر في آخره فعلٌ، أي: وكذلك صرَّفنا الآياتِ، كما مرَّ في قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
* * *
(١٠٦) - ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (^٢)، قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: دعا المشركون رسولَ اللَّه -ﷺ- إلى ملَّةِ آبائه، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ مِن القرآن (^٣).
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فإيَّاه فارْجُ، وإيَّاه فخَفْ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تُعاقِبهم في الحال (^٤) إلى أنْ يرِدَ الأمرُ بالقتال.
* * *
(١٠٧) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.
_________________
(١) في (أ): "قوله" بدل: "وليقولوا".
(٢) بعدها في (ف): "من القرآن".
(٣) ذكر نحوه أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٥٠٦) دون نسبة.
(٤) في (ر): "للحال"، وليست في (ف).
[ ٦ / ١٧٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ بيَّنَ أنَّهم لا يُشرِكون على خلاف مشيئة اللَّه قهرًا له، وأنَّه لو علم منهم (^١) اختيارَ الإيمان لهداهُم للإيمان، ولكن علمَ مِنهم اختيارَ الشِّرك، فشاءَ لهم الشِّركَ، فأشركوا بمشيئته.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أي: مراعيًا لأعمالِهم، مأخوذًا بإجرامهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ بمسلَّطٍ على إكراهِهم على الإسلام، وليس عليك الآنَ إلَّا التَّبليغُ، إلى أنْ تؤمرَ بِقتالِهم.
* * *
(١٠٨) - ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ السَّبُّ: الشَّتم والعَيب والطَّعن، و﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: يَعبدونه وَيدعونه إلهًا، ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ نصب لأنَّه جوابُ النَّهي بالفاء، و﴿عَدْوًا﴾؛ أي: تجاوزًا عن الحقِّ إلى الباطل، وهذه الآيةُ تحقيقُ قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقال ابنُ عباس ﵄: قالوا: يا محمَّد، لتَنتهينَّ عن سبِّ آلهتِنا، أو لنَهجوَنَّ ربَّك، فنهاهُم اللَّهُ أنْ يَسبُّوا أوثانَهم (^٢).
وقال السُّدِّيُّ: لمَّا حضر أبا طالبٍ الوفاةُ، دخل عليه أبو سفيان، والنَّضرُ بنُ الحارث، وأبو جهل، وأميَّة وأبيّ ابنا خلف، والأسودُ بن البختريِّ، وعمرو بن
_________________
(١) في (أ): "فيهم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٨٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٦٦) (٧٧٦٠).
[ ٦ / ١٧٧ ]
العاص، فقالوا له: إنَّا نستحي أنْ نقتلَ محمَّدًا بعد موتِك (^١)، فتقولَ العربُ: كان أبو طالبٍ يَمنعُه، وأنت كبيرُنا وسيِّدُنا، وإنَّ محمَّدًا قد آذانا وآذى آلهتَنا، فادْعُه حتَّى يدَعَنا وآلهتَنا، وندعَهُ وإلهَهُ، فدعاهُ، فقال له: إنَّ هؤلاء قومُك وبنو عمِّك، فقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: "ما تريدون؟ " قالوا: نَدَعُكَ وإلهَكَ، وتَدَعُنا وآلهتنا، فقال أبو طالب: لقد (^٢) أنصفَكَ قومُك، فقال لهم رسولُ اللَّه -ﷺ-: "هل تعطوني كلمةً إنْ تكلَّمتُم بها ملَكتُم العربَ، ودانت لكم العجم"، قال أبو جهل: نُعطيكَها وعشرةَ أمثالِها، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "قولوا: لا إله إلا اللَّه"، فأبوا، فقال أبو طالب: فهل غيرُها، فإنَّ القومَ قد فزِعوا منها؟، فقال: "لا أريدُ غيرَها"، فقالوا: لتَكفَّنَّ عن شتمِ آلهتِنا، أو لنَشتُمَنَّكَ ونَشتمَ مَن يَأمرك به، فذلك قوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كيف نهانا عن سَبِّ مَن يَستحِقُّ السَّبَّ؛ مخافة سبِّ (^٤) مَن لا يَستحِقُّه، وقد أُمِرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهُم قتلونا، وقتلُ المؤمنِ بغير حقٍّ منكرٌ، وكذا أمرَ النَّبيَّ -ﷺ- تبليغَ الوحيِ والتلاوةَ عليهم، وإن كانوا يُكذِّبونَه؟!
قيل: إنَّ السَّبَّ لأولئكَ مباحٌ غيرُ مفروض، وقتالُهم فرضٌ، وكذا التَّبليغُ، وما كان مباحًا فإنَّه يُنهَى عما يَتولَّدُ مِنه وَيحدثُ، وما كان فَرضًا لا يُنهى عن المتولِّدِ منه. وعلى هذا يَقعُ الفرقُ لأبي حنيفة ﵀ في مَن قطعَ يدَ قاطعِ يدِه
_________________
(١) في (ف): "وفاتك".
(٢) في (أ): "قد".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٨١ - ٤٨٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٦٧) (٧٧٦٢).
(٤) في (ر) و(ف): "لئلا يسبَّ" بدل: "مخافة سب".
[ ٦ / ١٧٨ ]
قصاصًا، فماتَ منه؛ فإنَّه (^١) يضمنُ الدِّيةَ؛ لأنَّ استيفاءه حقَّهُ مباحٌ، فأُخِذَ بالمتولِّدِ منه، والإمامُ إذا قطعَ يدَ السَّارقِ، فمات، لم يَضمن شيئًا؛ لأنَّه فرضٌ عليه فلم يُؤخَذ بالمتولِّدِ منه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾؛ أي: كما زيَّنَّا لهؤلاء المشركينَ عنودهم وجحودَهم طبعًا (^٣)، باختيارهم ذلك وإصرارهم على ذلك طوعًا، ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ قبلَهم ﴿عَمَلَهُمْ﴾.
والمعتزلةُ يَحمِلون هذا على وجهٍ آخر، وقالوا معناه: زيَّنَّا لهم الإيمانَ والطَّاعةَ بالأمرِ والوعد، لكنَّهم تَركوا ذلك، واتَّبعوا ما زَيَّن لهم الشيطانُ مِن الكفر والمعصية، وقالوا: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ تَزيينَهُ في حقِّ الإيمان، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]، وذكر تزيين المعاصي مِن الشَّيطان، فقال: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فلا يَجوزُ أنْ يُزَيِّنَ اللَّهُ ما يُزيِّنُ الشَّيطان.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: التَّزيين على وجهين:
تزيينٌ في العقول، وهو تزيينٌ مِن طريقِ الآيات والبراهين، وذلك لا يَحتمِلُ في الكفر والضَّلال أنْ يكونَ مِن جهةِ الآيات.
وتزيينٌ في الطِّباعِ والشَّهوات، ويجوزُ أنْ يكون ذلك للكافر (^٤) في الكفرِ
_________________
(١) بعدها في (أ): "لا"، وهو خطأ.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨).
(٣) في (ف): "طمعًا".
(٤) في (أ): "للكافرين".
[ ٦ / ١٧٩ ]
والمعصيةِ مِن اللَّه، وليس إضافةُ ذلك إليه بأكبرَ مِن إضافةِ الإغواءِ والإضلال إليه، فقد ثبتَ ذلك، ومعناه ما مر مرَّات (^١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: ثمَّ يكونُ إلى جزاءِ اللَّه تعالى مصيرُهم يومَ القيامةِ، فيُخبِرُهم بما عمِلوا ويَجزيهِم عليه.
* * *
(١٠٩) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: حلفَ هؤلاء المشركون باللَّهِ مجتهدين في الحَلِفِ، مظهِرينَ للوفاء به.
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾؛ أي: كالآياتِ الظَّاهرةِ التي كانت لموسى وعيسى وغيرِهما، ممَّا لا يمكَنُ معارضتُه وإنكارُه.
وقيل: هي ما ذُكِرَ في قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤].
وقيل: هي ما اقترحوهُ ممَّا ذُكِرَ في قولِه: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات (^٢)، قالوا: لو جاءت هذه الآية لنصدقنَّ بها، ولنَشهدَنَّ لك بالنُّبوَّةِ ولنَدعَنَّ عبادةَ الأصنام.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: هي مِن عندِهِ تجيء، وهو يَأتي بها، لا أنا.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢١٢).
(٢) في سورة الإسراء من الآية (٩٠) إلى الآية (٩٣).
[ ٦ / ١٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو وسهلٌ ويعقوب وخلفٌ وقتيبةُ ونصيرٌ عن الكسائيِّ وأبو بكر وحمَّاد (^١) عن عاصم (^٢): ﴿إنها﴾ بالكسر، وهو على الابتداء، ومعناه: وما يُدريكم أنَّكم تؤمنون بها، ثمَّ ابتدأ خطابَ المؤمنين، فقال: ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: الكفَّار؛ لأنَّهم معاندون.
وقرأ عاصمٌ في رواية حفمصٍ والمفضَّلُ (^٣) وحمزةُ والكسائيُّ بالفتح (^٤)، وله وجهان:
أحدهما: أنَّ معناه: لعلَّها إذا جاءَت لا يؤمنون، كما تقول للرَّجل: ائتِ السُّوقَ؛ أنَّك تَشترِ لنا شيئًا، وقال عديُّ بنُ زيد:
أعاذِلُ ما يُدريكَ أنَّ مَنيَّتي إلى ساعةٍ في اليومِ أو في ضُحى الغَدِ (^٥)
والثاني: ما قال الفرَّاء: ﴿لَا﴾ هاهنا صلة، ومعناه: وما يُشعركم أنَّها إذا جاءَت لا يؤمنون، وهو كقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، وقولِه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] (^٦).
وقال الكلبيُّ: لمَّا نَزلت الآيةُ التي في "الشعراء" (^٧)، قال المشركون -لعنهم اللَّه-:
_________________
(١) بعدها في (ف): "عن حماد"، وهي مقحمة.
(٢) من قوله: "وسهل ويعقوب" إلى هنا من (ف).
(٣) قوله: "والمفضل" من (ف).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٥)، و"التيسير" (ص: ١٠٦)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٥٠١ - ٥٠٢)، و"النشر" (٢/ ٢٦١).
(٥) انظر: "الشعر والشعراء": (١/ ٢٢٦)، و"ديوان عدي بن زيد" (ص: ١٠٣).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٥٠).
(٧) يعني قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤].
[ ٦ / ١٨١ ]
أنزِلْها علينا إن كنتَ مِن الصَّادقين، حتَّى نؤمنَ بها، فقال المسلمون: يا رسولَ اللَّه، أنْزِلْها عليهم حتَّى يؤمنوا، فأنزلَ اللَّه هذه الآية (^١).
* * *
(١١٠) - ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ عن قَبولِ الحق ﴿وَأَبْصَارَهُمْ﴾ عن رؤيةِ الحقِّ عند نزول (^٢) الآية التي اقترحوها، فلا يؤمنوا بها، وهذا مضمَرٌ، وليس هذا بإجبارٍ، ولكن جزاءٌ لهم على سوءِ الاختيار، وعقوبةٌ لهم على الإصرارِ.
﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾؛ أي: باللَّه، فقد سبقَ ذِكرُه.
وقيل: أي بما (^٣) سبق ذكره من الآيات ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: حين انشقَّ القمرُ، وظهرَت الآياتُ المتقدِّمةُ على هذه الحالة.
وقيل: أي: كما لم يؤمن به المتقدَّمون عندَ رؤية الآية، كقوم صالح عند خروجِ النَّاقة، وقومِ عيسى عند نزول المائدة، ونحو ذلك.
وقيل: أي: كما لم يُؤمن هؤلاء ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وهو عند مجيء النَّبيِّ -ﷺ- ووحي القرآن، وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عنهم أنَّهم ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ
_________________
(١) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (٢/ ١٥٦)، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ١٠٣) لأبي صالح عن ابن عباس.
(٢) بعدها في (أ): "هذه".
(٣) في (ف): "إن" بدل من "أي بما".
[ ٦ / ١٨٢ ]
لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي: النَّصارى واليهودِ والمجوس، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: ونتركُهم في تماديهِم يَتحيَّرون، وظهر بآخرِ الآيةِ أنَّ الأوَّل جزاءُ فعلِهم، وفيه إثباتُ الخلق مِن اللَّه تعالى، والفعلِ من العبد، وهو كقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٦].
وقيل: إنَّ قولَه: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ الكافُ للمجازاة كما تقول: فعلتُ بك (^١) كما فَعَلتَ بي؛ أي: هذا الخذلانُ جزاءُ تلك المعاندة.
وقيل: ﴿بِهِ﴾؛ أي بالتقليب؛ أي: بسببِه.
* * *
(١١١) - ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾؛ أي: إلى هؤلاء المقترحين كلَّ الملائكةِ، فشَهِدوا لك، وإن كانوا سألوا مَلَكًا واحدًا، بقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨].
وقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾؛ أي: وأحيينا لهم كلَّ الأمواتِ، فشهِدوا لك، وإنْ كانوا سألوا منك إحياءَ اثنين من موتاهم؛ قصيِّ بنِ كلاب وجدعان بنِ عمرو، وكانا كبيرين فيهم، صدوقين منهم، قالوا: لو أحييتَهما، فشهدا لك بالنُّبوَّةِ لشهدنا نحن أيضًا.
_________________
(١) بعدها في (أ): "كذا".
[ ٦ / ١٨٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قيل: أي: وبَعثنا كلَّ حيوانٍ، مِن الفيلِ إلى البعوض؛ أي: أقمنا القيامة.
وقيل: أي: جمَعنا لهم كلَّ النَّاس (^١).
﴿قُبُلًا﴾ قرأهُ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ وابنُ كثير وأبو عمرو بضمِّ القاف والباء، وهو جمعُ القبيل والقبيلة؛ أي: قبائل، وهو قول مجاهد: فوجًا فوجًا (^٢)، وقول (^٣) يمانُ بن رئاب: جيلًا جيلًا.
وقيل: هو جمعُ القبيل الذي هو الضَّمين، كما قال: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]؛ أي: جمَعنا لهم كلَّ الناس ضمناءَ بصحَّةِ أمرِ نبوَّتِك، وبالوفاءِ بوعدِ الثَّواب.
وقيل: هو القُبُل الذي هو ضِدُّ الدُّبُر؛ أي: أتَوْهُم مِن قِبَلِ وجوهِهم، وهو قولُ الفرَّاءِ (^٤)، وهذا يكون نصبًا على الظَّرف، والأوَّلُ على الحال.
وقرأ أبو جعفر (^٥) ونافعٌ وابنُ عامرٍ: ﴿قِبَلًا﴾ بكسر القافِ وفتح الباء (^٦)، ومعناه: أي: عيانًا ومقابلة، ومنه القِبلةُ.
وقيل: أي: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ كلَّ ما غابَ عنهم مِن ثوابِ الآخرة وعقابِها فرأوهُ معاينةً.
_________________
(١) في (ف): "إنسان".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٩٦).
(٣) في (ف): "وقال".
(٤) ذكره الفراء في "معاني القرآن" له (١/ ٣٥٠ - ٣٥١) مع أقوال أخرى، واختار أنه بمعنى الكفالة.
(٥) قوله: "أبو جعفر" من (ف)، ووقع فيها تقديم وتأخير عند ذكر القراءات في هذه الآية ومعانيها.
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٦)، و"التيسير" (ص: ١٠٦)، و"النشر" (٢/ ٢٦٢).
[ ٦ / ١٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾؛ أي: لم يؤمنوا برؤيةِ هذه الآيات إلَّا أنْ يشاءَ اللَّه إيمانَهم فيؤمِنوا، فدلَّ على عنادِهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ودلَّ هذا على أنَّ الآيةَ وإن عظُمت، فإنَّها لا تَضطرُّ إلى الإيمان، فلا آيةَ أعظم مِن قيام السَّاعة، واللَّهُ تعالى يقول: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ويكون معنى قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]؛ أي: إنْ شاءَ اللَّه أنْ يخضعوا، لا أنَّ الآيةَ تَضطرُّهم إلى ذلك (^١).
ودلَّ أنَّهم إنَّما (^٢) لم يؤمنوا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لم يَشأ، ولو شاءَ لآمَنوا، ومَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهم اختيارَ الكفرِ والإصرارَ عليه، شاءَ لهُ ذلك، ومَن علمَ منهُ اختيارَ الإيمانِ، شاءَ له ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ولم يقل: كلهم، وإن كانت جهالةُ الكفرِ تَعمُّهم (^٣)؛ لأنَّ المراد -واللَّه أعلم-: ولكنَّ أكثرَهم يَجهلون أنَّه لو آتاهُم كلَّ آيةٍ يَقترِحُونها ما آمنوا طوعًا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بيَّنَ أنَّ الآياتِ وإن تَوالَت، وشموسَ البُرهانِ وإنْ تَعالَت، فمَن قصمتهُ العِزَّةُ، وكَبَستْهُ القسمةُ، لم يَزِدهُ ذلك إلَّا ضلالًا، فلم يَستجِدَّ إلا للشقوةِ حالًا (^٤).
وقال الكلبيُّ: هم المستهزئون بالقرآن، وهم خمسةُ رهطٍ: الوليد بن المغيرة،
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢١٨).
(٢) في (أ): "وذلك أنهم لما".
(٣) في (ف): "بعلمهم".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٥).
[ ٦ / ١٨٥ ]
والعاص بن وائل، والأسودُ بنُ عبدِ يَغوث، والأسودُ بنُ عبد المطَّلب، والحارث بن غيطلة، أتَوا رسولَ اللَّه -ﷺ- في رهطٍ مِن أهلِ مكَّة، فقالوا: يا محمَّد، ابعثْ لنا بعضَ موتانا حتَّى نسألَهم عنك، أحقٌّ ما تقولُ أم باطل، فنؤمن بك؟ أو ائتِنا بالملائكة يَشهدونَ لك، أو ائتِنا باللَّه والملائكة قبيلا؛ أي كفيلًا على ما تَقولُ أنَّه الحقُّ، فنزلَت الآيةُ (^١).
* * *
(١١٢) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾؛ أي: وكما جعلنا لك يا محمَّد أعداءً مِن المشركين، مجتمعين على عداوتِكَ، يَسألونك الآياتِ المقترحةَ، ويصوِّرونَ عند أصحابِهم أنَّك عاجِزٌ عن الإتيان بها، فكذلك جعلنا لكلِّ نبي عدوًّا، وهذه تسليةٌ له وتعزية.
و﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ هم الخبثاءُ والبُعداءُ عن الخيرِ منهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤].
وقال الكلبيُّ: إنَّ إبليسَ قسمَ جندَهُ فريقَين، فبعثَ منهم فريقًا إلى الإنسِ، وفريقًا إلى الجنِّ، فشياطينُ الجنِّ والإنسِ أعداءٌ لرسولِ اللَّه -ﷺ- ولأوليائه، وهم يَلتقون في كلِّ حينٍ، فيقول شيطانُ الإنس لشيطان (^٢) الجنِّ: أضللتُ صاحبي بكذا،
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ١٠٦) من رواية أبي صالح عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (أ) و(ر): "شياطين الإنس لشياطين" بدل: "شيطان الإنسان لشيطان".
[ ٦ / ١٨٦ ]
فأضِلَّ صاحبَك بمثلِه، ويقول شيطان الجنِّ لشيطان (^١) الإنس كذلك، فذلك وحيُ بعضِهم إلى بعض (^٢).
وقال قتادةُ: مِن الجنِّ شياطين، ومن الإنس شياطين، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (^٣).
وقال مالك بن دينار: إنَّ شياطينَ الإنسِ أشدُّ عليَّ مِن شياطين الجنِّ، وذلك أنِّي أتعوَّذُ باللَّه ذهب شيطانُ الجنِّ عنِّي، وشيطانُ الإنسِ يَجيئُني، فيَجرُّني إلى المعاصي عيانًا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾؛ أي: يوسوِس ويخطرُ بالبال بزخارفِ الأقوال، والزُّخرف: الزِّينة؛ أي: يُزيِّنون لهم الكفرَ والمقام على دين الآباء، فيُفسِدون قلوبَ الضَّعفةِ بذلك، ويَمنعونهم عن الإيمان، وهذا غرورٌ مِن شيطان (^٥) الجنِّ بالوسوسةِ والتَّمويه، ومن شياطين الإنس بالقبول، كتزيين إبليس لأبي جهل ما زَيَّن له، وهما عدوَّان للنَّبيِّ -ﷺ-، كما كان مثلُه لسائر الأنبياءِ، وهم صبَروا حتَّى أتاهمُ الفرجُ، فاقتدِ بهم يا محمَّد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ فدلَّ أنَّ كلَّ ذلك بمشيئتِه (^٦)، وكذلك
_________________
(١) في (أ) و(ر): "شياطين الجن لشياطين" بدل: "شيطان الجن لشيطان".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٨١) عن عكرمة والضحاك والسدي والكلبي. وأخرج الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٩٨) نحوه عن السدي.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٨٤٦)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٠٠ - ٥٠١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٧١) (٧٧٨٨).
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٨٢)، و"التفسير البسيط" (٨/ ٣٧٢).
(٥) في (أ): "شياطين".
(٦) في (ف): "بمشيئة اللَّه".
[ ٦ / ١٨٧ ]
قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾ دليلٌ على أنَّ أفعالَ العبادِ كلَّها بخلقِ اللَّه ﷿، فإنَّ جعلَهم عدوًّا يَخلقُ العداوةَ في قلوبهم، وعداوتُهم كفرٌ، فدلَّ أنَّ الأفعالَ (^١) خيرُها وشرُّها مخلوقةٌ للَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: على اللَّه تعالى وعليكَ (^٢)، فإنَّ اللَّهَ يَجزيكَ ويَنصرُك ويُخزيهِم، وهو كقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ الآية [الحجر: ٣].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كلَّما كان المحلُّ أعلى، كانت البلايا أوفى، والمطالباتُ أقوى، فلمَّا كانت رتبةُ الأنبياء أشرفَ، كانت العداوةُ معهم أشدَّ وأصعب (^٣).
* * *
(١١٣) - ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾؛ ليُغروهم (^٤)، وليَميلَ إلى زخرفِ القول الذين لا يُصَدِّقون بالبعث.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾؛ أي: وليُحِبُّوا ذلك.
_________________
(١) بعدها في (ر): "كلها".
(٢) بعدها في (ف): "يا محمد".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٥).
(٤) في (ف): "ليغرهم".
[ ٦ / ١٨٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾؛ أي: ولِيَكتَسبوا مِن المعاصي ما يُريدون أنْ يقترفوا، كما قال: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾؛ أي: ما تُريدُ أن تَقضيه.
وقيل: أي: ولِيَجْتَهدوا في تكذيبِ الأنبياء، وصَدِّ النَّاس عنهم ما في وسعِهم، فليس ذلك بضائرٍ لهم.
والصَّغْو والصُّغوُّ والصَّغَى (^١): الميل، وصرفُه من باب: صنعَ وعَلِم.
والاقترافُ: الاكتساب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣].
وقيل: تتَّصلُ هذه الآيةُ بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾؛ لينكشف بامتحاني إيَّاك بهم إيمانُ المؤمنين، وكفرُ الكافرين.
وقيل: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ وهم الأتباعُ، ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ فعلَهم ﴿مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ الرؤساء؛ أي: ليَشتركوا في الكفر.
* * *
(١١٤) - ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ استفهامٌ بمعنى الجَحْد، وبمعنى التوبيخ أيضًا.
وقال الكلبيُّ ﵀: أي: قل لأهل مكَّة: أغيرَ اللَّه أبتغي ربًّا أعبدُه؟!.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾؛ أي: مبيَّنًا مفرَّقًا في عشرين سنة سورةً سورةً وآياتٍ آيات.
_________________
(١) شكلت في (ف): "والصُّغِيُّ". وانظر: "لسان العرب" (مادة: صغا).
[ ٦ / ١٨٩ ]
وقال عطية العوفي: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾؛ أي: قاضيًا في نزول العذاب (^١).
وقال مقاتل: ﴿حَكَمًا﴾ في نزول العذاب ببدر، فليس أحدٌ أحسنُ قضاءً مِن اللَّه تعالى (^٢).
وقيل: أي: قُل للذين التمَسوا الآياتِ المقترحةَ، بعدما أخبرتَهم أنَّ اللَّهَ غيرُ مجيبِهم إليها إذْ هم متعنِّتون؛ أنَّ حكمَ اللَّه في مَن اقترحَ آيةً، ثمَّ كذَّب بها (^٣) إذا أتته آيةٌ مصطَلِمةٌ، قل لهم: هذا حكمُ اللَّه فيما سألتموه (^٤)، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ أطلبُ لكم حاكمًا، وهو الذي كفاكم مؤنةَ مسألة الآيات التي حكمُها هذا بما أنزلَ إليكم من الكتاب المفصَّل، الذي قد أتى على تفصيلِ ما بكم الحاجةُ إليه في دِينِكم، وهو الكتابُ الذي أتى بما يُفصِّل بين الصَّادقِ والكاذب، وفصَّل فيه الحلالَ والحرامَ، والأمرَ والنَّهيَ، والوعدَ والوعيد، والإيمانَ والكفر، ونحو ذلك، وهو الكتابُ الشَّاهدُ بصدقي.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ قيل: أي: أهلُ الكتاب الذين تَرجعون في كثيرٍ مِن أمورِكم إليهم، يَعلمون أنَّ القرآنَ منزَّلٌ مِن ربِّك بالحقِّ.
قال عطاء: والمؤمنون الذين اَتيناهم القرآنَ يَعلمون ذلك (^٥).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾؛ أي: الشَّاكِّين أنَّه مِن عند اللَّه. خاطب
_________________
(١) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٣٨٤).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٨٥).
(٣) بعدها في (ر): "أنه".
(٤) في (ر): "سألتموني".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٨٣).
[ ٦ / ١٩٠ ]
رسولَه -ﷺ-، وأرادَ به أمَّتَه؛ أي: دُوموا على يقينِكم بحقِّيَّته. وله وجوهٌ أخرُ بيَّنَّاها في سورة البقرة (^١).
وقيل: أي: لا تكوننَّ مِن الشَّاكِّين أنَّهم قد غيَّروا ما في كتبِهم.
* * *
(١١٥) - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ وسهلٌ ويعقوب (^٢): ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾؛ لأنَّ كلامَ اللَّهِ واحدٌ لا يَتعدَّد.
وقرأ الباقون: ﴿كلماتُ ربِّك﴾ (^٣) على التَّفخيمِ والتَّعظيم ولموافقةِ قوله: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: ما أنزلتُه عليكَ مِن كلامي في الاحتجاج على المشركين قديمٌ في معاني الصِّدق والعدل (^٤)، وزالَ عنه الكذبُ والجورُ في الاحتجاج، فلا أحدَ يَقدِرُ على تبديلِ شيءٍ منه، فيجعلَهُ جورًا أو كذبًا، ولزمَت به (^٥) الحجَّةُ، واللَّه سميعٌ عليم؛ أي: سميعٌ لما يَقولونَه، عليمٌ بما يُريدونَه.
وقيل: أرادَ به جميعَ ما وردَ في القرآن مِن وعيدهم أنَّها صدقٌ وعدلٌ، فليَستعِدُّوا له إنْ لم يَتوبوا منه.
_________________
(١) عند تفسير الآية (١٤٧) منها.
(٢) قوله: "وخلف وسهل ويعقوب" من (ف).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٦)، و"التيسير" (ص: ١٠٦)، و"النشر" (٢/ ٢٦٢).
(٤) في (أ): "والكذب".
(٥) في (أ): "منه".
[ ٦ / ١٩١ ]
وقيل: هو في معنى قولِه -ﷺ-: "سبقَ القضاءُ، وجفَّ القلمُ بالسَّعادةِ لمن آمنَ واتَّقى، والشَّقاوةِ لمن كفرَ وعصى" (^١)، وكلماتُ اللَّه تعالى: أقضياتُه.
وقال قتادة: هي كتابُ اللَّهِ، لا يَزيدُ فيه المفترون، ولا يَنقصون (^٢).
وقال: هو ﴿صِدْقًا﴾ فيما وعد، ﴿وَعَدْلًا﴾ فيما حكم (^٣).
وقال الكلبيُّ: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ هو قولُه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ الآية [غافر: ٥١].
وعن ابن عباسٍ ﵄: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يعني: لا إله إلا اللَّه، ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: لا إله إلا اللَّه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ تفسير قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، ولهذا قال أصحابُنا: مَن قال لامرأته: أنتِ طالقٌ أتمَّ الطَّلاق، أنَّه طلاق واحدٌ رجعيٌّ، ولا يَرجِعُ إلى تمامِ العدد، بل إلى تمامِ معنى العدل وموافقةِ الشَّرع.
* * *
(١١٦) - ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: تمَّت كلماتي على هؤلاء المشركين، فلا تُطِعهُم وإنْ كثُر عددُهم؛ فإنَّهم ضالُّون، وإنْ أطعتَهم أضلُّوك عن دينِ اللَّه.
_________________
(١) كذا أورده الواحدي في "التفسير البسيط" (٨/ ٣٧٨)، ولم أقف عليه عند غيره.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٨٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٠٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٧٤) (٧٨٠٧) (٧٨٠٨).
[ ٦ / ١٩٢ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: ما يَتَّبعون إلَّا الشَّكَ، قيل: هو قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: وما هم إلَّا يَكذِبون، قيل: أي: في قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾.
قيل: إنَّ المشركين قالوا لرسول اللَّه -ﷺ-: إنَّا نعبدُ الأصنامَ، وهي في الحقيقة عبادة اللَّه؛ لأنَّا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وكانوا يقولون: هم (^١) شفعاؤنا عند اللَّه، وكانوا يرتكبون الفواحشَ ويقولون: اللَّهُ أمرَنا بها، ودعَوا رسولَ اللَّه -ﷺ- إلى موافقتِهم، فنزلَت (^٢) الآية.
* * *
(١١٧) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ كان المشركون يقولون: نحن مهتدون وأنتم ضالُّون، فقال اللَّهُ تعالى هذا، وهو لطفٌ في الخطاب، وتحقيقُه: إنَّ اللَّه تعالى يَعلمُ أنَّ المشركين ضالُّون، وأنَّ المسلمين مهتدون، وهو كقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ الآية [سبأ: ٢٤]، وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: تَقاصرَت علومُ الخلقِ عن إدراك غيبهِ إلَّا بقدرِ ما عرَّفهم مِن أمرِه؛ فإنَّه لا يَخفى عليه شيءٌ مِن أمورِ خلقِه (^٣).
_________________
(١) في (ر): "هؤلاء".
(٢) بعدها في (ر): "هذه".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٦).
[ ٦ / ١٩٣ ]
(١١٨) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ قيل: اتِّصالُها بما قبلَها أنَّها في محاجَّةِ المشركين أيضًا.
قال عكرمة: لمَّا نزلَ تحريمُ الميتة، كتبَ مجوسُ فارس إلى مشركي قريش: إنَّ محمَّدًا وأصحابَه يزعُمون أنَّهم يتَّبعون أمرَ اللَّه، وما ذبحَ اللَّه بسكينٍ مِن ذهب -يعنون به: ما أماته- فلا يأكلونَهُ، وأمَّا ما ذبحوه، فيأكلونَه، فكتب بذلك المشركون إلى أصحابِ محمَّدٍ -ﷺ-، فوقعَ في أنفس ناسٍ مِن المسلمين من ذلك شيءٌ، فنزلت الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (^١).
الشياطين: أهل (^٢) فارس، وأولياؤهم: قريش، وكانت العربُ لا تَأكلُ ما مات حتف أنفِه، وإنَّما حملَهم المجوسُ -لعنهُم اللَّه- على المحاجَّة به تظاهرًا؛ لأنَّهم كلَّهم مشركون، وتعلَّق به المشركون؛ لما أنَّ المسلمين كان يَعدُّون ذبائحَهم للأصنامِ ميتاتٍ، ويَعيبونَهُم على أكلها، فأوردوا هذا النَّوعَ مِن الشُّبهةِ؛ دفعًا عن أنفسِهم هذا العيب، فردَّ اللَّهُ تعالى عليهم، وأمرَهم بأنْ يُحِلُّوا ما أحلَّ اللَّه، ويُحرِّموا ما حرَّمَ اللَّه، ومجموعُ ذلك في هذه الآية والآيات (^٣) بعدها.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: صرفَ أهلُ التَّأويل (^٤) الآيةَ إلى أهل الكفر بهذه القِصَّة، والأشبهُ أنْ يُصرَفَ إلى أهل الإسلام؛ لأنَّه ذكرَ في آخره: ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، ويكونُ هذا في حقِّ قومٍ امتَنعوا عن الطيِّبات، كما قلنا في قوله:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٢١).
(٢) في (أ): "مجوس" بدل: "أهل"، ووضعت في (ر) فوق قوله: "أهل".
(٣) بعدها في (ر): "التي".
(٤) في (أ): "التأويلات".
[ ٦ / ١٩٤ ]
﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [لمائدة: ٨٧]، فنُهوا عن ذلك بتلك الآية، وأُمِروا بأكلِها في هذه الآية.
أو (^١) علمَ اللَّهُ تعالى أنَّ قومًا من المتقشِّفةِ والمتزهِّدةِ يُحرِّمون ذلك على أنفسِهم، فنهاهم عن ذلك.
وإنْ حُمِلت الآيةُ على المشركين، فمعنى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لما تعلمونَ أنَّ الخلقَ له، والأمرَ له، وقد بيَّن في الآيات ما تَعلَمون به ذلك (^٢).
* * *
(١١٩) - ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: وأيُّ عذرٍ لكم في ﴿أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: عند الذَّبح.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿فُصِّلَ﴾ و﴿حُرِّم﴾ على ما لم يسمَّ فاعلُه (^٣).
وقرأ نافعُ وأبو جعفر (^٤)، وعاصمٌ في رواية حفص، وسهلٌ ويعقوبُ جميعًا بالفتح (^٥): ﴿فَصَّلَ﴾ و﴿حَرَّمَ﴾ على الفعل الظاهر؛ إخبارًا أنَّ اللَّهَ تعالى فعلَ ذلك.
_________________
(١) في (أ): "إذ".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٢٩ - ٢٣١).
(٣) من قوله: "قرأ ابن كثير" إلى هنا ليس في (ف)، وتأخر إلى ما بعد قوله التالي: "وشارع الحلال والحرام".
(٤) قوله: "وأبو جعفر" من (ف).
(٥) قوله: "وسهل ويعقوب جميعا بالفتح" من (ف).
[ ٦ / ١٩٥ ]
وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر، وحمادٌ (^١) وحمزةُ والكسائيُّ وخلف (^٢): ﴿فَصَّلَ﴾ بفتح الفاء والصاد، و﴿حُرِّمَ﴾ بضمِّ الحاء وكسرِ الرَّاء (^٣)؛ ومعناه: وقد فصَّل اللَّهُ ذكرَ أجناسِ المحرَّمات؛ وهي الميتةُ والموقوذةُ والمنخنقةُ والمتردِّيةُ والنَّطيحةُ وما أكلَ السَّبُع، وأحلَّ المذكَّى، وهو مالكُ الأعيانِ، وشاخُ الحلالِ والحرام.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: المجوسُ يَحتجُّون بقولِهم: تأكلون ما أمَتُّم، ولا تأكلون ما أماتَهُ اللَّهُ تعالى، وهذا قولٌ بالهوى، والحكمُ في التَّحليلِ والتَّحريم لمالك الأعيان، وهو اللَّهُ تعالى، فالحلالُ ما أحلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ ما حرَّمَهُ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: المعتدين مِن الحلالِ إلى الحرام.
* * *
(١٢٠) - ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ أصلُ كلِّ الإثم: الشِّركُ (^٤)، وظاهرُهُ: تكذيب اللِّسان، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ جحودُ القلبِ، والسُّورةُ في محاجَّةِ أهلِ الشِّرك.
_________________
(١) قوله: "وحماد" من (ف).
(٢) قوله: "وخلف" من (ف).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٧)، و"التيسير" (ص: ١٠٦)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٥٠٣)، و"النشر" (٢/ ٢٦٢).
(٤) بعدها في (أ): "والعناد باللَّه تعالى".
[ ٦ / ١٩٦ ]
وقيل: هو تفسيرُ الاعتداء المذكورِ في آخر الآية التي قبلها، وهو ظاهرُ الإثمِ وباطنُه، وهو نظيرُ قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١].
وقال قتادة: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: سرُّه وعلانيتُه (^١).
وقال عطاء: قليله وكثيره.
وقال مجاهد: العمل والنية (^٢).
وقال الكلبيُّ: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: الزِّنى، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ المخالَّة.
وقال السُّدِّيُّ: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾ الزِّنى في منازلهنَّ المتَّخذةِ لها، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ الزنا بالصَّديقةِ سرًّا (^٣).
وعن الكلبيُّ في روايةٍ: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: طوافُ الرِّجال بالنِّساء نهارا، وباطنُه طوافُ النِّساء باللَّيل (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾ ما للأغيار عليه اطِّلاعٌ بوجه، وباطنه الإثم: ما هو سرٌ بينَك وبين اللَّه، لا وقوفَ لمخلوقٍ عليه.
قال: ويُقال: باطنُ الإثمِ: خفيَّاتُ العقائدِ، ومُسترَقاتُ الألحاظ.
ويقال: باطن الإثم: ما تُلَبِّسُهُ على نفسِك بنوع تأويلٍ (^٥)، قال النَّبيُّ -ﷺ-: "استفتِ قلبَك وإنْ أفتاكَ المفتون" (^٦).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥١٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥١٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥١٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٧٧) (٧٨٢٥) (٧٨٢٩)،
(٤) انظره مع الأقوال السابقة في "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٨٥).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٧).
(٦) روى نحوه الإمام أحمد في "مسنده" (١٨٠٠٦) من حديث وابصة الأسدي ﵁ بلفظ: "يا =
[ ٦ / ١٩٧ ]
ويقال: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: ما يَظهرُ لجنسِك، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ ما يَختصُّ به الملَكُ الموكَّلُ بكَ.
ويقال: باطَنُ الإثم على لسان أهل المجاهدات: الرُّكونُ إلى تَتبُّع الرُّخَص.
وقيل: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: الشِّركُ الجَلِيُّ، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ الشِّركُ الخَفِيُّ.
قال: ويقال: أسبغت عليكم النِّعمَ ظاهرًا وباطنًا، فذَروا لي الإثمَ ظاهرًا وباطنًا، فإنَّ مِن شرط الشُّكرِ تركُ استعمالِ النِّعَم في مخالفةِ المنعِم (^١).
وقيل: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: رؤيةُ الأفعال، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾: طلبُ الرُّكون إليها في السِّرِّ باطنًا.
وقيل: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: طلبُ الدُّنيا، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾: طلبُ الجنَّة والنَّعيم، وهما يَشغلان عن الحقِّ، وما يَشغلُ عن الحقِّ فهو إثمٌ.
وقال سهيل (^٢): اتركوا المعاصيَ بالجوارح، وحبَّها بالقلبِ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾؛ أي: يَكتسبون.
* * *
(١٢١) - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
_________________
(١) = وابصة استفت قلبك، واستفت نفسك" ثلاث مرات، "البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٨).
(٣) كذا في (ر)، ولعل صوابها: "سهل"، وهو سهل التستري، وقوله هذا في "تفسيره" (ص: ١٤٣).
(٤) من قوله: "وقيل ظاهر الإثم رؤية الأفعال" إلى هنا ليس في (أ) و(ف).
[ ٦ / ١٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: عند الذبح، ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾؛ أي: إنَّ متروكَ التَّسميةِ عند ذبحِه عمدًا حرامٌ، وهو كقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقال في آخر آيةِ تحريم الميتة: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، وسُمِّيَ به؛ لأنَّ متناوِلَهُ فاسقٌ.
وقيل: أي: تناولُه فسقٌ؛ أي: خروج عن الطَّاعة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾؛ أي: يُوسوسُ الشَّياطينُ إلى المشركين ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بقولهم: تأكلون ما أمتُّم، ولا تَأكلون ما أماتَهُ اللَّهُ، وقد ذكرنا أيضًا عن عكرمة: أنَّ الشياطينَ هم المجوس، يُلقِّنون المشركين ذلك في مُحاجَّةِ أهلِ الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾؛ أي: أطعتُم الكفَّار في استحلالِ ما حرَّم اللَّه، ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ مثلَهم.
والآيةُ نصٌّ على تحريمِ متروكِ التَّسميةِ عمدًا عند الذَّبْح، وهو حجَّةٌ لنا على الشافعيِّ ﵀ (^١)، وتعلَّقَ بظاهرهِ داودُ بنُ عليٍّ (^٢)، وحرَّمَ متروكَ التسميةِ ناسيًا، وعندنا يحلُّ ذلك، وعن ابن عبَّاسٍ وجماعةٍ أنَّ الآيةَ محمولة على تركِها عامدًا.
* * *
(١٢٢) - ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ
_________________
(١) انظر: "المبسوط" للسرخسي (١١/ ٢٣٦)، و"روضة الطالبين" للنووي (٣/ ٢٠٥).
(٢) انظر: "المحلى" لابن حزم (٦/ ٨٧).
[ ٦ / ١٩٩ ]
فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ يَتَّصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وقولِه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: ولا تُطيعوا المشركين فيما يَقولون، فإنَّهم ضالُّون مُضِلُّون، وليس الضالُّ كالمهتدي.
وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ﴾ الألفُ للاستفهام، والواو للعطف، وهو استفهامٌ بمعنى النَّفي، ومعناه: أو من كان كافرًا فهديناهُ؟ والموتُ هو الكفرُ، والحياةُ هي الإيمان.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ قيل: هو القرآنُ، وقيل: هو الإيمان، وقيل: هو نورُ يومِ القيامة.
وقوله: ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يَمضي به بين الناس، يُرشِدُهم إلى الهدى، أو يَمضي به على السَّلامة في العقبى.
وقوله تعالى: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قيل: المثلُ صلةٌ، ومعناه: كمن هو، وهو كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: الجنَّة.
وقيل: المثل: الصِّفة؛ أي: كمَن صِفتُه أنَّه: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾، كقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧].
وقيل: ذكر المثل لأنَّه ضربَ به المثل؛ أي: مثلُه كمثلِ مَن كان في الظُّلمات.
وقيل: هي ظُلمات الدُّنيا.
وقيل: ظلماتُ البطن.
وقيل: ظلماتُ القيامة؛ أي: ليسا يَستويان.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: زُيِّن لهؤلاء الكفرةِ عملُهم فعملوه، كما زُيِّنَ لسائرِ الكفَّار عملُهم.
[ ٦ / ٢٠٠ ]
وقال الكلبيُّ: نَزلت الآيةُ في عمَّارِ بن ياسر، صدَّقَ بمحمَّدٍ رسولِ اللَّه -ﷺ-، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ إيمانًا يمشي بهِ مع المسلمين (^١)، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، يعني: أبا جهل (^٢) في ظلمات الكفرِ باللَّه، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ليس بمؤمِنٍ أبدًا، ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ﴾ أبي جهلٍ وذويه ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقال يمانُ بن رئاب: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ هو عمرُ بنُ الخطَّاب ﵁، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أبو جهل بن هشام (^٣)، وكانا جميعًا يؤذيانِ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فدعا رسولُ اللَّه -ﷺ- لأحدِهما، فاستُجيبَ له في عمر (^٤).
وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنَّه قال: زاحَمْنا بني عبدِ منافٍ في الشَّرف، حتَّى إذا صِرنا كفرسَي رهانٍ -هذا مثلٌ يُضرَب به عند التساوي (^٥) -، قالوا: منَّا نبيٌّ يُوحى إليه، واللَّهِ لا نؤمِنُ لهُ، ولا نتَّبعُهُ أبدًا، إلَّا أنْ يأتيَنا وحيٌ كما يأتيه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (^٦).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ يريدُ به حمزةَ بنَ عبدِ المطَّلِب، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾؛ يَعني: أبا جهلٍ، رمى رسولَ اللَّه -ﷺ- بفرث،
_________________
(١) في (ف): "الناس".
(٢) انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٥١١)، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ١١٦) من رواية أبي صالح عن ابن عباس.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٨٧). ورواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٣٤) عن عكرمة.
(٤) روى الترمذي في "سننه" (٣٦٨١) عن ابن عمر، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب"، قال: وكان أحبهما إليه عمر. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٥) قوله: "هذا مثل يضرب به عند التساوي" من (ر).
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٨٧).
[ ٦ / ٢٠١ ]
وحمزةُ لم يؤمن بعدُ، فأُخبِرَ حمزةُ (^١) بما فعل أبو جهل، وبيدِ حمزةَ قوسٌ، فأقبلَ غضبان، حتَّى علا أبا جهلٍ بالقوس، وهو يقول: أبا يعلى، يَتضرَّعُ إليه ويستكين، يقول: يا حمزة، أما تَرى ما جاء به، سفَّهَ عقولَنا، وسبَّ آلهتَنا، وخالفَ آباءَنا، فقال حمزةُ: ومَن أسفهُ منكم؟! تَعبدون الحجارةَ مِن دونِ اللَّه تعالى! أشهدُ أن لا إله إلَّا اللَّه وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه (^٢).
وقيل: الحياةُ أنواع:
حياةٌ بالرُّوح، قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨].
وحياةُ الأرضِ بالمطر، قال تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤].
وحياةٌ بالإيمان، كما في هذه الآية.
وحياةٌ بالطَّاعة، كما في قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قولُه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ يَنقضُ قولَ المعتزلة؛ فإنَّهم يَقولون: العبدُ هو الذي يَجعلُ لنفسِه نورًا يَمشي به، وهو تحريفٌ لظاهرِ القرآن، وعلى هذا قولُه بعد هذا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ الآية.
قوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ﴾ اختلف في من زيَّنها:
قال الحسن: زيَّنها الشيطانُ لهم.
وقال غيرُه: زيَّنها الأكابِرُ على الأصاغر.
وقال قائلون: زيَّنَها اللَّه.
_________________
(١) في (ر): "فحضر حمزة فأخبر" بدل: "فأخبر حمزة".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٨٦ - ١٨٧)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢١٩).
[ ٦ / ٢٠٢ ]
وقال: وما أضيف إلى الشيطان فهو وسوسةٌ، وما أُضيفَ إلى الكفَّار فهو دعوة، وما أُضيفَ إلى اللَّه فهو تخليقٌ وقضيَّة (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أهلُ الغفلةِ إذا أُلهِموا الذِّكرَ، فقد صاروا أحياءَ بعد الممات، وأربابُ الذِّكر إذا اعتراهُم نسيانٌ فقد ماتوا بعد الحياةِ، والذي هو في أنوارِ القُرْب، وروحِ الاستبصار، لا يُدانيهِ مَنْ هو في أسر الظُّلمات، ولا يُساويهِ مَن هو رهينُ الآفات (^٢).
* * *
(١٢٣) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾؛ أي: جَعلنا في كلِّ بلدةٍ مجرميها أكابرَ ورؤساءَ للنَّاس.
واتِّصالُها بما قبلها أنَّ تقديرَهُ: وكما جعلنا لمنْ أحْييناهُ بالإيمان نورًا يَمشي به، فكذلك جعلنا المجرمين أكابر، والأوَّل توفيقٌ، والثَّاني خذلانٌ.
وقيل: وكما وسَّعنا على أكابرِ قريشٍ في الدُّنيا حتَّى يَرأسوا على أهل مكَّة، فكذلك فعلنا بكلِّ قومٍ في كلِّ قريةٍ، وهو إبطالُ وهمِ الكفَّارِ أنَّهم فُضِّلوا على فقراء المسلمين بما أُعطوا من الرِّئاسةِ والسَّعةِ والبَسطة.
وقوله تعالى: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: ليَقولوا الكذبَ (^٣)، وليَتَجبَّروا على النَّاس فيها، ويَعملوا بالمعاصي.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٨).
(٣) أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ١١٨).
[ ٦ / ٢٠٣ ]
وقيل: أي: ليَظهرَ مِنهم ما علمَ اللَّهُ منهم، وقد علمَ اللَّهُ مِنهم (^١) أنَّه إذا جعلهم أكابرَ أنَّهم يَمكرون؛ (^٢) أي: يَقصدون إهلاكَ الأنبياءِ في خُفية.
والمعتزلة يقولون هذه لامُ العاقبة، وما جعلَهُم اللَّهُ أكابرَ ليمكروا، لكن وجدَ مِنهم في العاقبة كذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وهم ما التقطوهُ لذلك، لكن صار كذلك.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا يخلو هذا؛ إمَّا أن يقال: إنَّه خلقَهم لغيرِ المكرِ والضَّلال، وهو يَعلمُ أنَّهم لا يَكونون لما يخلقُهم، وذلك ليس فعلَ حكيم؛ أنْ يَعملَ عملًا يَعلمُ أنَّه لا يكون، أو يقال: خلقَهم لذلك، وهو لا يَعلم أنَّهم يكونون كذلك، وهو جهلٌ بالعواقب، واللَّهُ تعالى يَتعالى عن ذلك، والحقُّ أنَّه خلقَهم ليكونوا على ما علمَ أنَّهم يكونون كذلك، ويختارون ذلك (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: وما يَرجِعُ ضررُ ذلك إلَّا عليهم، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: وما يَعلمون أنَّه واقعٌ بهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠].
* * *
(١٢٤) - ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.
_________________
(١) قوله: "وقد علم اللَّه منهم" من (ر).
(٢) بعدها في (ف): "وهو قوله تعالى ليمكروا فيها".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٥١).
[ ٦ / ٢٠٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ قد بيَّنَّا قبل هذا باَيتين أنَّ أبا جهلٍ -لعنه اللَّه- قال ذلك.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: إذا أنزلت عليهم آيةٌ مِن السَّماء قال الوليد بن المغيرة وأبو مسعود الثقفي: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ مِن الآياتِ فنكونَ أنبياء (^١).
وقيل: أي: نؤتَى من الآياتِ مثلَ ما أوتوا، فيُعظمَنا النَّاسُ (^٢) بها، وهذه غاية السَّفه؛ أن يُقالَ لرجلٍ (^٣): آمن، فيقول: لا أؤمن حتَّى يَجعلني اللَّهُ نبيًّا.
وقال الضَّحَّاك: سأل كلُّ واحدٍ مِن القوم أنْ يُخَصَّ بالوحي والرِّسالة، كما أخبرَ اللَّهُ تعالى عنهم: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ (^٤).
وقال مقاتل: قال الوليد بن المغيرة: واللَّه لو كانت النبوَّة حقًّا، لكنت أولى بها منك؛ لأني أكبرُ منك سِنًّا وأكثر منك مالًا، أو أنزلت على أبي مسعودٍ الثَّقفيِّ، فنزلت: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] (^٥)؛ يعني: مكَّة والطائف، ونزل قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾؛ أي: ليس إعطاءُ النَّبوَّة بالشَّهوات، وإنَّما هو بتخصيصِ اللَّه بها مَن راص أهلًا لها، وهؤلاء الكفار محرومون (^٦)، وعن صفاتِ الحمد مُتعَرُّون (^٧).
_________________
(١) ذكر نحوه أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٥١١) دون نسبته لابن عباس ﵄.
(٢) في (أ): "اللَّه".
(٣) في (ف): "للرجل".
(٤) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٤١٢).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٨٨)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ١٨٧).
(٦) في (ر) و(ف): "محرمون".
(٧) في (ر): "مبعدون".
[ ٦ / ٢٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: سينالُهم ذِلَّةٌ وتَصغيرُ قدرٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ قيل: أي: من عِند اللَّه، وقيل -وهو قولُ الفرَّاء-: إنَّ أَنَفَتَهُم مِن اتِّباعِ الحقِّ صغارٌ لهم عند اللَّه (^١).
وقال الزَّجَّاجُ: أي ﴿صَغَارٌ﴾ في الآخرة ومجازاةٌ؛ أنَّه يَنالُهم ذلك إذا صاروا إلى جزائه (^٢).
وقيل: ﴿صَغَارٌ﴾ معدٌّ لهم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾، والصغار والصُّغرُ بضمِّ الصَّاد هو الذُّلُّ، وصرفُه مِن حدِّ: عَلِم، ونعتُه الصَّاغِر، فأمَّا الصَّغيرُ الذي هو نقيضُ الكبير، فصرفُه من حدِّ (^٣): شَرُفَ، ومصدرُه الصِّغَر؛ بكسرِ الصَّاد وفتح الغين.
وقوله: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ وقد أصابَهم ذلك يومَ بدر.
وقيل: هو في المستهزئين به، وقد قُتِلَ كلُّ واحدٍ منهم بقتلٍ غيرِ قتل صاحبِه.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: بعد إزاحةِ (^٤) العِلَّة، وبيانِ الحُجَّة، وزوالِ الشُّبهة، إقدامٌ (^٥) على سوءِ الأدب، وذاك محال من الحال، والتَّصدِّي لمساواةِ أهل الاستحقاق نوعٌ مِن تَسويلات النَّفس، بل موجبٌ لدوامِ الهوان والرِّجس (^٦).
* * *
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٥٣).
(٢) لم أقف عليه في "معاني القرآن" للزجاج.
(٣) في (ر): "باب" في الموضعين.
(٤) في (أ): "إزالة".
(٥) تمام العبارة في "لطائف الإشارات": "فالتعلل باستزادة البصيرة إقدام".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٩).
[ ٦ / ٢٠٦ ]
(١٢٥) - ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾؛ أي: فمَن يشاءُ اللَّهُ أنْ يُرشِدَهُ ويُثبِّتَ له صفةَ الاهتداء؛ يُوسِّع قلبَه للانقياد للحقِّ، والتأمُّلِ في الآيات للقَبول والأخذ، فخَفَّ عليه اتِّباعُ مَن اختارهُ اللَّهُ تعالى للرِّسالة، وخرجَ مِن أن يكونَ مجرِمًا يَنالُهُ الصَّغارُ والعذابُ الشَّديدُ في الدُّنيا والآخرة، وإنَّما يريدُ ذلك في حقِّ مَن علمَ منه اختيارَ الرُّشدِ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾؛ أي: يَخذلَه، ويُثبِّتَ له صفةَ الضَّلالة.
وقوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ قرأ نافع وأبو جعفر وسهل (^١)، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمَّاد (^٢): ﴿حَرَجًا﴾ بكسرِ الرَّاء، والباقون بالفتح (^٣).
وقال سيبويه: بالفتح مصدرٌ، وبالكسر نعتٌ، وهو أشدُّ الضِّيق (^٤).
وقيل: هما واحدٌ كالدَّنِف والدَّنَف، والوَحِد والوَحَد، والفَرِد والفَرَد، وللنَّعت كلاهما.
وروى محمد بن جريج: أنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب ﵁ أتى على هذه
_________________
(١) قوله: "وأبو جعفر وسهل" من (ف).
(٢) "وحماد": زيادة من (ف).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٨)، و"التيسير" (ص: ١٠٦)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٥٠٤)، و"النشر" (٢/ ٢٦٢).
(٤) ذكره عن سيبويه الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٨٨)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ١٨٦).
[ ٦ / ٢٠٧ ]
الآية، فرأى راعيًا، فسأله (^١): ما الحرج؟ قال: هي الشَّجرةُ التي لا تصِلُ إليها الرَّاعية؛ لالتفافِ أغصانِها، واحدتها حرجة (^٢).
وقال عبيدُ بن عمير: قرأ ابنُ عبَّاس ﵄ هذه الآية، فقال: هل هاهنا أحدٌ مِن بني بكر؟ فقال رجلٌ: نعم، فقال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادي الكثيرُ الشَّجر، المستمسِكُ الذي لا طريق فيه، فقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كذلك قلبُ الكافر (^٣).
وقال النَّضرُ بن شميل: ﴿حَرَجًا﴾؛ أي: قلقًا (^٤).
وقال قتادة: ملتبسًا (^٥).
وقال مجاهد: أي شاكًّا (^٦).
وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ (^٧).
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ قرأ ابنُ كثير: ﴿يَصْعَدُ﴾ مخفَّفًا، مِن الصُّعود، وهو الرُّقيُّ.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فسأل راعيًا" بدل من "فرأى راعيًا فسأله".
(٢) لم أقف عليها من طريق ابن جريج، وروى الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٤٤ - ٥٤٥) نحوه من رواية أبي الصلت الثقفي.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٨٨).
(٤) انظر المصدر السابق.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٤٦).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٤٥).
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٨٨) (طبعة دار إحياء التراث)، (١٢/ ٢٠٥) (طبعة دار التفسير).
[ ٦ / ٢٠٨ ]
وقرأ عاصم في روايةِ أبي بكرٍ وحمَّاد (^١): ﴿يصَّاعد﴾ مشدَّدًا مع الألف.
والباقون: ﴿يَصَّعَّدُ﴾ (^٢) مشدَّدًا بغيرِ ألف، وأصله: يتصعَّد؛ أي: يَتكلَّفُ الصُّعود، فأُدغِمت التَّاءُ في الصَّاد، كما في قوله: ﴿يُذْكَرِ﴾.
و﴿يصَّاعد﴾ أصله: يتصاعد، وأُدغمَت التَّاء في الصَّاد.
وقال مقاتل بن سليمان: أي: لا يَقدِرُ على الإيمانِ مَن أضلَّهُ اللَّهُ تعالى عن الهدى، كما لا يَقدِرُ المتكلِّفُ على الصُّعودِ إلى السَّماء (^٣).
وهذا الإضلالُ والخُذلان في حقِّ مَن علمَ اللَّهُ منه اختيارَ الضَّلال، والآيةُ دامغةُ المعتزلةِ في إنكارِهم الهدايةَ والإضلالَ مِن اللَّهِ تعالى.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: العذاب، وقيل: الإثم، وقيل: اللَّعن، قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١] (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن شرح اللَّه صدره للإسلام فآيتُه ألَّا يَتحرَّك في باطنِه عِرْقٌ لمنازعةِ التقدير (^٥)؛ لأنَّ الإسلامَ يَقتضي تسليمَ الكُلِّ، ومَن استثقلَ شيئًا مِن التَّكليفِ، أو بقيَ فيه نفسٌ لكراهةِ شيءٍ فهو غيرُ مستسلمٍ لحكمِه.
_________________
(١) قوله: "وحماد" من (ف).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٨ - ٢٦٩)، و"التيسير" (ص: ١٠٦ - ١٠٧)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٥٠٤)، و"النشر" (٢/ ٢٦٢).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٨٨).
(٤) بعدها في (ف): "وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قد تقدم الكلام عليه" وما بعد الآية في الهامش، وفوقه حرف: "خـ" يشير إلى أنها نسخة.
(٥) في (أ): "القدير".
[ ٦ / ٢٠٩ ]
ويقال: نورٌ في البداية هو نورُ العقل، ونورٌ في الوسائط هو نورُ العلمِ، ونورٌ في النِّهايةِ هو نورُ العرفانِ، فصاحبُ العقلِ مع البُرهان، وصاحبُ العلمِ مع البيان، وصاحبُ المعرفةِ في (^١) حكم العِيان.
ويقال: مَن وَجَدَ أنوارَ الغيبِ، ظهرَ له خفايا الأمورِ، ولم يُشكِل عليه شيءٌ عند ظهورِ النُّور، قال النبيُّ -ﷺ-: "اتَّقوا فراسةَ المؤمنِ؛ فإنَّه يَنظرُ بنورِ اللَّهِ تعالى" (^٢).
ويقال: أوَّل آيةٍ لأنوارِ الغيبِ في العبد: تنبِّهُهُ على نقائصِ قدرِه، ومساوئِ عيبِه، ثمَّ تَشاغُلُه عن شهودِ نفسِه بما يَلوحُ له مِن شهودِ ربِّه، ثمَّ غلباتُ الأنوارِ على سِرِّه، حتَّى لا يشهدَ السرَّ بعدما كان يشهد، كالنَّظرِ في قرصِ الشَّمس، يَستهلِكُ أنوارَ بصرِه في شُعاع الشَّمس، فكذلك تستهلِكُ أنوارُ البصيرة حقائقَ الشُّهود، وفيه خمود العبدِ بالكُلِّيَّة، وبقاءُ الأحديَّةِ بنعتِ السَّرمديَّة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: يعني الإسلام (^٤)، وقد ذكر في الآية الأولى.
وقال ابنُ مسعود ﵁: هو القرآنُ (^٥)، وقد ذكر قبله بآيات (^٦).
و﴿مُسْتَقِيمًا﴾ نُصِب على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ ذُكِرَت بعد معرفة.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ أي: يتذكرون، ومعناه: يتَّعِظون.
_________________
(١) في (ف): "الحكمة مع" بدل: "المعرفة في".
(٢) رواه الترمذي في "سننه" (٣١٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٩٩ - ٥٠٠).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٥٤).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٨٩).
(٦) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الآية: ١١٤].
[ ٦ / ٢١٠ ]
(١٢٧) - ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: للمتذكِّرين الجنَّة.
وقال الحسنُ والسُّدِّيُّ: السَّلام هو اللَّه تعالى (^١)، والدَّارُ أُضيفَت إليه.
وقال الزجاج: أي: دارُ السَّلامة الدَّائمةِ مِن كلِّ آفةٍ وبليَّةٍ (^٢).
وقيل: هي دارُ السَّلام الذي هو التَّحيَّة، قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤].
وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: مضمونةً عند ربِّهم، حتَّى يوصلَها إليهم.
وقيل (^٣): أي: هي (^٤) في الآخرةِ يُعطيهم إيَّاها.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾؛ أي: حبيبُهم، وقيل: ناصرُهم، وقيل: متولِّيهم، وقيل: حافظُهم.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: مِن الطَّاعات؛ أي: يتولَّاهم بكرمِه وفضلِه ونُصرتِه؛ جزاءً لهم بأعمالِهم الصالحة.
وقال الحسينُ بنُ الفضل: يتولَّاهم في الدُّنيا بالتَّوفيق، وفي الآخرةِ بالجزاء (^٥).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀ (^٦): دارُ السَّلام: دارُ السَّلامة (^٧)، ومَنْ كان في
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٥٤) عن السدي.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٩١).
(٣) لفظ: "وقيل" ليس في (أ).
(٤) بعدها في (ر): "لهم".
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٩٠).
(٦) بعدها في (ر): "لهم".
(٧) "دار السلامة" ليس من (ف).
[ ٦ / ٢١١ ]
رِقِّ شيءٍ مِن الأعراض، لم يجدِ السَّلامة، وإليه تشيرُ أنَّ القومَ في الجنَّة، لكنَّهم ليسوا في أسْر الجنة.
ويُقال: من لم يسلم اليوم عن الكونين، لم يجد غدًا سلامَ مكوِّنِ الكَونين.
ويُقال: دارُ السَّلام غدًا لمن سَلِمَ اليومَ لسانُه مِن الغيبة، وجَنانُه مِن العيبة، وظاهرُه مِن الزَّلَّةِ، وباطنُه مِن الغفلةِ، وعقيدتُه مِن البدعةِ، ومعاملتُه مِن الجفوة، وأعمالُه مِن الرِّياءِ والسُّمعةِ، وأحوالُه مِن العُجبِ والملاحظة.
ويقال: قيمةُ الدَّار بالجار، قال قائلهم:
إنِّي لأحسُد جارَكُم (^١) لجوارِكُم طُوبى لِمَنْ أضْحى لدارِكَ جارَا
يا ليتَ جارَك باعَ لي مِن دارِه شِبْرًا لأعطيه بِشبرٍ دارا
والحقيقةُ وإنْ كانت منزَّهةً عن قَبول الجِوار، وليس القربُ مِنه بتداني (^٢) الأقطار، فإطلاقُ هذا اللَّفظِ مؤنِسٌ لقلوب الأحباب، وقاطعٌ للوسائطِ والأسباب.
﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ الذي آثرَهم على أشكالهم، فآثروه في جميع أحوالهم، وليُّهم في أولاهم، ووليُّهم في أخراهم، وليُّهم الذي يَطلب رضاهم، وليُّهم الذي لم يَكِلهُم إلى هواهم، لا إلى دنياهم، ولا إلى عُقباهم، وليُّهم الذي بإفضالِه يُلاطِفُهم، وبجمالِه وجلالِه يُكاشِفُهم، وليُّهم الذي اختطَفهم عن كلِّ حظٍّ ونصيب، وحالَ بينَهم وبين كلِّ حميمٍ ونسيب، وليُّهم الذي حرَّرهُم مِن كلِّ مرجوٍّ ومرهوب، وممنوعٍ وموهوب، وليُّهم الذي ليس لهم سواه، وليُّهم الذي لا يشهدون إلَّا إيَّاه، لا في بدايتِهم يَقصِدون غيرَه، ولا في وسائِطهم يَشهدون غيرَه، ولا في نهايتِهم يَجدون غيرَه (^٣).
_________________
(١) في (ف): "داركم"، وفي "لطائف الإشارات": "دارًا في" بدل: "جاركم".
(٢) بعدها في (ف): "اختطفهم"، وهي مقحمة.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥٠١ - ٥٠٢).
[ ٦ / ٢١٢ ]
(١٢٨) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ (^١)؛ أي: خوِّفهُم يومَ يبعثُهم (^٢) فيه جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾؛ أي: ويَقول -هذا مضمَرٌ يَدُلُّ عليه الحال-: يا معشرَ الشَّياطين، قد أضللتمُ الخلقَ الكثيرَ مِن الإنس، إشارةً إلى قوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨]، ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]، وقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾؛ أي: أولياءُ الجنِّ: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾؛ أي: انتفع الجنُّ بالإنسِ، والانسُ بالجنِّ.
قال الكلبيُّ: كان استمتاعُ بعضهم ببعض: أنَّ الرَّجلَ مِن الإنسِ كان إذا سافرَ أو خرجَ، فصارَ بأرضٍ قفرةٍ، أو أصابَ صيدًا مِن صيدِهم، فخافَ على نفسه مِنهم، قال: أعوذُ بسيِّد هذا الوادي مِن سفهاءِ قومِه، فيَبيتُ في جوارٍ منهم، فهذا استمتاعُ الإنسِ بالجنِّ، واستمتاعُ الجنِّ بالإنس: أن قالوا: قد سُدْنا الإنسَ والجنَّ حين عاذَ الإنسُ بنا، فيَزدادون بذلك شرفًا في قومِهم، وعِظَمًا في أنفسِهم (^٣). وكذلك قال عكرمةُ ومجاهد (^٤) وجماعة (^٥).
_________________
(١) في (ف): "نحشرهم".
(٢) بعدها في (ف): "اللَّه".
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٩٠).
(٤) في (ف): "وقال مجاهد".
(٥) ذكره الواحدي في "التفسير البسيط" (٨/ ٤٣٦) عن الحسن وابن جريج والكلبي وعكرمة.
[ ٦ / ٢١٣ ]
وقال عبد العزيز بن يحيى: [هو طاعةُ بعضِهم بعضًا، وموافقةُ بعضهم بعضًا.
وقيل:] (^١) استمتاعُ الإنسِ بالجنِّ: ما كانوا يُلقونَ إليهم مِن الأراجيفِ والسِّحرِ والكهانة، واستمتاعُ الجنِّ بالإنس: قولُهم: نعوذُ بسيِّدِ هذا الوادي من سُفهاءِ أهله، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقيل: أي: تعاونَ بعضُنا ببعضٍ في المعصيةِ والمخالفةِ؛ هؤلاءِ بالدُّعاء، وهؤلاء بالإجابة.
وقيل استمتاعُ الجنَّ بالإنس: أنَّ عظامَنا طعامُهم، وأرواثَ أنعامِنا علفُ دوابِّهم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ قال الإمامُ أبو منصور ﵀: قيل الموت، وقيل: البعثُ يومَ القيامة؛ لأنَّهم كانوا ينكرون ذلك، فأقرُّوا به حينئذٍ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾؛ أي: قال اللَّه تعالى: جهنَّمُ مقامُكم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في النَّار، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾؛ أي: إلَّا مقدارَ وقوفِكم خارجًا منها للعرضِ والحساب، فهم في هذا الوقت مستثنَون عن ذلك.
وقيل: أي: معذَّبون بالنَّار إلَّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تعذيبكم بغير النَّار.
وقال عطاء: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ مَن سبقَ في علمه أنَّه يؤمنُ كما في قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]؛ فمِنهم مَن آمنَ قبل الفتح: بجيد بن وهب (^٤)، وخالد بن
_________________
(١) ما بين حاصرتين من "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٩٠).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٥٧).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٥٨).
(٤) في (أ) و(ر): "بجير"، ولم أقف عليه.
[ ٦ / ٢١٤ ]
الوليد، وعمرو بن العاص، وجبيرُ بن مُطعِم، وعِدَّةٌ، ومِنهم مَن آمنَ بعد الفتح (^١)؛ عكرمة بن عمرو، والحارثُ بن هشام، وحكيمُ بن حِزام، وسهيل (^٢) بن عمرو، وضرارُ بن الخطَّاب، وهبَّارُ بنُ الأسود، وصفوانُ بن أمية، وعبدُ الرَّحمن بن أبيِّ بن خلف (^٣)، وأبو سفيان بن الحارث، وصخرُ بنُ حرب، وأبو قحافة، وعِدَّة.
وقال الحسن: إلَّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كونِهم في الدُّنيا بغيرِ عذاب (^٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ما يَفعلُ بأوليائِه وأعدائِه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمطيعين والعاصين، يَجزي كلًّا على وفقِ عملِه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يَعتذِرون فلا يُسمَع، ويَحتجُّون فلا يَنفع، ولقد كانوا مِن قبلُ لو أتَوا بأقلَّ منه قُبِلَ منهم، لكن سبقتِ القِسمةُ، فحقَّت الشِّقوة (^٥).
* * *
(١٢٩) - ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قيل: أي: نُولِّي ظلمةَ الإنسِ ظلمةَ الجِنِّ، وظلمةَ الجنِّ ظلمةَ الإنس في الآخرة؛ أي: نَكِلُ بعضَهم إلى بعض، كما قال: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]؛ فلا يَنفعُ بعضُهم بعضًا، كقول إبليس لعنه اللَّه: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٥]، و﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ [الأنعام: ٢٢].
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٩٠).
(٢) في (ف): "وسهل".
(٣) لعل صوابه: عبد اللَّه بن أبي بن خلف، أسلم عام الفتح. انظر: "الاستيعاب" (٣/ ٨٦٥).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٩٠) دون نسبة.
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥٠٣).
[ ٦ / ٢١٥ ]
وقيل: ﴿نُوَلِّي﴾؛ أي: نُسَلِّطُ بعضَهم على بعضٍ، فيَلعنُ بعضُهم بعضًا، ويَتبرَّأُ بعضُهم مِن بعضٍ، ويَدعو بعضُهم بزيادةِ العذابِ على بعض، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨].
وقال قتادةُ: أي: يَتبعُ بعضُهم بعضًا في النَّار (^١).
وقيل: هو مِن الولايةِ، فقال في حقِّ المؤمنين: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾، وقال في حقِّ الكافرين: ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾؛ أي: نَجعلُ بعضَهم أولياءَ بعض، كما قال في حقِّهم.
ذلك وإذا كان اللَّه وليَّهم، فهو يَنصرُهم ويَحفظُهم، والكفَّار هم أولياء بعض، يَصيرون يومئذٍ أعداء، كما قال: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وقيل في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾: يَقتضي مشبَّهًا ومشبَّهًا به؛ أي: كما يَفعلُ بهم ذلك في الآخرةِ، يَفعلُ بهم في الدُّنيا.
قال مالكُ بنُ دينار: قرأتُ في كتب اللَّه المنزلةِ: أن اللَّه تعالى قال: أُفني أعدائي بأعدائي، ثمَّ أفنيهِم بأوليائي (^٢).
وقال النبيُّ -ﷺ-: "إن اللَّهَ يَنتصِفُ مِن الظَّالم بالظَّالم، ثمَّ يَنتصِفُ مِنهما في القيامة" (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٥٨ - ٥٥٩).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٩١)، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٨٩) (٧٩٠١).
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأورده العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٣٩) بلفظ: "إن اللَّه ينتقم من الظالم بالظالم" ثم نقل عن النجم قوله: لا يعرف بهذا اللفظ، لكن روى ابن أبي شيبة وابن أبي =
[ ٦ / ٢١٦ ]
(١٣٠) - ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يُقالُ لهم (^١) يوم يحشرون: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: ما عذرُكم في الكفر، وقد أتاكم رسلٌ منكم؟ وهذا (^٢) خطابٌ للجنِّ والإنس.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: اختلف فيه:
قال بعضُهم: لم يَكن مِن الجنِّ رسلٌ، إنَّما كانتِ الرُّسلُ مِن الإنس، لكنَّه أضافَ إلى الفريقين جميعًا، كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنَّما يَخرجُ مِن أحدِهما، وهو المالحُ منهما، وكما قال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وإنَّما جعلهُ في واحدةٍ منهنَّ، وكقولِ النَّاس: في سبع قبائلَ مسجدٌ واحدٌ، وإنَّما يكونُ في واحدةٍ منهنَّ.
وقال بعضهم: كان مِن الفريقين جميعًا الرُّسل، مِن الجنِّ جنِّيٌّ، ومِن الإنسِ إنسيٌّ؛ لأنَّ الجِنَّ يَستترونَ مِن الإنس، فإنَّما يُرسَلُ إلى الجنِّ رسلٌ يَظهرون لهم، فيُبعَثُ إلى كلِّ فريقٍ الرَّسولُ مِن جوهرِهم.
وقال بعضُهم: كان الرَّسولُ مِن الإنسِ إلى الفريقين جميعًا، وكان مِن الجنِّ
_________________
(١) = حاتم عن مالك بن دينار قال: قرأت في الزبور: إني أنتقم بالمنافق من المنافق ثم أنتقم من المنافقين جميعا، وذلك في كتاب اللَّه تعالى. ثم ذكر الآية. وسلف قول مالك قريبًا.
(٢) بعدها في (ف): "يوم القيامة".
(٣) من قوله: "استفهام بمعنى الإثبات" إلى هنا وقع مكانه في (ف): "أي من ربكم وهو".
[ ٦ / ٢١٧ ]
النُّذر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] (^١).
وقال غير الإمام أبي منصور ﵀: وقد قيل (^٢): إنَّ الرُّسلَ مِن الجنِّ كهؤلاء، وهم الذين يَسمعون مِن رسلِ الإنس، ويبلغون بأمرِهم إلى قومهم.
وقال أبو العباس المبرد: ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: مِن أهل الأرض، والإنسُ والجنُّ مِن أهلِ الأرض (^٣) بخلافِ الملائكة لأنهم من أهل السماء.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وليس لنا إلى معرفة هذا حاجةٌ، إنَّما الحاجةُ إلى معرفةِ الآياتِ والحُجَج التي يأتي بها الرُّسلُ، وقد عجزَ عنها الجِنُّ والإنسُ جميعًا، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]، فالجنُّ أقوى على أشياء من الإنس، فإذا عجَزوا عن ذلك فغيرُهم أعجز.
قال: وجائزٌ أنْ يكون الرُّسلُ وإن كانوا من الإنس، فإنَّ الجنَّ يَستمعون مِن الرُّسل، فلَزِمَتهمُ الحجَّةُ، والعملُ بها، والتَّبليغُ إلى قومِهم مِن غير أنْ يَعلمَ الرُّسلُ بذلك (^٤).
وقوله تعالى: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾؛ أي: يَتلونها عليكم في الأمرِ بالإيمانِ والطَّاعة، والنَّهي عن الكفرِ والمعصية.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٥٩).
(٢) في (أ): "وقيل" بدل: "وقد قيل"، وليست في (ر).
(٣) قوله: "والإنس والجن من أهل الأرض" من (ر).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٦٠).
[ ٦ / ٢١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾؛ أي: يخوِّفونَكم.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾؛ أي: أقرَرنا بذلك، كما قال -خبرًا عنه (^١) -: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: ١١]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٩].
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بيَّن أنَّ مخالفتَهم الرُّسلَ إنَّما كانت لأنَّهم اغترُّوا بالحياةِ الدُّنيا، وظنُّوا أنَّها تدومُ لهم، وتوهَّموا أنَّ ما أُعطوه (^٢) لِكرامتِهم على اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ بتكذيبِهم، فيقول للمشركين: احذروا أن تكون هذه حالُكم يومَ القيامة.
* * *
(١٣١) - ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾؛ أي: ذلك الإرسالُ إلى الجنِّ والإنس؛ لأجلِ أنَّ ربَّك ليس مِن صفتِه أنْ يُهلِك القُرى بظلمٍ.
قال الكلبيُّ: أي: يُعذِّبَ أهلَها ﴿بِظُلْمٍ﴾؛ أي: بشركٍ، ﴿وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾؛ أي: لم يكن ليهلِكَهم مِن قبل أنْ يأتيَهم رسولٌ فينهاهم (^٣)، فإنْ رجَعوا، وإلَّا أتاهمُ العذاب.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا يَستأصِلُ اللَّهُ قومًا إلَّا بعد تَقدُّم الوعيدِ؛ لئلَّا يَحتجُّوا فيقولوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]، وإن لم يكن لهمُ الاحتجاجُ بذلك، لما مكَّن لهم، وركب فيهم ما
_________________
(١) قوله: "خبرًا عنه" من (ر).
(٢) في (ف): "أعطوا".
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ١٢٦) عن ابن عباس ﵄.
[ ٦ / ٢١٩ ]
يَعرفون به أنَّه لم يَخلقهُم عَبَثًا، ولا يَترُكُهم سدًا، لكنَّ سنَّتَهُ في الأوَّلين قد مضَت أنَّه لا يُهلِكُهم إلَّا بعد الوعيدِ؛ فضلًا منه ورحمةً، لا أنَّه لا يَسعُـ [ه] ذلك (^١).
* * *
(١٣٢) - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾؛ أي: ولكلِّ عاملٍ بطاعةٍ أو معصيةٍ ﴿دَرَجَاتٌ﴾؛ أي: مراتبُ في الجزاء.
قال الكلبي: أي: بعضُهم أشدُّ عذابًا مِن بعض، وكذلك في الفضائلِ بعضُهم أعلى درجةً مِن بعض، على قدرِ أعمالِهم في الدُّنيا.
وقال القشيريُّ ﵀: المحسنُ في روحِ الثَّوابِ متنعِّمٌ، والمجرمُ (^٢) في نوحِ العقابِ متألِّمٌ (^٣).
وتَعلَّقَ أبو يوسف ومحمَّدٌ رحمهما اللَّه بظاهرِه؛ في أنَّ الجِنَّ لهم ثوابٌ؛ فإنَّه قدَّمَ ذكرَ الجنِّ والإنس، ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ﴾؛ أي: مِن الفريقين.
وقال أبو حنيفة ﵀: الكلامُ في أكثرِ هذه الآيات، وكذلك في الآية التي قبل هذه الآيةِ، في مشركي الإنسِ ومؤمنِيهِم، فالظَّاهرُ أنَّه فيهم، والأصلُ أنَّ الثَّوابَ لا يُستحَقُّ بالعمل، بل هو محضُ فضلِ اللَّه تعالى، فلا نَشهدُ به إلَّا لِمَن سبقَ له الوعدُ به، ولا نَتيقَّنُ بذلك في حقِّ الجنِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ بتاء المخاطبة؛ ردًّا
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٦١)، وما بين حاصرتين منه.
(٢) في (ر): "والمسيء".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥٠٤).
[ ٦ / ٢٢٠ ]
على قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، والباقون بياء المغايبة؛ ردًّا على الآية التي قبلها (^١).
ومعناه عند الإمام أبي منصورٍ ﵀ على وجهين:
أحدهما: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ﴾ عن أعمالِهم التي يَعملونها مِن المعصية، ولكن يؤخِّرُ تَعذيبَهم؛ رحمةً منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٢].
والثاني: أنه على علمٍ بأعمالِهم خلقَهم، لا عن جهلٍ؛ لما أنَّ ضررَ أعمالِهم يَرجِعُ إليهم، لا إليه (^٢).
* * *
(١٣٣) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ فلا يَنتفِعُ بالطَّاعةِ، ولا يَتضرَّرُ بالمعصية، ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فلا يُعاجِل بالعقوبة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿الْغَنِيُّ﴾ يُشيرُ إلى عزِّه، و﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يُشيرُ إلى لطفه، أخبرَ بقوله: ﴿الْغَنِيُّ﴾ عن جلالِه، وبقوله: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ عن أفضالِه، فبجلالِه يُكاشِفُهم فيُفنيهم، وبأفضالِه يُلاطِفُهم فيحييهم، وسماعُ غِناه يُوجِبُ محوَهم، وسماعُ رحمتِه يُوجِبُ صحوَهم، فهم في سماعِ هذه الآية بين فناءٍ وبقاء، واصطلامٍ وإكرام، وتذويبٍ وتقريب، واحتياجٍ وارتياح (^٣).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٦٩)، و"التيسير" (ص: ١٠٧).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥٠٤).
[ ٦ / ٢٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾؛ أي: يُهلككم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ يجعل فيها مَنْ يَخلُفُكم مِن غيرِكم مِن النَّاس، أو مِن غيرِهم؛ فإنَّه قال: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، ولم يقل: من يشاء، فلا يَختصُّ بالعُقلاء.
وقيل: ﴿مَا﴾ هاهنا بمعنى: من، والمراد به: ويأت بقومٍ (^١) أطوعَ منكم.
قال عطاء: هم الأنصارُ والتَّابعون بإحسانٍ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ أي: نسلِ قومٍ كانوا قبلَكم.
قال مقاتل: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ يعني: أهل سفينة نوح (^٣).
وقيل: ﴿مِنْ﴾ للبدل، كما يُقال: أعطيتُك مِن دينارٍ ثوبًا؛ أي: أنشأكُم بدلًا مِنهم.
* * *
(١٣٤) - ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾؛ أي: مِن مجيء الساعة.
وقيل: مِن العذابِ في الدُّنيا والآخرة.
وقيل: مِن إظهارِ محمَّدٍ -ﷺ-.
وقال الكلبيُّ: ﴿لَآتٍ﴾؛ أي: لكائنٌ لا خُلفَ فيه.
_________________
(١) بعدها في (ر): "هم".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٩٢).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٩٠).
[ ٦ / ٢٢٢ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: الإشارةُ في هذه الآية إلى قِصرِ الأمل، ومَنْ قَصُرَ أملُه، حَسُنَ عملُه، وكلُّ ما هو آتٍ فقريبٌ أجلُه (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي: بفائتين؛ أي: يُدرِكُكم حيث كنتم، وقد قَصدتُ فلانًا فأعجزني؛ أي: سبقَني ففاتَني.
* * *
(١٣٥) - ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ قرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر وحماد (^٢): ﴿عَلَى مكاناتكم﴾ بالجمع؛ لأنَّه خطابُ الجمع، وقرأ الباقون: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على الواحد (^٣).
والمكانةُ: الطَّريقةُ والجهة.
وقيل: أي: النَّاحيةُ، وهو عن ابن عباسٍ ﵄ (^٤) والحسن.
وقال الزَّجَاج: هي مِن التَّمكُّن؛ مصدر المكين، وصيغتُه صيغةُ الأمر، ومعناهُ التَّهديد، كما قال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] (^٥).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥٠٤).
(٢) قوله: "وحماد" من (ف).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٩)، و"التيسير" (ص: ١٠٧)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٥٠٥).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٩٠) (٧٩٠٩).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٩٤).
[ ٦ / ٢٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾؛ أي: قد أنذرتُكم ونصحتُ لكم، وأنتم مقيمون (^١) على تكذيبي، فاثبتُوا على ما أنتم عليه مِن الكفر والمعاصي، وأنا أثبتُ على الإيمانِ والطاعةِ، والصَّبرِ على إيذائكم.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف (^٢) بياءِ التَّذكير؛ لتقدُّمِ الفعل، ولأنَّ تأنيثَ العاقبةِ غيرُ حقيقيٍّ.
وقرأ الباقون بتاء التأنيثِ (^٣)؛ لأنَّها مؤنَّثةٌ لفظيَّةٌ؛ أي: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ﴾ العاقبةُ (^٤) المحمودةُ في دار السَّلام.
ويَحتملُ عاقبةَ دارِ الدُّنيا؛ في النَّصرِ والظَّفر ووراثةِ الأرض.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ وأنتم ظالمون لا تُفلِحون.
وقال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: الظَّفرُ في الدُّنيا، والفوزُ في الآخرة.
وعاقبةُ الشَّيء وعُقباهُ وعُقْبُه: آخرُه ومنتهاه.
وقال الكلبيُّ: ﴿اعْمَلُوا﴾ في منازلِكم في أمري، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ في أمرِكم بالهلاك، فسوف تعرفون (^٥) مَن تكونُ له الجنَّة، إنَّه لا يَأمنُ الظَّالمون.
* * *
_________________
(١) في (أ): "تقيمون".
(٢) قوله: "وخلف" من (ف).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٠)، و"التيسير" (ص: ١٠٧)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٣).
(٤) في (ف): "عاقبة الدار" بدل: "العاقبة".
(٥) في (أ): "تعلمون".
[ ٦ / ٢٢٤ ]
(١٣٦) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ وهذا ممَّا يُوحي شياطينُ الجنِّ والإنس مِن زخرف القول (^١)، ومِن ضلالات أهل الشِّرك وجهلِهم وافترائهم على اللَّه، وشرعِهم ما لم يأذن به اللَّه، يقول: سمَّوا للَّه ممَّا خلقَ مِن الزَّرع الذي يزرعونه، ومن الحيواناتِ التي يَقتنونها مِن البقر والإبل والغنم حظًّا.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ قرأ الكسائيُّ وحدَه: ﴿بزُعمهم﴾ بضمِّ الزَّاي، والباقون بفتحها (^٢)؛ أي: بقولِهم الباطل، ﴿وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾؛ أي: أصنامِنا، وكانوا يجعلونَها شركاءَ للَّه، وإنما أضافوها لأنفسِهم لاعتقادِهم إيَّاها كذلك.
ثمَّ كان من حكمِهم أنَّ ما جعلوهُ للَّه مِن حرثِهم، فاختلطَ منه شيءٌ بالذي عزلوهُ لآلهتهم قالوا هذا لآلهتنا، واللَّهُ غنيّ عنها (^٣)، ولم يَردُّوه إلى ما عزلوه للَّه، وما اختلطَ منه شيءٌ ممَّا سمَّوه لآلهتِهم بالذي سمَّوه للَّه، أخذوهُ وردُّوه إلى نصيبِ آلهتِهم، وقالوا: هذا كان لها، فهي أحقُّ به، وكانوا إذا زرعوا خَطُّوا خطًّا، فقالوا: هذا للَّه (^٤)، وهذا لآلهتنا، وإذا حصدوا ممَّا وقع منه فيما جعلوهُ للآلهةِ؛ بأن ذهبت به الريح أو
_________________
(١) بعدها في (أ): "غرورًا".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٢٧٠)، و"التيسير" (ص: ١٠٧).
(٣) في (ف): "عن هذا".
(٤) بعدها في (أ): "بزعمهم"، وفي (ر): "تركوه".
[ ٦ / ٢٢٥ ]
غير ذلك، تركوه، وما وقع منه فيما جعلوه للَّه، أعادوه إلى موضعه، وكان إذا نما وحسُن ما للَّه، وانتقص ما لآلهتِهم، جعلوا ذلك النَّامي لآلهتهم، ولم يَجعلوا ذلك في عكسه.
هذا في الحرث، فأمَّا في الأنعام، فكانوا يُسمُّون بعضها للَّه، وبعضَها لآلهتهم، فكانت إذا ولدَت ما للَّه إناثُها ميتًا، أكلوه، وإذا جعلوا لآلهتهم، فولدَت ميتًا، عظَّموهُ فلم يأكلوه، وبيان ذلك في تفسير البَحيرة والسَّائبةِ والوصيلة والحامي (^١).
وقال قتادة: إنْ أصابَتهُم سنةٌ، أكلوا ما جعلوا للَّه، وتَركوا ما جَعَلوا لآلهتِهم (^٢).
وقيل: ما سمَّوه للأصنام كانوا يُنفِقون عليها، وما سمَّوه (^٣) للَّه نحروه (^٤) للأضياف والسُّؤَّال، وكذا من الحرث.
وقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ في شرعِ ما لم يَشرعِ اللَّه.
وقيل: أي: في تفضيلِ الأصنامِ على اللَّه (^٥) في هذه المعاملة.
وقيل: إنَّ اللَّه تعالى قال: لو كان معي شريكٌ كما يقولون، فهذا ليس بعدلٍ في القسمة؛ أن تأخذوا منِّي ولا تُعطوني.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: فيه وجوه سفهٍ منهم:
أحدها: أنَّهم كانوا مقرِّين أنَّ اللَّهَ خلقَ الأشياءَ كلَّها، ثمَّ جعلوا ممَّا خلقَ نصيبًا للأصنام.
_________________
(١) عند تفسير الآية (١٠٣) من سورة المائدة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٧١).
(٣) في (أ): "سموا".
(٤) في (ف): "نحروا منه".
(٥) قوله: "على اللَّه" ليس في (ف).
[ ٦ / ٢٢٦ ]
ومنها: أنَّهم لم يُسوُّوا في هذه القسمة على ما حكينا، فأخبرَ أنَّه بئسَ الحكم، وهو كما قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢].
ومنها: أنَّ الأصنامَ لا تملكُ شيئًا، ولا تَعقِلُ شيئًا، فلا معنى لفعلِهم هذا (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا بنَوا قاعدةَ أمرِهم على موجبِ الهوى، صارت فروعُهم لائقةً بأُصولهم، فهو كما قيل:
إذا كان القضاءُ إلى ابن آوى فتعديلُ الشُّهودِ إلى القرودِ (^٢)
* * *
(١٣٧) - ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾؛ أي: كما زيَّنوا لهم تحريمَ هذه الحروثِ والأنعام بخلافِ حكم اللَّه، كذلك زيَّن لكثيرٍ منهم شركاؤهم قتلَ أولادِهم بغير أمر اللَّه به، وإذنِه فيه.
والشركاء: الشَّياطين هاهنا، لا الأوثان، فكانوا يُعظِّمون الشَّياطينَ ويَقبلون منهم، فصاروا شركاءَ لهم، أشركوهم باللَّه مِن هذا الوجه، كما كان الأوثانُ شركاءَ لهم، أوقعوا في قلوبِهم (^٣) بطريقِ الوسوسة قتلَ البنات؛ خشيةَ الإملاقِ ولحوقِ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥٠٥)، والبيت ذكره الثعالبي في "التمثيل والمحاضرة" (ص: ١٩٣) دون نسبة.
(٣) بعدها في (ف): "من هذا الوجه"، وهي مقحمة.
[ ٦ / ٢٢٧ ]
العار، وإنما قال: ﴿لِكَثِيرٍ﴾، ولم يقل: للكلِّ؛ لأنَّ بني كنانة كانوا لا يَئدون البنات، روي ذلك عن الحسن ومجاهد والسُّدِّي (^١).
وله وجه آخر: قال الكلبيُّ: كان لآلهتهم سَدَنَةٌ وخُدَّامٌ، هم الذين يُزيِّنون للكفَّارِ قتلَ أولادِهم، وكان الرَّجلُ يَحلِفُ في الجاهليَّة: لئن وُرلدَ له كذا غلامًا، ليَنحرنَّ أحدَهم، كما حلف عبدُ المطَّلب على ابنِه عبد اللَّه (^٢)، وشركاؤهم هم السَّدنَةُ، وقتل الأولاد بهذا الوجه، وهو ممَّا لم يَأذن به اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾؛ أي: ليهلكوهم وقد رَدِيَ يَرْدَى ردًا، من باب: عَلِمَ؛ أي: هلك، وأرداهُ غيرُه إرداءً.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾؛ أي: ليُشبَّهوا ويُخَلِّطوا؛ أي: يُدخِلوا الشُّبهات والتَّخاليطَ في الدِّين الذي شرعَهُ اللَّهُ لهم، فيَتركوه.
وقال الكلبيُّ: وكانوا على دينِ إسماعيل (^٣).
ويحتمل: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ الباطل، وهو الشِّركُ فيَلزموه، والدِّينُ يَقعُ على الحقِّ والباطلِ، قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ فثَبتَ أنَّ الكائناتِ كلَّها بمشيئةِ اللَّهِ تعالى ﷻ، وبطلَ به مذهبُ المعتزلة.
وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: يَكذبون بقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨].
_________________
(١) المروي عن مجاهد والسدي عند الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٧٥ - ٥٧٦) تزيين الشياطين للمشركين قتل أولادهم، وليس فيه استثناء بني كنانة من هذا الفعل.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٩٤).
(٣) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٤٦٢).
[ ٦ / ٢٢٨ ]
وقرأ ابنُ عامر: ﴿زُيِّنَ لكثيرٍ مِن المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم﴾ بضمِّ الزَّاي، ونصب الأولاد، وخفضِ الشُّركاء (^١)، وتقديره: قتلُ شركائِهم أولادَهم، ففصل بين المضافِ والمضاف إليه، وقد وردَ مثل ذلك في الشعر، قال قائلهم شعر:
فزَججتُها بِمِزَجَّةٍ زجَّ القلوصَ أبي مَزَادَهْ (^٢)
أي: زجَّ (^٣) أبي مزادةَ القلوصَ.
وأكثرُ النَّحويين على أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ القرآنَ لا يُحمَلُ على الشَّاذِّ القبيح (^٤)، وقالوا: إنَّما حملَهُ على هذه القراءة؛ لأنَّها في مصاحفِ أهل الشام: ﴿شركائهم﴾ بالياء.
ويجوزُ حملُ ذلك على وجهٍ آخرَ أحسن من هذا: ﴿أَوْلَادِهِمْ﴾ بالخفض، و﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ كذلك؛ على أنَّه بدلٌ عنه.
وسُمُّوا شركاءَ لأنَّهم يَشْرَكونَهم في النَّسب والنَّعم والميراث.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٧٠)، و"التيسير" (ص: ١٠٧).
(٢) البيت في "الكتاب" (١/ ١٧٦)، و"معاني القرآن" للزجاج (٣/ ١٦٩)، و"الخصائص" لابن جني (٢/ ٤٠٦)، و"خزانة الأدب" (٤/ ٤١٥) وغيرها دون نسبة. قال عبد القادر البغدادي في "الخزانة": (٤/ ٤١٥): قال ابن خلف: هذا البيت يروى لبعض المدنيين المولدين، وقيل: هو لبعض المؤنثين ممن لا يحتج بشعره. يقال: زججتُهُ زجًّا: إذا طعنته بالزُّجِّ، وهي الحديدة التي في أسفل الرمح. والقلوص: الناقة الشابة. وأبو مزادة: كنية رجل.
(٣) في (أ): "كزج".
(٤) وقد بين الإمام أبو حيان وجوه هذه القراءة، ورد على منكريها في "البحر المحيط" (٨/ ٤٢٣ - ٤٢٦)، فانظره.
[ ٦ / ٢٢٩ ]
وقال الفرَّاء: ويجوز "شركايُهُم" بالياءِ ورفع الياء، على لغة من قال: عشايٌ، في عشاء (^١)، قال الشاعر:
إذا الثُّريَّا طَلعت عشايا فبعْ لراعي غنمٍ كِسايا (^٢)
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾؛ قيل: لو شاءَ اللَّهُ لأهلكَهُم فلم يَفعلوا ذلك.
وقيل: لأعجزَهم ومنعَهم عن ذلك.
وقيل: لأراهُم قبحَ فعلِهم، فلم يفعلوا، ولكن علمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَختارون ذلك، وشاءَ لهم ذلك، فذَرهم (^٣).
قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾؛ فإنَّ ضررَ ذلك الافتراءِ عليهم، ليس علينا ولا عليك.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ صرَّح بأنَّ المدارَ على المشيئة، والاعتبارَ لسابق القضيَّة (^٤).
* * *
(١٣٨) - ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٥٧).
(٢) الرجز دون نسبة في "الأضداد" للأصمعي (ص: ٣٠)، وفيه: "عشيَّهْ. . . كُسَيَّهْ".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٦٨).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥٠٥).
[ ٦ / ٢٣٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ ﴿حِجْرٌ﴾؛ أي: حرامٌ، مِن الحَجْرِ، وهو المنعُ، وهذه الأنعامُ والحرثُ هي التي ذُكرت قبل هذا في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ وقد فسَّرناهُما.
﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾؛ أي: قولِهم الباطل، وهو ما ذكرنا مِن الأصناف والمساكين (^١).
وقال الكلبيُّ: أي: الرِّجالُ دون النِّساء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ هذا في الحامي كان الفحلُ إذا رُكِبَ ولدُ ولدِه قالوا: حمى ظهره، فلا يُركَبُ، ولا يُحمَلُ عليه، ولا يُمنَع عن مرعًى ولا ماء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قيل: هي أنعامٌ كانوا لا يُحرِّمونها، ويُبيحونَ الانتفاعَ بها، لكن كانوا لا يَذكرون اسمَ اللَّهِ عليها عند حملٍ أو ركوبٍ أو حَلْبٍ أو غيرِ ذلك.
وقيل: بل كانوا لا يَنتفعون بها، ولو انتفَعوا بها لذكروا اسمَ اللَّه عليها، خصوصًا (^٢) إذا حجُّوا عليها؛ فإنَّهم كانوا يَذكرون اسمَ اللَّه عليها بالتَّلبية وغيرها.
وقال أبو وائل: لا يَحجُّون عليها.
وقال السُّدِّيُّ: لا يَذكرون اسمَ اللَّهِ عليها إذا ذبحوها (^٣).
_________________
(١) في (ف): "الأصناف والمشركين".
(٢) بعدها في (أ): "يحرمونها".
(٣) قولا أبي وائل والسدي رواهما الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٨٢ - ٥٨٣).
[ ٦ / ٢٣١ ]
وذكرَ الإمامُ أبو منصور ﵀ بعضُ هذه الأقاويل وغيرها، قال: وقيل: أي: لا يَذبحوها للأكل، ولا يَذكرون اسمَ اللَّه عليها وقت الرُّكوب، وهو قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الآية [الزخرف: ١٣]؛ لأنَّهم لا يَركبونها، ولكن يُسيِّبونها.
قال: والأقربُ إلى الصَّواب: لا يَنتفِعون بها ليَعرفوا نعمَ اللَّه، ويَشكروا لهُ عليها (^١).
وقوله تعالى: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾؛ أي: كذِبًا على اللَّه أنَّه أمرَهُم بذلك.
وقوله تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وهذا وعيدٌ (^٢).
* * *
(١٣٩) - ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ قراءةُ العامَّة: ﴿خَالِصَةٌ﴾ بالرَّفع والتَّنوين، وليست للتأنيث، بل يقال في الاسم: خالصٌ وخالصةٌ، قال الشاعر:
كنتَ أمينِي وكنتَ خالِصَتي وليس كلُّ امرئٍ بمؤتَمنِ (^٣)
والخالصُ: الذي لا شوبَ فيه.
وقيل: الهاءُ للمبالغة، كما يقال: راويةٌ للشِّعرِ، وعلَّامةٌ، ونسَّابةٌ، ونحو ذلك.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٧١).
(٢) في (ف): "وعد ووعيد"، والمثبت هو الصواب.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٩٦)، والواحدي في "البسيط" (٨/ ٤٦٥) دون نسبة.
[ ٦ / ٢٣٢ ]
وقرأ سفيانُ بن الحسين: (خالصةً) بالنَّصب والتَّنوين (^١) على أنَّها مصدرٌ، كالعافية والعاقبة واللَّاغية والطَّاغية؛ أي: خلوصًا لذكورنا.
وقرأ ابن عباس: (خَالِصُهُ لذكورنا) برفعِ الصَّاد وهاءِ الإضافة؛ أي: الخالصُ مِنه لذكورنا (^٢).
وفي مصحفِ عبد اللَّه بن مسعود: (خالِصٌ لذكورنا) (^٣) على التَّذكير؛ لأنَّه نعتٌ ﴿مَا﴾، وكذا بعده: ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾.
ومعناه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ﴾ البحيرة ونحوِها من الألبان، في قول ابن عباسٍ والشعبيِّ (^٤)، وقيل: من الأجِنَّة: مباحٌ لذكورِنا، فيتناولون مِنها، ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾؛ أي: إناثنا؛ لأنَّ الإناثَ هنَّ أزواجُ الرِّجال في الجملة، فلا يَحِلُّ لهنَّ شيءٌ مِن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ قرأ ابنُ كثير: ﴿يَكُنْ﴾ بياء التَّذكير، ﴿مَيْتَةً﴾ بالرفع، وهو اسمُ كان، والفعلُ مقدَّمٌ.
وقرأ ابنُ عامر: ﴿وإن تكن﴾ بتاء التَّأنيث، ﴿ميتةٌ﴾ رفع؛ لأنَّها مؤنَّثةٌ لفظًا.
وقرأ أبو جعفر: ﴿وإن تكن﴾ بالتاء، ﴿ميِّتةٌ﴾ بالتَّشديد والرَّفع (^٥).
_________________
(١) ذكرها ابن جني في "المحتسب" (١/ ٢٣٢)، وزاد نسبتها لابن عباس -بخلاف عنه- والأعرج وقتادة.
(٢) ذكرها ابن خالويه في "مختصر في شواذ القرآن" (ص: ٤٦)، وابن جني في "المحتسب" (١/ ٢٣٢)، وزاد الأخير نسبتها للزهري والأعمش وأبي طالوت.
(٣) ذكرها ابن جني في "المحتسب" (١/ ٢٣٢)، وزاد نسبتها لابن عباس والأعمش بخلاف، ونسبها ابن خالويه في "مختصره" (ص: ٤٦) لابن عباس فقط.
(٤) رواه الطبري عنهما في "تفسيره" (٩/ ٥٨٤ - ٥٨٥).
(٥) من قوله: "وقرأ أبو جعفر" إلى هنا ليس في (أ) و(ر).
[ ٦ / ٢٣٣ ]
وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر وحمَّاد (^١): (وإن تكن) بتاء التَّأنيث، ﴿مَيْتَةً﴾ بالنَّصب؛ لأنَّه خبرُ كان، والاسمُ مضمَرٌ على التَّأنيث؛ وإن تكن الأنعام؛ لأن ما في بطونِ الأنعامِ أنعامٌ.
وقرأ الباقون: ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾ بياء التَّذكير، ﴿مَيْتَةً﴾ بالنَّصب (^٢)، والاسمُ: ما في بطون، وهو مذكَّرٌ، معناه: وإن يكن ما في البطن ميتًا، فالذُّكورُ في حلِّ أكلِه والإناثُ سواءٌ.
وقوله تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ ما تَصِفُ ألسنتُهم مِن التَّحليل والتَّحريم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿حَكِيمٌ﴾ في جزائهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم.
وروَتْ عمرةُ عن عائشة ﵂ قالت: يَعمد أحدُهم إلى مالِهِ، فيَجعلُه للذُّكور مِن ولدِه دون الإناث، فتَجيء المرأةُ الغريبةُ فتَتَبحبحُ في ماله، وجعلَت ابنتُه تَمتدُّ عيناها إلى مالِ أبيها، ما فعلوه إلَّا كما أخبرَ اللَّهُ عنهم: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ (^٣).
وقال الإمام القشيريَّ ﵀: أخبرَ عن أشياءَ ابتدعوها على ما أرادوا، وأمورٍ شرعوها على الوجهِ الذي اعتادوا، ثمَّ أضافوا ذلك إلى الحقِّ بغير دليل، ولا
_________________
(١) قوله: "وحماد" من (ف).
(٢) انظر القراءات المذكورة في "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٠ - ٢٧١)، و"التيسير" (ص: ١٠٧)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٥٠٥ - ٥٠٦)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٣) رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٧) مختصرًا.
[ ٦ / ٢٣٤ ]
من جهة إذنٍ ورسول (^١)، والإشارةُ فيه أنَّ مَن نحا نحوَهم في زيادةِ شيءٍ في الدِّين، أو نقصانِ شيءٍ مِن شرعِ المسلمين فهو مُضَاهٍ لهم في البطلان، ومنخرطٌ في سلكِهم في الطُّغيان (^٢).
* * *
(١٤٠) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: هَلَكوا وخابوا، والسَّفهُ: خفَّةُ الحِلم بالعَجلة إلى ما لا ينبغي له أن يَعجلَ إليه، ومِن السَّفهِ قتلُ النُّفوسِ المحرَّمةِ، خصوصًا من هو ولدُك وبعضٌ منك، ومَن لم يُذنب إليك ولا إلى غيرِك، ولا جنى جنايةً، وفيه قسوةُ قلبٍ، وقِلَّةُ رحمةٍ، وقطيعةُ رحمٍ، وإساءةٌ إلى بريءٍ، وجُرأةٌ على اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ قال الإمام القشيريُّ ﵀: انسدَّتْ عليهم طرقُ الثَّقةِ بخالقِ العباد، فحملَتهُم خشيةُ الفقرِ على قتلِ الأولاد، ومن حقائقِ اليقين: كثرةُ العِيال على قلَّة المال (^٣).
* * *
(١٤١) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "ولا رسول" بدل: "إذن ورسول".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥٠٦).
(٣) المرجع السابق (١/ ٥٠٧).
[ ٦ / ٢٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ بيَّن تحريمَ المشركين بعضَ الحروثِ والأنعام، وبيَّن في هذه الآية أنَّها خُلِقَت لنا، وهي حلالٌ ليست بحرام.
و﴿أَنْشَأَ﴾؛ أي: خلقَ وابتدأ، ﴿جَنَّاتٍ﴾ بساتين.
وقوله: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ والسُّدِّيُّ: هي ما عُرِشَ مِن الكُروم (^١) ونحوها (^٢)، وهو رفعُ بعضِ أغصانِها على بعض.
وقيل: هو ما رُفع (^٣) له حِظارٌ كالحائط.
والعرش في اللُّغة: هو الرَّفعُ، وسُمِّيَ السَّريرُ عرشًا؛ لارتفاعه، وقوله تعالى: ﴿خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ أي: أعاليها. وقيل: هي الكرومُ يُجعَل لها عرائشُ، وهي كالسُّقوف، والعَرْشُ: السَّقف.
وقيل: المعروش (^٤): ما يَقومُ على السَّاق، وغير المعروش: ما يَنبسِطُ على الأرض.
وعن ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ: المعروشات: المَسْموكات، وغيرُ المعروشات: ما خرجَ من الجبالِ والبرِّيَّة من الثِّمار (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ عطف على: ﴿جَنَّاتٍ﴾، وهي مفعولةٌ بـ ﴿أَنْشَأَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ نُصِب على القطعِ؛ لأنَّه نكرةٌ هي صفةٌ لمعرفة،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الكرم".
(٢) روى قوليهما الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٩٣ - ٥٩٤).
(٣) في (أ): "يرفع".
(٤) في (أ): "العروش" في هذا الموضع والذي يليه.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٥٩٣).
[ ٦ / ٢٣٦ ]
والأكُل: الثَّمرُ؛ لأنَّه يُؤكَل، والنَّخل ألوانٌ كثيرةٌ، وكذلك الزَّرع، والهاء في ﴿أُكُلُهُ﴾ راجعةٌ إلى ما ذُكِر.
وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ نصب على القطعِ، وتفسيرُه ما مرَّ في قوله: ﴿مُشْتَبِهًا﴾ [الأنعام: ٩٩]، والاشتباهُ والتَّشابهُ واحدٌ، يُقال: اشتبهَتِ الأمورُ وتَشابهت.
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾؛ أي: ثمرِ ما ذُكر، ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾؛ أي: استبيحوا أكلَهُ، ولا تحرِّموه كتحريمِ المشركين.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وحمزةُ والكسائيُّ بكسر الحاء، والباقون بفتحها (^١)، وهما لغتان، كما في الجدادِ والصّرام والقطاف. وحقُّه العشر.
ويومُ حصادِه: وقت بلوغِه وفصله.
وقال الرَّبيع: هو لُقاطُ السُّنبل (^٢).
وقال مجاهدٌ: إذا حصدتَ وحضرَك المساكين فاطرَح لهم مِنه، وإذا دُستَهُ وذَرَيْتَهُ فاطرَحْ لهم مِنه، وإذا عرفت كيله، فاعزل زكاته (^٣) أي: عشره.
وقال الشَّعبيُّ: تعطي منه ضغثًا (^٤).
_________________
(١) في (ف): "قرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وعاصم بفتح الحاء والباقون بكسرها" بدل قوله: "قرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي بكسر الحاء والباقون بفتحها"، وهي نسخة بهامشها. وانظر القراءة في "السبعة" (ص: ٢٧١)، و"التيسير" (ص: ١٠٧)، و"النشر" (٢/ ٢٦٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٠٦).
(٣) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٩٢٣ - تفسير)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٣٩٨) (٧٩٥١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٠٥).
[ ٦ / ٢٣٧ ]
وقال مجاهد: كانوا يُعلِّقون العِذقَ عند الصِّرام، فيأكلُ منه الضيف ومن مر به (^١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان رجالٌ يَتبرَّعون (^٢) عند صرامِه، فيقولُ الرَّجل: لا أمنعُ سائلًا حتَّى أُمسي، فعَمَدَ ثابتُ بنُ قيس بنِ شمَّاس إلى خمس مئةِ نخلةٍ، فجذها، ثمَّ قسمها في يومٍ واحدٍ، ولم يَترك لأهلِه شيئًا، فنزلت الآية: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ يعني في العطية (^٣)، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ أسرفَ حتَّى لم يَترك لأهلِه شيئًا.
ومَن حملَهُ على العُشر فمعنى قوله: ﴿وَآتُوا﴾؛ أي: التزموا أداءَه، كما قال: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]؛ أي: التزموا؛ لأنَّه لا يُسلَّمَ حين يحصد (^٤) حتَّى يتمَّ.
وقال سعيدُ بنُ جبير: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: لا تُعطوا كلَّه (^٥).
وقال الزُّهريُّ: لا تسرفوا؛ أي: لا تُنفِقوا في المعصية (^٦).
وقال عبدُ الرحمن بنُ زيد: هو أمرٌ للسَّلاطين؛ أي: لا تَأخذوا فوق حظِّكُّم (^٧).
_________________
(١) لفظ: "به" من (أ)، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٨٦١)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٠٧).
(٢) بعدها في (أ): "أنه".
(٣) أورده الثعلبي في "تفسيره" (١٢/ ٢٣٧) (طبعة دار التفسير)، والواحدي في "البسيط" (٨/ ٤٨١). وروى الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦١٥) نحوه عن ابن جريج.
(٤) في (أ): "يحصده".
(٥) لفظ: "كله" ليس في (ف). ورواه الطبرىِ في "تفسيره" (٩/ ٦١٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٣٩٩) (٧٩٦٧) عن السدي.
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٢/ ٢٣٨) (طبعة التفسير).
(٧) كذا في النسخ الخطية، ولعل صوابها: "حقكم" كما في "تفسير الثعلبي" (١٢/ ٢٣٩) (طبعة دار التفسير)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦١٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٠٠) (٧٩٦٨).
[ ٦ / ٢٣٨ ]
وقال مقاتلٌ وعطيَّة العوفي: أي: لا تشركوا الأوثان في الحرثِ والأنعام (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ كلُّ ما أنفَقْتَهُ في حظِّ نفسِك فهو إسرافٌ، وإن كانت سِمسِمةً، وما أنفقتَهُ في سبيلهِ فليس بإسرافٍ، ولو أربى على الآلاف (^٢).
* * *
(١٤٢) - ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾؛ أي: وأنشأ مِن الأنعامِ حَمُولةً، وهي كبارُ الإبلِ التي تُطيقُ الحملَ، ﴿وَفَرْشًا﴾؛ أي: صِغارُها، وهو عن ابنُ عبَّاسٍ ﵄ والحسنُ ومجاهد (^٣).
وقيل: الحَمولة: ما حُمل [عليه] من الإبل والبقر، وأما الفرشُ فهي الغنم، (^٤) عن الحسن في روايةٍ (^٥)، وهو قولُ قتادةَ والرَّبيع والسُّدِّيِّ والضَّحاك وابنِ زيد (^٦).
وعن ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ: إنَّ الحَمولة ما حُمِل [عليه] مِن الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، وأما الفَرْشُ فهي الغنم (^٧).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٩٣)، و"تفسير الثعلبي" (١٢/ ٢٣٨).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥٠٧).
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦١٩ - ٦٢٠).
(٤) بعدها في (ر): "وهذا".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٢٠)، وابن أبي حاتم في "تقسيره" (٥/ ١٤٠٠) (٧٩٧٣).
(٦) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٢١ - ٦٢٢).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٢١)، وما بين حاصرتين منه.
[ ٦ / ٢٣٩ ]
والحَمولةُ جمعٌ لا واحدَ لها مِن لفظِها، وسُمِّي صغارُ الإبلِ فرشًا؛ لاستواء أسنانِها في الصِّغر والانحطاط، كاستواءِ ما يُفترَش.
وقال أبو عمرو: الحَمولةُ: الإبلُ، والفَرْشُ: البقرُ والغنم (^١)، يقول: أنشأ مِن الأنعامِ حَمولةً يُنتفَع بها بالحملِ، وصِغارًا يُنتفَع بها من وجوهٍ أُخَر.
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: استبيحوا كلَّ هذه الأنعام، وهي الإبلُ والبقرُ والغنم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: ولا تَسلكوا سبيلَ الشَّيطان، ولا تتَّبعوا آثارَهُ في تحريمِها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة. وقيل: أي: مظهِرها، وأبان لازمٌ ومتعدٍّ، فاتَّهموه على أنفسكم وأديانكم.
* * *
(١٤٣) - ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ ترجمةٌ عن قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾.
وقيل: نصب لأنَّه مفعولٌ بقوله: ﴿كُلُوا﴾.
وقيل: هو على الإغراء؛ أي: عليكم بها، فانتفعوا بها؛ فإنَّ اللَّهَ أباحَها لكم.
و﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾؛ أي: ثمانيةَ أصنافٍ، أو ثمانيةَ أفرادٍ، كل ذكرٍ وأنثى زوجان.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ قال الزَّجَّاجُ: الضأنُ جمع ضائن، كالتَّجْر جمع تاجر (^٢).
_________________
(١) انظر: "الغريبين" للهروي (٥/ ١٤٣٠) (مادة: فرش).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٢٩٩).
[ ٦ / ٢٤٠ ]
وقيل: هو جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِه، ويُجمَع على: ضَئين، كعبد يُجمَعُ على عبيد.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمر ووابن عامر بتحريك العين (^١)، وهي جمع ماعِز، وهي التُّيوسُ والعنوز.
وفي مصحف أبيّ: "ومن المِعْزَى" (^٢)، وهي جمعٌ أيضًا، وقال امرؤ القيس:
إذا ما لمْ تَكُن إبلٌ فمِعْزَى كأن قرونَ جِلَّتِها العصيُّ (^٣)
وقوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الألفُ ألف الاستفهام.
وقوله تعالى: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: حَوَتهُ وجمعَتهُ وانضمَّت عليه، والأرحام جمعُ رَحِم، وهي المشيمةُ، وهي موضعُ الولد.
وجَمَعَ الأرحام، وإن أضيفَت إلى اثنين؛ لأنَّ ما كان في الحيِّ مِنه عضوٌ واحدٌ، فالإضافة إلى الاثنين بالجمع، قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، يقول: أنشأ لكم ثمانيةَ أزواجٍ مِن الغنمِ ذكرًا وأنثى، ومن المعزِ ذكرًا وأنثى، ومن الإبل كذلك، ومن البقر كذلك، كلُّ ذكرٍ زوجٌ للأنثى، وكلُّ أُنثى زوج للذَّكر، فهي ثمانية أزواجٍ، وهم كانوا يُحرِّمون مِن هذه الأصناف الأربعة، فأمرَ اللَّهُ تعالى نبيَّه -ﷺ- أنْ يُحاجَّهم، ويُبطِلَ وجهَ تحريمِهم، فقال: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي:
_________________
(١) في (ف): "قرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي وعاصم وخلف وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي وابن فليح والقواس عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل [عنه] بتسكين العين، والباقون بتحريك العين" بدل من "قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بتحريك العين". وانظر القراءة في "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧١)، و"التيسير" (ص: ١٠٨)، و"جامع البيان" للداني (ص: ٥٠٦)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٦).
(٢) انظر: "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ص: ٤٧).
(٣) انظر: "ديوان امرئ القيس" (ص: ١٣٦).
[ ٦ / ٢٤١ ]
الذَّكر من الضَّأنِ والذَّكرُ مِن المعز (^١) حرَّم؟ أم الأنثى مِن هذه والأنثى (^٢) من هذه؟ أم حرَّم الأجنَّةَ التي اشتملَت عليها الأرحام دون الأصول كالذُّكور والإناث؟ فإنْ كان حرَّم الذُّكور، فيجبُ أن يكونَ كلُّ ذكرٍ حرامًا، وإنْ كان حرَّم الأُنثى، فيجبُ أن تكونَ كلُّ أنثى حرامًا، وإنْ كان حرَّم الجنينَ، فيجبُ أن يكونَ كلُّ جنينٍ حرامًا، وهم لا يقولون ذلك، فتناقضَت مقالاتُهم، وظهرَتْ محالاتهم.
وقوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: أخبروني بحجَّةِ ما تَقولون مِن طريقِ العِلم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم.
* * *
(١٤٤) - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: ذكرًا وأنثى أيضًا، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ كذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: مِن الإبلِ والبقر كالأوَّل.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ وقال في الآية الأولى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾، وحاصِلُه أنَّ العلومَ ثلاثةٌ؛ استدلالٌ، وعِيانٌ، وخبر، فقد
_________________
(١) في (أ): "والمعز" بدل من "والذكر من المعز".
(٢) في (ف): "أم الأنثى".
[ ٦ / ٢٤٢ ]
أبطلَ الاستدلالَ بأوَّل هذه الآية، ولا عِيان أيضًا؛ فإنَّهم لم يقولوا: شِهدنا اللَّهَ أمرَ به، ولا خبرَ لهم مِن صادقٍ؛ فإنَّهم لا يَقولون بالرُّسل، فثبتَ أنَّه لا علمَ لهم أصلًا في هذا، فلم يبقَ إلا الافتراء، وهو ظلم، وذلك قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وروي أنَّ مالك بن عوف النَّصريّ الجُشَميّ، وكنيتُه: أبو الأحوص (^١) جاء إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وقال: يا محمَّدُ، بلغَنا أنَّك لا تُحرِّمُ ما كان آباؤنا يُحرِّمونَه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إنَّ اللَّه تعالى خلقَ ثمانيةَ أزواجٍ، وساق الكلامَ إلى آخر الآيتين، فتحيَّر مالكٌ، وعرفَ أنَّه محجوجٌ، فقال: كذلك فعل آباؤنا.
وفي روايةٍ قال: إنَّ معي جماعةً مِن قومي، فآتيهم فأخبرهم، فأتى قومَه، فقالوا له: كيف رأيته؟ فقال: رأيتُه رجلًا معلَّمًا.
* * *
(١٤٥) - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وفي روايةٍ قال: يا محمَّد، فما هذه التي حرَّمَها آباؤنا مِن البحيرة والسَّائبةِ والوصيلة والحامي، فنزل قولُه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٩٧)، وليس فيه: "النصري"، وكأنه اختلط رجلان؛ الأول مالك بن عوف النصري رئيس المشركين يوم حنين، وكنيته أبو علي، والثاني مالك بن عوف الجشمي، ويروي عنه أبو الأحوص، واسم أبي الأحوص: عوف بن مالك بن نضلة. انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٦/ ٢٠٩)، و"معجم الصحابة" للبغوي (٥/ ٢٠٤)، و"الإصابة" لابن حجر (٩/ ٦٤، ٦٥ - ٦٦).
[ ٦ / ٢٤٣ ]
يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾؛ أي: مصبوبًا، وعنى به السَّائلَ، فلا يَحرم الدَّمُ الذي في اللَّحم، ولا الكبد، ولا الطِّحال.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾؛ أي: نجسٌ، والهاءُ تَرجِعُ إلى الخنزير، فدلَّ على أنَّه نَجِسُ العين.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ أي: مفسوقًا به، وهو المذبوحُ للصَّنم (^١).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ دليلٌ على أنَّ المحرَّمَ من الميتةِ أكلُها، فلا يَحرُمُ شعرُها وعظمُها وقرنُها، والجلدُ قبل الدِّباغِ يَحرمُ؛ لأنَّه قد يُشوى فيؤكل، فإذا دُبغ خرج عن الأكل، وجاز الانتفاعُ به.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: تعلق بِشْرٌ بظاهرِه، ولم يُحرِّم شيئًا سوى ما ذُكِر في هذه الآية، وقال في نهيِ النَّبيِّ -ﷺ- عن كلِّ ذي نابِ مِن السِّباع، وكلِّ ذي مخلبٍ مِن الطير (^٢): إنَّه خبرُ الواحد، فلا يُترَكُ به النصُّ، ولكنَّا نقولُ: الآيةُ في إخبارِه أنَّه لا يَجِدُ فيما أُوحيَ إليه يومَ قال إلَّا ذلك، ثمَّ ثبتَ حرمةُ أشياءَ بالقرآن، وحرمةُ أشياء بقول النبيِّ -ﷺ-، وهذا الخبرُ مشهورٌ، تلقَّتهُ العلماءُ بالقَبول، فجازَ به الزِّيادةُ على النَّصِّ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: اضطرَّ إلى شيءٍ مِن هذه المحرَّمات ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ بمجاوزة قدرِ الحاجة، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ بالتَّزوُّد، وقد بيَّنَّا فيه أقاويل أُخرَ في سورة البقرة (^٤).
_________________
(١) في (ر): "لأجل الصنم" بدل: "للصنم".
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" (١٩٣٤) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٨).
(٤) عند تفسير الآية (١٧٣).
[ ٦ / ٢٤٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغفِرُ له الأكلَ عند الضَّرورة، ﴿رَحِيمٌ﴾ بإثباتِ الرُّخصةِ.
* * *
(١٤٦) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أخبرَ أنَّه حرَّمَ على اليهودِ أشياءَ ببغيِهم على أنبيائِهم وتَحاسُدهم فيما بينهم، كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]؛ منها أكلُ كلِّ ذي ظفر.
قال ابنُ عباس ﵄ وسعيدُ بنُ جبير ومجاهدٌ وقتادةُ والسُّدِّيُّ: هو كلُّ ما ليس بمفرَّجِ (^١) الأصابع، كالإبلِ والنَّعامِ والوزِّ والبطّ (^٢).
وقيل: يدخلُ فيه أنواعُ السِّباعِ والكلاب والسَّنانيرِ، وسائرِ ما يَصطادُ بظُفرِه مِن الطَّير.
وذكر القتيبيُّ أنَّ كلَّ ذي مخلبٍ مِن الطَّير، وكلَّ ذي حافرٍ مِن الدَّوابِّ داخلٌ فيه، وحكاهُ عن بعض المفسِّرين (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ ومحرَّمٌ آخرُ عليهم شحومُ البقر والغنم، واستثنى من ذلك شحمَ الظُّهور والحوايا أنَّه لم يُحرَّم
_________________
(١) في (ر): "متفرج".
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٣٩ - ٦٤٠).
(٣) انظر: "تأويل مشكل القرآن" (ص: ١٥٣).
[ ٦ / ٢٤٥ ]
عليهم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ جمَعَ الظَّهر لأنه فردٌ مِن اثنين أضيف إليهما، كما في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
وقوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ جمع حَوِيَّة وحاوياء، فالفعيلةُ تُجمَعُ على فعائل، كالسَّفينة والسَّفائِن، والفاعلاء على فواعل، كالقاصِعاء والقواصع، وفي المعتل يجمع بألفٍ في آخره، كالبليَّة والبلايا، والعَطِيَّة والعطايا، وفي عطفِه وجهان:
قيل: هو رفع عطفًا على قوله: ﴿ظُهُورُهُمَا﴾، وتقديره: أو حملَتهُ الحوايا مِن الشُّحوم.
وقيل: هو عطفٌ على: ﴿إِلَّا مَا﴾؛ أي: وإلَّا شحومَ الحوايا.
وقال ابنُ عباس وسعيدُ بنُ جُبير وقتادةُ ومجاهدٌ والسُّدِّيُّ: ﴿الْحَوَايَا﴾: المباعر (^١).
وقال أهلُ اللُّغة: هي ما تَحَوَّى في البطن، فاجتمعَ واستدار.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ هو كلُّ وَدَكٍ اتَّصلَ بعظمٍ كالألْيَة، وما في القوائم والجُنوب والرؤوس والعيون والآذان والمخ، فإنَّه مستثنًى أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخْبَرْنا به، لا أنتم فيما قلتُم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (^٢) هو سمينُ اللَّحم، وقيل: هو غيرُ ذلك، وكذا اختلفَ في ذي الظُّفر وفي قوله: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، وليس بنا إلى معرفةِ ذلك حاجةٌ؛ لأنَّ تلك شريعةٌ قد نُسِخَت، ولكن
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٤٤ - ٦٤٦).
(٢) بعدها في (أ): "ما".
[ ٦ / ٢٤٦ ]
بنا أن نَعرفَ أنَّ ذلك التَّحريمَ كان بِبغيِهم، وبطل بذلك دعواهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فإنَّ الأبَ والحبيبَ لا يُحَرِّمُ الحلالَ على الابن والحبيبِ بأدنى ظلمٍ.
ودلَّت الآيةُ على صدقِ رسالة النَّبيِّ -ﷺ-؛ فإنَّه أخبرَ عمَّا كانوا يُخفونَهُ، ولم يكن ذلك ظاهرًا عند أحدٍ مِن غيرِهم، فدلَّ أنَّه باللَّه علمَ ذلك بوحيٍ منه إليه (^١).
* * *
(١٤٧) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾؛ أي: فيما أوحيتُ إليك مِن هذا، ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ (^٢) وبها يُمهِل المكذِّبين، ولا يعاجلهم بالعقوبة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: إنَّ عذابَهُ وإن تأخَّر، فإذا جاء لم يُرَدَّ عن المجرمين؛ أي: لا يمكنُ ردُّه.
وقيل: ذكر قولَهُ: ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ بعد التَّكذيبِ؛ دعاءً لهم إلى ترك التَّكذيب، وبيان أنَّهم إذا تركوه رحمَهم وأكرمَهم، قاله الحسن (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾؛ أي: بالمصدِّقين، ولا يُرَدُّ بأسُه عن المكذِّبين، وفيه بيانُ تَخصيص الأولياءِ بالكرامةِ
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "لهم إن"
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٠٤).
[ ٦ / ٢٤٧ ]
والرَّحمة (^١)، وتخصيصِ الأعداءِ بالطَّرد واللَّعنة، فالصُّورةُ الإنسانيَّةُ جامعةٌ (^٢) لهم، والقسمةُ الأزليَّةُ فاصلةٌ بينهم (^٣).
* * *
(١٤٨) - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: يَتعلَّقون بمثلِ هذا الكلام في تكذيبِك، وثبوتِهم على شركِهم، وتحريمِهم ما لم يُحرِّمهُ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: كتكذيبهم إيَّاك كان تكذيبُ المتقدِّمينَ رسلَهم، وتعلُّقُهم بمثلِ هذا، فلم يَنفعهم ذلك، إذ لم (^٤) يَقولوا ذلك عن اعتقادٍ (^٥)، بل قالوه استهزاءً.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾؛ أي: لاقوا عذابَنا، فالكلامُ حقٌّ، لكن قالوه استهزاءً فذُمُّوا به لذلك، وهو كقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، وكقوله: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، فالقولان حقَّان، لكن لم يقولوا ذلك عن اعتقادٍ، فرُدَّ عليهم ذلك،
_________________
(١) في (أ) "بالرحمة" بدل: "بالكرامة والرحمة".
(٢) في (أ): "حاصلة".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥٠٩).
(٤) في (ر): "ولم"، وفي (ف): "وإذا لم".
(٥) بعدها في (ف): "بك".
[ ٦ / ٢٤٨ ]
وذُمُّوا به، وهذا يكشفُ بطلان وَهْمِ (^١) المعتزلة أن اللَّه عابَهم بالإضافة إلى المشيئةِ، فدلَّ أنَّه باطلٌ؛ لأَنا بيَّنَّا وجهَهُ، ولأنَّه لم يقل: كذلك كَذَبَ الذين؛ بالتَّخفيف، ليكون وصفًا لهم بالكذبِ في هذا القولِ، بل قال بالتَّشديد، فكان المردودُ عليهم تكذيبَهم؛ لأنَّهم (^٢) جعلوا مشيئتَهُ حجَّة لهم على أنَّهم معذورون به، وهذا مردودٌ، لا الإقرارُ بالمشيئة.
ثمَّ المعتزلةُ مِن هذا الوجه شرٌّ مِن المشركين؛ لأنَّ المشركين أقرُّوا بمشيئة اللَّه تعالى، والمعتزلةُ نفَوها، مع أنَّ اللَّه تعالى أثبتَها في آياتٍ، كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]، وكلُّها في هذه السُّورة، وكذا قال تعالى بعد هذا: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
وقال الحسن: أرادوا بالمشيئة هاهنا الرضا، وقالوا: لولا أنَّ اللَّهَ رضيَ به لعاجَلَنا بالعقوبة، فردَّ اللَّهُ عليهم (^٣).
وقيل: كانوا يَدعون مِن هذا الوجهِ أمرَ اللَّهِ به، كما قالوا: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]، فرَدَّ عليهم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾؛ أي: مِن حُجَّةٍ في هذا تُعدُّ عِلمًا في أنَّ مشيئتَه شرككَم تُبيحُ لكمُ المقامَ عليه، وفي أنَّه رضيَ بهِ، وفي أنَّه أمرَ به؛ أي: فلا حجَّة لكم مِن جهةِ العلم بوجهٍ يَصِحُّ التَّعلُّقُ به.
_________________
(١) في (ف): "قول".
(٢) في (ر): "ولأنهم".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٣٠٥).
[ ٦ / ٢٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبعون إلَّا الظَّنَّ (^١)، ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾؛ أي: وما أنتم إلَّا تَكذِبون، وظنُّهم: وهمُهم أنَّ مشيئةَ اللَّه تعالى عذرٌ لهم.
* * *
(١٤٩) - ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ نهايتَها عليهم، بأوامرِه ونواهيه، ولا حجَّة لهم على اللَّه بمشيئتِه وإرادته.
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وهي دامغةُ المعتزلين (^٢) المبطِلين.
* * *
(١٥٠) - ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ "هلمَّ" يوحِّدُه أهلُ العالية في كلِّ حال، وأهلُ نجدٍ يقولون: هلمَّ، هلمَّا، هلمُّوا، هلمِّي (^٣)، هلمُمْن (^٤).
وقال سيبويه: هو هاء التنبيه ضُمَّ إليها: لم (^٥).
_________________
(١) قوله: "إلا الظن" من (أ).
(٢) في (ف): "المعتزلة".
(٣) بعدها في (أ): "هلما".
(٤) انظر: "تفسير الطبري" (٩/ ٦٥٤)، و"معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٠٣).
(٥) انظر: "الكتاب" لسيبويه (٣/ ٥٢٩).
[ ٦ / ٢٥٠ ]
وقال الأخفش: هو "هل" (^١) ضمَّ إليها "أم" (^٢).
وهو يكون لازمًا، كما في قوله: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، ويكون متعدِّيًا، كما في هذه الآية: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾؛ أي: قرِّبوا واحضِروا الذين يَشهدون لكم.
قيل: أرادَ به الأصنام فإنهم كانوا يسمُّونها شهداء، قال اللَّه تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ ولا يُتصوَّرُ منها الشهادة، ولكنَّ هذا مبالغةٌ في النَّفي، كما قال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾، ثمَّ قال: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤].
وقيل: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ ولا يَجِدون مَن يَشهَدُ لهم بذلك الَّا أنفسُهم، ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ لأنفسهم بأنفسهم، أو بعضُهم لبعض، فلا تُحقِّقُ شهادتَهم، ولا تُصغِ إليها، ولا تَقبلها.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: دعاويهم المبنيَّة على الأهواء.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: الأصنامَ، كما افتتح به السُّورة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أشار إلى أنَّ ما تجرَّدَ عن برهانٍ يُصحِّحُه، وبيانٍ يُوَضِّحُه، فغيرُ مقبولٍ من قائلِه، ولا عذرِ لقائلِه (^٣).
_________________
(١) في (أ): "متى" بدل من "هو هل".
(٢) لم أقف عليه في "معاني القرآن" للأخفش، وهو قول الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٢٠٣)، ونص قول الأخفش في "معاني القرآن" له (١/ ٣١٧): "هلم" قد تكون للواحد والاثنين والجماعة. اهـ.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥١٠).
[ ٦ / ٢٥١ ]
(١٥١) - ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ هذه الآيةُ وآيتان بعدَها آياتٌ محكماتٌ، كانت أحكامُها ثابتةً في كلِّ الأُمم، لم تُنسَخ، ولا تُنسَخ، وهنَّ جوامعُ أصولِ الدِّين ومعالي الأخلاق، وفيها مصالحُ الدَّارين، يقول: قل للمشركينَ: احْضُروا أقرأ عليكم ما حرَّم ربُّكم عليكم، فهي المحرَّمة دون ما تُحرِّمون ممَّا عددنا، يعني البحيرةَ ونحوها (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ قال الزَّجَّاج: أي: وصَّى ألَّا تشركوا به شيئًا فقد قال تعالى: ﴿وَصَّاكُمْ﴾ في آخر هذه الآية (^٢).
وقيل: تقديره: وهو أن قال: لا تشركوا به شيئًا.
وقيل: يقع عليه: ﴿حَرَّمَ﴾، ويحذف: "لا"، وتقديرُه: حرَّم عليكم أنْ تشركوا به شيئًا، كما في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، وإنَّما ذكرَه في المحرَّمات لأنَّ إيجابَ الإحسان تحريمٌ لتركِ الإحسان، فهو معطوفٌ على المحرَّم معنًى لا لفظًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾؛ أي: مِن خوفِ فقرٍ.
_________________
(١) قوله: "يعني البحيرة ونحوها" من (ف).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٣٠٤).
[ ٦ / ٢٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾؛ أي: رزقُكم ورزقُهم منَّا لا منكم، فما يَحمِلُكم على قتلِهم؟ ذكرَ حقوقَ الأولادِ بعد حقوقِ الوالدين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾؛ أي: اجتنبوا القبائحَ كلَّها، ظاهرَها وباطنَها؛ فإنَّ اللَّهَ مطَّلِعٌ على جميعِها.
وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: كان من الكفَّار مَن لا يرى بأسًا بالزِّنى سرًّا، وكذا قال الضَّحَّاك والسُّدِّيُّ (^١).
وقيل: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الزِّنى، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ منها المخالَّةُ.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قيل: الظَّاهرُ ما بينَك وبين الخلق، والباطنُ ما بينَك وبين اللَّه تعالى.
وقيل: الظَّاهرُ بالجوارح، والباطنُ بالقلب (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بما يحقُّ به قتلُها، ومن ذلك ما قال النبيُّ -ﷺ-: "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلَّا بأحدِ معانٍ ثلاثة؛ كفرٍ بعد إيمان، وزِنًى بعد إحصان، وقتلِ نفسٍ بغيرِ حقٍّ" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: هذه الأشياءُ أكَّدَ اللَّهُ الأمرَ بها؛ لتعقِلوا عظمَها عند اللَّه، فتمتثلوا أمرَهُ فيها.
_________________
(١) روى أقوالهم الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٦٩ - ٦٦٠).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣١٤).
(٣) رواه أبو داود في "سننه" (٤٥٠٢)، والترمذي في "سننه" (٢١٥٨)، والنسائي في "سننه" (٤٠١٩)، وابن ماجه (٢٥٣٣) من حديث عثمان بن عفان ﵁. وسلف عند تفسير الآية (٣٢) من سورة المائدة.
[ ٦ / ٢٥٣ ]
وقال الرَّبيعُ بنُ خثيم لأخٍ له: هل لك في صحيفةٍ عليها خاتَم محمَّد، ثمَّ قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ إلى آخر الآيات (^١).
* * *
(١٥٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
وقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قيل: هو جمعُ شَدّ، بفتح الشين، وهو القوَّة، قال عنترة في رواية المفضل الضبِّي:
عهدي به شَدَّ النهارِ كأنَّما خُضِبَ البنانُ ورأسُهُ بالعِظْلِمِ (^٢)
أي: قوَّةَ ضيائِه عند ارتفاعِه.
وقيل: هو جمعُ شِدَّة، كالأَنْعُم، جمع نعمة، قاله (^٣) ابن الأعرابي، وهو بلوغُ كمالِ قوَّتِه وعقلِه (^٤).
وقال مالك وربيعةُ وعبدُ الرَّحمن بنُ زيد ويحيى بنُ يعمر: هو أنْ يحتلم أو يبلغ أوانه (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٦٨).
(٢) انظر: "ديوان عنترة" (ص: ٢١٣)، و"تفسير الطبري" (٩/ ٦٦٣)، وفيهما: "اللَّبان" -وهو الصدر- بدل: "البنان". والعظلم: عصارة شجر، أو نبت يصبغ به. انظر: "القاموس المحيط": (مادة: عظلم).
(٣) في (ف): "وقال".
(٤) انظر: "الغريبين" للهروي (٣/ ٩٧٨) (مادة: شدد).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٦٤) عن مالك وربيعة، وأورده الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢٠٤) عن يحيى بن يعمر.
[ ٦ / ٢٥٤ ]
وقال الشَّعبيُّ: هو حين يُكتَبُ عليه عملُه (^١).
وقيل: أوانُه هو بلوغُ خمس عشرةَ سنة.
وقيل: ثماني عشرة سنة.
وهذا خطابٌ للقضاةِ والأوصياء في حقِّ الصِّغار والصغائرِ الذين لا آباءَ لهم، ألَّا يتصرَّفوا في أموالِهم إلَّا بالعقود التي هي أحسن؛ أي: أنفعُ وأنظرُ لهم، إلى وقت البلوغ، ثمَّ تَنقطعُ ولايتهم عنهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: أتِمُّوا الكيلَ في المكيلات، والوزنَ في الموزونات، إذا أدَّيتم ما عليكم مِنها، والميزانُ بمعنى الوزنِ كالميعادِ بمعنى الوَعد، والميقاتِ بمعنى الوقت (^٢)، والميزانُ اسمٌ لما يُوزَنُ به، والكيلُ هاهنا اسمٌ لما يُكالُ به، ويكونُ بمعنى المكيال، وهو إطلاقُ اسم المصدر (^٣) على اسم الآلة، وإنَّما حملناه على الأوَّل، وهو المصدر فيهما، أو على الثاني، وهو الآلةُ فيهما؛ ليتَّفِقا ولا يَختلفا.
والقِسْطُ: العدلُ، وهو التَّسويةُ في الإيفاء والاستيفاء، دون الازديادِ في الاستيفاء، والنُّقصان في الإيفاء؛ فإنَّه جورٌ، وفيه وعيدٌ بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ الآية [المطففين: ١].
قوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ أي: طاقتَها، فلا يُؤاخِذُها بتقصيرٍ يَقعُ في الكيلِ والوزنِ مِن غير قصدٍ، مع الاجتهادِ في مراعاة العدل.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٦٤).
(٢) قوله: "والميقات بمعنى الوقت" من (ر).
(٣) في (أ): "المصدر" بدل: "اسم المصدر".
[ ٦ / ٢٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ وهذا في الشَّهادة، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ولو كان المشهودُ له أو المشهودُ عليه ذا قرابةٍ، فما يَنبغي لكم أنْ تَميلوا وتَتركوا العدلَ.
وقوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾؛ أي: بأوامرِه ونواهيهِ، وبأيمانِكم ونذوركِم.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (^١)؛ أي: أمرَكُم به، وأكَّد الأمرَ لتتَّعظوا، وأصلُه: تتذكرون، فأُدغِمت التَّاءُ الثَّانيةُ في الذَّال.
* * *
(١٥٣) - ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف (^٢): ﴿وإنَّ﴾ بالكسر على الابتداء، أو على تقدير: وأقول: إنَّ هذا صراطي مستقيمًا.
وقرأ ابنُ عامر بفتح الألفِ وتسكين النُّون؛ عطفًا على قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ ﴿وأنْ هذا﴾.
وقرأ الباقون بفتح الألفِ وتشديد النُّون (^٣)، عطفًا على ذلك أيضًا، وإنَّما شدَّد لدُخولِها على الاسم هاهنا.
وقيل: هو متَّصلٌ بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾، وبـ ﴿أَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾.
وقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ نُصبَ على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ نُعِتَ به مضافٌ، وهو معرفةٌ،
_________________
(١) هي بتشديد الذال قراءة ابن كثير وابن عامر ونافع وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال. انظر: "السبعة" (ص: ٢٧٢)، و"التيسير" (ص: ١٠٨).
(٢) قوله: "وخلف" من (ف).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٧٣)، و"التيسير" (ص: ١٠٨)، و"النشر" (٢/ ٢٦٦).
[ ٦ / ٢٥٦ ]
يقول: ما تقدَّم ذكرُه هو (^١) طريقي، وهو مستقيمٌ يُفضِي بسالكه إلى الجنَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾؛ أي: اسلكوهُ ولا تَزيغوا عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ أي: ما سواه من الطُّرقِ الجائرة.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ أرادَ به دينَ الإسلام، ﴿مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: قائمًا، وهو الطريقُ الأعظم، ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ أي: اليهوديَّة والنَّصرانيَّة والمجوسيَّة وعبادةَ الأوثان (^٢).
وقال مجاهد: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ أي: البدعَ والشُّبهات (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أي: تتفرَّق بكم عن هذا السَّبيل المستقيمِ بجعلكم مفارقيه.
وقيل: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾؛ أي: تُفرِّقُ بعضَكم عن بعضٍ بالاختلاف، ومعنى ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أي: بعد الاجتماع في سبيلِه، كما يقال: كسوتُكَ عن عُرِي، أي: بعد عُرِي.
وروى ابنُ مسعود ﵁: عن النَّبيِّ -ﷺ-: أنَّه خطَّ بأصبعِه خطًّا مستقيمًا، وقال: "هذا صراطُ اللَّه مستقيمًا"، ثمَّ خطَّ خطوطًا يمينًا وشمالًا، ثم قال: "هذه السُّبل مشتركةٌ، وليس مِن هذه السُّبل سبيلٌ إلَّا وعليه شيطانٌ يَدعو إليه"، ثمَّ قرأ هذه الآية (^٤).
_________________
(١) في (أ) و(ر): "وهو".
(٢) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٥٣٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٧٠).
(٤) رواه النسائي في "الكبرى" (١١١٠٩)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٧١).
[ ٦ / ٢٥٧ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: ذكَرَ أوَّلًا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ثم قال: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، ثم قال: ﴿تَتَّقُونَ﴾؛ لأنَّهم إذا عقَلوا تَفكَّروا فتذكَّروا؛ أي: اتَّعظوا، فاتَّقوا المحارمَ والمهالك (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ الآيات؛ هذه أشياءُ عشرةٌ تَضمَّنتها هذه الآيات:
أوَّلُها: الشِّركُ، فإنَّه رأسُ المحرَّمات، والذي لا يُقبَلُ معه شيءٌ مِن الطَّاعات، ويَنقسم ذلك إلى جليٍّ وخفيّ؛ فالجليُّ عبادةُ الأصنام، والخفيُّ ملاحظةُ الأنامِ بعين الإعظام.
والثاني من هذه الخصال: توقيرُ الوالدين، وتركُ العقوقِ بحفظِ ما يَجبُ لهم مِن أكيداتِ الحقوق.
وبعد ذلك: قتلُ الأولادِ خشيةَ الإملاقِ وإراقةُ دمائِهم بغيرِ استحقاق.
ثمَّ ركوبُ الفواحش ما بطنَ منها وما ظهر، وما بدا مِنها وما استَتر، ويدخل في ذلك جميعُ الآثام.
ثمَّ قتلُ النَّفسِ بغيرِ حقٍّ، وذلك إنَّما يكون لفقدِ شفقةِ الخلق.
ثمَّ مجانبةُ مالِ اليتيم، والنَّظرُ إليه بعين التَّكريم.
ثمَّ بذلُ الإنصافِ في المعاملات، والتَّوقِّي عن جميعِ التَّبِعات.
ثمَّ الصِّدق في القول، والعدلُ في الفعل.
ثمَّ متابعةُ السَّبيل بما يُشيرُ إليه لوائحُ الدَّليل.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣١٨).
[ ٦ / ٢٥٨ ]
فمن قابلَ هذه الأوامرَ بجميل الاعتناق، سَعِدَ في داريه، وحَظيَ بعظائم منزلتيه (^١).
* * *
(١٥٤) - ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؛ أي: ثمَّ اتلُ عليهم هذا.
وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لترتيبِ الأخبارِ لا الوجود؛ أي: ثمَّ نخبِرُكم أنَّا آتينا موسى الكتابَ كما آتيناك، وهو ما تتلو عليهم، وقد مرَّت له نظائر.
وقيل: هذا يتَّصلُ بقصَّة الأنبياء: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣]، وكذا (^٢): ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ٨٣].
وقوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قرأ يحيى بن يعمر: (أحسنُ) برفع النُّون (^٣)، وقرأ العامَّةُ بفتحِها، وفي مصحف عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (على الذين أحسنوا) (^٤)، و﴿الَّذِي أَحْسَنَ﴾ في معناه؛ لأنَّه جنسٌ فيَصلُحُ للجمع.
وقيل: ﴿الَّذِي﴾ بمعنى "ما"، وتقديره: على ما أحسنَ، ويكون معناهُ المصدر؛ أي: على إحسانِه وإنعامِه، ثمَّ في معناه خمسةُ أقاويل:
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥١١).
(٢) لفظ: "وكذا" ليس في (ف).
(٣) رواها الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٧٧)، وذكرها ابن جني في "المحتسب" (١/ ٢٣٤)، والمهدوي في "التحصيل" (١/ ٧٠٢).
(٤) انظر القراءة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٦٥)، "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ص: ٤٧).
[ ٦ / ٢٥٩ ]
قال الرَّبيع والفرَّاء: تمامًا على إحسان موسى بطاعاته (^١)، كأنَّه قال: ليُتِمَّ إحسانَهُ الذي يَستحِقُّ به كمالَ ثوابِه في الآخرة.
وقال مجاهدٌ: تمامًا على المحسنين (^٢)؛ أي: تمامًا للنِّعمة على المحسنين الذين هو أحدُهم.
وقال ابنُ زيد: تمامًا على إحسان اللَّهِ إلى أنبيائه (^٣).
وقال الحسنُ وقتادة: أي: لتمام كرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا (^٤).
وقال بعضُهم: تمامًا على إحسانِ اللَّه تعالى إلى موسى بالنُّبوَّة وغيرِها مِن الكرامة.
ومن قرأ: (أحسنُ) بالرَّفع، فمعناه: على الذي هو أحسنُ (^٥).
وقيل في وجه النَّصب: إنَّه خفض، لكنَّه لا يَنصرفُ ففُتِح، وتقديرُه أنه بدلٌ عن ﴿الَّذِي﴾ وترجمةٌ عنه، كقولك: مررتُ بالذي خيرٍ منك، بالخفض، وكذا يفعلون بـ "من"، قال الشاعر:
فكفى بنا فضْلًا على مَن غيرِنا حبُّ النبيِّ محمَّدٍ إيَّانا (^٦)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٧٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٢٣) (٨١١٣) عن الربيع، وانظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٣٦٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٧٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٧٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٢٣) (٨١١٠).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٨٧٤)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٧٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٢٣) (٨١١٣)، وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٣١٩) عن الحسن.
(٥) وضعفها ابن جني والمهدوي.
(٦) نسبه سيبويه في "الكتاب" (٢/ ١٠٥) للأنصاري، والفراء في "معاني القرآن" (١/ ٢١) لحسان، =
[ ٦ / ٢٦٠ ]
بخفض غير.
وقال الحسن: أي: مَن أحسنَ صحبتَهُ، تَمَّت عليه نعمةُ اللَّه وكرامتُه (^١).
وقيل: ﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى: عَلِمَ، يقال: فلانٌ يُحسِنُ علومًا كثيرة.
وقال عليٌّ ﵁: قيمةُ كلِّ امرءٍ ما يُحسِنُه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ عطفًا على ﴿تَمَامًا﴾، ومعناه: إتمامًا منَّا لكرامته، وبيانًا لهم في كلِّ ما يحتاجون إليه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتملُ: تمامًا بالنِّعمةِ والكرامة، ويَحتملُ: تمامًا بالبيانِ والحجَّةِ، ويَحتملُ: تمامًا بالعلمِ والحكمة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ﴾؛ أي: لعلَّ قومَه ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: بالقيامة يُصدَّقون.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يُهوِّنُ عليهم مقاساةَ التَّكليف بما ذَكرَ مِن التَّعريف، فإنَّ الذين كانوا قبلَنا كانوا في الضَّعفِ والعجزِ مثلَنا، ثمَّ صبَروا فظفِروا، وأخلَصوا فتخلَّصوا (^٤).
_________________
(١) = ونسبه ابن الشجري في "أماليه" (٢/ ٤٤٠ - ٤٤١)، وعبد القادر البغدادي في "الخزانة" (٦/ ١٢٢) لكعب بن مالك، وهو في "ديوانه" (ص: ٢٨٩)، وذكر البغدادي أنه نسب أيضًا لعبد اللَّه بن رواحة.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣١٩)، وسلف بمعناه قريبًا.
(٣) ذكره الباقلاني في "إعجاز القرآن" (ص: ٦٨)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ٤١٧) (٦٠٩)، والراغب في "محاضرات الأدباء" (١/ ٤٩)، والزمخشري في "ربيع الأبرار" (٤/ ١٦).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣١٩).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥١١).
[ ٦ / ٢٦١ ]
(١٥٥) - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾؛ أي: وهذا القرآنُ كتابٌ (^١) مباركٌ، كثيرُ الخيرِ لمن اتَّبعَه، أنزلناهُ إليك كما أنزلنا التَّوراةَ إلى موسى، ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾؛ أي: اعملوا به، ﴿وَاتَّقُوا﴾؛ أي: مخالفتَه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: لِترحموا، و"لعلَّ" كلمةُ ترجٍّ؛ أي: اتَّقوا على رجاءِ الرَّحمة، والرَّحمةُ وإن كافت موعودةً للمتَّقين على القطع، فإنَّما ذكر كلمةَ "لعلَّ"؛ لأنَّ حصولَها بالختم على الإيمان، وفيه خطرٌ، فلذلك علَّقها بكلمة التَّرجِّي.
* * *
(١٥٦) - ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾؛ أي: لئلَّا تقولوا، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾؛ أي: اليهود والنَّصارى، ودلَّ هذا على أنَّ المجوسَ ليسوا من أهل الكتاب؛ إذ لو كانوا كذلك، لكانوا ثلاثَ طوائف.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾؛ أي: وما كنَّا عن قراءتِهم الكتابَ إلَّا غافلين، لا علمَ لنا بشيءٍ مِن ذلك (^٢).
* * *
_________________
(١) في (ر): "أنزلناه" بدل: "كتاب".
(٢) في (ف): "اليهود" بدل: "ذلك".
[ ٦ / ٢٦٢ ]
(١٥٧) - ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾؛ أي: أرشدَ وأطوعَ مِن اليهودِ والنَّصارى، وإنما جمع ﴿مِنْهُمْ﴾ وهما طائفتان؛ لأنَّهما جمعان.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: بيانٌ وقيل هي القرآن، وقيل: محمَّدٌ -ﷺ-.
وقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ صفتان للقرآن أو للنَّبيِّ -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: لا أظلمَ لنفسِه، أو لا أحدَ أوضعُ للشَّيء غيرَ موضعه ممَّن كذَّب بالقرآن، وقيل: بحجج اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾؛ أي: أعرض، وقد صدفَ صدُوفًا مِن حدِّ: ضرب (^١)؛ أي: أعرض، قال الهذليُّ:
صدفَتْ أميَّةُ لاتَ حينَ صُدوفِ صَدَفَتْ وآذنَ جيرتي بخفوفِ (^٢)
وقوله تعالى: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾؛ أي: العذابَ السَّيء، وهو الموصوف بنهايةِ النِّكاية.
* * *
_________________
(١) في (أ): "صرف".
(٢) البيت لعمير بن الجعد. انظر: "شرح أشعار الهذليين" (١/ ٤٦٣)، والخفوف: الرحيل.
[ ٦ / ٢٦٣ ]
(١٥٨) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾؛ أي: أقمنا حُجَجَ الوحدانيَّة وثبوتِ الرِّسالة، وأبطلنا ما يَعتقدون مِن الضَّلالات، ويَذكرون مِن المقالات، فما ينتظرون مِن ترك الإيمان إلَّا أحدَ هذه الأشياءِ الثَّلاثة، وهي: إتيانُ الملائكةِ لقبض الأرواح، وذلك عند الموت، أو: إتيانُ ربِّك؛ أي: أو إتيانُ أمرِ ربِّك كما صرَّحَ به في آيةٍ أخرى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾؛ أي: بإقامةِ القيامة، فإنَّها تقومُ بأمره، وقد قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]؛ أي: القيامة، أو: إتيانُ بعضِ آياتِ ربِّك مِن أشراطِ السَّاعة، وقيل: هي طلوعُ الشَّمسِ من مغربِها؛ أي: يَنتظرون ارتفاعَ الغيبِ بأحد (^١) هذه الأشياء، ووقوع العيان، ولا قَبولَ للإيمان إلَّا بالغيب.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ فيه تقديمٌ وتأخير، وتقديرُه: لا يَنفعُ نفسًا لم تكنْ آمنت مِن قبلُ أو كسبت في إيمانها خيرًا إيمانُها.
و﴿خَيْرًا﴾ (^٢)؛ أي: طاعةً.
وقيل: أي: إخلاصًا (^٣)؛ أي: كما لا يُقبل إيمانُ الكافر بعد طلوعِ الشَّمسِ مِن مغربها، لا يُقبلُ إخلاصُ المنافقِ أيضًا.
_________________
(١) في (أ): "الغيب بارتفاع أحد" بدل: "ارتفاع الغيب بأحد".
(٢) من قوله: "فيه تقديم وتأخير" إلى هنا ليس في (أ) و(ف).
(٣) بعدها في (ر): "وقيل".
[ ٦ / ٢٦٤ ]
وقد روى أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وجماعةٌ ﵃ عن النَّبيِّ -ﷺ-: " ﴿يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ هو طلوعُ الشَّمس مِن مغربِها" (^١)، وعليه عامَّة المفسرين.
وروى صفوانُ بن عسَّال عن النَّبيِّ -ﷺ-: "إنَّ مِن قبلِ المغرب بابًا مفتوحًا للتَّوبة حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مغربِها مِن ذلك الباب، فإذا طلعَت مِنه، ثمَّ رُدَّت إليه أُغلِقَ، فلا يَنفعُ نفسًا إيمانُها ولا توبتُها بعد ذلك" (^٢) أو كلامًا هذا معناه.
وقالت عائشة ﵂: إذا خرجَ أوَّلُ الآياتِ طُرِحَتِ الأقلامُ، وحُبِسَت الحفظةُ، وشهدتِ الأجسادُ على الأعمال (^٣).
وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "لا تَقومُ الساعة حتى يكون قبلها عشرُ آيات؛ الدُّخانُ، ودابَّةُ الأرضِ، وخَسْفٌ بالمشرق، وخَسْفٌ بالمغرب، وخَسْفٌ بجزيرةِ العرب، والدَّجَّال، وطلوعُ الشَّمسِ مِن مغربِها، ويأجوج ومأجوج، ونزولُ عيسى بنِ مريم، ونارٌ تخرجُ من قعرِ (^٤) عدن" (^٥).
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: الآيةُ في قومٍ علمَ اللَّهُ منهم أنَّهم لا يُؤمنون، فأيسَ رسولُ اللَّه -ﷺ- عن إيمانِهم.
_________________
(١) رواه مسلم في "صحيحه" (١٥٧) من حديث أبي هريرة، ورواه الترمذي في "سننه" (٣٠٧١) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) رواه ابن ماجه في "سننه" (٤٠٧٠).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٨٧٨)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٧).
(٤) بعدها في (ر): "بئر".
(٥) رواه مسلم في "صحيحه" (٢٩٠١) من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁. ووقع بعد هذا الحديث في (ف) كلام من تفسير قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ بدايته: "وقال الإمام أبو منصور: ذكر إرسال الرسل" وينتهي بقوله: "ومعناه في اللغة"، وسلف في موضعه.
[ ٦ / ٢٦٥ ]
وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما ينظرون (^١) إلَّا أنْ تأتيَهم الملائكةُ لقبضِ أرواحِهم، مع اللَّعنِ والسخطِ، فحينئذٍ يؤمنون.
قال: وقيل: أي: ﴿تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يوم القيامة، كما قال: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الفرقان: ٢٢]، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾؛ أي: عذابُ ربِّك.
قال: والأصلُ فيه أنَّ ما أُضيفَ إلى اللَّه تعالى في موضعِ الوعيد، لا يُرادُ به الذَّات، لكن يُرادُ به نقمتُه وعذابُه، كما قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]؛ أي: يَخافُ عذاب ربِّه، وقال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير﴾ [آل عمران: ٢٨]، و﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾.
ويحتمل البأسَ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤]، ولا يَنفعُهم إيمانُهم حينئذٍ.
وقيل: هو طلوعُ الشَّمسِ من مغربها.
وقيل: خروجُ الدَّجال، وخروجُ دابَّة الأرض، وروي فيه أحاديثُ، فإن ثبتَ منها شيءٌ، فعليه الاعتماد (^٢).
والإيمانُ حينئذٍ ليس بإيمانِ اختيارٍ في الحقيقة، بل هو إيمانُ دفعِ العذابِ عن أنفُسِهم، ولذلك قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، وهذا كإيمانِ فرعون -لعنه اللَّه- عند الغرق، وما (^٣) روي أنَّه لا تُقبلُ التَّوبة والإيمان بعد طلوعِ الشَّمس مِن مغربِها،
_________________
(١) في (ف): "ينتظرون".
(٢) سلف بعض هذه الأحاديث قريبًا، وبعضها في الصحيح.
(٣) في (ر): "وهو ما".
[ ٦ / ٢٦٦ ]
وقد زال البأسُ، فمِن البعيدِ أنْ يُدعَو إلى الإيمانِ والطَّاعات، ثمَّ إذا أتَوا بها لا تقبل، لكنْ (^١) معناه أنَّهم لا يُثابون عليها؛ لأنَّ الثَّوابَ بالوعد، ولا وعدَ في هذه الحالة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾؛ أي: إحدى هذه الثَّلاث، وليس هذا أمرَ تكليفٍ، بل هو تعريفٌ أنَّ العذابَ نازلٌ بهم كالمنتظَر له.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾؛ أي: مستيقنون أنَّه نازلٌ بكم.
* * *
(١٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ قرأ حمزة والكسائي: ﴿فارقوا﴾ بالألف؛ أي: بايَنوهُ وزايلوه، وقرأ الباقون: ﴿فَرَّقُوا﴾ (^٣)؛ أي: شتَّتوا.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ جمع شيعة، وهي الفرقةُ المتابعةُ بعضُها بعضًا، وقد شايعَهُ؛ أي: تابعَه، وشيَّعهُ؛ أي: اتَّبعَه.
وقال قتادة: هم اليهود (^٤).
وقال مقاتلٌ والسُّدِّيُّ: هم اليهودُ والنَّصارى، تَرَكوا دينَهم وكانوا فرقًا، قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، وقال ﴿وَمَا
_________________
(١) لفظ: "لكن" ليس في (ف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٢٦ - ٣٢٩).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٧٤)، و"التيسير" (ص: ١٠٨).
(٤) رواه ابن أبي حاتم (٥/ ١٤٣٠) (٨١٥٥). وروى عبد الرزاق في "تفسيره" (٨٧٦)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣١ - ٣٢)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٤٣٠) (٨١٥٤) عن قتادة أيضًا أنه قال: هم اليهود والنصارى.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقوله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾؛ أي: لم تُؤمَر بقتالِهم، قال: ثمَّ أمِرَ بقتالهم في سورة براءة (^١).
وقال مجاهد: هم أهلُ الأهواءِ والبِدع مِن هذه الأمَّة (^٢)، وكذا رويَ عن أبي هريرة ﵁ (^٣) وعائشة (^٤) وجماعة من الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين.
وقال -ﷺ-: "افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقةً، كلُّهم في النَّار إلَّا واحدة، وافترقت النَّصارى على اثنتين وسبعين فرقةً، كلُّهم في النَّار إلَّا واحدة، وستَفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، كلُّهم في النَّار إلَّا واحدة"، قيل: ومن هم يا رسولَ اللَّه (^٥)؟ قال: "الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي" (^٦).
ومعثى الآية في حقِّهم: ليس إليك شيءٌ مِن مجازاتهم أو العفو عنهم، إنَّما عليك إنذارُهم وتبليغُ الوحيِ إليهم.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٩٩)، وقول السدي أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٢، ٣٤).
(٢) ذكر نحوه عنه الواحدي في "البسيط" (٨/ ٥٥٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٣)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٤٢٩) (٨١٥١).
(٤) ذكره عنها الواحدي في "البسيط" (٨/ ٥٥٢).
(٥) قوله: "يا رسول اللَّه" من (ر).
(٦) رواه بنحوه الترمذي في "سننه" (٢٦٤١) من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄. ورواه ابن ماجه في "سننه" (٣٩٩٢) من حديث عوف بن مالك، وفيه أن رسول اللَّه -ﷺ- أجابهم بقوله: "الجماعة". ورواه أبو داود في "سننه" (٤٥٩٦)، والترمذي في "سننه" (٢٦٤٠)، وابن ماجه في "سننه" (٣٩٩١) من حديث أبي هريرة ﵁ دون قوله: "كلهم في النار. . . " إلى آخر الحديث.
[ ٦ / ٢٦٨ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ إن شاءَ عاجلَهم بالعقوبة، وإن شاءَ أخَّرها إلى الآخرة، وإن شاءَ وفَّقهم للرُّجوع عنها، فعفى عنهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: في الآخرة، ويُجازيهم على ذلك.
وقيل: هم المشركون، فارقوا دينَ إبراهيم ﵊، وكانوا أحزابًا مختلفين، كما عُرِفَ مِن اختلافهم في أمور الحج وكما اختلفوا في اتخاذ الأصنام واختيارها.
وقال الإمام أبو منصور ﵀ بعد ما ذكر هذه المقالات: وقيل: هم الحَروريَّة. ولا ندري مَن هم على التَّعيين، ولا حاجةَ بنا إليه، بل الحاجةُ إلى معرفةِ وعيد الموصوفين بذلك.
ومعنى قوله: فارقوا دينهم: الدِّينَ الذي أُمِروا به، ودُعوا إليه.
وقيل: أي: الدِّينَ الذي كانوا عليه في الأصل، ثمَّ فارقوه، كما قال: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
ومعنى قوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾؛ أي: مِن دينِهم؛ لأنَّ دينَهُم تقليدُ آبائهم، ودينُك دينٌ بالحجج والبراهين.
وقيل: أي: لا تُسألُ عن دينِهم، ولا تُحاسَبُ عليه، كما قال: ﴿مَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] (^١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: لا يَجمعُك وإيَّاهم معنى؛ أنت على حقٍّ، وهم على باطلٍ، ولا اجتماعَ للضِّدَّين (^٢).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥١٣).
[ ٦ / ٢٦٩ ]
(١٦٠) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ لم يقل: مَن عملَ؛ ليُعلَمَ أنَّ النَّظرَ إلى ما خُتِم به، وعلى ذلك قال النبيُّ -ﷺ-: "الأعمالُ بالخواتيم". قاله الإمام أبو منصورٍ ﵀ (^١).
والحسنةُ: الفعلةُ الجميلة، وهي الطَّاعة.
قوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾؛ أي: عشرُ حسناتٍ أمثالها، وذلك معنى التَّأنيث وحَذْفِ الهاء في ﴿عَشْرُ﴾. وقرأ الحسن: (فله عشرٌ) بالتنوين (أمثالُها) بالرَّفع (^٢)؛ إظهارًا لهذا المعنى.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لم يُرِد به القصر على هذا العدد، بل أرادَ به التَّفضُّلَ بالتَّضعيف، قال النبيُّ -ﷺ-: يقول اللَّهُ تعالى: "كل عملِ (^٣) ابن آدم الحسنةُ بعشْرِ أمثالها إلى سبعِ مئة ضعف، إلَّا الصَّومُ، فإنَّه لي، وأنا أجزي به" (^٤)، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾؛ أي: بالفعلةِ القبيحةِ، وهي المعصية، ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾؛ أي: واحدةً بواحدة، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ أي: لا يُنقَصون مِن حسناتِهم، ولا يُزادون في سيِّئاتهم.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٣٤). وقوله: "الأعمال بالخواتيم" قطعة من حديث رواه البخاري في "صحيحه" (٦٤٩٣) من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٢) انظر: "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (ص: ٤٧).
(٣) بعدها في (أ) و(ر): "يعمله".
(٤) رواه مسلم في "صحيحه" (١١٥١): (١٦٤).
[ ٦ / ٢٧٠ ]
وروى أبو ذرٍّ ﵁، عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "يقول اللَّه تعالى: الحسنة عشر أو أزيدُها، والسَّيِّئةُ واحدةٌ أو أغفرُها" (^١).
وقال سفيانُ الثَّوريُّ ﵀: لمَّا نزلت هذه الآية قال النَّبيُّ -ﷺ-: "ربِّ زدني"، فنزل قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، فقال: "ربِّ زدني"، فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]، فقال: "ربِّ زدني"، فنزل قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: حسنةُ النَّفسِ: تَوفيرُ (^٣) الخِدمة، وحسنةُ القلبِ: حفظُ الحُرمةِ وحسنةُ الرّوح: مراعاةُ أدابِ الحِشمة.
وقيل (^٤): حسنةُ الزَّاهدين: تركُ الدُّنيا، وحسنةُ المريدين: رفضُ الهوى، وحسنةُ العارفين: قطعُ المُنى، وحسنةُ الموحِّدين: التَّخلِّي عن الدُّنيا والعُقبى، والاكتفاءُ بوجود المولى.
ويقال: حسنةُ المبتدِئين: الصِّدقُ في الطَّلب، وحسنةُ المُنتهين: حفظُ الأدب، فشرطُ الطَّلب ألَّا يَبقى ميسورٌ إلَّا بَذَلْتَهُ، وشرطُ الأدب ألَّا تَسموَ لك هِمَّةٌ إلى شيءٍ إلا قطعتَهُ.
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" (٢١٣٧٧)، ومسلم في "صحيحه" (٢٦٨٧).
(٢) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٣/ ١٢٦)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٢١٢). وروى نحوه ابن حبان في "صحيحه" (٤٦٤٨)، ولم يذكر فيه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.
(٣) في (أ): "توقير"، وفي "لطائف الإشارات": "توفية".
(٤) لفظ: "وقيل" ليس في (ف).
[ ٦ / ٢٧١ ]
ويقال: للزُّهاد والعُبَّاد وأصحابِ الأورادِ وأربابِ الاجتهاد جزاءٌ محصورٌ معدود، ولأهل المواجيد لقاءٌ غيرُ مقطوعٍ ولا ممنوع (^١).
* * *
(١٦١) - ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لمَّا بيَّنَ الذين فرَّقوا دينَهم وكانوا شِيعًا، أمرَه أن يقول: أرْشَدَني اللَّهُ إلى الدِّين (^٢) المستقيم.
وقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو ونافع: ﴿قيِّمًا﴾ بالتَّشديد، وهو نعتٌ، كالجيَّد واللَّيِّن والهَيِّن، والباقون بكسر القاف: ﴿قِيَمًا﴾ وتخفيف الياء (^٣)، وهو اسمٌ، كالعنب، يُرادُ به النَّعت.
ونصب ﴿دِينًا﴾ على إرادة إعادة: ﴿هَدَانِي﴾، وذاك يُعدِّى بغير صلةٍ، وباللام وإلى، قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، وقال تعالى: ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقوله تعالى: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو بدلٌ عن ﴿دِينًا﴾، وبيانُ أنَّ الدِّينَ القيِّم هذا، وإنَّما ذكرَ ذلك حثًّا لهم على اتِّباعه؛ لأنَّه دينُ أبيهم.
وقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ نصب على القطع؛ لأنَّه نعتٌ بلفظِ النَّكرةِ للاسم المعرفة.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥١٣ - ٥١٤).
(٢) في (ف): "الصراط".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٢٧٤)، و"التيسير" (ص: ١٠٨).
[ ٦ / ٢٧٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ باللَّه إشراكَكُم يا معشرَ قريش.
* * *
(١٦٢) - ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: صلاتي كلُّها باللَّيل والنَّهار.
﴿وَنُسُكِي﴾؛ أي: حجِّي وعمرتي، وقيل: أي: قراءتي، وقيل: أي عبادتي، وقيل: أي: ديني.
﴿وَمَحْيَايَ﴾؛ أي: ما أعملُه في حياتي.
﴿وَمَمَاتِي﴾؛ أي: ما أوصي به بعد موتي أنْ يُعمَلَ به.
﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: هو خالصٌ له.
* * *
(١٦٣) - ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيءٍ مِن ذلك، ولا أشركُ به غيرَه.
وقوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾؛ أي: به أمرَني اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: أوَّل المنقادِينَ لأمرِه مِن أهلِ هذا الزَّمان.
وقيل: محياي ومماتي: كلمة تفويض؛ أي: جميعُ ما أتقلَّبُ فيه ملكٌ للَّه تعالى، جارٍ علي حكمه.
وقيل: محياي: في العملِ الصَّالح، ومماتي: على الإيمان: كلُّه للَّه تعالى.
[ ٦ / ٢٧٣ ]
أثبتَ الإخلاصَ لنفسِه في الدِّين، ونفى الإشراكَ، وخصَّ الحجَّ والعمرةِ بالذِّكر؛ لأنَّ المشركين كانوا يُدخِلون الشِّرك في التَّلبية، في قولهم: لبيكَ لا شريكَ لك، إلا شريك هو لك، تَملِكهُ وما ملك. ومَن حملَهُ على القربان، فإنَّما خصَّهُ به؛ لأنَّهم كانوا يَذبحون لآلهتِهم، وهو شركُ، فنَفى ذلك كلَّه عن نفسِه.
وبدأَ بقولِه: ﴿قُلْ﴾، وختم بقوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾؛ بيانًا أنَّه يقولُه ائتمارًا لا افتخارًا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن عَلِمَ أنَّه للَّه، لم يبقَ فيه نصيبٌ لغيرِ اللَّه، فاستسلمَ لحكمِ اللَّه، ولم يَعترِض على تقديرِ اللَّه، ولم يُعارِض باختيارِه اختيارَ اللَّه، ولم يُعرِض عن اعتناقِ أمر اللَّه (^١).
* * *
(١٦٤) - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: لا يجوزُ في العقل السَّليم أنْ أطلبَ لي مُدَبِّرًا وحافظًا ومصرِّفًا غيرَ اللَّه، وهو مصرِّفُ كلِّ شيءٍ، وهو ربُّ أصنامِكم وربُّكم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾؛ أي: لا يكون جنايةُ (^٢) نفسٍ إلَّا عليها.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتملُ أن يكون معناه: ولا يَقعُ عملُ
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥١٥).
(٢) بعدها في (ف): "كل".
[ ٦ / ٢٧٤ ]
نفسٍ إلَّا على وجهٍ يكونُ عليها لا لها لو تُرِكَت واختيارِها، لكنَّ اللَّهَ تعالى يُوفِّقُها، ويَعصِمُها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣] (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ أي: لا تُحَمَّلُ نفسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى.
قال عطاء: قال الوليد بنُ المغيرة: اتَّبعوا سبيلي، أحمل عنكم أوزارَكم، فنزلَ هذا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن الأديان (^٣) التي فرَّقتموها، وإذا كان الأمرُ بدءًا وعَوْدًا راجعًا إلى اللَّه وحدَه، فلا عذرَ في ابتغاءِ ربٍّ سواه.
* * *
(١٦٥) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ جمع خليفةٍ، والخلفاءُ جمع خَليف.
قال الكلبيُّ: أي: وهو الذي جعلَكُم يا أمَّةَ محمَّدٍ خلائفَ الأممِ الماضية في الأرض.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٣٤٠).
(٢) ذكره الواحدي في "التفسير البسيط" (١٣/ ٢٨٢) (عند تفسير الآية (١٥) من سورة الإسراء) عن عطاء عن ابن عباس ﵄.
(٣) في (ر): "الآيات".
[ ٦ / ٢٧٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾؛ أي: في الرِّزقِ، والحالِ، والعُمر، والخِلقة، وكلِّ شيء.
وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؛ أي: ليختبرَكم فيما أعطاكُم مِن النِّعم بالشُّكر، وفيما ابتلاكم به من المِحَن بالصَّبر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾؛ أي: لأعدائه، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لأوليائِه.
وقال القشيري ﵀: صيَّر التوبةَ إليكم، وقصرَ حكمَ عصرِكُم عليكم، وفاوتَ الحالات؛ ليَختبرَكُم بالمعاملات؛ أنَّ حسابَهُ بكم لاحقٌ، وحكمَه فيكم سابق (^١). واللَّهُ أعلمُ بالصَّواب (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٥١٥).
(٢) في (ر): "واللَّه أعلم"، وفي (ف): "والحمد للَّه رب العالمين" بدل: "واللَّه أعلم بالصواب".
[ ٦ / ٢٧٦ ]
سورة الأعراف
[ ٦ / ٢٧٧ ]