بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(١) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾: قيل: هو سؤال الاستفتاء.
وقيل: هو سؤال الاستعطاء.
والأنفال: جمع نَفَلٍ، وهو الغنيمةُ، وأصله: الزيادة، ومنه: نوافل العبادات، ونوافل الولادات، والنَّفْل بالسكون: التطوُّع.
وقيل: الأنفالُ هاهنا: ما كان ينفِّلُه رسولُ اللَّه -ﷺ- بعضَ الغُزاة على الخصوص من سَلَب المقتول ونحوِه.
وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أي: يسألُك أصحابُك يا محمدُ عن الغنائم التي غنِمْتَها أنت وأصحابُك يوم بدرٍ: لمن هي؟ قل: للَّه ولرسوله، أي: جعَل اللَّه الأمرَ فيه إلى اللَّه ورسوله (^١)، لا حقَّ لأحد منكم في شيءٍ منها إلا بإعطاء الرسول، وله البدل والحرمان والزيادة والنقصان، روى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان يومُ بدر قال النبيُّ -ﷺ-: "مَن صنَع كذا فله كذا"
_________________
(١) في (أ): "إلى ما يريد رسوله"، وفي (ر): "إلى ما يراه رسوله".
[ ٧ / ١٢١ ]
فتسارع في ذلك الشبَّان وبقيتِ الشيوخ تحت الرايات، فلما فتح اللَّه تعالى وكانت الغنائم ثَم (^١) جاؤوا يطلبون ما جُعل لهم، فقالت الشيوخ: لا تَذهبوا بها دوننا، فقد كنَّا ردءًا لكم، فتنازعوا فنزلت الآية (^٢).
وقال أبو أمامة الباهلي: سألتُ عبادةَ بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا نزلت، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه (^٣) أخلاقنا، فنزعه اللَّه من أيدينا وجعله إلى رسوله، فقسمه رسول اللَّه -ﷺ- بين المؤمنين، فكان في ذلك تقوى اللَّه وطاعةُ رسوله وصلاحُ (^٤) ذاتِ البين (^٥).
وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: نزلت فيَّ هذه الآيةُ، وذلك أنِّي أتيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- بسيفٍ فقلتُ: يا رسول اللَّه، هذا السيفُ قد شفَى اللَّه به من المشركين، وإني أصبتُه فأعجبني فهبه لي، فقال: "ليس هذا لي ولا لك" فقلتُ: عسى أن يعطيه مَن لم يَبْلُ بلائي، فإذا رسول اللَّه -ﷺ- خلفي فقلت: يا رسول اللَّه إني أخاف أن يكون نزل فيَّ شيء، فقال: "إنَّ السيف قد صار لي [فهو لك] "، ونزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية (^٦).
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵃ قال: نزلت هذه الآية
_________________
(١) "ثم": زيادة من (أ).
(٢) رواه أبو داود (٢٧٣٧)، والنسائي في "الكبرى" (١١١٣٣)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣)، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٣١).
(٣) في (ر): "به".
(٤) في (ر): "وإصلاح".
(٥) تقدم قريبًا.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٥) وما بين معكوفتين منه، وبنحوه الإمام أحمد في "المسند" (١٥٥٦)، وأصل الحديث عند مسلم (١٧٤٨).
[ ٧ / ١٢٢ ]
أولًا فصارت الأنفال لرسول اللَّه، ثم نزلت ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فقسم اللَّه تعالى ذلك الخمس لرسوله ولمن سمِّي في الآية (^١).
وروى أبو صالح عن ابن عباس ﵄: أن النبيَّ ﵇ قال وهو يحرض الناس على القتال: "إن اللَّه تعالى وعدني أن يَفتح لي بدرًا وأن يُغْنمكم عسكرهم، فمَن قتل قتيلًا فله كذا من غنائمهم" فلما تواقَعوا أوقع اللَّه في قلوب المشركين الرعبَ وانهزموا، وتبعهم سَرَعان (^٢) القوم، فأسروا سبعين وقتلوا سبعين، وغنموا العسكر وما فيه، وأقام وجوهُ الناس في مصافِّ رسول اللَّه ﵇ معه، فلم يشذَّ منهم أحدٌ، ثم قام أبو اليَسَر كعب بن عمرو الأنصاريُّ أخو بني سلمة فقال: يا رسول اللَّه! إنك قد وعدتَ مَن قتل قتيلًا فله كذا، ومَن أَسر أسيرًا فله كذا، وإنَّا قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين، فقام سعد بن معاذ فقال: واللَّه ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادةٌ في الآخرة ولا جبن عن العدوِّ، ولكن كرهنا أن نُعْريَ مصافَّك فيعطفَ عليك خيلٌ من خيلِ المشركين فيصيبوك، فأعرض عنهما رسول اللَّه ﵇، ثم قال (^٣) أبو اليَسَر بمثلِ مقالته وقام سعدٌ بمثل كلامه، وقال: يا رسول اللَّه! إن الناس كثيرٌ، وإن الغنيمة والقتلى دون ذلك، وإن تعطِ هؤلاء الذين ذكرتَ لا يبقى لأصحابك كثيرُ شيء، فنزلت الآية، فقالوا: سمعًا وطاعة يا رسول اللَّه، فرجع القوم وليس لهم من الغنيمة شيء، ثم نزل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٩٤٨٣)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٣٤٢)، والطبري في "تفسيره" (٩/ ١٧٥).
(٢) في (ف): "فرسان". وسرعان الناس: أوائلهم المستبقون إلى الأمر. انظر: "القاموس" (مادة: سرع).
(٣) في (ف): "قام".
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٩٨٨) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وذكره ابن أبي زمنين في "تفسيره" (٢/ ١٦٤) عن الكلبي، والثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٢٤) عن ابن عباس، =
[ ٧ / ١٢٣ ]
فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ظاهرُه سؤالُ الاستفتاء، وهو السؤال عن الحُكم، وظهر ذلك بجوابه وإن كان السؤال مطلَقًا كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وهذه الأحاديث تدلُّ على أنه سؤالُ الاستعطاء، وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (يسألونك الأنفالَ) (^١) وهذا ظاهر.
وأما قراءة الجمهور: ﴿عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ فلا يقتضي إلا سؤالَ الاستفتاء، إلا أن يُجعل ﴿عَنِ﴾ بمعنى: مِن، ويكونَ للتبعيضِ، وحروف الصِّلات تتناوب.
أو يقال: كانوا يستَعْطون أولًا، ثم لمَّا تأخَّر الإعطاء استفتَوه حكمَها ومَصْرِفها، وقد روِّينا عن ابن عباس ﵄وهو مرويٌّ عن مجاهد وعكرمة-: أن الآية نسخت بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (^٢)، فكان في هذه الآية جَعْلُ كلِّها له، وفي الثانية صارت لأهل السُّهمان والغُزاة.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتة لم تنسخ، وإنما معناها: قل الأنفال للَّه تعالى، ولا شكَّ أنها للَّه مع الدنيا وما فيها والآخرة، [و] هي لرسول اللَّه -ﷺ- يضعها في مواضعها التي أمر اللَّه تعالى بوضعها فيها (^٣)، وبيَّن ذلك في الآية الثانية:
_________________
(١) = وفي رواية عبد الرزاق بعض اختصار. وعلى كلٍّ فالكلبي متروك.
(٢) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٤)، و"المحتسب" (١/ ٢٧٢). ووقع في النسخ: "يسألونك عن الأنفال"، وهو خطأ ظاهر.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢١ - ٢٢) عن مجاهد وعكرمة والسدي، وذكره عنهم الواحدي في "البسيط" (١٠/ ١٣) ثم قال: وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي عنه. وذكره عن ابن عباس أيضًا الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٤٢).
(٤) انظر: "تفسير الطبري" (١١/ ٢٢)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٢٦)، و"البسيط" (١٠/ ١٤). وما بين معكوفتين مستفاد من هذه المصادر.
[ ٧ / ١٢٤ ]
أن للَّه تعالى خمسه ولأهل السهمان، وأربعة أخماسه للغزاة من الرجَّالة والفرسان.
وقيل: قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ هذا للتيمُّن بذكر اللَّه تعالى وتعظيمِ حالِ رسول اللَّه، والحاصل أنها لرسول اللَّه -ﷺ- يحكم فيها بأمر اللَّه.
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: ولا تنازعوا ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾؛ أي: تآلَفوا على الحق. و(ذات) تأنيث قولهم: ذو، ويكون نعتًا لاسمٍ مؤنَّثٍ مضمَر، كأنه قال: وأصلحوا أُلفة بينكم، وعلى هذا نظائره: كنتُ عند فلانٍ ذات ليلةٍ؛ أي: ساعة ليلة.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بما تُخفيه الصدورُ، ألقت المرأة ذات بطنها؛ أي: حمل بطنها، وافعل كذا في ذات اللَّه؛ أي: في مرضاة اللَّه.
وقيل: (ذات) هي النَّفس، وسيمرُّ ذلك في هذه الوجوه كلِّها.
وقيل: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾؛ أي: افعلوا فيما بينكم ما يعودُ بصلاح (^١) أحوالكم.
قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: أطيعوا الرسول فيما يأمر في الغنيمة وغيرها، فإن طاعته طاعةُ اللَّه فإنها بأمر اللَّه.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: الإيمانُ يوجب ذلك، وهو كما يقال: افعل كذا إن كنت إنسانًا؛ أي: الإنسانية توجبُ ذلك فلا تخالِفْها.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تطيعوا دواعيَ مُناكم، ولا تحكموا بمقتضَى هَواكم، والتقوى: إيثار رضى الحق على مراد النفس ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ بالانسلاخ عن شحِّ النفس وإيثارِ حقِّ الغير على ما لَكَ من الحظ، وتنقيةِ القلوب من الحسد والحقد (^٢).
_________________
(١) في (ف): "بإصلاح".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٠٢).
[ ٧ / ١٢٥ ]
(٢) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: ولما سمعوا الآية الأولى خافوا واتَّقوا اللَّه وأطاعوا وسلَّموا، وتركوا الأنفال، فمدحهم اللَّه بهذه الآية.
أو يقال: لما قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وصف المؤمنين الكاملين في الصفات بهذه الآيات، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: خافت خوفًا شديدًا تعظيمًا للَّه تعالى وهيبة منه (^١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾: أي: قُرئت عليهم بالأمر والنهي والحُكم، قبِلوا هذا الأمر والنهيَ والحكم، وصدَّقوا بالوعد والوعيد، وازدادوا إيمانًا إلى إيمانهم بما كان قبل ذلك، وإنْ حُملت على أنهم كانوا آمنوا بها قبل ذلك وهذا على زيادة اليقين أو على الثبات على إيمانهم الكاملِ السابق، وأضاف فعل الزيادة إلى الآيات على التسبيب (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: أي: يعتمدون، وبه يثقون.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تخرجهم شدةُ الخوف عن أوطان الغفلة، وتزعجهم عن مساكن الغَيبة، فإذا انفصلوا عن أودية التفرقة، وفاؤوا إلى مشاهد الذكر، نالوا السكون إلى اللَّه ﷿، فيزيدُهم ما يتلى عليهم من آياته تصديقًا على تصديق، وتحقيقًا على تحقيق، فإذا طالَعوا جلال قدرته توكَّلوا عليه فأمدَّهم برعايته في نهايتهم كما استخلصهم بعنايته في بدايتهم.
_________________
(١) "منه": زيادة من (ف).
(٢) في (ف): "التسبب".
[ ٧ / ١٢٦ ]
قال: وسنَّةُ اللَّه تعالى مع أهل العرفان ترديدُهم بين كشف جلاله وبين لطف جماله، فإذا كاشفَهم بجلاله وجِلت قلوبهم، وإذا لاطفهم بنعت جماله سكنت قلوبهم، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
قال: وقيل: وجلت قلوبهم لخوف فراقه، ثم تطمئنُّ أسرارهم بروح وصاله، فذكرُ الفراق يُفنيهم، وذكر الوصال يحييهم (^١).
وقال السدِّي: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عند ذكر الوعيد، وتطمئن قلوبهم بالوعد، وهو كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾؛ أي: بالوعيد، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ أي: بالوعد.
* * *
(٣) - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أي: يُجْرون الصلاة على الاستقامة اللازمة فيها ويديمونها في أوقاتها.
﴿وَمِمَّا﴾ (من) للتبعيض؛ لأن الرزق منه حلالٌ وحرام، والممدوح هو الإنفاق من الحلال؛ أي: ينفقون الحلال من رزقهم في أداء الزكوات ونوافل الصَّدَقات، وفي مصالح الجهاد وسائر الطاعات.
ويحتمل: رزقناهم من سائر النعم من الأموال.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيةَ، ليس ذكرُ هذه الصفات لشرط ثبوت الإيمان بإجماع الأمة أن مَن آمَن عن اعتقادٍ وإقرار على الصحة ثم مات من ساعته قبل أن يوجد منه شيءٌ من هذه الصفات فهو مؤمن، ولكن يحتمِل ثلاثة أوجهٍ صحيحة:
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٠٢).
[ ٧ / ١٢٧ ]
إنما المؤمنون الذين حقَّقوا إيمانهم بهذه الأفعال.
والثاني: إنما المؤمنون الذين ظهر صدقهم عندكم بهذه الأفعال.
والثالث: إنما المؤمنون الذين قبلوا واعتقدوا هذه الأفعال، وهو كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] هو على القبول والاعتقاد (^١).
* * *
(٤) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: أي: إيمانًا حقًّا.
وقيل: المصدِّقون إلهًا (^٢) حقًّا.
وقيل: أي: حقيقة، وقيل: هو قسم، وقيل: أي: حقَّقوا أقوالهم بأفعالهم.
﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: درجاتٌ في الجنة.
وقيل: أي: مراتبُ في الآخرة: من إعطاء الكتب بالأيمان، وتلقِّي الملائكة بالبشارة بالجِنان، وتبييضِ الوجوه بالفضل والإحسان (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾: سترٌ للذنوب (^٤) فلا يُفتضحون.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أي: جليلُ القَدْر في الجنة، لا يَفنى ولا يَنتقِص، ولا يتكدَّر ولا يتنغَّص.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٥٢ - ١٥٤).
(٢) في (أ): "لها".
(٣) في (أ) و(ر): "وتبييضِ الوجوه وسائرِ وجوه الفضل والإحسان".
(٤) في (ف): "أستر الذنوب".
[ ٧ / ١٢٨ ]
وقال الحسين بن الفضل ﵀: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين فعلوا هذه الأفعال ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لا الذين يقولون بألسنتهم: آمنَّا، وقلوبهم منطويةٌ على خلافه، لا يقيمون صلاةً ولا يؤدُّون زكاة.
وقال ابن أبي نجيح (^١): سأل رجلٌ الحسنَ: أمؤمنٌ أنت؟ فقال: إنْ كنتَ تسألُني عن الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن، وإنْ كنتَ تسألُني عن قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فما أدري أنا منهم أم لا.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ على حسبِ ما أهَّلهم له من الرتب، فبسابق قسمتِه لهم استوجبوها، ثم بصادق خدمتهم -حيث وفَّقهم لها- بلغوها، ﴿و﴾ لهم ﴿مغفرةُ﴾: سترٌ لمسيئهم في المآل ولأكابرهم في الحال، فيَستر مثالب العاصين غدًا فلا يفضحهم لئلا يُحجبوا عن مأمول أفضالهم، ويستر مناقب العارفين عليهم في الحال لئلا يُعجبوا بأحوالهم، وشتانَ بين السترين.
وأما الرزق الكريم: فما يعطيه اليومَ من حيث لا يُحتسب، وفي الجنة لا يقدرُ (^٢) ما يكتسب.
وقيل: ما لا ينقص بإجرامهم (^٣).
وقيل: ما لا يشغلهم به عن شهود الرازق (^٤).
_________________
(١) قوله: "ابن أبي نجيح" كذا نقله المؤلف عن الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٢٨) وهو عبد اللَّه بن أبي نجيح من رجال "التهذيب"، ورواه البيهقي في "الشعب" (٧٦) وفيه: تمام بن نجيح، وهو من رجال "التهذيب" أيضًا.
(٢) في (أ): "بقدر"، وليست هذه العبارة في "اللطائف".
(٣) في النسخ: "ما لا ينقصه بإجرامهم"، والمثبت من "اللطائف".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٠٣).
[ ٧ / ١٢٩ ]
(٥) - ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾:
قال الإمام أبو منصور ﵀: لم يخرج لهذا الكلام جوابٌ في الظاهر؛ لأن جوابه أن يقول: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق يفعل (^١) بك كذا، ثم أهلُ التأويل اختلفوا في جوابه:
قال بعضهم: هو صلةُ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾؛ أي: يجادلونك في الأنفال كما جادلوك إذ أخرجك ربُّك من بيتك، فإنه قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾.
قال: ومنهم من يقول: جوابه في أمره بالقتال، يقول: كما أخرجك ربك من بيتك وهم كارهون، كذلك يكلِّفك القتال وهم كارهون لذلك.
قال: ومنهم مَن يقول: جوابه في قوله: ﴿إِذْ يُغَشِيكُمُ النُّعَاسَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُثَبِّ بِهِ الْأَقَدَامَ﴾ كما أجبتُم اللَّهَ تعالى في الخروج للقتال على غيرِ تدبيرٍ منكم في ذلك ولا نظَر، فعلى ذلك يُجيبكم في النعاس أمنةً منه، وانزالِ الماء من السماء والتطهيرِ به، وتثبيتِ (^٢) الأقدام، على غير علم منكم ولا تدبير.
قال: ومنهم مَن يقول: كما أخرجك ربك من بيتك غير متأهِّبين ولا مستعدِّين للقتال، كذلك يَعِدُكم النصرَ والظفر (^٣).
_________________
(١) في (ف): "فعل".
(٢) في (أ): "ويثبت".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٥٥ - ١٥٦).
[ ٧ / ١٣٠ ]
وقال غيره: أي: كما أخرجك ربك من بيتك بالمدينة إلى الروحاء، فاذهب (^١) من الروحاء إلى بدر.
وقيل: إنه نزع الأفعالَ من أيديهم بالحق كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحق.
وقيل: أي: ما بينَّاه لك حق كما أن إخراجك من بيتك كان بالحق.
وقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ ولم يقل: كما خرجتَ، ولا: خرجوا؛ لأن الحامل لهم على الخروج إلى الروحاء طوعًا وطبعًا هو وعدُ اللَّه لهم إحدى الطائفتين أنها لهم، ولم يكن عندهم أنهم يحتاجون إلى القتال، فكان ذلك إخراجًا لهم.
قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال الإمام أبو منصور: يحتمِل: بالحق الذي للَّهِ عليهم من الأمر بالخروج والقتال، ويحتمِل: بالوعد الذي وعَد من النصر والظفر.
وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالقرآن؛ أي: بالأمر في القرآن.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل: فريقًا من المؤمنين في الظاهر وهم المنافقون كرهوا ذلك اعتقادًا، كما قال في صفتهم: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]، ويحتمِل أن يكون من المؤمنين في الحقيقة، ويكون هذا كراهيةَ طبعٍ لأنهم أُمروا به وهم غيرُ متأهِّبين له، وهو كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] (^٢).
* * *
(٦) - ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾: قيل: أي: في القتال، وقيل: أي: في الحق الذي وجب عليهم من ذلك.
_________________
(١) بعدها في (ف): "به".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٥٦).
[ ٧ / ١٣١ ]
وقيل: يعني (^١): في الوعد الذي وعدهم اللَّه تعالى من الظفر والغنيمة.
وقال ابن عباس ومحمد بن إسحاق: إنما جادَلوه طلبًا للرخصة في الانصراف، لا ردًّا لأمر اللَّه تعالى (^٢).
قوله تعالى: ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾: أي: ظهر بقول النبي ﵇، وقولُه كان بأمر اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: وهذا كان من بعضهم، فأما أكثرهم فكانوا في أشدِّ رغبة فيه (^٣).
رُوي أن سعد بن خيثمة وأباه تنازَعَا في الخروج إلى القتال، وكلُّ واحدٍ منهما يقول: أنا أخرج (^٤) وتتخلَّف أنت، فقال سعد: لو كان غيرَ الجنة لآثَرْتُك، إني لأرجو الشهادةَ في وجهي هذا، فقال خيثمة: آثِرْني به فأقِمْ، فأبى سعد، فقال خيثمة: إنه لا بد لأحدنا من أن يقيم، فاستَهَما فخرج سهم سعد، فنهض فاستُشهد (^٥).
وفي تأويل الآية وجهٌ آخرُ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ فكان خيرًا لهم، فكذلك فأصلِحوا ذات بينِكم ولا تنازَعوا في الأنفال،
_________________
(١) "يعني": من (ف).
(٢) رواه عنهما بنحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٧).
(٣) في هذا الكلام نظر، فإن نسبة الأمر للجميع إما أن يكون تعبيرًا عن موقف الأكثر، أو أن البعض فعله والباقي وافقهم، أما أن ينسب فعل البعض للجميع والأكثرون منهم راغبون عنه غير راضين به فلا يقبل أن يفسر به كلام اللَّه سبحانه، وما سيأتي من القصة لا يعبر بالضرورة عن موقف الأكثرين.
(٤) من قوله "فصارت الأنفال لرسول اللَّه" إلى هاهنا من (أ) و(ف).
(٥) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٥٥٨)، والحاكم في "المستدرك" (٤٨٦٦).
[ ٧ / ١٣٢ ]
وإن كرهتُم ذلك فهو خير لكم، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قاله عكرمة (^١).
وقيل: هذا أمر من اللَّه تعالى لرسوله أن يمضي لأمره في الغنائم على كُرهٍ من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون.
وقيل: الكاف بمعنى: على؛ أي: امضِ على ما أخرجك ربُّك من بيتك، كما تقول: كن كما أنت؛ أي: اثبت على حالك.
قال الواقدي: كانت وقعة بدر يوم الجمعة السابعَ عشر من شهر رمضان على رأسِ تسعةَ عشر شهرًا من الهجرة (^٢)، وكانت عيرُ قريش ترجع من الشام، وندب رسول اللَّه -ﷺ- المسلمين وقال: "هذه عير قريش فيها أموالُهم، لعل اللَّه يُغنِمُكموها فأسرعوا" (^٣).
قال مقاتل: كان فيهم أبو سفيان بن حرب، وعمرو بن العاص، وعمرو بن هشام، ومَخْرَمةُ بن نوفلٍ الزُّهريُّ، في أربعين راكبًا (^٤).
فأخبر جبريل ﵇ النبيَّ -ﷺ- بأمر العير، فندب النبيُّ -ﷺ- أصحابه فساروا، وبلغهم أن النبيَّ -ﷺ- يريدهم فبعثوا ضمضمَ بن عمرو الغِفاريَّ إلى مكة مستغيثًا، فخرجت قريش، وأَخبر جبريل النبيَّ -ﷺ- بذلك، فقال لأصحابه: "إن اللَّه يعدُكم إحدى
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٣).
(٢) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٢)، ورواه ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٢٤٠) عن أبي جعفر محمد بن علي.
(٣) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٢٠)، وفيه: ". . . لعل اللَّه يغنمكموها" فأسرع مَن أسرع. . . إلخ.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١١٦).
[ ٧ / ١٣٣ ]
الطائفتين: إمَّا العيرُ، وإما فتحُ بدر، فما ترون؟ " فأشاروا إليه بالعير (^١)، وكرهوا القتال وقالوا: إنَّا لم نتَّخذ أُهبةً للقتال، إنما ندَبْتَنا إلى العير، فأعاد المشورة فأشاروا بالعير، فقال سعد بن عبادة (^٢): يا رسول اللَّه، انظر في أمرك فامضِ له، فواللَّه لو سرت إلى عدنِ أبينَ (^٣) ما تخلَّف عنك رجلٌ من الأنصار، ففرح رسول اللَّه -ﷺ- بذلك.
وقال المقداد بن الأسود الكندي: يا رسول اللَّه، إنَّا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] بل نقول: امضِ لأمرِ ربِّك فإنا بين يديك مقاتلون ما دامت منا عين تَطرف (^٤)، فضحك النبيُّ -ﷺ- وقال له خيرًا (^٥).
وفي رواية: قال المقداد: فوالذي نفسك بيده لو سرتَ إلى بَرْكِ الغِماد -وهي مدينة بالحبشة- لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فدعا له بالخير (^٦).
_________________
(١) في (ف): "فأشاروا بالعير"، وفي (ر): "فأشاروا إليه بل العير".
(٢) قوله: "سعد بن عبادة" كذا وقع في بعض الروايات، ومنها ما رواه مسلم (١٩٧٩) من حديث أنس ﵁، لكن قال الحافظ في "الفتح" (٧/ ٢٨٨): فيه نظر، لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدرًا، وإن كان يعد فيهم لكونه ممن ضرب له بسهمه. . .، قال: ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى با لصواب.
(٣) في رواية مسلم: (إلى برك الغماد).
(٤) في (أ) و(ف): "تطرف".
(٥) رواه بنحوه البخاري (٤٦٠٩) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٦) ذكر هذه الرواية الواقدي في "المغازي" (١/ ٤٨)، وابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦١٥)، والقرطبي في "تفسيره" (٩/ ٤٦٢). وعندهم بدل "والذي نفسك بيده": (والذي بعثك بالحق). وقوله: "وهي مدينة بالحبشة"، وقع مثله عند القرطبي، ولم يرد عند ابن هشام، وجاء عند الواقدي بدلًا منه: (وبَرْكُ الغِمَادِ مِن وراءِ مكه بخمسِ ليالٍ من وراءِ الساحلِ مما يَلي البحرَ، وهو على ثمانِ ليالٍ من مكة إلى اليمن).
[ ٧ / ١٣٤ ]
وفي رواية الواقدي: لما استشارهم قام أبو بكر ﵁ فأحسنَ، ثم قام عمر ﵁ فأحسنَ، ثم قال: يا رسول اللَّه إنها واللَّه قريش ما ذلَّت مُذ عزَّت، ولا آمنت مُذ كفرتْ، واللَّه لا تُسْلِمُ [عزَّها] أبدًا ولتقاتلَنَّك، فتأهَّبْ أُهْبتَه وأَعِدَّ لذلك عُدَّته.
ثم قام المقداد وقال ما ذكرناه، ثم قال النبي -ﷺ-: "أشيروا علَيَّ أيها الناس" وإنما يريد الأنصارَ، وكان يظنُّ أن الأنصار لا تنصُره إلا في الدار، وذلك أنهم شرطوا له أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسَهم وأولادهم، فلما قال ذلك قام سعد بن معاذ فقال: أنا أجيب عن الأنصار، كأنك يا رسولَ اللَّه تريدنا (^١)؟ فقال: "أجل"، قال: إنك عسى أن تكون خرجتَ على أمرٍ قد أوحى اللَّه تعالى إليك (^٢)، فإنَّا قد آمنَّا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئتنا به حقٌّ، وأعطيناك مواثيقَنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامضِ يا نبيَّ اللَّه لِمَا أردْتَ ونحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضْتَ هذا البحر فخُضْتَه لخُضناه معك ما بقي منا رجل، وصِلْ مَن شئتَ واقطَعْ مَن شئتَ، وخُذ من أموالنا ما شئتَ، وما أخذتَ من أموالنا أحبُّ إلينا مما تركتَ.
فلما فرغ سعدٌ قال رسول اللَّه -ﷺ-: "سيروا على بركة اللَّه، فإنَّ اللَّه ﷿ قد وعدني إحدى الطائفتين، واللَّه لكانّي انظر إلى مصارع القوم"، وأرانا رسول اللَّه -ﷺ- مصارعَهم يومئذ: هذا مصرعُ فلانٍ وهذا مصرع فلان، فما عدا كلُّ رجلٍ مصرعَه (^٣).
فعلم القوم أنهم ملاقون القتال، وأن العير قد تفلَّتت، ورَجَوُا النصرَ لقول
_________________
(١) في (ر): "تريدهم"، والمثبت موافق لما في "المغازي".
(٢) العبارة في "المغازي": (إنّك عَسَى أنْ تكونَ خَرَجْت عن أمرٍ قد أُوحيَ إليك في غيرِه).
(٣) رواه بنحوه مسلم (٢٨٧٣) من حديث أنس عن عمر ﵁ أنه قال: إن رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، كان يُرينا مَصارعَ أهلِ بدرٍ بالأمسِ، يقولُ: "هذا مَصْرَعُ فلانٍ غدًا، إنْ شاءَ اللَّهُ"، قال: فقال عمر: فوالذي بَعَثَه بالحقِّ ما أَخطَئوا الحُدودَ التي حَدَّ رسولُ اللَّه -ﷺ-.
[ ٧ / ١٣٥ ]
رسول اللَّه -ﷺ-، ونزل رسول اللَّه -ﷺ- أدنى بدرٍ عشاءَ ليلةِ الجمعة لسبعَ عَشْرةَ مَضَتْ من رمضان، فبعث عليًّا والزبيرَ وسعد بن أبي وقاص وبسبسَ بن عمرو يتجسسون (^١) على الماء، وقال: "أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب"، فجاؤوا فوجدوا على القليب روايا قريش وفيها سُقَّاؤهم، فأَفْلَتَ عامَّتُهم، وكان فيهم عجيرٌ، وهو أولُ مَن جاء قريشًا بخبر رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه، فنادى في العسكر: يا آل غالبٍ! هذا ابنُ أبي كبشةَ وأصحابُه قد أخذوا سُقَّاءكم، فماج العسكر.
فقال النبيُّ -ﷺ- للسُّقَّاء: "أين قريش؟ " فقالوا: خلف هذا الكثيب الذي تَرى، قال: "كم هم؟ " قالوا: بين الألف والتسع مئة (^٢)، فقال: "مَن خرج من مكة؟ " قالوا: لم يبقَ أحد إلا خرج، فأقبل النبيُّ -ﷺ- على الناس فقال: "هذه مكةُ قد ألقَتْ أفلاذ كبدها" (^٣).
وكان المسلمون مع رسول اللَّه -ﷺ- ثلاثَ مئةٍ وثلاثةَ عَشَر، ولهم (^٤) سبعون بعيرًا، وكان يتعاقب الإبلَ الاثنان والثلاثةُ والأربعة، فكان النبيُّ -ﷺ- وزيدُ بن حارثة وعليٌّ يتعاقبون بعيرًا واحدًا (^٥).
وكان النبيُّ -ﷺ- قال حين نزل بالمنزل الأول في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان فنظر إلى أصحابه فقال: "يا ربّ، إنهم حفاةٌ فاحملهم، وجياعٌ فأَشْبِعهم، وعُراةٌ فاكسُهم، وعالةٌ فأَغْنِهم من فضلك"، فما رجع أحد إلا ومعه بعيرٌ وبعيران،
_________________
(١) في مطبوع "المغازي": (يتحسسون).
(٢) في (ف): "بين ألف وتسعمئة".
(٣) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٤٨ - ٥٣).
(٤) في (ف): "ومعهم".
(٥) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٢٣ - ٢٤).
[ ٧ / ١٣٦ ]
واكتسَى مَن كان عاريًا، وأصابوا طعامًا من أزوادهم، وأصابوا فداء الأسارى فأُغني به كلُّ عائل (^١).
وكانت عاتكة بنتُ عبد المطلب رأت قبل قدوم ضمضمِ بن عمرٍو رؤيا أفزعَتْها، فأرسلت إلى أخيها العباسِ بن عبد المطلب وقالت: يا أخي! رأيت راكبًا أقبل على بعيرٍ حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: يا آل غُدَرَ انفِروا إلى مصارعكم، صرخ بها ثلاثًا (^٢)، فاتَّبعه الناس فدخل المسجد والناس يتبعونه، إذ مَثَلَ به بعيره على ظهر الكعبة، فصرخ مثلَها ثلاثًا، ثم مَثَل (^٣) به بعيره على أبي قُبيس فصرخ مثلها ثلاثًا، ثم أخذ صخرةً من أبي قبيسٍ فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت (^٤) فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته منها فلذةٌ.
وكان عمرو بن العاص يقول: لقد رأيتُ أنا كلَّ هذا، ورأيت في دارنا فلذةً من الصخرة، ولقد كان فيه عبرةٌ ولكنَّ اللَّه تعالى لم يُرِدْ أن نُسلم يومئذٍ وأخَّر إسلامنا إلى ما أراد اللَّه.
فاغتم (^٥) العباس لذلك، وخرج فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعةَ وكان له صديقًا، فذكرها له واستكتمه، ففشا الحديث في الناس، قال: فغدوتُ أطوف بالبيت وأبو جهلٍ في رَهْطٍ من قريش يتحدَّثون برؤيا عاتكة، قال أبو جهل: يا بني عبد المطلب!
_________________
(١) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٢٦).
(٢) في (أ): "ثلاث مرات".
(٣) في (أ) و(ف): "تمثل".
(٤) أي: تفتَّتَتْ، ووقع في النسخ: "انقضت"، والمثبت من المصادر. انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٢٩)، وكذا في رواية ابن إسحاق عن ابن عباس وعروة بن الزبير كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٠٧) و"دلائل النبوة" للبيهقي (٣/ ٣٠)، ومثله في رواية عروة عند الطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٣٤٦).
(٥) في (أ): "فأهم"، وفي (ف): "فاهتم".
[ ٧ / ١٣٧ ]
أمَا رضيتُم أن يَتنبَّأ رجالكم حتى تتنبَّأ نساؤكم؟ زعمتْ عاتكةُ أنها رأت في المنام كذا، فسنتربَّص بكم ثلاثًا، فإن يكُ ما قالت حقًّا فسيكون، وإن مضت الثلاث ولم يكن نكتُب عليكم كتابًا أنكم أكذبُ أهلِ بيتٍ في العرب، فقال العباس (^١): يا مصفِّر استِهِ، أنت أولى باللوم والكذب منَّا.
فقال العباس: فغدوتُ في اليوم الثالث وأنا حديدٌ مغضَبٌ أرى أنْ قد فاتني منه أمرٌ أحبُّ أن أدركه، فواللَّه إني لأمشي نحوه وكان رجلًا حديدَ الوجه حديدَ اللسان حديدَ النظر، إذ خرج نحو باب بني سهم يشتدُّ، فقلتُ: ما له لعنه اللَّه؟ أكلُّ هذا فرقًا من أنْ أشاتمَه، فإذا هو قد سمع صوت ضمضمٍ وهو يقول: يا معشر (^٢) قريش، العير قد عَرَض لها محمدٌ في أصحابه، الغوثَ الغوثَ، وتجهَّزت قريشٌ فأخرجت أسلحتَها، وأعان قويُّهم ضعيفَهم وخرجوا (^٣).
وأقبل أبو سفيان بالعِير، وخافوا خوفًا شديدًا حين دنَوا من المدينة، واستبطؤوا ضمضمًا والنفير، فلمَّا كانت الليلةُ التي يصبحون فيها على ماء بدرٍ غشيَتْهم تلك الليلةَ ظلمةٌ، وكان اللذان بعثهما رسول اللَّه -ﷺ- لتجسُّس الخبر نزلا بدرًا وسمعا جاريتين تقول إحداهما لصاحبتها: إنما العيرُ غدأً أو بعد غد، فرجعا وأصبح أبو سفيان ببدرٍ، فرأى أبعارًا ففتَّها فإذا فيها نوًى، فقال: واللَّه هذه علائفُ يثرب، هذه عيون محمد وأصحابِه ما أُراهم إلا قريبًا، فعدَل عيرَه وسار بهم إلى مكة من طريق الساحل، وترك بدرًا يسارًا وانطلق سريعًا (^٤).
_________________
(١) "العباس": من (ف).
(٢) في (ف): "معاشر".
(٣) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٢٩ - ٣٢)، و"السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٠٧ - ٦١٠)، و"المعجم الكبير" (٢٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧).
(٤) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٣٩ - ٤١).
[ ٧ / ١٣٨ ]
وخرج أهل مكة، ونزلوا حيث قلنا في حديث سُؤال النبيِّ -ﷺ- السُّقَّاءَ، ثم قال لأصحابه: "أشيروا عليَّ في المنزل"، فقال الحُباب بن المنذر: يا رسول اللَّه، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلٌ أنزلكه اللَّه ليس لنا أن نتقدَّمه أو نتأخَّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؛ فقال -ﷺ-: "بل هو الرأيُ والمكيدة والحرب"، قال: فإن هذا ليس بمنزلٍ، انطلق بنا إلى أدنى ماءٍ إلى القوم فإني عالمُ بها وبقُلُبها، بها قَليبٌ قد عرفتُ عذوبةَ مائه، وماؤه كثيرٌ لا يُنزَح، ثم نبني عليه حوضًا ونقذفُ فيه الآنية، فنشرب ونقاتل ونغوِّر ما سواه من القُلُب، فنزل جبريل ﵇ على رسول اللَّه -ﷺ- وقال: الرأي ما أشار به الحباب، فقال -ﷺ-: "الرأيُ ما أشرتَ إليه" ونهض -ﷺ- وفعل ذلك.
ولمَّا تحول إلى المنزل أرسل عمار بن ياسر وابن مسعود فأطافا بالقوم، ثم رجعَا إلى النبي -ﷺ- فقالا: القوم مذعورون فَزِعون، إن الفرس ليريدُ أن يَصْهَل فيُضربُ وجهه، مع أن السماء تَسُحُّ عليهم، فلما أصبحوا قال منبِّه بن الحجَّاج وكان رجلًا يبصر الأثر: هذا أثرُ ابن سمية وأثر ابن أمِّ عبدٍ أعرفهما، قد جاءنا محمد بسفهائنا وسفهاء أهل يثرب.
وبُني لرسول اللَّه -ﷺ- عَريشٌ من جَريدٍ، فقام سعد بن معاذ على باب العريش متوشِّحًا بالسيف، فدخل النبيُّ -ﷺ- العريشَ هو وأبو بكرٍ، ونزل رسول اللَّه -ﷺ- بالعدوة الشامية ونزلوا بالعدوة اليمانيَة، ثم دعا رسولُ اللَّه -ﷺ- ربَّه، فنزل جبريل ﵇ [بهذه الآية]: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩].
وعدَّل رسولُ اللَّه -ﷺ- الصفوف، فتقدم سوادُ بن غَزِيَّة أمام الصفِّ، فدفع النبيُّ -ﷺ- في بطن سوادٍ بقدحٍ وقال: "استوِ يا سواد"، فقال: قد (^١) أوجعتني، والذي بعثك بالحق نبيًّا أَقِدْني، فكشف رسول اللَّه -ﷺ- بطنَه ثم قال: "استَقِدْ"، فاعتنَقه وقبَّله، فقال
_________________
(١) "قد": ليس في (ف).
[ ٧ / ١٣٩ ]
له: "ما حملك على ما صنعتَ؟ " فقال: حضر مِن أمر اللَّه ما ترى، فخشيتُ القتل، فأردتُ أن يكون آخرَ عهدي بك أن أعتنِقَكَ.
وقال عليٌّ ﵁: وجاءت ريحٌ لم أَرَ مثلها قطُّ شدَّةً، ثم ذهبتْ فجاءت مثلُها أخرى، ثم ثالثةٌ، فكانت الأولى جبريلَ في ألفٍ من الملائكة فكانوا مع رسول اللَّه -ﷺ-، والثانيةُ ميكائيلَ في ألفٍ فكانوا في ميمنة رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر، والثالثةُ إسرافيلَ في ألفٍ ونزل على ميسرةِ رسول اللَّه -ﷺ-، وأنا في الميسرة (^١)، ولمَّا هزم اللَّه أعداءه جعلني رسول اللَّه -ﷺ- على فرسه، فخرَّت بي فلما خرَّت (^٢) خررْتُ على عنقها، فدعوت ربي فأمسكني حتى استويتُ، وما لي وللخيل؟! إنما كنتُ صاحب غنم، فلما استويتُ طعنتُ بيدي هذه حتى اختضب مني إبطي.
وخطب رسول اللَّه -ﷺ- فحمِدَ اللَّه وأثنى عليه وقال: "أمَّا بعدُ، فإنِّي أحثُّكم على ما حثَّكم اللَّه عليه، وأنهاكم عما نهاكم اللَّه عنه، فإن اللَّه عظيمٌ شأنُه، يأمر بالحق ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهلَه على منازلهم عنده، به يُذْكرون وبه يَتفاضلون، هانكم قد أصبحتُم بمنزلٍ من منازل الحق، لا يَقبل اللَّه فيه من أحد إلا ما ابتَغَى به وجهَه، وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرِّج اللَّه به الهمَّ، ويُنجي به من الغمّ، به تدرِكون النجاة في الآخرة، فيكم نبيٌّ اللَّه يحذِّركم ويأمركم، فاستَحْيُوا اليومَ أن يطَّلع اللَّه على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن اللَّه يقول: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠]، انظروا إلى الذي أمركم به في كتابه، وأراكم في آياته، وأعزَّكم بعد ذلةٍ، فاستمسِكوا به يرضى به ربُّكم عنكم، وأَبْلوا ربَّكُم في هذه المواطن أمرًا تستوجِبون به الذي وعَدكم من رحمته ومغفرته، فإن وَعْدَهُ حقٌّ وقولَه
_________________
(١) في (ف): "وكانوا في ميسرته" بدل: "ونزل على ميسرة رسول اللَّه -ﷺ- وأنا في الميسرة".
(٢) في مطبوع "المغازي": (فجمزت بي فلما جمزت)، وفي بعض نسخه: (فجرت بي فلما جرت).
[ ٧ / ١٤٠ ]
صدقٌ وعقابَه (^١) شديد، وإنما أنا وأنتم باللَّهِ الحيِّ القيوم، إليه ألجأْنا ظهورَنا، وبه اعتصَمْنا، وعليه توكَّلنا، وإليه المصير، يغفر اللَّه لي وللمسلمين".
ورأى رسول اللَّه -ﷺ- قريشًا تصوِّب (^٢) في الوادي، وكان أولُ مَن طلَع زَمْعةَ بنَ الأسود على فرسٍ له يتبعُه ابنُه، فاستجال بفرسه يريد أن يتبوَّأ للقوم منزلًا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "اللهمَّ إنك أنزلتَ عليَّ الكتاب، وأمرتَني بالقتال، ووعدتَني إحدى الطائفتين، وأنت لا تُخلِف الميعاد، اللهمَّ وهذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفخرها تجادِلُ وتكذِّب رسولَك، اللهم نصرَك الذي وعدْتَني، اللهم أَحِنْهم الغداة".
ولمَّا نزل القوم أرسل رسول اللَّه -ﷺ- عمر بن الخطاب إلى قريش فقال ارجعوا فإنه أن (^٣) يليَ هذا مني غيرُكم أحبُّ إليَّ مِن أن تَلُوه أنتم، وأَلِيَه من غيرِكم أحبُّ إليَّ من أن أليَه منكم، فقال حكيم بن حزام: قد عَرَض نَصَفًا فاقبلوه، واللَّه لا تُنْصَرونَ عليه بعدما عرَض من النَّصَف، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: واللَّه لا نرجع بعد أنْ أَمْكَنَ اللَّه منهم، ولا (^٤) نطلبُ أثرأً بعد عينٍ، ولا يتعرَّض لعِيرنا بعد هذا أبدًا.
فلمَّا تزاحَفَ الناس قال الأسوَدُ بن عبد الأسد المخزوميُّ (^٥): أعاهد اللَّه لأشربنَّ من حوضهم أو لأهدمنَّه أو لأموتنَّ دونه، فشد حتى دنا من الحوض، فاستقبله حمزة ابن عبد المطَّلب فضربه فقطع قدمه، فزحف الأسود حتى وقع في الحوض وهدمه برجله الصحيحة وشرب منه، واتَّبعه حمزة فضربه في الحوض حتى قتله.
_________________
(١) في (ف): "وعذابه".
(٢) في (ف): "تضرب".
(٣) "أن": من (ف).
(٤) في (ف): "واللَّه لا".
(٥) "المخزومي": ليست في (أ) و(ف).
[ ٧ / ١٤١ ]
والمشركون ينظرون على صفوفهم وهم يرون أنهم ظاهرون، فدنا الناس بعضهم من بعض.
وقال عكرمة: قال النبيُّ -ﷺ-: "إن تُطِعْ قريش صاحب الجمل الأحمر رشَدوا" يعني: عتبة، لأنه قال: يا معشر قريش، لا تقاتلوا هؤلاء، فإنكم إنْ فعلتُم لم يزلِ الرجلُ منكم ينظر في وجه قاتل أخيه وابنه وابن عمه، فإن (^١) يكن محمد ملكًا أكلتُم في مُلك أخيكم، وإن يكن (^٢) نبيًا كنتُم أسعد الناس به، وإن يكن كذَّابًا كفَتْكُموه العرب. فأبوا أن يطيعوه، فقال: أَنشُدُكم اللَّه في هذه الوجوه التي كأنها المصابيحُ أن تجعلوها كأنها وجوهُ الأفاعي، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: لقد انتفخَ سَحْرُك (^٣)، فقال عتبة: يا مصفِّرَ اسْتِهِ (^٤)، ستعلمُ أيَّنا الجبانُ اللئيم المفسِد لقومه، ثم قال لأخيه شيبةَ وابنهِ الوليدِ: انزلا، فخرج عتبةُ وشيبةُ والوليد حتى فصَلوا من الصفوف، ثم دعوا للمبارزة، فخرج إليهم فتيانٌ ثلاثة من الأنصار وهم بنو عفراء: معاذٌ ومعوِّذٌ وعوفٌ، فاستحيا رسول اللَّه -ﷺ- من ذلك وكرِه أن يكون أولُ قتال (^٥) لقي فيه المسلمون المشركين في الأنصار، وأحبَّ أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه، فأمرهم فرجعوا إلى مصافِّهم، وقال لهم خيرًا، ثم نادى منادي المشركين: يا محمد، أخرج لنا الأكفاءَ
_________________
(١) في (ف): "قاتل أخيه وأبيه وإن".
(٢) في (ر): "كان".
(٣) السَّحْرُ: ما تَعَلَّقَ بالحُلْقوم؛ ولهذا قيل للرجلِ إذا جَبُنَ: انْتَفَخَ سَحْرُه، كأنَّهم أرادوا الرئةَ وما معها. انظر: "مجمع الغرائب" لعبد الغافر الفارسي (مادة: سحر).
(٤) قوله: "يا مصفر استه" قيل: رَمَاه بالأُبْنة، وأنَّه كان يُزَعْفِرُ اسْتَه، وقيل: هي كلمةٌ تقال للمُتَنعِّم الذي لم تحنكه التَّجاربُ، وكأنَّه أُخِذ من الصَّفيرِ، يريد أنَّه يُضرِّط نَفْسَه بيده، وهو كقولك: يا ضَرَّاط. انظر: "مجمع الغرائب" (مادة: صفر).
(٥) في (ر): "قتل".
[ ٧ / ١٤٢ ]
من قومنا، فقال رسول اللَّه -ﷺ- "قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقِّكم الذي بعث اللَّه به نبيَّكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور اللَّه" فقام حمزة بن عبد المطلب وعليُّ بن أبي طالب وعبيدةُ بن الحارثِ بنِ عبد المطلب بن عبد منافٍ، فمشَوا إليهم، فقال عتبة: تكلَّموا نَعْرفْكم، وكان عليهم البيضُ فأنكَروهم (^١)، فقال حمزةُ: أنا حمزةُ بن عبد المطَّلب أسدُ اللَّه وأسدُ رسوله، فقال عتبة: كفؤٌ كريم، وأنا أسدُ الحلفاء، مَن هذان معك؛ فقال: عليُّ بن أبي طالب وعُبيدةُ بن الحارث، فقال: كفؤان كريمان، ثم قال عتبة لابنه الوليد: قُم يا وليد، فقام الوليد وقام إليه علي بن أبي طالب ﵁ وكان أصغرَ النفر، فاختلَفا ضربتين فقتله عليٌّ، ثم قام عتبةُ فقام إليه حمزة فاختلفا ضربتين فقتله حمزة، ثم قام شيبة فقام إليه عبيدةُ بن الحارث وهو يومئذ أسنُّ أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، فضرب شيبةُ رِجل عبيدة بذباب السيف فأصاب عضلةَ ساقه فقطعها، وكرَّ حمزة وعليّ على شيبةَ فقتلاه، واحتمَلا عبيدةَ فجاءا به إلى الصفِّ ومخُّ ساقه يسيل، فقال عبيدة: يا رسول اللَّه، ألستُ شهيدًا؟ قال: "بلى"، ونزلت فيهم هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الآية.
وإن إبليس لعنه اللَّه تصوَّر بصورة سُراقة بن جُعْشُمٍ يخبرُ المشركين أنه لا غالبَ لكم (^٢) اليوم من الناس، فلما أبصر عدوُّ اللَّه الملائكةَ نكَص على عقبيه وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فتشبَّث به الحارث بن هشام وهو يَرى أنه سراقةُ لِمَا سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث فسقط، وانطلق إبليس لا يُرى حتى وقع في البحر، ورفع يديه وهو يقول: يا رب موعدَك الذي وعدْتَني.
فأقبل أبو جهل لعنه اللَّه على أصحابه فحضَّهم على القتال، وقال: لا يغرنَّكم
_________________
(١) "فأنكروهم": ليس من (ف).
(٢) في (ف): "لهم".
[ ٧ / ١٤٣ ]
خذلانُ سراقةَ إياكم، فإنما كان على ميعادٍ من محمد وأصحابه، سيعلم إذا رجعنا إلى قومه (^١) ما نصنع بقومه، ولا يهولنَّكم مقتلُ عتبةَ وشيبةَ والوليدِ فإنهم عَجِلوا وبَطِروا حين قاتلوا، وايمُ اللَّه لا نرجعُ اليوم حتى نفرِّق محمدًا وأصحابه في الجبال، فلا أُلْفيَنَّ (^٢) أحدًا منكم قتلَ محمدًا (^٣)، ولكنْ خذوهم أخذًا حتى نعرِّفهم (^٤) بالذي صنعوا بمفارقتهم دينكم ورغبتِهم عما كان يَعبد (^٥) آباؤهم.
وكان فتيةٌ من قريشٍ سبعةٌ قد أسلَموا فاحتبَسهم آباؤهم، فخرجوا معهم إلى بدرٍ وهم على الارتياب، فلمَّا رأوا قلَّة أصحاب النبيِّ -ﷺ- قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ الآيات [الأنفال: ٤٩].
والتحم القتال ورسولُ اللَّه -ﷺ- رافعٌ يديه يسألُ اللَّه النصرَ وما وعَده، ويقول: "اللهم إنْ ظهر عليَّ هذه العصابةُ ظهر الشرك ولا يقومُ لك دِينٌ" وأبو بكر ﵁ يقول: واللَّه لينصرنَّك اللَّه يا رسول اللَّه، وليُبيِّضنَّ اللَّه وجهَك، فأنزل اللَّه تعالى ألفًا من الملائكة مردِفين.
وكان سِيْما الملائكةِ عمائمَ قد أرخَوها بين أكتافهم خضرًا وحمرًا وصفرًا من نُورٍ، والصوفُ في نواصي خيلهم، وفي مغافرهم (^٦) وقلانسهم، وكان الملَك يتصوَّر في صورةِ مَن يعرفون من الناس يثبِّتونهم ويقول: إني قد دنوتُ منهم فسمعتُهم
_________________
(١) في "المغازي": (إلى قديد)، وقديد: قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه.
(٢) في (ف): "ألقين".
(٣) في "المغازي": (قتل أحدًا)، وهو الأنسب بالسياق.
(٤) في (ف): "خذوهم أخذًا نعذبهم".
(٥) في (ر): "عليه".
(٦) في (أ): "مفارقهم".
[ ٧ / ١٤٤ ]
يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] فأخذ رسول اللَّه -ﷺ- كفًّا من الحصباء (^١) فرماهم بها وقال: "شاهتِ الوجوه، اللهمَّ أرعِبْ قلوبهم وزلزِلْ أقدامهم".
فانهزم أعداء اللَّه لا يَلْوون على شيء، والمسلمون يقتلون ويأسرون، فأقبل عاصم بن عوف كأنه ذئبٌ فقال: يا معشر قريش، عليكم بالقاطِع مفرِّق الجماعات الآتي بما لا نعرف، محمد لا نجوتُ إن نجا، واعترضه أبو دجانة فاختلفا ضربات، وضربه أبو دجانة فقتله، فوقف على سلَبه يسلبه، فمرَّ به عمر وهو على تلك الحال فقال: دع سَلَبه حتى يُجهَض العدوُّ وأنا أشهدُ به لك.
ولما رأت بنو مخزوم مقتَلَ مَن قُتل أجمعوا على أن يُلبسوا لأمة أبي جهل رجلًا منهم، فألبَسوها عبد اللَّه بن المنذر، فقصده عليٌّ فقتله وهو يراه أبا جهلٍ، فضربه فقتله وهو يقول له: خذها وأنا ابن عبد المطلب، ثم ألبَسوها أبا (^٢) قيس بن الفاكه، فقصده حمزة وهو يراه أبا جهل فضربه فقتله حمزة وهو يقول له (^٣): خذها وأنا ابن عبد المطلب، ثم ألبسوها آخرَ (^٤) فقصده عليٌّ فقتله، وأبو جهل في أصحابه، ثم أرادوا أن يُلبسوها آخر (^٥)، فأبى أن يلبسها يومئذ.
فقال معاذ بن عمرو بن الجموح: نظرت إلى أبي جهل يومئذ في مثل الحَرَجة (^٦)
_________________
(١) في (ر): "الحصى".
(٢) في (ف): "ألبسوها آخر وهو أبو".
(٣) في (ف): "فقال" بدل: "حمزة وهو يقول له".
(٤) في "المغازي": (ثم ألبسوها حرملة بن عمرو).
(٥) في "المغازي": (أن يلبسوها خالد بن الأعلم).
(٦) الحرجة: الغيضة التي تضايقت لالتفافها. انظر: "الفائق" (١/ ٢٧٣).
[ ٧ / ١٤٥ ]
وهم يقولون: يا أبا الحكم لا يُخلَص إليك، فعرفتُ أنه هو، فقلتُ: واللَّه لأموتن دونه اليوم أو لأخلصنَّ إليه، فقصدتُه حتى إذا أَمْكنَتْني منه غرةٌ حملتُ عليه فضربتُه ضربةً طرحت رجلَه من الساق، فشبَّهتها بالنواة تنزو من تحت المراضخ (^١)، ثم أقبل ابنه عكرمةُ عليَّ فضربني على عاتقي فطرح يدي من العاتق إلا أنه بقيت جلدتُها، فأنا أسحب يدي بجلدة من خلفي، فلما آذَتْني وضعتُ عليها رجلي فتمطَّيت عليها حتى قطعتُها.
ورُوي أن النبي -ﷺ- نفَّل معاذَ بن عمرو سيفَ أبي جهل وهو عند آله اليومَ، بعد أن أرسل النبيُّ -ﷺ- إلى عكرمة فسأله: "مَن قتل أباك؟ " قال: الذي قطعتُ يده.
ولما وضعتِ الحرب أوزارَها أمر النبيُّ -ﷺ- أن يُلتمس أبو جهلٍ لعنه اللَّه، قال ابن مسعود: فوجدتُه في آخرِ رَمَقٍ، فوضعت رجلي على عنقه فقلتُ: الحمد للَّه الذي أخزاك، فقال: إنما أَخزى اللَّه عبدَ بنَ أمِّ عبدٍ، لقد ارتقيتَ مُرتَقًا صعبًا يا رويعيَّ الغنم، لمن الدَّبرة (^٢)؟ قلت: للَّه ولرسوله، فاقتلعت بيضته عن قفاه فقلتُ: إني قاتلك يا أبا جهل، قال: لستَ بأول عبد قتل سيده، أمَا إن أشدَّ شيء لقيتُه اليومَ في نفسي لقتلُك إياي، فضربه عبد اللَّه ضربة فوقع رأسه بين يديه، ثم سلبه، فنظر إلى خصره كأنها السياط، وأقبل بسلاحه ودرعه وبيضته فوضعها بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- فقال: أبشر يا نبيَّ اللَّه بقتل عدوِّ اللَّه أبي جهل، فقال النبيُّ -ﷺ-: "أحقًا يا عبد اللَّه فوالذي نفسي بيده لهو أحبُّ إليَّ من حُمر النَّعم"، وذكرتُ ما به من الآثار فقال: "ذلك ضربُ الملائكة"، وقال: "إنه أصابه جحشٌ (^٣) من دفعةٍ دفعتُه في مأدبةِ ابن جدعان
_________________
(١) المراضخ: جمع المرضخة، والمرضخة حجر يرضخ به النوى؛ أي يكسر. انظر: "النهاية" (مادة: رضخ).
(٢) قوله: "لمن الدبرة"؛ أَيْ: الظَّفَرُ والنَّصْرُ والدَّوْلَة، ويقال: عَلَى مَن الدَّبَرَةُ؟ أَي: الهَزِيْمَةُ. والباء من (الدَّبرة) يجوز فيها الفتح والتسكين. انظر: "مجمع الغرائب" (مادة: دبر)، و"النهاية" (مادة: دبر).
(٣) في (ف): "خمش أي خدش".
[ ٧ / ١٤٦ ]
فجُحِشت (^١) ركبتُه"، فالتمَسوه فوجدوا ذلك الأثرَ، فقال النبيُّ -ﷺ-: "اللهمَّ قد أنجزْتَ ما وعدْتَني فتمِّم عليَّ نعمتَك"، وقال: "اللهم اكفِني نوفلَ بن خُويلد".
وأقبل نوفلٌ يومئذٍ وهو مرعوبٌ قد رأى أصحابه قتلى، وكان (^٢) أولَ ما التقوا يصيح بصوت له زجل: يا معشر قريش، اليومَ يومُ العلا والرِّفعة، فلما رأى قريشًا قد انكشفت جعل يصيح بالأنصار: ما حاجتُكم إلى دمائنا؟ ألَا (^٣) ترون مَن تقتلون؟ أمَا لكم في اللِّين من حاجة؟ فأسره جبَّار بن صخرٍ، وكان (^٤) يسوقه أمامه، وأقبل عليٌّ ﵁ فقتله، فأُخبر النبيُّ -ﷺ- بذلك، فكبَّر وقال: "الحمدُ للَّه الذي أجاب دعوتي فيه".
وأقبل العاص بن سعيد يحثُّ للقتال، فالتقى هو وعليٌّ فقتله عليٌّ.
وقال عكاشةُ بن مِحْصَنٍ: انقطع سيفي فأعطاني النبيُّ -ﷺ- عودًا، فإذا هو سيف أبيضُ، فقاتلتُ به حتى هزَم اللَّه تعالى المشركين، فلم يزل عنده حتى مات.
وبينما حارثةُ بن سُراقةَ ﵁ كارعًا في الحوض إذ أتاه سهمٌ غَرْبٌ (^٥) فوقع في نحره، فلقد شرب آخر النهار من دمه، فبلغ أمَّه وأخته وهما بالمدينة مقتلُه، فقالت أمه: واللَّه لا أبكي عليه حتى يَقدَم رسول اللَّه -ﷺ- فأسألَه، فإن كان (^٦) ابني في
_________________
(١) في (ف): "فخمشت".
(٢) في (ف): "قد رأى قتل أصحابه وهو".
(٣) في (ف): "أما".
(٤) في (ف): "وجعل".
(٥) "سهم غرب": هو الذي لا يعرف راميه، قال ابن الأثير: يقال: (سَهْم غَرب) بفتحِ الرَّاءِ وسكونها، وبالإضافةِ وغيرِ الإضافةِ. وقيل: هو بالسُّكونِ إذا أَتَاهُ من حيث لا يدري، وبالفتح إذا رماه فأصابَ غيرَه. انظر: "النهاية" (مادة: غرب).
(٦) في (ف): "يكن".
[ ٧ / ١٤٧ ]
الجنة لم أبكِ عليه، وإن كان في النار بكيتُ عليه (^١)، فلما قدم رسول اللَّه -ﷺ- جاءت وسألت فقالت: يا رسول اللَّه، قد عرفتَ موقع (^٢) حارثة من قلبي (^٣)، فأردتُ أن أبكيَ عليه ثم قلتُ: لا أفعل حتى أسأل رسول اللَّه -ﷺ-، فإن كان في الجنة لم أَبْكِ عليه، وإن كان في النار بكيتُه، فقال -ﷺ-: "أوَجنَّةٌ واحدة، إنها جنانٌ كثيرة، والذي نفسي بيده إنه لفي الفردوس الأعلى" (^٤)، فقالت: لا أبكي عليه أبدًا، ودعا رسول اللَّه -ﷺ- بإناءٍ من (^٥) ماء، فغمس يده فيه ومصمض فاه، ثم ناول أمَّ حارثة (^٦) وأختَه فشربتا منه (^٧)، ثم أمرهما أن ينضحا في جيوبهما ففعلتا، فرجعتا وما بالمدينة امرأتان أقرَّ عينًا ولا أسرَّ منهما.
ولما جُمعت الغنائم اختلفوا فيها على ما مرَّ في أول السورة، ونزل ما قلنا، وأخذ عليٌّ ﵁ درعَ الوليد ومغْفرَه، وأخذ حمزة ﵁ سلاح عتبةَ، وأخذ عبيدةُ بن الحارث ﵁ درعَ شيبة بنِ ربيعة حتى دُفعت إلى ورثته.
وكانت في الغنائم إبلٌ وأنطاعٌ وثياب فقسَّمها بينهم، فجعل يصيب (^٨) الرجل البعيرَ ورحلَه معه، وآخرَ بعيران، وآخر أنطاعٌ، وكانت السُّهمان ثلاثَ مئة وسبعةَ
_________________
(١) في (ف): "بكيته".
(٢) في (ف): "موضع".
(٣) في (ف): "مني".
(٤) رواه بنحوه البخاري (٢٨٠٩) من حديث أنس ﵁.
(٥) في (ف): "فيه".
(٦) في (ر): "أمه".
(٧) بعدها في (أ) و(ف): "ثم ناول ابنتها فشربت"، وفيها تكرار، وعبارة "المغازي": (ثُم ناولَ أمَّ حارثةَ فشرِبَت، ثم ناولَت ابنتَها فشرِبَتْ).
(٨) في النسخ "نصيب"، والمثبت من "المغازي".
[ ٧ / ١٤٨ ]
عشر سهمًا، والرجالُ ثلاثَ مئة وثلاثةَ عشر رجلًا، والخيلُ فرَسان، للراجل سهم وللفارس سهمان.
وكانت إبل الغنيمة (^١) مئةً وخمسين بعيرًا، وأدَمٌ كثيرٌ حملوه للتجارة فغنِموها، وكان فيما أصابوا قطيفةً حمراءَ، ففقدوها فقالوا: لعل رسول اللَّه -ﷺ- أخذها، فنزل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الآية.
وكان غَنِم رسول اللَّه -ﷺ- جملَ أبي جهل، فلم يزَلْ عنده يَضرب في إبله ويغزو عليه حتى ساقه في هدي الحديبية، فسأله يومئذ المشركون الجملَ بمئة بعير، فقال: "لولا أنا (^٢) سمَّيناه في الهدي لفعلْنا".
وأخذ أيضًا ذا الفَقَار صَفيًّا لنفسه، وكان لمُنبِّه بن الحجَّاج.
ولما أُسر سهيل بن عمرو قال عمر: يا رسول اللَّه، انزِعْ ثنيتيه (^٣) فلا يقومَ عليك خطيبًا أبدًا، فقال: "لا أمثِّله (^٤)، ولعله يقوم مقامًا لا تكرهه" فقام سهيلُ حين جاءه وفاةُ رسول اللَّه -ﷺ- (^٥) بخطبةِ أبي بكر ﵁ بمكة كأنه كان سمعها، فقال عمر حين بلغه كلام سهيل: أشهد أنك رسول اللَّه، يريد حيث قال: "لعله يقوم مقامًا لا تكرهه".
وأمر بالقُلُب أن تغوَّر (^٦)، ثم أمر بالقتلى فطرحوا فيها كلُّهم إلا أميةَ بنَ خلف فإنه كان سمينًا انتفخ من يومه وتزايلَ لحمه حين جرُّوه، فقال: "اتركوه"، ونظر إلى
_________________
(١) في (ف): "القسمة".
(٢) "أنا": ليس من (ف).
(٣) في (ر): "أنتزع ثنيتاه".
(٤) في "المغازي": "لا أمثل به".
(٥) بعدها في (ر): "يخطبهم"، والمثبت من (أ) و(ف) و"المغازي".
(٦) في (أ): "يعود"، والمثبت من (ر) و(ف) و"المغازي".
[ ٧ / ١٤٩ ]
عتبةَ يُجرُّ، وكان جسيمًا (^١) جميلًا في وجهه أثر الجدري، ورأى وجه ابنه أبي حذيفة تغيَر، فقال: "يا أبا حذيفةَ، كأنك ساءكَ ما أصاب أباك" فقال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ولكني رأيتُ لأبي عقلًا وشرفًا كنتُ أرجو أن يهديَه اللَّه تعالى للإسلام.
وقال -ﷺ-: "الحمد الذي جعل حدَّ (^٢) أبي جهلٍ الأسفلَ، فصرعه وشفانا منه".
ولما توافَوا في القليب وقف عليهم وناداهم: "يا عتبةَ بنَ ربيعةَ ويا شيبةَ بنَ ربيعةَ ويا أميةَ بنَ خلفٍ ويا أبا جهل بنَ هشام، هل وجدتُم ما وعدكم (^٣) ربُّكم حقًّا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا، بئس القومُ كنتُم لنبيِّكم، كذَّبتموني وصدَّقني الناس، وأخرجتُموني وآواني الناس، وقاتلتُموني ونصرني الناس" قالوا: يا رسول اللَّه تنادي قومًا قد ماتوا؟! فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "قد وجدوا ما وعدهم ربهم حقًّا" (^٤).
ولما صلَّى العصر بعد انهزام المشركين وصلَّى ركعة تبسَّم، فلما سلَّم سئل عنه فقال: "مر بي ميكائيلُ وعلى جناحه النَّقْع وتبسَّم إليَّ وقال: إني كنت في طلب القوم".
وأتاه جبريل على فرسٍ أنثى قد عصَم ثنيَّتَه الغبارُ وقال: إن ربِّي بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، هل رضيتَ؟ فقال ﵊: "نعم".
وأمر النبي -ﷺ- عاصم بن ثابت أن يضربَ عنقَ عقبة بن أبي مُعيط، فجعل
_________________
(١) في (ر): "سمينًا"، والمثبت من (أ) و(ف) و"المغازي".
(٢) في "المغازي": (خد).
(٣) في (أ): "وعد".
(٤) روى بعضه البخاري (٣٩٧٦) مسلم (٢٨٧٥) من حديث أنس عن أبي طلحة ﵄. والبخاري (٣٩٨٠)، ومسلم (٩٣٢) من حديث ابن عمر ﵄. ومسلم (٢٨٧٥) من حديث أنس عن عمر ﵄، و(٢٨٧٤) من حديث أنس ﵁.
[ ٧ / ١٥٠ ]
يصيح على ماذا (^١) أقتل؟ فقال ﵊: "لعداوتك للَّه ولرسوله" فقال: مَن للصِّبْية؟! قال: "النار، قدِّمْه يا عاصمُ فاضْرِبْ عنقَه" فقدَّمه فضرب عنقه، فقال -ﷺ-: "بئس الرجلُ كنتَ، واللَّه ما علمتُ كافرًا باللَّه ورسوله وكتابه مؤذِيًا لنبيِّه أسوأَ منك، فأحمدُ اللَّه الذي قتَلك وأقرَّ عيني منك".
وقدِم رسول اللَّه -ﷺ- المدينةَ، فقدِم بالأسرى وأمُّ سلمة قيل لها: أُتي بالأسرى، فقالت: يا رسول اللَّه، إن بني عمِّي طلبوا منِّي (^٢) أن يُدْخَلَ بهم عليَّ فأُضيِّفَهم وأدهنَ رؤوسَهم وأَلُمَّ من شعَثهم، ولم أحبَّ أن أفعلَ ذلك حتى استأمرَك، فقال -ﷺ-: "لستُ أكرهُ شيئًا من ذلك، فافعلي من ذلك ما بدا لك".
وبلغ النجاشيَّ مقتلُ قريشٍ ببدرٍ وما أظفر اللَّهُ به نبيَّه، فخرج في ثوبين أبيضين (^٣)، ثم جلس على الأرض، ثم دعا جعفر بن أبي طالب وأصحابه فقال: أيُّكم يعرف بدرًا؟ فأخبروه، فقال النجاشي: أنا بها عارفٌ، قد رعيتُ الغنمَ في جوانبها، ولكن أردتُ أن أتثبَّت منكم، قد نصر اللَّه تعالى رسوله ببدرٍ فاحمَدوا اللَّه على ذلك، فقالت بطارقتُه: أصلح اللَّه الملكَ! إن هذا شيءٌ لم تكن تصنعُه، تلبس ثوبين وتجلس على الأرض؛ فقال: إني من قوم إذا أحدثَ اللَّه لهم نعمةٌ ازدادوا لها (^٤) تواضُعًا، و[يقال: إنه] قال: إن عيسى ﵇ كان إذا حدَثت له نعمةٌ ازداد لها تواضعًا.
ومشت نساءُ قريش إلى هندٍ بنت عُتبة فقلنَ: ألا تبكِينَ على أبيك وأخيك وعمك وأهل بيتك؟ فقالت: أأبكي فيَشمت بنا محمدٌ وأصحابه ونساءُ بني الخزرج،
_________________
(١) في (ف): "ما".
(٢) "مني": ليس من (أ) و(ف).
(٣) في (ف): "أصفرين". وفي هامشها ما يوافق المثبت، وهو موافق لما في "المغازي".
(٤) في (أ) و(ف): "بها".
[ ٧ / ١٥١ ]
لا واللَّه حتى أثأر (^١) محمدًا وأصحابه، فلم تمسَّ دهنًا ولم تقرَب فراش أبي سفيان حتى كانت وقعة أحد (^٢).
* * *
(٧) - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾: أصل (إحدى): وِحْدَى، قُلب واوُه همزةً لوقوعها طرفًا، والأصل في أحدٍ: وَحَدٌ على هذا، والطائفتان: الجماعتان، وهما عيرُ قريش تَغنمونها أو الجيشُ تقتلونهم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾: أي: تحبُّون بالطباع الطائفةَ غيرَ ذاتِ الشوكة، وهي السلاحُ، ورجلٌ شاكِي السلاح؛ أي: تامُّه، وأصله (^٣) الحدَّةُ، مأخوذة من الشوكة المعروفة، وهي التي تَنبُت في المفازة، وأراد بهذه الطائفة العيرَ، وإنما كان كذلك لخروجهم من غير عِدَّةٍ فخافوا الطائفةَ ذاتَ الشوكة.
وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: يُظهِر الدِّينَ الحقَّ بمواعيده في نصرته ونصرةِ أهله.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: يستأصلَهم، ودابرُ القوم: آخرُهم والآتي بعدهم، وقد دَبَرهم يَدْبُرهم -من حدِّ دخَل-؛ أي: أتى بعدهم، وإذا قطعَ آخرَهم لم يبقَ منهم أحدٌ.
وقيل: هو قطعُ المدد عنهم.
_________________
(١) في (ف): "اتبع آثار"، والمثبت من (أ) و(ف) و"المغازي".
(٢) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٥٣ - ١٢٤)، وما سلف بين معكوفتين منه. وكل ما ذكر في هذه القصة مختصر من المصدر المذكور.
(٣) في (أ) و(ر): "وأصل".
[ ٧ / ١٥٢ ]
(٨) - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾: أي: يأمرُهم (^١) بالقتال ليُحقَّ الحقَّ؛ أي: هذا مضمَر.
﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾: عطف عليه، ومعناه: ليُظهر حقِّيَّة (^٢) الحقِّ وبطلانَ الباطل.
وقيل: أي: ليُثبت الحقَّ ويزيلَ الباطل.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: قال الكلبي: أي: كفار مكة.
وقال الحسن: نزلت هذه الآية قبل قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ الآية وهي في القراءة بعدها (^٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: أبى اللَّه تعالى أن يصلَ أحدٌ إلى جلائلِ النِّعم إلا بتجرُّع كاسات الشدائد، والانسلاخِ عن مألوفِ الحظوظ والفوائد، وإذا أراد اللَّه تخصيص عبدٍ بولايته قضى لطوارق نفسه بالأفول، وحكم لغصن شهواته بالذُّبول، وأبى لطوالع الحقائق إلا إشراقَها، ولجوامع (^٤) الموانع إلا امتحاقها (^٥).
* * *
(٩) - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: أي: واذكروا إذ كنتم تَستصرِخون ربَّكم وتسألونه تفريجَ ما بكم من الخوف عند التيقُّن بوقوع القتال ولا عُدَّةَ لكم، وتدعونه أن ينصركم عليهم.
_________________
(١) في (ف): "يأمر".
(٢) في (أ): "حقيقته".
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٢٩٧).
(٤) في (أ): "وجوامع"، وفي (ر): "وبجوامع".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٠٥).
[ ٧ / ١٥٣ ]
ثم معنى الاستغاثة -مع سبقِ الوعد بإحدى الطائفتين، وكذا الكراهة الطبيعيَّة الشديدة حتى شبِّهت بالسَّوق إلى الموت- ما ذكره الإمام أبو منصورٍ ﵀: أن الآية تحتمل وجوهًا:
أحدها: أن اللَّه وعد نبيَّه ﵊، وهو لم يبيِّن لهم بعدُ.
والثاني: أنه يبيِّن لهم لكن لم يعرفوا وقته، فلم يأمَنوهم للحال (^١).
والثالث: أنهم علموا ذلك بالوعد، لكن هذا كراهةُ طبعٍ لا تخلو النفسُ عنه مع تيقُّن القلب بالوعد.
والرابع: أن يكون النصر موعودًا لهم بالتضرع والاستغاثة، فكان خوفهم من التقصير في ذلك الشرط.
والخامس: أنه محنةٌ امتحنهم اللَّه تعالى بها ليثابوا عليها؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٥] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾: قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر بفتح الدال، وقرأ (^٣) الباقون بكسرها (^٤).
وقد ردِفه؛ أي: جاء بعده، وأَردفه (^٥) غيرُه، وقد يجيءُ أردف بمعنى رَدِف لازمًا، قال الشاعر:
إذا الجوزاءُ أَرْدَفتِ الثُّريَّا ظننتُ بآلِ فاطمةَ الظُّنونا (^٦)
_________________
(١) في (ر): "في الحال".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٥٩).
(٣) في (أ) و(ف): "وقرأها".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٣٠٤)، و"التيسير" (ص: ١١٦)، والقراءة بفتح الدال فيهما عن نافع فقط.
(٥) في (ف): "وردفه".
(٦) البيت لخزيمة بن نهد كما في "الأغاني" (١٣/ ٨٥)، و"جمهرة الأمثال" للعسكري (١/ ١٢٣)، =
[ ٧ / ١٥٤ ]
ثم تفسيره هاهنا: قال ابن عباس ﵄: ﴿مُرْدِفِينَ﴾؛ أي: مردِفٌ كلُّ ملَكٍ ملكًا (^١)، فعلى هذا هم ألفان.
وقال قتادة والسُّدِّي: متتابِعين (^٢).
وقال مجاهد: أي: مُمِدِّين للمؤمنين (^٣).
وقيل: لاحِقِين المشركين في انهزامهم، وقد مر وجه الجمع بين ذكر الأَلْف في هذه الآيةِ، وثلاثةِ آلافٍ في قوله تعالى: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، وخمسةِ آلاف في قوله: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، في آل عمران في هذه الآية.
* * *
(١٠) - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾: ولم يجعل اللَّه إمدادَكم بالملائكة إلا بشارةً لكم وطمأنينةً لقلوبكم.
ثم قوله: ﴿بُشْرَى﴾ اسمٌ، وقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ فعلٌ، والتقدير: إلا بشرى لكم وطمأنينةً لقلوبكم، أو: إلا ليبشِّركم ولتطمئنَّ به قلوبكم، فيُجعلان فعلين أو مصدرين ليتَّفِقا.
_________________
(١) = و"مجمع الأمثال" للميداني (١/ ٧٥)، وجاء في "الصحاح" (مادة: ردف): خزيمة بن مالك بن نهد، وفي "الأمثال" لأبي عبيد (ص: ٣٤٥): حزيمة بن نهد، بالحاء، وأشار إليه الميداني حيث قال: ويروى: حزيمة، كذا قال أبو الندى في "أمثاله". وفاطمة هي بنت يَذْكُرَ بن عَنَزةَ، وكان الشاعر يهواها.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٥)، ورواه عن ابن عباس أيضًا.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٥).
[ ٧ / ١٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: ليس ذلك بالملائكة بأنفسهم.
وقولُ مَن قال: إن الملائكة لم يقاتلوا يومئذ وإنما نزلوا تسكينًا للقلوب، ليس يستقيم، فقد قال نصًّا (^١): ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] وكذا ما ذَكر الصحابة في رؤيتهم ضاربينَ لم يعرفوهم، وقولُ المشركين: ما قهرتمونا وإنما قهرَنا قومٌ لا نراهم الآن.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: أي: منيعٌ لا يغالَب ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله وأقواله (^٢)، ينصر أولياءه ويَقهر أعداءه.
وقال القشيري ﵀: بشَّرهم بالإمداد بالملَك، ثم (^٣) رقَّاهم عن هذه الحالة بإشهادهم العونَ (^٤) من الملك، فلم يقرِّرهم إلى المساكنة إلى الإمداد، وقرَّر عندهم أن النصر من عنده والإنجاد، ثم قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ أي: النجاةُ من البلاء حاصلة، وفنون اللطائف متواصلة، والدعواتُ مسموعة والإجابةُ [غير] ممنوعة، ولكن اللَّه تعالى عزيزٌ، والطالب واجدٌ لكن لعطائه، والراغب واصلٌ لكن إلى مَبَارِّه، والسبيل سهلٌ لكن إلى وجدان لطفه، فأما الحقُّ فهو عزيز وراء كلِّ فصل ووصل وقرب وبعد، وما وصل أحدٌ إلا إلى نصيبه، ولا بقي أحدٌ إلا عن حظِّه، وأنشدوا:
وقلنَ لنا نحن الأهلةُ إنما نُضيء لمن يسري بليلٍ ولا نَقْرِي
فلا بذلَ إلا ما تزوَّد ناظرٌ ولا وصلَ إلا بالخيالِ الذي يسري (^٥)
_________________
(١) في (ف): "تعالى".
(٢) في (ر): "وأحواله".
(٣) في (ف): "حتى".
(٤) في (ف): "بإشهادهم بالغوث"، وفي "اللطائف": (بإشهادهم أن الإنجاز).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٠٥ - ٦٠٦)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٧ / ١٥٦ ]
(١١) - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾ قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بضم الياء وتشديد الشين ونصبِ سينِ ﴿النُّعَاسَ﴾ من التغشية وهي تعديةُ الغِشْيان.
وقرأ نافع بضم الياء وتخفيف الشين من الإغشاء، وهو للتعدية أيضًا، ولذلك نصَب هو ﴿النُّعَاسَ﴾ أيضًا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿يغشاكم﴾ بفتح الياء والتخفيف وضمِّ سِين ﴿النعاسُ﴾ (^١) من الغِشْيان وهو لازمٌ (^٢)، و﴿النعاسُ﴾ فاعل.
والنعاس: ابتداءُ حال النوم قبل الاستثقال، يقول: فاطمأنَنْتُم إذا أتاكم النومُ وغطَّى عيونكم، فأَمِنْتُم تلك الليلةَ مع علمكم بقتال العدو.
وقوله تعالى: ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾: أي: أمانًا (^٣) من اللَّه تعالى مما (^٤) خفتُم.
وقال ابن مسعود ﵁: النعاسُ في القتال أمنةٌ من اللَّه، وهو في الصلاة من الشيطان (^٥).
_________________
(١) انظر هذه القراءات في "السبعة" (ص: ٢٨٢)، و"التيسير" (ص: ١١٦)، و"جامع البيان في القراءات السبع" للداني (٣/ ١١٣٥)، و"النشر" (٢/ ٢٧٦)، وسقطت قراءة نافع من مطبوع "التيسير".
(٢) بل متعد، ومفعوله مذكور معه، وهو الكاف في (يغشاكم)، لكن الفرق عن القراءتين الأخريين أنه فيهما متعد لاثنين، وهنا في (يغشاكم) تعدى الفعل لواحد.
(٣) في (ر): "أمنا".
(٤) في (ف): "فما".
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٠٠٠)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٥٩).
[ ٧ / ١٥٧ ]
وقال الكلبي: ونزل النبيُّ -ﷺ- والمسلمون على غيرِ ماءٍ بجانب الوادي الأدنى، ونزل المشركون بجانبه الأقصى على الماء، والوادي بينهما ذو رملٍ تغيب فيه الأقدام، ثم باتوا ليلتهم تلك وناموا، ثم استيقظوا وقد أجنبوا وليس معهم ماء، فأتاهم الشيطان عند ذلك فوسوس إليهم وقال: تزعمون أنكم على دِين اللَّه وإنكم تصلُّون محدِثين مجنِبين والمشركون على الماء، فأمطر اللَّه تعالى السماء على الوادي حتى سال الماء فيه واشتد الرمل، فاغتسل المسلمون وتوضؤوا وشربوا وسَقوا دوابَّهم، وبنوا على عُدوته حياضًا، فنزل: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: من الحدث والجنابة ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: وسوستَه، وحقيقة اللفظ: إيذاءه وتعذيبَه، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، إلى قوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ إلى قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، هو الإيذاء والتعذيب.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: أي: يشدِّدَها ويقوِّيَها بالسكون، وحسنِ الظنِّ، وزوالِ الاضطراب والارتياب.
وقوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾: أي: في مواقف الالتقاء للقتال.
وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وجماعة من المفسرين؛ أي: لبد الأرض بالماء فصارت الأقدام تثبت فيها (^٢).
* * *
_________________
(١) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٥ و٦٧) عن ابن عباس والضحاك، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٦٥ - ١٦٦٦) عن قتادة.
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٥ - ٦٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٦٥ - ١٦٦٦) عن قتادة.
[ ٧ / ١٥٨ ]
(١٢) - ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾: أي: كان غشيانُ النعاس وما بعده حين يُوحي اللَّه تعالى إلى الملائكة أني حافظُكم وناصرُكم ومُعِينكم.
وقوله تعالى: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: احملوهم على الثبات بحسنِ الكلام، وكانوا يفعلون كذلك على ما كَتبنا في القصة: سمعتهم يقولون: لو حملوا علينا لانصرفنا.
وقال مقاتل: كان الملَك يمشي أمام الصف (^١) في صورة الرجل ويقول: أبشروا فإنكم كثيرٌ وعدوُّكم قليل، واللَّهُ ناصرُكم، ويَرى الناسُ أنه منهم.
وقوله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: أي: ثبِّتوا أنتم بالكلام قلوبَ المؤمنين، وأنا أخوِّف قلوبَ المشركين.
والرعب: الخوف الذي يقطع القلب، من ترعيب السَّنام: وهو تقطيعُه، والذي يملأ القلب أيضًا، من قولهم: رَعَب السيلُ الواديَ: إذا ملأه.
وقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾: جمع بَنَانةٍ، قال السدِّي والضَّحاك وابن جُريجٍ: هي أطراف اليدين والرجلين (^٢)، ومعناه: أنه أمَر الملائكة بأن يقتلوهم أو (^٣) يخرجوهم على وجهٍ لا يمتنعون على مَن قَصَد أسرهم.
وقال الزجاج: أباح اللَّه تعالى قتلَهم بكلِّ نوعٍ يكون في الحرب (^٤).
_________________
(١) في (ف): "بين الصفين" بدل من "أمام الصف". وفي هامش (ف) ما يوافق المتن.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٧٢ - ٧٣) عن ابن عباس والضحاك وعكرمة وابن جريج.
(٣) في (أ) و(ف): "أو".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٠٥).
[ ٧ / ١٥٩ ]
وقال المبرِّد: فوق العنق (^١) هو العنق وهو كقولك رأيت نفس زيد هو زيد.
وقال قطربٌ: هو ما فوق العنق، وهو الرأس.
وقال ابن عباس ﵄: أي: اضربوا الأعناقَ فما فوقَها (^٢)، كما (^٣) قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: اثنتين فما فوقهما.
وقال يمان بن رئابٍ: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾؛ أي (^٤): الصناديدَ، كما قال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾؛ أي: السِّفْلة (^٥).
* * *
(١٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: ذلك الذي تقدَّم ذكرُه من الضرب فوق الأعناق وضربِ كلّ بنانٍ بأنهم (^٦) خالَفوا وعادَوا اللَّهَ ورسوله.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أي: هذا حُكمي على العموم في حقِّ مَن خالفني وعاداني، وأنا شديد العقاب.
* * *
_________________
(١) في (ف): "الأعناق".
(٢) انظر: "تفسير السمعاني" (١/ ٤٠٢).
(٣) "كما": ليست في (ف).
(٤) في (أ) و(ف): "يعني".
(٥) في (أ): "السفل".
(٦) في (أ): "أن"، وفي (ف): "بأن".
[ ٧ / ١٦٠ ]
(١٤) - ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾: أي: قاسُوا ذلك، مفعولٌ مقدَّمٌ في الذكر.
وقيل: أي: ذلكم حكمُ اللَّه، أو: ذلكم عذابُ اللَّه فذوقوه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾: أي: هذا الذي أعددْتُ لكم في الدنيا من القتل والجرح والأسر على أيدي أوليائي، ثم لكم في الآخرة مع سائر الكفار عذابُ النار الذي لا ينقطع.
ثم عطَفَ بالواو الخبرَ على الأمر -ولا يتفقان- لأن هذا الأمرَ في معنى الخبر؛ أي: تذوقونه.
وقال الإمام القشيري ﵀: ذلكم العذابُ فذوقوه معجَّلًا، واعلموا أن للكافرين عذابَ النار مؤجَّلًا، فللعصيان عقوبتان: معجَّلٌ بنَقد، ومؤجَّلٌ بوَعد (^١).
* * *
(١٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾.
وقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾: أي: إذا وقع الالتقاءُ مع الكفار في حين المزاحَفة، وهي إذا سوِّيت (^٢) الصفوفُ، وزحف بعضهم إلى بعض؛ أي: سار سيرًا ثقيلًا يدنو به قليلًا قليلًا على زحمةٍ من الجانبين.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾: أي: فلا تجعلوا أدباركم تلي أعداءكم (^٣) وذاك يكون بتحويل الوجوه عنهم، وهو كنايةٌ عن الانهزام.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٠٨). ووقع في (أ): "معجل ينفذ ومؤخر بوعد" وفي "اللطائف": "محصل بنقد ومؤخر بوعد".
(٢) في (ف): "استوت".
(٣) في (ر): "أدباركم إلى أعدائكم".
[ ٧ / ١٦١ ]
وقوله: ﴿زَحْفًا﴾ مصدرٌ بمعنى النعت، وهو للجمع، ونصبه على الحال، وتقديره: متزاحفِينَ.
* * *
(١٦) - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: أي: ومَن ارتكَبَ هذا النهيَ حينئذٍ، واليوم: اسم لبياض النهار إذا أُطلق، فإذا قُرن به فعلٌ لا يمتدُّ يراد به مُطلَق الوقت، فصار قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بمنزلة قوله: حينئذٍ.
والتولية تتعدَّى إلى مفعولين.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾: أي: مائلًا، يقال: تحرَّف وانحرف؛ أي: مال إلى جانبٍ، والحرف: الجانب؛ أي: ينتقلُ من مكانٍ إلى مكانٍ آخر (^١) للقتال أيضًا.
وقال السدِّي: هو الاستطراد يريد العودةَ (^٢)؛ أي: يطردُ فرسَه يطلبُ موضعَ إصابة للعدو.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: أي: منضمًّا إلى جماعة، يعني: إذا كثُر العدوُّ ولم يكن له بهم طاقةٌ، فانصرف إلى إمامه أو إلى جماعةٍ منهم يمتنعُ بهم ثم يقاتل هو وهم العدوَّ، لم يكن من أهل الوعيد.
والتحيُّز: تَفَيْعُلٌ (^٣)، ولو كان تَفَعُّلًا لكان: تحوُّزًا بالواو؛ لأن أصله الواو، ويقال:
_________________
(١) "آخر": ليست في (ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٧٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٧٠).
(٣) في النسخ: "تفعيل"، والصواب المثبت. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (٣/ ١٠٧)، و"تهذيب اللغة" (٥/ ١١٥)، و"البحر المحيط" (١١/ ٤٨)، و"تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية.
[ ٧ / ١٦٢ ]
حاز الشيءَ؛ أي: ضمَّه وجمَعه، والحيِّز: مجتمَعُ القوم، فَيْعِلٌ من الحَوْز، ولذلك صارت ياؤه مشدَّدةً، كما في: الجيِّد والسيِّد.
والتحيُّز: الانضمام إليهم والدخولُ في جملتهم، وهو تفعيل من الحيز (^١).
والفئة: الجماعة المنقطعة عن غيرها، من الفَأْو: وهو قطع الرأس بالسيف.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: اي: استوجبه ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المسكنُ والملجأُ؛ أي: لا ملجأ له إلا النار وبئسَ الملجأُ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان هذا الوعيدُ مع كثرة الكفار وقلَّة المؤمنين في الابتداء، حيث كان يجب للعشرين أن يصبروا للمئتين، وللمئة أن يصبروا للألْف، ثم خفَّف اللَّه تعالى ذلك، فكان الجهادُ يومئذ لبذل الأنفس (^٢) للهلاك، فيجوز أن يكون ذلك مشروعًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، فجاز الأمر به امتحانًا، وليس في وسع الواحد القيامُ لعشرة إذا أحاطوا به، ثم خفِّف ذلك وصار لا يجوز للواحد أن يولِّي عن اثنين، فأما في هذه الآية فهو على العموم، وكان في الابتداء كان الأمر (^٣) بالقتال لبذل النفس للهلاك على ما قلنا.
ويحتمِل أن اللَّه تعالى أمر بذلك ليكون آيةً، ويعرفَ كلُّ واحدٍ (^٤) أنه إنما قام باللَّه تعالى لا بقوَّة نفسه (^٥).
* * *
_________________
(١) قوله: "وهو تفعيل من الحيز": كذا في النسخ، وفيه تحريف وتكرار. انظر التعليق السابق.
(٢) في (ر): "النفس".
(٣) في (ر): "أمرًا".
(٤) في (ف): "أحد".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٦٥).
[ ٧ / ١٦٣ ]
(١٧) - ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾: ووجه الفاء والوصلِ بها: فلا تولُّوهم الأدبار شكرًا لِمَا أنعم اللَّه عليكم من إظفاركم عليهم، فإنكم لم تقتلوهم ولكن اللَّه قتلهم.
قال مجاهد: كان يقول كلُّ إنسان: أنا قَتلتُ فلانًا، أنا قتلتُ فلانًا (^١)، فنزلت الآية صيانةً لهم عن الإعجاب، وتنبيهًا لهم أن اللَّه هو الذي هيَّأ (^٢) لهم هذه الأسبابَ، وكذا قولُه في خطاب نبيِّه -ﷺ-:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾: قال عكرمة: رمى رسول اللَّه -ﷺ- كفًّا من ترابٍ إليهم، فما وقع منها شيءٌ إلا في عين رجل (^٣).
وقال محمد بن كعب القُرَظيُّ: انهزموا بتلك الرمية.
وقال قتادة: أخذ ثلاثةَ أحجار، فرمى بها وجوهَ الكفار فانهزموا (^٤) عند الثالثة.
وقال عبد الرحمن بن زيد: أخذ ثلاثَ حصيات، فرمى بحصاةٍ في مَيمَنة القوم، وحصاةٍ في ميسَرتهم، وحصاةٍ بين أظهُرهم، ثم قال: "شاهتِ الوجوهُ" فانهزموا (^٥).
_________________
(١) "أنا قتلت فلانًا": من (ف). والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٨٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٧٢).
(٢) في (ف): "سبب".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٨٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٧٤).
(٤) في (أ) و(ف): "فهزموا".
(٥) روى هذه الأخبار الثلاثة الطبري في "تفسيره" (١١/ ٨٥ - ٨٦).
[ ٧ / ١٦٤ ]
ثم ليس في الآية نفيُ وجود الفعل من العبد كما توهَّمتِ (^١) الجبرية، بل أثبت اللَّه تعالى الرميَ فعلًا لنبيِّه -ﷺ- في الآية إذ قال: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، وأثبت القتلَ من المجاهدين في آيات، منها قوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، لكن معناه: إنكم ما أمتُّم وما أَفتُّم الحياة، وما أزهقتُم الأرواحَ، بل اللَّهُ تعالى فعَل ذلك، وإنما جَرَحتُم وقطعتُم وطعنتُم، وهي مباشرةُ أفعالٍ من العباد يسمَّون بها قاتلين؛ لزهوقِ الروح عقيبَها بإزهاق اللَّهِ تعالى.
وكذا قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾؛ أي: ما بَلَّغْتَ ذلك (^٢) إلى حيث بَلَغ، بل اللَّه تعالى بلَّغه ذلك.
وفائدته: قطعُ دعواها، والإعجابِ بها، والنظرِ إليها، والاعتمادِ عليها، والتفاخُرِ بها، وإثباتُ النظر إلى إنعامِ اللَّه تعالى بها.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾: لم تكن جراحاتكم بحيث يغلبُ (^٣) عقيبها خروجُ الروح، ولكن اللَّه تعالى جعلها قاتلةً مع أنها لم تكن مصيبةً للمَقتل.
ويحتمِل: فلَمْ تطمَعوا بخروجكم إليهم قدرتَكم على قتلهم، لكنَّ اللَّه تعالى بلَّغ ذلك، وكذا الرميُ، لا يطمع إنسان يرمي كفًّا من ترابٍ النكبةَ بكلِّ أعدائه.
ويحتمل: ما قتلتُم بانفرادكم بل بمعونتي، كما تقول: ما أنت فعلتَ ذلك ولكنْ فعَله فلان؛ أي: بمعونته فعلتَ أنت ذلك.
_________________
(١) في (ف): "توهمه".
(٢) في (ف): "وما رميت ذلك"، بدل: "أي: ما بلغت ذلك".
(٣) في (أ) و(ف): "يبلغ".
[ ٧ / ١٦٥ ]
ويحتمِل أنه جعَل قَتْلَهم قَتْلًا من نفسه، ورميَ النبيِّ -ﷺ- رميًا من عند (^١) نفسه؛ تشريفًا لأفعالهم بإضافتها إلى نفسه؛ لوقوعها له على الخلوص منهم في ابتغاء وجهه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾: أي: وفعل ذلك ليُنْعِمَ على المؤمنين إنعامًا حسنًا بذلك، هذا مضمر.
وقيل: الإضمار في آخره: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أمرهم بالقتال.
والبلاء يقع على النعمة وعلى (^٣) المحنة؛ لأن أصله الاختبارُ، وذلك يقع بالمحنة لإظهار الصبر، وبالنعمة لإظهار الشكر.
والاختبارُ من اللَّه تعالى: إظهارُ ما عَلِم كما عَلِم، لا تحصيلُ علمِ ما لا (^٤) يَعلم.
وقيل: البلاء الحسنُ: توفيق الشكر في النعمة، وتحقيقُ الصبر في المحنة.
وقال الإمام القشيري ﵀: يَحْسُن البلاء لأنه من اللَّه تعالى، ويَطيب لأنه في اللَّه.
قال: وحسنُ البلاء هو أن تَشهد المُبْليَ في عين البلاء.
قال: وقيل: البلاء الحسَن: ما لا دعوى فيه لصاحبه إن كان محبوبًا، ولا شكوى إن كان مكروهًا.
قال: ويقال: البلاءُ الحسن: ما لا ضجَر فيه إن كان عُسرًا، ولا بطَر فيه إن كان يُسرًا.
_________________
(١) "عند": ليس من (أ) و(ف).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٧٠ - ١٧١).
(٣) "على": من (أ).
(٤) في (أ) و(ف): "لم".
[ ٧ / ١٦٦ ]
قال: وقيل: بلاءُ كلِّ أحدٍ على حسَب حاله، فأصفاهم ولاءً أوفاهم بلاءً، قال -ﷺ-: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثلُ فالأمثل" (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: لدعواتكم ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: بحاجاتكم (^٢)، ينصرف إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾.
وقال الإمام القشيري ﵀: هذا ترويحٌ لقومٍ وتبريحٌ لقومٍ، ترويحٌ للضعيف اللهيف؛ أي: أسمعُ أنينَك وأعلمُ حنينَك (^٣)، وتبريحٌ للعارف العاكف؛ أي: أسمع قالتَك (^٤) وأعلم حالتَك، فاسكت واثبُت (^٥).
* * *
(١٨) - ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾: قيل: أي: اعلموا ذلكم، وقيل: أي: اشكروا ذلكم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوفٌ على ﴿ذَلِكُمْ﴾ بما ذكرنا من الفعلين.
و﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ قرأ ابن عامرٍ وحمزةُ والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر مخفَّفًا ومنوَّنًا (^٦) ونصبوا ﴿كيدَ﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦١١). والحديث رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ١٧٢)، والترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٤٠٢٣)، عن سعد بن أبي وقاص ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) في (أ): "ما حاجتكم".
(٣) في (أ): "خفيك".
(٤) في (ف): "مقالتك".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦١١)، والكلام فيه بنحوه.
(٦) "ومنونًا": ليس من (ف).
[ ٧ / ١٦٧ ]
وقرأ ابنُ كثير ونافع وأبو عمرٍو مشدَّدًا منوَّنًا.
وروى حفصٌ عن عاصم مخفَّفًا مضافًا (^١)، والمخفَّف من الإيهان، والمشدَّد من التَّوهين، وكلاهما تعديةُ الوَهْن وهو الضعفُ، والإضافة للحال، والتنوينُ للإخبار عن الاستقبال.
وإيهانُ كيدهم بأمور؛ منها: الإطْلاعُ على عوراتهم، ومنها: إبطالُ حيَلهم، ومنها: إلقاءُ الرعب في قلوبهم، ومنها: تفريقُ كلمتهم، ومنها: نقضُ ما أَبرموا من عزائمهم.
* * *
(١٩) - ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾: أي: إن تستنصِروا فقد جاءكم النصر.
وقيل: إن تستكشِفوا فقد جاءكم الكشف.
وقيل: إن تستقضُوا فقد جاءكم القضاءُ.
ونزولُه في أبي جهل لعنَه اللَّه، فإنه قال: اللهم اقضِ بيننا وبين محمد، وانصُرْ أحبَّ الدِّيْنَينِ إليك، وأهلِكْ أقطَعَنا للرَّحِم وآتانا بما لا نَعرف (^٢)، قال ذلك يوم بدر.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٠٤ - ٣٠٥)، و"التيسير" (ص: ١١٦).
(٢) رواه الواقدي في "المغازي" (١/ ٧٠)، وابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٢٨)، ومن طريقه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٦٧٤)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٦٣١)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٩٤)، ومن غير طريقه رواه الطبري أيضًا في الموضع نفسه، جميعهم عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن صعير حليف بني زهرة قال: (كان المستفتِح يوم بدر أبا جهل، قال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأَحِنه الغداة)، فأنزل اللَّه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. =
[ ٧ / ١٦٨ ]
وفي رواية: قال: اللهمَّ أَهِنْ أفجرَنا وأقطعَنا للرَّحِم (^١).
وقال السدِّي: لمَّا أرادوا الخروج إلى بدرٍ أخذوا بأستارِ الكعبة وقالوا (^٢): اللهمَّ انصرْ أعزَّ (^٣) الحزبين عليك، فنزلت الآية: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^٤)؛ أي: إن تستنصِروا أحبَّ الدِّينين فقد جاء نصر الإسلام، وإن تستكشفوا فقد تمَّ الكشف والإعلام، وإن تستَقْضُوا فقد ظهر الحكمُ بحقيَّة (^٥) محمد -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: عن الكفر، فهو خيرٌ لكم في الدارين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾: قيل: وإن تعودوا إلى الكفر والتكذيب نَعُدْ إلى الانتقام والتعذيب.
وقال ابن عباس ﵄: وإن تعودوا لقتالِ محمدٍ نَعُدْ عليكم بالقتل والأخذِ والأسرِ كما في يوم بدر (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا﴾: أي: لن تنفعَكم جماعتُكم وكثرتُكم شيئًا ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ في العدد.
_________________
(١) = وروى الطبري أيضًا عن يزيد بن رومان وغيره: (قال أبو جهل يوم بدر: اللهم انصر أحب الدينين إليك، دينَنا العتيق، أم دينهم الحديث) فأنزل اللَّه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٩٣) عن الزهري.
(٣) في (ف): "أخذ. . . وقال".
(٤) في (ر): "أحب".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٩٢).
(٦) في (ر): "بحقيقة".
(٧) رواه بنحوه أبو صالح عن ابن عباس كما في "زاد المسير" (٣/ ٣٣٦).
[ ٧ / ١٦٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: في النصر لهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد: استفتحوا بالعذاب فعذِّبوا يوم بدر، وكان استفتاحهم بمكة: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فجاءهم العذاب يوم بدر (^١).
* * *
(٢٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: دعا في الآية الأولى الكفارَ إلى الإيمان، ودعا في هذه الآية المؤمنين عامةً إلى ما يُبقيهم على الإيمان، وهو طاعةُ اللَّه وطاعةُ رسوله.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾: أصله: ولا تتولَّوا عنه، فحُذفت إحدى التاءين (^٢) تخفيفًا؛ أي: ولا تُعْرِضوا عنه، ولم يقل: عنهما؛ لأنَّه صرفه إلى الرسول خاصةً، لأن التولِّيَ عنه تولٍّ عن اللَّه (^٣)، وهو كقوله في هذه السورة: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾: أي: أمره ونهيه. وقيل: تلاوتَه كتابَ اللَّه عليكم.
وقيل: أي: تَقْبلون وتتأمَّلون ما يُورده عليكم؛ أي: هذه صفتكم فلا تعملوا بخلافِ ما تقتضيه حالتُكم.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٩٢).
(٢) في (أ) و(ف): "إحداهما".
(٣) في (ف): "لأن التولي عن اللَّه تعالى تول عن رسوله".
[ ٧ / ١٧٠ ]
(٢١) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: أي: كالذين قالوا سمعنا القرآنَ وأمرَ اللَّه والرسول، ثم هم لا يَعلمون به كأنهم لم يكن لهم إسماع، أو لم يقعْ لهم سماعٌ.
وقيل: أي: لم ينتفعوا بما سمعوا فكأنهم لم يسمعوا.
وقيل: أي: وهم لا يقبَلون، وقد سمع فلانٌ كلامَ فلان؛ أي: قَبِله.
وقيل: هذا (^١) تحذيرٌ للمؤمنين أن يكونوا كاليهود والمشركين والمنافقين، فإن اليهود قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]، والمشركون قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وقالوا: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]، وقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧]، وقال في حق المنافقين: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: لم يَصْدُقوا.
* * *
(٢٢) - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: هي جمعُ دابَّة، وهي كلُّ حيوانٍ دبَّ على وجه الأرض؛ أي: شرُّ الخَلقِ عند اللَّه منزلةً هم الذين لا ينتفِعون بما يسمعون ولا يعملون به، كأنهم صمٌّ بُكمٌ لا عقولَ لهم يتأمَّلون بها ما يسمعون.
_________________
(١) في (ف): "هو".
[ ٧ / ١٧١ ]
واختُلف في المرادِين به، والصحيح قولُ ابن عباس ﵄: أنهم مشركو قريش، فإن السورة في ذكرهم (^١).
وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون (^٢).
وقيل: هم بنو عبد الدار قُتلوا بأحُدٍ، وهم: النَّضْر بن الحارث وابناه، والحارث بن علقمة، وطلحة بن عثمان، ومسافعٌ وأبو الجُلَاس وأبو سعدٍ والحارثُ، والقاسط بن شُريحٍ، وأرطأةُ بن شُرَحْبيل.
وقال الإمام القشيري ﵀: دواعي الحقِّ بحُسن البيان ناطقة، وألسنةُ البرهان فيما ورد به التكليفُ صادقة، وخواطرُ الغيب بكشف ظُلَم الريب مُفْصِحة، وزواجرُ التحقيق عن متابعةِ التَّمويه للقلوب مُلازِمة، فمَن صُمَّ عن إدراكِ ما خُوطِب به سرُّه، وعَمِيَ عن شهودِ ما (^٣) كُوشف به قلبُه، وخَرِس عن إجابةِ ما أُرشد [إليه] من مناجَحةٍ (^٤) عقلُه وفهمُه، فدون رتبةِ البهائم قَدْرُه، وفوق كلِّ خسيسٍ من خَلْق اللَّه صُغْره (^٥).
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾: أي: لو كان في علمِ اللَّه منهم اختيارُ فهمٍ لكلام اللَّه تعالى لأسمعهم إسماعَ تفهيم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٠١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٧٧)، بلفظ: (هم نفر من بني عبد الدار).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٠١). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٧٨) من طريق ابن إسحاق عن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير.
(٣) في (أ): "وعمي عما".
(٤) في: "اللطائف": (من حجة).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦١٤)، وما بين معكوفتين منه.
[ ٧ / ١٧٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾: أي: إسماعَ تفهيمٍ دون توفيقٍ (^١) ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عنه فلم يعملوا به؛ إذ لم يوفِّقهم اللَّه لِمَا علِم من اختيارهم تركَ العمل به.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أي: للحال، فلا تكرار في الكلمتين؛ إذ قوله: ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ هو عند الإسماع، ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ للحال.
وقال الزجَّاج: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جوابَ كلِّ ما يسألونه، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ ذلك لم يعملوا به ولأَعرضوا عنه (^٢).
* * *
(٢٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: ﴿دَعَاكُمْ﴾ فعلُ رسول اللَّه -ﷺ-، وهو موحَّدٌ ولم يُثَنَّ مع سَبْقِ ذكرِ اللَّه ورسوله؛ لأن دعاء الرسول بأمرِ اللَّه، فهو دعاءُ اللَّه تعالى، ودل الموحَّد لذلك على المثنَّى.
﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ أي: إلى ما (^٣) يفيدُكم الحياةَ الأبدية، وهو دعاءٌ إلى الجهاد فإنه (^٤) سببُ الشهادة، والشهداءُ أحياءٌ غيرُ أموات، واتصالها من هذا الوجه بما قبلها: لا تخرجوا إلى الجهاد (^٥) كارهين، وأَجيبوا اللَّهَ ورسوله في الدعوة إلى قتال المشركين، فإنه حياةٌ لكم أبدَ الآبِدِين.
_________________
(١) "دون توفيق": من (أ) و(ف).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٠٩).
(٣) في (ف): "أي لما".
(٤) في (ف): "فهو".
(٥) في (أ): "للجهاد".
[ ٧ / ١٧٣ ]
وعن أبيِّ بن كعب ﵁: أنه كان يصلي، فدعاه رسول اللَّه -ﷺ- فأتم الصلاة ثم جاء، فقال -ﷺ-: "هلا جئتني (^١) إذ دعوتُك؟ " فقال: كنتُ في الصلاة، فقال: "أمَا سمعتَ قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " (^٢)، وهذا يدلُّ على العموم أي (^٣): عموم الآية.
وقيل: قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ إعلامٌ منه ﷻ أن دعاءه إلى كلِّ شيء فيه حياةُ الدِّين وهو العلم، فإن الجهل موتٌ والعلمَ حياة.
وفي الخبر: إن اللَّه تعالى ليُحيي القلب الميتَ بالعلم كما يُحيي الأرض الميتة بوابل المطر (^٤).
وفي غير هذه الآية ذُكرت الحياةُ للإيمان والموتُ للكفر؛ قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: كافرًا فهديناه، فيجوز أن يكون قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ أي: يبقيكم على الإيمان الذي هو الحياة العظمى.
وقيل: أي: لِمَا يفيدكم الحياةَ الطيبة في الدارين؛ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، وحياةُ الكافر غيرُ طيِّبةٍ بحالٍ، فإنه بها في الدنيا يستفيدُ زوائدَ عقوبات العُقبى، وإذا صار في النار فهو لا يموت فيها ولا يحيى، فإذًا ليست الحياةُ الطيبة إلا لمن آمَن واتقى.
_________________
(١) في (ف): "أجبتني".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٩٣٤٥)، والترمذي (٢٨٧٥)، والنسائي في "الكبرى" (١١١٤١)، من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) "العموم أي": من (ف).
(٤) رواه الطبراني في "الكبير" (٧٨١٠) من حديث أبي أمامة ﵁، وفيه: "بنور الحكمة" بدل: "بالعلم"، وإسناده ضعيف، قال في "مجمع الزوائد" (١/ ١٢٥): فيه عبد اللَّه بن زحر عن علي بن يزيد، وكلاهما ضعيف لا يحتج به.
[ ٧ / ١٧٤ ]
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ أي: إلى عمل الآخرة التي هي دارُ الحياة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وقيل: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ أي: إلى الأعمال التي يُحْيي بها شرفَكم، ويُبقي حمدَكم وذكرَكم، ويطيِّب بها أيضًا في الجنة حياتكم (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: أي: القلوبُ بيدِ اللَّه، فيمنعُ المرء عن تقليبِ قلبه فيما يشاء (^٢)، وهذا على اتصاله بأول هذه الآية؛ لأنَّه (^٣) تعجيلٌ للعبد إلى الاستجابة قبل أن يُحدث اللَّه له أسبابًا لا يتمكَّن العبد معها من تصريف القلب فيما يشاؤه من إصلاح أمره، فيموت غيرَ مستجيبٍ للَّه ورسوله لم يدرك ما يحييه، ولذلك ذكر الحشر إليه بعده، وهو قوله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: أي: تُبعثون وتُجْمعون إليه للجزاء.
وقال قتادة: أي: هو أقربُ إلى قلبه منه، وهو كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] (^٤)؛ لأن ما حال بينك وبين الشيء فهو أقربُ إلى الشيء منك، واتصالُه بما قبله وما بعده: استجيبوا للَّه فإن اللَّه (^٥) لا يخفَى عليه ما في قلوبكم وإليه حشرُكم.
وقال الضحاك: يحول بين المؤمن والمعصية، وبين الكافر والطاعة (^٦)؛
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٧٧).
(٢) في (ر): "يشاؤه".
(٣) "لأنه": ليست في (أ) و(ف).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١١٢)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٠٨).
(٥) في (أ) و(ف): "فإنه" بدل: "فإن اللَّه".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١١٠). وذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٨٩) عن ابن عباس والضحاك.
[ ٧ / ١٧٥ ]
أي: لا يُخلي المؤمنَ التامَّ في الأفعال وقصدِ (^١) المعصية بل يعصمه، والكافر على (^٢) عكسه.
وقال مجاهد: يَحولُ بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل به (^٣).
وقال القشيري ﵀: أي: يصونُ القلوبَ عن تقليب أربابها بما شاء من أسبابها، فيصون قلوبَ العبَّاد عن الجُنوح إلى الكسل فيجدُّون في معاملتهم، ويَصون قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فيَصْدُقون في منازلاتهم (^٤)، ويصون قلوب العارفين على حدِّ الاستقامة عن الميل (^٥) فيتحقَّقون بدوام مواصلتهم.
قال: ويقال: حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوعٌ إلا إلى اللَّه، فإذا سنَح لهم أمر فليس لهم إلى الأغيار سبيل، ولا على قلوبهم تعويل، وكم فرق بين مَن يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين مَن لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربِّه، وقيل في معناه (^٦):
لا يهتدي قلبي إلى غيركُمْ لأنه سُدَّ عليه الطريق
قال: ويقال: العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، والعارفون هم الذين فَقدوا قلوبهم؛ قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (^٧).
_________________
(١) في (ف): "بقصد".
(٢) في (ر) و(ف): "وعلى قياسه"، بدل: "والكافر على".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١١١)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٠٨).
(٤) في (ف): "منازلتهم"، وفي (أ) و(ر): "منازلهم"، والمثبت من "اللطائف".
(٥) في (أ): "المثل".
(٦) في (أ): "وهو كما قيل".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦١٥ - ٦١٦).
[ ٧ / ١٧٦ ]
(٢٥) - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾: النون لتأكيد الجزاء.
وقيل: لتحقيق القسَم، ومعناه: واحذروا عذابًا يَنزل بكم بظُلمكم -وهو تركُكم الإجابةَ إلى الجهاد (^١) وغيرُ ذلك- لا يصيب الظَّلَمة خاصةً، بل يعمُّ الكلَّ ثم يكون للظَّلَمة عقوبةً ولغير الظَّلمة كفَّارةً.
وقال ابن عباس ﵄: هذا في ترك الأمر بالمعروف عند غلَبة المنكَر، فيصيب الفسقةَ بفسقهم وغيرَ الفسقة بتركهم الأمرَ بالمعروف (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أي: إذا نزل عقابُه فهو شديدٌ لا يطاق، ويجوز أن يراد بها فتنةُ الدنيا، كما قال: ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ [التوبة: ١٢٦]، ويجوز أن يراد بها فتنةُ الآخرة، كما قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣].
وقال الحسن: الآية في حق الصحابة -رضي اللَّه عليهم أجمعين- عليٍّ وطلحة والزبيرِ وعمَّار (^٣).
_________________
(١) في (ر): "القتال".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١١٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٨٢)، بلفظ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ قال: أمر اللَّه المؤمنين أن لا يُقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم اللَّه بالعذاب.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١١٣).
[ ٧ / ١٧٧ ]
وقال الزبير بن العوام: نزلت هذه الآية وما ندري زمانًا (^١) أنَّا من أهلها، ونحن عُنينا بها (^٢).
وقال السدِّي: نزلت في أهل بدرٍ خاصةً، وأصابتهم يوم الجمل (^٣).
وقال الكلبي ﵀: نزلت في رجلين من قريش أَخبر اللَّه تعالى نبيَّه -ﷺ- أنها ستكون بعده في أصحابه، وقد كانت تلك الواقعةُ بعد وفاته (^٤) ومضت (^٥).
وقرأ ابن الزبير: (لتُصيبنَّ الذين ظلموا) (^٦).
وقيل: ﴿لا﴾ زائدة كما في قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، ومعناه: اتَّقوا عقوبةً في الآخرة تكون للظَّلَمة خاصةً.
* * *
_________________
(١) في (ف): "زمانها".
(٢) بعدها في (ف): "أم لا"، وليست في المصادر. والخبر رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٠٠٦)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ١١٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٨٢)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٤٤)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٩٨)، ولفظه عند ابن أبي حاتم: لقد قرأناها زمانًا وما نَرَى أنَّا مِن أهلها، فإذا نحن المَعْنِيُّون بها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١١٥) وزاد: (فاقتتلوا).
(٤) في (أ): "الوقعة بعد وفاته"، وفي (ر): "الوقعة بعده في أصحابه".
(٥) رواه أبو صالح عن ابن عباس مختصرا بلفظ: نزلت في رجلين من قريش، ولم يسمهما. انظر: "زاد المسير" (١١/ ١١٣).
(٦) ذكرها النقاش كما في "المحرر الوجيز" (٢/ ٥١٦)، و"البحر المحيط" (١١/ ٧٣ - ٧٤) عن الزبير بن العوام ﵁، ونسبت أيضًا لابن مسعود وزيد بن ثابت ﵄ وأبي العالية. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٤٩)، و"الكشاف" (٢/ ٢١٢).
[ ٧ / ١٧٨ ]
(٢٦) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾: أي: وتذكَّروا وأَخطِروا ببالكم أولَ حالكم يا معشر (^١) المهاجرين إذ أنتم (^٢) قليلٌ في العدد.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: إذ كنتم قليلًا، ودلَّ هذا على صحة قول أبي حنيفة ﵀ فيمَن قال: هذا الشيء لفلان اشتريتُه منه، أنه يصدَّق ويصير كأنه قال: هذا كان لفلان (^٣).
وقوله تعالى: ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: مقهورون في أرض مكة.
قال عبد العزيز بن يحيى: أي: في أول الإسلام قبل أن يَكْملوا أربعين (^٤).
وقال الآخرون: قبل الهجرة.
وقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾: التخطُّف: الأخذُ والانتزاع بسرعة؛ أي: يأخذونكم ليتحكَّموا (^٥) فيكم بما شاؤوا من القتل والأسر.
وقوله: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ قال الكلبي: أي: أهلُ مكة (^٦).
وقيل: أي: مَن حولكم من العرب خارجَ مكة.
وقال وهبٌ: أي: فارسُ والروم.
_________________
(١) في (ف): "معاشر".
(٢) في (ف): "كنتم".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٨٢).
(٤) انظر: "البسيط" (١٠/ ١٠٣).
(٥) في (أ): "فيحكموا"، وفي (ف): "فيتحكموا".
(٦) وروي عن ابن عباس. انظر: "زاد المسير" (١١/ ١١٣).
[ ٧ / ١٧٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾: أي: في المدينة (^١) بالهجرة ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾؛ أي: بأيدي الأنصار ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: بما وسَّع بها (^٢) من المطاعم.
وقيل: أي: بما أحلَّ من الغنائم.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: لتشكروا نعمة اللَّه عليكم، فتبذلوا أنفسكم في إحياء دينه والجهاد مع رسوله، والخروج إلى القتال من غير كراهةٍ ولا استثقال.
وقال الكلبيُّ وقتادة: نزلت الآية في يوم (^٣) بدر حثًّا لهم على الجهاد (^٤).
وقال الإمام القشيري ﵀: ذكَّرهم ما كانوا فيه من القلَّة والذِّلَّة وصنوفِ الخَلة (^٥)، وما نقلهم إليه من الإمكان والبَسطة، ووجوهِ الإحسان والحيطة (^٦)، وندبهم إلى الشكر على هذه النعم، وحقيقة الشكر: الغَيبة عن النِّعم بالاستغراق في شهود المنعِم (^٧).
* * *
(٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "بالمدينة".
(٢) في (ف): "فيها".
(٣) في (ر): "أهل"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر.
(٤) رواه عنهما عبد الرزاق في "تفسيره" (١٠٠٧)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ١١٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٨٢).
(٥) الخَلة: الحاجة والفقر.
(٦) في (أ): "والغبطة".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦١٧ - ٦١٨).
[ ٧ / ١٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: متصلٌ بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وقولهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
والخيانة: خلاف الأمانة.
وقيل: أصلها الإخفاء، من قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وقيل: هي منع حقٍّ ضُمِن أداؤه.
وقال محمد ابن إسحاق: أي: لا تُظهروا للرسول ما يُرضيه منكم ثم تخالفونه في السر (^١).
ومن ذلك: إظهارُ الطاعة في كلِّ شيء ثم المجادلةُ في أمر الغنيمة، أو الخروجُ إلى القتال المأمورِ به مع الكراهةِ أو تسخُّطِ قَدْرِ ما يعطي عند القسمة.
وقوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: ولا تخونوا أماناتكم (^٢)، وهو معطوف على الأول، وجزمُه بالنهي، وعلامة الجزم حذفُ النون.
وقال السدِّي ﵀: أي: إذا خنتُم الرسول فقد خنتُم أماناتكم (^٣). وهو على هذا واوُ الصَّرف، وهي ناصبةٌ، وعلامة نصبه حذفُ النون، ومعناه: أن حقوق الشرع
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٢٤) بلفظ: (لا تظهروا للَّه من الحق ما يرضى به منكم ثم. . .)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٨٤) من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير بلفظ: (لا تظهروا له من الحق. . .) وبهذا اللفظ ذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" (١/ ٦٦٩) عن ابن إسحاق. فكلمة: (له) تحتمل اللَّه سبحانه وتحتمل الرسول -ﷺ-، ومحصل الكل واحد.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٢٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٢٣).
[ ٧ / ١٨١ ]
أماناتٌ عنده قد قبِلها وضمِن أداءها، فإذا خان الرسول فقد خان هذه (^١) الأمانات.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: أنها أمانةٌ، وما فعلتُم خيانةٌ؛ أي: وأنتم تعلمون إثم الخيانة وعقوبةَ الخيانة.
* * *
(٢٨) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾: أي: محنةٌ يَظهر بها مُؤْثِرُ حقِّ اللَّه من مُؤْثِر حقِّ نفسِه.
والحامل على الخيانة في الغالب: حبُّ الأموال والأولاد، وتركُ الخروج إلى الجهاد طوعًا وطبعًا كذلك، فبيَّن اللَّه تعالى أنها فتنةٌ وداعيةٌ إلى الخيانة ومُخلَّة بالأمانة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾؛ أي: إن أموالكم وأنفسَكم للَّه، وهي عندكم أمانة استحفظَكم فيها، فلا تستعملوها في غير ما أذن لكم فيه لأنه خيانة، ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾؛ أي: ولا تخونوا أماناتكم التي فيما بينكم.
ومعنًى آخرُ: أن اللَّه تعالى تعبَّدهم بما يرجع إلى منافعهم، فإذا خالفوا فقد خانوا أنفسَهم فضرُّوا أنفسَهم (^٢)؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٣) [النحل: ٣٣]، وقال: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] (^٤).
_________________
(١) "هذه" ليست في (ف).
(٢) "فضروا أنفسهم" ليس من (ف). ولفظ "التأويلات": (خانوا أنفسهم وخانوا أماناتهم).
(٣) في "التأويلات": ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧].
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٨٣ - ١٨٥).
[ ٧ / ١٨٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: لمن تركها ولم يَخُن لأجلها، وراعَى الأمانة (^١) بشرطها.
وقيل: أي: يا أيها الذين آمَنوا صدِّقوا اللَّه ورسوله و(^٢) لا تخونوا اللَّه ورسوله، والخيانة: إظهار الإيمان والنصحِ، وإبطانُ الكفر والغشِّ، ودلالةُ المشركين على عورات المسلمين، وإطلاعُهم على خفيَّات أمور المسلمين.
وقال جابر: إن أبا سفيان خرج من مكة، فجاء جبريل النبيَّ -ﷺ- فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا، فأخبر النبيُّ -ﷺ- أصحابه بذلك فقال: "فاخرجوا إليه واكتُموا"، فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمدًا يريدكم فخذوا حِذْرَكم فأنزل اللَّه هذه الآية (^٣).
وقال الزهريُّ والكلبيُّ: نزلت في أبي لبابة مروانَ بنِ عبد المنذر من الأنصار من بني عوف بن مالك (^٤) حين حاصر النبيُّ -ﷺ- قرى يهودِ قريظةَ إحدى وعشرين ليلةً، فسألوا رسول اللَّه -ﷺ- الصلحَ على ما صالح عليه إخوانَهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابةَ، وكان مناصحًا لهم لأن أهله وولده كانوا عندهم، فبعثه النبيُّ -ﷺ- إليهم فقالوا له: ما ترى؟ فأشار إلى حلقه أنه الذبح، قال: وما زالت قدماي في مكانهما حتى علمتُ أني خُنْتُ اللَّه ورسوله، فنزلت هذه الآية والتي بعدها: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
_________________
(١) في (ف): "الأمانات".
(٢) في (ف): "أي"، وليست في (أ).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٢١). قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: حديث غريب جدًا، وفي سنده وسياقه نظر.
(٤) "بن مالك" ليس من (ف).
[ ٧ / ١٨٣ ]
وقال الزهري: قال أبو لبابة: واللَّه لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتاب عليَّ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا حتى خرَّ مغشيًّا عليه، ثم قيل له: تاب اللَّه عليك، قال: لا واللَّه لا أحلُّ نفسي حتى يكون رسولُ اللَّه -ﷺ- يحلُّني، فجاءه فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: تمام توبتي أن أهجرَ دار قومي التي أصبتُ فيها الذنبَ، وأن أنخلع من مالي، فقال النبيُّ -ﷺ-: يَجزِيك الثلثُ أن تتصدق به (^١).
وقال السدِّي: كانوا يسمعون من النبيِّ -ﷺ- فيُفْشونه حتى يبلغَ المشركين (^٢).
وقال الكلبيُّ: كلُّ أحدٍ مؤتمنٌ على ما افتَرض اللَّه عليه، إن شاء خانها (^٣) وإن شاء أدَّاها، لا يطَّلع عليه أحدٌ إلا اللَّه تعالى (^٤).
_________________
(١) ذكره عنهما بهذا السياق الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٤٦)، ودون نسبة الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٢١٣ - ٢١٤). وخبر الزهري رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٢١)، وخبر الكلبي رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٤/ ٤٨). وذكره مطولًا ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٨)، ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٤/ ١٥) من طريق ابن إسحاق عن أبيه عن معبد بن كعب بن مالك، ثم قال: هَكذا قال ابن إسحاقَ بإسناده، وزعَم سعيدُ بنُ المسيِّب أنَّ ارتباطَه بسارَية التَّوبة كان بعد تَخَلُّفِه عن غزور تبوكَ، حين أَعْرَض عنه رسولُ اللَّهِ -ﷺ-، وهو عليه عاتبٌ بما فَعَل يومَ قُريظةَ، ثُم تَخَلَّف عن غزوة تبوكَ فيمَن تَخَلَّف، واللَّهُ أعلمُ. وفي روايةِ عليِّ بن أبي طلحةَ، وعَطِيَّةَ بنِ سعدٍ، عن ابن عباسٍ في ارتباطه حين تَخَلَّف عن غزوة تبوكَ، ما يؤكِّد قولَ ابن المسيِّب. اهـ. وروايتي علي بن أبي طلحة وعطية عن ابن عباس رواهما الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٥١ - ٦٥٢). وأبو لبابة مختلف في اسمه، فقيل: مروان، كما ذكر المؤلف، وقيل: بشير، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "الإصابة" في الكنى. وانظر ما سيأتي في قصة تبوك والمخلفين في سورة التوبة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٢٣).
(٣) في (ر): "خالفها".
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ١١٠).
[ ٧ / ١٨٤ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: خيانة كلِّ أحدٍ على حَسَبِ ما وُضع عنده من الأمانة، فمَن اؤتُمِن في مالٍ فتصرُّفُه فيه بغيرِ إذنِ صاحبه خيانةٌ، ومَن اؤتُمن على الحُرَم فملاحظتُه إياهن خيانةٌ، فعلى هذا الخيانةُ في الأعمال: الدعوى فيها بأنها من قِبَلك دون التحقيق بأن منشِئها اللَّه تعالى، والخيانة في الأحوال: ملاحظتُك لها دون غَيبتك عن شهودها باستغراقك في شهود الحق، فإذا أَخلَلْتَ بسنَّة من السُّنن، أو أدبٍ من آداب الشرع، فتلك خيانةُ الرسول، والخيانة في الأمانات بينك وبين الخلق بإيثارك نصيبَ نفسك على نصيب المسلمين بإرادة القلبِ فضلًا من المعاملة بالفعل (^١).
* * *
(٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾: فخرجتُم إلى الجهاد كما أمركم ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾: نصرًا يفرِّق به بين الحق والباطل (^٢)، والمحِقِّ والمبطِل، كما وعد: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨].
وقيل: أي: ﴿إِنْ تَتَقُواْ اَللَّهَ﴾ في الْتزامِ جميع ما ألزمناكم من أول السورة إلى هاهنا، وجملتُه: طاعة اللَّه وطاعة رسوله ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾.
قال ابن زيد وابن إسحاق: أي: هدايةً في قلوبكم تفرِّقون بها بين الحقِّ والباطل (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦١٨).
(٢) "الحق والباطل" ليس في (أ).
(٣) ذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣١١)، ورواه عن ابن إسحاق الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣١).
[ ٧ / ١٨٥ ]
وقال مجاهد: أي: مخرجًا في الدنيا والآخرة (^١).
وقيل: مخرجًا عن الشبهات (^٢).
وقال السدِّي: نجاةً (^٣).
وقال الفرَّاء: فتحًا ونصرًا، كما قال: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] (^٤).
وقيل: نصرًا وعزًا وثوابًا لكم، وخذلانًا وإذلالًا (^٥) وعقابًا على أعدائكم، وكلُّ ذلك يفرق بينكم وبينهم في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾: وهذا في الآخرة، والأولُ في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: يجزي بالعمل المنقطِع ثوابًا غيرَ منقطِعٍ.
* * *
(٣٠) - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: واذكرْ إذ كان ذلك، ذكر اللَّه
_________________
(١) ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣١١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٢٨ - ١٢٩) عن مجاهد والضحاك وابن عباس.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٤٧) عن مقاتل.
(٣) ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣١١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣٠) عنه وعن مجاهد وعكرمة وقتادة، ورواه أيضًا عن ابن عباس لكن بسند ضعيف جدًّا.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٠٨)، و"النكت والعيون" (٢/ ٣١١).
(٥) في (ر) و(ف): "وذلا".
[ ٧ / ١٨٦ ]
في هذه الآية من معاملة المشركين وجرأتهم على اللَّه تعالى ما يدعو المؤمنين إلى جهادهم وردِّهم عن سَفَههم وعنادهم، إما بقتلهم أو إدخالهم في الإسلام، فقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: كفارُ قريش، ومكرُهم: تدبيرهم في إهلاكه أو إفساد (^١) أمره على جهة (^٢) الاستسرار، بحيث لا يُعلم إلا عند وقوعه.
وجاء أن أوَّل ما وقع من التدبير هو الحبسُ إليه إلى أن يموت، ثم انتقلوا عنه إلى إخراجه من البلد ونَفيه، ثم استقرَّ تدبيرهم على قتله، فنزل جبريل ﵇ فأخبره (^٣)، ففارق منزله وبطَل تدبيرُهم أصلًا.
وقوله تعالى: ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ فيه أقاويل:
قال ابن عباس ﵄ والحسن ومجاهد وقتادة: أي: ليُوْثِقوك بوثاق (^٤).
وقال عطاء وعبد اللَّه بن كثير والسدِّي: أي: ليحبسوك (^٥).
وقيل: أي: ليَسْحَروك (^٦)، فيجعلوك ثابتًا في مكان.
وقيل: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾؛ أي: ليُخرجوك، كما يقال: أثبتَه في الحرب، إذا جرحه جراحةً متلِفةً.
_________________
(١) في (ف): "هلاكه وفساد".
(٢) في (ف): "وجه".
(٣) في (أ): "وأضربه"، وفي (ف): "فأخبرهم به".
(٤) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣٢).
(٥) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٨٨). وقول السدي عند الطبري: (الإثبات: الحبس والوثاق)، وعند ابن أبي حاتم: (يحبسوك ويوثقوك)، وهما متقاربان، وفيهما الجمع بين هذا القول وسابقه.
(٦) في (ر): "ليسجروك". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما ذكره الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣٣)، واستدل عليه بقصة أبي طالب الآتية.
[ ٧ / ١٨٧ ]
وقال أبو طالب: يا محمد! ما يأتمرُ بك قومك؟ قال: "يريدون أن يسحروني ويخرجوني ويقتلوني"، قال: مَن خبرك بهذا؟ قال: "ربي"، قال: نِعْمَ الربُّ ربُّك وذلك قوله ﷻ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ (^١).
﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾: أي: من مكة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: أي: يجازيهم جزاءَ مكرهم، ويصنعُ بهم ما هو وَفْقُ قَصْدهم ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأنه بحقٍّ، ولأنه ماضٍ لا محالة.
وقصتُه: ما قاله الكلبي ومقاتل: أن نفرًا من قريش منهم أبو جهل، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة، وهشام بن عمرو، وأبو البختري بن هشام من بني أسد، وأبو سفيان، وطُعيمةُ بن عَدِيٍّ، والنضر بن الحارث، وزَمْعةُ بن أسودَ، وحكيم بن حزام، ونبية ومُنبِّهٌ (^٢) ابنا الحجَّاج، وأمية بن خلف، اجتمعوا في دار الندوة يريدون المكر بالنبيِّ -ﷺ- فأتاهم إبليس في صورة شيخ فجلس معهم، فقالوا: ما أدخلك علينا بغير إذننا؟! فقال: أنا رجل من نجد لستُ من أهل مكة، رأيتكم حسنةً وجوهُكم طيبةً ريحُكم فأحببتُ أن أسمع حديثكم وأشيرَ عليكم، فإن كرهتُم مجلسي خرجتُ عنكم.
وفي رواية: قال: أنا شيخ من الماضِينَ أحياني اللاتُ لأعينكم في تدبيركم.
فقالوا: هذا رجل من نجد وليس من أهل تِهَامة فتكلَّموا فلا بأس عليكم منه، فقال أبو البختري لعنه اللَّه: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدًا فتجعلوه في بيت وتسدُّوا بابه غيرَ كوةٍ تُلقون إليه فيها طعامَه وشرابه، وتذرُوه فيه حتى يموت كما مات مَن قبله
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣٣) عن المطلب بن أبي وداعة.
(٢) في (أ): "وملبه".
[ ٧ / ١٨٨ ]
من الشعراء زهيرٍ والنابغةِ، إنما هو رجل (^١) كأحدهم فتربَّصوا به رَيبَ المنون، فقال إبليس لعنه اللَّه: بئس الرأيُ رأيُك (^٢)، تَعمدون إلى رجل له فيكم آصرةٌ (^٣) قد سمع به مَن حولكم تحبسونه فيوشكُ قومُه أن يقاتلوكم عنه؟! قالوا: صدق الشيخ.
وقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي: أمَّا أنا فأرى أن تحملوه على بعيرٍ فتخرجوه حيث شاء ويليه غيرُكم، قال إبليس لعنه اللَّه: بئس الرأي رأيك، تعمدون إلى رجل قد أَفسد جماعتكم وتبعه منكم طائفةٌ فتخرجوه إلى غيركم ليفسدهم كما أفسدكم.
وفي رواية: قال: ألم تروا حلاوةَ قوله وطلاقةَ لسانه، واللَّه ليَستجمِعَنَّ عليه خلقٌ (^٤) ثم ليأتينكم.
فقال أبو جهل بن هشام لعنه اللَّه: أمَّا أنا فأرى لكم أن تعمدوا إلى كلِّ بطنٍ من قريش فتأخذوا رجلًا منهم، ثم تعطوا كلَّ واحد منهم سيفًا، فيأتونه فيضربونه بأسيافهم فلا يَدري قومه مَن يأخذون به، وتؤدِّي قريش دِيَته، فقال إبليس لعنه اللَّه: صدق واللَّه الشابُّ أن الأمر لكما قال.
فتفرقوا على قول أبي جهل لعنة اللَّه عليه، فنزل جبريل ﵇ فأخبر النبيَّ -ﷺ- بأمرهم، وأمره بالخروج، فخرج النبيُّ -ﷺ- من ليلته تلك إلى الغار، وأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٥).
_________________
(١) "رجل" ليست في (أ) و(ف).
(٢) في (ف) و(أ): "رأيت".
(٣) الآخرة: الرحم والقرابة. انظر: "القاموس" (مادة: أصر).
(٤) في (ف) و(أ): "خلق".
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٨٠٤ - ٨٠٥)، وفيه: أن الذي نزل هو قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ =
[ ٧ / ١٨٩ ]
وقال ابن عباس ﵄: نزل عليه هذا بعد قدومه المدينة، ونزل أيضًا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (^١).
وقال عكرمة: لمَّا خرج النبيُّ -ﷺ- وأبو بكر ﵁ إلى الغار أَمر عليَّ بن أبي طالب ﵁ فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه فإذا رأوه حَسِبوه النبيَّ -ﷺ- وتركوه، فلما أصبحوا ثاروا (^٢) إليه فرأوا عليًا، فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أدري، فركبوا الصعبَ والذَّلولَ في طلبه فاقتصُّوا أثره، فمرُّوا بالغار فرأوا على بابه نسجَ العنكبوت، فقالوا: لو دخل لم يكن هذا فمكث فيه ثلاثة أيام (^٣).
وفي رواية الكلبي ﵀: ثم قال لعليٍّ ﵁: نم في مضجعي وتَسَجَّ (^٤) ببُرْدي فإنه لن يَخلُص إليك منهم (^٥) شيء تكرهه، ثم خرج النبي -ﷺ- فأخذ قبضةً من تراب فأخذ اللَّه أبصارهم عنه فلا يرونه، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهو يقرأ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨] إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، ثم انصرف حيث أراد، فأتاهم رجل حين أصبحوا فقال: ما تنتظرون هاهنا؟! قالوا:
_________________
(١) = (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩ - ٨٠]، ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٨٨)، عن ابن عباس ﵄، وفيه عندهما أن آية الأنفال نزلت عليه بعد قدومه المدينة، وسينبه المؤلف على هذا لاحقًا.
(٢) رواه الطبري وابن أبي حاتم. انظر التعليق السابق.
(٣) في (ر): "بادروا".
(٤) رواه عن عكرمة الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣٦)، لكن السياق المذكور رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٠١١)، والإمام أحمد في "المسند" (٣٢٥١)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ١٣٦)، عن ابن عباس ﵄. وإسناده ضعيف، انظر الكلام عليه في حاشية "المسند".
(٥) في (ف): "واتشح".
(٦) "منهم" ليست في (أ) و(ف).
[ ٧ / ١٩٠ ]
محمدًا، قال: خيَّبكم اللَّه، قد واللَّه خرج عليكم وما ترك رجلًا منكم إلا وضع على رأسه التراب وانطلق لحاجته (^١).
ومضى رسول اللَّه -ﷺ- إلى الغار فدخله وأبو بكر معه، وخلَّف عليًا بمكة حتى يؤدِّيَ عنه الودائع التي قبلها، وكانت الودائع توضع عنده لصدقه وأمانته.
وقال الحسين بن الفضل ﵀: السورة مدنيةٌ، واللَّه تعالى ذكر مكر المشركين به بمكة، وهو معطوف على قوله ﷿: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ الآية.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ إن مكر اللَّه تعالى مع العوامِّ: شَغلُهم بالدنيا وصرفُ هممهم إليها حتى ينسَوا أمرَ الآخرة، [إذ] يوطِّنون أنفسهم عليها إلى أن يأتيهم من مأمنهم فيأخذَهم بغتةً، ومكره بالخواصِّ اغترارُهم بما يظهر لهم من الصِّيت الجميل بين الناس، وما يَظهر على ظواهرهم من صنوف الطاعات، مع ملاحظتهم لها وسكونهم إلى قبول الناس إياهم، فلا تزال أسرارهم با لأغيار مَنوطة، وهي عن اللَّه في الحقيقة محجوبة، وعند الناس أنهم من أهل الكرامة، وفي معناه أنشدوا:
وقد (^٢) حسدوني قربَ داري منكمُ وكم من قريبِ الدار وهو بعيدُ (^٣)
* * * *
(٣١) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
_________________
(١) رواه ابن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٤٨٣)، و"تاريخ الطبري" (١/ ٥٦٧).
(٢) في (ف): "وهم".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٢٠).
[ ٧ / ١٩١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: وإذا يُقرأ عليهم القرآن المعجِزُ الذي لا يخفَى إعجازه على عاقلٍ متأمِّل قالوا: قد سمعنا ما تلوتُم ولو شئنا لقلنا مثلَ هذا، إنما هو حديث كأحاديث كسرى وقيصرَ والملوك الماضين، هذه غايةُ جرأتهم على اللَّه ونهايةُ وقاحةِ وجوههم ومكابرتهم، فإن النبيَّ -ﷺ- تحدَّاهم به سنين كثيرةً لمعارضةِ سورةٍ منه، فلم يكن عندهم إلا بذل النفوس والأموال والأولاد، فهم -في زعمهم- أسفهُ الناس وأجهلهم، وقدَّموا النفوس (^١) والأموال مع إمكانهم بزعمهم تكذيبَه بمعارضةِ سورةٍ منه، فإمَّا أن يكونوا بهذا القول مكابِرينَ لعقولهم، أو جاهلين بإدعائهم بما يظهر فيه افتراؤهم.
قال ابن عباس ﵄: لمَّا قصَّ رسول اللَّه -ﷺ- شأنَ القرون الماضية قال النَّضْر بن الحارث بن علقمة أخو بني عبد الدار: لو شئتُ لقلتُ مثلَ هذا إن هذا إلا أساطيرُ الأولين، -أي: إلا (^٢) ما سطر الأوَّلون في كتبهم- فقال له عثمان بن مظعون: إن محمدًا يقول الحق، قال: وأنا أقول الحق، قال عثمان: فإن محمدًا يقول: لا إله إلا اللَّه، قال: وأنا أقول: لا إله إلا اللَّه، لكن هؤلاء بناتُ اللَّه، -يعني: اللاتَ والعزَّى- فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] قال النضر: ألا ترون أن محمدًا قد صدَّقني فيما أقول، -يعني قوله: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ - قال له المغيرة ابن الوليد (^٣): واللَّه ما صدَّقك، ولكنه يقول: ما كان للرحمن ولد، ففَطِن لذلك النضرُ
_________________
(١) في (ر): "إذ بذل النفس"، بدل: "وقدموا النفوس".
(٢) "أي" ليست في (أ)، و"إلا" ليست في (ر).
(٣) كذا وقع عند المؤلف والثعلبي على القلب، وصوابه: الوليد بن المغيرة، وكذا جاء في "تفسير مقاتل".
[ ٧ / ١٩٢ ]
فقال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] (^١).
فوقع به العذاب يوم بدر وقُتل صبرًا، لم يُقتل من الأسرى يومئذ غيرُه وغيرُ عقبة بن أبي معيط (^٢)، وقد مر في القصة.
وفيه نزلت: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] (^٣).
قال عطاء: لقد نزلت فيه بضعَ عشرةَ آيةً من كتاب اللَّه تعالى (^٤).
وقال سعيد بن جبير: لمَّا أَمر النبيُّ -ﷺ- بقتل النَّضْر يوم بدرٍ -وكان المقداد أسَره- قال: يا رسول اللَّه أسيري، قال: "إنه كان [يقول] في كتاب اللَّه ما يقول"، فقال المقداد: أسيري يا رسول اللَّه، فقال النبيُّ -ﷺ-: "اللهم أَغْنِ المقداد من فضلك"، فقال المقداد: هذا الذي أردتُ (^٥).
وقال القشيري ﵀: فَرْطُ جهلهم ستَر على قلوبهم قُبْحَ دعواهم في القدرة على معارضة القرآن (^٦)، فافتُضحوا عند الامتحان لعدم (^٧) البرهان، والعجزِ عما وَصفوا من أنفسهم من الفصاحة والبيان.
_________________
(١) ذكره عن ابن عباس الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٥١)، وهو في "تفسير مقاتل" (٢/ ١١٢ - ١١٣).
(٢) كذا قال، وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٦٩٢)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ١٤٣)، عن سعيد بن جبير زيادة ثالث، وهو: طعيمة بن عدي. ووصله الطبراني في "الأوسط" (٣٨٠١) فرواه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٤٥) عن عطاء، وسماه: النضر بن كلدة. وهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار. انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٩٠٤).
(٤) قطعة من الخبر السابق.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٤٣)، وما بين معكوفتين منه.
(٦) في (ر): "المعارضة للقرآن".
(٧) في: "اللطائف": (بعدم).
[ ٧ / ١٩٣ ]
وقيل: لمَّا لاحظوا القرآن بعين الاستصغار حُرِموا بركاتِ الفهم فعدُّوه من جملةِ أساطير الأولين، وكذلك مَن لا يراعي حرمةَ أوليائه يعاقَبُ بأنْ تُستر عليه أحوالهم فيظنَّهم مثلَه فيُطلق فيهم لسانَ الوقيعة وهو بذلك أحقُّ (^١).
* * *
(٣٢) - ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي: واذكر إذ قال النضر بن الحارث، وإنما جُمع لأنه أراده وأتباعَه، وكذا في الآية الأولى جُمع حيث قال: ﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ لهذا (^٢) اللهم إن كان ما أتى به محمد حقًّا من عندك وقد جحَدْناه ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ومَطَر في الرحمة وأَمْطَر في العذاب ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ غيرِ الحجارة من السماء كقوله: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]؛ أي: من غير الماء.
قال محمد بن إسحاق: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما أَمْطرتَها على قوم لوط ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أو ببعضِ ما عذَّبت به الأمم (^٣).
* * *
(٣٣) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٢٠).
(٢) "لهذا" ليست في (ف)، واستدركت في هامش (ر) وعليها علامة التصحيح.
(٣) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٧٠).
[ ٧ / ١٩٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أَخبر أن تأخير العذاب عنهم مع استيجابهم ذلك أنَّ اللَّه تعالى لا يُنزل عذاب الاستئصال بقومٍ إلا بعد خروج نبيِّهم من بينهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾؛ أي: هذا الطاغي وأشياعه ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: أي: يتوبون من كفرهم ويستغفرون منه.
وقال ابن عباس ﵄: كان فيهم أمانان: نبيُّ اللَّه والاستغفارُ، فخرج النبي -ﷺ- وبقي الاستغفار (^١).
وقال الكلبي: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾؛ أي: يصلُّون الخَمس.
وقال عكرمة: الاستغفار هاهنا هو الإسلام (^٢).
وقال أبو مالك وابن أبي أَبْزَى والضحاك وعطيةُ وعبد الرحمن بن زيد: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أي: وأنت مقيم بين أظهُرهم، نزلت إليه هذه الآية وهو بمكة، ثم خرج من بين أظهرهم فاستغفر مَن بها من المسلمين وأنزلت عليه حينئذ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾؛ أي: فيهم واحد (^٣) من المسلمين من النسوان والولدان، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ الآية [الفتح: ٢٥]، فخرج المستغفرون من مكة فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فأذن اللَّه تعالى في فتح مكة، وهو العذاب الأليم الذي توعَّدهم به (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٥٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٩١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٥٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٩٢).
(٣) في (ف): "أحد".
(٤) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٤٨ - ١٥٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٩٢ - ١٦٩٣)، والسياق المذكور هو لخبر ابن أبي أبزى.
[ ٧ / ١٩٥ ]
وقال محمد بن إسحاق: كان المشركون يقولون: إن اللَّه لا يعذبنا ونحن نستغفرُ، ولا يعذِّب أمة ونبيُّها معها حتى يخرجَ فقال اللَّه تعالى لنبيه: يذكرُ جهالتهم فقال: يقولون: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ ويقولون: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ويقولون: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^١)، وردَّ عليهم كلَّ ذلك بقوله:
* * *
(٣٤) - ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي: وأيُّ سبب يوجبُ تَرْكَ تعذيبهم بالسيف، وهو حُكم اللَّه في المشركين حتى يسلِموا، وهم غيرُ مستغفرين بل يصدون المؤمنين (^٢) عن المسجد الحرام إذا أتوه حاجِّين أو معتمِرِين أو مصلِّين، مع إظهار المشركين تعظيمَه وتعزُّزَهم به، وهذا تعجيبٌ منهم في تعظيم المسجد الحرام وهم يمنعون المؤمنين عن الحج إليه والصلاة فيه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾: أي: وليسوا أولياء اللَّه، وتأخير العذاب عنهم ليس لولائهم (^٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: أي: ما أولياءُ اللَّه سوى المتقين ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
وقيل: وما كانوا أولياءَ المسجد الحرام وإنْ سعَوا في عمارته وسقي الحجيج وإطعامهم فيه، وكانوا يَرون أنفسَهم ولاةَ البيت لذلك، وبذلك كانوا (^٥) يصدون
_________________
(١) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٧٥)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٥١).
(٢) "المؤمنين" ليست في (أ) و(ف).
(٣) "فيه" ليست في (أ).
(٤) "أي: وليسوا أولياء اللَّه وتأخير العذاب عنهم ليس لولائهم" ليس من (ف).
(٥) "كانوا" ليست في (أ) و(ف).
[ ٧ / ١٩٦ ]
عنه مَن شاؤوا ويأذَنون فيه لمن شاؤوا، فأبطل اللَّه تعالى أن تكون لهم تلك الولايةُ وأثبتها للمتقين.
وقيل: أي: وما لهم أنْ لا يعذِّبهم اللَّه في الآخرة، أثبت للمشركين العذابَ بنفي الولاية، وأثبت للمؤمنين الولايةَ بقوله ﷿: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] وبقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] فأشار بذلك إلى أنه لا يعذبهم، ثم (^١) ولئن ثبت تعذيبُ مدةٍ فإنه إذا لم يتأبَّد خفَّ على الجسد (^٢)، وفي ذلك ينشد:
إذا سَلِمَ العهدُالذي كان بيننا فوُدِّي وإن شطَّ المزارُ سليمُ (^٣)
* * *
(٣٥) - ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً﴾: أي: إلا صفيرًا بالأفواه كصفيرِ الأطيار، وقد مَكَا يمكُو مُكَاءً.
﴿وَتَصْدِيَةً﴾: أي: تصفيقًا بالأيدي كفعلِ الصبيان، وإظهارًا للصَّدَى؛ أي: للصوت، وقد صدى يصدي تصدية.
وفسرهما كذلك ابن عباس ﵄ وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك ﵃ (^٤).
وعن ابن عباس ﵄ قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم
_________________
(١) "ثم" ليس من (أ) و(ف).
(٢) في (أ): "الحد".
(٣) البيت في "لطائف الإشارات" (١/ ٦٢٢).
(٤) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٦٢ - ١٦٦).
[ ٧ / ١٩٧ ]
عراةٌ يَصْفِرون ويصفِّقون، فأنزل اللَّه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]، فأُمروا بالثياب (^١).
وكانوا يعارضون النبيَّ -ﷺ- في الطواف يستهزؤون به يَصْفِرون ويصفِّقون، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٢).
وقال سعيد بن جبير: التصدية صدُّهم عن البيت وعن الصلاة (^٣)، وأصله: التصديد، وقد صدَّده وصدَّه (^٤)، قُلبت إحدى الدالين (^٥) ياء تخفيفًا كما في قولهم: تَمطَّطَ وتَمَطَّى، وتَظنَّنَ وتَظَنَّى، وتقضَّضَ وتَقَضَّى.
وقال بعضهم: كان المكاء أذانًا لهم والتصفيقُ (^٦) إقامة.
وقال مقاتل: كان النبيُّ -ﷺ- إذا صلَّى بمكة في المسجد الحرام قام مشركان عن يمينه وآخران عن يساره يَمْكون ويصفِّقون ليخلِّطوا عليه صلاته، وهم من بني عبد الدار، فقتلهم اللَّه تعالى ببدر (^٧).
وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: قيل: قالت الملائكة لهم ذلك يوم بدر.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٦٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٦٦)، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٦٤) من قول سعيد بن جبير.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٥٤) من قول سعيد بن جبير وابن إسحاق. وذكره الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٦٧) دون عزو، ويظهر من كلامه أنه مرجوح عنده.
(٤) في (أ): "وصد"، وفي (ر): "وصداه".
(٥) في (ف) و(أ): "الدالات".
(٦) في (ف): "والتصدية".
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١١٤).
[ ٧ / ١٩٨ ]
وقيل: يقولون لهم (^١) في جهنم.
وقيل هو صيغةُ أمر في معنى الخبر؛ أي: ذاقوا ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]، أي (^٢): كانوا يسيرون فيها كذلك.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان أحسنُ حالهم التي هم عليها هي حالة الصلاة، فإذا كانت صلاتهم مكاءً وتصديَةً فكيف سائر الأحوال (^٣)؟!
ثم ذكرُ صلاتهم على هذا الوجه، وبيانُ ما قالوه على السفاهة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، ودعاؤهم بإمطار الحجارةِ عليهم، وجعلُ ذلك كتابًا يتلى في الصلاة، له أوجهٌ (^٤) ثلاثةٌ من الحكمة:
أحدها: تعليم الحِلم عن السفهاء.
والثاني: تعريف المعاملة مع السفهاء عند ارتكاب المناكير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنهم إذا تمادَوا في غيِّهم، واستقبلوه (^٥) بالمكروه والأذى، أن لا يتركَ الأمر بالمعروف والنهيَ عن المنكر، ولا يُؤْيسَ من خيرهم؛ اقتداءً بالنبي -ﷺ-.
والثالث: إعلامُ الخلْق أن حجة اللَّه تَلزمُ العبادَ وإن كانوا قد جهِلوها، إذا كان التضييع جاء من قبَلهم في ترك النظر والتفكُّر؛ إذ لو علموا حقيقةَ العلم أنه الحقُّ لم يكونوا ليَدْعوا على أنفسهم بالهلاك.
وقال الإمام القشيري ﵀: وما كان اللَّه ليعذِّبَ أسلافهم وأنت في
_________________
(١) "لهم" من (ف).
(٢) في (ر): "قيل".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ١٩٤).
(٤) في (ر): "وجوه".
(٥) في (ف): "غيهم واستقبلوا"، وفي (ر): "عتوهم واستقبلوا".
[ ٧ / ١٩٩ ]
أصلابهم، وليس يعذِّبهم اليوم وأنت فيما بينهم؛ إجلالًا لقَدْرك، وإكرامًا لمحلِّك، وإذا خرجت من بينهم فلا يعذِّبهم وفيهم خدَمُك الذين يستغفرون.
ويقال (^١): للجوار حرمةٌ، فجار الكرام في ظلِّ إنعامهم، والكفارُ وإنْ لم يمتَّعوا بقرب الرسول، فقد اندفع (^٢) العذاب عنهم بمجاورته فيهم (^٣)، وفي معناه أنشدوا:
وأحبُّها وأحبُّ منزلَها الذي نزلت به وأحبُّ أهل المنزلِ (^٤)
* * *
(٣٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: نزلت الآية في إنفاق الكفار يومَ بدر.
وقال الكلبي ﵀: إن الذين كفروا باللَّه ورسوله ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل اللَّه؛ أي: دينِ اللَّه لأنه طريقُ ثوابه والخلودِ في جنته لمن سلكه على ما أَمر به.
وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾: أي: فسيقع إنفاقهم حسرة (^٥)؛ أي: ندامةً وغيظًا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾؛ أي: يوم بدر.
_________________
(١) في (ف): "ويقولون".
(٢) في (ف) و(أ): "اندفع".
(٣) "فيهم" ليس من (أ).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٢١).
(٥) قوله: "أي: فسيقع إنفاقهم حسرة" ليس في (ف).
[ ٧ / ٢٠٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ يبعثون ويجمعون بعد القتل.
قال الكلبي: نزلت في المطعِمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلًا أطعموا الناس الطعام كل واحدٍ يُطعم مئة (^١)، منهم: أبو جهل وأخوه الحارث بن هشام، وعُتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةَ بنِ عبد شمس، ومنبِّهٌ ونبيهٌ ابنا الحجاج، وأبو البَخْتَريِّ بنُ هشام، والنَّضْر بن الحارث، وحكيم بن حِزام وأُبيُّ بن خَلَفٍ، وزَمْعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، والعباس بن عبد المطلب، كلُّهم من قريش (^٢).
وقال مقاتل: إن رؤوس كفار قريش استأجروا أعوانًا على قتال رسول اللَّه -ﷺ-، فأطعموا أصحابهم في كلِّ يوم عشرَ جُزر (^٣).
وقيل: هو إنفاق الأموال التي كانت في العير في حرب أحد، وقد بينَّا ذلك في أولِ قصة حرب أحد في أول سورة آل عمران (^٤).
وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية في أبي سفيان، استأجر يوم أحد ألفين من أحابيشِ كنانةَ سوى مَن استجاشَ من العرب، فقاتل بهم رسول اللَّه -ﷺ-، وهم الذين يقول فيهم كعب بن مالك:
فجئنا إلى موجٍ من البحر وَسْطَه أحابيشُ منهم حاسرٌ ومقنَّعُ
_________________
(١) في (أ): "كل رجل يطعم فئة"، وفي (ر): "كل رجل منهم يطعم فئة".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٥٥). وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٦٤ - ٦٦٦)، و"المغازي" للواقدي (١/ ١٤٤).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١١٤).
(٤) والقول بنزول الآية في المطعمين يوم بدر أولى من القول بنزولها في المنفقين يوم أحد؛ لأن السياق قبلها في غزوة بدر، وقد سئل ابن عباس ﵄ فيما رواه البخاري (٤٦٤٥) عن سورة الأنفال فقال: (نزلت في بدر)، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
[ ٧ / ٢٠١ ]
ثلاثةُ آلافٍ ونحن بقيةٌ ثلاثُ مئينَ إنْ كثُرنا فأربعُ (^١)
وقال سفيان بن عيينة: قال قريش: لا تنفقوا هذا المال الذي أَفْلَتَ إلا في حرب محمد، فنزلت الآية.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآية على صدق نبوَّةِ محمد -ﷺ-، حيث أخبر عن عاقبة أمرهم فكان كما أخبر به، وهو غيب، فثبت أنه عرف ذلك باللَّه (^٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنهم وإنْ أَلْهتهم آمالُهم فإلى الخيبة والذِّلة (^٣) مآلُهم، لن تغنيَ عنهم أموالُهم، ولن تنفعَهم عند الحاجة أعمالُهم، بل خُتم بالشقاوة أحوالُهم (^٤).
* * *
(٣٧) - ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: أي: يجعلَ نفقاتهم حسراتٍ عليهم، ويغلبَهم وإلى جهنم يحشرَهم؛ ليفترق (^٥) الكافر الخبيث الذي نَجست
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٧٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٩٧)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٣/ ٩٤) (ط: دار التفسير)، والماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣١٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٣٧). والبيتان من قصيدة لكعب في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ١٣٤). وفي جميع المصادر بدل "بقية": (نَصِيَّة)، والنصية: الخيار من القوم.
(٢) لم أجده في "تأويلات أهل السنة".
(٣) في (ر): "والذل"، وفي "اللطائف": (فإلى الهوان والذلة).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٢١).
(٥) في (أ): "ليفرق".
[ ٧ / ٢٠٢ ]
عقيدته وأعماله من المؤمن الطيِّب الذي طابت عقيدته وأعماله.
وقال ابن عباس ﵄: ليَمِيزَ اللَّه أهل الشقاوة من أهل السعادة (^١).
وقيل: الخبيث: ما لا يصلح للَّه، والطيِّب: ما يصلح للَّه.
وقيل: الخبيث: ما حَكَم الشرعُ بقبحه وفساده، والطيِّب: ما شهد العلم بحُسنه وصلاحه.
وقيل: الخبيث: ما يَشغل صاحبه عن اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾: ركَم الشيءَ: راكَبَ (^٢) بعضَه على بعضٍ، ومنه: السحاب المركوم.
قال الحسن: أي: يركمَهم مع ما أنفقوا. فيحتمِل أن يكون الخبيثُ والطيِّب اسمين للكافر والمؤمن والرَّكمُ للكفار والجمعُ لهم، ويحتمِل أن يكون اسمًا للمال الخبيث والطيب والرَّكمُ لنفقاتهم معهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية [التوبة: ٣٥]، وإنْ حُمل (^٣) على الكافر فقوله تعالى: ﴿فَيَرْكُمَهُ. . . . فَيَجْعَلَهُ﴾ (^٤) على التوحيد يرجعُ على ظاهر اللفظ لأنه فردٌ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل هذا أن يكون معناه: يجعلهم في دركاتٍ بعضُها أسفلَ من بعض، ويحتمِلُ جَعْلَ بعضِهم على بعضٍ مقرَّنين في الأصفاد، ويحتمل جَعْلَ بعضهم على بعض على التضييق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ [الفرقان: ١٣].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٧٥).
(٢) في (ف): "ركب".
(٣) في (ر): "فإن حمل الآية".
(٤) في (ر) و(ف): "فيركمه جميعا".
[ ٧ / ٢٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: يرجع إلى المعنى لأنه جمعٌ، أو إلى أول (^١) الآيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾: أن تُجعل نفقاتُهم في قَعر جهنم، ثم يقال لهم: الْحَقوا بها (^٢).
والآيةُ في الذين قُتلوا يوم بدر، وما بعدها في حقِّ مَن بقي منهم.
* * *
(٣٨) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقول تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾: أي: قلْ يا محمد لمن بقيَ من كفار قريش بعد قَتلِ (^٣) مَن قُتل منهم يومَ بدر: إنْ تُقلِعوا عمَّا أنتم عليه من الشرك غَفَر اللَّه لكم ما مضى من الشرك والمعاصي.
وقول تعالى: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ (^٤): أي: وإن يرجعوا إلى قتال المؤمنين فإنَّ اللَّه يفعل بهم ما هو سنَّةٌ في (^٥) الأوَّلين بنصرِ الأولياء وقهرِ الأعداء، فأضاف السنة إليهم في هذه الآية لأنها مجعولةٌ لهم، وأضافها إلى نفسه في قوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] لأنه هو الذي جعلها، وهو كالأَجَل: أضافه
_________________
(١) "أو إلى أول" من (أ)، ووقع بدلًا منها في (ر): "وأول"، وفي (ف): "أول".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٥٥)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ١٤٦).
(٣) "قتل" ليست في (أ).
(٤) في (ف) و(أ): "وإن تعودوا فقد. . . " بالتاء، وقد جاء في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٦) عن ابن مسعود أنه قرأ: (إن تنتهوا يغفر لكم)، فلعل في قراءته: (وإن تعودوا) ليتجانس الفعلان.
(٥) "في" زيادة من (أ).
[ ٧ / ٢٠٤ ]
تارةً إلى نفسه بقوله ﷿: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّر﴾ [نوح: ٤]، وإلى الخلق أخرى بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤] لهذا (^١).
وقال -ﷺ-: "الإسلامُ يَجُبُّ ما قبله" (^٢).
وقال الكلبي: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابه ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾؛ أي (^٣): يُسلموا ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾: يُتجاوَز عنهم من الذنوب ما كان قبل الإسلام ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لقتاله ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بنصرِ اللَّه رسلَه، ومَن آمَن على مَن كفَر، بقتلهم في الدنيا ولهم العذابُ في العقبى (^٤).
وقيل: نزلت في عكرمةَ بن أبي جهلٍ وعمرو بن العاص، فإن النبيَّ -ﷺ- لمَّا فتَح مكة هرب عكرمةُ إلى الجُدَّة، وركب البحر فهاجت الأمواج وخِيف الغرق، فقال الملاحون: لن ينجيَكم إلا الإخلاصُ ودين محمدٍ، قال عكرمةُ: فإن كان لا يُنجِيني في البحر إلا هذا لا يُنجيني في البر إلا هذا، فعزم على أن يرجع إلى رسول اللَّه -ﷺ- فيسلمَ، فلمَّا خرج من البحر سالمًا أتى المدينة فدخلها بغَلَسٍ، فرأى عمرو بن العاصي قد جاء لذلك، فقال: ما جاء بك يا داهيةَ العرب؟ فقال: ما بقي من مكرٍ إلا عَمِلْتُه فلم يَنفدْ، فعلمتُ أنه الحق، فجئت لأبايع النبيَّ -ﷺ-، فاجتمعا على إتيانِ رسول اللَّه -ﷺ- والإسلام وأقبَلا (^٥)، فلمَّا قَرُبا من الباب كان يُقدِّم كلُّ واحد منهما
_________________
(١) "لهذا" ليست في (ف)، وكتبت في (ر) فوق السطر.
(٢) قطعة من حديث رواه مسلم (١٢١) عن عمرو بن العاص ﵁، وفيه أن النبي -ﷺ- قال له: "أمَا عَلِمْتَ أنَّ الإِسلامَ يَهْدِمُ ما كان قَبْلَه".
(٣) في (أ): "إن".
(٤) في (ف) و(أ): "الآخرة".
(٥) "وأقبلا" ليست في (ف).
[ ٧ / ٢٠٥ ]
صاحبَه ويتأخَّر حياءً، فلما دخلا بكَيَا، فقال -ﷺ-: "ما يبكيكما؟ " قالا: كثرةُ جَفائنا، فقال: "أبشِرا فإن اللَّه يَقْبلُكما" ونزلت الآية.
وقال الإمام القشيري ﵀: قل لهم: إنْ حلُّوا نطاقَ العناد أطلَقْنا عنهم عقالَ البِعاد، وإنْ أبصروا قبحَ أفعالهم جُدْنا عليهم بإصلاح أعمالهم، وإنْ جَنَحوا للاعتذار خلعْنا عليهم خلعة الاغتفار (^١).
* * *
(٣٩) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أي: شرك ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؛ أي: حتى يخلُص دينُ الإسلام فلا يعبدَ إلا اللَّه، ويجتمعَ الناس كلُّهم على الطاعة والعبادة للَّه تعالى.
قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن إسحاق وابن زيد: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أي: شرك (^٢).
وقيل: أي: لا يبقى مشركٌ يُفْتَتنُ به الجاهلون.
وقال الربيع بن أنس: حتى لا يُفْتَنَ مؤمنٌ عن دينه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾: أي: عن الفتنة والشرك وصاروا إلى دين الحق معكم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعني: بما يعملون من تركِ الكفر
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٢٤).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٧٨ - ١٨٠).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٥٦)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ١٥١).
[ ٧ / ٢٠٦ ]
والمعصية وفعلِ الإيمان والطاعة، يرى أعمالهم فيجزيهم على وفق أعمالهم (^١).
* * *
(٤٠) - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: أعرَضوا عما أنذرتَهم فلم يتدبَّروا فيه ولم يَقبلوه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾: متولِّي أمورِكم ونصرِكم وإعلائكم فقاتلوهم.
وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: على العدوِّ فثِقُوا به.
وقال الإمام القشيري ﵀: إن لم تكونوا له بحيث يقال: نِعْمَ العبيدُ أنتم، فنِعْمَ المولَى ونعْمَ الناصرُ هو لكم (^٣).
ويقال: نعم المولى كان لكم يوم قسمةِ العرفان، ونعم الناصرُ لكم يوم نعمة الغفران (^٤).
ويقال: نعم المولى هو لك حين لم تكن، ونعم الناصرُ هو لك حين كنتَ.
وقيل: نعم المولى بالتعريف قبل التكليف، ونعم الناصرُ لك بالتخفيف والتضعيف، يخفِّف عنك الطاعات، ويضاعف لك الحسنات، ويكفِّر عنك السيئات (^٥).
_________________
(١) في (ف) و(أ): "عملهم".
(٢) في (ف): "فلم يتدبروا ولم يقبلوا".
(٣) في (ف): "فنعم المولى ونعم النصير على العدو فثقوا به فهو لكم"، والمثبت من باقي النسخ و"اللطائف".
(٤) في (أ): "الفرقان"، والمثبت من باقي النسخ و"اللطائف".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٢٥).
[ ٧ / ٢٠٧ ]
(٤١) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾: أي: إذا قاتلتم المشركين وقهرتُموهم وأخذتُم أموالهم، فإنها ما كانت تحلُّ للأمم السالفة، وقد أحلَّت لكم أربعةُ أخماسها، وليس هذا في هذه الآية، بل فيها (^١) بيانُ خُمسها، فأما أربعة أخماسها فحِلُّها لنا بما ذكر في آخر هذه السورة: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩].
وما ذُكر في هذه الآيةِ فقد بينَّا أنه ناسخٌ لِمَا ذُكر في أول هذه السورة: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقال هاهنا: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.
قيل: هو على تحقيق جعلِ سدسِ الخمس للَّه، وهذا يُصرف إلى ستر الكعبة.
وقيل: إلى أسلحة الغزاة.
وقيل: بل قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ سهمُ اللَّه وسهمُ الرسول سهمٌ واحد، وهو سهم الرسول، وأضافه إلى نفسه تشريفًا له، فإنه -ﷺ- كان باللَّه وللَّه، فكان سهمُه سهمَ اللَّه وهو خُمسُ الخمس.
واختُلف في سهمه -ﷺ- أنه: هل بقي بعد وفاته أو سقط؟
قيل: سقط؛ لأنَّه لم يَخلُفْه أحد في الرسالة، فلا يَخْلُفه في سهمه.
وقيل: هو باقٍ، وهو لأمير المؤمنين في كلِّ عصرٍ؛ لأنَّه والي المسلمين كما كان رسول اللَّه -ﷺ- واليَ المسلمين.
_________________
(١) في (ف): "بل هو في".
[ ٧ / ٢٠٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾: هو القريب، وليس فيه أنه قريبُ مَن؟ لكن (^١) اجتمعت الأمة أنه أريد به قريبُ رسول اللَّه -ﷺ-، وهو واحدٌ بمعنى الجمع لأنه جنس، فكان سهمٌ من الغنيمة لأقرباءِ رسول اللَّه -ﷺ- حالَ حياته، وكان النبي -ﷺ- يُعطيهم، وعُرف بفعل (^٢) رسول اللَّه -ﷺ- أن المراد به أقرباؤه، وما كان يعطيهم كلَّهم.
روي عن جبير بن مطعم قال: لمَّا قسم رسول اللَّه -ﷺ- سهمَ ذي القربى بين بني هاشم وبني المطَّلب أتيتُ أنا وعثمان رسولَ اللَّه -ﷺ- فقلنا: يا رسول اللَّه! هؤلاء بنو هاشم لا نُنكر فضلَهم لمكانك الذي وضعَك اللَّه فيهم، أرأيت بني المطلب، أعطيتَهم وحرَمْتَنا -يعني: بني عبد شمسٍ وبني نوفل- وإنما نحن وهم منك بمنزلةٍ واحدة؟ فقال: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام"؛ أي: في حالِ جاهليتهم وبعد إسلامهم "وإنما بنو هاشمٍ وبنو المطلب شيء واحد"، وشبك بين أصابعه (^٣).
وسقط سهم ذوي القربى بوفاة رسول اللَّه -ﷺ-؛ أجمع عليه الصحابة ﵃؛ لِمَا أشار في هذا الحديث أن الإعطاء كان معلولًا بالنُّصرة، وقد (^٤) سقطت العلة فسقط (^٥) معلولُها، وعمِل به الخلفاءُ الراشدون، واتَّبعهم عليه الآخرون، وهو قولُ علمائنا ﵃ أجمعين. وقال الشافعي ﵀: هو باقٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: وسهمٌ كان لليتامى، وهو
_________________
(١) في (ف): "وليس قريبٌ ما ولكن"، في (أ): "وليس فيه أنه قريب من ذلك".
(٢) "بفعل" ليس من (ف).
(٣) رواه البخاري (٣١٤٠)، والإمام أحمد في "المسند" (١٦٧٤١)، والنسائي (٤١٣٧)، ولم يرد في رواية البخاري: "إنَّهم لمْ يفارقُوني في جاهليَّةٍ ولا إسلامٍ"، وليس عنده: (وشبك بين أصابعه).
(٤) في (ف): "وإن".
(٥) في (ر): "فيسقط".
[ ٧ / ٢٠٩ ]
جمع يتيمٍ، وهو الصغيرُ الذي مات أبوه، وسهمٌ كان للمساكين، وهو جمعُ مسكين، وهو الذي أسكنَتْه الحاجة، وسهمٌ كان لابن السبيل، وهو الغريب البعيد عن ماله، واحدٌ أُريد به الجمع لأنه جنس.
وهؤلاء مصارفُ هذا المال بصفةِ الحاجة، فلا يَحلُّ للغنيِّ منهم، ويجوز الصرفُ إلى صنفٍ واحدٍ منهم (^١)، وهو بيانُ الصرف دون الاستحقاق كما عُرف في مصارف الصدقات، وهذا عندنا.
وأربعة أخماسه يقسم بين الغزاة: للفارسِ سهمان وللراجل سهمٌ عند أبي حنيفة، وهو قول أكثر الصحابة ﵃، وفيه أكثرُ الأحاديث (^٢)، وعند أبي يوسف ومحمد ﵏: للفارس ثلاثة أسهم سهمٌ له وسهمان لفرسه، وهو قولُ بعض الصحابة (^٣)، وفيه بعض الأحاديث (^٤).
_________________
(١) "منهم" ليس من (أ).
(٢) منها حديث مجمع بن جارية ﵁ عند الإمام أحمد في "المسند" (١٥٤٧٠)، وأبي داود (٢٧٣٦)، وحديث المقداد بن عمرو عند الطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٦١)، وحديث الزبِر بن العوام في "مغازي الواقدي" (٢/ ٥٢٤)، وحديث عائشة في "تفسير ابن مردويه"، ولا يخلو كل منها من مقال. انظر: "نصب الراية" (٣/ ٤١٦)، و"الدراية" (٢/ ١٢٣).
(٣) وهو قول أكثر أهل العلم كما ذكر ابن المنذر والقرطبي، قال القرطبي: الذي عليه عامة أهل العلم فيما ذكر ابن المنذر أنه يسهم للفارس سهمان وللراجل سهم، وممن قال ذلك مالك بن أنس ومَن تبعه من أهل المدينة، وكذلك قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام، وكذلك قال الثوري ومن وافقه من أهل العراق، وهو قول الليث بن سعد ومن تبعه من أهل مصر، وكذلك قال الشافعي ﵁ وأصحابه، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا خالف في ذلك إلا النعمان، فإنه خالف فيه السنن وما عليه جل أهل العلم في القديم والحديث. قال: لا يسهم للفرس إلا سهم واحد. انظر: "الأوسط" لابن المنذر (١١/ ١٥٥ - ١٥٦)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ٢٦).
(٤) منها حديث ابن عمر عند البخاري (٢٨٦٣)، ومسلم (١٧٦٢)، ولفظه: قسم رسول اللَّه -ﷺ- يوم =
[ ٧ / ٢١٠ ]
ثم فيمَن شهد الأمر مَن لا يستحِقُّ السهم ويُرضَخُ له، ومنهم مَن لا يُرضخ (^١)، وفي موضع الرَّضخ ومقدارِ الرضخ والمالِ الذي منه الرضخُ كلامٌ، وشرحُه في الفقهيات، وقد أشبَعْنا (^٢) الكلام فيه على التهذيب والترتيب في "حصائل مسائل الفقه".
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾: يعني: فاعملوا به وارضَوا بهذه القسمة إنْ آمنتُم باللَّه، فإن الإيمان يوجب الرضا بالحكم والعملَ بالعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾: أي: وصدَّقتُم بما أنزلنا على عبدنا ورسولنا محمدٍ -ﷺ- من الملائكة.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يومَ حربِ بدر، وهو يومُ النصر، ويومُ وقوعِ الفرقان بين الحق والباطل.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: المؤمنون والمشركون ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من إدامة علوِّكم ونصرِكم ما دمتُم على طاعاتكم وبِرِّكم.
وقال جعفر بنُ بَرْقانَ: هو يومُ ستَّةَ عَشَرَ أو سبعةَ عَشَرَ (^٣) من شهر رمضان (^٤).
وقال عروة بن الزبير: هو يومُ سبعةَ عَشَرَ أو تسعةَ عَشَرَ، وهو أولُ مشهدٍ شهِده رسولُ اللَّه -ﷺ- من قتال المشركين لإعلاء الحقِّ والدين (^٥).
_________________
(١) = خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا.
(٢) "ومنهم من لا يرضخ" ليس في (ف). وانظر الخلاف في الرضخ وعدمه، وفيمن يرضخ له ومن لا يرضخ، مع أدلته وأقوال العلماء فيه في "تفسير القرطبي" (١٠/ ٢٩ - ٣١) بتحقيقنا.
(٣) في (ر): "اتسعنا"، وفي (ف): "استغنى".
(٤) بعدها في (ر): "أو تسعة عشر"، وليست في مصدر التخريج.
(٥) رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (٣٣٢ - زوائد).
(٦) رواه بنحوه مطولا الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٠١)، وليس فيه: (سبعة عشر).
[ ٧ / ٢١١ ]
(٤٢) - ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ قرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو بكسر العين والباقون بضمِّها (^١)، وهما لغتان، وهي شفيرُ الوادي.
والدنيا: القُربى، تأنيثُ الأدنى، والقصوى: البعدى، تأنيث الأقصى.
يقول: واذكروا إذ كنتم أنتم يا معشرَ المؤمنين (^٢) من جانبِ شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾؛ أي: الكفارُ بالجانب الأقصى منها إلى جهة مكة.
وقوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: أي: العيرُ، جمع راكب؛ كالصَّحْب جمعُ صاحبٍ في مكان أسفل منكم، على (^٣) الظرف لا على النعت؛ أي: بقربِ ساحل البحر بينكم وبينهم ثلاثةُ أميالٍ، فلم يمكِنْ للمشركين أن يمضوا إلى عِيرهم فيحمُوها إذ كنتم (^٤) في وجوههم، ولم يمكنكم أن تمضوا إلى العير فتستولوا عليها إذ كان المشركون في وجو هكم، فتخلَّصت (^٥) العيرُ وتجرَّد الفريقان للقتال، فنصركم اللَّه وأهلك صناديدهم وأوهَنَ كيدهم، وأعزَّ الإسلام وأَظهر أهله.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾: أي: ولو كان بينكم وبينهم تواعُدٌ لاجتماعكم في موضع معيَّنٍ ثم علمتُم بكثرة عددهم وقوتهم وقلةِ عددكم وضعفِكم لدعاكم الضعفُ إلى التخلُّف.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٣٠٦)، و"التيسير" (ص: ١١٦).
(٢) في (ف): "المسلمين".
(٣) في (ر): "نصب على".
(٤) في (ف) و(أ): "أنتم".
(٥) في (ف): "فتخلص".
[ ٧ / ٢١٢ ]
وقيل: ولو تواعدتُم ثم لم يُمدِدْكم بلطفه لاختلفتُم بالعوائق والقواطع.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: أي: ولكن وقع ذلك من غير ميعاد (^١) ليُتِمَّ اللَّه أمرًا كان قد أراده، وما أراد كونَه فهو مفعولٌ لا محالة، وهو عزُّ الإسلام وعلوُّ أهله، وذلُّ الكفر وقهرُ أهله.
وقوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: أي: صار الأمر فيما أراده إلى أن اتَّضَح العذر ولزمت الحجةُ، وظهر الحق والباطل، فيَضلُّ مَن ضلَّ عن (^٢) تمام البيان ويَهتدي مَن اهتَدَى (^٣) على كمالِ البرهان، فالهلاكُ الكفرُ والحياةُ الإيمان؛ قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: قولَ الفريقين ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: قصدَ الفريقين.
وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكرٍ ونافعٌ: ﴿مَن حَيِيَ﴾ بإظهار الياءين لامتناع الإدغام في مستقبَله: يَحْيَى، وقرأ الباقون: ﴿مَنْ حَيَّ﴾ على الإدغام (^٤)؛ للُزوم الحركة في الثاني فجرى مجرى: ردَّ.
* * *
(٤٣) - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
_________________
(١) في (ف): "ميعاده".
(٢) في (ف) و(أ): "عن".
(٣) في (ف) و(أ): "اهتدى".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٣٠٦)، و"التيسير" (ص: ١١٦).
[ ٧ / ٢١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾: أي: وإنَّ اللَّه سميعٌ عليمٌ بما قالوا وأضمَروا فأراك يا محمد في نومك قلةَ عدد المشركين.
ويحتمِلُ أنه رأى في منامه ما كان تأويلُه ضَعْفَ أمر العدو (^١)، كأنه رآهم قليلَ العدد، وتأويلُه ضعفُ أمرهم، ورؤيا الأنبياء وحي، فأَخبر أصحابه به، وقد قال: "إني أُريتُ مصارعَ القوم غدًا" (^٢) فقَوِيتْ نفوسُهم، وكانوا يخافون ويتحدثون بقلةِ عددِ أنفسهم وكثرةِ عددِهم، فأراه اللَّه تعالى ذلك، ولا يكون هذا إراءةَ الشيء على غير (^٣) ما هو به؛ لأن الرؤيا تخييلٌ وتنبيهٌ على شيء بتمثيل (^٤)، وقد صوَّرنا نوعَ تأويل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾: أي: ولو رأيتَ في منامك ما يكونُ تأويله قوةَ أمرهم ثم أَخبرتَ أصحابك بذلك لفشلوا؛ أي: جبُنوا وانصرفوا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أي: ولاختلفْتُم فلم تتَّفقوا على قتالهم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾: أي: من الفشل والتنازُع بما أراك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بسرائر القلوب؛ أي: فعَل ذلك لِمَا علِم من حُسن نيَّاتكم (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ف) و(أ): "العدد".
(٢) رواه بنحوه مسلم (٢٨٧٣) من حديث أنس عن عمر ﵁ أنه قال: إنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ-، كان يُرينا مَصارعَ أهلِ بدرٍ بالأمسِ، يقولُ: "هذا مَصْرَعُ فلانٍ غدًا، إنْ شاءَ اللَّهُ"، قال: فقال عمر: فوالذي بَعَثَه بالحقِّ ما أَخطَؤوا الحُدودَ التي حَدَّ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-. وقد تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾.
(٣) "غير" ليست في (ف).
(٤) في (ر): "يتمثل".
(٥) في (أ): "من جبن ينالكم".
[ ٧ / ٢١٤ ]
(٤٤) - ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: وهذا لطفٌ آخرُ؛ قلَّل المشركين في أعينِ المؤمنين حين التقَوا حتى قال ابن مسعود ﵁: لقد قلِّلوا في أعيننا يومَ بدرٍ حتى قلتُ لصاحبٍ لي إلى جنبي: كم تراهم (^١) سبعين؟ قال: أراهم مئة، حتى أخذنا رجلًا منهم فسألناه، قال: كنَّا ألفًا (^٢).
وقلَّل المؤمنين في أعينِ المشركين، فهان أمرُهم عليهم حتى قال أبو جهل لعنه اللَّه: خذوهم بالأيدي أخذًا ولا تقاتلوهم بالسلاح، وكان ذلك سببًا لحرص الفريقين على الملاقاة، فقضى اللَّه تعالى أمره فيهم إذ (^٣) كان أمرُه مفعولًا، ومعناه: يكون، لكنْ لمَّا كان مما يكون لا محالة أَخبر عنه بـ ﴿كَانَ﴾ كأنه قد كان.
وقال الكلبي: استقلَّ المؤمنون المشركين والمشركون المؤمنين؛ ليجترئَ بعضُهم على بعض.
وقوله: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ كائنًا في علمه بنصرِ الإسلام وأهلِه وذلِّ الشرك وأهله.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِلُ التقليلُ من الجانبين: أن المسلمين رأوا الملائكةَ معهم فكان المشركون في مقابَلة المسلمين والملائكةِ
_________________
(١) في (ف): "ترى القوم".
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٧٨٣٣)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٢١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧١٠).
(٣) في (ف): "إنه".
[ ٧ / ٢١٥ ]
قليلًا، ولم يَرَ المشركون الملائكةَ فكان المسلمون في مقابَلةِ المشركين قليلًا (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: فيَحكم فيها بما يريد.
وقال الإمام القشيري ﵀: وإذا أراد اللَّه نصرةَ عبدٍ فلو كاده جميعُ البشر أو أرادوه بكلِّ ضررٍ لم يَنفلَّ من شفا (^٢) نُجحه حدّ، ولم يحصل بينه وبين متاح لطفه له سدّ، وإذا أراد اللَّه بعبدٍ سوءًا فليس له ردّ، ولا ينفعه جِدّ، ولا يُنعشه بعد ما أسقطه حكمُه جهد (^٣).
* * *
(٤٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾: أي: لاقيتُم جماعةً من المشركين يقصدونكم فاثبتوا ولا تنهزموا.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: ادعوا في تلك الحالة ربَّكم، واسألوه الثباتَ والصبر والعلوَّ والنصر؛ كالذين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] فإنكم إذا فعلتُم ذلك كان فيه فلاحُكُم وهو الظَّفرُ بالعدو.
وقال النبيُّ -ﷺ-: "لا تتمنَّوا لقاء العدوِّ واسألوا اللَّه العافية، وإن لقيتُموهم فاثبُتوا وأكثِروا ذكرَ اللَّه، وإن أَجْلبوا وصيَّحوا فعليكم بالصَّمت" (^٤).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٢٢٩).
(٢) في (ر): "سنا".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٢٨). وكلمة "جهد" تحرفت في النسخ إلى: "حد".
(٤) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٩٥١٨)، والدارمي في "سننه" (٢٤٤٠)، وعبد بن حميد في "مسنده" =
[ ٧ / ٢١٦ ]
وقال سعيد بن جبير: ﴿فَاثْبُتُوا﴾ فإني معكم ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ فإنهما خصلتان: الغنيمة أو الشهادة (^١)، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢].
وقيل: أمَر اللَّه تعالى بكثرة الذكر بكلِّ حال وإنْ غلب الهمُّ والشغلُ بالنفس والمال، فقال في حق النفس في هذه الآية: ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية، وقال في حقِّ المال: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الجمعة: ١٠].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذكر هاهنا: ﴿فَاثْبُتُوا﴾ وذكر قبل هذا: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، فدلَّ أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه، والنهيَ عن الشيء أمرٌ بضده (^٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: جميع الخيراتِ في ثبات القلب، وبه يتبيَّنُ أقدارُ الرجال (^٣)؛ كما قال الصدِّيق ﵁ حين صدمته الفجيعةُ بوفاة رسول اللَّه -ﷺ- حتى (^٤) قال: مَن كان يعبدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد ربَّ محمدٍ فإنه حيٌّ لا يموت (^٥).
* * *
_________________
(١) = (٣٣٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧١١)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄. وروى البخاري (٣٠٢٤) من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى ﵁ مرفوعًا: "أيُّها النَّاسُ، لا تَمنَّوا لقاءَ العدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العافيةَ، فإذا لَقِيتُموهم فاصبِروا، واعلموا أنَّ الجنة تحت ظلالِ السُّيوفِ".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ١٨٢) عن ابن عباس ﵄.
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٢٣٠).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٢٨).
(٥) في (ف): "حين".
(٦) رواه بنحوه البخاري (٣٦٦٨) من حديث عائشة ﵂.
[ ٧ / ٢١٧ ]
(٤٦) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: في التآلُف على نصرة الدين.
وقيل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ في الأمر بالقتال ﴿وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمركم به حالةَ الالتقاء مِن تقدُّمٍ أو تأخُّر أو كفٍّ أو إقدام (^١)، أو نحوِ هذا مما يُوجبه تدبير قادة الجيوش.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾: أي: لا تختلفوا، والتنازع: طلَبُ كلِّ واحدٍ من صاحبه أن يَنزِع عما هو عليه.
وقوله تعالى: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾: أي: فتَجْبُنوا، نصب بالفاء في جواب النهي؛ أي: في التنازُع قلةُ الأعوان (^٢) وفيها الجبن، وفي الجبن غلبةُ العدوِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: هي ريحُ النصرة، قال -ﷺ-: "نُصِرْتُ بالصَّبا وأُهلكت عادٌ بالدَّبور" (^٣)، وقال اللَّه تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
وقال مجاهد وقتادة: ويَذهب نصرُكم (^٤).
وقال السدي: جرأتُكم وحِدَّتُكم (^٥).
_________________
(١) في (ف): "بكف أو قدم" بدل: "أو كف أو أقدام".
(٢) في (أ): "الإخوان".
(٣) رواه البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢١١) عن مجاهد.
(٥) في (أ): "أي جرأتكم وحدكم" وفي (ف): "جرأتكم وجدكم"، وبهذا اللفظ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٦٤)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٧٦) (تحقيق محمود شاكر) بلفظ: (حدكم وجدكم)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٦٣) بلفظ: (جماعتكم وحدتكم)، وقال الواحدي في "البسيط" (١٠/ ١٨٢): قال السدي: (جرأتكم)، وقال مقاتل: (حدتكم).
[ ٧ / ٢١٨ ]
وقال عطاء: جَلَدُكم (^١).
وقال النَّضْر بن شُميل: قوَّتُكم.
وقال الأخفش: دولتُكم.
وقال يمان بن رئاب: غلَبتُكم (^٢).
وقال ابن كيسان: ظَفَرُكم ورعبُ عدوِّكم منكم.
ويعبر عن الدولة بالريح؛ يقال: هبت لفلانٍ ريحٌ، إذا جاءت دولتُه.
وقال بعض المتأخرين:
إذا هبَّت رياحك فاغتنِمْها فعُقْبَى كلِّ خافقةٍ سكونُ
ولا تَغْفُلْ عن الإحسانِ فيها فلا تدري الركونُ متى يكونُ (^٣)
وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: أي: هو مُعينُهم وحافظُهم.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٦٣)، وذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ١٨٢) عن ابن عباس بلفظ: (جلدكم وجدكم).
(٢) ذكر الأقوال الثلاثة الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٦٣).
(٣) انظر: "التمثيل والمحاضرة" (ص: ٢٤١)، و"أساس البلاغة" (مادة: روح)، وعزاهما برهان الدين الوطواط في "غرر الخصائص الواضحة" (ص: ٤٠) لابن هندو، وقال الثعلبي: أنشدني أبو القاسم المذكر قال: أنشدني أبو نصر بن محمد بن الحسين الكرخي الكاتب، فذكرهما. انظر: "تفسير الثعلبي" (١٣/ ١١٣).
[ ٧ / ٢١٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾: أي: اشتغالًا عن شكر النعمة بإظهار التطاوُل على الناس بإسرافِ نفقةٍ في غيرِ رضى اللَّهِ ﷿ ونحوه، وقد بَطِر من حدِّ عَلِمَ؛ قال تعالى: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨].
وقيل: البَطَر: سوءُ احتمال الغِنَى، وهو قريب من الطغيان، قال الشاعر:
وإذا غَنِيْتَ فلا تكن بَطِرًا وإذا افتقرتَ فتُهْ على الدَّهرِ (^١)
وقوله: ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾؛ أي: مرآةً لهم؛ أي: اخرجوا إلى الجهاد محتسِبين، لا بَطِرين ولا مُرائين كالمشركين، فإنهم خرجوا يفعلون ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: دين اللَّه ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؛ أي: عالم، وهو وعيدٌ وتهديد.
قال ابن عباس ﵄ ومجاهدٌ وعروةُ بنُ الزبير ومحمد بن إسحاق: خرج أهل مكة لحماية العير التي كانت مع أبي سفيان، وأخرجوا المعازف والقِيَان، فلما نجا أبو سفيان أرسل إليهم: أن ارجعوا فقد سلِمَت عيرُكم، وهم بالجحفة، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: واللَّه لا نرجع حتى نَرِدَ بدرًا وننحرَ جُزرًا ونشربَ خمرًا، وتعزف علينا القِيَان، ويرانا مَن غشِيَنا من أهل الحجاز، وتسمعَ بنا العرب فلا يزالون يهابوننا (^٢).
وروي أنه قيل: يا رسول اللَّه! الرجل يقاتل ليَغْنَم، ويقاتل ليُذكر، ويقاتل ليُرى مكانه، فمَن في سبيل اللَّه؟ فقال -ﷺ-: "مَن قاتل لتكون كلمةُ اللَّه هي العليا" (^٣).
* * *
_________________
(١) البيت لمحمد بن جرير الطبري. انظر: "تاريخ بغداد" (٢/ ١٦٦)، و"شعب الإيمان" (٤٦٣١)، و"معجم لأدباء" (٥/ ٢٤٤)، و"سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٢٧٦).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢١٧ - ٢٢٠).
(٣) رواه البخاري (٣١٢٦)، ومسلم (١٩٠٤)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
[ ٧ / ٢٢٠ ]
(٤٨) - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾: أي: محيطٌ بهم إذ زيَّن لهم الشيطان أعمالهم (^١)؛ أي: حسَّن في قلوبهم ثباتَهم على قتال المسلمين، وأوهمهم القوةَ والغلبة وانتشارَ الصيت في العرب بالجَلادة والمنَعة، وقال: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: من جيش محمد ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾؛ أي: مجيرٌ لكم وضامنٌ لكم السلامة من اعتراض المعترِضين.
والجار: هو المجير الذي يعطي الخائفَ الأمان، وقد استجاره فأجاره؛ أي: استأمَنه فأمَّنه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾: أي: تلاقت ورأى بعضهم بعضًا، و﴿الْفِئَتَانِ﴾: جماعة المؤمنين وجماعة المشركين.
وقوله تعالى: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: النكوص: رجوعُ القَهْقَرَى خوفًا مما يَرى؛ أي: ولَّى مدبرًا حين نظر إلى الملائكة مردِفين زائدين على عدد المشركين ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي: رجعتُ عما كنتُ ضمنتُ لكم من الأمان ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾؛ أي: لأني أرى الملائكة ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾؛ أي: أخاف عقابه على أيدي مَن أراهم ولا ترونهم أنتم ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يردُّ عقابه بشيء ولا يقاوَم.
وقصته: ما ذكرنا: أن إبليس تصوَّر لهم بصورة سُراقة بن مالك بن جُعْشُم (^٢)
_________________
(١) "أعمالهم" ليست في (أ) و(ف).
(٢) في (ف): "وحثهم" بدل: "بن جعشم".
[ ٧ / ٢٢١ ]
وشجَّعهم وضمِن لهم، ثم انهزم حين نزلت الملائكة، وكان هؤلاء المشركون تخوَّفوا من بني بكر بن كنانة إذ كانوا قتلوا منهم قتيلًا، فلم يأمَنوا يوم خروجهم إلى بدر أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليس بصورة سراقة -وهو من بني بكر بن كنانة- وقال: إني جار لكم من بني بكر، فركَنوا إلى قوله وساروا وهو معهم إلى أن كان ما قلنا، وهذا جائز في زمن النبوة، ويكونُ علَمًا لرسول اللَّه -ﷺ- ليُخبر أصحابه بذلك، ويخبِرَ به مَن أَفْلتَ من القتل من قريش، فيكون ذلك دلالةً على نبوته، قال ذلك ابن عباس والشعبيُّ وقتادةُ وابن إسحاق (^١).
وقال قتادة: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ كذَب واللَّه، ما به مخافةُ اللَّه، ولكنه علم أنه لا قوة له ولا منعة، وتلك عادة عدوِّ اللَّه لمن أطاعه، حتى إذا التقى الحقُّ والباطل أسلمَهم شرَّ مُسْلَمٍ وتبرَّأ منهم (^٢).
وقال الكلبي ﵀: خاف اللعين أن يأخذه جبريل ﵇ ويعرِّفَهم حالَه، ولما نكص على عقبيه أخذ الحارثُ بن هشام بيده فقال: أعَلَى هذه الحالة تخذلنا؟! قال: إني أرى ما لا ترون، قال: واللَّه ما نرى إلا جعاسيس يثرب! قال: إني أخاف اللَّه، قال الحارث: فهلا كان أمس؟ فدفع في صدر الحارث وانطلق، وانهزم الناس، فلما قدموا مكة قالوا: هزم الناسَ سراقةُ بن مالك، فبلغ ذلك سراقةَ، فقال: بلغني أنكم تقولون: إني هزمتُ الناس، فواللَّه ما شعرتُ بمسيركم حتى بلغني هزيمتُكم، فقالوا: ما أتيتنا يوم كذا؟ فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان (^٣).
* * *
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٢١ - ٢٢٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٢٣).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٦٥)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٦٦).
[ ٧ / ٢٢٢ ]
(٤٩) - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾: أي: واذكروا إذ كان يقول المنافقون، أو: قال إبليس ذلك إذ يقول المنافقون، وهم المعلِنون للنفاق، المترئِّسون على طبقتهم (^١) ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ممن دخل في الإسلام حديثًا وفي قلبه بقيةُ شكٍّ لا يعادي المسلمين ولا يُعِين عليهم: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ توهَّموا أن دينهم يَقيهم ونبيَّهم يحميهم وهم بهذه القلة والمشركون بهذه الكثرة والعدة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: يثقْ باللَّه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يغالَبُ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يسوِّي بين وليِّه وعدوِّه.
وقال مجاهد: نزلت الآيةُ في قوم كانوا مستضعَفين بمكة، فلما خرجت قريش أخرجوهم كرهًا، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتدُّوا فقتلوا جميعًا، منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بنُ الفاكهِ بن المغيرة، والحارث بن زَمْعةَ، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبِّه بن الحجاج، خرجوا من مكة وهم على الارتياب (^٢).
وقال محمد بن إسحاق: هم ثمانية نفرٍ، من قريش خمسةٌ كانوا أقروا بالإسلام فاحتبسهم آباؤهم عن الهجرة، فخرجوا إلى بدر معهم على الارتياب، فلما رأوا قلة
_________________
(١) في (ر) و(ف): "طبقاتهم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٢٧)، ورواه الطبري أيضًا (٧/ ٣٨٣) عن قتادة في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، وكذا قال ابن إسحاق كما سيأتي.
[ ٧ / ٢٢٣ ]
أصحاب النبيِّ -ﷺ- قالوا: غرَّ هؤلاء دينُهم حتى أقدموا (^١) عليه مع قلَّتهم وكثرة عدوهم، وأسماء الخمسة: قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس المخزوميان، والحارث بن زَمْعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية، والعاص بن منبه بن الحجاج (^٢).
وزاد فيهم مقاتل: والوليد بن الوليد بن المغيرة، والوليد بن عتبة، وعمرو بن أمية ابن سفيان بن أمية، كان هؤلاء أسلموا بمكة ثم أقاموا بها مع المشركين ولم يهاجروا، فقتل هؤلاء مع المشركين، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٥٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ (^٣): قدَّم المفعول وهو ﴿الَّذِينَ﴾، وهو منصوب بوقوع التوفِّي عليهم، و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ رفعٌ لأن فعلَ التوفِّي منهم وهو قبض أرواحهم.
يقول: ولو ترى يا محمد إذ كان يتوفَّى الملائكةُ أرواحَ الكفار ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾: أي: يضربون بآلات الحرب كلَّ أجسادهم ما أَقبل منها وما أدبر، لرأيتَ أمرًا عظيمًا، جواب (لو) هذا، وهو محذوف، وهذا أبلغُ من الذكر؛ لأن النفس تذهب فيه كلَّ مذهب. وتم الكلام هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ هذا في الآخرة؛ أي: يقول الملائكة لهم: ذوقوا عذاب الإحراق.
_________________
(١) في (ف): "قدموا على ما قدموا".
(٢) قاله ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٤١) لكن في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٢٠ - ١٢١).
[ ٧ / ٢٢٤ ]
وقيل: أي: عذابَ النار؛ لأن الحريق اسم للنار.
وقيل: كان مع الملائكة مقامعُ من حديد كلما ضَربوا التهبتِ النار في الجراحات، فذلك قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: قاسُوا وجرِّبوا.
وقيل: يجوز أن تكون هذه الآيةُ في الذين لم يُقتلوا ببدر، وأخبر اللَّه تعالى عن أحوالهم عند حضور آجالهم: أن الملائكة تقبض أرواحهم بالضرب على وجوههم وأدبارهم، فيكون قبضُ أرواحهم مشاكلًا بقبض أرواح الذين قُتلوا ببدر ضربًا وطعنًا، ومِن خلفٍ وقدَّامٍ، وفوق الأعناق وعلى كلِّ بنان، ويكون جوابُ (لو): لعلمْتَ أنَّ مَن مات حتفَ أنفه ومَن مات في الحرب يتقاربان في العذاب الشديد.
* * *
(٥١) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: أي: وتقول الملائكة لهم في النار: ذلك الإحراقُ والتعذيب جزاؤكم بما قدمتُم (^١) من الكفر والمعاصي بأنفسكم مباشرة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لا يعاقبُهم بغير ذنب منهم (^٢).
* * *
(٥٢) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: أي: عادة هؤلاء المشركين بالنبيِّ -ﷺ- كعادةِ فرعون وآلهِ بالنبيِّ موسى ﵇.
_________________
(١) في (ر): "قدمت أيديكم".
(٢) "منهم" ليست في (أ)، وسقطت الجملة كلها من (ف).
[ ٧ / ٢٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الكفار ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما أنزل على نبيِّه ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: عاقبهم بها، فأهلكهم ببدرٍ كما أهلك أولئك بالإغراق في البحر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾: لا يغلبه شيء ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يطاق عقابه ولا يردُّه شيء.
* * *
(٥٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾: حُذف حرف (^١) النون من (يكن) تخفيفًا لكثرة الاستعمال؛ لأن (كان) و(يكون) أمُّ الأفعال؛ لأن (ضرَب) في معنى: كان ضرَب، و(يضرب) في معنى: يكون يضرب (^٢)، فلما كانت أمَّ الأفعال وكثر استعمالها للحاجة إليها احتملت هذا الحذف، ولم (^٣) يحتملْه نظائرها مِن: لم يَصُن ولم يخن.
يقول: إن اللَّه ﷻ بكرمه لا يَبتدِئ قومًا بإنزال هذا العذاب عليهم حتى يَسبق منهم ما يستحقّون به العذاب، فيوقَعُ بهم حينئذ، كذا كانت سنَّته في الأمم الماضية كما هي الآن في مشركي العرب، غيَّروا ما أَنعم اللَّه عليهم من ابتعاث محمدٍ -ﷺ- فكذَّبوه وأخرجوه، فغيَّرنا نعمَنا عليهم فأنزلنا بأسنابهم.
_________________
(١) "حرف" زيادة من (ف).
(٢) "يضرب" ليست في (أ).
(٣) في (ف): "ولا".
[ ٧ / ٢٢٦ ]
وقال السدِّي: أي: النعمةُ محمد -ﷺ-، أنعم اللَّه تعالى به على قريش فكفروا به وكذَّبوه فنقله إلى الأنصار (^١).
وقال الكلبي: أنعم اللَّه على أهل مكة فأطعمهم من جوع وآمَنهم من خوف، وبعث محمدًا -ﷺ- إليهم، ولم يكن يعذِّبُهم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم من النعم كفرًا بها وتركًا لشكرها، فغيَّروا ذلك فغيَّر اللَّه تعالى ما بهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية [النحل: ١١٢] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: وبأن اللَّه سميعٌ لا يخفى عليه من كلام خلقه شيء، عليمٌ بما في صدورهم.
وقال الإمام القشيري ﵀: إذا أنعم اللَّه على قومٍ وأراد دوامها لهم أكرمهم بتوفيق الشكر، فإذا شكروا نعمته قيَّدوها فدامت لهم، وإذا أراد اللَّه إزالةَ نعمة من عبدٍ أذلَّه (^٣) بخذلان الكفران، فإذا حاد عن طريق الشكر فقد عرَّض النعمة للزوال، وما دام العبد لشكرِ النعمة مقيمًا كان اللَّه تعالى لإنعامه عليه مُديمًا، فإذا قابَل النعمة بالكفران انبتَر سِلكُ نظامه، فبقَدْرِ ما يزيد في إصراره يزول الأمر عن قراره (^٤).
* * *
(٥٤) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: أي: صنيعُ هؤلاء بك كصنيعِ آل
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٣٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧١٨).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٦٨).
(٣) في (أ): "أزاله".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٣٣).
[ ٧ / ٢٢٧ ]
فرعون بموسى ﵇ ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ بأنبيائنا، وليس هذا بتكرارٍ، فإن الأولى في الكفر والمخالَفة والمؤاخَذةِ بالمعاقبة، وهذا في كفران النعمة والابتلاء بزوال النعمة.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: على العموم ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ على الخصوص ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ قال اللَّه تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
* * *
(٥٥) - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: شرَّ الخلائق الدابِّين على وجه الأرض هم أهل الكتاب الذين أَلِفوا الكفر، فهم لإلفهم ذلك لا يؤمنون بك.
قال مقاتل: هم يهود بني قريظة، وذلك أن اليهود لعنهم اللَّه نقضوا العهدَ الذي كان بينهم وبين رسول اللَّه -ﷺ-، وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال محمدٍ -ﷺ- وأصحابِه، وقالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم الثانيةَ فنقضوا العهد، فذلك قوله تعالى:
* * *
(٥٦) - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (^١): ﴿عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: أخذتَ العهد منهم.
وقيل: أي: الذي عاهدتَهم منهم؛ أي: من الذين كفروا من أهل الكتاب.
قال الكلبي: نزلت في بني قريظة من اليهود؛ منهم كعب بن الأشرف وأصحابه
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٢٠ - ١٢١).
[ ٧ / ٢٢٨ ]
الذين ينقضون العهدَ ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾؛ أي: في كلِّ حينٍ وعامٍ، فنقضوا العهد يومَ الخندق حين ركب كعبٌ إلى أهل مكة فوافقهم على مخالفة رسول اللَّه -ﷺ- (^١). وكذلك قال مجاهد (^٢).
وكان السبب في نقضهم العهد: أنهم كانوا سكان المدينة، فلما رأوا علوَّ أمر رسول اللَّه -ﷺ- حسدوه، فطابَقوا المشركين وأظهروا لهم المظاهرة إن احتيج إليهم.
* * *
(٥٧) - ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾: (إمَّا) كلمتان: (إنْ) التي هي للشرط، و(ما) التي هي للتأكيد، ولذلك أدخل نون التأكيد في ﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ كما تكون في القسم؛ لأن كل واحد منهما للتأكيد.
والثَّقف: الأخذ بسرعة، يقول: فإن أظهروا نقضَ عهدك وكاشَفوك وبادَوك بالمحاربة فظَفِرْتَ بهم ﴿فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾: أي: نكِّل هؤلاء تنكيلًا يكون سببًا لشرود مَن خلفهم؛ أي: نُفورهم وهربهم وخوفهم.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: أي: يتَّعِظون فيمتنِعون لهذا الخوف عن نقض العهد.
قال عطاء: أثخِنْ فيهم القتلَ حتى يخافَك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٦٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٣٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧١٩).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٦٨)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ٢٠٧).
[ ٧ / ٢٢٩ ]
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ: (فشرِّذ بهم) بالذال (^١)، قيل: هو في معناه.
وقال قطربٌ: بالدال: التنكيل، وبالذال المعجمةِ: التفريق.
* * *
(٥٨) - ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾: هي كقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ في أنها (^٢) كلمتان والنون للتأكيد، وهذا حكمُ مَن ظهرت منه دلالةُ خيانةٍ لا كشفُ خيانة، والآيةُ الأولى في كشف الخيانة، ونقضِ العهد على الإبانة (^٣).
والخوف: العلم؛ أي: وإنْ علمت ﴿مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ وهمًّا بنقض العهد ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾؛ أي: أَلْقِ إليهم الخبرَ أنك نقضتَ العهد الذي بينك وبينهم لتكونوا أنتم وهم في العلم بالنقض على سواء؛ أي: على استواء (^٤)؛ أي: مستوِين فيه، ولا تحاربْهم قبل الإعلام لأنه خيانة واللَّه لا يحب ذلك، وذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾: وقد كان بنو قينُقاع لمَّا انصرف رسول اللَّه -ﷺ- من غزوةِ بدرٍ أظهروا ما يدلُّ على إضمارهم الخيانةَ إلى أن انكشف أمرهم بما فعلوه، فسار إليهم رسول اللَّه -ﷺ- وحاصرهم وأنزلهم على حكمه، فكتَّفهم ليقتلهم، فكلَّمه ابن أبيٍّ في أمرهم وألحَّ عليه، فأخذ رسول اللَّه -ﷺ- من أموالهم ما أحبَّ ونفاهم، فخرجوا إلى أذرعات، ولما كان يومُ الأحزاب وظهر من بني قريظةَ مظاهرةُ أبي سفيان على حرب رسول اللَّه -ﷺ-، فعل بهم ما فعل من قتلِ المقاتِلة وسبي الذرِّية
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ٥٥)، و"المحتسب" (١/ ٢٨٠).
(٢) في (ف): "فإنها" بدل: "في أنها".
(٣) في (ف) و(أ): "الأمانة".
(٤) "أي: على استواء" ليست في (ف).
[ ٧ / ٢٣٠ ]
وأخذِ الأموال، ثم كان من بني النضير ما كان، وأجلاهم بعد أن خرَّب ديارهم وقطع نخيلَهم وأخَذ من أموالهم ما أحبَّ، وكلُّ هذا عقوبةٌ غليظة تردع السامعين مِن فعلِ ما أوجبَها، ويقع بها الاتِّعاظ والتذكُّر لمن عقَل.
* * *
(٥٩) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ (^١): قرأ عاصم في رواية حفص وابنُ عامرٍ وحمزة: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بياء المغايبة وفتحِ السين، والباقون بتاء المخاطبة وكسرِ السين (^٢)؛ أي: يا محمد لا تظنَّنَّ الكافرين السابقين.
و﴿سَبَقُوا﴾ في معنى الحال، وعلى ياء المغايَبة لا بد من إضمارِ اسم قبل الذين كفروا أو بعد ذلك، وتقديره: ولا يحسبنَّ أحدٌ أو حاسِبٌ الذين كفروا سبقوا، أو: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسَهم أو قومَهم أو سلفَهم سبَقوا.
وقال الزجَّاج ﵀: تقديره: لا يحسبن المؤمنون الذين كفروا سبَقوا (^٣).
ومعنى الآية: ولا تحسبن مَن بقي من المشركين بعد وقعة بدرٍ ممن كان شهدَها فأفلَتَ أو لم يكن شهدها سبقوا؛ أي: فاتوا فلا يلحقهم عذاب اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾: أي: لا يفوتون، وقرأ ابن عامر: ﴿أنهم﴾ بفتح الألف (^٤)، ومعناه: لأنهم، يقال: طلبت فلانًا فأعجزني؛ أي: فاتني فعجزتُ عن إدراكه.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "ولا تحسبن. . . "، وهما قراءتان كما سيأتي.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣٠٧)، و"التيسير" (ص: ١١٧).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٢١).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٣٠٧)، و"التيسير" (ص: ١١٧).
[ ٧ / ٢٣١ ]
وقال الحسن: لا يعجزون اللَّه؛ أي: لا يفوتونه حتى لا يبعثُهم اللَّه يوم القيامة.
وقيل: أي: لا يعجزونك يا محمد حتى يُظْفرَك اللَّه بهم.
وقال الإمام القشيري ﵀: كيف يعارضُ الحقَّ أو ينازعُه مَن في قبضته تقلُّبُه، وبقدرته تَصَرُّفه، وبتصريفه إياه عدمه وثبوته (^١).
* * *
(٦٠) - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: أي: هيِّئوا للكفار ما قدرتُم عليه، ﴿مَا﴾ نصبٌ لأنه مفعولٌ به بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا﴾.
﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾؛ أي: من الأشياء التي تكون قوةً لكم عليهم من الرجال والكراع والسلاح.
وروى عقبةُ بن عامر عن النبيِّ -ﷺ-: أن القوة هي الرميُ (^٢)، وهو لا ينفي (^٣) غيره، لكنه من جليل ما يُعَدُّ لذلك.
وروى ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما مدَّ الناس أيديَهم إلى شيء من السلاح إلا وللقوس عليه فضل" (^٤).
وقال عمر ﵁: نِعْمَ السلاحُ القوسُ (^٥).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٣٥).
(٢) رواه مسلم (١٩١٧).
(٣) في (ر) و(ف): "وهي لا تنفي".
(٤) ذكره الديلمي في "الفردوس" (٦٣١٣).
(٥) قوله: "وقال عمر ﵁: نعم السلاح القوس" زيادة من (أ) و(ف). ولم أقف عليه.
[ ٧ / ٢٣٢ ]
وروى مكحول عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن رمَى بسهم في سبيل اللَّه بَلَغ أو قصَّر كان له عدل رقبة" (^١).
وقال مكحول ﵁: تعلَّموا الرمي فإن ما بين الهدفين روضةٌ من رياض الجنة (^٢).
وروى عقبة (^٣) عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "كلُّ شيء يلهو به ابنُ آدم باطل إلا ثلاثًا: رميَه بقوسه، وتأديبَه فرسَه، وملاعبتَه امرأته" ثم قال: "ارمُوا واركبوا، والرميُ أحبُّ إليَّ من الركوب، ومَن ترَك الرميَ بعد ما عَلِمه فقد كفر من علمه" (^٤).
وعن أبي المعتمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "علِّموا أبناءكم السباحةَ والرميَ، ونعمَ الملتَهى المغزلُ (^٥) للمرأة المؤمنة" (^٦).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٩٥٣٩) من طريق مكحول عن بعض الصحابة عن النبي -ﷺ-. ورواه الطبراني في "الكبير" (٧٦١٠) من طريق مكحول عن أبي أمامة عن النبي -ﷺ-. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (١٧٠٢٠)، والنسائي (٣١٤٢)، من حديث عمرو بن عبسة ﵁. وهو حديث صحيح.
(٢) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٤/ ٨٣). وروي مرفوعًا من طريق مكحول عن أبي هريرة، لكن في إسناده ضعف وانقطاع. انظر: "التلخيص الحبير" (٤/ ١٦٤).
(٣) "عقبة" ليس من (أ) و(ف).
(٤) رواه أبو داود (٢٥١٣)، والترمذي (١٦٣٧)، والنسائي (٣٥٧٨)، وابن ماجه (٢٨١١)، من حديث عقبة بن عامر ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح. وقوله: "ومَن ترَك الرميَ بعد ما عَلِمه فقد كفر من علمه" كذا في النسخ، والذي في المصادر: "ومن تركَ الرميَ بعد ما عَلِمَه رَغْبةً عنه، فإنها نعمةٌ تركَها" أو قال: "كَفَرَها". وأخرج نحو هذه القطعة الأخيرة مسلم (١٩١٩) عن عقبة بن عامر مرفوعا، ولفظه: "من علم الرمي ثم تركه فليس منا، أو قد عصى".
(٥) في (ف): "الغزل".
(٦) رواه بنحوه البيهقي في "الشعب" (٨٦٦٤) من حديث ابن عمر ﵄ وقال: عبيد العطار منكر الحديث.
[ ٧ / ٢٣٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾: هو مصدر رابطْتُ العدوَّ مرابطةً ورِباطًا، وهو أن يَربط المسلمون خيولهم في الثَّغر بمقابلةِ ربطِ الكفار خيولَهم لقصد المسلمين، والمفاعَلة بين اثنين أو حزبين، وهو عطف على قوله: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾؛ أي: وأعدُّوا ما قدرتُم عليه من رميٍ ورباطِ الخيل.
وقوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾: أي: تخيفون بسبب الرباط الكفار، وهم ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهو واحدٌ أريدَ به الجمع؛ كما في قوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]، وهم الكفار من المشركين واليهودِ الذين هم بقرب المسلمين ويعرفونهم.
وقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾: أي: وتُرهبون أعداءً آخَرين من دونهم؛ أي: سوَى هؤلاء.
قال مجاهد: هم بنو قريظة.
وقال السدِّي: هم أهل فارسَ.
وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون (^١).
وقيل: هم كفَرةُ الجن، وهم يَفزعون من صهيل الخيل.
وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إنهم الجنُّ" ثم قال: "إن الشيطان لا يُخبِّلُ أحدًا في دارٍ فيها فرسٌ عتيق" (^٢).
_________________
(١) ذكره عنهم الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٣٠) ورواه عنهم -عدا الحسن- الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧٢٣ - ١٧٢٤).
(٢) رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (٦٥٢ - زوائد)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ١٨٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧٢٣)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٣٦٠)، من حديث عريب المليكي. وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية وقال: هذا الحديث منكر، لا يصح إسناده ولا متنه. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٧): فيه مجاهيل.
[ ٧ / ٢٣٤ ]
وقيل: كلُّ عدوٍّ خافٍ.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: أي: قد أعدَّ لهم جزاء عملهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾: (ما) كلمة شرطٍ، ولذلك جَزَم فحُذفَ النونُ في ﴿تُنْفِقُوا﴾ وحُذف الياء في ﴿ويُوَفَّ﴾.
أي: وكلُّ نفقةٍ قلَّتْ أو كثُرتْ تنفقونها في طاعة اللَّه وخصوصًا في الجهاد فأجرُه موفَّرٌ عليكم بالواحد سبعُ مئة إلى ما فوق ذلك، وأنتم لا تُنقَصون من أجورِ أعمالكم شيئًا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾؛ أي: لا تَخرجوا إلى الحروب كما خرجتُم إلى بدرٍ بغير السلاح؛ لأن حرب بدر كانت آيةً، فأمَركم بالخروج إليها بغير سلاح ليميزَ بين الحقِّ والباطل بهذه الآية، وفي غيرها أمَر بالاستعداد تعلُّقًا بالأسباب التي دبَّر بها أمورَ العباد (^٢).
قوله: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ هي الاستطاعةُ التي هي سلامةُ الآلات، ولذلك كانت قبل الفعل، فأما القوةُ التي هي علةُ الفعل فإنها تكون مع الفعل.
وقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ قيل: هم الشياطين، وهو كما قال: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] ويقع الإرهابُ بالخيل في حقِّهم بما فيه من قمع أوليائهم، أو يكون فيه إرهاب أوليائهم وينسب إليهم.
ويجوز أن يراد به كلُّ عدوٍّ يَظهر من بعد ذلك إلى يوم القيامة، ودلَّ ذلك على قيام فرض الجهاد إلى يوم القيامة.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "مثلهم".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٢٤٧).
[ ٧ / ٢٣٥ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: الناس مختلفون في قوة القلب على حسَب اختلاف أحوالهم (^١)، فواحدٌ يقوَى قلبه بموعود (^٢) نصره، وآخرُ يقوَى قلبه بأن الحقَّ عالم بحاله، وآخرُ يقوى قلبه بتحققه بأنه بمشهدٍ من ربه، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].
وآخرُ يقوى قلبه بإيثار رضى اللَّه تعالى على مراد نفسه.
وآخرُ يقوى قلبه برضاه بما يفعله مولاه.
وقيل: أقوى جُنَّةِ العبد في مجاهدةِ العدوِّ تبرؤُه من حوله وقوَّته (^٣).
وقد قال النبيُّ -ﷺ-: "بك أقاتل وبك أحاول" (^٤).
* * *
(٦١) - ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾: أي: مالوا إلى الصلح فمِلْ إليها، جنَحت السفينة: إذا (^٥) مالت، وجَناح الطائر يقع به الميل في أحد شقيه، والجُناح: الميل إلى المأثم.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿للسِّلم﴾ بكسر السين، والباقون بفتحها (^٦)،
_________________
(١) في (ف): "حالاتهم".
(٢) في (ف): "بموعد".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٣٥).
(٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٨٩٣٧)، والنسائي في "الكبرى" (٨٥٧٩)، وابن حبان في "صحيحه" (١٩٧٥)، من حديث صهيب ﵁. وهو حديث صحيح.
(٥) في (ف): "أي".
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٣٠٨)، و"التيسير" (ص: ١١٧).
[ ٧ / ٢٣٦ ]
وهما لغتان، وهي مؤنَّثة -أي: سماعًا- أي (^١): استعدَّ لقتالهم وقاتِلْهم، وإذا مالوا إلى الصلح فصالحهم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: في خيانةٍ (^٢) يُضْمرونها، أو كيدٍ يريدونه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾: لِمَا يجري بينك وبينهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يضمرونه من كيد وهو كافيك.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ولا تخَفْ خيانتَهم ونقضَهم العهدَ فإن اللَّه يُطلعك عليه ويكفيك.
قال: وقال الحسن ﵀: نسخها: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩].
قال: وقال بعضهم: نسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
قال: وقال بعضهم: نسخها ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥].
قال: والوجه فيه: أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة للمسلمين أنفعَ، وهم طلبوا ذلك، أجابهم إليه، وإذا طلبوا هم منه الصلحَ وبالمسلمين قوةٌ للقتال والحرب معهم لم يُجبهم إلى ذلك، وكذا قوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ هو نهيٌ أن ندعوَهم نحن إلى السَّلم ونحن الأعلَون وبنا قوةٌ، وما ذكر هؤلاء من نسخه فذلك لا نعرفه (^٣)، واللَّه أعلم.
* * *
_________________
(١) "سماعًا أي" من (ر).
(٢) في (ف): "جناية".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٢٥١ - ٢٥٢).
[ ٧ / ٢٣٧ ]
(٦٢) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾: أي: إن يريدوا بجنوحهم للسَّلم أن يخدعوك لضعفٍ يكون فيهم في ذلك الوقتِ فيلتمسوا السَّلْم ليَسلَموا إلى أن يَقْوَوا ويُمكنَهم انتهازُ الفرصة منك ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾؛ أي: كافيَكَ خداعَهم وناصرَك عليهم.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾: بمددِ الملائكة يومَ بدر ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين ألَّف بين قلوبهم على نصرتك، ومجاهدةِ الكفار على طاعتك، بعد تبايُنٍ وتباغُضٍ كان بينهم.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: هم الأوس والخزرج، ما كان يطمع في تألُّفهم بإنفاق الكثير من الأموال.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾: بفضله ولطفه ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ لا يُرَدُّ ما يفعله ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَنتقِض تدبيره ولا يختلُّ سلطانه.
قال الكلبي: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يعني: يهود بني قريظةَ يخدعوك بالصلح لتكفَّ عنهم، فاللَّه حسبُك، هو الذي أعانك وقوَّاك ﴿بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ -يعني: الأوسَ والخزرج- يومَ بدر، وألَّف وجمع بين قلوبهم بالإسلام.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾: وليس بتكرارٍ؛ لأن قوله: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ معناه: فإنه يكفيك خداعهم، وهذا الثاني عامٌّ في كلِّ كفايةٍ يحتاج إليها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: له وجوه:
أحدها: النصب، بمعنى: يكفيك ويكفي مَن اتَّبعك؛ كما قال: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]، وقال الشاعر:
[ ٧ / ٢٣٨ ]
إذا كانت الهيجاءُ (^١) وانشقَّتِ العصا فحسبُك والضحَّاكَ سيفٌ مهنَّدُ (^٢)
وهذا معنى قولِ الشعبيِّ وابنِ زيد (^٣).
والثاني: الرفع بالعطف على اسم اللَّه ﷿، وهو معنى قول الحسن (^٤)، ومعناه: كافيك اللَّه وكافيك أيضًا مَن اتبعك من المؤمنين.
وأجاز الوجهين الكسائيُّ والفرَّاءُ والزجَّاج (^٥)، ويجوز أن يكونا مرادَين (^٦) بالآية.
و(مَن اتَّبعك) على قول أكثرهم للجمع؛ أي: ومتَّبِعونك من المؤمنين يَكْفونك أيضًا، وعلى القول الأول: اللَّه يكفيك ويكفي متَّبِعيك من المؤمنين.
قال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال (^٧).
قال: وسورة الأنفال كلُّها مدنية إلا هذه الآيةَ فإنها نزلت بالبيداء (^٨).
_________________
(١) في (أ): "إذا كنت في الهيجاء".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤١٧)، و"الصحاح" (مادة: عصا)، و"شرح المفصل" لابن يعيش (٢/ ٤٨)، وعزاه في "ذيل الأمالي" (ص: ١٤٠) لجرير، وليس في ديوانه.
(٣) بل هو صريح قولهما كما رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٦٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧٢٧).
(٤) ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٠/ ٦٨).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ٤١٧)، و"معاني القرآن" للزجاج (٢/ ٤٢٣).
(٦) في (ف): "ويجوز أن المرادين"، وفي (أ): "ويجوز أن يكونوا مرادين".
(٧) ذكره عنه الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٢٣١)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٢/ ٣٣١) عن الكلبي، فلعله مما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وذكر هذا القول أيضًا ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٢/ ٥٤٩) عن النقاش. وقد سئل ابن عباس ﵄ فيما رواه البخاري (٤٦٤٥) عن سورة الأنفال فقال: (نزلت في بدر).
(٨) ذكره عنه الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٢٣١).
[ ٧ / ٢٣٩ ]
وقال مقاتل: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الأنصار (^١).
وقال عطاءٌ: المهاجرون والأنصار (^٢).
ومنهم مَن جعل ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ للواحد و(مِن) للتبعيض، وهو ما روَى الكلبيُّ (^٣) عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄: أن الآية نزلت في إسلام عمر ﵁ (^٤)، فإنْ صح فالآية مكية في السورة المدنية.
* * *
(٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾: أي: حُثَّهم ورغِّبْهم في القتال بذكر ثواب الآخرة، ووجودِ النصر والظَّفرِ في العاقبة.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾: ﴿يَكُنْ﴾ هاهنا تامٌّ؛ له اسم ولا خبر له (^٥)، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]،
_________________
(١) انظر: "تفسرِ مقاتل" (٢/ ١٢٤)، و"البسيط" (١٠/ ٢٣٢). والذي في "تفسير مقاتل" أنه في الآية التي قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٢٣٢) من طريق عطاء عن ابن عباس.
(٣) "الكلبي" ليست في (ف).
(٤) رواه الطبراني في "الكبير" (١٢٤٧٠)، والواحدي في "الوسيط" (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٨): (فيه إسحاق بن بشر الكاهلي، وهو كذاب). قلت: وليست طريق الكلبي بأصلح من هذه، وقد رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧٢٨) عن سعيد بن جبير، لكن قال القرطبي في "تفسيره" (١٠/ ٦٧): (وقع في السيرة خلافه. .) وانظر باقي كلامه ثمة، وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٣٤٢).
(٥) "له" ليس من (أ) و(ف).
[ ٧ / ٢٤٠ ]
وتقديره: إن يَحضر منكم القتالَ عشرون، وقوله: ﴿صَابِرُونَ﴾ نعتٌ للعشرين، وهو خبر بمعنى الأمر؛ أي: ليَثبُتِ العشرون للمئتين ولا يُولُّوا، فأمر بمقاومة الواحد العشرةَ، وكان هذا في الابتداء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هو كذلك؛ قال ابن عباس ﵄: كتب عليهم ألا يَفِرَّ الواحد من العشرة ثم خفِّف (^١) عنهم وأُمروا ألا يَفِرَّ الواحد من الاثنين (^٢)، وطريق إثبات الأمرِ بهذا الخبر: أن ظاهره: إنْ يصبر العشرون يَغلبوا مئتين، وتقديره: فاصبروا تَغْلِبوا.
وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: الفقه: هو إخراج ما لم يُذكر مما ذُكر، يعني: أن الكفار إنما يقاتلون على الدنيا لا علم لهم بما وعد اللَّه عليه إذا كان على الحق من الجزاء والعطاء، وأنتم أيها المؤمنون تفقهون وقد سمعتُم أَثنية المجاهدين وأجزيَة المقاتلين، فهذا يشجعكم ويثبِّتكم ويصبِّر قليلَكم على قتال كثير المشركين.
وقال محمد ابن إسحاق ﵀: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: لا يقاتلون على (^٣) بيِّنةٍ وحقٍّ، ولا معرفةٍ لخيرٍ ولا شرٍّ (^٤).
وقال مقاتل بن حيان: لما نزل ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ قام النبي -ﷺ- فقال: "مَن قتل قتيلًا فله كذا ومَن أسر أسيرًا فله كذا"، وبعث حمزة في ثلاثين راكبًا، فلقي أبا جهل لعنه اللَّه في ثلاثِ مئة راكب، ونزلت هذه الآية، ولما كان يوم بدر خفَّف اللَّه عنهم (^٥). فذلك قوله تعالى:
_________________
(١) في (ف) و(أ): "خففت".
(٢) رواه البخاري (٤٦٥٣).
(٣) في (ف): "عن".
(٤) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٧٥).
(٥) انظر: "البسيط" (١٠/ ٢٤٤) وعزاه للمفسرين، و"الكشاف" (٢/ ٢٣٥) وعزاه لابن جريج. وانظر =
[ ٧ / ٢٤١ ]
(٦٦) - ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾: قرأ عاصم وحمزة: ﴿ضَعْفًا﴾ بفتح الضاد، والباقون بضمِّها (^١)، وهما لغتان كالمَكْث والمُكْث.
أي: كان اللَّه عَلِم منكم في الأزل أنكم تَضعفون في هذه الحالة عن مقاومة الواحد العشرةَ، وكان في أول الأمر لخواصِّ أصحاب النبيِّ -ﷺ- زيادةُ استبصارٍ وقوةُ قلب، فلما اختلط بهم سائر الناس وفيهم مَن يكون به حبُّ الأهل والولد والمال، وأنه يضعف القلبُ عن مقاومة الكثير من الكفار، خفَّف عنهم وفرَض أن يقاوم الواحد الاثنين.
وقيل: أي: عَلِم الآن ضعفَكم قد وُجد كما كان عَلِم في الأزل أنه يوجد فخفَّف عنكم.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾: هذا تقرير (^٢) مقاومة الواحد الاثنين.
قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: بحُكم اللَّه وعِلم اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: أي: وإنما يقاوم الواحد الاثنين إذا صبر، واللَّهُ مُعِين الصابرين وحافظُهم.
* * *
_________________
(١) = قصة سرية حمزة في "مغازي الواقدي" (١/ ٩)، و"السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٩٥).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣٠٨ - ٣٠٩)، و"التيسير" (ص: ١١٧).
(٣) في (ر) و(ف): "تقدير".
[ ٧ / ٢٤٢ ]
(٦٧) - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾:
قال الواقدي: ولما حبَس الأسرى ببدر استَعملَ عليهم شُقرانَ، فقالوا: لو بعثنا إلى أبي بكر الصدِّيق ﵁ فإنه أَوْصَلُ قريش لأرحامنا، ولا نعلم أحدًا أعظمَ عند محمد منزلةً منه، فبعثوا إلى أبي بكر ﵁ فأتاهم، فقالوا: يا أبا بكر، إن فينا الآباءَ والأبناء والأخوالَ والعمومةَ وبني العم، وأبعدُنا قريبٌ، فكلِّم صاحبَك فيَمُنَّ علينا أو ليفادينا، فقال: نعم إن شاء اللَّه تعالى، لا آلوكم خيرًا إن شاء اللَّه، ثم انصرف إلى رسول اللَّه -ﷺ-.
قالوا: وابعثوا إلى عمر -﵁- فإنه مَن قد علمتُم، ولا نأمنُ أن يُفسد عليكم، لعله يكفُّ عنكم، فأرسلوا إليه فجاءهم، فقالوا له مثلَ ما قالوا لأبي بكر، فقال: لا آلوكم شرًا، ثم انصرف إلى النبيِّ -ﷺ- فوجد أبا بكر والناسَ حوله، وأبو بكر يليِّنه ويَفْثَؤه (^١) ويقول: يا رسول اللَّه، بأبي وأمي، قومُك فيهم الآباء والأبناء والعمومةُ والأخوال، وأبعدُهم منك قريبٌ فامنُن عليهم منَّ اللَّه عليك، أو فادِهم يستنقِذْهم اللَّه بك من النار فتأخذَ منهم ما أخذتَ قوةً للمسلمين.
ثم قام فتنحَّى ناحيةً، وسكت رسول اللَّه -ﷺ- فلم يُجِبْه، ثم جاء عمر ﵁ فجلس (^٢) مجلسَ أبي بكر فقال: يا رسول اللَّه، هم أعداء اللَّه كذَّبوك وقاتَلوك،
_________________
(١) في (أ): "ويعثاه"، وفي (ر): "ويفتوه"، وليست من (ف). والمثبت من "المغازي"، ومعناه: يسكن غضبه. انظر: "القاموس" (مادة: فثأ).
(٢) بعدها في (ف): "في"، وليست في "المغازي".
[ ٧ / ٢٤٣ ]
اضرِبْ رقابهم هم رؤوسُ الكفر وأئمةُ الضلالة، يوطِّئ اللَّه بهم الإسلام ويذلُّ بهم أهل الشرك.
فسكت رسول اللَّه -ﷺ- فلم يُجبه، وعاد أبو بكر ﵁ إلى مجلسه الأول وقال: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي، قومُك فيهم الآباء والأبناء والأخوال والعمومة، وأبعدُهم منك قريبٌ فامنُنْ عليهم أو فادهم، هم عِتْرتُك (^١) وقومك، لا تكن (^٢) أولَ مَن يستأصلهم، يهديهم اللَّه خيرٌ من أن تُهلكهم.
فسكت عنه رسول اللَّه -ﷺ- ولم يردَّ عليه شيئًا، وقام أبو بكر ناحيةً وعاد عمر فجلس مجلسه فقال: يا رسول اللَّه، ما تنتظرُ بهم، اضرب رقابهم (^٣) يوطِّئ اللَّه بهم الإسلام ويذلُّ أهل الشرك، اشفِ صدور المسلمين.
فسكت رسول اللَّه -ﷺ- فلم يجبه، وقام ناحية وجلس، وعاد أبو بكر ﵁ وكلَّمه بمثل كلامه فلم يجبه، فتنحَّى ناحيةً، ثم قام عمر فكلَّمه بمثل كلامه فلم يُجبه.
ثم قام رسول اللَّه -ﷺ- فدخل قبَّته فمكث فيها ساعةً، ثم خرج والناس يخوضون في شأنهم، يقول بعضهم: القولُ ما قال أبو بكر، وآخرون يقولون: القول ما قال (^٤) عمر، فلما خرج رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ما تقولون في صاحبيكم هذين؟ دعوهما فإن لهما مَثَلًا، مَثَل أبي بكر في الملائكة مَثَلُ ميكائيلَ ينزل بالرحمة، ومَثَله في الأنبياء كمثل إبراهيم ﵇، كان ألينَ على قومه من العسل، أَوْقَد له قومُه النار فطرحوه فيها، فما زاد على أن قال: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا
_________________
(١) قوله: "هم عترتك" من "المغازي"، ووقع بدلا منها في (أ): "عزتك"، وفي (ر) و(ف): "هم عثرتك".
(٢) في النسخ: "تكون"، والمثبت من "المغازي".
(٣) في (ف) و(أ): "أعناقهم".
(٤) في (ف): "قاله".
[ ٧ / ٢٤٤ ]
تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] وقال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومثَلُه (^١) مثَلُ عيسى إذ يقول: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، ومثل عمر في الملائكة كمثلِ جبريل ينزل بالسخطة من اللَّه والنِّقمة على أعداء اللَّه، ومَثَلُه في الأنبياء كمَثَل نوح ﵇ كان أشدَّ على قومه من الحجارة إذ يقول: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فدعا عليهم دعوةً أَغرق اللَّه بها الأرض جميعًا، وكمثل موسى إذ يقول: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، وإن بكم عَيلةً فلا يفوتنَّكم رجل من هؤلاء إلا بفداءٍ أو ضربةِ عنق"، فقال عبد اللَّه بن مسعود: يا رسول اللَّه، إلا سهيل بن بيضاء فإني رأيتُه يُظهر الإسلام بمكة (^٢)، فسكت النبي -ﷺ-، قال عبد اللَّه بن مسعود: فما مرَّت عليَّ ساعةٌ قطُّ كانت أشدَّ عليَّ (^٣) من تلك الساعة، فجعلت انظر إلى السماء أتخوَّف أن تسقط عليَّ الحجارةُ لتقدُّمي بين يدي اللَّهِ ﷿ ورسولِه بالكلام، فرفع رسول اللَّه -ﷺ- رأسه فقال: "إلا سهيل بن بيضاء"، فما مرت عليَّ ساعةٌ قط أقرَّ لعيني منها، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه يشدِّدُ (^٤) القلب
_________________
(١) بعدها في (ف): "أيضًا" وليست في "المغازي".
(٢) جاء في "المغازي" هنا: (قال ابنُ واقِدٍ: هذا وهمٌ، سهيلُ بن بيضاءَ مِن مُهاجِرة الحبشة، ما شهدَ بدرًا، إنما هو أخٌ له يقال له سَهْلٌ). قلت: وكذا قال ابن سعد في "الطبقات" (٥/ ٢١٣): (والذي روى هذه القصة في سهيل ابن بيضاء قد أخطأ، سهيل ابن بيضاء أسلم قبل عبد اللَّه بن مسعود ولم يستَخْفِ بإسلامه، وهاجر إِلَى المدينة وشهد بدْرًا مَعَ رسولِ اللَّهِ -ﷺ- مسلمًا لا شك فيه، فغلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه؛ لأن سهيلًا أشهر من أخيه سهل، والقصة فِي سهل، وأقام سهل بالمدينة بعد ذلك وشهد مع النبي -ﷺ- بعض المشاهد، وبقي بعد النبي -ﷺ-). قلت: وقد ورد الاسم على الصواب في رواية الحديث عند الإمام أحمد برقم (٣٦٣٤).
(٣) في (ر): "فما مرَّت ساعةٌ عليَّ قطُّ أشدُّ".
(٤) في (ف): "ليشدد".
[ ٧ / ٢٤٥ ]
فيه حتى يكون أشدَّ من الحجارة، ويليِّن القلبَ فيه حتى يكون ألينَ من الزُّبد"، فقبِل رسول اللَّه -ﷺ- الفداء (^١).
وفي رواية: قال عمر: أرى أن تمكِّننا منهم، فتمكِّنَ عليًّا من عقيل حتى يضربَ عنقه، وتمكِّنَ حمزةَ من أخيه العباس حتى يضربَ عنقه، حتى يعلم ربُّنا أنه ليس في قلوبنا للكفار هوادةٌ، قال عمر ﵁: فرضي رسول اللَّه -ﷺ- ما قال أبو بكر ﵁، فلما كان من الغد أتيتُ رسول اللَّه -ﷺ- فإذا هو وأبو بكر ﵁ يبكيان، فقلت: يا رسول اللَّه! أخبرني من أيِّ شيء تبكيان؟ فإنْ وجدتُ (^٢) بكاءً بكيتُ، وإن لم أجد بكاءً تباكيتُ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أبكي للَّذي كان من أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عُرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة" وهي قريبةٌ من رسول اللَّه -ﷺ- "ولو نجا منه أحدٌ لنجا منه ابنُ الخطاب" فأنزل اللَّه تعالى قولَه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣)؛ أي: يُكثِرَ القتل ويَغلب ويَقهر في أرض العرب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: وما كان لنبيٍّ أن يأخذ من الأسرى الفداءَ حتى يَغلب في الأرض، حتى إذا أخذ الفداء أو أطلقهم بعدما غلَب في
_________________
(١) انظر: "مغازي الواقدي" (١/ ١٠٧ - ١١٠)، ورواه بنحوه دون قوله: "إن اللَّه يشدد. . . " الإمام أحمد في "المسند" (٣٦٣٢) من طريق أبي عبيدة عن أبيه عبد اللَّه بن مسعود، ورواه أيضًا (٣٦٣٤) ولم يسق لفظه، بل اقتصر على بيان الاختلاف في ابن بيضاء، فجاء فيه: (سهل بن بيضاء) على الصواب، وقد نبهنا إليه قريبًا. ورواه الترمذي (١٧١٤) و(٣٠٨٤) مختصرًا، وقال: حديث حسن وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.
(٢) في (ر): "أجد".
(٣) رواه مسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عباس ﵄. دون قوله: "ولو نجا منه أحد لنجا منه ابن الخطاب". وفيه: ". . . عرض عليَّ عذابهم. . . ".
[ ٧ / ٢٤٦ ]
الأرض يكون رجوعهم إلى غيرِ منعةٍ وشوكةٍ، وإذا لم يَغلب في الأرض ثم أخذ الفداء يكون رجوعهم إلى منعةٍ، وذلك لا يحلُّ (^١).
وقالوا: هذا عتابٌ للنبي -ﷺ- بألطفِ وجهٍ، فإنه لم يقل له: ما كان لك أن تفعلَ، بل أخبره أنه لم يجعلْ لأحدٍ من الأنبياء ذلك؛ أي: لم يَشْرعْ لهم، وفي هذا من التعظيم لنبيِّه -ﷺ- ما لا خفاءَ به.
وقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾: ولم يقل: تريد -خطابًا للنبيِّ -ﷺ-، بل خاطب الناس.
وقيل: ليس بخطابٍ أيضًا للكل، فإن أبا بكر ومَن كان بمثلِ (^٢) حاله ما أشاروا (^٣) إلى أخذ الفداء رغبةً في المال، بل رجاءَ إسلام الكفار، والأقلُّون منهم رغبوا في المال، فعاتبهم اللَّه تعالى بقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: تختارون المال الذي هو شيءٌ قليلٌ عارضٌ يزول.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: أي: يختار لكم ثواب الآخرة دون عرَض الدنيا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن اللَّه تعالى أراد لأهل بدرٍ الآخرةَ وثوابها، وهم أرادوا العير وعرَض الدنيا، فكان ما أراد اللَّه تعالى لهم لا ما أرادوا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أي: فأَريدوا الآخرةَ يعزَّكم، ولا تخافوا العدو فإن اللَّه يَقهرهم، وهو حكيمٌ فيما يَأمر به ويختاره.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٢٥٨).
(٢) في (أ): "مثل" وفي (ف): "بمثل" بدل: "كان بمثل".
(٣) في (ف): "أشار".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٥/ ٢٦٠)، وفي قوله: (وهم أرادوا العير وعرض الدنيا) نظر، فقد ذلك للجميع دون أن يستثني، وقد ذكر المؤلف الجواب عنه قريبًا.
[ ٧ / ٢٤٧ ]
(٦٨) - ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: قيل: لولا حكمُ اللَّه في المجتهِدِين أنه لا يعاقبُهم فيما يجوز فيه الاجتهادُ لأصابكم فيما أخذتُم من الفداء عذاب عظيم.
وقال ابن عباس ﵄: لولا كتابٌ من اللَّه سبق في تحليل الغنائم لكم لأصابكم العذاب (^١).
وقال الحسن: إن اللَّه تعالى أطعم هذه الأمةَ الغنيمة، وإنهم أَخذوا الفداء من أسارى بدر قبل أن يُؤمروا به، فعاب (^٢) اللَّه ذلك عليهم ثم أحلَّه لهم (^٣).
وقال محمد بن إسحاق: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أني لا أعذِّب إلا بعد النهي -ولم يكن نهاهم- لعذَّبْتكم فيما صنعتُم (^٤).
وقال سعيد بن المسيب: لولا كتاب من اللَّه سبق لأهل بدرٍ بالسعادة (^٥).
وقال عبد الرحمن بن زيد: سبَق من اللَّه العفوُ عنهم والرحمةُ لهم (^٦).
* * *
(٦٩) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٧٧).
(٢) في (أ): "فعاتب"، والمثبت من باقي النسخ و"البسيط".
(٣) انظر: "البسيط" (١٠/ ٢٥٨)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٧٦) دون قوله: "فعاب. . . ".
(٤) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٧٦).
(٥) ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٨٠).
(٦) ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٨١).
[ ٧ / ٢٤٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾: أي: فقد أحلَلْتُ لكم الغنائم التي كانت محرَّمةً على الأمم قبلكم فكلوها حلالًا طيبًا؛ أي: محلَّلةً قد زالت عنكم التَبِعة والإثم فيه.
وروى أبو هريرةَ ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "ما أُحلَّتِ الغنائم لأحدٍ من سودِ الرؤوس قبلَكم، كانت النارُ تنزل من السماء فتأكلُها" (^١).
وقال علي بن أبي طلحة: كان اللَّه كتَب في أمِّ الكتاب: إن الغنائم والأسارى حلالٌ لأمة محمد -ﷺ-، فأخذوا الغنائم وأسروا الأسارى قبل أن ينزل في ذلك شيءٌ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فلمَّا نزلت هذه الآية أمسكوا عن مد أيديهم إلى شيء من الغنائم، فنزل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: في الائتمارِ بأوامره والانتهاءِ بنواهيهِ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: لِمَا كان منكم قبل هذا ﴿رَحِيمٌ﴾ لم يعاجِلْكم بالعقوبة، ولا يعذِّبُكم بعد التوبة.
* * *
(٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
_________________
(١) ورواه الترمذي (٣٠٨٥) وقال: حسن صحيح.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٧٣٤) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس دون قوله: "فلما نزلت هذه الآية أمسكوا. . . "، وهذه القطعة ذكرها الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٢٦٠) عن المفسرين.
[ ٧ / ٢٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ (^١) قرأ أبو عمرو: ﴿من الأسارى﴾ وقرأ الباقون: ﴿مِنَ الْأَسْرَى﴾ (^٢).
أُمر النبي -ﷺ- باستمالة الأسارى الذين أخذ منهم الفداء ترغيبًا لهم في الإسلام، فقال: قل يا محمد للأسارى الذين في أيديكم:
﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾: أي: إن يعلم اعتقادَ الإيمان والتصديقِ في قلوبكم موجودًا كما علِمه قبل وجوده أنه يوجدُ ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يُعطِكم في الدنيا والآخرة أكثرَ مما أُخذ منكم، وهو قوله تعالى (^٣): ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم (^٤) ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال عكرمة: وكان العباس ممن أُخذ في الأسارى، فأَوثقوه ورسولُ اللَّه -ﷺ- يسمع أنينَه، فأمره اللَّه تعالى أن يأخذ منهم الفداءَ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ (^٥) قال رسول اللَّه -ﷺ- للعباس: "افتدِ" قال: وبمَ أفتدي ولستُ أملك شيئًا؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "الأربعون دينارًا التي دفعتَ إلى أم الفضل يوم خرجتَ" قال العباس: ومَن أخبرك بهذا؟ فوالذي لا يُحلف بأعظمَ منه ما عَلم به (^٦) أحد، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أخبرني به ربي" فقال العباس: وربُّك يعلم ما
_________________
(١) في (ف) و(أ): "الأسارى"، بدل: "الأسرى"، وهما قراءتان كما سيرد.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٣٠٩)، و"التيسير" (ص: ١١٧).
(٣) "وهو قوله تعالى" ليست في (أ).
(٤) "ذنوبكم" ليست في (أ) و(ف).
(٥) في (أ): "الأسارى".
(٦) في (ف): "بها".
[ ٧ / ٢٥٠ ]
نُخفيه؟ قال: "نعم" فأقرَّ العباس وقال: ما استيقنتُ أنك رسول اللَّه -ﷺ- إلا الساعةَ (^١).
وروي أن فداء كلِّ أسير كان عشرين أوقيةً، وفدى العباس بأربعين أوقيةً عن نفسه وعن ابن أخيه عقيلٍ، قال العباس ﵁: فأبدلني اللَّه تعالى خيرًا منه، ولي اليوم عشرون عبدًا إن أدناهم ليضرب بعشرين ألفًا، وأعطاني زمزم ما أحبُّ أنَّ (^٢) لي بها جميعَ أموال مكة، وإني لأنتظر المغفرة وليس شيء أفضل منها (^٣).
* * *
(٧١) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾: قال الحسن: وإن يريدوا خيانتَك مرةً أخرى فيرجعوا إلى الكفر بعدما مَننْتَ عليهم وأطلقتَهم من أسرهم، فخانوك بالقتال لك (^٤) والعونِ عليك ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: خانوا أولياءه ونقضوا العهدَ وقاتلوك ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: أَمْكَنك اللَّه منهم؛ أي: أَقْدَرَك عليهم (^٥).
وقال ابن كيسان: ﴿خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: نكَثوا ما أعطَوا من أنفسهم عند
_________________
(١) روى نحوه الإمام أحمد في "المسند" (٣٣١٠) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، والحاكم في "المستدرك" (٥٤٠٩) -وصححه- من حديث عائشة ﵂، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ١٤٢) من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن الزهري وجماعة سماهم. ورواه ابن سعد في "الطبقات" (٤/ ١٥) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) في (ر): "أن يكون".
(٣) قطعة من خبر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عند ابن سعد (٤/ ١٥)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٨٤ - ٢٨٧) من طرق أخرى عن ابن عباس دون ذكر إعطائه زمزم.
(٤) "لك" ليس من (أ) و(ف).
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٢٦٣).
[ ٧ / ٢٥١ ]
البلاء من العهد: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ (^١)؛ أي: انتقم منهم فعذَّبهم بك وبالمؤمنين وهم مع صناديدهم ورؤسائهم، فكيف بعد ذهابهم بالقتل؟
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بخَلْقه ما يستحقُّونه من عقابه ﴿حَكِيمٌ﴾ في حكمه وأمره.
قال ابن عباس ﵄: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ يعني: العباسَ وأصحابه في قولهم: نشهدُ إنك لرسولُ اللَّه، ولنَنْصَحنَّ لك على قومنا، يقول: إن كان هذا خيانةً فقد خانوا اللَّه من قبلُ فأَمْكَنك منهم (^٢).
وهذه الآيةُ والتي قبلها في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وكان العباس أحد العشرة الذين ضمِنوا إطعام أهل بدر، ولم يكن بلَغَتْه النَّوبة حتى أُسر وأُخذت منه عشرون أوقيةً من ذهب كان خرج بها ليُطعم الناس، وأُسر قبل الإنفاق وأُخذ منه ذلك المال، فكلَّم رسول اللَّه -ﷺ- أن يجعل تلك العشرين أوقيةً من الفداء فلم يفعل، وقال له (^٣): "أمَّا شيء خرجتَ به تستعين به علينا فلا أتركُه لك"، وأَضْعَفَ عليه الفداءَ وكلَّفه فداءَ عَقيلٍ ونوفلٍ، فقال العباس: يا محمد! تركتَني أسأل قريشًا الدَّهرَ في كفِّي، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "فأين الذهبُ الذي دفعتَه إلى أم الفضل وقتَ خروجك من مكة، فقلتَ لها: إني لا أدري ماذا (^٤) يُصيبني في وجهي هذا، فإن حدثَ لي حدثٌ فهذا لك ولعبد اللَّه ولعبيد اللَّه وللفضل وقُثم"؟ يعني: بنيهِ، فقال له
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٨٧).
(٣) "له" زيادة من (ف).
(٤) في (ف) و(أ): "ما".
[ ٧ / ٢٥٢ ]
العباس: وما يدريك؟ قال: "أخبرني به ربي" فقال له العباس: فأنا أشهد أنك صادق، وأشهد (^١) أنْ لا إله إلا اللَّه وأنك عبده ورسوله، ولم يَطَّلع عليه أحد إلا اللَّه (^٢).
* * *
(٧٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: لمَّا ذمَّ الخائنين الناقضِين العهدَ مدح بعدهم المهاجرين والأنصار الموفِينَ بالعهد فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ مع رسول اللَّه -ﷺ- من مكة إلى المدينة ﴿وَجَاهَدُوا﴾ بعد ذلك الكفارَ ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ مخلِصين طالبين رضا اللَّهِ، ﴿و﴾ أهلَ المدينة ﴿الَّذِينَ آوَوْا﴾ رسولَ اللَّه -ﷺ- وأصحابَه ونصروهم على أعداء اللَّه (^٣)، فهم طبقةٌ واحدةٌ يجب على كلِّ واحد من الصنفين موالاةُ الآخر ومواتاتُه ومواساته ومؤاخاته، وكذا فعل رسول اللَّه -ﷺ- حين قدم المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، فجعل لكلِّ مهاجريٍّ أخًا أنصاريًّا، فجَرَوا على ذلك حتى شاطروا المهاجرين أموالَهم ودُورهم، وكان يكون لرجل من الأنصار داران فيعرضُهما على أخيه من المهاجرين على أن ينزل له عن أيَّتهما شاء.
وابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد وجماعة (^٤) حملوا
_________________
(١) "أشهد" زيادة من (ف).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ١٢٧)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٣٧٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٧٨).
(٣) في (ف) و(أ): "على أعدائهم".
(٤) "وجماعة" ليس من (ف).
[ ٧ / ٢٥٣ ]
هذه الولاية على الوراثة، وقالوا: كان التوارُث في الابتداء بهذه المؤاخاةِ دون القرابة إذا لم يكن معها هجرةٌ، فكان لا يَرِث المهاجرُ من (^١) غير المهاجرِ ولا غيرُ المهاجر من المهاجر وإن كانا قريبين، حتى كان يومُ فتح مكةَ فسقطت فريضةُ (^٢) الهجرة ونزلت آية المواريث بالقرابات (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾: أي: لا يلزمُكم موالاتُهم، ولا يجري التوارُث بينكم وبينهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾: أي: الذين آمنوا وأقاموا في بلدهم أو باديتهم ولم يهاجروا إليكم فقصَدهم عدوٌّ من الكفار فطلبوا منكم النصرَ فانصروهم.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: أي: قومٍ من الكفار بينكم وبينهم موادَعةٌ، فعليكم في هؤلاء الوفاءُ بالعهد وتركُ الحرب، ولم يَلزَمْكم نصرةُ الذين آمنوا ولم يهاجروا على هؤلاء.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: أي: بما تعملون مِن موالاة مَن يجب موالاتُه وتركِ موالاة مَن لا يجوز موالاته، وهو تحذير عن تعدِّي حدِّ الشرع في الموالاة وتركِها.
* * *
(٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.
_________________
(١) "من" ليس من (ف).
(٢) في (ف) و(أ): "فرضية".
(٣) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٨٩ - ٢٩٣)، وقول ابن عباس رواه أبو داود (٢٩٢٤).
[ ٧ / ٢٥٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: أي: لا تتولَّوا الكفار فليسوا بأوليائكم بل بعضُهم أولياء بعضٍ، وليس معناه أنه يلزمُهم أن يتولَّى بعضُهم بعضًا كما في المسلمين، لكنْ أريد به نفيُ الولاية بين الكفار والمسلمين.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾: (إلا) كلمتان: (إنْ) التي هي للشرط و(لا) التي هي للنفي، وحذفت النون في آخر الفعل للجزم بالشرط.
وقيل: هو متصل بقوله: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْر. . . إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: كفرٌ ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾: تسافُكُ دماءٍ؛ لأن ترك التناصُر في الدِّين يُورث ذلك.
وقيل: هو مقرَّر في موضعه، ويرجع إلى كلِّ ما سبق ذكرُه، ومعناه: إن خالفتُم ما أمَرناكم به من التولِّي للمؤمنين والتبرِّي من الكافرين، ظهر الكفر وتركُ العمل بالشرائع والتهارُجُ وفسادُ الدِّين والدنيا.
وقال عبد الرحمن بن زيد: كان المهاجر المؤمنُ والمؤمنُ الذي لم يهاجر لا يتوارثان وإن كانا أخوين مؤمنين، فلما كان يوم فتح مكةَ وانقطعت الهجرة توارَثوا حيثما كانوا بالأرحام، وقال النبي -ﷺ-: "لا هجرة بعد الفتح" وقرأ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (^١).
* * *
(٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٩٦)، وقوله: "لا هجرة بعد الفتح" رواه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٧ / ٢٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ أعاد ذكر وصفِهم (^١) ليبنيَ عليه بيانَ مدحهم وجزاءَ فعلهم، وهو قوله تعالى:
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: قال ابن كيسان: أي: الذين حقَّقوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذلِ الأموال في دين اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: كما بيَّن في أول هذه السورة الثناءَ والجزاءَ لهذه الطائفة، ثم بيَّن الذين يؤمنون ويهاجرون من بعدُ، وهو قوله تعالى:
* * *
(٧٥) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾: أي: اللاحقِين بحكم (^٢) السابقين، وهم من جملتكم وداخلون في ولايتكم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾: أي: بالتوارُثِ، وانتَسخ به ما كان من المؤاخاة بين الذين هاجروا والذين آوَوا ونصروا، وهو نصٌّ على توريث ذوي الأرحام عند عدم أصحاب الفرائض والعصبات، وهو حجةٌ لنا على الشافعي ﵀ فإنه لا يورِّثهم.
وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: قال الزجَّاج: في حُكم اللَّه (^٣).
وقيل: في اللوح المحفوظ، وقيل: أي: في القرآن.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه.
_________________
(١) بعدها في (ف): "للنبي ﵊".
(٢) في (ف) و(أ): "حكم".
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٠/ ٢٧٢)، ولم أجده في "معاني القرآن" للزجاج.
[ ٧ / ٢٥٦ ]
وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا﴾ يريد: مَن سلك مسلكهم في الحال، ومَن سيلحق بهم في الاستقبال، فالأُلفة تجمعُهم، والولاية تشملُهم، فلهم من اللَّه في العُقبى جزيلُ الثواب، والنجاةُ من العذاب، وفي الدنيا الولايةُ والتناصُر والمودةُ والتقارب.
وقال: المؤمن للأجانب مُجانب، وللأقارب مُقارب، والكفار بعضهم أولياءُ بعض، وقد قيل:
طيرُ السماء إلى أُلَّافها تقعُ (^١)
وباللَّه العون (^٢) والتوفيق.
اللهم بك أستعينُ على الطاعات والقُرَب، وإليك أَلْتجِئُ على تحصيل العلم والأدب، فبحُرمة حبيبك ونبيِّك المصطفى، وابنِ عمه وحبيبه المرتضَى، أَحْيِني يا ربِّ كما تحبُّ وترضى، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمدُ للَّه ربِّ العالمين.
* * *
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (١/ ٦٤١). والمذكور عجز بيت كما في "العقد" لابن عبد ربه (٢/ ١٧٩)، وصدره: والإلفُ ينزع نحو الآلِفِينَ كما
(٢) في (ف): "الغوث".
[ ٧ / ٢٥٧ ]
سورة التوبة
[ ٧ / ٢٥٩ ]